اهديت نفسى فهى ملك لك، لا حظّ فيها لغيرك، وإن رميت بطرفى إلى كرائم مالى وجدتها منك. . . وفزعت إلى مودتى فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة فرأيت إن أنا جعلتها هديتى لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا (هدية) ولم أقس منزلة من شكرى بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصرا عن الحق، والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقه، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، والإقرار بما يجب لك برّا أتوصّل به».
والرسالة تحمل فى جوهرها معانى الرسالة السابقة، وفيها نفس التلطف، وإن كان قد ازداد رقة فى الدعاء وفى التعبير عن الاعتذار بالتقصير، فليس هناك ما يستطيع تقديمه حتى نفسه ومودته قدّمهما من قبل، ولم يبق فى طاقته سوى الحمد والثناء والشكر الذى لا يماثله شكر، وتتوافر التقطيعات فى الرسالة ويظهر السجع أحيانا فى خفة وبدون أى تكلف لجهد أو عناء. ويكتب لصديق عزل عن عمله، مسليّا له (١):
«حفظك الله بحفظه، وأسبغ عليك كرامته، وأدام إليك إحسانه، إن سرورى بصرفك أكثر من سرور أهل عملك بما خصّوا به من ولايتك. وقد كنت-أعزّك الله-فيما يربأ بك عنه بما أنت عليه فى قدرك واستئهالك، ولكنا رجونا أن يكون سببا لك إلى ما تستحق، فطبنا نفسا بالذى رجونا. فالحمد لله الذى سلّمك منه، ونسأله تمام نعمه عليك وعلينا فيك، بتبليغك أملك وآمالنا فيك وشفع (قرن) ما كان من ولايتك بأعظم الدرجات، وأشرف المراتب، ثم خصّك الله بجميل الصّنع، وبلّغك غاية المؤملين. إن من سعادة الوالى-حفظك الله-وأعظم ما يخصّ به فى عمله وولايته السلامة من بوائق (دواهى) الإثم، ونوائب الدنيا وشرها، والعاقبة مما يخاف منها، وقد خصّك الله منها-بمنّه وطوله (إنعامه) ما نرجو أن يكون سببا لك إلى نيل ما تستحق من المراتب، والله نسأل إيزاعك (إلهامك) شكر ما منّ به عليك، وتبليغك غاية أملك فى جميع أمورك، برحمته وفضله».
والرسالة طريفة غاية الطرافة إذا عكس سعيد العزاء عن العمل، وجعله تهنئة
стр. 2102
خليقة بأن تنصب لها أعلام السرور. ومضى يصوّر سروره وأنه يزيد على سرور أهل عمله حين جاءهم نبأ تولية هذا العامل عليهم. ويؤكد سروره بقوله إنه طاب نفسا، وقد أحسن اختيار هذه الكلمة. ثم أخذ يحمد له السلامة من هذا العمل ويعدّ ذلك نعمة ليس فوقها نعمة، ويدعو له بأن يبلغ أعظم الدرجات وأشرف المراتب، كما يدعو له بأن يعرف حق هذه النعمة ويشكر الله عليها أصدق الشكر، ويتمنى له أن يبلغ غاية آماله. وكأنما الرسالة ضرب من الحيل العقلية التى كانت تدور فى المجالس، والتى كانت تعرض محاسن الشئ ومساوئه. فقد يكون حسنا وينقلب سيئا، وقد يكون سيئا وينقلب حسنا، ولا يرى فيه إلا الحسن، بفضل الذخائر العقلية التى حازها لنفسه العصر العباسى. وله من رسالة تعزية (١):
«إذا استوى المعزّى والمعزّى فى النائبة استغنى عن الإكثار فى الوصف لموقع الرزيّة. . .
وأنا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون، إقرارا له بالهلكة، واغترافا بالمرجع إليه، وتسليما لقضائه، ورضا بمواضع أقداره، وأسأل الله أن يصلّى على محمد صلاة متصلة بركاتها، وأن يوفقك لما يرضيه عنك قولا وفعلا، حتى يكمل لك ثواب الصابر المحتسب وجزاء المطيع المتنجّز للوعد، ويرحم فلانا ويحله أعلى منازل أوليائه الذين رضى سعيهم، وتطول بفضله عليهم، إنه ولىّ قدير».
والحيلة أيضا فى هذه الرسالة واضحة، فقد جعل وفاة الشخص شركة بينه وبين المعزّى، فهو أيضا حرى بأن يعزّى فيه، وكأن المصيبة فيه مصيبة عامة، والحزن عليه لا يقف عند من أرسل له هذه الرسالة، بل يشمل كثيرين هو أحدهم.
وقد أخذ يحتال على أن يسلو عنه صاحبه، تسليما للقضاء، واعترافا بأن كل من عليها فان، ورضا بالمقادير، وإنه ليدعو الله أن يوفق صاحبه للصبر على المصيبة، حتى يحوز ثواب المحتسب الصابر، ويدعو للمتوفى أن يرحمه الله وينزله مع أوليائه وأصفيائه فى الدرجات العلية. وله يهنئ بعض إخوانه بولاية (٢):
«أنا أهنئ بك العمل الذى وليته، ولا أهنئك به، لأن الله أصاره إلى من يورده موارد الصواب، ويصدره مصادر الحجّة ويصونه من كل خلل وتقصير، ويمضيه بالرأى الأصيل، والمعرفة الكاملة. قرن الله لك كل نعمة بشكرها،
стр. 2103
وأوجب لك بطوله المزيد منها، وأوزعك (ألهمك) من المعرفة بها ما يصونها من الفتن ويحوطها من النقص».
والرسالة مع إيجازها تبدأ بحيلة من حيل الفكر العباسى الخصب الحافل بما يلفت السامع ويروعه، وهى أن العمل هو الذى يهنّأ بهذا الوالى، لا أن الوالى هو الذى يهنّأ به، إمعانا فى المدح والإطراء، فقد كان من حسن حظ هذا العمل أن صار بيد من يدبره على خير وجه ممكن فى الإيراد والإصدار، ومن يصونه ويحفظه من أى خلل أو تقصير، مع الفكر الحصيف والمعرفة التامة. ويدعو له بالأمن فى عمله والسلامة من الفتن والثورات، وهو خطاب مقتضب، ولكنه جامع شامل، مع اللفظ المنتقى والأسلوب المصفّى. وله من رسالة فى ذم بعض الأشخاص وهجائه (١):
«رجل يعنف بالنعم عنف من قد ساءته بمجاورتها، ويستخفّ بحقها استخفاف من لا يخفّ عليه محملها، ويقصّر فى الشكر تقصير من لا يعلم أن الشكر يرتبطها. . فكيف يتسع الصدر للصبر عليه؟ إن الله لا يخاف الفوت فهو يمهله، وإنه إن مات لم يخرج من سلطان الله جلّ وعزّ إلى سلطان غيره فيعاجله».
وهذه الكلمات على قصرها من ألذع الهجاء، وهل هناك شخص تسوؤه النعم سوى هذا الشخص الذى لا يعرف قدرها، بل إنه يعنف بها عنف عدوّ غاشم، وإنه ليستخفّ بحقوقها استخفاف من ثقل عليه النهوض بها وحملها، وهو لذلك كله يطّرح الشكر عليها اطراح الجاهل بأن الشكر هو الذى يكفل لها البقاء، وهو لا يدرى أنه مع طغيانه وبغيه على نعمة ربه سيلقى جزاءه، إنه يمهله، لأنه لا يعرف أنه لن يخرج حين يموت عن دائرة سلطانه. والكلمات والعبارات مختارة بدقة. وله فى الدعوة إلى يوم أنس من رسالة (٢):
«لا عذر فى التخلف عنك، وإن حال الاشتغال بيننا وبينك، فإن كنت سامحت على العذر قبل الاعتذار، وسبقت إلى فضيلة الاغتفار، فلا زلت على كل خير دليلا، وإليه داعيا، وبه آمرا، وقد التقنا قبل وصول كتابك لقاء أحدث قطرا (دموعا منهمرة) وهاج شوقا، وأرجو أن تتسع لنا الجمعة بما بخلت به الأيام، فننال حظّا من محادثتك والأنس بك».
стр. 2104
وهو يعترف بأنه مقصر وخليق بالاعتذار لتخلفه عن زيارة صديقه، ويعتذر بكثرة أعماله، ويتلطف معه، فيجعله قبل عذره قبل تقديمه وغفر له تقصيره.
وانظر كيف عبّر عن مدى تأثرهما عند اللقاء بقوله إنه لقاء أحدث قطرا. ودائما لا تفوته الكلمة الموجزة المعبّرة أدق تعبير وأقواه. ومن رسالاته عن فضل محبوبته وقد ظن بها الظنون وأنها تعثّرت فى حبال غيره (١):
«أصبحت-والله-من أمر فضل فى غرور، أخادع نفسى بتكذيب العيان، وأمنّيها ما قد حيل دونه. والله إن إرسالى إليها-بعد ما قد لاح من تغيّرها-لذلّ، وإن عدولى عنها-وفى أمرها شبهة-لعجز، وإن تصرّى عنها لمن دواعى التلف».
والقطعة محبوكة العبارات، وقد عمد فيها إلى بيان حالته النفسية إزاء تغيّر فضل عليه، متصورا ثلاثة مواقف، فهو إن راسلها كان ذلك ذلاّ له وهوانا ما بعده هوان، وهو إن انصرف عنها ولا يزال مشتبها فى أمرها لم يتبين بالضبط قطيعتها له كان ذلك عجزا منه وتقصيرا، وهو إن أخذ نفسه بالصبر عنها كان ذلك فوق طاقته وأدّى به إلى التلف والهلاك. ودائما نحسّ عنده دقة التعبير، وكأن الكلمات سهام تصيب مرماها. وله فصول بديعة تدور فى كتب الأدب من مثل قوله فى رسالة لصديق مصوّرا مودته (٢):
«إنى أهديت مودتى إليك رغبة، ورضيت بالقبول منك مثوبة، فصرت بقبولها قاضيا لحق، ومالكا لرقّ، وصرت-بالتسرع إلى الهدية والتخير للمثوبة-مرتهن اللسان بالرضا، واليدين بالوفا».
وانظر تصويره لمودته بأنها هدية أهداها لصاحبه، ودائما تردّ الهدايا، وهو لا يريد لها ردّا ولا جزاء سوى قبول الصديق لها، ويقول إنك إن قبلتها أصبحت ناهضا بحق ومالكا لعبد، جعل رقّه فى يديك وحريته طوع مشيئتك، وكل ذلك كناية عن مدى إخلاصه فى أخوته وصداقته. وهو يصوّر نفسه، وقد قدّم الهدية وتخيّر جزاءها مودة صديقه بل قبوله لها، قد أصبح لسانه مرتهنا بحرمتها ويداه مقيدتين بالوفاء لها ونفسه مستعبدة له. ولا تعرف بالضبط السنة التى توفى فيها سعيد، وأكبر
стр. 2105
الظن أنه عاش إلى أواسط عصر المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٨ هـ). ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور مهارته البيانية فى الرسائل الإخوانية والديوانية، فقد كان يعنى أشد العناية باختيار ألفاظه وتقطيع عباراته حتى لينتهى التقطيع أحيانا إلى السجع، كما كان يعنى بمعانيه وجلب ما يروق منها بدقته وطرافته.
٥ - أبو العباس بن ثوابة (١)
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن ثوابة المتوفى عام ٢٧٧ للهجرة، وهو من أسرة أصلها مسيحى، عملت فى دواوين الخلافة، منذ أواسط القرن الثالث للهجرة إلى منتصف القرن الرابع. وأول من لمع اسمه منهم محمد بن ثوابة وكان يعمل فى دواوين الدولة، وهو من ممدوحى البحترى، وكان ابنه جعفر يتولّى ديوان الرسائل فى أيام عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير بأخرة من عصر المعتمد، وقد توفى سنة ٢٨٤ للهجرة، وخلفه على رياسة هذا الديوان ابنه أحمد بن محمد بن جعفر بن ثوابة، وسبق أن عرضنا له فى الفصل الماضى وقلنا إنه كان يسجع فى رسائله الديوانية، وقد توفى سنة ٣١٢ فخلفه على رياسة الديوان ابنه أحمد حتى سنة ٣٤٩ للهجرة. ويبدو أن السجع نما على أيدى هذه الأسرة وكانت عاملا من عوامل انتشاره فى الكتابتين الديوانية والإخوانية.
وليست بين أيدينا معلومات واضحة عن نشأة أبى العباس بن ثوابة، ولكن لا بد أن أباه وكان يشتغل فى الدواوين أخذه مبكرا بالدرس والتحصيل، بادئا معه من الكتّاب، ومنتهيا به إلى حلقات العلماء فى المساجد، حتى إذا غزرت ثقافته تحول به إلى الدواوين الرسمية ونراه متألفا فيها منذ عصر المهتدى (٢) (٢٥٥ - ٢٥٦ هـ)، وما زال نجمه فى صعود حتى اختير لرياسة ديوان الرسائل لأوائل عصر المعتمد. وكانت لا تعقد إلا لمن أثبت كفاءته وعرفت بلاغته. وكان طبيعيّا أن تكثر الصلات والمودات بينه وبين سعيد
стр. 2106
ابن حميد وغيره من كتّاب عصره وشعرائه، ولابن الرومى فيه مدائح مختلفة، وكذلك للبحترى ويروى له توقيع وقّع به فى قصيدة له، استمنحه فيها قضاء حاجة على هذا النحو: «مقضيّة ولو أتلفت المال، وأذهبت الحال، فقل-رعاك الله- ما شئت منبسطا، وثق بما أنا عليه لك مغتبطا، إن شاء الله تعالى». ويبدو أنه ظلّ على ديوان الرسائل حتى تولى إسماعيل بن بلبل الوزارة للمعتمد سنة ٢٦٥، وكانت بينهما وحشة شديدة. ودخل عليه أبو العباس ووقف بين يديه، ثم قال أيها الوزير: ﴿(لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ)﴾، فقال له ابن بلبل:
﴿(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ)﴾ يا أبا العباس، ورفع مجلسه، غير أنه صرفه عن الديوان وولاه نواحى بابل وسواد بغداد الغربى، فضاعف-وزاد-فى الدعاء له، ويقال إنه ظل على تلك النواحى حتى وفاته.
وأبو العباس أحد كتاب العصر وبلغائه، وفى أخباره أنه كان شديد العناية بأناقته وبكل ما يتصل بحياته شديد التكلف، ويضرب الرواة لذلك مثلا بعبارات له شديدة الغرابة، وأنه قال يوما وقد استمع إلى حاجم: علىّ بماء الورد أغسل فى من كلام الحاجم. وأثر له عهد طويل إلى أحد الولاة من الموفق ولى عهد المعتمد، ومرّ بنا أنه كان الخليفة الحقيقى طوال عصر أخيه، ولذلك كانت العهود إلى الولاة تصدر عنه، والعهد يبتدئ على هذا النمط (١):
«هذا ما عهد به أبو أحمد الموفّق بالله ولىّ عهد المسلمين إلى فلان حين ولاّه الصلاة بأهل كورة الرّىّ ودنباوند ونواحيها، والحرب والأحداث فيهما.
أمره بتقوى الله وطاعته، وخشيته ومراقبته، فى سرّه وعلانيته، وظاهر أمره وباطنه والعمل بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه فيما وافقه وخالفه، وأرضاه وأسخطه فإنه من يتّق الله يقه، ومن يعتصم به يهده، ومن يطعه يتولّه ويكفه ﴿(إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)﴾. وأمره أن يملأ قلبه خيفة الله وهيبته والتفويض إليه، والاعتماد عليه، وأن يجعل كتاب الله له إماما، وسنّة نبيه ﷺ متالا، فإن فيهما دلالة وتبيانا، وضياء ونورا وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. وأمره أن يكون أول
стр. 2107
ما يعنى به ويقدّمه، ويراعيه ويؤثره، إقامة الصلاة لمواقيتها بإتمام ركوعها وسجودها وأداء فرض الله فيها، إذ كانت عماد الدين، وأفضل ما تقرّب به المؤمنون، وكان من أضاعها وقصّر فى واجبها، أشدّ تضييعا لما سواها من حقوق الله وفرائضه ودينه وشرائعه ﴿(وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ)﴾. وأمره أن يلهم نفسه فى كل حال من حالاته وصغير وكبير من أمره، ذكر الله جل ثناؤه، وألا يمضى أمرا إلا بعد استخارة الله فيه، واستقصائه فى ذلك بالذى هو له أرضى، وعنده أزكى، فإن العاقبة للتقوى، وإن أفضل الأمور خيرها عاقبة، وأحمدها مغبّة، وما التوفيق إلا بالله، عليه يتوكل المتوكلون».
وقد استهلّ أبو العباس بن ثوابة العهد-كما يلاحظ القارئ-بالسجع، ثم رآه سيطول إذ يمتد نحو ثمانى صفحات، فانصرف عنه مكتفيا بتقطيع العبارات وباصطفائها واصطفاء الألفاظ التى تتألف منها. وقد حاول أن ينهى كل أمر بآية أو كلمة من القرآن تناسبه. وهو يمضى فى العهد، فيأمر الوالى بحسن سياسته لأهل عمله وأخذه لهم بالعدل والنّصفة وإحقاق الحقوق، وأن يتخذ مساعديه فى إدارة الحكم من أهل العفاف والكفاية، وأن يقدّم أهل الفضل والصلاح والمشايعين للدولة ويتخذ منهم مستشاريه، وأن يقيم الحدود متبعا لما جاء فى محكم التنزيل والسنة النبوية وما نصّ عليه الفقهاء، وأن يجعل دبر أذنه ما قد يكون بينه وبين بعض الرعية من حقد وضغينة، وأن يقمع أهل الدعارة والفساد بإقامة الحدود عليهم دون إفراط، فإن لكل شئ قدرا، وأن يصرف عنايته إلى أطراف ولايته، وخاصة التى تقابل الأعداء فيسدّ خللها ويرتق فتقها، ويعاجل أى متسرع للفتنة أو الثورة بها. ويطلب إليه أن يراقب التجار ولا يدعهم ينقلون زادا ولا عتادا من الأسلحة إلى ديار العدو، وينزل العقاب بمن يخالف منهم هذا الأمر، وهو بدلّ على يقظة الدولة. ويأمره أن يحسن التعاون مع صاحب الخراج وأن تقدم له ما يريد من المساعدين، حتى يدرّ الخراج ويكثر حلابه، كما يأمره أن يتفقّد من فى السجون، ويكثر عرضهم والنظر فى أمورهم والأسباب التى حبسوا بها، آخذا بمشاورة أهل الفقه فيهم. ومن أطرف ما فى العهد أن نراه يأمر الوالى بالأمانة فى
стр. 2108
ولايته، وألا يأخذ أى ضرائب استثنائية من الرعية، لا بحجة الضيافة ولا بأى حجة أخرى. ومرّ بنا فى الفصل الأول كيف أن الولاة تحولوا لصوصا وقطّاع طرق يختلسون الأموال من الناس دون أى رحمة أو شفقة، وكأن أبا العباس بن ثوابة يشير إلى ذلك على لسان الموفق إذ يقول للوالى إنه:
«أمره ألا يقسم على أهل عمله قسمة بسبب نزل (ضيافة) ولا غيره، مما كان شرار العمال يوظّفونه ويقسمونه على أهل أعمالهم، ويتجنّب الطّعم (وجوه المكاسب) الشائنة، والمكاسب الرديئة. ويحذر أن يعرض لشئ منها، أو يطلقه لأحد من كفاته (معاونيه) فيرد عليه من النكير ما هو حرىّ بتوقيه والتصّون عنه».
ويعرض فى العهد لوظيفة الحسبة. وكان المحتسب يراقب الأسعار فى الأسواق، ويقوم فيها مقام رجل الشرطة والقاضى معا ولذلك كان يختار من رجال الفقه والشريعة.
فهو يحقق ويحكم ويدين ويردّ عن المظلوم الظلم، ويراجع المكاييل والموازين، ويعاقب الغاشّ المخادع، وفى ذلك يقول عن لسان الموفق لواليه:
«وأمره أن يتخيّر للحسبة على أهل الأسواق وسائر أصحاب الصناعات والبياعات (السلع) فى عمله من يعرف بالقصد فى مذهبه، والسّتر فى نفسه، والعفاف فى طعمته (وجه مكسبه) واستيفاء الحق فيما يقلّده ويستكفى القيام به، ويتقدّم إليه فى أخذ كل طبقة من أهل الطبقات التى يقع عمله فى الحسبة فيها بتصحيح المعاملة ورفع الغشّ، وتجنب كل ما عاد بمضرّة على المسلمين أو تحيّف (تنقص) لهم، وتعيير (قياس) المكاييل والموازين فى سائر عمله، وإقامتها على الوفاء والعدل، وختمها بالرصاص، وحمل المبتاعين فيها وغيرهم عليها، والإشراف على ما يرسمه، ويتقدم بامتثاله فى سائر وجوه الحسبة، حتى لا يخالف شئ منه إلى غيره، ومعاقبة من عسى أن يقدم على مخالفته فيه، يردعه، ويعظ من سواه، فإن الله يقول: ﴿(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)»﴾.
وهى قطعة طريفة فى العهد، إذ تصوّر أعمال رجال الحسبة فى العصر وما كان
стр. 2109
يشترط فيهم من معرفة بالشريعة وحدودها وأن يكونوا من الثقاة أهل السّتر والعفاف حتى لا يتحولوا إلى ذئاب فى الأسواق فارضين على التجار وأصحاب الصناعات هدايا ورشاوى، من شأنها أن تفسد الذمم فسادا لا حدّ له، وبالتالى تفسد الأسعار والبيع والشراء. ويصوّر مهمة المحتسب بأنها تصحيح المعاملات بين الناس ورفع الغش والخداع والمراجعة الدائمة لعيار المكاييل والموازين وختم الدقيق منها ختما يدل على صلاحه، بحيث لا يستعمل سوى الموازين والمكاييل المختومة التى أقرّها المحتسب، وكلّ من حدثته نفسه بمخالفة ذلك ينبغى أن ينزل به المحتسب عقابا رادعا. وقد كتب العهد بدون سجع، وكان ابن ثوابة يفزع إلى السجع كثيرا، ولعله لاحظ أنه موجّه للرعية كما جاء فى نهايته، وأنه ينبغى لذلك أن يكون فى لغة واضحة لا يحجب السجع بعض معانيها، ولا يحول بين العوام وتبين ما فيها.
وأثرت له رسائل إخوانية كتب ببعضها إلى نفر من الوزراء، وهو فيها تارة يكثر من السجع وتارة يتخفّف منه بل قد يهمله تماما على نحو ما نجد فى الرسالة التالية التى كتب بها إلى الوزير إسماعيل بن بلبل يهنئه بمصاهرة الموفق ولىّ عهد المعتمد وفيها يقول (١):
«بلغنى للوزير-أيّده الله-نعمة زاد شكرها على مقادير الشكر، كما أربى مقدارها على مقادير النعمة، فكان مثلها قول إبراهيم بن العباس الصولى:
بنوك-غدا-آل النبىّ ووارثو ال ... خلافة والحاوون كسرى وهاشما
وأنا أسأل الله تعالى أن يجعلها موهبة ترتبط ما قبلها، وتنتظم ما بعدها، وتصل جلال الشرف، حتى يكون الوزير-أعزّه الله-على سادة الوزراء موفيا، ولجميل العادة مستحقّا، ولمحمود العاقبة مستوجبا، وأن يلبس أولياءه من هذه الحلل الغالية ما يكون لهم ذكرا باقيا وشرفا مخلّدا».
والرسالة تخلو من السجع، ولكنها تحوى الكثير من المهارة الفنية، وخاصة فى تقطيع الجمل وتقابلها واستيفاء معانيها، على نحو ما ينضح فى العبارتين الأوليين
стр. 2110
منها، واقتبس فيها بيتا لإبراهيم بن العباس الصولى شديد الصلة بما تريد الرسالة أن تؤدّيه من معان. ويعقبه بعبارات مقطّعة متقابلة، وكأنما الكلمات تتشابك بالأيدى، فقد كان يعرف كيف يضمّ اللفق إلى اللفق والنظير إلى النظير، بحيث تتماسك الكلمات وكأنها فى بناء متراص. وأشرنا فى الفصل السابق إلى إنكار إبراهيم بن المدبر فى رسالته العذراء التى وجّه بها إلى الكتّاب أن يقولوا فى رسائلهم:
«جعلت فداك» وإنما أنكر العبارة لاشتراك معناها كما يقول واحتمالها أن تكون فداء من الخير أو فداء من الشر، ويقول إن كتّاب العسكر (الجيش) وعوامّهم أولعوا بهذه اللفظة، حتى استعملوها فى جميع محاوراتهم وجعلوها دأبهم فى مخاطبة الشريف الوضيع والكبير والصغير. وكأنما صدر أبو العباس بن ثوابة عن روح هذا النقد، إذ كتب إلى الوزير عبيد الله بن سليمان رسالة خالية من قولهم:
«جعلت فداك» فعاتبه عبيد الله، ولم يكد يسمع عتابه، حتى كتب إليه برسالة ثانية، يصوّر فيها نقد إبراهيم بن المدبر السالف، وفيها يقول (١):
«الله يعلم-وكفى به عليما-لقد أردت مكاتبتك بالتفدية، فرأيت عيبا أن أفديك بنفس لا بد لها من الفناء، ولا سبيل لها إلى البقاء، ومن أظهر لك شيئا يضمر خلافه فقد غشّ، والأمر إذا كانت الضرورة توجبه، وتحقق أنه ملك لا يتحقّق، وعطاء لا يتحصّل، لم يجز أن يخاطب به مثلك، وإن كان عند قوم نهاية من نهايات التعظيم، ودليلا من دلالات الاجتهاد، وطريقا من طرق التقرب».
وقد التمس أبو العباس بن ثوابة لإنكار التفدية علة أخرى غير علة ابن المدبر، لعلها أكثر منها تعبيرا عما أصاب الذوق الأدبى فى العصر من رقة بالغة عند بعض الكتاب، حتى لتؤذيه الكتابة بالتفدية بنفس فانية غير باقية، وهو إفراط فى الحسّ والشعور والرقّة والدمائة. وبذلك نفهم عبارة أبى العباس السابقة حين استمع إلى كلام حاجم، فقال: علىّ بماء الورد أغسل فمى من كلام الحاجم، وكأن سماع الكلام الذى لا يعجبه لا يؤذى أذنه فحسب، بل يؤذى فمه، وإنه لإيذاء غريب، ولكن لا غرابة أن يصدر من أبى العباس، فقد كان يتكلف
стр. 2111
الدماثة والحسّ المفرط والشعور الحاد. وله من فصل فى رسالة كتب بها إلى نفس الوزير عبيد الله بن سليمان، يقول فيه (١):
«لم يؤت الوزير من عدم فضيلة، ولم أوت من عدم وسيلة، وغلّة (حرارة) الصّادى (العطشان) تأبى له انتظار الوارد، وتعجل عن تأمل ما بين الغدير والوادى، ولم أزل أترقّب أن يخطرنى بباله، ترقب الصائم لفطره، وأنتظره انتظار السارى لفجره، إلى أن برح (انكشف) الخفاء وكشف الغطاء، وشمت الأعداء، وإن فى تخلفى وتقدّم المقصّرين لآية للمتوسّمين، والحمد لله رب العالمين».
والفصل مكتوب بكل دقة، فالوزير لم ينسه نقصا فيه إذ اكتملت فضائله وأوفت على الغاية، وهو لم يؤت من نقص، فبلاغته ذائعة معروفة يعرفها القصىّ والدانى، وإذن فليبحث عن علة، ويقول إن الحرارة المشتعلة فى صدر العطشان تدفعه إلى عدم الانتظار لما قد يرد عليه، وتعجله عن النظر فيما بين الغدير والوادى من خيرات ومياه وطيبات. ويمضى فيقول إنه كان يترقب إقباله ترقب الصائم الجائع لفطره والسارى بالليل الداجى لفجره، غير أن أضواء الصباح العابس تفلّتت من الأفق، فاتضح الخفاء وانكشف الغطاء وأن الوزير لن يشمله برعايته، وشمت الأعداء. وكأنما يعاتب عبيد الله بكل ذلك عتابا رفيقا وهو يختمه بقوله إنه أصبح فى عداد المتخلفين، بينما تقدّمت فى رحاب الوزير كثرة من المقصّرين الذين لا يبلغون شأوه، ويقول إن فى ذلك لآية للناظرين، ولا ينسى حمد الله رب العالمين الذى لا يحمد فى مكروه سواه. والعبارات فى الفصل متسقة اتساقا وثيقا، إذ لاءم أبو العباس بينها بقسطاس دقيق، ونحسّ انسجاما بين الكلمات منذ العبارتين الأوليين، وهو انسجام انتهى بهما إلى أن تصبحا سجعتين.
ويضيف إلى ذلك فى العبارتين التاليتين مادة تصويرية طريفة، حتى إذا سوّاهما تلاهما بعبارات يلتحم فيها السجع والتصوير معا. وبذلك يبلغ أبو العباس بن ثوابة صاحب الدماثة المفرطة والرقة المتناهية كل ما كان ينتظر له من تأنق فى التعبير الأدبى، إذ يتحول عنده إلى زخرف خالص، زخرف يحمل كل ما يريد من وشى السجع ووشى الصور النادرة. وله من جواب عن تعزية (٢).
стр. 2112
«وصل كتابك بالتعزية عن أخى، وقد جلّت مصيبتى به وعظمت، فنكأت (جرحت) القلب، وهدّت الركن، وأذهبت القوة، ونغّصت العيش، وأزرت بالأمل. فعند الله أحتسبه، وإياه أسأل تفضلا عليه، وصفحا عنه، وتغمدا (غفرانا) لذنوبه، وصبرا على حادث قضائه فيه، واستعدادا للموت وتأهبا له، فإنه مصرع لا بدّ منه، ومورد لا محيص عنه».
والانسجام واضح بين الكلمات والعبارات، فقد صوّر حزنه على أخيه بجمل متناسقة، ولا شك فى أنه بذل جهدا عنيفا فى اجتلابها ووضعها متلاحقة، وكل جملة تضيف خطّا إلى لوحة الحزن السوداء، فعبارة تحمل جرح القلب، وثانية تحمل انهداد الركن، وثالثة تحمل ذهاب القوة، ورابعة تحمل تنغص العيش، وخامسة تحمل الإزراء بالأمل. ويتجه إلى الله بجمل مماثلة يدعو فيها لأخيه ولنفسه أما أخوه فيدعو له بالتفضل عليه والصفح عنه، والغفران لذنوبه، ثلاث دعوات ويقابلها لنفسه ثلاث أيضا: الصبر على حادث القضاء، والاستعداد للموت بالعمل الصالح، والتأهب له. وهكذا كل عبارة وكل كلمة كأنما توضع بميزان دقيق يزنها فى عبارتها، ويزن عبارتها بالقياس إلى قرينتها أو قرائنها. ويذكر صاحب معجم الأدباء أن البحترى هجا بنى ثوابة فى قصيدة له فبعث إليه أبو العباس يترضّاه بهدية نفيسة فردّها وقال لحاملها قل لأبى العباس: قد أسلفتكم إساءة فلا يجوز معها قبول صلتكم، فكتب إليه:
«أما الإساءة فمغفورة، والمعذرة مشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو (يداوى) جراحك مثل يدك، وقد رددت إليك ما رددته علىّ، وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا».
فقبل البحترىّ ما بعث به ووعد أبا العباس أن يأتيه ثناؤه ومديحه. والكلمات التى كتب بها إلى البحترى تحمل نفس خصائصه من وزن الكلام بقسطاس، وجعله القسطاس هذه المرة يلائم أشد الملاءمة بين العبارات، فإذا هى تأخذ صورة سجع خالص، وهو سجع حافل بالعذوبة. ولا نبالغ إذا قلنا إن أبا العباس كان أحد من أعدوا بقوة فى القرن الثالث الهجرى لشيوع السجع وانتشاره.
стр. 2113
خاتمة
هذا الجزء خاصّ بتاريخ الأدب العربى فى العصر العباسى الثانى، وقد بدأته بالحديث عن الحياة السياسية وما حدث فيها من تحول خطير؛ إذ غرب نجم الفرس ولم يعد لهم شئ من السلطان والنفوذ، فقد أصبح النفوذ كله والسلطان كله بيد الجند الأتراك وقوادهم، وكانوا بدوا رحّلا، لا علم لهم بصناعة ولا بزراعة ولا بتجارة، ولا بفنون ولا بآداب، ولا بنظم ملك وسياسة، وكانوا قد قبضوا على زمام الحكم فى أواخر العصر السابق، وظلوا مسيطرين عليه طوال هذا العصر. وعبثا حاول المتوكل التخلص منهم، ولكنهم ظفروا به وقتلوه، وولوا مكانه المنتصر، ومضوا يولّون ويعزلون ويقتلون فى الخلفاء، وزادوا عنفهم بهم بأخرة من العصر، فكانوا يسملون أعينهم. وطبيعى أن تتدهور الخلافة، وزاد فى تتدهورها انغماس الخلفاء فى اللهو والترف واشتداد سفههم، إذ مضوا يبنون القصور بالأموال الطائلة، غير مفكرين فى خزائن الدولة ولا فيما ينبغى أن تنفق فيه الضرائب من مرافق الشعب ومصالحه وإعداد الجيوش بالعتاد المادى والحربى وفسد الحكم فسادا لا حدّ له فقد تحول الوزراء إلى لصوص ينهبون أموال الدولة، وتؤخذ منهم الملايين ويصادرون ولا رادع ولا زاجر، والشعب يقاسى كل صنوف البؤس والشقاء. وتشبّ ثورة الزنج فى البصرة وتظل أربعة عشر عاما، وتشبّ ثورات القرامطة وتظل سنوات متطاولة ويقضى عليها فى العراق والشام، ولكن تظل منها شعبة فى البحرين، تهدّد الدولة وتكلفها كثيرا من الأموال والرجال حتى نهاية العصر. وتكاثرت الأحداث، وكان من أهمها إعلاء الدولة لأهل السنة على المعتزلة ووقف القول بخلق القرآن وامتحان الفقهاء فيه. وكانت الغزوات الصيفية للروم البيزنطيين لا تزال ذاهبة آيبة، وتكاثرت ثورات العلويين فى الكوفة وطبرستان، وثار الصفاريون فى سجستان وكرمان وفارس، واستسلموا آخر الأمر. ولا نصل إلى أواخر العصر، حتى يتغلب كثير من الحكام على ولاياتهم، وكأن ذلك كان إيذانا بانتهاء هذا العصر وانتهاء
стр. 2114
الحكم التركى معه، إذ استولى بنو بويه الفرس على بغداد، وصار لهم السلطان فيها والصولجان.
وكان المجتمع العباسى يتألف من ثلاث طبقات: طبقة تنعم بكل أسباب الترف والنعيم، وهى طبقة الخلفاء والوزراء والأمراء وكبار موظفى الدولة وأصحاب الإقطاعات ورءوس التجار. وطبقة وسطى، معيشتها بين الترف والشظف وهى طبقة رجال الجيش وصغار الموظفين ومتوسطى الدخل من التجار والصناع. وطبقة دنيا، معيشتها بؤس وضنك وإعسار، وهى الطبقة العامة من الزّراع وأصحاب الحرف الصغيرة والرقيق. ومن يطلع على ما كان ينفق حينئذ فى قصور الخلفاء والوزراء يخيّل إليه أنه يقرأ فى أقاصيص ألف ليلة. وليلة، إذ يبلغ ما كان ينفق على المطابخ أحيانا ثلاثين ألف دينار شهريّا، أما القصر فكان يبلغ ما ينفق عليه أحيانا مليونين ونصفا، والقصور الباذخة تشيّد، والشعب يكدح ويتصبّب من جبينه العرق ليصبح ما يملكه وزير أكثر من عشرة ملايين دينار، ولكل وزير حرسه الذى يزيد عن المئات على حين يزيد حرس الخليفة عن الآلاف. وكان كثير من أهل الطبقة الوسطى تسيل إليهم من هذا الترف وأمواله سيول، وخاصة الأطباء والمغنين والمترجمين والشعراء، أما الطبقة الدنيا فكانت مع بؤسها تبتزّ منها الأموال بكل الطرق، واضطرّ كثيرون منها إلى أن يصبحوا قرّادين وخوّائين ومتسوّلين بطرق شتى. وكان أهل الذمة يعاملون معاملة سمحة، وكان كثير من النصارى يعملون فى البيمارستانات أطباء وفى الدواوين كتّابا. وكان قصر الخلافة كثيرا ما يتحول إلى مقصف كبير للهو والغناء، ولم يتوقف فيه البذخ والترف طوال العصر. وكان الرجال والنساء جميعا يبالغون فى الأناقة: الأناقة فى الملبس وكل ما يتصل به من طيب وعطر. وتفننوا فى المطاعم إلى غير حد كما تفننوا فى الحلواء وفى الشراب. وعنوا بالسمر والمنادمة وضروب كثيرة من الملاهى. وكان الرقيق-وخاصة رقيق الجوارى- يملأ الدور والقصور، وكانت النخاسة قائمة على ساق، وكانت دورها فى الكرخ وغير الكرخ تكتظّ بالقيان. ولم يعن المجتمع العباسى بفن كما عنى بالغناء والموسيقى وكانت فيهما مدرستان: محافظة ومجددة، وكانت المدرسة المحافظة أكثر أنصارا. وأثّر الجوارى حينئذ آثارا كبيرة فى شيوع الظرف والرقة واللطف. وظلت موجة المجون
стр. 2115
والشعوبية والزندقة حادّة فى العصر، وكانت ضاحية الكرخ والبساتين والأديرة تمتلئ بحانات الخمر، وكان الناس يقصفون ويمرحون فى أعياد الإسلام والمسيحية والمجوس.
وكانت نار الشعوبية لا تزال متّقدة، وصبّ عليها الجاحظ وابن قتيبة مياها كادت تطفئها إلا قليلا، ولذلك قلما نسمع بها بعد هذا العصر إنما نسمع عن الإلحاد والزندقة، ومن رءوس الزنادقة الملحدين فى العصر ابن الرّاوندى ومحمد بن زكريا الرازى. ولم يكن هذا كله الصوت القوىّ فى الأمة، إنما كان الصوت القوى هو الانصراف عن المجون وكل ما يتبعه من إثم والعكوف على الدين الحنيف والاستماع لوعّاظه والالتفاف حول عبّاده ونسّاكه، وهيأ ذلك لاتساع حركة التصوف، وكانت قد بدأت مع أواخر القرن الثانى الهجرى ولكنها تأخذ حقّا فى الازدهار بهذا العصر، إذ أتيح لها أعلام أرسوها، بحيث أصبحت لها قواعد وأصول ثابتة.
ونشطت الحياة العقلية نشاطا واسعا، وكانت المساجد أشبه جامعات حرة، والطلاب يفنون عليها من كل صوب متحولين من حلقة إلى حلقة ناهلين ما يشاءون من العلوم اللغوية والشرعية والكلامية. وقامت بجوار المساجد دكاكين الوراقين التى كانت تحفل بكتب العلماء من كل صنف وبما ترجم من علوم الأوائل وثقافات اليونان والفرس والهند. وتأسست مكتبات كثيرة منها ما كان عامّا مثل خزانة الحكمة، ومنها ما كان خاصّا لبعض الأفراد.
وتروى أقاصيص كثيرة عن شغف الناس بالعلم ورحلتهم فى سبيله وانقضاضهم-حتى العامة منهم-عليه انقضاض الأسد على فريسته، ولعل ذلك ما جعل الجاحظ وابن قتيبة يحاولان تقريب الثقافة إلى الشعب، حتى يتزوّد منها بطرق يسيرة سهلة. ويظل نقل الثقافات الأجنبية وخاصة الثقافة اليونانية محتدما، ويتطور النقل من النقل الحرفى إلى نقل معانى الفقر بحيث تصبح صياغة الكتب المترجمة ناصعة شديدة النصوع. ونهضت العلوم الطبيعية والطبية حينئذ نهضة واسعة، وليس ذلك فحسب، فقد أصبح للعرب بدورهم فلاسفة نابهون مثل الكندى فى أوائل العصر والفارابى فى أواخره. وتزدهر العلوم اللغوية والنحوية، فتشرح النصوص القديمة شروحا موسّعة، وتوضع بعض المعاجم، وينشط تلامذة المدرستين البصرية والكوفية فى النحو، وتنشأ المدرسة البغدادية. وتكثر حينئذ المباحث البلاغية
стр. 2116
فى بيئات اللغويين المحافظين والمترجمين والمتفلسفة المجددين والمعتزلة المعتدلين، ويتم الغلب للأخيرين، ويكتب ابن المعتز كتابه الطريف «البديع» ويخطو النقد خطوات نحو تقنين مبادئه، ويشاطر فيه الجاحظ مشاطرة قوية يتأثره فيها ابن قتيبة، ويصدر قدامة كتابه «نقد الشعر». وتنشط الكتابة التاريخية فى السيرة النبوية وفى تاريخ الأمم والدول وتاريخ المدن وسير الرجال وتراجم الشعراء. وينهض علم القراءات ويفرض ابن مجاهد القرّاء السبعة المشهورين على العالم العربى الذى ارتضى ما أدّى فى ذلك من جهد علمى خصب. ونهض التفسير بدوره على يد أهل السنة والمعتزلة والصوفية، وبالمثل نهض تدوين الحديث، ووضعت فيه كتب الصحاح الستة.
وظلت الدراسات الفقهية مزدهرة، وظهرت فيها مذاهب صغرى أهمها مذهب داود الظاهرى الذى كتب له الذيوع فى الأندلس والمغرب وخاصة فى عصر دولة الموحدين. وعلى الرغم من إعلاء الدولة لأهل السنة على المعتزلة ظل لهم نشاطهم، وظهر بينهم أئمة مرموقون على رأسهم أبو على الجبّائى وابنه أبو هاشم، وتفرّع حينئذ من الاعتزال المذهب الأشعرى الذى يتوسط بين آراء المعتزلة وآراء أهل السنة، والذى كتب له الانتشار فى العالم الإسلامى.
ويظل للشعر نشاطه وازدهاره، ويظل اللغويون يقدّمون للشعراء دراسات تمكنهم من إتقان العربية على خير وجه والوقوف على كثير من أسرارها التركيبية والموسيقية، ودعم هذا الوقوف مباحث النقاد والبلاغيين وملاحظاتهم على الخصائص الجمالية للبيان العربى. وأخذت تنشأ عربية مولّدة ولكنها لم تجر على ألسنة الشعراء ولا أدخلت على أساليبهم شيئا من الضّيم، إذ كانوا يتمثّلون العربية بخصائصها الجمالية والموسيقية تمثلا تامّا. وتعمق الشعراء الثقافات الأجنبية والمباحث الفلسفية، مما جعل عقولهم تحفل بذخائر خصبة من الأفكار الدقيقة والتقسيمات الطريفة والبعد فى الخيال إلى درجة الوهم وكثرة التوليدات العقلية، وحتى البحترى الذى اشتهر بمحافظته على أصول الصياغة الموروثة للشعر العربى يمسّه حظ من الثقافات المعاصرة.
وكان حظ ابن الرومى وافرا، ولذلك كثرت عنده العلل والأقيسة والأخيلة المبتكرة والقدرة على مدح الشئ وذمه. وظل الشعراء يبالغون فى مديح الخلفاء حتى ليسبغون عليهم صفات قدسية، وسجّلوا فى مدائحهم البطولات الحربية،
стр. 2117
واحتفظوا فيها أحيانا بوصف الأطلال نافذين إلى خواطر بديعة. وظلوا يستطردون إلى وصف الصحراء، واتسعوا فى وصف الربيع والطبيعة الحضرية والأعياد وملاهيها.
ونشط الهجاء، وكانوا يعمدون فيه إلى التهوين والتحقير، ونفذ فيه ابن الرومى إلى نوع جديد من الهجاء الساخر. وظل الفخر نشطا، واحتدم الرثاء، وتفجّعوا على أبنائهم تفجعا مريرا، كما تفجعوا على البصرة حين هوت تحت أقدام الزنج. ولابن العلاّف مرثية فى هرّ تعدّ من عيون الرثاء ودرره. وصوّروا فى عتابهم واعتذاراتهم رقة أهل الحضر ودمائتهم. وظل للغزل ازدهاره سواء الغزل العفيف الطاهر أو الغزل المادىّ الماجن، ونفذوا فيه إلى كثير من دقائق المعانى والأخيلة، ولكثيرين منهم خمريات تطفح بالمتاع الآثم. ونشط شعر الزهد نشاطا واسعا. وأكثروا من التهانى والتراسل بالأشعار مع الهدايا، وللبحترى وصف رائع لإيوان كسرى. ولهم أشعار كثيرة فى وصف قصور الخلفاء وبذخهم فى البناء، وأكثروا من وصف الطبيعة والورود والرياحين، كما أكثروا من وصف الوحش والصيد وكلابه والأطعمة على اختلاف ألوانها والملاهى، وفسحوا للشكوى من الزمن ولوصف الأخلاق ولشعر التصوف وللشعر التعليمى على نحو ما يلاحظ عند ابن الجهم وابن المعتز فى نظمهما للتاريخ، وعند ابن دريد فى نظمه للمعارف اللغوية.
وأعلام الشعراء فى العصر على بن الجهم والبحترى وابن الرومى وابن المعتز والصّنوبرىّ، فأما ابن الجهم فقرشى الأصل ولد ونشأ ببغداد، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، فمدح المعتصم والواثق ويتخذه المتوكل جليسا ونديما بينما يدبّج فيه المدائح والأشعار وقد اندفع وراء المتوكل فى الهجوم على المعتزلة والعلويين والنصارى، فتكاثر خصومه، وسعوا به عند المتوكل فأمر بحبسه عاما، ثم نفاه إلى خراسان. وعاد منها إلى بغداد ثم رأى الاشتراك فى نضال البيزنطيين، ولكنه قتل دون غايته. وأروع أشعاره ما نظمه فى الاستعطاف وليالى الأنس بالكرخ، وأكثرها توهجا تصويره لصلابة نفسه حين سجن وصلى نار النّفى، وكأنما كان صخرة عاتية لا تستطيع الكوارث والمحن أن تمسّ نفسه.
وكان البحترى عربيّا شاميّا من طيئ، سال الشعر على لسانه مبكرا، وفى حلب تعرّف بفتاة تسمّى علوة، ظلت لا تبرح ذاكرته، ولقى فى حمص أبا تمام حامل لواء الشعر فى عصره غير مدافع، واستمع إلى شعر الفتى الناشئ،
стр. 2118
فشجّعه، وأهداه بعض نصائح كان لها أثر بعيد فى شعره. وقد عكف البحترى على شعر هذا الشاعر الكبير يدرسه ويتمثله. وقدّمه أبو تمام إلى ممدوحيه، ونزل سامرّاء وأصبح شاعر البلاط الرسمى من عهد المتوكل إلى عهد المعتمد. ولم يكد يترك وزيرا ولا موظفا كبيرا ولا أميرا ولا واليا إلا صاغ فيه مديحه. وهو ممن يمثلون النزعة المحافظة فى عصره، ويعدّ بحق أستاذ الفن الموسيقى فى الشعر العربى، وكأنما وقف على جميع أسراره ودقائقه، وأكثر شعره فى المديح، ومن روائع مدائحه مدحته لأحمد بن دينار وفيها صوّر معركة بحرية بقيادته دمّر فيها الأسطول البيزنطى. ولم يكن بارعا فى الهجاء، وله فخر ضعيف. ومراثيه قوية، وله غزل يترقرق فيه الوجد كما يترقرق الماء فى الغصن، وكان ماهرا فى وصف مظاهر العمران والحضارة والطبيعة.
وكان ابن الرومى يونانى الأصل ولد ونشأ ببغداد، وكانت ملكاته خصبة أروع ما يكون الخصب، وكان شديد الحساسية إلى درجة التطير، وتروى عنه فيه أقاصيص كثيرة. وكان يتشيّع، ولعل ذلك ما جعل كثيرين يزورّون عنه، كما جعل أبواب الخلفاء والوزراء تغلق دونه، وويل لمن كان يهجوه. وتتردّد فى ديوانه أسماء ممدوحين كثيرين وكذلك أسماء كثيرات من الجوارى والقيان، واستطاع بملكاته الخصبة أن ينفذ إلى لون ساخر جديد فى الهجاء كما أسلفنا، وله مراث تفيض بالحسرات واللوعات، وعتابه لأبى القاسم التّوّزىّ وحواره مع هناته من أطرف ما نظمه شعراء العربية، وله فى الغزل معان وأخيلة نادرة وكان يشغف بالطبيعة وله فيها أشعار رائعة، وهو يكثر من وصف مجالس الأنس وألوان الطعام، وله أشعار بديعة فى الزهد.
وكلّ الشعراء السالفين من أبناء الشعب، أما عبد الله بن المعتز فكان أبوه ابن الخليفة المتوكل وظل فى الخلافة نحو ثلاثة أعوام، وقتله الترك ونفوا أمه قبيحة وابنه عبد الله إلى مكة، وأعادهما المعتمد إلى سامرّاء وفيها مضى عبد الله ينهل من كل الثقافات، وله مصنفات مختلفة أهمها كتابه البديع، وكان يحسن الضرب على الآلات الموسيقية، وله أصوات حملتها العصور بعده، وله مدائح مختلفة فى عميه المعتمد والموفق وفى المعتضد وابنه المكتفى. وكانت مأساته فى أبيه وجدّه تصرفه عن التفكير فى الخلافة، ولكن حدث أن تولاها المقتدر وهو
стр. 2119
غلام، وتجمع طائفة كبيرة من رجال الدولة على خلعه والبيعة لابن المعتز، ويكون فى ذلك حتفه. وآثار بيئته المترفة واضحة فى أشعاره، وخير مدائحه ومراثيه ما نظمه فى ابن عمه وصديقه المعتضد، وله فخر كثير وفيه يلوّح من حين إلى حين فى وجوه العلويين، بأن أسرته أحق منهم بميراث الخلافة. وله أشعار كثيرة فى الغزل واللهو والخمر وذم الصّبوح، وتكثر فى شعره التشبيهات والاستعارات كما يكثر وصف الصيد وكلابه وآلاته.
وكان الصّنوبرى من أهل أنطاكية، ولكنه نشأ وتربّى فى حلب، وعاش حياته بها إلا فترات كان يتردّد فيها على الموصل. وأكثر من المديح، وكان شيعيّا، وهو لا يغلو فى تشيعه، وانعقدت صداقة بينه وبين كشاجم مواطنه الذى ينزل منه منزلة التلميذ من أستاذه. وفى أشعاره عناية واضحة بصناعتها ونثر فنون البديع فيها، وله مدائح كثيرة، وأروع مراثيه بكاؤه على آل البيت وتفجعه على ابنته ليلى، وله غزل فى فتاة مسيحية. ويكثر من وصف الخمر، وله أشعار فى الزهد، وأهم موضوع شغله واشتهر به وصف الطبيعة حتى ضرب المثل بروضياته، وله غناء كثير بالثلجيات، ويعدّ فاتح هذا الباب فى العربية، وله أشعار بديعة فى وصف الديك والصيد والهرّ والجرذان، مما يشهد بملكته التصويرية الدقيقة.
وتكاثر شعراء السياسة والمديح والهجاء فى العصر، وفى مقدمتهم شعراء الخلفاء العباسيين، إذ كانت أموال الدولة بأيديهم، فكثر مدّاحهم حتى بين الشيعة، ولكل خليفة شعراؤه الذين أشادوا به وبأحقية بيته فى ميراث الخلافة، ومن أهمهم مروان بن أبى الجنوب وعلى بن يحيى المنجم وأبو بكر الصولى، أما مروان فكان يسير سيرة جدّه مروان بن أبى حفصة فى الطعن على البيت العلوى، مما جعل المتوكل يغمره بعطاياه، وكان يعنى مثل جدّه بصقل أشعاره. وكان على بن يحيى المنجم من أصل فارسى، وهو مثال للنديم المثقّف ثقافة واسعة، وله شعر كثير فى مديح الخلفاء والوزراء وفى تصوير سمو نفسه. وكان أبو بكر الصولى التركى الأصل من بيت علم وكتابة، وفتحت له ثقافته الواسعة ومهارته فى لعبة الشّطرنج أبواب القصور العباسية منذ خلافة المعتضد، وخير مدائحه ما نظمه فى الخليفة الراضى، وله غزل رقيق كثير. وكان شعراء البيت العلوى يقفون مدافعين منافحين عنه، وأهمهم
стр. 2120
فى العصر محمد بن صالح العلوى والحمّانى والمفجّع البصرى، وكان محمد بن صالح قد ثار بالحجاز، وزجّ به المتوكل فى غياهب السجون، ثم عفا عنه وعاش فى سامرّاء يمدحه، وله أشعار طريفة فى زوجه وفى بعض أصدقائه. وكان الحمّانى نقيب العلويين فى الكوفة وله مراث كثيرة ليحيى بن عمر العلوى يبكيه فيها بكاء حارّا. وكان المفجّع شيعيّا إماميّا، وكان يكثر من مديح على وأبنائه. وكثرت الثورات السياسية فى العصر، وكان بعض الثوار شاعرا مثل صاحب الزنج فله أشعار تدور فى كتب التاريخ والأدب، ومثله يحيى بن زكرويه القرمطى الثائر بالشام وأبو طاهر الجنّابى صاحب الأحساء والبحرين. وأهم شعراء الثورات محمد بن البعيث وبكر بن عبد العزيز بن أبى دلف، أما ابن البعيث فثار بأذربيجان، واستطاع حين أتى به أسيرا إلى المتوكل أن يستلّ غضبه بشعره فيعفو عنه. وأما حفيد أبى دلف فثار بأعمال الجبل بين همذان وأصفهان، وله أشعار مختلفة يتهدّد بها قواد المعتضد وينذرهم-إن هاجموه-إنذارات خطيرة. ويكثر كثرة مفرطة شعراء الوزراء والولاة والقواد، وفى مقدمتهم أبو على البصير وابن أبى طاهر وابن دريد، ولأولهم مدائح كثيرة فى الفتح بن خاقان وله مداعبات ومعان طريفة فى الغزل وفقد بصره وشيخوخته. ولابن أبى طاهر مدائح كثيرة فى الوزراء، وله أهاج لاذعة.
واشتهر ابن دريد بمدائحه لابن ميكال والى الأهواز، وخاصة بمقصورته فيه وقد شرحت مرارا وتكرارا. وخمد فى العصر الهجاء القبلى، وظل الهجاء الشخصى محتدما، ومن أكبر الهجّائين فى العصر الصّيمرى، وخبره مع المتوكل والبحترى مشهور. وأشد إيلاما ووخزا منه فى الهجاء الحمدونى، وقد دارت على كل لسان فى عصره أهاجيه فى طيلسان ابن حرب وشاة سعيد بن أحمد. وهجّاء العصر غير منازع ابن بسّام، وله فى أبيه أهاج كثيرة، ولم يكد يترك خليفة ولا وزيرا ولا أميرا ولا كبيرا فى عصره دون أن يكويه بميسم هجائه.
ويكثر شعراء الغزل وشاعراته، ويظل الغزل العفيف حيّا حياة خصبة بجوار الغزل المادى الصريح، ويكثر الناظمون للغزل من كل الأوساط، وكثيرات من الجوارى فى العصر كن ينظمنه ويتقنّ نظمه، وأشهر شعراء الغزل حينئذ خالد ابن يزيد الكاتب ومحمد بن داود الظاهرى وفضل الشاعرة وكان خالد كاتبا فى الدواوين، وله رقائق غزلية كثيرة يصوّر فيها حبّا ظامئا لا يروى أبدا، أما
стр. 2121
محمد بن داود فكان فقيها ظاهريّا وغزله أفلاطونى نقى طاهر، وكانت فضل من مولّدات البصرة، وهى أشعر الجوارى فى عصرها، ولها معاتبات ومراسلات كثيرة مع سعيد بن حميد. وكان كثير من الشعراء ينغمس فى اللهو والمجون، وكانوا يترافقون فى الديارات وفى الحانات وفى دور النخّاسين ومن أكثرهم خلاعة ومجونا الحسين بن الضحاك وأبو الشّبل البرجمىّ وعبد الله بن العباس بن الفضل ابن الربيع. ونادم الحسين غير خليفة، وهو فارسى الأصل، وتشيع فى غزلياته وخمرياته عذوبة مفرطة، ولا يلحقه أبو الشبل فى تلك العذوبة ولا فى خفة روحه.
وكان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يسرف فى الخلاعة والمجون، وله أشعار فى نصرانية هام بها هياما شديدا، وشعره مثل شعر الحسين بن الضحاك وافر الموسيقى. وكان يقابل شعراء الخمر والمجون شعراء الزهد والتصوف، وكانوا أقرب منهم إلى قلوب العامة التى كانت تعيش على شظف العيش وتعرف ربّها وتتقيه فى السر والعلن، ويتغنّى كثيرون بأشعار زاهدة، ويتكاثر المتصوفة ويتكاثر شعرهم فى المحبة الإلهية والفناء فى الذات العلية. ويظهر الحلاج الذى تمثل فى نفسه الحقيقة الإلهية، مع إيمانه بتنزيه الله واتحاد الناسوت وهو الروح الإنسانى فى اللاهوت وهو الروح الإلهى على نحو ما يصوّر ذلك كتابه الطواسين وما فيه من حديث عن هذا الاتحاد، وهو أول من أعدّ لفكرة الحقيقة المحمدية وأن الأديان جميعا تؤدّى إلى الله ﷻ . وكان الشبلىّ الصوفى لا يغلو غلوه، إذ كان تصوفه سنيّا، مما جعله ينحىّ عن نفسه أفكار الاتحاد والشهود، ومع ذلك كان يكثر من الحديث عن الأحوال والمقامات، وكان يؤمن بفكرة الفناء فى الذات الإلهية ويلقانا فى العصر شعراء كثيرون ينظمون فى الطرد والصيد، وكان لهوا ومتاعا للخلفاء والوزراء وعلية القوم، وكانوا يخرجون إليه فى مواكب ومعهم الشعراء وكادوا لا يتركون ضاريا من ضوارى الصيد ولا جارحا من جوارحه إلا نعتوه، كما نعتوا الصيد من حمر الوحش وأتنه وثيرانه وبقره وظبائه ونعامه وأرانبه والطير والإوز، وبالمثل نعتوا آلاته من النّبل والسهام والفخاخ والشباك والبندق. ومن أهم الشعراء الذين شغفوا بوصف الصيد والقنص أبو العباس الناشئ، وكان من المعتزلة، وكان عالما وناقدا كما كان شاعرا بارعا، وقد اعتمد كشاجم على أشعاره فى صنع كتابه المصايد والمطارد مما يدل بوضوح على كثرة نظمه فى الطّرد والصيد، وله أشعار
стр. 2122
بديعة فى وصف الكلاب والبزاة والشاهين والطير وأيضا فى وصف الأسد وكانوا يفتخرون طويلا بصيده. ويكثر فى العصر شعراء النزعات الشعبية، وخاصة شعراء البؤس المكدين وغيرهم ممن صوّروا ضيق الحياة وما يجرى فيها من ضنك شديد، وصوّر كثيرون التحامق فى صور هزلية. ولا يبارى جحظة البرمكى-الضارب على الطّنبور-فى تصوير تعاسة الطبقة العامة، وكثيرا ما صبّ سياطه على الحكام الفاسدين.
ويمثل الخبز أرزىّ هذه الطبقة فقد كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، ولغته حلوة خفيفة، وكان مواطنوه فى البصرة يشغفون بأشعاره شغفا شديدا.
وازدهر فى العصر النثر ازدهارا عظيما، وقد ظلت حركة الترجمة ناشطة، وشاع الاستواء والتناسق فيما ترجم من آثار، وظهر الكندى أول فيلسوف للعرب بالمعنى الدقيق لكلمة فلسفة، وكان شاعرا وناثرا ممتازا إذ كان يتمثّل العربية ودقائقها وخصائصها تمثلا بارعا. وأخذت بيئات مختلفة تتجادل فى معايير البلاغة العربية، فكانت هناك بيئة محافظة مثّلها اللغويون، وبيئة تفرط فى التجديد مثّلها المترجمون، وبيئة معتدلة مثّلها المتكلمون، وهى التى كتب لها السّداد والنجاح ويمثلها الجاحظ وما وضع للبلاغة والبيان العربى من مقاييس فنية. وأبلى اللغويون بلاء حسنا فى تثقيف الناشئة والأدباء باللغة والشعر ويتأثر بهم ابن قتيبة فى كتابه «أدب الكاتب» الذى وضعه نبراسا للكتّاب يهتدون به. ويصنّف إبراهيم بن المدبر رسالة بديعة فى موازين البلاغة وأدوات الكتابة. وتحاول بيئة المترجمين والمتفلسفة أن تضع تشريعا لمقاييس البلاغة العربية فى النثر على ضوء المقاييس اليونانية، ويكتب فى ذلك ابن وهب كتابه: «البرهان فى وجوه البيان» ولا يقف عند الاحتكام إلى كتاب الخطابة لأرسطو، بل يحتكم أيضا إلى كتابيه فى المنطق والجدل. غير أن الأدباء فى عصره وبعد عصره ازورّوا عن كتابه ومنهجه، وساد بينهم منهج المدرسة الكلامية وذوقها الأدبى العام الذى مثّله الجاحظ فى كتاباته خير تمثيل. وضعفت الخطابة فى العصر، ولكن المواعظ لم تضعف، بل ازدادت اضطراما على أيدى المتصوفة، وأخذت تنتشر لهم حكايات وأقاصيص كثيرة تصور جهادهم فى قمع شهوات النفس ومطالبها من لذات الحياة، وتداولها الناس بحيث أصبحت ضربا من ضروب الأدب الشعبى حينئذ، كما تداولوا عنهم حكايات كثيرة عن كراماتهم وأخبارهم. وليس ذلك فحسب، فإن
стр. 2123
بعض المتصوفة كتب فى تصوفه مقالات نثرية بجانب ما كتب من أشعار على نحو ما يلاحظ فى كتاب الطواسين للحلاج. وكثرت المناظرات فى العصر بين المتكلمين وكذلك بين الفقهاء، ومناظرة الحسن بن عبد الله السيرافى ومتى بن يونس فى النحو والمنطق مشهورة، وبالمثل مناظرات اللغويين. وكأنما أصبحت المناظرات لغة العصر الفكرية حتى ليعنون كثير من الكتب باسم الردّ أو النّقض، وشاعت هذه الروح فى قصص وأخبار جمعت ونسّقت فى كتابى المحاسن والأضداد والمحاسن والمساوى، وهما كتابان نفيسان، تلتقى فيهما الثقافات العربية والإسلامية والأجنبية ومأثورات قصصية كثيرة عن الفرس والهند واليونان. وطبيعى أن تظل الرسائل الديوانية ناشطة فى العصر فقد كانت الدواوين تجذب إليها كتّاب العصر البارعين من أمثال عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل وأحمد بن الخصيب وزير المنتصر. ونبغ بعض الولاة فى كتابة تلك الرسائل مثل محمد بن عبد الله بن طاهر، ومن كتابها النابهين لعهد المهتدى سعيد بن عبد الملك. وارتقى كاتب من كتابها المرموقين إلى مرتبة الوزارة فى عصر هذا الخليفة هو سليمان بن وهب، وكان ابنه عبيد الله وحفيده القاسم من كبار الوزراء ونابهى الكتّاب. ويشيع السجع فى الرسائل الديوانية لعصر المقتدر، ويصبح منذ هذا التاريخ ظاهرة عاما لا تخلو رسالة من وشيه وزخارفه. ويظل للرسائل الإخوانية نشاطها بدورها، ولا تترك موضوعا للشعر إلا وتشاركه فيه، ويشيع فيها السجع مبكرا، وتلقانا بعض رسائل مسجوعة سجعا خالصا، منها رسالة طويلة لأبى على البصير كلها هجاء مرير. وكان أبو العيناء يسجع فى رسائله الشخصية. وكان ابن مكرم لا يشيع السجع فى رسائله، ولكن ألفاظه كأنها درر مختارة سواء فى اصطفاء اللفظ أو فيما يوشّيها به من زخرف البديع. وكان أحمد بن سليمان بن وهب يسجع فى رسائله بينما كان يتخفف منه ابن أبى طاهر، ومثله ابن المعتز. وتنشط كتابة الرسائل الأدبية، وكان الجاحظ يشيع فيها أسلوب الازدواج، على حين نجد ابن المعتز فى رسالة طريفة يمدح فيها سامرّاء ويذم بغداد يملؤها بالسجع وألوان البديع وزخارفه. وكأن ذلك كله كان إرهاصا بأن السجع سيعمّ مع أواخر القرن فى جميع الرسائل سواء أكانت أدبية أو إخوانية أو ديوانية.
стр. 2124
وأعلام الكتّاب فى العصر إبراهيم بن العباس الصولى والجاحظ وابن قتيبة وسعيد ابن حميد وأبو العباس بن ثوابة. وقد ولد إبراهيم بن العباس ونشأ ببغداد، وظهرت فيه مخايل الأدب مبكرة، فالتحق بدواوين الفضل بن سهل، وظل يعمل فى دواوين الدولة وولاياتها حتى نكبه ابن الزيات وزير المعتصم والواثق وسجنه، وعفا عنه الواثق، حتى إذا كان عهد المتوكل ابتسمت له الدنيا، فقلّده ديوان الرسائل ودواوين مختلفة، وظل يكتب كل ما يصدر عن المتوكل من منشورات وفتوح وعهود لأولياء العهد وتهنئات بالأعياد. وكثير من ذلك كله احتفظ به الطبرى، وهو يصوّر عنايته بتقطيع العبارات واصطفاء الألفاظ واستخدام بعض ألوان البديع دون إفراط، وقد يضيف إلى ذلك أحيانا اجتلاب بعض الأسجاع. وفى تحميداته ما يدل على ثقافة اعتزالية واضحة. وكان يوازن بين عباراته موازنات دقيقة فى الصوت والجرس والأداء، كما كان يعنى أشد العناية بمعانيه، حتى تروق كتاباته اللسان والجنان، وقد تصبح بعض القطع عنده سجعا خالصا.
والجاحظ أكبر كتّاب العصر، بل أكبر كتّاب العربية قاطبة، وقد نشأ بالبصرة وتمثّل كل ما كان فيها من معارف، وهو معتزلى كبير بل صاحب مذهب اعتزالى قائم بنفسه سمّى الجاحظية نسبة إليه. وهو لا يبارى فى وضوح كتاباته وقدرته على التوليد فى المعانى، واستنباط خفياتها ودقائقها. وقد صوّر فى أعماله مجتمعه بجميع طبقاته العليا والوسطى والدنيا. وكان يعنى بصياغته عناية كاملة، واستطاع أن يفرض على العربية أسلوبه الذى ابتكره، ونقصد أسلوب الازدواج، وحقّا نجد له مقدمات عند غيره، ولكنه هو الذى استمسك به وأشاعه فى جميع آثاره، مع روح الدعابة التى يتميز بها ومع الاستطرادات الكثيرة حتى لا يمله القارئ. وقد عرضت خمسة ألوان من كتاباته: اللون الأول المناظرات واخترت مناظرة معبد والنظام التى وضعها فى أوائل كتابه الحيوان واحتلت فيه نحو مجلد ونصف، وهى لا شك من عمله إذ جميعها بصياغته وأسلوبه. واللون الثانى رسائله الشخصية وهى حافلة بمهارته فى استنباط الأفكار وجمال أسلوبه. ومثلها اللون الثالث وهو رسائله الأدبية الباهرة.
واللونان الرابع والخامس هما القصص والنوادر، إذ كان قصّاصا ممتازا كما كان بارعا فى سرد النوادر.
وأكبر مؤلّف أدبى ظهر فى العصر بعد الجاحظ ابن قتيبة، وهو بحكم
стр. 2125
ثقافته الدينية يبدو محافظا فى بعض آرائه النقدية ويشتهر بسياطه التى ألهب بها ظهور الشعوبيين، وأهم أسلحته الحربية التى اتخذها ضدهم فى رأينا أنه حاول فى كتابه «عيون الأخبار» المزج بين الثقافات الإسلامية والعربية والفارسية واليونانية والهندية مزجا أسقط به الصراع العنيف بين الشعوبيين والعرب، فليس هناك ما يسمى فارسيّا مستقلا أو هنديّا أو يونانيّا أو إسلاميا أو عربيّا، بل هى ثقافة واحدة، وهى ثقافة تشمل أيضا ما عند أهل الكتاب، فكل الثقافات دينية ومدنية تستحيل إلى هذه الصورة الجديدة التى صاغها ابن قتيبة، بحيث خفت صوت الشعوبية، فكل ما كانت تفتخر به على العرب أصبح من صميم العربية. وصاغ ابن قتيبة ذلك فى أسلوب أدبى ناصع يمتاز بالوضوح وانتخاب الألفاظ الرصينة واستخدام الازدواج محاكاة للجاحظ أحيانا والاسترسال أحيانا أخرى. وقد يجرى السجع على لسانه، ولكن دون أى تكلف، ويتشبه بالجاحظ أحيانا فى نقل الواقع وفى خلط الجد بالهزل وإيراد بعض النوادر.
وسعيد بن حميد من أصل فارسى، عنى أبوه بتثقيفه والتحق بالدواوين وتألف نجمه فيها حتى أصبح رئيسا لديوان الرسائل فى عصر المستعين، وينصّ الطبرى على بعض ما كتبه من رسائل ديوانية، وكان يعنى أشد العناية بانتخاب ألفاظه وتقطيعها وتقابل الكلمات، وقد يتكامل التقابل والتقطيع حتى يصبح الكلام سجعا، وله بجانب رسائله الديوانية رسائل إخوانية بنفس الأسلوب الذى وصفناه، ونحس عنده دائما رغبة قوية فى النفوذ إلى أفكار مبتكرة، حتى لتصبح الرسالة ضربا من الحيل العقلية يروع بطرافته، مع دقة التعبير وجماله.
وأبو العباس بن ثوابة من أسرة أصلها مسيحى، عملت فى دواوين الدولة العباسية، وتميّز هو من بين أفرادها فى منتصف القرن الثالث الهجرى إذ التحق بدواوين الدولة، وما زال يصعد فى مراتبها حتى اختير لرياسة ديوان الرسائل، وله عهد طريف إلى أحد الولاة كتبه عن الموفق، وهو يصور فساد الحكم حينئذ، كما يصور عمل صاحب الحسبة، وله رسائل إخوانية مختلفة، يتضح فيها الحس المفرط والشعور الحاد كما يتضح السجع مضيفا إليه مادة تصويرية بديعة.
стр. 2126
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
هذا هو الجزء الخامس من تاريخ الأدب العربى، وهو خاص بالجزيرة العربية والعراق وإيران فى عصر الدول والإمارات الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث. وكان المؤرخون للأدب العربى يدخلون منه نحو ثلاثة قرون فى العصر العباسى الثانى منتهين به حتى سنة ٦٥٦ حين أغار قطعان التتار على بغداد وقوّضوا ما كان فيها من مدنية وحضارة. وكان هؤلاء المؤرخون يسمون الحقب التالية حتى الغزو العثمانى لمصر والشام والعراق باسم العصر المغولى. وسموا فترة حكم العثمانيين لتلك البلدان باسم العصر العثمانى. وكل ذلك تصور مخطئ، لأن سلطان الخلافة العباسية تتقلص ظلاله منذ سنة ٣٣٤ بحيث لا يكاد يبقى للخلفاء العباسيين منه فى كثير من الأمر سوى بغداد، فقد كانت إيران بيد بنى بويه ونفس العراق أظله سلطانهم، وكانت البحرين واليمامة بيد القرامطة، وكانت الموصل وحلب بيد الحمدانيين، ومصر والشام بيد الإخشيد، والمغرب وإفريقيا بيد الفاطميين، والأندلس بيد عبد الرحمن الناصر. وتعاقبت دول كثيرة فى اليمن وفى أنحاء الجزيرة العربية، وبالمثل فى كل البلدان والأقاليم المذكورة، بحيث يصبح من الخطأ أن تنسب القرون: الرابع والخامس والسادس حتى منتصف السابع إلى الخلافة العباسية، وحتى ما بقى لها من اعتراف بالولاء فى بعض الدول والإمارات إنما كان اعترافا اسميّا، لا يدل على أى سلطان وراءه. ومن الخطأ الإبقاء على تسمية القرون الثلاثة التالية لغزو التتار بغداد باسم العصر المغولى، بينما كان سلطان المغول فيها لا يتجاوز إيران والعراق دون بقية العالم العربى، وتلك البقية هى الشطر الأكبر منه: الجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب والأندلس، لذلك رأينا أن ندمج العصر المغولى فى عصر الدول والإمارات، لأن هذه التسمية هى الألصق بالعصر، وهى أكثر دقة ومطابقة للواقع. وبالمثل أدمجنا فيه ما سمّى بالعصر العثمانى، لأنه لم يكن عصرا بالمعنى الحقيقى، وإنما كان حقبة ممتدة، تتمة لعصر الدول والإمارات، وثمرة مرة لما أصاب العرب فيه من انقسام وتفكك.
стр. 2127
وحقّا يكون عصر الدول والإمارات فى تاريخ الأدب العربى بذلك عصرا طويلا، غير أن طوله لا يعنى أى تفاصل روحى أو فكرى بين دوله وإماراته، فقد كان هناك دائما شعور عام فى كل مكان بأن هذه الإمارات والدول جميعا إنما هى وطن عربى واحد، وطن لاتحدث فيه الانقسامات أى تقاطع علمى أو أى تنابذ أدبى، وطن تتواصل أجزاؤه ووحداته تواصل الأفراد فى أسرة واحدة. ولذلك مظاهر شتى، فقد كان العلماء حين يؤلفون كتاب تراجم عامّا يجمعون فيه كل من عاشوا من النابهين فى هذا الوطن الكبير، وكانوا إذا ألفوا كتابا فى تراجم علم كالقراءات أو التفسير أو النحو أو حتى فى فرع كفقه الشافعية أو المالكية أو الأحناف أو الحنابلة جمعوا فيه علماءه فى جميع البلدان العربية، وبالمثل حين يؤلفون أحيانا فى تراجم الشعراء يجمعون فى مؤلفاتهم كل الشعراء فى جميع الأقاليم العربية، متناسين، بل مهملين، الفواصل السياسية والجغرافية بين الأقاليم والبلدان، وكأنها فى رأيهم أقواس وهمية فى المخطّطات السياسية والجغرافية، لا تدل أى دلالة على فوارق علمية أو أدبية. ومظهر ثان، هو أن الكتاب حين كان يؤلّف يصبح ملكا لعلماء العالم العربى جميعهم، فهم يشرحونه أو يشرحون شرحه أو يكتبون تقارير عليه، يشترك فى ذلك قاصيهم ودانيهم ومن فى أقصى المشرق ومن فى أقصى المغرب، ونضرب لذلك مثلا كتاب أو متن التلخيص فى علوم البلاغة للقزوينى الدمشقى المتوفى فى القرن الثامن الهجرى، فقد شرحه علماء من مصر ومن المغرب ومن أقصى المشرق، فهو ليس كتاب دمشق وحدها بل هو كتاب البلدان العربية جميعها. ونضرب مثلا ثانيا ديوان المتنبى فإنه لم يكد يبقى بلد عربى إلا وتجرّد له عالم من علمائه يشرحه ويعرض شرحه على الطلاب، ومن أهم شروحه شرح ابن جنى والعكبرى فى العراق وشرح ابن المستوفى فى إربل وشرح أبى العلاء المعرى فى الشام وشرح الواحدى فى إيران وشرح الإفليلى وابن سيده فى الأندلس، غير شروح أخرى، وغير دراسات نقدية لا تكاد تحصى، وكأن ديوانه ليس ديوان بلد بعينه، وإنما هو ديوان الأمة العربية جميعها. وليس ذلك فحسب، فإن ابن هانئ الأندلسى توفى بعده بنحو ثمانية أعوام، وقد درس شعره وتمثل منهجه تمثلا تامّا، بحيث كان ينظم أشعاره على غراره، وبحيث سماه النقاد متنبى الأندلس. وكل ذلك يصور بقوة وحدة الشعور والفكر فى هذا العصر المتطاول عصر الدول والإمارات، وهى وحدة ظل الشعر كما ظل النثر، وظل الأدب كما ظل العلم، مرآتها الصافية.
وقد بدأنا حديثنا عن الجزيرة العربية بعرض الحياة السياسية لأقاليمها الأساسية
стр. 2128
فى هذا العصر، وهى الحجاز ونجد واليمن وحضرموت وظفار وعمان والبحرين، وعرضنا مجتمعها البدوى والحضرى وما كان فيها من نحل شيعية وخارجية وما شاع فى نجد من الدعوة الوهابية، وما حفّ بذلك من زهد ونسك. وصوّرنا جداول الثقافة التى كانت تجرى فى كل مكان وما رافقها من نشاط العلوم اللغوية والإسلامية. كما صوّرنا نشاط العشر فى الأقاليم المختلفة للجزيرة وطوائفه المتقابلة من شعراء مديح ورثاء وفخر وهجاء وأهم شعراء الدعوات المختلفة من إسماعيليين وزيديين وخوارج ووهابيين، وبالمثل شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية. وأوضحنا ما كان من نشاط للكتابة فى نجد وغيرها من أقاليم الجزيرة وما كان من نمو كتابة الرسائل الديوانية والشخصية، ونمو الوعظ والمحاورات والرسائل الأدبية.
وبالمثل تحدثنا عن العراق وحياتها السياسية وما تعاقب عليها من دول وكيف أن مجتمعها كان يتألف من ثلاث طبقات: عليا مترفة، ووسطى على شئ من اليسار، ودنيا بائسة، وشيوع المذهب الإمامى الاثنى عشرى بها وشيوع الزهد والتصوف وطرقه، وما كان من نشاط الحركة العلمية بها وتأسيس جامعتى النظامية والمستنصرية ببغداد، وكثرة المدارس هناك مع ما كان فى المساجد من نشاط علمى واسع، بحيث أصبحت الثقافة-حتى الثقافة الفلسفية-غذاء شعبيّا عامّا. وتتكاثر ببغداد الندوات الفكرية، وتتكاثر الكتابات الفلسفية والطبية والعلمية، كما تتكاثر البحوث اللغوية والنحوية والنقدية، وتنشط الدراسات الإسلامية والتاريخية. ويكثر الشعراء فى العراق كثرة مفرطة وينظمون فى الرباعيات والموشحات. وتتقابل طوائفهم من شعراء مديح على رأسهم المتنبى إلى شعراء رثاء وهجاء وشكوى، وشعراء غزل وقد نفذوا إلى ضرب جديد من الشعر الوجدانى.
وبجانبهم شعراء لهو ومجون، وشعراء زهد وتصوف ومدائح نبوية، وشعراء فلسفة وشعر تعليمى، وشعراء شعبيون. ويتنوع النثر تنوعا واسعا، فمن نثر فلسفى إلى نثر علمى ومناظرات ووعظ وقصص ورسائل شخصية وديوانية، وتتألق أسماء طائفة من الكتاب النابهين.
وتحدثنا عن إيران وأحوالها السياسية والدول المتقابلة بها والمتعاقبة، وعن مجتمعها والطبقات التى كانت تكوّنه: العليا والوسطى والدنيا، وعن نشاط الشيعة بها: الزيدية والإمامية والإسماعيلية وما كان يسرى فيها من زهد وتصوف. وعرضنا الحركة العلمية بها والعناية بالمدارس والمكتبات وما حدث هناك من نشاط فى دراسة الفلسفة وعلوم الأوائل، وفى وضع المعاجم والبحوث اللغوية والنحوية والبلاغية والنقدية، وفى الدراسات
стр. 2129
الإسلامية والكتابة التاريخية. ويزدهر الشعر بإيران فى القرنين الرابع والخامس للهجرة.
ويظل حيّا ناميا حتى القرن التاسع، ويتكاثر شعراء المديح والرثاء والفخر والهجاء والشكوى والغزل واللهو والمجون والزهد والتصوف والفلسفة والحكمة والأمثال وأصحاب الشعر الشعبى. ويتنوع النثر ويظهر فيه قصص صوفى كثير وقصص فلسفى بديع ويتكاثر كتّاب الرسائل الديوانية والشخصية، ويلمع فى كل دولة وإمارة غير كاتب بارع.
وهذه الدراسة المتشعبة لتاريخ الأدب العربى فى الجزيرة العربية والعراق وإيران طوال حقب ممتدة من العصر العباسى الثانى إلى العصر الحديث جعلتنى أرجع إلى كل ما استطعت من كتب التاريخ والجغرافية والثقافة والأدب شعرا ونثرا لأجمع منها المادة العلمية التى تتطلبها الدراسة. ورجعت إلى طائفة من كتب المحدثين من العرب والمستشرقين. وأعترف بأن عقبات كثيرة صادفتنى وخاصة فى المصادر والحصول عليها، وقلتها أحيانا فى بعض الجوانب. وقد حاولت جهدى أن أرسم المعالم الأساسية لتاريخ الأدب فى تلك الأقاليم أثناء هذه الحقب المتطاولة، ولا أزعم أننى استطعت أن أوفّى هذا الرسم حقه كاملا من الدقة والاستقصاء. والله ولىّ الهدى والتوفيق.
القاهرة فى أول يونية سنة ١٩٨٠ م. شوقى ضيف
стр. 2130
القسم الأول
الجزيرة العربيّة
стр. 2131
الفصل الأوّل
السياسة والمجتمع
١ - أقاليم ودول وإمارات
تتعدد الأقاليم فى الجزيرة العربية لاتساع رقعتها، ففى الغرب إقليم الحجاز بمدنه وسلسلة جباله المسماة بالسّراة الممتدة من الشمال إلى الجنوب، مشرفة غربا على منطقة ساحلية رملية ضيقة، هى تهامة التى تفصل بينها وبين بحر القلزم (البحر الأحمر) ومشرفة شرقا على هضبة نجد الفسيحة التى تظل تنحدر نحو الشرق، حتى تصاقب أرض العروض: اليمامة والبحرين، وتظل تنبطح شمالا فى إقليم القصيم حتى جبلى أجأ وسلمى، وتلتقى بصحراء النفود الممتدة من تيماء إلى الشرق، حتى إذا قربت من العراق بسطت ذراعا لها نحو الجنوب تسمى الدهناء أو رملة عالج، وتستدير حول اليمامة منبطحة فى الربع الخالى، وهو صحراء مجدبة تفصل بين اليمامة ونجد من جهة وبين حضرموت وظفار وعمان من جهة ثانية، وما تلبث أن تتصل بصحراء الأحقاف التى تفصل بين اليمن وبين نجد والحجاز.
وتستقل اليمن بالزاوية الجنوبية الغربية من الجزيرة، وتتوسط حضرموت ومعها ظفار بينها وبين عمان التى تشرف على المحيط الهندى من جهة وعلى الخليج العربى من جهة ثانية، وكانت تشمل قديما طائفة من الإمارات القائمة الآن على الخليج، وهى رأس الخيمة والشارقة ودبىّ وأبو ظبى. وشمالىّ هذه الإمارات البحرين، وكانت تشمل إمارة قطر الحالية وإمارة الكويت الحديثة، وكذلك الأحساء. والأقاليم الأساسية فى الجزيرة العربية لهذا العصر الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث هى الحجاز ونجد واليمن وحضرموت وعمان والبحرين، وسنخص كل إقليم بطرف من الحديث عن دوله وإماراته.
стр. 2132
الحجاز (١) وإماراته
كانت فى الحجاز لهذا العصر إمارتان: إمارة مكة وكانت تتبعها قرى الطائف وجدة وبطن نخل وعسفان ومرّ الظّهران. وإمارة المدينة وكانت تتبعها قرى خيبر وفدك وينبع والفرع ووادى القرى ومدين. وكانت إمارة مكة للحسنيين من أحفاد الحسن بن على بن أبى طالب فى حين كانت إمارة المدينة للحسينيين من أحفاد الحسين بن على بن أبي طالب.
وكان الأولون يعتنقون المذهب الزيدى الشيعى، بينما كان الثانون يعتنقون المذهب الإسماعيلى على الأقل فى عصر الدولة الفاطمية. وكان لإمارة مكة المكانة الأولى، إذ كان المسلمون-ولا يزالون-يؤمونها سنويا من بقاع الأرض قاصيها ودانيها لأداء فريضة الحج، وكان من يدعى له من الخلفاء على منابرها سواء الخلفاء العباسيون أو الفاطميون يعد نفسه خليفة المسلمين قاطبة.
وأول أسرة حسنية حكمت مكة لهذا العصر هى أسرة بنى سليمان أو بنى موسى، وكان أول من حكمها منهم جعفر بن محمد بن الحسين لسنة ٣٥٦ فقد غلب عليها عقب وفاة كافور الإخشيدى، وراسله الخليفة المعز الفاطمى كى يقيم باسمه الخطبة فى موسم الحج، فأبى، مما جعله يجهّز له عسكرا لحربه سنة ٣٦٠ وساعد العسكر بنو الحسين أمراء المدينة، واستولوا على مكة فترة قليلة عادت بعدها إلى جعفر. وتولى بعده ابنه عيسى سنة ٣٧٠ فأذعن للعزيز الفاطمى، وأقام الخطبة باسمه، وظلت تقام باسم الفاطميين مدة متطاولة، وكانوا يرسلون لمكة وأميرها بالميرة، ومضت تدين لهم بالولاء بعد وفاة عيسى وولاية أخيه أبى الفتوح الحسن بن جعفر سنة ٣٨٤ وهو أهم أمراء الأسرة، وقد حاول أتباع الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى أن يحملوه على أن يقرأ سجلا فى المسجد الحرام بالبراءة من أبى بكر وعمر وسبّ بعض الصحابة وبعض أزواج الرسول ﷺ ، فرفض ذلك وقطع
стр. 2133
صلته بمصر. ودفعه-فيما بعد-أبو القاسم المغربى حين فرّ من مصر على أن يطلب الخلافة لنفسه، فخطب باسمه، وتلقب بالراشد بالله، وسار إلى مدينة الرملة بفلسطين، وعاهده أميرها وأمير طيئ حسان بن مفرّج على نصرته. وعلم بذلك الحاكم فأرسل إلى ابن مفرّج بالأموال، فنفض يده من أبى الفتوح وأسلمه إلى المصريين، وفرّ أبو القاسم المغربى إلى العراق. واضطرّ أبو الفتوح أن يعلن طاعته للحاكم، فعفا عنه وعاد إلى إمارته. وحدث بعد عودته فى سنة ٤١٣ أن ضرب رجل من شيعة الفاطميين فى أثناء الحج الحجر الأسود بدبوس، فصدعه وهو يقول: إلى متى تعبد؟ إلى كم تقبّل؟ وبادر الناس إليه فقتلوه هو ونفرا من أصحابه. وما زال أبو الفتوح يلى مكة حتى سنة ٤٣٠ وخلفه ابنه شكر على إمارته، وأضاف إليها المدينة لمدة ثلاث وعشرين سنة كان يجمع فيها بين الحرمين إلى أن توفى سنة ٤٥٣ وكان فارسا وأديبا شاعرا، وله قصة ترويها كتب التاريخ عن زواجه من جارية هلالية تسمى الجازية، وهى نواة قصص أبى زيد الهلالى. وبشكر انقرضت سلالته وحكمها فى مكة إذ لم يعقب ولدا، وصار أمرها بعده إلى عبد له، غير أن فرعا من الأسرة الحسنية من بنى هاشم أو الهواشم تغلب على هذا العبد واضطر بنى سليمان إلى الهجرة من مكة إلى شمالىّ اليمن، فأسسوا لهم إمارة هناك فى المخلاف السليمانى المنسوب إليهم. وكان أحد الهاشميين، وهو محمد بن جعفر قد تولى أمر مكة بمساعدة الصّليحى أمير اليمن سنة ٤٥٤ ويقول المؤرخون إنه كان تارة يجعل الخطبة فى الموسم باسم الخلفاء الفاطميين وتارة باسم الخلفاء العباسيين، تبعا لما كان يغدق عليه من أموال وفيرة من بغداد أو القاهرة، إذ كان كل من الجانبين يكثر من إرسال الميرة والأموال إليه. واستطاع أن يجمع فى ظل حكمه الحرمين وأن تكون له الإمارة على مكة والمدينة وقراهما، وبذلك اجتمع له الحجاز. وولى بعده ابنه القاسم سنة ٤٨٧ حتى سنة ٥١٨ وكانت الخطبة فى عهده تارة تكون باسم الفاطميين، وتارة باسم العباسيين. ويخلفه ابنه أبو فليتة، فيجعل الخطبة باسم العباسيين حتى وفاته سنة ٥٢٧. واتصلت الخطبة باسم بنى العباس فى عهد ابنه القاسم حتى قتل سنة ٥٥٦. وخلفه ابنه عيسى، وفى عهده انتهت دولة الفاطميين وحكم مصر صلاح الدين واستولى على الحجاز ومدينتيه: مكة والمدينة، ثم استولى على اليمن. ويظل أبناء عيسى يلون مكة، فيخلفه ابنه داود سنة ٥٧٠ وفى عهده يبطل صلاح الدين المكوس التى كانت تؤخذ من الحجاج بجدة، ويعوّضه عنها فى كل سنة ثمانية آلاف أردب قمحا، ويرسل صلاح الدين مثل ذلك إلى أهل الحرمين. ويدخل سيف الدين طغتكين الأيوبى مكة سنة ٥٨٢ ويبطل فيها الأذان بحىّ على خير العمل، عملا بأذان أهل السنة أو الجماعة.
стр. 2134
ويخلف داود أخوه مكثر سنة ٥٨٤ ثم ابن أخيه المنصور بن داود. ومنه انتزع مكة قتادة الحسنى سنة ٥٩٧ وظلت إمارتها فى أبنائه إلى العصر الحديث.
وقد استطاع قتادة أن يضم تحت جناح إمارته المدينة والحجاز جميعه، وكان يخطب للسلطان العادل بن أيوب بعد الخليفة الناصر، وللكامل بن العادل سلطان مصر بعد أبيه، وكان يؤذن فى الحرم بحىّ على خير العمل على قاعدة الإسماعيلية كما يقول صاحب النجوم الزاهرة، وأيضا على قاعدة الزيدية من آبائه. وخلفه ابنه الحسن سنة ٦١٧ ونشبت الحرب بينه وبين مسعود الأيوبى أمير اليمن سنة ٦٢٠ واستولى منه مسعود على مكة والحجاز، وولّى عليهما على بن رسول ثم طغتكين التركى. وعادت مكة إلى بنى قتادة، ووليها راجح ابن قتادة سنة ٦٢٦ وظلت تتنقل بينه وبين أخيه على وجماز ابن أخيه الحسن ثم ابنه راجح حتى سنة ٦٥٢. وفى كل هذه الفترة كان أمراء مكة يولّون من قبل العباسيين حتى انقراض دولتهم سنة ٦٥٦. وكانت مصر بعد ذلك فى عهد السلاطين المماليك هى التى توليهم، وكانوا يعيّنون بجانبهم حكاما لحماية الحجاج وتنفيذ الأوامر السلطانية. ومن أهم أمراء الأسرة أبو نمىّ الأول الذى ولى مكة سنة ٦٥٢ وثبّته عليها السلطان بيبرس، وظل يلى شئونها خمسين عاما، ويقول صاحب النجوم الزاهرة: كان يقال لولا أنه زيدى النحلة لصلح للخلافة لحسن صفاته. وروى له الفاسى بترجمته فى كتابه العقد الثمين يمينا أقسمه للسلطان قلاوون صاحب مصر أشبه بعهد موثّق: أن يحمى الحجاج ويؤمّنهم، وأن يظل على طاعته وطاعة ابنه الصالح. وكان شاعرا جوادا، ومدحه شعراء كثيرون فى مقدمتهم الحنديدى.
ويخلفه فى سنة ٧٠١ ولداه: رميثة وعطيفة، ويرسل السلطان الناصر بن قلاوون إلى مكة فى سنة ٧٠٢ عشرة آلاف أردب قمحا تفرّق فى أهلها. ويستقل رميثة بمكة سنة ٧١٥ ويقبض عليه فى سنة ٧١٨ ويرسل إلى مصر، ويتولاّها أخوه حميضة. وتردّ مكة إلى رميثة. ويبلغ الناصر فى سنة ٧٣١ أنه يجهر بمذهب الزيدية، فينكر ذلك عليه، ويرسل إليه عسكرا. ويحج السلطان سنة ٧٣٢ ويأمر بأن يشترك معه أخوه عطيفة فى الإمارة، حتى إذا كانت سنة ٧٣٨ انفرد بها ثانية رميثة حتى سنة ٧٤٤ إذ ترك الإمارة لولديه: ثقبة وعجلان. ويتوفى سنة ٧٤٦ ويتأمّر الأخوان على مكة، ويجعلها المصريون لعجلان إذ كان ثقبة يعلن نصرته لمذهب الزيدية وأقام له خطيبا زيديا يخطب الناس أيام الحج، وقبض عليه المصريون ولكنه فر من سجنهم، وعاد إلى شغبه مع أخيه عجلان حتى توفى سنة ٧٦٢ فخلص الأمر لعجلان. وكان بخلاف آبائه يحب أهل السنة، وينصرهم على الشيعة الزيدية وغيرهم، وكانت مصر ترسل إليه بالميرة وبالمحمل على العادة. وكان
стр. 2135
ممدّحا، مدحه النّشو شاعر مكة وغيره، وأشرك معه ابنه أحمد فى الحكم، وما زال يلى الإمارة حتى توفى سنة ٧٧٧ وخلفه ابنه أحمد حتى توفى سنة ٧٨٨. ووليها بعده أخوه على وشركه فى الإمرة أخوه مغامس لمدة سنتين، وما زال عليها حتى توفى سنة ٧٩٧ فخلفه أخوه الحسن حتى وفاته سنة ٨٢٩. ويتولاها بعده ابنه بركات حتى سنة ٨٥٩ ويخلفه ابنه محمد حتى سنة ٩٠٣ فتصير لابنه بركات، وأهم منه ابنه أبو نمىّ الثانى الذى سافر إلى مصر عقب استيلاء السلطان العثمانى سليم الأول عليها سنة ٩٢٢ ليعلن تسليم الحرمين إليه.
وكانت إمارة مكة فى العهد العثمانى تتبع ولاية مصر والخلافة العثمانية، ووليتها ثلاث أسر من أبناء نمىّ: أسرة بركات، ثم أسرة زيد، ثم أسرة عون. وظلت الولاية فى الأسرة الأولى أكثر من مائة عام، ثم نافستها أسرة زيد فى القرن الحادى عشر وظلت الإمارة تنتقل من بركاتى إلى زيدى حتى استقل بها بنو زيد، وظلوا يلونها إلى زمن فتح محمد على للحجاز فى عام ١٢٢٧ هـ/١٨١٢ م ويعين إبراهيم باشا قائد الجيش المصرى الشريف محمد بن عون عليه. وبذلك تنتقل الإمارة والحكم فيه إلى الأسرة الثالثة من أبناء أبى نمىّ، ونقصد أسرة عون. وحين انسحب جيش محمد على من الحجاز سنة ١٨٤٠ عينت الدولة العثمانية عليه واليا لها، واستبقت الشريف محمد بن عون، فكانت السلطة ثنائية بينه وبين الوالى العثمانى، حتى وفاته سنة ١٢٧٤ هـ/١٨٥٧ م. وما زالت الإمارة فى أبنائه حتى استخلصها سعود الثانى من حسين بن على آخرهم لا فى هذا العصر، وإنما فى العصر الحديث.
وكانت إمارة المدينة أقل شأنا من إمارة مكة، وكانت الرياسة فيها لبنى المهنّا أحفاد الحسين، ويروى أن أحدهم وهو الحسن بن طاهر رحل إلى الإخشيد بمصر، فأكرمه وأقطعه ما يغلّ كل سنة مائة ألف دينار، وتوفى سنة ٣٢٩ وانعقدت مودة وثيقة بين ابنه مسلم وكافور، ويقال إن مسلما كان يدعو للمعز صاحب إفريقية وفى هذا ما يشير إلى أن هذه الأسرة كانت إسماعيلية الهوى، ويقال أيضا إنه دخل مصر فطلب منه كافور ابنته لأحد أبنائه، فردّه، فحنق عليه ونكبه، وهرب ابنه طاهر إلى المدينة، فأمّره الحسينيون هناك عليهم، واستقلّ بها حتى سنة ٣٨١ وخلفه عليها ابنه الحسن، واختلف المؤرخون هل الأمراء بعده من سلالته أو هم من سلالة ابن عمه داود بن القاسم الذى يقال إنه وليها بعده. ويذكر بعض المؤرخين أن الحاكم بأمر الله الفاطمى أمر الحسن بن جعفر السليمانى أمير مكة بالإغارة على المدينة سنة ٣٩٠ فأغار عليها وأزال عنها إمارة بنى المهنا، غير أنها لم تلبث أن عادت إليهم، وظلت فى أيديهم إلا فترات قليلة كانت تتبع فيها إمارة مكة.
стр. 2136
وكانت الأسرة كما أسلفنا إسماعيلية، وكان الفاطميون يولون أبناءها على المدينة، الواحد تلو الآخر، إذ كانوا من شيعتهم. ومن أهمهم منظور بن عمارة المتوفى سنة ٤٩٥. وتنتهى الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين وتدخل الحجاز فى طاعته، ويبقى على بنى مهنا أمراء للمدينة وكانوا يتولون إمارتها فى العهد الأيوبى من قبل الخلفاء العباسيين، ومن أشهرهم حينئذ أبو فليته الذى حضر مع صلاح الدين فتح أنطاكية سنة ٥٨٤ وولى بعده ابنه سالم، وكان شاعرا، وكانت بينه وبين قتادة شريف مكة موقعة بذى الحليفة بالقرب من المدينة سنة ٦٠١ هزم فيها قتادة، وفى ذلك يقول ملتاعا:
مصارع آل المصطفى عدن مثلما ... بدان ولكن صرن بين الأقارب
ويقال إن سالما حضر إلى مصر فى سنة ٦١٠ للشكوى من قتادة، ومات فى طريق عودته قبل وصوله إلى المدينة، وولى بعده ابنه شيحة وظل على المدينة حتى قتل سنة ٦٤٧ وخلفه ابنه عيسى، وقبض عليه أخوه جمّاز سنة ٦٤٩ وملك مكانه، وهو الذى ظلت الإمرة بعده فى بيته، وطال عمره حتى سنة ٧٠٤ وعمى فى آخر أيامه، وقدم مصر سنة ٦٩٢ فأكرمه سلطانها خليل وعظمه، وقبل شفاعته فى أمير ينبع وفى أبى نمى أمير مكة وكان قد غاب عن لقاء الركب المصرى. وخلفه ابنه منصور، ووفد أخوه مقبل على الظاهر بيبرس (هكذا فى ابن خلدون وصبح الأعشى وهو المظفر بيبرس الجاشنكير) فأشرك بينهما فى الإمرة وفيما عيّنه من إقطاع لأمير المدينة، وغاب منصور عن المدينة لأمر واستخلف ابنه كبيشة، فملكها مقبل من يده، ولحق كبيشة بأحياء العرب، فنصروه على عمه وسقط قتيلا سنة ٧٠٩ ورجع منصور إلى إمارته، وظل بها حتى توفى سنة ٧٢٥.
ويكثر الخلاف بين أفراد هذه الأسرة وما يكاد يتولاها شخص منهم حتى ينقضّ عليه آخر.
ويكفى أن نذكر ممن تولوا إمارتها حتى نهاية القرن الثامن على الترتيب كبيشة بن منصور، وودّى بن جماز وطفيل بن منصور وسيف وفضل ومانع من عقب جماز، ثم جماز بن منصور وهبة ابنه، وهبة آخر من عقب ودّى وعطيفة بن منصور بن جماز وهبة بن جماز وجماز بن هبة بن جماز ونعير بن منصور وثابت بن نعير. وكثيرا ما كان يثب على الإمارة أحد هؤلاء الأربعة عشر واليا حتى سنة ٧٩٩. ووراء هؤلاء أسماء أمراء للمدينة آخرين مثل محمد بن عطيفة المتوفى سنة ٧٨٨ وهبازع بن هبة الله المتوفى بالسجن فى الإسكندرية سنة ٧٨٩. وحقّا كانت تتبع المماليك وكانوا هم الذين يولون عليها الأمراء، ولكن الأمر أفلت من أيديهم إزاء هذا الصراع الحاد، فما يكادون يولون شخصا حتى تقيم الأسرة شخصا آخر وتطلب توليته، ويفزع إلى القاهرة كى تخلع عليه وتنصبه أميرا. على كل حال
стр. 2137
ساء الحكم فى هذه الإمارة منذ القرن الثامن الهجرى، وكلما قطعنا شوطا فى الزمن اشتد سوءه، حتى لنرى أحد أمرائها من أحفاد نعير المسمى الحسن بن الزبير يعتدى فى يوم الثلاثاء السادس من ربيع الأول سنة ٩٠١ على حراس الحرم النبوى وينهب ما فى الحجرة النبوية الطاهرة من تحف ونفائس. وتتدهور الإمارة منذ هذا التاريخ وتدخل مع الحجاز فى حكم الدولة العثمانية، وتظل لهذا البيت الحسينى عليها إمارة اسمية. ويؤكد ابن خلدون والقلقشندى أنهم كانوا على مذهب الإمامية الرافضة، بينما كان أمراء مكة زيدية. ومرّ بنا أن أمراء المدينة كانوا إسماعيلية، ويبدو أنهم اعتنقوا المذهب الإسماعيلى فى العهد الفاطمى حتى إذا انقضت الدولة الفاطمية تحوّلوا فيما بعد إمامية اثنى عشرية.
نجد وقبائلها وشيوخها (١) وإماراتها.
ظلت نجد تعيش حياتها الرعوية وتنتشر فيها قبائلها الباقية بعد من هاجر منهم فى عصر الفتوح، ولا نكاد نعرف شيئا واضحا عن هذه القبائل منذ أوائل هذا العصر الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث إلا ما يتصل برحلات هذه القبائل إلى الشرق وما كوّنته هناك من إمارات، وكذلك ما يتصل برحلاتها إلى الغرب وقد مضت تتغلغل فيه متجاوزة مصر إلى بلاد المغرب، وأيضا ما يتصل بقبيلة طيئ التى كانت تحتل منطقة جبلى أجأ وسلمى وتنتشر فى بوادى الشام والعراق، وقد جعلتها مواطنها فى هذه الأنحاء تتصل بدول العراق ومصر والشام.
ولعل أول ما نقرؤه من أخبار عن تحركات القبائل النجدية فى هذا العصر يتصل ببنى هلال بن عامر وأبناء عمومتهم عقيل وربيعة، وكذلك ببنى سليم. وكان العامريون ينزلون فى جبل غزوان، بينما كان بنو سليم ينزلون شرقى المدينة، وكانوا جميعا يطوفون بأطراف الجزيرة فى العراق والشام ويغيرون على القرى هناك، وكان بنو سليم يغيرون أحيانا على الحجاج فى مواسم الحج، وكانت البعوث تجهّز لهم من بغداد للإيقاع بهم. ولما ظهر القرامطة بالبحرين تحيّز كثيرون من العامريين وبنى سليم إليهم، وصاروا جندا لهم فى البحرين وعمان، وحين أغار الأعصم القرمطى سنة ٣٦٠ على الشام، وهزمته جيوش
стр. 2138
الفاطميين نقل الخليفة الفاطمى العزيز جنده من بنى هلال وبنى سليم إلى صعيد مصر، وبعث بهم المستنصر بعده إلى المغرب، فخربوا مدن تونس وملكت سليم شرقى البلاد وبنو هلال غربيها. وكان قد انضم إلى الأعصم فى حربه للفاطميين شيخ طيئ: حسان بن الجراح، حتى إذا انهزم الأعصم دنا من العزيز وأكرمه، وتظل لبنى الجراح رياستهم لطيئ وعرب بادية الشام طوال العهد الفاطمى، ويتوفى حسان سنة ٣٦٧ ويخلفه أخوه دغفل المفرج ويستولى على الرملة بفلسطين، ويتولى زعامة طئ بعده ابنه حسان سنة ٤٠٤ وكان يعين الفاطميين فى حروبهم واستولى على عسقلان سنة ٤١٤ وعلى أفاميه سنة ٤٢٢ ولا نجد له ذكرا بعد سنة ٤٣٣ ومن أهم شيوخ بيته بعده فضل بن ربيعة حليف قرواش صاحب الموصل.
وإذا اتجهنا إلى الشرق وجدنا بنى خفاجة من عقيل بن عامر وقد توغلوا نحو اليمامة، وزحزحتهم فتنة القرامطة صوب حدود العراق، فملكوا ضواحيه، وأصبحوا سادة الكوفة فى ظل أميرهم عليان بن ثمال الخفاجى الذى أسس هناك إمارة بنى ثمال سنة ٣٧٤ للهجرة وخلفه فيها أبناؤه، ونظل نسمع عن غاراتهم مع أبناء عمومتهم بنى المنتفق بن عامر بن عقيل طوال القرن الخامس الهجرى وحتى منتصف القرن السادس إذ كانوا يغيرون على الأنبار والعراق إغارات متصلة، وكانوا لا يزالون ينزلون فى هذه الأنحاء فى بطائح البصرة وواسط حتى عصر ابن خلدون متنقلين بخيامهم من مكان إلى مكان.
ونزحت قبائل وعشائر كثيرة لبنى عقيل بن عامر إلى الموصل فى الشمال الشرقى من الجزيرة واستطاعوا أن يقيموا لأنفسهم فيها إمارة كان أول أمرائها ومؤسسها أبا الزّهّار محمد ابن المسيب العقيلى الذى تغلب على الموصل سنة ٣٨٠ وخلفه أخوه المقلّد العقيلى الذى اتسعت مملكته، وقد حارب بنى خفاجة واضطرهم إلى الدخول فى طاعته، وكان شاعرا ومحبّا لأهل الأدب وقتله أحد مماليكه الأتراك غيلة سنة ٣٩١ ورثاه الشريف الرضى بقصيدتين وجماعة من الشعراء. وخلفه ابنه قرواش، وكان يمد سلطانه على الموصل جميعه والكوفة والمدائن وسقى الفرات، وأدّب بنى خفاجة مرارا، وكان كريما وهابا نهابا، كما كان شاعرا مجيدا. ودامت إمارته نحو خمسين سنة حتى قبض عليه أخوه بركة وحبسه فى إحدى قلاع الموصل سنة ٤٤١ وتولى مكانه. وتوفى بعد سنتين، فخلفه ابن أخ له يسمى قريش بن بدران، وكان أول ما فعله قتل عمه قرواش وتوفى سنة ٤٥٣ فخلفه ابنه مسلم إلى أن قتل سنة ٤٧٨ وكان حسن السيرة عادلا، كما كان ممدّحا، مدحه ابن حيّوس شاعر
стр. 2139
الشام وغيره، ولا نكاد نصل إلى نهاية القرن الخامس الهجرى حتى ينحسر ملك بنى عقيل ابن عامر عن الموصل ويعودوا إلى البادية أو البوادى، ويقول ابن خلدون إنهم كانوا لعصره فى الآجام بين البصرة والكوفة المعروفة باسم البطائح.
وإمارة ثالثة للبدو على حدود العراق أقاموها فى أوائل القرن الخامس أقامها بنو أسد فى أنحاء الحلّة، وكان أول من تصدى منهم لذلك على بن مزيد المتوفى سنة ٤٠٨ وخلفه ابنه نور الدولة دبيس، ويحالف بنى خفاجة على حرب قرواش العقيلى ويحرقان الأنبار انتقاما منه. وينعقد صلح بين قرواش ودبيس ويهزمان جموعا للغزّ ويمدح ابن الشبل البغدادى قرواشا بهذا النصر المبين. وكان دبيس وأهل بيته وسائر أعماله شيعة، مثله فى ذلك مثل قرواش. ويمتد حكمه إلى سنة ٤٧٤ وكان يكتب بين يديه على بن أفلح الكاتب المشهور، ويخلفه ابنه منصور بهاء الدولة، ويفتكّ أسرى بنى عقيل حين استولى العسكر السلطانى على حللهم ويجهزهم ويردهم إلى ديارهم، وقد تغنى الشعراء بهذه المأثرة طويلا وما يلبث أن يتوفى سنة ٤٧٩ مخلفا ذكرى طيبة، غير شعر جيد كان ينظمه. وخلفه ابنه سيف الدولة صدقة، وكان ذا بأس وسطوة، وكان يقال له ملك العرب. وكان يسكن هو وآباؤه قبله فى البيوت العربية (الخيام) فبنى الحلّة سنة ٤٩٥ وسكنها، وله قدّم ابن الهبّارية كتاب الصادح والباغم، وتوفى سنة ٥٠١ وخلفه ابنه دبيس وكان أديبا وجوادا كريما، وهو الذى عناه الحريرى بقوله فى إحدى مقاماته-وهى المقامة العمانية-والناس محيطون بأبى زيد يثنون عليه ويقبلون يديه حتى: «خيّل إلىّ أنه القرنىّ أويس (واعظ أموى) أو الأسدى دبيس» وقد اشترك فى مؤامرات كثيرة ضد السلاجقة والخليفة المسترشد، مما دفع السلطان مسعودا السلجوقى إلى العمل على اغتياله سنة ٥٢٩. وولى بعده ابنه صدقة، وسرعان ما ضعفت الأسرة، وزايلت الحلة، وعادت مع قومها إلى الحياة البدوية. ولا نعود نسمع بعد ذلك بإمارات عربية على الحدود العراقية الغربية.
ونولّى وجوهنا فى العصرين الأيوبى والمملوكى نحو بوادى الشام ومنازل طيئ فى جبل شمّر أو جبلى أجأ وسلمى، ويذكر المؤرخون فخذين كبيرين من آل ربيعة الطائيين كانا يقومان على أحياء العرب فى بوادى الشام والعراق، وهما آل فضل وآل مرا، وكانت منازل الأخيرين بوادى حوران، وكانوا يسقطون منها جنوبا فى الصحراء ويوغلون حتى تصبح مكة المعظمة وراء ظهورهم، وأهم شعبهم آل أحمد بن حجّى المتوفى سنة ٦٨٢ وكان صاحب المدينة الحسينى يؤدى له الخفر وكذلك أطراف الحجاز، وكانت له منزلة عالية عند الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون. ويقول صاحب صبح الأعشى: آل مرا أبطال
стр. 2140
مناجيد، ورجال صناديد، وكثيرا ما يتحاربون مع أبناء عمهم فضل. ويروى القلقشندى عن الشهاب محمود الحلبى أنه حين غزا التتار الشام فى أيامه وكان بحمص أقبل من أهل مرا زهاء أربعة آلاف فارس شاكين السلاح على الخيل المسوّمة والجياد المطهّمة مقلدين بالسيوف وفى أيديهم الرماح ومعهم الظعائن والحمول ومعهم مغنية تعرف بالحضرمية طائرة السمعة سافرة فى الهودج تغنى أبياتا حماسية.
وكانت ديار آل فضل الفخذ الكبير الثانى من طيئ تمتد من حمص إلى أطراف العراق وتهبط يسارا إلى البصرة وتستدير نحو منازل بنى تميم واليمامة، وتشمل منازل غطفان مما يلى وادى القرى، كما تشمل منازل بنى أسد، وكان ينضم إليهم لفيف من قبائل العرب: من مذحج وعامر وزبيد وغيرهم. وكان شيوخ هذا الفخذ يولّون على إمرة العرب بتقليد من السلطان، وأول من استن ذلك السلطان العادل بن أيوب، إذ أقام على العرب أميرا منهم هو حديثة بن عقبة بن فضل، وخلفه عيسى بن محمد ثم مانع بن حديثة المتوفى سنة ٦٣٠ وخلفه مهنا الذى حضر مع المظفر قطز قتال التتار فى عين جالوت. وولّى بعده الظاهر بيبرس ابنه عيسى. وكانت العادة السلطانية أن يكتب لمن يولّى تقليد شريف بذلك، ويلبس تشريفا أطلس أسوة بالنواب إن كان حاضرا ويجهّز إليه إن كان غائبا، وتصدّر إليه المكاتبات من الأبواب الشريفة، وبالمثل كانوا يولون الأمراء على آل مرا.
وكانوا يوفّرون لهم الإقطاعات لحفظ السابلة وقوافل الحجاج وظل عيسى أميرا على العرب وآل فضل حتى سنة ٦٨٤ وخلفه لعهد المنصور قلاوون ابنه المهنا، وفى الجزء الثانى عشر من صبح الأعشى مرسوم شريف بإمرته. ويخلفه فى سنة ٧١٢ فضل أخوه، ويقال إن ابنه حجّ فى اثنى عشر ألف راحلة، وظلت الإمارة فى طيئ طويلا.
ونسمع فى داخل نجد عن إمارات كثيرة بأنحائها وقراها المختلفة فى اليمامة والعارض والوشم والقصيم يتنافس فيها الإخوة وأبناء العم، ومن أهم تلك الإمارات إمارة الدّرعية التى تأسست فى منتصف القرن التاسع الهجرى ولا نمضى طويلا فى القرن الثانى عشر حتى نرى أميرها سعودا يضم الواحات الصغيرة المجاورة لها تحت لوائه، وتوفى سنة ١١٣٧ هـ/ ١٧٢٥ م. وخلفه ابنه محمد، وهو الذى تآزر مع محمد بن عبد الوهاب فى سنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٥ م على نشر العقيدة السلفية وقمع البدع، وأخذا يتعاونان فى ذلك حتى دان له أكثر نجد. وتوفى سنة ١١٧٩ هـ/١٧٦٥ م، وخلفه ابنه عبد العزيز ومضى فى نشر الدعوة بإقليم القصيم ووادى السرحان، وفتح بلدة الرياض. ولم يلبث أن قتل بيد شيعى سنة ١٢١٨ هـ/١٨٠٣ م وولى بعده ابنه سعود، وقد استطاع أن يمد لواء