← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وكانت الأسرة كما أسلفنا إسماعيلية، وكان الفاطميون يولون أبناءها على المدينة، الواحد تلو الآخر، إذ كانوا من شيعتهم. ومن أهمهم منظور بن عمارة المتوفى سنة ٤٩٥. وتنتهى الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين وتدخل الحجاز فى طاعته، ويبقى على بنى مهنا أمراء للمدينة وكانوا يتولون إمارتها فى العهد الأيوبى من قبل الخلفاء العباسيين، ومن أشهرهم حينئذ أبو فليته الذى حضر مع صلاح الدين فتح أنطاكية سنة ٥٨٤ وولى بعده ابنه سالم، وكان شاعرا، وكانت بينه وبين قتادة شريف مكة موقعة بذى الحليفة بالقرب من المدينة سنة ٦٠١ هزم فيها قتادة، وفى ذلك يقول ملتاعا: مصارع آل المصطفى عدن مثلما ... بدان ولكن صرن بين الأقارب ويقال إن سالما حضر إلى مصر فى سنة ٦١٠ للشكوى من قتادة، ومات فى طريق عودته قبل وصوله إلى المدينة، وولى بعده ابنه شيحة وظل على المدينة حتى قتل سنة ٦٤٧ وخلفه ابنه عيسى، وقبض عليه أخوه جمّاز سنة ٦٤٩ وملك مكانه، وهو الذى ظلت الإمرة بعده فى بيته، وطال عمره حتى سنة ٧٠٤ وعمى فى آخر أيامه، وقدم مصر سنة ٦٩٢ فأكرمه سلطانها خليل وعظمه، وقبل شفاعته فى أمير ينبع وفى أبى نمى أمير مكة وكان قد غاب عن لقاء الركب المصرى. وخلفه ابنه منصور، ووفد أخوه مقبل على الظاهر بيبرس (هكذا فى ابن خلدون وصبح الأعشى وهو المظفر بيبرس الجاشنكير) فأشرك بينهما فى الإمرة وفيما عيّنه من إقطاع لأمير المدينة، وغاب منصور عن المدينة لأمر واستخلف ابنه كبيشة، فملكها مقبل من يده، ولحق كبيشة بأحياء العرب، فنصروه على عمه وسقط قتيلا سنة ٧٠٩ ورجع منصور إلى إمارته، وظل بها حتى توفى سنة ٧٢٥. ويكثر الخلاف بين أفراد هذه الأسرة وما يكاد يتولاها شخص منهم حتى ينقضّ عليه آخر. ويكفى أن نذكر ممن تولوا إمارتها حتى نهاية القرن الثامن على الترتيب كبيشة بن منصور، وودّى بن جماز وطفيل بن منصور وسيف وفضل ومانع من عقب جماز، ثم جماز بن منصور وهبة ابنه، وهبة آخر من عقب ودّى وعطيفة بن منصور بن جماز وهبة بن جماز وجماز بن هبة بن جماز ونعير بن منصور وثابت بن نعير. وكثيرا ما كان يثب على الإمارة أحد هؤلاء الأربعة عشر واليا حتى سنة ٧٩٩. ووراء هؤلاء أسماء أمراء للمدينة آخرين مثل محمد بن عطيفة المتوفى سنة ٧٨٨ وهبازع بن هبة الله المتوفى بالسجن فى الإسكندرية سنة ٧٨٩. وحقّا كانت تتبع المماليك وكانوا هم الذين يولون عليها الأمراء، ولكن الأمر أفلت من أيديهم إزاء هذا الصراع الحاد، فما يكادون يولون شخصا حتى تقيم الأسرة شخصا آخر وتطلب توليته، ويفزع إلى القاهرة كى تخلع عليه وتنصبه أميرا. على كل حال

стр. 2137

ساء الحكم فى هذه الإمارة منذ القرن الثامن الهجرى، وكلما قطعنا شوطا فى الزمن اشتد سوءه، حتى لنرى أحد أمرائها من أحفاد نعير المسمى الحسن بن الزبير يعتدى فى يوم الثلاثاء السادس من ربيع الأول سنة ٩٠١ على حراس الحرم النبوى وينهب ما فى الحجرة النبوية الطاهرة من تحف ونفائس. وتتدهور الإمارة منذ هذا التاريخ وتدخل مع الحجاز فى حكم الدولة العثمانية، وتظل لهذا البيت الحسينى عليها إمارة اسمية. ويؤكد ابن خلدون والقلقشندى أنهم كانوا على مذهب الإمامية الرافضة، بينما كان أمراء مكة زيدية. ومرّ بنا أن أمراء المدينة كانوا إسماعيلية، ويبدو أنهم اعتنقوا المذهب الإسماعيلى فى العهد الفاطمى حتى إذا انقضت الدولة الفاطمية تحوّلوا فيما بعد إمامية اثنى عشرية. نجد وقبائلها وشيوخها (١) وإماراتها. ظلت نجد تعيش حياتها الرعوية وتنتشر فيها قبائلها الباقية بعد من هاجر منهم فى عصر الفتوح، ولا نكاد نعرف شيئا واضحا عن هذه القبائل منذ أوائل هذا العصر الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث إلا ما يتصل برحلات هذه القبائل إلى الشرق وما كوّنته هناك من إمارات، وكذلك ما يتصل برحلاتها إلى الغرب وقد مضت تتغلغل فيه متجاوزة مصر إلى بلاد المغرب، وأيضا ما يتصل بقبيلة طيئ التى كانت تحتل منطقة جبلى أجأ وسلمى وتنتشر فى بوادى الشام والعراق، وقد جعلتها مواطنها فى هذه الأنحاء تتصل بدول العراق ومصر والشام. ولعل أول ما نقرؤه من أخبار عن تحركات القبائل النجدية فى هذا العصر يتصل ببنى هلال بن عامر وأبناء عمومتهم عقيل وربيعة، وكذلك ببنى سليم. وكان العامريون ينزلون فى جبل غزوان، بينما كان بنو سليم ينزلون شرقى المدينة، وكانوا جميعا يطوفون بأطراف الجزيرة فى العراق والشام ويغيرون على القرى هناك، وكان بنو سليم يغيرون أحيانا على الحجاج فى مواسم الحج، وكانت البعوث تجهّز لهم من بغداد للإيقاع بهم. ولما ظهر القرامطة بالبحرين تحيّز كثيرون من العامريين وبنى سليم إليهم، وصاروا جندا لهم فى البحرين وعمان، وحين أغار الأعصم القرمطى سنة ٣٦٠ على الشام، وهزمته جيوش

стр. 2138

الفاطميين نقل الخليفة الفاطمى العزيز جنده من بنى هلال وبنى سليم إلى صعيد مصر، وبعث بهم المستنصر بعده إلى المغرب، فخربوا مدن تونس وملكت سليم شرقى البلاد وبنو هلال غربيها. وكان قد انضم إلى الأعصم فى حربه للفاطميين شيخ طيئ: حسان بن الجراح، حتى إذا انهزم الأعصم دنا من العزيز وأكرمه، وتظل لبنى الجراح رياستهم لطيئ وعرب بادية الشام طوال العهد الفاطمى، ويتوفى حسان سنة ٣٦٧ ويخلفه أخوه دغفل المفرج ويستولى على الرملة بفلسطين، ويتولى زعامة طئ بعده ابنه حسان سنة ٤٠٤ وكان يعين الفاطميين فى حروبهم واستولى على عسقلان سنة ٤١٤ وعلى أفاميه سنة ٤٢٢ ولا نجد له ذكرا بعد سنة ٤٣٣ ومن أهم شيوخ بيته بعده فضل بن ربيعة حليف قرواش صاحب الموصل. وإذا اتجهنا إلى الشرق وجدنا بنى خفاجة من عقيل بن عامر وقد توغلوا نحو اليمامة، وزحزحتهم فتنة القرامطة صوب حدود العراق، فملكوا ضواحيه، وأصبحوا سادة الكوفة فى ظل أميرهم عليان بن ثمال الخفاجى الذى أسس هناك إمارة بنى ثمال سنة ٣٧٤ للهجرة وخلفه فيها أبناؤه، ونظل نسمع عن غاراتهم مع أبناء عمومتهم بنى المنتفق بن عامر بن عقيل طوال القرن الخامس الهجرى وحتى منتصف القرن السادس إذ كانوا يغيرون على الأنبار والعراق إغارات متصلة، وكانوا لا يزالون ينزلون فى هذه الأنحاء فى بطائح البصرة وواسط حتى عصر ابن خلدون متنقلين بخيامهم من مكان إلى مكان. ونزحت قبائل وعشائر كثيرة لبنى عقيل بن عامر إلى الموصل فى الشمال الشرقى من الجزيرة واستطاعوا أن يقيموا لأنفسهم فيها إمارة كان أول أمرائها ومؤسسها أبا الزّهّار محمد ابن المسيب العقيلى الذى تغلب على الموصل سنة ٣٨٠ وخلفه أخوه المقلّد العقيلى الذى اتسعت مملكته، وقد حارب بنى خفاجة واضطرهم إلى الدخول فى طاعته، وكان شاعرا ومحبّا لأهل الأدب وقتله أحد مماليكه الأتراك غيلة سنة ٣٩١ ورثاه الشريف الرضى بقصيدتين وجماعة من الشعراء. وخلفه ابنه قرواش، وكان يمد سلطانه على الموصل جميعه والكوفة والمدائن وسقى الفرات، وأدّب بنى خفاجة مرارا، وكان كريما وهابا نهابا، كما كان شاعرا مجيدا. ودامت إمارته نحو خمسين سنة حتى قبض عليه أخوه بركة وحبسه فى إحدى قلاع الموصل سنة ٤٤١ وتولى مكانه. وتوفى بعد سنتين، فخلفه ابن أخ له يسمى قريش بن بدران، وكان أول ما فعله قتل عمه قرواش وتوفى سنة ٤٥٣ فخلفه ابنه مسلم إلى أن قتل سنة ٤٧٨ وكان حسن السيرة عادلا، كما كان ممدّحا، مدحه ابن حيّوس شاعر

стр. 2139

الشام وغيره، ولا نكاد نصل إلى نهاية القرن الخامس الهجرى حتى ينحسر ملك بنى عقيل ابن عامر عن الموصل ويعودوا إلى البادية أو البوادى، ويقول ابن خلدون إنهم كانوا لعصره فى الآجام بين البصرة والكوفة المعروفة باسم البطائح. وإمارة ثالثة للبدو على حدود العراق أقاموها فى أوائل القرن الخامس أقامها بنو أسد فى أنحاء الحلّة، وكان أول من تصدى منهم لذلك على بن مزيد المتوفى سنة ٤٠٨ وخلفه ابنه نور الدولة دبيس، ويحالف بنى خفاجة على حرب قرواش العقيلى ويحرقان الأنبار انتقاما منه. وينعقد صلح بين قرواش ودبيس ويهزمان جموعا للغزّ ويمدح ابن الشبل البغدادى قرواشا بهذا النصر المبين. وكان دبيس وأهل بيته وسائر أعماله شيعة، مثله فى ذلك مثل قرواش. ويمتد حكمه إلى سنة ٤٧٤ وكان يكتب بين يديه على بن أفلح الكاتب المشهور، ويخلفه ابنه منصور بهاء الدولة، ويفتكّ أسرى بنى عقيل حين استولى العسكر السلطانى على حللهم ويجهزهم ويردهم إلى ديارهم، وقد تغنى الشعراء بهذه المأثرة طويلا وما يلبث أن يتوفى سنة ٤٧٩ مخلفا ذكرى طيبة، غير شعر جيد كان ينظمه. وخلفه ابنه سيف الدولة صدقة، وكان ذا بأس وسطوة، وكان يقال له ملك العرب. وكان يسكن هو وآباؤه قبله فى البيوت العربية (الخيام) فبنى الحلّة سنة ٤٩٥ وسكنها، وله قدّم ابن الهبّارية كتاب الصادح والباغم، وتوفى سنة ٥٠١ وخلفه ابنه دبيس وكان أديبا وجوادا كريما، وهو الذى عناه الحريرى بقوله فى إحدى مقاماته-وهى المقامة العمانية-والناس محيطون بأبى زيد يثنون عليه ويقبلون يديه حتى: «خيّل إلىّ أنه القرنىّ أويس (واعظ أموى) أو الأسدى دبيس» وقد اشترك فى مؤامرات كثيرة ضد السلاجقة والخليفة المسترشد، مما دفع السلطان مسعودا السلجوقى إلى العمل على اغتياله سنة ٥٢٩. وولى بعده ابنه صدقة، وسرعان ما ضعفت الأسرة، وزايلت الحلة، وعادت مع قومها إلى الحياة البدوية. ولا نعود نسمع بعد ذلك بإمارات عربية على الحدود العراقية الغربية. ونولّى وجوهنا فى العصرين الأيوبى والمملوكى نحو بوادى الشام ومنازل طيئ فى جبل شمّر أو جبلى أجأ وسلمى، ويذكر المؤرخون فخذين كبيرين من آل ربيعة الطائيين كانا يقومان على أحياء العرب فى بوادى الشام والعراق، وهما آل فضل وآل مرا، وكانت منازل الأخيرين بوادى حوران، وكانوا يسقطون منها جنوبا فى الصحراء ويوغلون حتى تصبح مكة المعظمة وراء ظهورهم، وأهم شعبهم آل أحمد بن حجّى المتوفى سنة ٦٨٢ وكان صاحب المدينة الحسينى يؤدى له الخفر وكذلك أطراف الحجاز، وكانت له منزلة عالية عند الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون. ويقول صاحب صبح الأعشى: آل مرا أبطال

стр. 2140

مناجيد، ورجال صناديد، وكثيرا ما يتحاربون مع أبناء عمهم فضل. ويروى القلقشندى عن الشهاب محمود الحلبى أنه حين غزا التتار الشام فى أيامه وكان بحمص أقبل من أهل مرا زهاء أربعة آلاف فارس شاكين السلاح على الخيل المسوّمة والجياد المطهّمة مقلدين بالسيوف وفى أيديهم الرماح ومعهم الظعائن والحمول ومعهم مغنية تعرف بالحضرمية طائرة السمعة سافرة فى الهودج تغنى أبياتا حماسية. وكانت ديار آل فضل الفخذ الكبير الثانى من طيئ تمتد من حمص إلى أطراف العراق وتهبط يسارا إلى البصرة وتستدير نحو منازل بنى تميم واليمامة، وتشمل منازل غطفان مما يلى وادى القرى، كما تشمل منازل بنى أسد، وكان ينضم إليهم لفيف من قبائل العرب: من مذحج وعامر وزبيد وغيرهم. وكان شيوخ هذا الفخذ يولّون على إمرة العرب بتقليد من السلطان، وأول من استن ذلك السلطان العادل بن أيوب، إذ أقام على العرب أميرا منهم هو حديثة بن عقبة بن فضل، وخلفه عيسى بن محمد ثم مانع بن حديثة المتوفى سنة ٦٣٠ وخلفه مهنا الذى حضر مع المظفر قطز قتال التتار فى عين جالوت. وولّى بعده الظاهر بيبرس ابنه عيسى. وكانت العادة السلطانية أن يكتب لمن يولّى تقليد شريف بذلك، ويلبس تشريفا أطلس أسوة بالنواب إن كان حاضرا ويجهّز إليه إن كان غائبا، وتصدّر إليه المكاتبات من الأبواب الشريفة، وبالمثل كانوا يولون الأمراء على آل مرا. وكانوا يوفّرون لهم الإقطاعات لحفظ السابلة وقوافل الحجاج وظل عيسى أميرا على العرب وآل فضل حتى سنة ٦٨٤ وخلفه لعهد المنصور قلاوون ابنه المهنا، وفى الجزء الثانى عشر من صبح الأعشى مرسوم شريف بإمرته. ويخلفه فى سنة ٧١٢ فضل أخوه، ويقال إن ابنه حجّ فى اثنى عشر ألف راحلة، وظلت الإمارة فى طيئ طويلا. ونسمع فى داخل نجد عن إمارات كثيرة بأنحائها وقراها المختلفة فى اليمامة والعارض والوشم والقصيم يتنافس فيها الإخوة وأبناء العم، ومن أهم تلك الإمارات إمارة الدّرعية التى تأسست فى منتصف القرن التاسع الهجرى ولا نمضى طويلا فى القرن الثانى عشر حتى نرى أميرها سعودا يضم الواحات الصغيرة المجاورة لها تحت لوائه، وتوفى سنة ١١٣٧ هـ/ ١٧٢٥ م. وخلفه ابنه محمد، وهو الذى تآزر مع محمد بن عبد الوهاب فى سنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٥ م على نشر العقيدة السلفية وقمع البدع، وأخذا يتعاونان فى ذلك حتى دان له أكثر نجد. وتوفى سنة ١١٧٩ هـ/١٧٦٥ م، وخلفه ابنه عبد العزيز ومضى فى نشر الدعوة بإقليم القصيم ووادى السرحان، وفتح بلدة الرياض. ولم يلبث أن قتل بيد شيعى سنة ١٢١٨ هـ/١٨٠٣ م وولى بعده ابنه سعود، وقد استطاع أن يمد لواء

стр. 2141

سلطانه من أطراف عمان ونجران واليمن إلى بادية الشام فى أقصى الشمال من الجزيرة، ومن الخليج العربى ونهر الفرات إلى بحر القلزم (البحر الأحمر) واستولى على الطائف ومكة، مما جعل الدولة العثمانية تستعين بمحمد على واليها فى مصر، كى يستخلص الحجاز منه، فأرسل إليه جيشا بقيادة ابنه إبراهيم واستطاع الجيش الاستيلاء على المدينة ومكة سنه ١٢٢٧ هـ/١٨١٢ م وسرعان ما توفى سعود فى الدرعية سنة ١٢٢٩ هـ/١٨١٤ م وتولى بعده ابنه عبد الله، وفى عهده أخذت البلاد تسقط واحدة تلو الأخرى فى يد إبراهيم باشا، واستسلم عبد الله بن سعود، وأرسل إلى القسطنطينية حيث قضى نحبه سنة ١٢٣٤ هـ/١٨١٨ م. ويتولى حكم الدرعية تركى بن عبد الله بن محمد بن سعود. وبذلك ينتقل الحكم فى آل سعود من بيت عبد العزيز بن محمد إلى بيت أخيه عبد الله بن محمد، ويبقى فيه إلى اليوم. وينشط تركى، ويفتح الحسا والقطيف، ويعقد صلحا مع صالح بن على أمير حائل وزعيم منطقة شمر أو جبلى أجأو سلمى ويغتال سنة ١٢٤٩ هـ/١٨٣٣ م ويخلفه ابنه فيصل وكان ضعيفا، فيأسره المصريون ثم يعيدونه إلى إمارته ويظل بها حتى عام ١٢٨٢ هـ/١٨٦٥ م وهو عام وفاته. وتعقبه فترة من الاضطرابات والفتن بين أبنائه استطاع فى خلالها محمد بن رشيد صاحب حائل أن يبسط سلطانه على أكثر البلاد الخاضعة للسعوديين، لولا أن هبّ لا فى هذا العصر بل فى العصر الحديث التالى عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل فاسترد الرياض وكل ما فقد من إمارة آبائه. اليمن ودولها (١) توزعت اليمن فى هذا العصر دول كثيرة، لعل أقدمها دولة بنى زياد فى زبيد (٢٠٣ - ٤١٢ هـ) وخلفهم عليها دولة آل نجاح (٤١٢ - ٥٥٤ هـ) ثم دولة بنى مهدى

стр. 2142

الخوارج (٥٥٤ - ٥٦٩ هـ) ومنهم أخذها الأيوبيون وخلفهم عليها وعلى اليمن دولة آل رسول. ولصنعاء دولها هى الأخرى وأولها بنو يعفر (٢٥٢ - ٣٩٣ هـ) وتلتها دولة الصّليحيين الإسماعيليين (٤٣٩ - ٥٣٢ هـ). ثم دولة الهمدانيين (٤٩٢ - ٥٦٩ هـ). وفى صعدة مستقر الزيدية دولة الرّسيين منذ سنة ٢٨٨ ونازعهم عليها أبناء عمومتهم بنو سليمان منذ طردهم الهواشم بمكة ونزلوا المخلاف السليمانى سنة ٤٥٠ وقد أزال على بن مهدى دولتهم منه. ثم عادوا إليه، وقد ظل أئمة الرسيين يتوالون واحدا بعد الآخر حتى العصر الحديث. وفى عدن دولة بنى زريع الإسماعيلية (٤٦٧ - ٥٦٩ هـ). ومنهم أخذها الأيوبيون كما أخذوا صنعاء وصعدة عاصمة الرسيين. ونحن نسوق الحديث عن هذه الدول، ثم ننتقل منها إلى الحديث عن الأيوبيين والرسوليين وبنى طاهر والعصر العثمانى ومقاومة الرسيين فى صعدة للعثمانيين، حتى استخلصوا منهم البلاد. ونبدأ بدول زبيد قبل الفتح الأيوبى، وأولها دولة بنى زياد، ومؤسسها محمد بن زياد من نسل عبيد الله بن زياد حاكم العراق بعد وفاة أبيه زياد، ولاه المأمون على اليمن سنة ٢٠٣ للهجرة فاستولى على تهامة وحضرموت، ومن أهم أمراء هذه الدولة أبو الجيش إسحق بن إبراهيم (٢٩١ - ٣١٧ هـ). وفى عهده استولى القرامطة على زبيد سنة ٣٠٣ ثم تركوها. ودانت له اليمن: عدن وصنعاء وحكامها بنو يعفر وصعدة وحكامها الرسيّون واتسعت جبايته حتى بلغت مليونين وثلثمائة وستة وستين ألفا من الدنانير، سوى ما كان يجبيه من مراكب السند ومن العنبر المجلوب إلى عدن وباب المندب ومن الغوص على اللؤلؤ ومن جزيرة دهلك. وما زال الحكم فى أسرته حتى تشاجر حجبتهم على الحكم، وتغلب عليهم نجاح الحبشى سنة ٤١٢ وأسس دولة بنى نجاح، وما زال يحكمها حتى دسّ له بعض أنصار على بن الصّليحى صاحب صنعاء السم ففتك به سنة ٤٥٢ واستولى الصليحى على زبيد، غير أن أبناء نجاح فروا إلى دهلك، وأخذوا يحاولون استردادها واستطاعوا أن يغتالوا الصليحى فى طريقه إلى الحج سنة ٤٥٩ واستطاع جياش بن نجاح أن يستعيد زبيد من الصليحيين نهائيا سنة ٤٧٩ وكان شاعرا وكاتبا بليغا، وصنّف المفيد فى أخبار زبيد، وبعث هو وأسرته ووزراؤهم نهضة فى زبيد أدبية وعلمية، ومن وزرائهم منّ الله الفاتكى وسرور وكانا ممدّحين عاليى الهمة. وتوارث أبناء جياش الحكم حتى سنة ٥٥٤ إذ ملكها بنو مهدى وزال ملك بنى نجاح. وقد نشأ مؤسس دولة بنى مهدى-وهو على بن مهدى الحميرى-فى سواحل زبيد على النسك والدين، ولما شبّ أخذ فى الوعظ فأحبه الناس والتفوا حوله، وفكر فى إقامة دولة لنفسه فاستولى على زبيد وتسمى الإمام المهدى أمير

стр. 2143

الؤمنين وقامع الكفرة والملحدين. وكان يؤمن بعقيدة الخوارج ويتبرأ من عثمان وعلى، وكان يكفّر بالمعاصى، ويقتل من يقترف كبيرة، وكذلك من خالف اعتقاده من أهل السنة، وكان يستبيح نساءهم ويسترق أبناءهم وذراريهم، وكان أنصاره يعتقدون فيه العصمة، ولم يلبث أن توفى بعد استيلائه على زبيد بنحو ثلاثة أشهر، وحين استولى عليها قتل قاضيها محمد بن أبى عقامة وابنه وكانا فاضلين. وخلفه ابنه مهدى ثم أخوه عبد النبى. وقد أغار فى سنة ٥٦١ على المخلاف السليمانى وقتل فى الغارة أميره وهاس ابن غانم، وأنشد فى ذلك قصيدة رواها صاحب كتاب المخلاف السليمانى، ومازال على زبيد حتى تسلمها منه توران شاه الأيوبى سنة ٥٦٩ للهجرة. وأول دول صنعاء دولة بنى يعفر التى أنشأها يعفر بن عبد الرحمن سنة ٢٥٢ وخلفه عليها أبناؤه، وحدث فى سنة ٢٩٣ لعهد أسعد بن يعفر أن استولى القرامطة بإمرة على ابن الفضل على صنعاء. ولم يلبث أن ادعى النبوة، وأباح لأصحابه شرب الخمر وزواج البنات، وحطّ عن الناس-بزعمه-أركان الإسلام الأساسية: الصلاة والصيام والحج. وفى سنة ٣٠٣ هلك على يد حسنى حجّام، جعل له السم فى المبضع. وعلم بذلك أسعد بن يعفر فاستنفر قبائل اليمن واستردّ صنعاء وظل يحكمها حتى وفاته سنة ٣٣١ وخلفه عليها ابن أخيه عبد الله بن قحطان حتى قضى نحبه سنة ٣٨٧ وولى بعده ابنه أسعد، وبوفاته سنة ٣٩٣ تنتهى دولة آل يعفر. وتخلف دولة اليعفريين بصنعاء دولة الصّليحيين، أسسها على بن محمد الصّليحى، وقد نشأ فقيها صالحا بين قومه الهمدانيين وظل أمره ينمو فى مقره بجبلة منذ سنة ٤٣٩ وربما قبل ذلك بسنوات غير قليلة. وكتب إلى الخليفة المستنصر الفاطمى يستأذنه فى الدعوة للمذهب الإسماعيلى، فأذن له واتسع نفوذه واستولى على زبيد، كما أسلفنا، من يد آل نجاح سنة ٤٥٢ كما استولى على صنعاء سنة ٤٥٤ واختط بها القصور واتخذها حاضرته، وعظم ملكه. واستولى على مكة سنة ٤٥٥ ليزيل منها الإمارة الحسنية الزيدية ثم تركها. وكانت زوجه أسماء من فضليات النساء، وكانت ممدّحة كريمة، مدحها كثير من الشعراء. وخلفه ابنه المكرم سنة ٤٥٩ واتخذ جبلة عاصمته، وأصيب بمرض الفالج، ففوّض شئون دولته إلى زوجته الملكة الحرة أروى بنت أحمد الصليحى إلى أن توفى سنة ٤٨٤ فتولت بنفسها زمام الأمور، وتزوجت سبأ بن أحمد الصليحى بأمر المستنصر الفاطمى، وتوفى سنة ٤٩١ وأخذت تخرج عليها بعض القبائل وبعض البلدان، واستولى بنو حاتم الهمدانيون على صنعاء سنة ٤٩٢ وظل يحكمها منهم حاتم بن غشيم الهمدانى حتى سنة ٥٠٢ وخلفه أبناؤه

стр. 2144

عليها حتى تسلمها منهم توران شاه الأيوبى. وظل نجم الملكة الحرة يزداد أفولا والدولة الصليحية تتفكك أوصالها، حتى لم يبق لها إلا بعض حصون قليلة. وقد خرجت أكثر الحصون فى الجنوب إلى بنى زريع أصحاب عدن. وتوفيت الملكة الحرة سنة ٥٣٢ وبوفاتها انتهت الدولة الصليحية الإسماعيلية. وحرى بنا أن نسوق الحديث إلى دولة الرّسّيين الزيدية بصعدة فى اليمن، ومؤسسها هناك الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم المولود بجبل الرّسّ بالقرب من المدينة المنورة سنة ٢٤٥ فى زمن جده القاسم الإمام الزيدى المعروف بمؤلفاته فى المذهب الزيدى وفى الفقه. وقد خرج من موطنه إلى اليمن فى سنة ٢٨٤ واستولى على صعدة وأسس بها إمامة الزيدية باليمن، وتوفى سنة ٢٩٨ فخلفه ابنه محمد ثم أخوه أحمد، فالإمام الهادى إلى الحق وهو المؤسس الحقيقى للدولة. وما تزال تلك الأسرة تتوارث الإمامة حتى يفد عليها أبو الفتح الديلمى سنة ٤٣٧ فيستخلص الإمارة لنفسه حتى وفاته، ويخلفه عليها بنو سليمان أصحاب المخلاف السليمانى الزيديون وينسحب الرسيون إلى جبل قطابة، وتتوالى أئمتهم هناك. وتتطور الظروف ويعود الرسيون إلى صعدة، وتدخل صنعاء فى حوزتهم مرارا. ومن أشهر أئمتهم المتوكل على الله (٥٣٢ - ٥٦٦ هـ). وكان شاعرا محسنا، وله مكاتبات شعرية مع نشوان بن سعيد الحميرى. ومن أئمتهم فى العهد الأيوبى الإمام المنصور بالله المتوفى سنة ٦١٤. ومن مشهوريهم فى عهد الدولة الرسولية الحسن ابن وهّاس، والموطئ الرسى الذى بويع بالإمامة سنة ٦٤٥ وكان قواما صواما عالما فقيها، وظل الحكم بعده فى أبنائه وتتوالى أئمتهم فى عهد الدولتين: الرسولية والطاهرية، وسنعود إليهم بعد استيلاء العثمانيين على اليمن عقب فتحهم لمصر. أما عدن فكانت قديما دارا لبنى معن بن زائدة منذ ولايته عليها فى عهد المأمون، وقد امتنعوا على بنى زياد أصحاب زبيد، ولما استولى عليها الصّليحى داعية الفاطميين قنع منهم بإتاوة يؤدونها، ثم عزلهم عنها ابنه المكرم، وجعلها للهمدانيين، ولم يلبث فرع منهم هو فرع بنى زريع أن استخلصها لنفسه، وكانوا إسماعيلية، ومن أهم أمرائهم محمد بن سبأ (٥٣٣ - ٥٥٠ هـ). وكان يتلقب بالداعى المعظم المتوج سيف أمير المؤمنين، وقد اشترى حصن جبلة من الصليحيين، وخلفه ابنه عمران ممدوح أبى بكر العيذى (٥٥٠ - ٥٦٥ هـ). وكان يدبر دولته ودولة ابنيه ياسر بن بلال ممدوح ابن قلاقس الشاعر المصرى وغيره من الشعراء. وحين قدم توران شاه إلى اليمن قبض عليه وانقطعت دولة بنى زريع. ويقال إن إيرادات عدن كانت مائة ألف دينار وارتفعت فى عهد الأيوبيين إلى

стр. 2145

ستمائة ألف. وحين فتح اليمن توران شاه الأيوبى سنة ٥٦٩ أقام لنفسه فيها نوابا فى مدنها وحصونها، وعادت إلى أحسن أحوالها من الخصب والعمارة والأمن، غير أن الحكم فيها لم ينتظم تماما لصلاح الدين إلا بعد أن أرسل إليها أخاه سيف الإسلام طغتكين، فأقام بها منذ سنة ٥٧٨ ودخل كما مر بنا سنة ٥٨٢ مكة ومنع من الأذان فيها بحىّ على خير العمل» وهو أذان الزيدية والإسماعيلية وغيرهما من الشيعة، وتوفى سنة ٥٩٣ وخلفه على اليمن ابنه إسماعيل وأساء السيرة فقتل سنة ٥٩٨ ووليها بعده ابن عمه سليمان، وظلم الناس، فولى السلطان الكامل صاحب مصر عليها ابنه الملك المسعود سنة ٦١٢ وأناب عنه فى بعض رحلاته إلى مصر نور الدين عمر بن على بن رسول أحد قواده، فمكّن لنفسه فيها، ولم يلبث أن استقل بها سنة ٦٢٦ للهجرة. وتظل اليمن فى قبضة الدولة الرسولية حتى سنة ٨٥٨ وقد اتخذ نور الدين تعزّ بالقرب من إقليم عدن عاصمة له وتلقب بالملك المنصور واعترف به الخليفة العباسى سنة ٦٣٢ للهجرة وامتدت مملكته من مكة إلى حضرموت. وكانت الحرب كثيرا ما تنشب بين الرسوليين وبين الأئمة فى صعدة. وقتله مماليكه سنة ٦٤٧ وخلفه ابنه الملك المظفر يوسف وهو صاحب جامع المظفرية بتعزّ، وبنى جوامع ومدارس كثيرة فى مدن اليمن، وفتح ظفار فى أقصى بلاد حضرموت ونشبت بينه وبين أئمة اليمن حروب كثيرة، وتوفى سنة ٦٩٤ فخلفه الملك الأشرف لمدة عامين فالملك المؤيد حتى سنة ٧٢١ وكانت له مشاركة حسنة فى العلوم والفنون، فالملك المجاهد حتى سنة ٧٦٤ فالملك الأفضل ابنه حتى سنة ٧٧٨ فالملك الأشرف حتى سنة ٨٠٣ وله ألف الخزرجى كتابه العقود اللؤلؤية، ويصف حفل ختان أبنائه وصفا رائعا. وتضعف الدولة بعده وتأخذ فى التدهور، وينتهز بنو طاهر ولاتهم وأمناؤهم فى عدن وغيرها الفرصة، ويؤسسون دولتهم. وقد اتخذ بنو طاهر «زبيد» حاضرة لهم، وأول أمرائهم عامر بن طاهر الذى استولى على عدن سنة ٨٥٨ وتلقب بالملك الظافر وتوفى سنة ٨٧٠ فخلفه أخوه الملك المجاهد إلى وفاته سنة ٨٨٣ وولى بعده الملك المنصور حتى سنة ٨٩٤ وخلفه الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب وقد استولى على صنعاء سنة ٩١٠ ولا نصل إلى سنة ٩٢١ حتى يستولى البرتغاليون على جزيرة كمران فى البحر الأحمر، وحينئذ يرسل قانصوه الغورى صاحب مصر حملة لمطاردة البرتغاليين ويطردون من الجزيرة وتنزل الحملة اليمن وتستولى على زبيد وتعز وتقضى على دولة بنى طاهر وتدخل اليمن فى حوزة الدولة العثمانية، وتنشب مناوشات كثيرة بين الأمراء أو الأئمة

стр. 2146

الزيديين وبين العثمانيين، وتترك الدولة العثمانية اليمن لأهلها سنة ١٠٤٥ فتكثر فيها الفتن والانقسامات حتى فى أسرة الأئمة الرسيين ويستتب الحكم للإمام المتوكل على الله إسماعيل ابن القاسم (١٠٥٤ - ١٠٨٧ هـ) وقد ظلت الإمامة فى عقبه إلى أن تخلصت منهم اليمن فى ثورتها الأخيرة، وكان المتوكل مظفرا استولى على عدن وحضرموت وظفار وجمع بلاد اليمن وتوالى الأئمة من بعده. وحدث فى عهد الإمام المنصور بالله على بن المهدى أن زاره القبطان الإنجليزى ولسن عند نزول نابليون بونابرت مصر، ونزل له طائعا عن جزيرة ميّون المسماة ببريم فى مضيق باب المندب بالبحر الأحمر! وهى تقسم البحر عندها قسمين. وما نصل إلى عهد الإمام الناصر لدين الله حتى يحتل الإنجليز سنة ١٢٥٥ هـ/١٨٣٩ م ميناء عدن بالقوة بعد مناوشات قليلة مع جنود سلطان لحج، وأصبحت مستعمرة إنجليزية. ورأى الأتراك طمع الدول الأوربية فى اليمن، وأحس أئمتها بحاجتهم إليهم، فعادوا إلى احتلال اليمن سنة ١٢٦٥ هـ/١٨٤٩ م بينما مضى الإنجليز يضمون إلى مستعمرة عدن تسع محميات أهمها لحج وحضرموت. وأخذت المناوشات تعود ثانية بين الأئمة الزيديين وبين الأتراك العثمانيين إلى أن تولى مناهضتهم لا فى هذا العصر ولا فى أواخره بل فى العصر الحديث الإمام الزيدى يحيى بن محمد حميد الدين حضرموت (١) وظفار وتاريخهما تقع حضرموت فى جنوبى الجزيرة على بحر العرب، وهى إقليم جبلى يتوسطه واد يمتد من الشرق إلى الغرب وتتفرع منه أودية كثيرة وكانت تشتهر قديما باسم أرض اللّبان، وأهم مدنها فى الداخل شبوة وشبام وتريم وسيّون وعلى الساحل الشّحر والمكلاّ، وكانت تسكنها قديما قبيلة كندة، ومازال الولاة يتتابعون عليها من قبل الخلفاء فى صدر الإسلام وزمن الدولتين الأموية والعباسية. ولما تولى محمد بن زياد اليمن أضيفت إليه، وظل لبنيه نفوذ فيها، حتى ولى بنو يعفر صنعاء وأقاموا دولتهم بها، فإنهم مدوا أيديهم إليها وظلت تتبعهم، وحاول الحضارمة الثورة عليهم، ولكن ثورتهم أخفقت، وقدمها فى أثناء حكمهم لها سنة ٣١٧ للهجرة الشيخ أحمد بن عيسى جد آل باعلوى، منتسبا نسبا شريفا إلى الحسين بن على، ونزل بتريم وأصبح له فيها زعامة روحية هو وأسرته إلى اليوم، وهى زعامة أتاحت للشيعة

стр. 2147

أن يتنفسوا هناك وكانت النحلة الغالبة فى حضرموت نحلة الخوارج ولذلك كان أهلها دائما يثورون ثورات متعاقبة. ونزلها القرامطة فى أوائل القرن الرابع الهجرى مدة ثم تركوها، ويلمع بها فى القرن الخامس أبو إسحق الحضرمى الخارجى، وقد ساعده الخليل بن شاذان إمام الخوارج فى عمان على أن يستقل بها بعد حروب دامية، واستطاع أن يردّ الصليحى عن حضرموت وهو يعد أول زعيم منها ولى شئونها واستقل بها. والشخصية الثانية بعده شخصية عبد الله بن راشد بن أبى قحطان الكندى المولود بتريم سنة ٥٥٣ وقد حكمها وسنّه دون الثلاثين، واهتم بالعلم والعلماء. ولما فتح صلاح الدين اليمن وولى على عدن عثمان الزنجيلى فتح حضرموت وأخذ معه عبد الله، غير أن العام لم يدر حتى عاد إلى دياره، وتمر سنوات ويعود ثانية إلى تريم ويستولى من آل النعمان على شبام، وتمضى البلاد فى أمن حتى يغزوها عمر بن مهدى اليمنى بجيش أيوبى سنة ٦١٤ ويتمكن من الاستيلاء عليها جميعا: على الشّحر وشبام وتريم، ويقتل سنة ٦٢٢ وينتهى بذلك عهد الأيوبيين فى حضرموت، وتخلفهم دولة الرسوليين، فيعملون على أن تظل حضرموت تابعة لهم، وكان يليها بعض أبنائها نوابا عنهم. وحين دانت ظفار شرقى حضرموت لسالم بن إدريس الحبوظى استولى بجموعه على حضرموت سنة ٦٧٣ غير أن الرسوليين قضوا عليه. ولا يزال شيوخ القبائل فى البلاد وفى مقدمتهم بنو راشد وبنو نهد يتناحرون على حكم المدن، ويشتهر آل باكثير باستيلائهم على الشّحر سنة ٧٨٦ وتكون الغلبة لهم فى كثير من البلاد. وكان ينافسهم آل بادجانة وآل باوزير والكنديين ولكن آل باكثير ظفروا بهم وبغيرهم من العشائر أو قل ظهروا عليهم. وخلف الرسوليين بنو طاهر على اليمن، وكانت حضرموت تستشعر الولاء لهم، وقد ردوا عن الشحر محمد بن سعيد بن فارس المهدى سنة ٨٦٧ وعهدوا بها إلى آل باكثير، واشتهر من بينهم بوطويرق المولود سنة ٩٠٢ وقد استولى على شبام سنة ٩٢٦ واحتل تريم سنة ٩٢٧ واتخذها مركزا لدولته وكان يجزل العطايا للعلماء والشعراء. واستولى العثمانيون على اليمن سنة ٩٤٥ ويعترف لهم بوطويرق بالطاعة سنة ٩٧٠ غير أن ابنه عبد الله رفض حكم الترك واستقل ببلاده، وخلفه أخوه عمر وكان نصيره ومعاونه وكاتبه الشاعر الكبير عبد الصمد بن عبد الله باكثير. ويتولى ابنه عبد الله شئون حضرموت حتى سنة ١٠٢٤ ويخلفه أخوه بدر ويظهر ولاءه للزيدية وأئمتهم بصنعاء وينشب خلاف بينه وبين ابن أخيه بدر بن عبد الله بسبب ذلك، ويقبض عليه ويعتقل، فيغضب الإمام الزيدى المتوكل على الله إسماعيل، ويرسل فى سنة ١٠٦٩ جيشا إلى حضرموت يستولى عليها، ويسلمها إلى بدر بن عمر ويظل يليها حتى وفاته سنة ١٠٧٣ ويتولاها ابنه محمد.

стр. 2148

ويضعف شأن آل باكثير، ويصبح ليافع وعشائرها الكلمة العليا فى البلاد، ويتحول الحكم والسلطان إليها حتى سنة ١٢٦٣ إذ يعيد غالب بن محسن الكثيرى دولة آله ويستولى على تريم، غير أن الشحر وأكثر البلاد تظل فى قبضة اليافعيين، ويشتهر من بينهم عمر بن عوض القعيطى اليافعى ثم ابنه عوض الذى أخطأ خطأ فاحشا فى حق بلده وأمته بتوقيع معاهدة مع الإنجليز سنة ١٣٠٥ هـ/١٨٨٨ م أصبحت بها حضرموت إحدى حامياتهم على بحر العرب، وصمة فى جبينه ما بعدها وصمة. وظفار هضبة يبلغ ارتفاعها ثلاثة آلاف قدم، وفوق جبالها تنمو أشجار الكندر (اللّبان) الذى يستعمله الهنود فى معابدهم، وتاريخها غامض ومن أمرائها محمد بن أحمد المنجوى، وخلفه سالم بن إدريس الحبوظى الذى مر بنا غزوه لحضرموت وقضاء الرسوليين عليه، وكانوا يولون عليها نائبا لهم. وفى القرن السادس عشر الميلادى حكم البلاد سيف الإسلام الغسانى وهو من صنعاء، وكانت قلعة بلد مقر حكمه، وفى القرن السابع عشر الميلادى استولى عليها بنو كثير الحضرميون، ولا يعرف عنها شئ فى القرن الثامن عشر، وحكمها علوى فى القرن التاسع عشر، وقتله بنو قرا، وحاول العثمانيون حين عادوا إلى اليمن فى هذا القرن فرض سيادتهم عليها. وفزعوا إلى سعيد بن تركى بن سعيد جد أمراء عمان، وظلت منذ هذا التاريخ تابعة لهم. عمان وأمراؤها (١) تمتد عمان على الشاطئ الجنوبى الشرقى لجزيرة العرب مشرفة على المحيط الهندى وبحر العرب من جهة وعلى الخليج العربى من جهة ثانية، وقد ثار بها الخوارج الإباضية منذ زمن الحجاج فى عصر بنى أمية، وكانوا يتخذون مدينة نزوى فى الداخل جنوبى الجبل الأخضر مركزا لهم، وكانوا يستولون عليها فى أكثر سنوات القرن الثالث الهجرى، وتغلّب على عمان أبو طاهر القرمطى عند اقتلاعه الحجر الأسود من الكعبة سنة ٣١٧ وخطب بها لعبيد الله المهدى، وترددت عليها ولاة القرامطة والروافض إلى أن استعادها منهم الإباضية سنة ٣٦٢ وظلوا مسيطرين عليها حقبة من الزمن. يدل على ذلك أننا نجد

стр. 2149

نفرا من أعيانها هم بنوم مكرم وكانوا شيعة إمامية يسيرون إلى بغداد ويتفقون مع البويهيين على أن يغزوها معهم بالسفن من الخليج العربى. ويملكونها فعلا فى عصر بهاء الدولة سنة ٣٩٠ وقد اختار منهم أبا محمد بن مكرم، واستطاع أن يطرد الخوارج إلى جبالهم فى نزوى وحولها، ويخطب لبنى العباس. وظل الإباضية فى عهد بنى مكرم يولون عليهم أئمة منهم، ومن أهمهم الخليل ابن شاذان ومر ذكره فى حضرموت وأنه أعان أبا إسحق الحضرمى على غزوها والاستيلاء عليها. وتوارث بنو مكرم ملك عمان، ومن أهم أمرائهم ناصر الدولة على بن الحسين بن مكرم، وكان جوادا ممدحا، ومدحه مهيار الديلمى وغيره وتوفى سنة ٤٢٨ بعد استئثاره بالإمارة مدة طويلة. وفى سنة ٤٤٢ ضعف ملك بنى مكرم وتغلب عليهم النساء والعبيد، فزحف إليها الخوارج من نزوى وملكوها بقيادة إمامهم راشد بن سعيد، وله حروب مع قبيلتى نهد وعقيل سحقهما فيها، وامتدحه بذلك أبو إسحق الحضرمى منوها ببسالته وبطولة جنوده. ومن أهم هؤلاء الأئمة من الخوارج الذين حكموا عمان حفص بن راشد الذى تملكها بعد أبيه وتظل فى أيدى خلفائه. وفى القرن السادس الهجرى تملك عمان من أيدى الإباضية بنو نبهان سنة ٥٧٩ هـ/ ١١٨٣ م وهم عشيرة من العتيك من الأزد استولوا عليها بعد شيوع الفوضى فيها، وكانوا سنيين، وظل حكمهم فيها طويلا حتى نهاية القرن التاسع، وقد غزا الفرس عمان فى عهد أميرهم كهلان سنة ٦٥٠ وعادوا إلى غزوها فى عهد عمر بن نبهان سنة ٦٧٤ ولكنهم عادوا فى الغزوتين مدحورين، كما يصور ذلك شاعر النبهانيين أحمد بن سعيد الستالى الخروصى، ويشنّ المؤرخ نور الدين السالمى حملة على هذه الدولة النبهانية قائلا كانت دولة بنى نبهان مبنية على الاستبداد بالأمر وقهر الناس ولم نجد لدولتهم تاريخا ولا لملوكهم ذكرا اللهم إلا ما ذكره شاعرهم أبو بكر أحمد بن سعيد الستالى. وقد زار ابن بطوطة عمان فى عهدهم سنة ٧٢٥ وقال عنها إنها خصبة، وأشاد بأميرها النبهانى وحسن ضيافته ثم ذكر نزوى عاصمة الخوارج، وقال إنهم أهل نجدة وشجاعة. ومن أئمة الإباضية المهمين فى القرن التاسع عمر بن الخطاب بن شاذان الذى بويع له بالإمامة سنة ٨٨٥ وقد نازل سليمان بن سليمان النبهانى أمير عمان، وهزمه واضطره أن يفر إلى هرمز وتوفى عمر، فعاد سليمان ونازل الإمام التالى للخوارج أبا الحسن بن عبد السلام، وباء بهزيمة منكرة، فرحل ثانية إلى هرمز، وتوفى أبو الحسن فاسترد سلطانه، ونازل خليفته الإمام الإباضى

стр. 2150

محمد بن إسماعيل الخروصى سنة ٩٠٦ وهزم هزيمة لم تقم له بعدها قائمة. وانسحب النبهانيون إلى الجبل الأخضر. وتصبح عمان تابعة للإباضية، ويستردها سلطان بن محسن النبهانى سنة ٩٦٤ ويتوالى عليها حكام نبهانيون، حتى يستولى عليها منهم الإمام الخارجى ناصر بن مرشد اليعربى (١٠٢٤ - ١٠٥٠ هـ) وكان البرتغاليون قد غزوا عمان سنة ٩١٣ واستولوا على بعض شواطئها، فأخذ يناوشهم، وظلت مدينتا صحار ومسقط فى أيديهم وقيل بل سقطت فى يده صحار، وخلفه سلطان بن سيف اليعربى (١٠٥٠ - ١٠٩١ هـ) وهو أهم اليعربيين وأبعدهم شهرة إذ استطاع أن يطرد البرتغاليين من مسقط وصحار وبذلك طهّر البلاد منهم. وبنى لعمان أسطولا ضخما حطم به أسطول البرتغال وسيطر على شواطئ إفريقيا والهند، وكانت تتبعه ممباسة فى كينيا على ساحل إفريقيا الشرقى وجزيرة زنجبار (١) وجزيرة سقطرة فى بحر العرب، غير أن أسرته ضعفت بعده. وتخلف أسره اليعربيين فى حكم عمان أسرة البوسعيديين على يد مؤسس دولتهم أحمد بو سعيد الذى جمع زمام الحكم فى عمان جميعها بيده سنة ١١٥٤ هـ/١٧٤١ م ورد الفرس على أعقابهم سنة ١١٦٣ هـ/١٧٤٩ م حين حاولوا غزو بلاده. ومن حكام هذه الأسرة البوسعيدية سعيد بن سلطان الذى ولى عمان سنة ١٢٢١ هـ/١٨٠٦ م وظل فى الحكم خمسين عاما. وقبيل عهده استقلت عن عمان رأس الخيمة فى مدخل الخليج العربى بزعامة القواسم، وكانت إمارتهم تمتد من مسقط إلى قطر فتشمل الشارقة وكانت عاصمتهم. وأخذ الأسطول الإنجليزى يظهر فى هذه الأنحاء، فكان القواسم يقاومونه مقاومة عنيفة. وسرعان ما تزعم «دبىّ» آل بوفلاسا سنة ١٢٤٩ هـ/١٨٣٣ م كما تزعم «أبو ظبى» آل فلاح وظلت أسرة البوسعيديين تحكم عمان إلى اليوم وتخلت منذ قيامها عن لقب الإمامة واكتفت بالسلطة الزمنية واستطاع الإنجليز منذ سنة ١٢٢٤ هـ/١٨٠٩ م أن يقيموا لهم حاميات على شواطئ عمان، وظلوا بها إلى أن أرغموا على الخروج منها نهائيا. البحرين ودولها (٢) يقول ياقوت: «البحرين» اسم جامع لبلاد واسعة على ساحل البحر الواقع بين جزيرة

стр. 2151

العرب وبلاد فارس تمتد من البصرة شمالا إلى عمان جنوبا ومن صحراء الدّهناء غربا إلى البحر (خليج العرب) شرقا. وهى بذلك كانت تشمل إقليم قطر والإقليم الشرقى للمملكة العربية السعودية الآن المشتمل على الأحساء والقطيف وهجر، ومجموعة من الجزر (البحرين الحالية) أكبرها جزيرة أوال ومساحتها نحو خمسة وثلاثين ميلا طولا ونحو عشرة أميال عرضا. وقد سيطر القرامطة على هذا الإقليم مدة متطاولة من الزمن، إذ غلب عليها بنو الجنّابى بقيادة أبى سعيد سنة ٢٨٦ للهجرة وقد بدأ بالاستيلاء على القطيف. وفى سنة ٢٨٧ غلب على هجر، وسرعان ما تم له الاستيلاء على الإقليم جميعه ونشر فيه عقيدته القرمطية. وقد تحدثنا فى العصر العباسى الثانى عن هذه العقيدة وعن أبى سعيد وابنه أبى طاهر وإغارته على مكة واستباحته دماء الحجاج، واقتلاعه الحجر الأسود ونقله إلى بلاده، ونهبه ما كان بالكعبة من تحف. ولما رجع إلى البحرين رماه الله فى جسده، حتى طال عذابه وتقطعت أوصاله وأطرافه وهو ينظر إليها، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى. وفى سنة ٣٣٩ ردّ الحجر الكريم إلى موضعه. وفى عقيدتهم-كما صورناها فى كتاب العصر العباسى الثانى-ضلال كثير. ويبدو أن علاقتهم بالفاطميين-وكانوا لا يزالون فى المهدية بجوار تونس-أخذت فى الفتور. حتى إذا كانت سنة ٣٥٨ قطعوا علاقتهم بهم وأعلنوا خضوعهم للدولة العباسية. ومن أهم أمرائهم الحسين بن أحمد الملقب بالأعصم حفيد أبى طاهر، وكان فارسا وشاعرا مجيدا تولى بعد أبيه سنة ٣٥٩ واتفق فى السنة التالية مع الخليفة العباسى المطيع لله على محاربة الفاطميين، فأمده بالمال والسلاح، وزحف على الشام تحت الرايات السود شعار الدولة العباسية، وبذلك تنكر نهائيا للمذهب الإسماعيلى الفاطمى أساس عقيدته القرمطية، وقد استطاع الاستيلاء على دمشق والرملة، واتجه بجيشه نحو مصر، والتقى بالفاطميين وعساكرهم المغاربة فى عين شمس، وكاد ينتصر عليهم لولا خروج بعض قواده عليه وانضمامهم إلى الفاطميين، فعاد إلى الشام ومنها إلى البحرين. ومر بنا فى حديثنا عن نجد نقل العزيز الفاطمى لجنده من بنى سليم وبنى هلال بن عامر إلى الصعيد وانتقالهم منها فيما بعد إلى المغرب. وفى سنة ٣٦٥ عاد الأعصم إلى الشام لمساعدة أفتكين الرومى مولى البويهيين ضد جوهر الصقلى القائد الفاطمى، ولكن الموت عاجله بالرملة سنة ٣٦٦.

стр. 2152

وتولى أمر القرامطة بعده ستة نفر، وأخذت دولتهم فى الاضمحلال. ولا نصل إلى سنة ٣٧٨ حتى يجمع شخص يسمى الأحيفر من بنى المنتفق بن عامر بن عقيل جمعا كبيرا، وينازل به القرامطة، ويستولى منهم على القطيف، ولا تقوم لهم بعد ذلك قائمة. وعمّت الفوضى فى البحرين إلى أن غلب عليها نهائيا الأصفر بن أبى الحسن الثعلبى سنة ٣٩٨ وكان يخطب للطائع العباسى، واستقرت الدولة له. واختلفت فى أيامه قبيلة بنو ثعلب مع بنى عقيل، فأخرجوهم من ديارهم إلى العراق، وطالت أيام الأصفر، واتسع به طموحه، فحاول التغلب على الجزيرة والموصل، ونازله بنو عقيل هناك سنة ٤٣٨ وعاد إلى البحرين ووافاه أجله. وبقى الملك فى البحرين بعده متوارثا فى بنيه إلى أن ضعفوا وتلاشوا. وتخلفهم دولة بنى العيونى بزعامة مؤسسها عبد الله بن على. إذ استطاع الاستيلاء على البحرين بمساعدة ملكشاه السلجوقى سنة ٤٦٦ وقد جعل همه القضاء على البقية الباقية من دعوة القرامطة، وكان لا يزال لها فى البحرين أتباع كثيرون. وتوفى سنة ٥٠٠ للهجرة، فخلفه ابنه الفضل إلى سنة ٥٠٧ ووليها بعده ابنه محمد المكنى بأبى سنان حتى مقتله سنة ٥٢٥ وكان ذلك فاتحة عهد سيئ من المنازعات بين أبناء الأسرة. ووليها بعده ابنه أبو فراس غرير، وولى الأحساء فى أيامه عمه عبد الله بن على وولى ابنه أبو الحسن القطيف. والمصدر الوحيد لتاريخ هذه الأسرة ديوان ابن المقرب الذى يقدم لنا تفاصيل كثيرة عن ولاة البحرين العامّين من العيونيين وولاة مدنها المختلفين. ويختلط بعضهم ببعض فى الديوان، ومن أهمهم محمد بن أبى الحسين الذى تولى زمام الأمور فى البحرين سنة ٥٨٤ وقد استطاع أن يفرض نفوذه على قبائل نجد مما جعل الخليفة الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) يعهد إليه بخفارة الحاج من بغداد إلى مكة ذهابا وإيابا وفرض له نظير ذلك ألفا وخمسمائة حمل حنطة وشعير وأرز وتمر وألفا ومائتى ثوب أكثرها من الإبريسم. وسمع فى سنة ٥٩٨ بأن بعض عشائر من طيئ تتجمع فى طريق مكة لقطع الطريق على الحجاج، فنكل بهم تنكيلا شديدا. وجمعوا له جموعا كثيرة ولكنه أنزل بهم هزيمة ساحقة، مما جعل جميع قبائل نجد تدين له بالولاء كما جعل الأمن يعم الجزيرة. ويغتال سنة ٦٠٣ ويخلفه غرير بن الحسن بن شكر، ويسلبه الإمارة الفضل بن محمد بن أبى الحسين ويفتك به ثأرا لأبيه. وتكثر الخلافات والحروب بين أبناء الأسرة، وتأخذ فى الضعف تدريجا، ويستولى أبو بكر بن سعيد أحد ملوك فارس على جزيرة أوال (البحرين الحالية) سنة ٦٣٣ ويكون ذلك إيذانا بانتهاء دولة العيونيين.

стр. 2153

ويغلب على البحرين بعد هذه الدولة دولة بنى عصفور من بنى عامر بن عوف العقيليين، وتتوطد العلاقة بينهم وبين سلاطين مصر المماليك بعد هزيمتهم للتتار، ويقدم منهم وفد على السلطان بيبرس فيكرم وفادته، ويظلون يفدون على المماليك. وعلى رأس سنة سبعمائة للهجرة ينتقل ملك البحرين إلى سعيد بن مغامس من بنى جبر، وينتزعها منه بنو جروان من بنى عامر بن عوف العقيليين ويظلون يحكمونها حتى سنة ٨٢١ وفى عهدهم استولى المغول على جزيرة أوال وظلت فى أيديهم مدة. ويعود بنو جبر إلى الاستيلاء على البحرين، إذ خلّصها من بنى جروان سيف بن زامل، واتسع نفوذه فى نجد، وخلفه أخوه زامل ثم ابنه أجود. ودبّ الشقاق بين أبناء الأسرة، فأخذها منهم راشد بن مغامس. وفى هذه الأثناء وفى غفلة من حكام البحرين استولى البرتغاليون فى سنة ٩٢٢ على جزيرة أوال (البحرين الحالية) والقطيف وقطر، وظلوا بتلك الديار حتى طردتهم منها الدولة العثمانية وسرعان ما استولت على الأحساء سنة ٩٦٣. وقد انفصلت قطر عن البحرين قبيل نهاية القرن العاشر الهجرى بزعامة آل ثانى، وكانوا من يبرين، فزاحموا قبيلة عبد القيس وتغلبوا عليها. أما بقية البحرين الشاملة حسب اصطلاح هذا العصر للأحساء والقطيف أو بعبارة أخرى للإقليم الشرقى من المملكة العربية السعودية، والشاملة أيضا لجزيرة أوال فقد قام عليها بنو خالد منذ سنة ١٠٨١ واستولى عباس الصفوى على أوال سنة ١٠٩٢ وظلت تابعة للدولة الصفوية حتى سنة ١١٢٣ واستولى عليها بعد ذلك نادر شاه ملك فارس سنة ١١٥٠ واستخلصها سنة ١١٩٧ هـ/١٧٨٢ م أحمد بن محمد بن خليفة من أهل الزبارة ولا تزال أسرته تحكمها إلى اليوم، ووقّع أحدها وهو الشيخ محمد بن خليفة معاهدة مع الإنجليز سنة ١٢٨٤ هـ/١٨٦٧ م دخلت أوال (البحرين الحالية) بمقتضاها فى حمايتهم إلى أن استقلت أخيرا. وظل يلى الأحساء والقطيف بنو خالد منذ سنة ١٠٨١ كما أسلفنا، وكان أول من وليهما منهم براك بن غرير حتى وفاته سنة ١٠٩٣، وخلفه ابنه أو أخوه محمد على اختلاف فى الروايات، فسعدون بن محمد، فسليمان أخوه المتوفى سنة ١١٦٦ ووليهما بعده عرعر، فابنه بطين، فأخوه دجين، فأخوهما سعدون، فأخوهم دويحس وقد اشتبك مع سعود ابن عبد العزيز سنة ١٢٠٤ هـ/١٧٨٩ م فى حروب رجحت فيها كفة سعود. وتتطور الظروف وتنشب الحرب بين محمد على والسعوديين. ويعود بنو خالد إلى حكم الأحساء والقطيف، غير أن الحاكم السعودى تركى بن عبد الله يضطرهم إلى تسليمهما سنة

стр. 2154

١٢٤٥ هـ/١٨٢٩ م وتعودان إلى الدولة العثمانية سنة ١٢٨٨ حتى يستخلصهما منها فى العصر الحديث الملك عبد العزيز آل سعود. وكانت قطر قد دخلت مع الأحساء والقطيف فى حوزة العثمانيين سنة ١٢٨٨ هـ/١٨٧١ م وظل آل ثانى رؤساءها إلى أن نفض طاعة العثمانيين منهم الشيخ قاسم فى العصر الحديث، واستقل ببلاده سنة ١٣١٠ هـ/١٨٩٢ م وتظل أسرته متولية أمرها ومدبرة شئونها إلى اليوم. ٢ - المجتمع (١) يتقابل فى الجزيرة أهل بواد وأهل حواضر، والأولون عرب خلّص، وقد دخل على الثانين أخلاط من أجناس مختلفة إفريقية وآسيوية، والغلبة للعنصر العربى فهو قوام الحواضر. وربما كانت مكة بالذات من الحواضر التى كثر إليها نزوح الأجانب، إذ توطنها كثيرون من المسلمين الوافدين عليها للحج ابتغاء رضوان الله، وهم عناصر شتى من كل أنحاء العالم الإسلامى، ومثلها المدينة وإن لم تبلغ درجتها من هذا التوطن. والعلاقة بين اليمن والحبشة قديمة مما جعل كثيرين من الأحباش والإفريقيين ينزلون بها، ومرت بنا دولة آل نجاح فى زبيد، وهم أحباش أو من أصل حبشى. ومن قديم كان الفرس ينزلون فى عمان ومدن الخليج، وكان كثير منهم يستوطنها، ولا يزال هذا شأنهم إلى اليوم. وبالمثل كان ينزل فى مدن الخليج وعمان إفريقيون كثيرون، وثورة الزنج بالبصرة فى القرن الثالث الهجرى مشهورة، ونسمع عنهم بعد ذلك كثيرا فى البحرين، وكانوا كثيرين فى عمان منذ أخذت تستولى فى القرن الثالث على سقطرة وبعض الجزر، ونراها بعد ذلك تستولى على زنجبار وبعض شواطئ إفريقية الشرقية. وكان عرب نجد يعيشون معيشة بدوية تعتمد على رعى الإبل والأغنام، ويحفّها غير

стр. 2155

قليل من شظف العيش، مما جعلهم أو بعبارة أدق جعل منهم عشائر تتعرض أحيانا للحجاج وتنهبهم، وكانت بغداد ثم القاهرة تقاومانهم بصور كثيرة، منها إرسال الحجاج فى قوافل مع حاميات، ومنها أن يعهد البغداديون لعرب البحرين أو لبنى عقيل أو لبنى أسد أن يحموا الحجاج، وكانت القاهرة بدورها تعهد لآل الجراح فى العهد الفاطمى وآل فضل فى العهدين الأيوبى والمملوكى بأن يؤمنوا السبل للحجاج المصريين والإفريقيين. وكان وراء مكة والمدينة فى الحجاز مدن وقرى كثيرة على شئ من التحضر، نجد ذلك فى الطائف وفى جدة وفى ينبع وفى خيبر وفى وادى القرى، حيث يقيم الناس فى دور شيدوها ويستقرون بها. وهذا الاستقرار أساس التحضر والعمران إذ يتجه الناس إلى عمل يقيمون به أود حياتهم، وكان الزراعة، إذ نجدها فى كل هذه المدن. وطبيعى أن ينشأ فى المدن بجانب الزراع صناع ينهضون بالحرف المختلفة من عمارة ونجارة وحياكة، وكذلك تجار يصدرون بعض ما يفيض عن حاجة مدنهم كالتمر مثلا، ويستوردون بعض ما يحتاجه سكانها من توابل وغير توابل. وتشتهر المدينة بكثرة زروعها، وكانت مصر منذ العصر الفاطمى ترسل إليها وإلى مكة بكميات كبيرة من القمح سنويا واستمر ذلك فى زمن صلاح الدين والأيوبيين ثم فى زمن المماليك. وكان ينزل المدينتين المقدستين كثير من الحجاج والزوار سنويا، فيشيعون فيهما الرخاء، وأهّل ذلك لقيام إمارة كبيرة للحسنيين فى مكة وإمارة أخرى للحسينيين فى المدينة. وقد وصف القرآن الكريم اليمن بأنها (جنّتان عن يمين وشمال). ومعروف أنه تهبّ عليها الرياح الموسمية صيفا، فتهطل بها أمطار غزيرة تغذى المروج والزروع والأشجار المتكاثفة، ويزرع أهلها فى الأودية والسهول الحنطة والشعير والذّرة والأرز والسمسم، ومن فواكهها العنب والرمان والتفاح والخوخ والموز والليمون والبطّيخ والسفرجل، ومن حيوانها الخيل العربية والبغال والإبل والبقر والغنم والغزلان والقردة. ومن أهم مصادر ثروتها التجارة وما يحمل إليها من إندونيسيا والهند وإفريقية الشرقية والحبشة والصين. وعدن ميناؤها، ويقول القدماء إنه «لم يكن يخلو أسبوع من عدة سفن وتجار واردين عليها وبضائع شتى ومتاجر متنوعة، والمقيم بها فى مكاسب وافرة وتجارة مربحة». ومر بنا فى حديثنا عن دول اليمن ذكر أربع مدن، هى زبيد وصنعاء وصعدة وتعزّ، وزبيد بتهامة اليمن فى سهل من الأرض وبها نخيل كثير، وكانت مسوّرة وبها قلعة، وصنعاء فى منطقة الجبال بوسط اليمن، وهى كثيرة الزروع والفواكه، وصعدة فى منطقة جبلية وعرة شمالا، أما تعزّ فحصن فى الجبال جنوبى اليمن مطل على تهامة وأراضى زبيد. وكان الرسوليون يقيمون بها

стр. 2156

صيفا وبزبيد شتاء. واليمن بما قدمنا بلاد ذات ثراء عظيم، وقد قامت بها قديما دول وحضارة باذخة، فلا غرابة أن كان أهلها فى هذا العصر يتمتعون بغير قليل من نعيم الدنيا وخاصة الحكام والوزراء والقادة وكبار التجار، وينقل صبح الأعشى عن بعض الأقدمين قوله: «لأكابر اليمن حظ من رفاهية العيش والتنعم والتفنن فى المأكل: يطبخ فى بيت الرجل منهم عدة ألوان. . وتطيّب أوانيها بالعطر والبخور، ويكون لأحدهم الحاشية والغاشية، وفى بيته العدد الصالح من الإماء، وعلى بابه جملة من الخدم والعبيد والخصيان من الهند والحبوش، ولهم الدور الجليلة والمبانى الأنيقة، إلا الرّخام ودهان الذهب واللازورد فإنه من خواص السلطان لا يشاركه فيه غيره من الرعايا». ويدل من بعض الوجوه على ما كان فى اليمن من ثراء ما يذكر عن بعض وزراء بنى نجاح فى زبيد من أنه كان جوادا وأن نفقة مطبخه فى شهر رمضان كانت تبلغ كل يوم ألف دينار. ويبدو أن مجتمع اليمن كان يكتظ بكثير من الجوارى والإماء، ويذكر عمارة اليمنى أنه كان لآل نجاح أكثر من ألف أمة، وقد أشاع الإماء والجوارى فى قصور آل نجاح وغيرهم الغناء والطرب. والغناء قديم فى اليمن، وأشار المسعودى إلى أنه كان باليمن لعصره صنفان من الغناء حميرى وحنفى، ولعله يريد صنفا قديما يرجع إلى عهد الدولة الحميرية قبل الإسلام وصنفا إسلاميا حنفيّا أو حنيفيّا. ولا نسمع بعد زمن المسعودى المتطابق مع أول هذا العصر عن مغنين أو مغنيات إلا ما ذكره عمارة فى زمن آل نجاح كما أسلفنا. ويبدو أن الأئمة الزيديين فى صعدة لم يفسحوا للغناء بل حاربوه طوال عصورهم، أما الدول الأخرى فلعلها فسحت له، يدل على ذلك ما يذكر من غناء ورقص فى بعض الاحتفالات، ومن أهمها احتفال السلطان الرسولى الأشرف لسنة ٧٩٤ بختان أبنائه وهو احتفال له دلالات كثيرة، ولا بأس من أن نوجزه نقلا عن الخزرجى فى كتابه العقود اللؤلوية إذ يذكر أن الإعداد لهذا الاحتفال بدأ فى شهر شوال عقب عيد الفطر وأنهم أخذوا يحضرون الطير وأنواع الحيوان والأطعمة والبقول والتوابل والفواكه وأنواع الطيب والرياحين مما لا حصر له وألوان الحلوى. ويعدّد الخزرجى أسماء الآنية وأنواعها الكثيرة ويذكر أن الأمراء وكبار رجال الدولة قدم كل منهم هدية، وكان كل من يقدم هدية يجعل معها المغانى والرياحين والبوّاقين يزفونها إلى باب الدار. وأقيمت للناس أربعة سماطات: سماط الطعام وسماط الحلوى وسماط المكسرات من اللوز والجوز والفستق والبندق وسماط رابع خاص بالعطور والمباخر، ويشمل المسك والصندل والعود والبنفسج والعنبر والغالية وماء الورد. ويذكر الخزرجى أنه كان هناك من المغانى والراقصات ما أدهش الحاضرين، وفى ذلك ما قد يدل

стр. 2157

على أن الرسوليين لم يحاربوا الغناء فى دولتهم، بل لعلهم شجعوا عليه. ويذهب الدكتور محمد عبده غانم إلى أن الغناء الصنعانى العربى التى اشتهرت به صنعاء واليمن ربما بدأ فى أواسط العصر الرسولى أو فى أواخره. وفى رأيى أنه على الرغم من محاربة الأئمة الزيدية له كانت هناك نهضة غنائية فى صنعاء وغيرها من مدن اليمن، على الأقل منذ العهد الرسولى، كما تدل على ذلك المغانى والراقصات فى الاحتفال السابق، بل لعلها تتقدم هذا العهد متصلة بزمن النجاحيين فى القرن السادس، إذ نجد لابن سناء الملك المصرى المتوفى سنة ٦٠٨ وابن النبيه المصرى المتوفى سنة ٦١٩ وابن الفارض المتوفى سنة ٦٣٢ أشعارا يلحنها اليمنيون بألحان غنائهم الصنعانى، على نحو ما عرض ذلك الدكتور غانم فى كتابه، وأيضا فإننا نجد للشاعر اليمنى ابن هتيمل شاعر القرن السابع الهجرى أشعارا ملحنة بهذا الغناء، وكذلك للبرعى الشاعر اليمنى الصوفى المشهور فى القرن الثامن، وتتوالى بعد ذلك الأغانى فى شعر القاضى موسى بن يحيى بهران والأمير الزيدى محمد بن إسحق. وتكثر الأغانى الشعبية الصنعانية، وكل ذلك دليل على نهضة غنائية باليمن. وأشار الخزرجى فى الاحتفال السابق إلى أنه حضره كثيرات من النساء المحصنات (العفيفات) وكثيرات من نساء الأمراء المقدّمين. ولعل فى ذلك ما يدل من بعض الوجوه على أن المرأة كانت تحظى فى اليمن بغير قليل من الحرية. ومرّ بنا أن أسماء زوجة على ابن محمد الصّليحى كانت من فضليات النساء، وكان الناس من شعراء وغير شعراء يقصدونها فتبرّهم، وكان ابنها المكرّم يجلّها إجلالا عظيما، وكانت لا تستر وجهها من الحاضرين، وكان زوجها يكل إليها تدبير بعض شئون الدولة. وحين مرض ابنها المكرّم بالفالج فوّض شئون الدولة إلى زوجته الملكة الحرة أروى بنت أحمد الصليحى سنة ٤٦٧ فأحسنت القيام عليها وتدبيرها إلى أن توفى سنة ٤٨٤ وتولّت بعده شئون الحكم، كما مر بنا، إلى أن توفيت سنة ٥٣٢ وهى التى أمرت ببناء جامع جبلة والجناح الشرقى فى جامع صنعاء. وكانت حضرموت من قديم متصلة باليمن، بل كانت أحيانا تعد جزءا منها، وكان واليها فى القديم هو نفس والى اليمن. وقد يعيّن عليها نائبا له، وحدث ذلك كثيرا على نحو ما مرّ بنا فى تاريخها السياسى. ومما لا شك فيه أن اليمن تسبقها وتتفوق عليها أشواطا فى الخصب وكثرة الزروع. وهى بلاد جبلية يشقّها واد عظيم تتفرع منه أودية مختلفة، كما مر بنا. وأهم حاصلاتها اللّبان (الكندر) والحنطة والذرة والتمور، وأهلها يهبطون فى التحضر

стр. 2158

درجات كثيرة عن أهل اليمن، لشظف العيش بديارهم، وهم ملاّحون ممتازون وجعلت الملاحة شطرا كبيرا منهم تجارا، وإليهم يرجع الفضل الأكبر فى نشر الإسلام بشرقى إفريقيا وبالملايو وإندونسيا والهند. وهم بحق أبناء المحيط الهندى، جابوه شرقا وغربا، ونزلوا فى أقاليمه، وعايشوا سكانها، ولهم فى كل إقليم نزلوه منزلة رفيعة وأموال وتجارات واسعة. وبجانب حضر موت ظفار، وطبيعتهما واحدة، فهى الأخرى جبلية، وأهلها يزرعون الموز والحنطة والذرة معتمدين فى ذلك على مياه الأمطار، وهم يرعون الأنعام والأغنام، ويشتهرون بتربية نوع من الخيل الأصيلة وطبيعى أن يعنوا بصيد السمك لطول شواطئهم على المحيط الهندى أو بحر العرب. وسقطت إليهم بعض مظاهر الحضارة، التى رأيناها فى اليمن، ويقول ابن بطوطة إنه شاهد الطبول والأبواق تضرب على أبواب أمرائهم بعد صلاة العصر من كل يوم. وعمان إقليم كبير فى الجنوب الشرقى من الجزيرة، وهى تطل على بحر العرب من جهة وعلى الخليج العربى من جهة ثانية، وترسو بها السفن من الزنج والهند وإندونيسيا، وينزلها إيرانيون كثيرون من قديم، وجعل ذلك أهلها يتألفون من عناصر كثيرة: عربية وإفريقية وإيرانية وهندية، والغلبة للعنصر العربى. وبداخلها جبل عظيم الارتفاع تتشعب منه تسعة أودية جميعها لبنى رئام وبجنوبيه مدينة نزوى عاصمة الخوارج. ومن أهم موانى عمان صحار وكانت عاصمتها قديما، ومسقط وهى عاصمتها الآن. وتكثر على سواحلها مغاصات اللؤلؤ، وهى كثيرة التمور والفواكه والزروع من الحنطة والذرة والشعير. وقال ابن بطوطة عنها حين نزل بها سنة ٧٢٥: إنها خصبة وبها أنهار وأشجار وبساتين وحدائق نخل وفاكهة كثيرة متنوعة، ويصف نزوى عاصمة الخوارج بأنها مدينة بنيت فى سفح جبل، تحفّ بها البساتين والأنهار، ولها أسواق حسنة ومساجد معظمة ويذكر أن من عادات أهلها الأكل فى صحون المساجد، يأتى كل إنسان بما لديه من الأكل، ويأكل معهم الوارد والصادر، ويثنى على أهلها قائلا: «لهم نجدة وشجاعة». ثم يتحدث عن مدينة عمان وسلطانها أبى محمد بن نبهان، ويقول إنه يجلس خارج باب داره فى مجلس هنالك ولا حاجب عليه ولا وزير بين يديه، ولا يمنع أحدا من الدخول عليه سواء أكان مواطنا أم غريبا، ويكرم الضيف على عادة العرب، ويعيّن له مدة الضيافة ويعطيه حسب قدره. ويلاحظ ابن بطوطة ملاحظة عامة، هى نقص الغيرة هناك على النساء وأكبر الظن أنه بالغ فى تصوره وملاحظته. وكل شئ يؤكد أن هذا الإقليم كان على شئ غير قليل من الثراء، وهو ثراء مكّن سلطان بن سيف اليعربى فى القرن الحادى

стр. 2159

عشر من بناء أسطول ضخم سحق به أسطول البرتغاليين واستولى على بعض شواطئ أفريقيا وجزر المحيط الهندى وبعض شواطئ الهند. والبحرين شديدة الخصب، وهى كثيرة العيون والفواكه والنخيل وبها من التمور أنواع لا تحصى ومن زروعها الحنطة والأرزّ، وكان يرد إلى موانيها وجزرها كثير من المراكب من الهند محملة بالعروض التجارية. وأخبار كثيرة تصور ما كان فيها من رواج وانتعاش اقتصادى، من ذلك ما يروى من أن تجارا غرقت سفينتهم بين جزيرة أوال (البحرين الحالية) والقطيف، وسقط فى الخليج كل ما كان معهم، وعلم بذلك أمير البحرين العيونى الفضل بن عبد الله (٥٠٠ - ٥٠٧ هـ) فتقدم إليهم أن يكتب كل تاجر ما كان يحمله وقيمته نقدا، وأعطى كلا منهم ما فقده كاملا، وكان بينهم جوهرى، قال إنه كان يحمل عقودا من اللؤلؤ قيمتها مائة ألف، فأعطاها له. وهى مأثرة جليلة وتدل على حال الإمارة حينئذ، وأنها كانت فى يسر. ولم يكن مثل هذه المأثرة خاصا بأمير البحرين وحده، بل كانت تشمل حكام مدنها، ويروى أنه فى عهد أميرها غرير الذى تولى إمارتها سنة ٥٢٥ أصابت أهل الأحساء سنة مجدبة، فأمر حاكمها على بن عبد الله العيونى بفتح خزائن الغلال والتمر وأن يأخذ منها الناس كل حسب حاجته، وأمر بحطّ الزكاة والضرائب عنهم، وما زال يوالى فتح خزائنه لهم حتى دارت السنة وأخصبت ديارهم. وكان يحكم القطيف فى نفس الفترة أبو الحسن بن عبد الله بن على، فلجأ إليه سبعون فارسا من قبيلة عبد القيس، فأكرمهم، وأمر لكل منهم بدار وما يلزمها من أمتعة وخدم، سوى إقطاعات مختلفة. وفى كل البلدان السالفة كانوا يفتنّون فى المطاعم ويكثرون فيها من التوابل وامتازت جميعا بكثرة الأسماك، ويكثر السردين فى حضر موت، ووراءه فى شواطئ الشحر واليمن وعمان والبحرين أنواع سمك لا تكاد تحصى، ويكثر فى الخليج الآمور (الوقار) والرّبيان (الجنبرى). وكانت المرأة تتفنن فى زينتها وثيابها وفيما تتخذ من حلى. وكانوا يحتفلون احتفالات كبيرة بعيدى الفطر والأضحى. وكان الغناء منتشرا وخاصة فى اليمن كما أسلفنا، وكانوا يخرجون للصيد والطرد فى الصحراء من حولهم فرادى وجماعات.

стр. 2160

٣ - التشيع (١) عرفت الجزيرة العربية كل نحل التشيع الأساسية، وهى الزيدية والإسماعيلية والإمامية والكيسانية، وأطولها عمرا وأكثرها بقاء وأوسعها انتشارا نحلة الزيدية أتباع زيد بن على زين العابدين بن الحسين الذى ثار بالكوفة على هشام بن عبد الملك سنة ١٢٢ وقتل وصلب، وكان يرى أن الإمامة مقصورة على أبناء السيدة فاطمة، ولا مانع من أن يكونوا من أبناء الحسن أو الحسين، وكان يجوّز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وبذلك جوّز إمامة أبى بكر وعمر مع وجود على بن أبى طالب لمصلحة رآها الصحابة وقاعدة دينية اتبعوها. وخالف بذلك جميع مذاهب الشيعة ونحلهم، فكانت نحلته معتدلة، لا تؤمن بفكرة النص على الإمام، ولا بأن وحيا نزل يعيّن الأئمة. وكان يشترط فى الإمام أربعة شروط: العلم والزهد والشجاعة والسخاء، وهو لا يكون إماما إلا إذا ثار على الخليفة فى عصره وطالب بالخلافة، والإمامة بذلك عند الزيدية لا تعرف فكرة الإمام المستور مثل الإسماعيلية ولا فكرة الإمام المختفى مثل الاثنى عشرية والكيسانية. وكل من ثار على العباسيين من العلويين وحمل السيف ضدهم فى القرنين الثانى والثالث للهجرة كان من هذه الفرقة، وفى مقدمتهم محمد بن عبد الله «النفس الزكية» الذى أعلن ثورته فى المدينة على المنصور العباسى سنة ١٤٥ وكان قد أرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة، فاستثار أهلها، وهبّوا معه ثائرين، وقضى المنصور على هذه الثورة. وظلت ثورات الزيديين بعد ذلك لا تهدأ إذ يخرج الحسين بن على الحسنى فى مكة والحجاز، ويهزم هو ومن معه لعصر الهادى سنة ١٦٩ فى مكان يقال له «فخّ» ويفرّ خاله إدريس بن عبد الله إلى فاس ويؤسس بها دولة الأدارسة. ويفرّ أخوه يحيى إلى خراسان ويقبض عليه، ويلقى به فى غياهب السجون حتى موته. ويثور محمد بن إبراهيم الحسنى المعروف بابن طباطبا فى الكوفة لعهد المأمون، ويقضى على ثورته. وينشط الزيديون فى طبرستان

стр. 2161

بالنصف الثانى من القرن الثالث، وقد صورنا نشاطهم هناك فى الجزء الرابع من هذه السلسلة الخاص بالعصر العباسى الثانى. وأكبر نشاط للزيدية إنما كان فى اليمن والحجاز، أما اليمن فقد أسس فيها إمامة الزيدية الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم الملقب بالهادى إلى الحق، واتخذ مقرا له-كما مرّ بنا- «صعدة» فى الجبال الشمالية باليمن سنة ٢٨٤ وتوالى بعده فى صعدة الأئمة من أبنائه، حتى سنة ٤٣٧ إذ تولى الإمارة أبو الفتح الديلمى الحسنى كما مرّ بنا، ووليها بعده أصحاب المخلاف السليمانى، وتعود إلى الأسرة الرّسّية: أسرة الإمام الهادى إلى الحق وتظل فى أبناء المتوكل على الله الرسىّ، كما أسلفنا. وتمر أوقات رخاء على هذه الإمارة الزيدية، فتتسع رقعتها وتستولى على صنعاء أحيانا. ولا يزال أئمتها صامدين طوال أزمنة الأيوبيين والرسوليين والطاهريين، ثم يصبحون وحدهم وجها لوجه أمام العثمانيين، ويستخلصون منهم اليمن على نحو ما مرّ بنا. أما الحجاز فكان مركز الزيديين فيه مكة، وظلت إمارتهم قائمة فيها منذ أواسط القرن الرابع الهجرى حتى العصر الحديث، وإن أخذت تلك الإمارة فى التضعضع والضعف منذ استيلاء العثمانيين على الحجاز ومدينتيه فى القرن العاشر الهجرى. ومرّ بنا فى الجزء الخاص بالعصر العباسى الثانى حديث مفصل عن نحلة الإسماعيلية وأن أصحاب هذه النحلة ينسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وكانت قد أدركته المنية فى حياة أبيه، فقالوا إن الإمامة انتقلت منه إلى ابنه، لأنها-فى رأيهم-تتوارث فى الابن الأكبر حتى لو توفى قبل أبيه كما حدث لإسماعيل. ويخلفه-فى عقيدتهم-ابنه محمد، ويخلف محمدا ثلاثة أئمة مستورون جاء فى إثرهم عبيد الله المهدى أول الخلفاء الفاطميين ومؤسس خلافتهم، وتلقيبه بالمهدى يشير إلى عقيدتهم فى المهدى المنتظر. وعرضنا فى العصر العباسى الثانى تفصيلا لتلك النحلة وأهم مبادئها وأن الذى نظّمها وكوّن حولها جمعية سرية عبد الله بن ميمون القداح، وكان ينزل فى سلمية بقرب اللاذقية، واتخذ له دعاة من أهمهم شخص يسمى حمدانا ويلقّب بقرمط، وقد أرسل به إلى الكوفة وسوادها، وإليه ينسب القرامطة، وكان يدعو فى جماعته إلى الأخذ بنظام الألفة، وهى الشركة فى الأموال. وزعم، وزعم معه القرامطة، كما يقول البغدادى «أن الأنبياء كانوا أصحاب نواميس ومخاريق أحبّوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات (ضروب من السحر) واستعبدوهم بشرائعهم» وقالوا: «هل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها، وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنصب فى الصلاة والصيام والحج

стр. 2162

والجهاد». ومن هنا كانوا يحلّون أنفسهم من الفرائض، واتخذوا بيت المقدس قبلتهم. والقرامطة-بهذا التصوير للبغدادى-كانوا فرقة مارقة من فرق الشيعة الإسماعيلية، وكان من بين دعاة قرمط أبو سعيد الجنّابى أرسل به إلى منطقة البحرين، فاستجابت له هناك قبيلة عبد القيس، مما أتاح له أن يؤسس هناك دولة القرامطة التى ظلت نحو تسعين عاما. وخلفه ابنه أبو طاهر وكان شريرا كبيرا، وكثيرا ما قطع الطريق على الحجاج ونهبهم، وكثيرا ما أغار على البصرة والكوفة وأحرق مساجدهما وأعمل فيهما السلب والنهب. وفى سنة ٣١٧ حدثت الكارثة الكبرى بهجومه الوحشى على الحجاج فى موسم الحج يوم التروية وسفكه لدماء الآلاف منهم ورمى كثير من جثثهم فى بئر زمزم واقتلاعه الحجر الأسود ونقله إلى البحرين على نحو ما مرّ بنا، وهو فى أثناء ذلك ينشد أشعارا كافرة مارقة. ونرى القرامطة فى سنة ٣٥٨ ينفضون أيديهم من الدعوة الفاطمية الإسماعيلية، ومر بنا كيف أن الأعصم (٣٥٩ - ٣٦٦ هـ) حارب الفاطميين تحت ألوية الدولة العباسية سنة ٣٦٠ وظلت دولة القرامطة قائمة بعده-كما مر بنا-حتى سنة ٣٧٨. وعلى الرغم من انتهاء دولتهم ظلت عقيدتهم منبثة فى البحرين إلى أن قامت الدولة العيونية سنة ٤٦٦ وقد عنى مؤسسها عبد الله بن على بالقضاء على تلك العقيدة وكان مما قضى عليه عادة سيئة لهم هى عادة الماشوش، إذ كان يجتمع رجالهم ونساؤهم فى الليلة العاشرة من شهر المحرم، ويشعلون الشموع والمصابيح ويغنون ويرقصون، ثم يطفئون الشموع ويختلطون. ويبدو أن عبد الله العيونى لم يستطع استئصال العقيدة القرمطية من نفوس أهل البحرين نهائيا، فقد ظلت منها بقايا بعده، بل يقول فؤاد حمزة فى كتابه «قلب جزيرة العرب»! إنها لا تعدم فى الأحساء-إن صح ما يقول-من يعتنقونها إلى اليوم. وعرفت الدعوة القرمطية فى اليمن، فقد أرسل إليها حمدان قرمط داعيتين من دعاته، هما المنصور بن حوشب وعلى ابن الفضل وكان على من أهل اليمن بينما كان المنصور من أهل الكوفة، ونزلا على حافة اليمن النجدية، غير أن دعوتهما اختلفت، فكان المنصور يدعو للفاطميين قبل تحولهم من إفريقيا إلى مصر منذ العقد الثامن من القرن الثالث الهجرى، وكأنما نفض يده من القرامطة، وانتشرت دعوته فى بعض الجبال وبعض القبائل، ويسميه الفاطميون منصور اليمن، وقد ظل أربعين عاما يدعو لهم، إذ توفى سنة ٣٣١ وخلفه ابنه فى الدعوة وشركه فيها بعض اليمنيين إلى أن تزعمها الصليحى، كما سنرى عما قليل. ونفض على بن الفضل يده ولسانه من الدعوة الفاطمية، فلم يدع للفاطميين، بل أخذ يدعو لنفسه، واستطاع الاستيلاء على صنعاء سنة ٢٩٣ وادّعى أنه من بنى يعرب أو قحطان، كما مرّ بنا،

стр. 2163

واستحلّ المحارم، ودعا الناس إلى ارتكاب المآثم وانتهت دعوته بموته سنة ٣٠٣ كما قدمنا. وظل دعاة الفاطميين الإسماعيليين نشطين باليمن إلى أن استمالوا على بن محمد الصليحى للدعوة الإسماعيلية، واستطاع-كما رأينا فى غير هذا الموضع-أن يؤسس الدولة الصّليحيّة، وأن يستولى على زبيد وصنعاء وعدن، واتخذ صنعاء عاصمة له. وحرى بنا أن نتوقف قليلا للحديث عن المذهب الفاطمى الإسماعيلى الذى كان يدين به هو وكثيرون من أهل إمارته. وقد ذكرنا آنفا أن القرامطة كانوا فرعا من المذهب الإسماعيلى ضلّ هداه. وقد اتخذ هذا المذهب فى أول أمره شكل جمعية سرية كوّن مبادئها عبد الله بن ميمون القدّاح، وهى مبادئ غمست غمسا فى نظرية الفيض الأفلاطونية التى سكبوها فى نظرية الأدوار عندهم، إذ يذهبون إلى أن الأئمة يتوالون فى أدوار، وكل دور يتألف من سبعة من هؤلاء الأئمة يتعاقبون والسابع هو العقل الكلى الناطق عن القوى الخارقة، والأئمة الستة السابقون له نفوس كلية تمهد له وتدعم عمل الناطق قبل ظهوره. والإمام له نسبتان: نسبة إلى عالم القدس، ونسبة إلى عالم الطبيعة. وفى مبادئهم أن قدرة الله تنتقل إلى العقل الكلى أو بعبارة أخرى إلى الإمام السابع فى كل دور، ولذلك يوصف- عندهم-بما توصف به الذات العلية من أسماء وصفات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفى عقيدتهم أن آيات القرآن الكريم ينبغى أن تفهم فهما باطنا مجازيا، ولا تفهم فهما ظاهرا أو ظاهريا، حتى يؤوّلوها كما يشاءون. والمنتظم فى سلك الدعوة-عندهم-يتدرّج فى سبع مراتب وبلغت تسعا. وظلت الدولة الصليحية قائمة-كما أسلفنا-حتى سنة ٥٣٢ ولم تنته الدعوة الإسماعيلية بانتهائها فقد كان بنو زريع حكام عدن إسماعيليين فاطميين، وظلوا على عدن حتى تسلمها منهم توران شاه سنة ٥٦٩. وتلاشت بذلك الدعوة نهائيا بقضاء الأيوبيين عليها فى اليمن ومصر، وبقيت فترة حية فى المدينة بالحجاز لما ذكرناه من أن الأسرة الحسينية الحاكمة هناك كانت إسماعيلية، ونظن ظنا أن هذه الأسرة لم تمض بعد القضاء على الدولة الفاطمية الإسماعيلية بمصر فى اعتناق هذه العقيدة طويلا وأنها اعتنقت نحلة الشيعة الإمامية الاثنى عشرية. ومعروف أن النحلة الإمامية تسربت إلى شرقىّ الجزيرة، وعند أصحاب هذه النحلة أن الإمامية تتوالى فى اثنى عشر إماما. ولذلك يسمى أصحابها باسم الاثنى عشرية، وآخرهم المهدى المنتظر المتوفى سنة ٢٦٠ وقد ذهبوا إلى أنه لم يمت وإنما غاب وسيعود ليملأ الأرض عدلا. ولم تقم للإمامية دولة فى الجزيرة العربية، غير أنها تسربت إلى بعض البيئات وبعض الأسر فى الخليج العربى، وقد مر بنا أنه غلب على البحرين بعد القرامطة ولاة كانوا يدينون

стр. 2164

بالولاء للخليفة العباسى وبالتالى للبويهيين، ومعروف أنهم كانوا إمامية اثنى عشرية، وفى نفس التاريخ يحدثنا المؤرخون أنه كان فى عمان بيت إمامى اثنا عشرى هو بيت بنى المكرم، وأنهم، كما مر بنا، دفعوا البويهيين إلى غزو عمان واستخلاصها من أيدى خوارج نزوى، وظلت هذه الأسرة الإمامية تحكم عمان حتى منتصف القرن الخامس الهجرى، ولم يكن الإمامية غلاة متطرفين فى التشيع مثل الإسماعيلية وهم يؤمنون برجعة الإمام الثانى عشر المختفى كما أسلفنا. ولا يزال يوجد إماميون فى الخليج العربى وإماراته إلى اليوم. والكيسانية أتباع محمد بن الحنفية، وهو أخ ربيب للحسن والحسين، وقد تبعته منذ حياته فرقة كانت تؤمن بالتناسخ وبالرجعة وكان ابن الحنفية يتبرّأ منها أشد التبرؤ، ويتوفى، فيقول أتباعه إنه لم يمت، بل غاب فى جبل رضوى، ويقول فؤاد حمزة فى كتابه «قلب جزيرة العرب» يوجد فى الوقت الحاضر أتباع لمحمد بن الحنفية يقيمون فى جبل رضوى بالقرب من ينبع وهم على شئ عظيم من البداوة والتوحش والبعد عن مخالطة أهل المدن. ٤ - الخوارج: الإباضية (١) الإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباص التميمى أحد أربعة كانوا رءوس الخوارج فى منتصف القرن الأول الهجرى وحولهم تكونت فرقهم الأساسية: الأزارقة والنجدات والصفرية والإباضية، والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق وكان مسرح نشاطهم بلاد فارس وكرمان، والنّجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفى وكان مسرح نشاطهم اليمامة والبحرين، والصّفرية أتباع زياد بن الأصفر وكان مسرح نشاطهم الموصل وبلاد الجزيرة. وكان مسرح نشاط الإباضية عمان وحضرموت واليمن، وقد انتهت الفرق الثلاث الأولى أو كادت بانتهاء العصر الأموى، أما فرقة الإباضية فظلت حية لا فى بيئتها الأصلية عمان وحضرموت فحسب، بل أيضا فى بلاد المغرب، فقد ذهب هناك دعاة مبكرون فى

стр. 2165

العصر الأموى أو بعبارة أدق فى أواخره، وما زالت الدعوة تنمو فى المغرب، حتى استطاع الدعاة أن يكونوا دولة للإباضية فى تيهرت. ولا يزال الإباضية بالمغرب إلى اليوم وخاصة فى جنوبى الجزائر وليبيا. أما فى عمان وحضرموت فقد اتخذ الإباضية نزوى جنوبى الجبل الأخضر فى داخل إقليم عمان مركزا وحاضرة لهم وتوالى أئمتهم فيها منذ أول العصر العباسى، وكثيرا ما كانت تخرج عمان والسواحل من أيديهم إلى أيدى العباسيين. وقد تغلب القرامطة على عمان سنة ٣١٧ كما مر بنا وظلوا بها حتى سنة ٣٦٢ ويعود إليها الإباضية غير أن بنى مكرم الإماميين يستخلصونها منهم سنة ٣٩٠ ويضعف بنو مكرم فيعود إليها الإباضية من نزوى قبيل منتصف القرن الخامس. وتخرج من أيديهم فى القرن السادس ويتملكها بنو نبهان، وتعود إلى الإباضية فترة فى أول القرن العاشر الهجرى، ثم تعود إليهم نهائيّا ويتولاها أئمة الإباضية اليعاربة منذ سنة ١٠٢٤. وتخلفهم أسرة إباضية أخرى هى أسرة البوسعيديين منذ سنة ١١٥٤ هـ/١٧٤١ م وتظل عليها إلى اليوم، وتترك السلطة الدينية لأئمة نزوى وتكتفى بالسلطة الزمنية. ومن قديم كان يغلب على ظفار وحضرموت مذهب الإباضية، ومرّ بنا أنه نزلها سنة ٣١٧ الشيخ أحمد بن عيسى جد آل باعلوى وقد نشر فيها مذهب الشافعى ودعوة علوية تحولت إلى دعوة سنية كانت تحدث تعادلا مع دعوة الخوارج، ولأسرته نشاط علمى وأدبى كبير فى حضرموت، ومرّ بنا أن أبا إسحق الخارجى الحضرمى استقل بها فى القرن الخامس، وكان خارجيّا يدين بالولاء لإباضية نزوى وإمامهم الخليل ابن شاذان، وكثيرا ما كانت تخضع حضرموت وظفار للإباضية فى نزوى أو فيها وفى عمان. وقد نشر العمانيون المذهب الإباضى فى زنجبار والبلاد التى كانت تتبعهم فى شرقى إفريقيا مثل دار السلام، ومعروف أنه أخذ يستقل بزنجبار فرع من أسرة البوسعيديين حكام عمان منذ الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجرى. ومذهب الإباضية أكثر مذاهب الخوارج قربا إلى أهل السنة، وهم يذهبون إلى أن دار مخالفيهم من المسلمين دار توحيد ويسمون الموحد العاصى كافرا، ولا يقصدون بذلك أنه مشرك بالله، بل يقصدون بكفره أنه كافر بالنعمة، والكفر بذلك عندهم نوعان: كفر نعمة وكفر شرك بالله. وأحلوا التزوج من مخالفيهم من المسلمين وأن يتوارث الإباضى معهم. ولم يستحلّوا من أموال المسلمين إلا غنائم الحرب، وحرّموا قتل المسلمين غيلة وكذلك سبيهم سرّا. وقالوا إنه لا يجوز قتالهم إلا بعد دعوتهم إلى مذهبهم الإباضى وإقامة الحجة عليهم وإعلان الحرب. وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم وأتباعهم، وقالوا

стр. 2166

فى مرتكبى الكبائر إنهم موحدون لا يؤمنون، وهم كفار نعمة لا كفار ملة. وعندهم أن الإيمان لا يكفى فيه القول ولا الاعتقاد والتصديق، بل لا بد من العمل وأداء فروض الدين. ويتفقون مع المعتزلة فى نفى رؤية الله تعالى بالأبصار يوم القيامة وينزهون الذات العلية عن الشبه بالمخلوقات، ويقولون إن القرآن مخلوق حادث، وإذا صح ما يقوله الشهرستانى كانوا يتفقون مع الأشعرية فى رأيهم أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى إحداثا وإبداعا ومكتسبة للعبد حقيقة لا مجازا. ولا يتسمى إمامهم باسم أمير المؤمنين، ولا يسمون أنفسهم مهاجرين. وهذا الاعتدال فى مذهب الإباضية يجعلنا ننفى عنهم نفيا باتّا دولة بنى مهدى الخارجية التى استولت على زبيد باليمن سنة ٥٥٤ للهجرة كما مر بنا، فقد تسمى مؤسسها بأمير المؤمنين كما تسمى بالمهدى، وكأنه جمع بين فكرتى الشيعة الإسماعيلية والخوارج الغالين معا مثل الأزارقة من جهة والقرامطة من جهة ثانية، إذ كان-كما أسلفنا-يكفّر بالمعاصى ويقتل من اقترف كبيرة وبالمثل كل من خالف عقيدته من المسلمين واستباح نساءهم وسمّى دارهم دار حرب. وهو فى ذلك كله غال غلوا شديدا حتى ليتقدم الأزارقة خطوة فى الغلو، ثم هو يدّعى العصمة ويدعيها له أتباعه وهو فى ذلك غال غلو الشيعة الإسماعيلية، بل إنه ليعد نفسه المهدىّ المنتظر، ولم يلبث توران شاه-كما مرّ بنا-أن قضى على من خلفه ودولتهم الخارجية الشيعية. ٥ - الدعوة الوهابية السلفية (١) دعوة للرجوع إلى طريق السلف ونبذ البدع التى شابت العقيدة الإسلامية ونبذ تقديس الأولياء الصالحين والتوسل بهم إلى قضاء الحاجات، كالبركة فى الزروع أو فى الأغنام والأنعام أو فى برء المرضى وشفائهم، وابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ للهجرة هو أكبر من حمل على البدع وما يتصل بها من تقديس بعض الأشجار

стр. 2167

والأحجار، وكان حنبليّا يؤمن بعقيدة الحنابلة السلفية، وقد مضى يحمل حملات شعواء على الصوفية وعقيدتهم، وأنكر زيارة قبور الأولياء والتوسل بهم. وكان الغزالى قد وصل بين التصوف والشريعة محاولا تخليصه من نظريات الحلول وما يتصل بها وجعله تصوفا سنيا. وقد شنّ ابن تيمية على التصوف بعض الحملات العنيفة، وناهض المذهب الأشعرى وكل ما شاب العبادات والعقود والمعاملات مما رآه بدعا جديدة. وعلى هدى من هذه الدعوة التى وهب ابن تيمية نفسه ومؤلفاته لها انبرى محمد ابن عبد الوهاب المولود سنة ١١١٥ هـ/١٧٠٣ م بالعيينة فى إقليم سدير بأواسط نجد يدعو دعوة حارة إلى مبادئه، وكان أبوه قاضيا للعيينة وعليه تلقى دروسه الأولى وكذلك على علمائها ثم على علماء المدينة فعلماء البصرة، وأعجب بكتابات ابن تيمية فأكبّ على قراءته، وعاد إلى موطنه، يدعو إلى مذهبه الحنبلى وإلى كل ما دعا إليه من عبادة الله دون استعانة بولى أو شفيع ونبذ كل البدع المستحدثة بعد عصر الإسلام الأول وكل تقديس للأولياء وزيارة لقبورهم بقصد التيمن أو البركة أو طلب بعض الأغراض الدنيوية، والرجوع إلى السنة والعمل على إحيائها، واتباع السلف فى ذلك كله، ولذلك يسمى الوهابيون أنفسهم سلفية. وكتب لهذه الدعوة أن تعم وتنتشر حين وضع محمد بن سعود أمير الدّرعيّة (١١٣٧ - ١١٧٩ هـ.) يده فى يد محمد بن عبد الوهاب سنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٤ م وعاهده على أن ينشر دعوته السلفية وأن يقيم الحدود الشرعية، وأن تصبح الدعوة عقيدة الدولة السعودية، بحيث ينبذ النجديون البدع والخرافات ويتمسكون بأهداب الدين وأصوله من القرآن والحديث. وأخذ محمد بن سعود وخلفاؤه يعملون على نشر الدعوة، وأداهم ذلك إلى حروب طاحنة فى الجزيرة انتهت بقيام المملكة العربية السعودية التى تظلّ نجد والأحساء والحجاز اليوم. وفى الوقت نفسه أخذ محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ/١٧٩٢ م فى الدرعية يبث تعاليمه وينشرها فى أتباعه بمحاضراته ومصنفاته الكثيرة، وفى مقدمتها كتاب التوحيد ومجموعة التوحيد إلى غير ذلك من كتب تنادى بعبادة الله وحده وأن زيارة قبور الأولياء لقضاء الحاجات ضرب من الشرك. وبالغ أتباعه فى هذا المبدأ فمنعوا الاحتفال بالموالد وهدموا القباب المقامة على قبور بعض الصحابة والصالحين، وتشددوا فى قمع كل عادة مستحدثة وعدوها بدعة حتى التذكير قبل الأذان وحتى استعمال المسابح وكذلك لبس الحرير والتختم بالذهب. والدعوة الوهابية إنما كانت تريد أن يعود الإسلام إلى صورته الأولى، كما كان فى عصر الرسول ﷺ ، ولذلك دعّت إلى نبذ كل

стр. 2168

ما اتخذ صفة شرعية على مر الزمن من عادات وسنن لم تعرف فى العهد الإسلامى الأول، ونادت بأنه يجب إزالته، حتى لو كانت بعض المذاهب السنية الأخرى أباحته، بل حتى لو حبذته. وكان اعتناق الحكومة السعودية لهذه الدعوة اعتناقا فى الوقت نفسه للمذهب الحنبلى، وتوثقت مع الزمن العلاقة بين أسرة السعوديين وأسرة محمد ابن عبد الوهاب عن طريق المصاهرة، وظلت للأسرة السعودية السلطة الزمنية، بينما ظلت لأسرة ابن عبد الوهاب السلطة الروحية، فللأولين الحكم والسياسة وللثانين الإفتاء والتعليم والقضاء. ٦ - الزهد والتصوف (١) لم تكن نجد تعرف شيئا عن الترف والنعيم، إذ كانت حياتها تقوم على غير قليل من الشظف، فطبيعى أن لا يتعلق الناس بمتاع الحياة الدنيا، وحقا كانت بعض القبائل النجدية تقطع الطرق على الحجاج فى بعض السنوات طلبا لما فى أيديهم من مال ومتاع، ولكن كان وراءهم أقوام لا يفكرون فى متاع الحياة العاجل انتظارا لما عند الله من الثواب الآجل. ومعروف أن الوهابيين منعوا التلصص وقطع الطرق على الحجاج، كما منعوا التصوف والانتساب إلى الطرق الصوفية. وكانت المدينتان المقدستان فى الحجاز، ولا تزالان، موئلا للنساك والعباد، ومن قديم كان يجاور فيهما وخاصة فى مكة كبار الزهاد والمتصوفة، فيقيمون فيهما بضع سنوات، وقد ينفقون فيهما العمر كله. ومعروف أن الحج ركن من أركان الإسلام وأن فؤاد كل مسلم يهوى إلى مكة لأداء فريضة الحج فكان طبيعيّا أن لا يوجد زاهد ولا متصوف مشهور فى العالم الإسلامى دون أن يفد على مكة، وقد يقرن حجه بالزيارة النبوية. ونذكر من كبار المتصوفة الذين ألموا بمكة وجاوروا فيها الحلاّج المقتول سنة ٣٠٩ للهجرة، جاور فيها سنة كاملة. ومرّ بنا فى العصر العباسى الثانى ترجمة له وعرض لشعره الصوفى وبيان لتصوفه وأنه كان تصوفا فلسفيّا، إذ جرت على لسانه كلمات الاتحاد

стр. 2169

والحلول. وممن جاور فى مكة بعده القشيرى المتصوف السنى المتوفى سنة ٤٦٥ وقد سمع بها الحديث، وهو الذى رأب الصدع المتفاقم بين الفقهاء والمتصوفة، فنحّى عن التصوف أفكار الحلول والاتحاد والفناء، وجعل من أول واجبات المتصوف أداء الفروض الدينية. وجاور بمكة بعده شهاب الدين السّهروردى شيخ الصوفية ببغداد المتوفى سنة ٦٣٢ وبها لقى ابن الفارض المتصوف المصرى المشهور الذى كان يجاور هناك، وطالت مدة مجاورته إلى خمسة عشر عاما طوالا، وهو يطوف المشاعر مبتهلا إلى الله متغنيا بالحب الصوفى الإلهى ناظما أشعاره الرائعة. وإنشاد البوصيرى لميميته أمام قبر الرسول ﷺ ذائع مشهور. ومن متفلسفة المتصوفة الذين جاوروا بمكة ابن عربى المتوفى سنة ٦٣٨ وفيها نظم ديوانه الصوفى «ترجمان الأشواق» سنة ٥٩٨ ووضع عليه بمكة أيضا سنة ٦١٠ شرحه المسمى: «الذخائر والأعلاق من شرح ترجمان الأشواق» وجاور بها أيضا من متفلسفة المتصوفة ابن سبعين الأندلسى المتوفى بها سنة ٦٦٩ بعد أن أقام بها سنين كثيرة. ومن ذكرناه من هؤلاء المتصوفة المجاورين بمكة إنما هم قليل من كثير، وأكثر منهم من جاوروا بمكة من الزهاد والعباد وهم لا يحصون كثرة. وكان يتعبد الله معهم أهل المدينتين ومن كان بهما من النساك وإنهم ليفوتون الحصر والاستقصاء، ولنأخذ مثلا كتاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين «مكة» فإن من يتصفح تراجمه فى مجلداته الثمانية لا يزال يتنقل فيها من زاهد إلى زاهد ومن عابد إلى عابد. وإذا ولينا وجوهنا نحو اليمن وجدنا كتاب طبقات فقهاء اليمن لعمر الجعدى لا يزال يتحدث عن زهد كثير من هؤلاء الفقهاء وإعراضهم عن متاع الدنيا الفانى، وحقّا أكثرهم من فقهاء زبيد الشافعية، ولكن الزهد كان يحيى فى كل البيئات وفى كل المدن. وكان كثير من أئمة الزيدية فى صعدة على جانب كبير من الورع والتقوى وكان لذلك أثره فى إمارتهم، فأكبّ فيها كثيرون على النسك والعبادة، وبالمثل كان الرسوليون أو كانت كثرة حكامهم. ولم تكتف اليمن بالزهد، فقد عرفت التصوف السنى وطرقه من شاذلية وجيلانية ورفاعية، واشتهر عندهم صوفى كبير يسمى أحمد بن علوان المتوفى سنة ٦٦٥ للهجرة وله أتباع كثيرون أو بعبارة أدق دراويش يسمونهم فى اليمن المجاذيب، وهم يطوفون فى البلدان اليمنية مرددين أغانى وأناشيد فى مديح قطبهم الربانى، ويبدو أنه كان من كبار أتباع الطريقة الرفاعية العراقية التى شاعت منذ أواسط القرن السادس، يدل على ذلك ما يرى عند أتباعه إلى اليوم من احتمال الآلام الجسمانية، مصورين بذلك مقدرتهم الخارقة. ومرّ بنا فى حديثنا عن المجتمع اليمنى والغناء فيه أنهم كانوا يتغنون هناك بمقطوعة

стр. 2170

لابن الفارض، ولعل فى ذلك ما يدل على صلة التصوف اليمنى بالتصوف السنى المصرى عند ابن الفارض وأمثاله، ولا يبعد أن تكون أشعار البوصيرى فى مدائح الرسول ﷺ وصلتهم، وتغنوا بها إذ لا نصل إلى نهاية القرن الثامن الهجرى حتى يلقانا عندهم شاعر صوفى سنى هو عبد الرحيم البرعى المتوفى سنة ٨٠٣ للهجرة، وأشعاره موزعة بين التصوف أو الحب الإلهى والمدائح النبوية. وعلى غراره محمد بن إبراهيم الوزير، وله ديوان شعر كله ابتهالات وزهد وتصوف. ومن صوفية اليمن وزهادهم وراء من سميناهم عبد الله بن أسعد اليافعى صاحب كتاب مرآة الجنان المتوفى سنة ٧٦٨ وكان كثير العبادة والورع وجاور بمكة وقد تجرد للعبادة والنسك عشر سنوات يتردد فيها بين الحرمين، وزار مصر، وكان ابنه عبد الرحمن زاهدا صوفيا على شاكلته وصحب الصالحين ببلاد كثيرة. وما زالت موجتا الزهد والتصوف تنتشران فى اليمن، وإن كان يلاحظ أن موجة التصوف خفت فى عهد الإمامة الزيدية حين أصبح لها زعامة اليمن فى مواجهة العثمانيين، ولم يكن العثمانيون يعارضون الطرق الصوفية ولا كانوا يتعرضون لأهلها، بينما كان كثيرون من أئمة الزيديين وأتباعهم يحاربون حلقات الذكر المنتشرة فى البلاد، حتى نهاية هذا العصر. وعلى نحو ما كان الزهد والتصوف منتشرين فى اليمن كانا أيضا منتشرين فى حضرموت حتى لنجد عبد الله السقاف فى كتابه عن شعرائها يقول فى مقدمته: إنك ترى فى شعرهم جميعا طلاء صوفيا. وفى الكتاب شعر زاهد كثير وكذلك شعر صوفى كثير فى محبة الله ومحبة رسوله ومديحه. ويكثر عند السقاف وصف الشاعر بلقب الصوفى الزاهد التقى الورع. ومن الشعراء الصوفية الذين ترجم لهم أبو بكر العيدروس المتوفى سنة ٩١٤ وعمر بامخرمة المتوفى سنة ٩٥٢ وكان كلما سار حفّ به مريدون يذكرون الله وقد يتغنون ويرقصون، وكان له مجلس ذكر وسماع وغناء. وممن ترجم لهم أيضا السقاف عبد الله الحداد العلوى المتوفى سنة ١١٣٢ وعبد الرحمن بن مصطفى العيدروس المتوفى سنة ١١٩٢ ويفيض كتاب السقاف بسيول من شعر الزهد والتصوف. ولم تكن عمان وإقليمها يوما بيئة تصوف لغلبة الخوارج الإباضية عليها، وهم بدون ريب أصحاب زهد وتقشف، وقد وصف أبو حمزة الخارجى شبابهم قديما بأنهم «غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح (أنضاء) سهر» وطبيعى أن يتغنى شعراؤهم بالزهد والنسك والعبادة والتقشف ورفض عرض الحياة الزائل ابتغاء ما عند الله من الثواب الآجل. ونجد عند شعراء بنى نبهان لمعة من الزهد والمديح النبوى.

стр. 2171

وكانت البحرين بعيدة عن الزهد والتصوف فى عصر القرامطة، وفى ديوان ابن مقرب العيونى بعض أشعار قليلة زاهدة، وهى تشيع فى كتابى سلافة العصر لابن معصوم ونفحة الريحانة للمحيى، وتشيع معها أو تكثر ابتهالات ومناجيات للذات العلية وبعض غزليات فيها روح الغزل الصوفى وما يشيع فيه من وجد. وتلقانا فى كتاب شعراء هجر من القرن الثانى عشر إلى القرن الرابع عشر مواعظ وبعض أشعار زاهدة.

стр. 2172

الفصل الثّانى الثقافة ١ - الحركة العلمية (١) منذ ظهور الإسلام وإرسال الرسول ﷺ معلمين إلى القبائل والقرى فى الجزيرة العربية يعلمون الناس شئون دينهم الحنيف اختطت الحركة العلمية لنفسها جداول ظلت تتدفق فى كل ركن من أركان الجزيرة، وظلت تمدها جداول من البصرة والكوفة وبغداد ودمشق والفسطاط والقاهرة وكل مدن العالم الإسلامى. ومعروف أنه من أهم ما يميز الحركة العلمية العربية فى جميع ديار العرب وأقاليمهم أنها عامة، وليست خاصة بإقليم معين، إذ كان كل ما يظهر بإقليم من مصنفات علمية سرعان ما يفد على الأقاليم الأخرى، وسرعان ما تتعهده وتضيف إليه إضافات كثيرة. ومعنى ذلك أننا إذا تحدثنا عن الحركة العلمية فى الجزيرة العربية لهذا العصر لم يكن مؤدى ذلك أنه كان لها حركة علمية مستقلة، فقد كانت حركتها العلمية فرعا من فروع الشجرة الكبرى، شجرة الحركة العلمية العربية العامة، إذ نلتقى فى كل مكان بأسماء الكتب العلمية المهمة المعروفة لنا فى بغداد وغير بغداد، وكأنه كان هناك نهر كبير للثقافة العربية كانت جداوله ونهيراته تجرى فى كل مكان وفى كل دار من أقصى الشرق فى خراسان إلى أقصى الغرب فى الأندلس. وتتغلغل جداول هذه الثقافة حتى فى نجد: البيئة التى يظنّ أنها كانت بعيدة عن الحركة

стр. 2173

العلمية لما يحيط بها من أسوار الصحراء، فقد كانت قراها لا تخلو من بعض المعلمين والوعاظ، وكانت تتلى فيها كتب الشريعة وأيضا كتب العربية بأخرة. وكانت القبيلة النجدية بمجرد أن تتحول قليلا أو كثيرا من البداوة إلى التحضر تنهض فيها حركة علمية نشطة، على نحو ما حدث فى بنى مزبد وقبيلتهم بنى أسد حين أسسوا مدينة الحلّة بالقرب من الكوفة واستقروا فيها بعض الاستقرار، وأيضا على نحو ما حدث فى بنى عقيل حين اتخذوا لهم إمارة فى الموصل، فإن القبيلتين جميعا قادتا حركة علمية فى ديارهما، وقد عادتا جميعا إلى نجد وحياة البداوة مع القرن السادس الهجرى. ومن المؤكد أن قرى نجد مثل اليمامة (الرياض فيما بعد) وبريدة وحائل والعيينة والدّرعية لم تخل فى أى عصر من شيوخ يختلف الشباب والشيوخ إليهم لتلقى كتب الفقه والتفسير والحديث النبوى. ومنذ ظهور محمد ابن عبد الوهاب استحالت نجد إلى دار كبيرة للدعوة الوهابية ولمدارسة كتب محمد بن عبد الوهاب نفسه وكتب إماميه: أحمد بن حنبل وابن تيمية. وإذا تركنا نجدا إلى المدينتين المقدستين فى الحجاز: مكة والمدينة وجدنا الحرمين المكى والمدنى يتحولان فى عصر مبكر إلى جامعتين كبيرتين، بحيث يصبحان من أهم المراكز العلمية فى البلاد العربية، لسبب مهم سبق أن عرضنا له فى غير هذا الموضع، وهو أن كثرة كبيرة من العلماء النابهين بالأقطار العربية فى كل عصر كانوا ينزلون مكة ويقيمون فيها سنوات طوالا، وقد يمضون فيها بقية حياتهم، وبالمثل كانوا ينزلون المدينة، غير من كان فيها وفى مكة من علماء الشريعة والعربية. وتفيض كتب التراجم بأسماء هؤلاء العلماء، ويكفى أن تتصفح مثلا كثاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين: مكة لترى مبلغ من كان فيها من العلماء من كل صنف، وكان لكل عالم حلقته، فلمقرئ القرآن الكريم حلقته وكذلك للمفسر والمحدث والفقيه وعالم الكلام وعالم العربية وعالم المنطق وعالم الرياضيات وعالم التصوف. وتتعدد الحلقات بتعدد الشيوخ حتى لتعد بالعشرات. وأنشئت بجانب هاتين الجامعتين مدارس، فقد بنى بمكة السلطان نور الدين رأس الدولة الرسولية مدرسة، رتب لها مدرسين وإماما ومؤذنا وطلابا يتعلمون، ووقف عليها أوقافا دارّة. وتعاقب بعده بناء المدارس فى مكة والمدينة، يبنيها بعض السلاطين الرسوليين وبعض الأفراد وبعض سلاطين مصر على نحو ما هو معروف عن مدرسة السلطان قايتباى التى بناها بجوار الحرم المكى ورصد لها أوقافا كثيرة. وعنى العثمانيون بعد استيلائهم على الحرمين ببناء المدارس، من ذلك بناؤهم أربع مدارس بمكة سنة ٩٧٢ لتدريس مذاهب الفقه، وتتكاثر المدارس فى المدينتين المقدستين وتتكاثر الكتاتيب وخاصة منذ القرن الثالث عشر الهجرى.

стр. 2174

ونشطت الحركة العلمية فى اليمن من قديم، بسبب توزعها بين إمارات كانت تتنافس فيما بينها علميا وأدبيا مما جعل كلا منها تحاول جذب العلماء إلى دائرتها ومحيطها، وكان كثير من الأمراء أنفسهم علماء، فالأمير على بن محمد الصليحى مؤسس الدولة الصّليحية الإسماعيلية كان عالما، ويقول عنه عمارة: «كان عالما وفقيها مستبصرا فى علم التأويل وخطيبا بليغا» وكانت زوجة ابنه الأمير المكرم المسماة الملكة الحرة أروى بنت أحمد الصليحية تتعمق علوم الدعوة الفاطمية، ووقفت أوقافا كثيرة لتدريس صحيح البخارى مع أنها كانت إسماعيلية العقيدة. وكان جياش من آل نجاح أمراء زبيد مؤرخا وصنف «المفيد فى أخبار زبيد» واختصره عمارة اليمنى ونشر مختصره، ومن وزراء هذه الدولة سرور الفاتكى، وكان يشجع العلماء وفرض لهم رواتب. ويقول عمارة اليمنى إنه رأى جريدة هذه الرواتب التى كانت تدفع إلى الفقهاء والقضاة وعلماء الحديث والنحو واللغة، فوجدها اثنى عشر ألف دينار فى كل سنة. وبالمثل عرف بنو زريع أمراء عدن بإكرام العلماء والشعراء وإسباغ العطايا والجوائز عليهم. وحين تسلم الرسوليون زمام الأمور أخذوا ينهضون بالحركة العلمية نهضة واسعة يتقدمهم فى ذلك مؤسس دولتهم نور الدين إذ بنى فى تعزّ عاصمته الصيفية مدرستين وفى عدن مدرسة وفى زبيد عاصمته الشتوية ثلاث مدارس: مدرسة للشافعية ومدرسة للحنفية ومدرسة للحديث النبوى، ورتب فى كل مدرسة مدرسا ومعيدا وطلابا وإماما ومقرئا ومؤذنا، ورصد لكل مدرسة أوقافا تقوم بكفايتها وتسدّ حاجتها. وخلفه ابنه السلطان المظفر وهو صاحب جامع المظفرية فى تعزّ وجوامع أخرى فى أنحاء إمارته وبنى مدرسة بتعزّ، وأخرى بظفار وكانت تتبعه. وابتنى أحد رجاله المسمى بدرا المظفرى بزبيد مدرسة للشافعية ومدرسة للقراءة بالقراءات السبع ومدرسة للحديث النبوى ووقف عليها جميعا أوقافا وفيرة. وخلفه ابنه السلطان الأشرف، وكان عالما فى فنون مختلفة وله عدة مصنفات، منها كتاب طرفة الأصحاب فى معرفة الأنساب وكتاب تحفة الآداب فى التاريخ والأنساب وكتاب جواهر التيجان، وتعمق فى علوم الأوائل، وله كتاب فى الأسطرلاب وكتاب الجامع فى الطب، وولى بعده أخوه المؤيد، وكان عالما أديبا، ويقال إنه كان يحفظ مقدمة طاهر بن بشاذ النحوى المصرى وكتاب الجمل فى النحو للزجاجى وكفاية المتحفظ فى اللغة، ودرس كتاب التنبيه فى الفقه الشافعى لأبى إسحق الشيرازى وسمع الحديث النبوى من حفاظه الأعلام وأجازه منهم أبو العباس أحمد بن محمد الطبرى شيخ السنة بالحرم المكى وأذن له فى رواية البخارى والترمذى عنه وناوله صحيح مسلم، وجمع من الكتب ما لا يكاد يحصى، واختصر كتاب الجمهرة فى البيزرة وألف فى الطب كتاب

стр. 2175

العمدة. واشتهر بعده حفيده السلطان الأشرف إسماعيل بتشجيعه الحركة العلمية، وحين علم فى سنة ٧٨٨ بتأليف القاضى جمال الدين محمد بن عبد الله الريمى كتابه «التفقيه فى شرح التنبيه» فى أربعة وعشرين جزءا أمر بحمل هذا الكتاب على رءوس الفقهاء من بيت المصنف إلى مجلسه، مزفوفا بالطبلخانة، وحين وصل الكتاب ومصنفه منحة مكافأة لجهده العلمى: ثمانية وأربعين ألف درهم تعظيما للعلم والعلماء، ورفعا لدرجة الشيخ. ويقول الخزرجى إنه طرّز كتبه التاريخية باسمه وإنه ألفها بناء على إشارته، ويذكر عنه أنه رتّب فى سنة ٧٩١ بجامع المملاح ستة مدرسين ومقرئا للقراءات السبع ومحدّثا ومدرّسين: شافعيا وحنفيا ومدرسين: فى النحو والفرائض، ورتب فيه إماما ومؤذنين وقيّمين وخطيبا ومعلما وأيتاما يحفظون القرآن وشيخا صوفيّا. وكان الخزرجى نفسه أحد المرتّبين لإقراء القرآن. وأمر السلطان الأشرف بعدّ المساجد والمدارس فى سنة ٧٩٥ بزبيد فكانت مائتين وبضعا وثلاثين. ومعروف أن المساجد فى العالم الإسلامى كانت مدارس تعقد فيها دائما حلقات للطلاب والعلماء. ولعل فى هذا ما يدل على مدى النهضة العلمية باليمن فى عهد الرسوليين، وبلغ من عنايتهم بذلك أن اشترك معهم نساؤهم فى بناء المدارس والجوامع والمساجد. وقصد اليمن حينئذ كثير من العلماء، ومن أهمهم الفيروزابادى صاحب كتاب القاموس المحيط، ألفه فى زبيد، ونوّه فى مقدمته بالسلطان الأشرف، وقد أنزله منزلة رفيعة، ويقال إنه لما ألّف كتابه الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد سنة ٨٠٠ للهجرة أمر السلطان الأشرف أن يحمل الكتاب إلى بابه مزفوفا بالطبول فى موكب كبير حضره سائر الفقهاء والقضاة والطلبة، وأمر للفيروزابادى توا بثلاثة آلاف دينار، إذ كان الكتاب فى ثلاثة أجزاء، فجعل لكل جزء ألفا. ومن مآثر هذا السلطان بناء مدرسة كبيرة فى تعزّ. وفى الحق أن دولة الرسوليين عملت بكل ما استطاعت على إحداث نهضة علمية خصبة فى اليمن، ويقال إن بين سلاطينها من بلغت مكتبته مائتى ألف مجلد، وكانوا يمنحون مكافآت كبيرة لمن يهديهم كتبا نفيسة أو نادرة. وأهتم بنو طاهر الذين خلفوهم بهذه النهضة ولكن لم يبلغوا مبلغهم فى العناية ببناء المدارس وبالعلم والعلماء. ومنذ اتخذ الرّسّيّون صعدة مركزا لدعوتهم فى أواخر القرن الثالث الهجرى، وهم يبعثون فيها حركة علمية كانوا هم قادتها، فكثيرون منهم ألفوا فى الفقه الزيدى وفى علم الكلام وفى غير ذلك من مواد الثقافة العربية يتقدمهم الإمام الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم مؤسس الدعوة الزيدية فى اليمن. وللإمام المهدى المتوفى سنة ٤٠٣ مؤلفات مختلفة وكذلك لأبى الفتح الديلمى المتوفى سنة ٤٤٤ وللإمام المنصور بالله المتوفى
следующие страницы →