← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وكانت البحرين بعيدة عن الزهد والتصوف فى عصر القرامطة، وفى ديوان ابن مقرب العيونى بعض أشعار قليلة زاهدة، وهى تشيع فى كتابى سلافة العصر لابن معصوم ونفحة الريحانة للمحيى، وتشيع معها أو تكثر ابتهالات ومناجيات للذات العلية وبعض غزليات فيها روح الغزل الصوفى وما يشيع فيه من وجد. وتلقانا فى كتاب شعراء هجر من القرن الثانى عشر إلى القرن الرابع عشر مواعظ وبعض أشعار زاهدة.

стр. 2172

الفصل الثّانى الثقافة ١ - الحركة العلمية (١) منذ ظهور الإسلام وإرسال الرسول ﷺ معلمين إلى القبائل والقرى فى الجزيرة العربية يعلمون الناس شئون دينهم الحنيف اختطت الحركة العلمية لنفسها جداول ظلت تتدفق فى كل ركن من أركان الجزيرة، وظلت تمدها جداول من البصرة والكوفة وبغداد ودمشق والفسطاط والقاهرة وكل مدن العالم الإسلامى. ومعروف أنه من أهم ما يميز الحركة العلمية العربية فى جميع ديار العرب وأقاليمهم أنها عامة، وليست خاصة بإقليم معين، إذ كان كل ما يظهر بإقليم من مصنفات علمية سرعان ما يفد على الأقاليم الأخرى، وسرعان ما تتعهده وتضيف إليه إضافات كثيرة. ومعنى ذلك أننا إذا تحدثنا عن الحركة العلمية فى الجزيرة العربية لهذا العصر لم يكن مؤدى ذلك أنه كان لها حركة علمية مستقلة، فقد كانت حركتها العلمية فرعا من فروع الشجرة الكبرى، شجرة الحركة العلمية العربية العامة، إذ نلتقى فى كل مكان بأسماء الكتب العلمية المهمة المعروفة لنا فى بغداد وغير بغداد، وكأنه كان هناك نهر كبير للثقافة العربية كانت جداوله ونهيراته تجرى فى كل مكان وفى كل دار من أقصى الشرق فى خراسان إلى أقصى الغرب فى الأندلس. وتتغلغل جداول هذه الثقافة حتى فى نجد: البيئة التى يظنّ أنها كانت بعيدة عن الحركة

стр. 2173

العلمية لما يحيط بها من أسوار الصحراء، فقد كانت قراها لا تخلو من بعض المعلمين والوعاظ، وكانت تتلى فيها كتب الشريعة وأيضا كتب العربية بأخرة. وكانت القبيلة النجدية بمجرد أن تتحول قليلا أو كثيرا من البداوة إلى التحضر تنهض فيها حركة علمية نشطة، على نحو ما حدث فى بنى مزبد وقبيلتهم بنى أسد حين أسسوا مدينة الحلّة بالقرب من الكوفة واستقروا فيها بعض الاستقرار، وأيضا على نحو ما حدث فى بنى عقيل حين اتخذوا لهم إمارة فى الموصل، فإن القبيلتين جميعا قادتا حركة علمية فى ديارهما، وقد عادتا جميعا إلى نجد وحياة البداوة مع القرن السادس الهجرى. ومن المؤكد أن قرى نجد مثل اليمامة (الرياض فيما بعد) وبريدة وحائل والعيينة والدّرعية لم تخل فى أى عصر من شيوخ يختلف الشباب والشيوخ إليهم لتلقى كتب الفقه والتفسير والحديث النبوى. ومنذ ظهور محمد ابن عبد الوهاب استحالت نجد إلى دار كبيرة للدعوة الوهابية ولمدارسة كتب محمد بن عبد الوهاب نفسه وكتب إماميه: أحمد بن حنبل وابن تيمية. وإذا تركنا نجدا إلى المدينتين المقدستين فى الحجاز: مكة والمدينة وجدنا الحرمين المكى والمدنى يتحولان فى عصر مبكر إلى جامعتين كبيرتين، بحيث يصبحان من أهم المراكز العلمية فى البلاد العربية، لسبب مهم سبق أن عرضنا له فى غير هذا الموضع، وهو أن كثرة كبيرة من العلماء النابهين بالأقطار العربية فى كل عصر كانوا ينزلون مكة ويقيمون فيها سنوات طوالا، وقد يمضون فيها بقية حياتهم، وبالمثل كانوا ينزلون المدينة، غير من كان فيها وفى مكة من علماء الشريعة والعربية. وتفيض كتب التراجم بأسماء هؤلاء العلماء، ويكفى أن تتصفح مثلا كثاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين: مكة لترى مبلغ من كان فيها من العلماء من كل صنف، وكان لكل عالم حلقته، فلمقرئ القرآن الكريم حلقته وكذلك للمفسر والمحدث والفقيه وعالم الكلام وعالم العربية وعالم المنطق وعالم الرياضيات وعالم التصوف. وتتعدد الحلقات بتعدد الشيوخ حتى لتعد بالعشرات. وأنشئت بجانب هاتين الجامعتين مدارس، فقد بنى بمكة السلطان نور الدين رأس الدولة الرسولية مدرسة، رتب لها مدرسين وإماما ومؤذنا وطلابا يتعلمون، ووقف عليها أوقافا دارّة. وتعاقب بعده بناء المدارس فى مكة والمدينة، يبنيها بعض السلاطين الرسوليين وبعض الأفراد وبعض سلاطين مصر على نحو ما هو معروف عن مدرسة السلطان قايتباى التى بناها بجوار الحرم المكى ورصد لها أوقافا كثيرة. وعنى العثمانيون بعد استيلائهم على الحرمين ببناء المدارس، من ذلك بناؤهم أربع مدارس بمكة سنة ٩٧٢ لتدريس مذاهب الفقه، وتتكاثر المدارس فى المدينتين المقدستين وتتكاثر الكتاتيب وخاصة منذ القرن الثالث عشر الهجرى.

стр. 2174

ونشطت الحركة العلمية فى اليمن من قديم، بسبب توزعها بين إمارات كانت تتنافس فيما بينها علميا وأدبيا مما جعل كلا منها تحاول جذب العلماء إلى دائرتها ومحيطها، وكان كثير من الأمراء أنفسهم علماء، فالأمير على بن محمد الصليحى مؤسس الدولة الصّليحية الإسماعيلية كان عالما، ويقول عنه عمارة: «كان عالما وفقيها مستبصرا فى علم التأويل وخطيبا بليغا» وكانت زوجة ابنه الأمير المكرم المسماة الملكة الحرة أروى بنت أحمد الصليحية تتعمق علوم الدعوة الفاطمية، ووقفت أوقافا كثيرة لتدريس صحيح البخارى مع أنها كانت إسماعيلية العقيدة. وكان جياش من آل نجاح أمراء زبيد مؤرخا وصنف «المفيد فى أخبار زبيد» واختصره عمارة اليمنى ونشر مختصره، ومن وزراء هذه الدولة سرور الفاتكى، وكان يشجع العلماء وفرض لهم رواتب. ويقول عمارة اليمنى إنه رأى جريدة هذه الرواتب التى كانت تدفع إلى الفقهاء والقضاة وعلماء الحديث والنحو واللغة، فوجدها اثنى عشر ألف دينار فى كل سنة. وبالمثل عرف بنو زريع أمراء عدن بإكرام العلماء والشعراء وإسباغ العطايا والجوائز عليهم. وحين تسلم الرسوليون زمام الأمور أخذوا ينهضون بالحركة العلمية نهضة واسعة يتقدمهم فى ذلك مؤسس دولتهم نور الدين إذ بنى فى تعزّ عاصمته الصيفية مدرستين وفى عدن مدرسة وفى زبيد عاصمته الشتوية ثلاث مدارس: مدرسة للشافعية ومدرسة للحنفية ومدرسة للحديث النبوى، ورتب فى كل مدرسة مدرسا ومعيدا وطلابا وإماما ومقرئا ومؤذنا، ورصد لكل مدرسة أوقافا تقوم بكفايتها وتسدّ حاجتها. وخلفه ابنه السلطان المظفر وهو صاحب جامع المظفرية فى تعزّ وجوامع أخرى فى أنحاء إمارته وبنى مدرسة بتعزّ، وأخرى بظفار وكانت تتبعه. وابتنى أحد رجاله المسمى بدرا المظفرى بزبيد مدرسة للشافعية ومدرسة للقراءة بالقراءات السبع ومدرسة للحديث النبوى ووقف عليها جميعا أوقافا وفيرة. وخلفه ابنه السلطان الأشرف، وكان عالما فى فنون مختلفة وله عدة مصنفات، منها كتاب طرفة الأصحاب فى معرفة الأنساب وكتاب تحفة الآداب فى التاريخ والأنساب وكتاب جواهر التيجان، وتعمق فى علوم الأوائل، وله كتاب فى الأسطرلاب وكتاب الجامع فى الطب، وولى بعده أخوه المؤيد، وكان عالما أديبا، ويقال إنه كان يحفظ مقدمة طاهر بن بشاذ النحوى المصرى وكتاب الجمل فى النحو للزجاجى وكفاية المتحفظ فى اللغة، ودرس كتاب التنبيه فى الفقه الشافعى لأبى إسحق الشيرازى وسمع الحديث النبوى من حفاظه الأعلام وأجازه منهم أبو العباس أحمد بن محمد الطبرى شيخ السنة بالحرم المكى وأذن له فى رواية البخارى والترمذى عنه وناوله صحيح مسلم، وجمع من الكتب ما لا يكاد يحصى، واختصر كتاب الجمهرة فى البيزرة وألف فى الطب كتاب

стр. 2175

العمدة. واشتهر بعده حفيده السلطان الأشرف إسماعيل بتشجيعه الحركة العلمية، وحين علم فى سنة ٧٨٨ بتأليف القاضى جمال الدين محمد بن عبد الله الريمى كتابه «التفقيه فى شرح التنبيه» فى أربعة وعشرين جزءا أمر بحمل هذا الكتاب على رءوس الفقهاء من بيت المصنف إلى مجلسه، مزفوفا بالطبلخانة، وحين وصل الكتاب ومصنفه منحة مكافأة لجهده العلمى: ثمانية وأربعين ألف درهم تعظيما للعلم والعلماء، ورفعا لدرجة الشيخ. ويقول الخزرجى إنه طرّز كتبه التاريخية باسمه وإنه ألفها بناء على إشارته، ويذكر عنه أنه رتّب فى سنة ٧٩١ بجامع المملاح ستة مدرسين ومقرئا للقراءات السبع ومحدّثا ومدرّسين: شافعيا وحنفيا ومدرسين: فى النحو والفرائض، ورتب فيه إماما ومؤذنين وقيّمين وخطيبا ومعلما وأيتاما يحفظون القرآن وشيخا صوفيّا. وكان الخزرجى نفسه أحد المرتّبين لإقراء القرآن. وأمر السلطان الأشرف بعدّ المساجد والمدارس فى سنة ٧٩٥ بزبيد فكانت مائتين وبضعا وثلاثين. ومعروف أن المساجد فى العالم الإسلامى كانت مدارس تعقد فيها دائما حلقات للطلاب والعلماء. ولعل فى هذا ما يدل على مدى النهضة العلمية باليمن فى عهد الرسوليين، وبلغ من عنايتهم بذلك أن اشترك معهم نساؤهم فى بناء المدارس والجوامع والمساجد. وقصد اليمن حينئذ كثير من العلماء، ومن أهمهم الفيروزابادى صاحب كتاب القاموس المحيط، ألفه فى زبيد، ونوّه فى مقدمته بالسلطان الأشرف، وقد أنزله منزلة رفيعة، ويقال إنه لما ألّف كتابه الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد سنة ٨٠٠ للهجرة أمر السلطان الأشرف أن يحمل الكتاب إلى بابه مزفوفا بالطبول فى موكب كبير حضره سائر الفقهاء والقضاة والطلبة، وأمر للفيروزابادى توا بثلاثة آلاف دينار، إذ كان الكتاب فى ثلاثة أجزاء، فجعل لكل جزء ألفا. ومن مآثر هذا السلطان بناء مدرسة كبيرة فى تعزّ. وفى الحق أن دولة الرسوليين عملت بكل ما استطاعت على إحداث نهضة علمية خصبة فى اليمن، ويقال إن بين سلاطينها من بلغت مكتبته مائتى ألف مجلد، وكانوا يمنحون مكافآت كبيرة لمن يهديهم كتبا نفيسة أو نادرة. وأهتم بنو طاهر الذين خلفوهم بهذه النهضة ولكن لم يبلغوا مبلغهم فى العناية ببناء المدارس وبالعلم والعلماء. ومنذ اتخذ الرّسّيّون صعدة مركزا لدعوتهم فى أواخر القرن الثالث الهجرى، وهم يبعثون فيها حركة علمية كانوا هم قادتها، فكثيرون منهم ألفوا فى الفقه الزيدى وفى علم الكلام وفى غير ذلك من مواد الثقافة العربية يتقدمهم الإمام الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم مؤسس الدعوة الزيدية فى اليمن. وللإمام المهدى المتوفى سنة ٤٠٣ مؤلفات مختلفة وكذلك لأبى الفتح الديلمى المتوفى سنة ٤٤٤ وللإمام المنصور بالله المتوفى

стр. 2176

سنة ٥٩٨ وللإمام المهدى أحمد بن الحسين المتوفى سنة ٦٥٦ وللإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين المتوفى سنة ٦٧٠. وعلى هذا النحو شارك كثير من أئمة الزيدية باليمن فى النهضة العلمية. ويشتهر الإمام شرف الدين يحيى المتوفى سنة ٩٦٥ بإنشائه المساجد المعروفة بالمدارس فى صنعاء وذمار وكوكبان. ومرّ بنا أن الإمارة الزيدية اتسعت فى العصر العثمانى وشملت صنعاء وغيرها من المدن، وقد بثوا فيها بقوة الدعوة الزيدية وكتبهم وكتب أنصارهم من الفقهاء والعلماء الزيديين. ويلقانا فى حضرموت كثير من العلماء النابهين، وهم منبثون فى كتب التراجم، ولهم دلالتهم على ما كان وراءهم من حركة علمية، وفى كتاب طبقات فقهاء اليمن وكذلك فى كتاب العقد الثمين فقهاء ومحدثون وقراء حضرميون كثيرون استوطنوا اليمن أو جاوروا فى مكة. وفى كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين وكتاب صفحات من التاريخ الحضرمى ما يصور من بعض الوجوه النشاط العلمى وازدهاره بحضرموت ومدنها: تريم وغير تريم. وكانت عمان من قديم مركزا لحركة علمية نشطة، يدل على ذلك من بعض الوجوه أن ابن دريد أكبر علماء اللغة فى عصره أزدى عمانى وقد أمضى بعمان فترة طويلة من حياته كان لها أكبر الأثر فى تكوينه اللغوى، ومن آثارها فى معجمه «الجمهرة» أنه يحمل كثيرا من لغة الأزد العثمانيين وخصائص لهجتهم، ومعروف أنه توفى قبيل هذا العصر مباشرة ببغداد سنة ٣٢٤. وشهرة عمان العلمية فى القرن الرابع الهجرى هى التى جعلت أبا سعيد السيرافى، كما قال الرواة، يخرج من بلدته سيراف فى طلب العلم إلى عمان، ويتفقه بها ويتعلم العربية، ثم يدخل بغداد بعد ذلك، ويروى أنه تتلمذ لابن دريد. وقد عنى حكام عمان من بنى مكرم وخلفائهم من بنى نبهان بالحركة العلمية والأدبية بديارهم، فكثر فى عمان الأدباء والعلماء والشعراء. وكان للخوارج فى عاصمتهم نزوى ثم فى عمان حين استولوا عليها نهائيا فى العصور المتأخرة نشاطهم الخاص فى مذهبهم الإباضى والتأليف فيه مع العناية بالعربية. ومنطقة البحرين هى منطقة قبائل عبد القيس وتميم قديما، وكانت تقام بها أسواق للأدب مثل سوق هجر وسوق دارين، وأنجبت عبد القيس فى الجاهلية والعصر الإسلامى غير شاعر وخطيب، وأشاد بخطبائها الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين ونوّه بهم طويلا. ونشعر حين استولى القرامطة على البحرين بخمود الحركة العلمية فيها، غير أنها أخذت تنتعش سريعا فى زمن العيونيين وبنى عصفور وبنى جبر، فكان يقوم على الدراسات العلمية الدينية ودراسات العربية علماء وقفوا أنفسهم على تلقين الشريعة والعلوم اللغوية للناشئة وتفقيه

стр. 2177

الناس بأمور دينهم ووعظهم. وتظل هذه الحركة العلمية نشطة حتى العصور الأخيرة، على نحو ما يصور ذلك مثلا كتاب سلافة العصر لابن معصوم، وقد ترجم كتاب أنوار البدرين لطائفة منهم فى القرن الحادى عشر والثانى عشر مثل الشيخ سلمان آل عبد الجبار وله رسائل متنوعة فى المنطق وعلم الكلام. ومن يطلع على كتاب شعراء هجر من القرن الثانى عشر إلى القرن الرابع عشر يرى نشاطا علميا وأدبيا واسعا فى أواخر هذا العصر كان يعم البحرين، بمعناها العام: فى الأحساء وقطر والقطيف وجزيرة أوال (البحرين الحالية). ٢ - علوم الأوائل (١) من مفاخر جزيرة العرب وحضرموت خاصة أنها قدّمت إلى الفكر العربى فى نهاية العصر العباسى الأول ومفتتح العصر العباسى الثانى أول فيلسوف بالمعنى الدقيق لكلمة فيلسوف، وهو يعقوب بن إسحق الكندى الذى تمثّل علوم الأوائل والفلسفة اليونانية تمثلا رائعا، فإذا هو لا يفقه ذلك كله فقها حسنا، بل يشارك فيه ويضيف إليه إضافات باهرة، سواء فى العلوم الطبيعية أو الرياضية أو فى المنطق والسياسة والأخلاق والطب. وقد أحصى ابن النديم فى الفهرست له نحو مائتين وأربعين كتابا، وكثير منها ترجم إلى اللاتينية، ويقول ألدومييلى إن كتابه فى الهندسة أثّر أثرا بعيدا فى روجر بيكون. والكندى ثمرة الحركة العلمية فى البصرة التى نشأ بها وفى بغداد التى عاش فيها، وطبيعى أن تكون بغداد مركز الحركة العلمية، غير أن مراكز أخرى أخذت تتكون فى هذا العصر بإيران وبمصر والشام، ولم تتحول الجزيرة ولا إقليم من أقاليمها إلى مركز ينافس هذه المراكز، وربما كانت اليمن الثرية بمواردها أكثر أقاليم الجزيرة استعدادا للمشاركة فى علوم الأوائل أو على الأقل فى تعلّمها تعلما حسنا. ونحن لا نصل إلى نهاية العصر العباسى الثانى حتى نجد أبا محمد الحسن الهمدانى المتوفى سنة ٣٣٤ يتعمق علوم الأوائل، ويتقنها فهما وتحليلا، بل لقد ألف فيها مصنفات جيدة، ومن أهمها كتابه «سرائر الحكمة» وفيه

стр. 2178

عرض علم هيئة الأفلاك ومقادير حركات الكواكب، وبيّن علم أحكام النجوم واستوفى ضروبه، وكذلك كتابه «القوى» فى الطب، وكتابه «الإكليل» الذى ألفه فى ملوك حمير وأنسابها وهو فى عشرة أجزاء كبار، وفيه مما يتصل بعلوم الأوائل «جمل من القرانات» فى النجوم وأوقاتها-كما يقول القفطى-ونبذ من علم الطبيعة وأصول أحكام النجوم وآراء الأوائل فى قدم العالم وحدوثه واختلافهم فى أدواره. ثم يقول القفطى: وله زيجه المعروف، وعليه اعتماد أهل اليمن. ونظن ظنا أن الدعوة الإسماعيلية فى عصر الدولة الصّليحية (٤٣٩ - ٥٣٢ هـ) هيأت من بعض الوجوه للعناية بالفلسفة وعلوم الأوائل، إذ كانت ترتكز على المزج بين العقيدة الفاطمية ونظرية الفيض الأفلاطونية، وكانت تتخذ من رسائل إخوان الصفا دعاية لها، وهى من بعض الوجوه عرض للفلسفة اليونانية وخاصة لنظرية الفيض وما يتصل بها فى الأفلاطونية الحديثة وأيضا عرض لعلوم الأوائل. ونجد أحد دعاة الفاطميين فى اليمن المسمى الداعى الذؤيب وكذلك السلطان الخطاب يؤلف كل منهما رسالة فى النفس، ومعروف أنها من المباحث الفلسفية، ويحلل ناشر ديوان السلطان الخطاب مؤلفاته الفاطمية، وهى تصطبغ بصبغة فلسفية واضحة كالبحث فى الطبائع الأربع والنفس الناطقة والكثائف واللطائف والمعقولات والمحسوسات. وفى ترجمة ابن سينا ذكر شخص همدانى يشدو الفلسفة وعلوم الأوائل، وقد وجه رسالة إلى علماء بغداد يسألهم فيها الإنصاف بينه وبين ابن سينا ولم نقع على اسم هذا الهمدانى. وفى الجزء الثانى من كتاب إنباه الرواة ترجمة لزيد بن عطية الصّعدى اللغوى، وفيها أنه «كان لغويا شاعرا منجما حاسبا هندسيا، يسلّم إليه المنجمون فى ديار صنعاء وصعدة النجوم والحساب، وله تصانيف فى ذلك، منها زيجان: كبير وصغير، ومنها «أحكام نجومية» و «فصول». ويبدو أن الدولة الرسولية بعثت فى اليمن اهتماما بالفلسفة وعلوم الأوائل وخاصة فى عهد سلطانها المظفر (٦٤٧ - ٦٩٤ هـ). وولديه السلطانين الأشرف والمؤيد، ولكل منهما فى الطب كتاب وكان الأشرف أكثر براعة فى الطب، يدل على ذلك كتاب أرسله أبوه المظفر إلى الظاهر بيبرس سلطان مصر يطلب منه طبيبا قائلا: «ولا يظن المقام العالى أننا نريد الطب لأنفسنا فإننا نعرف من الطب ما لا يعرفه غيرنا، وقد اشتغلنا به من أيام الشبيبة، وولدنا عمر-يقصد السلطان الأشرف-من العلماء بالطب، وله كتاب جامع فيه ليس لأحد مثله». ومرّ بنا أن للسلطان المؤيد فيه كتابا سماه «العمدة». ويذكر

стр. 2179

صاحب سلافة العصر ممن نزلوا اليمن فى القرن الحادى عشر طبيبا شيرازيا، اسمه الحكيم أبو الحسين ويذكر له طائفة من أشعاره. ويلقانا دائما اهتمام واضح بالطب والرياضيات والهندسة والهيئة والنجوم، ونقرأ عن ذلك أخبارا متناثرة هنا وهناك، من ذلك ما نقرؤه فى تاريخ الشعراء الحضرميين من أن الشيخ محمد بن عمر المتوفى سنة ٩٣٠ صنف أرجوزتين: إحداهما فى الطب والثانية فى علم الحساب وأن الشيخ عبد الله بن عمر بامخرمة المتوفى سنة ٩٧٢ صنف رسالة فى علم الجبر والمقابلة. ونستطيع أن نعمم هذه النزعة فى عمان والبحرين وفى مكة والمدينة. ومما يدل على رغبة المثقفين فى الجزيرة العربية على الاطلاع على علوم الأوائل أننا نجد فى كتاب لمع الشهاب فى سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه حين نزل البصرة عنى بالعلوم الرياضية وقرأ كتب أقليدس فى الهندسة وكتاب المجسطى فى الهيئة، كما قرأ الحكمة الإشراقية. ونؤمن بأن المنطق ظل يدرس فى كل أنحاء الجزيرة، لاقتناع العلماء فى كل مكان بضرورة درسه. ونترك الرياضيات والهندسة والطب والفلك والفلسفة إلى علم الجغرافية، ومن أهم المصنفات الجغرافية كتاب صفة جزيرة العرب للحسن بن أحمد الهمدانى المتوفى مع أول هذا العصر، كما مر بنا آنفا، ولأبى على الهجرى كتاب النوادر والتعليقات وهو زاخر بأماكن الجزيرة، وأهم من عناية أهل الجزيرة بالأماكن عنايتهم بالرحلات البحرية، ومعروف أن الأمم القديمة فى أفريقيا وآسيا وأوربا اخترقت البحار والمحيطات من حولها، وبنت سفنا حملت فيها تجارتها وبعض جيوشها للغزو، حتى إذا أنشأ العرب دولتهم أخذوا يقتحمون البحر المتوسط وبحر القلزم أو البحر الأحمر، كما اقتحموا المحيط الهندى إلى شواطئ إفريقيا الشرقية غربا وإلى الهند شرقا. وكان اقتحامهم له فى أواخر القرن الأول الهجرى سببا فى أن تتغلغل تجارتهم إلى جزر الهند الشرقية وإندونسيا، بل لقد اقتحموا المحيط الهادى ونزلوا على شواطئ الصين، واشتهر أحد تجارهم المسمى سليمان بكتابة رحلة له قام بها فى سنة ٢١٧ للهجرة من البصرة ميمّما ديار الصين، وقد تحدث فيها عما ركبه وخاصه من بحار بادئا بالخليج العربى. وتوالى رحالة بعد سليمان يصفون رحلاتهم البحرية. علم الملاحة البحرية (١) كان ربابنة السفن فى البحار المتصلة بالبلاد العربية يعنون بكتابة دفاتر تضم جداول

стр. 2180

فلكية ومعلومات عن خطوط العرض والرياح والشواطئ والشعاب والجزر فى المحيط الهندى وما يتصل به من المحيط الهادى، مما كان سببا مباشرا فى نشوء علم الملاحة عند العرب وازدهاره على مر السنين. وكان يشترك فى هذه الملاحة سكان الخليج العربى وجنوبى الجزيرة العربية، ونهض بها منهم ربابنة كثيرون. وأشهر ربابنة الجزيرة العربية شهاب الدين أحمد بن ماجد المولود فى عمان حوالى سنة ٨٣٠ للهجرة، وقد نشر له المستشرق جبرييل قران فى باريس سنة ١٩٢١ - ١٩٢٣ مجموعة كبيرة من أعماله النثرية والشعرية أنشأها فى نحو ثلاثين عاما بين سنتى ٨٦٥ و ٨٩٥ ولقران تحليل طريف لتلك الأعمال نشره فى دائرة المعارف الإسلامية تحت اسم شهاب الدين. ونشر المستشرق الروسى تيودور شوموفسكى فى موسكو سنة ١٩٥٧ ثلاث أراجيز لأحمد بن ماجد مع دراسة وتعليقات، وعنى الدكتور محمد منير مرسى بهذه الأراجيز الثلاث ونشرها فى القاهرة بعنوان: «ثلاث أزهار فى معرفة البحار» ونقل معها تعليقات تيودور شوموفسكى، وردّ الاقتباسات المترجمة عن المصادر العربية إلى أصولها المطبوعة والمخطوطة، وشرح طائفة من المصطلحات البحرية عند ابن ماجد وبذل فى ذلك كله جهدا محمودا. والأعمال التى نشرها قران لابن ماجد إنما نشرها عن مخطوطة فى باريس يبلغ عدد أوراقها ١٨١ ورقة، وبها أراجيز وقصائد تبلغ نحو العشرين، تتناول أصول علم البحار والفلك والملاحة فى المحيط الهندى والبحر الأحمر وخليج عدن وخليج العرب كما تتناول النجوم والبروج والشعاب. وجميعها أشعار تعليمية تصور علم الملاحة البحرية عند العرب. وبجانب هذه الأشعار فى المخطوطة الباريسية كتاب ابن ماجد النفيس: «الفوائد فى أصول علم البحر والقواعد» ألفه سنة ٨٩٥ للهجرة، وهو فى اثنى عشر فصلا، ويتحدث ابن ماجد فى الصفحات الأولى منه عن الأصول الأسطورية للملاحة والإبرة والبوصلة ولإسطرلاب. ويعرض للكتابات فى الملاحة قبله ويشيد بثلاثة من الربابنة، هم سهل بن أبان ومحمد بن شاذان وليث بن كهلان، معتمدا فى ذلك على دفتر كتبه حفيد لسهل بن أبان تاريخه سنة ٥٨٠ وأغلب الظن أنه يقصد السنة الهجرية، وليس

стр. 2181

بصحيح ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن هذا التاريخ تعيين للمدة الزمنية بين ابن ماجدو بين كاتب النسخة وأنه كتبها-كما يظن-سنة ٣١٥ للهجرة وكأن هؤلاء الربابنة الثلاثة-فى رأيه- كانوا يعيشون فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، وهو ما نستبعده ونظن أنهم عاشوا فى النصف الأول من القرن السادس. ويذكر ابن ماجد أن الدفتر كان يحمل معلومات الربابنة الثلاثة ويقول إنهم لم يكونوا ملاحين بالمعنى الدقيق لكلمة ملاحين وأن معارفهم البحرية لم تتجاوز الخليج العربى، ويذكر طائفة من الملاحين الذين كانوا يعاصرونهم وغيرهم ممن سبقوهم. ويؤكد أن كتابه ليس كتابا نظريا كالكتب السابقة له، فهو كتاب أعلم الناس بالبحر، ويقول إنه علم توارثه عن أبيه وجده، فقد كانا ربّانين كبيرين، ويذكر أنه كان لأبيه أرجوزة بحرية فى ألف بيت تعدّ دليلا ومرشدا هاديا للملاحة فى البحر الأحمر. ومع أنه قلل من أهمية ما كتبه حفيد سهل بن أبان عن جده وصاحبيه من معارف فى الملاحة يسميهم الليوث، ويسمى نفسه رابع الليوث أو رابع الثلاثة. ويذكر فى الكتاب منازل القمر الثمانية والعشرين والنجوم التى تطابق تقاسيم البوصلة الاثنين والثلاثين والطرق البحرية فى المحيط الهندى وخطوط العرض الخاصة بعدد من الموانى فى المحيطين: الهندى والهادى والعلامات الدالة على مشارف السواحل الغربية للهند وجزائر المحيط الهندى والخليج العربى والرياح الموسمية المواتية للرحلات والبحر الأحمر ومراسيه وشطآنه وشعابه المرجانية ورياحه وأغواره. ويقول قرّان إن وصفه لكل ذلك لا يفوقه بل لا يدانيه أى وصف لكاتب آخر فى الإرشادات والبيانات البحرية الهادية للسفن الشراعية. وهذا كله كان يصحب ببعض الخرائط. فكل ربان لابد أن تكون معه خريطة وبوصلة وإسطرلابات وحبال لقياس عمق المياه (واسمها عند ابن ماجد بلد) ومزاول لمعرفة ارتفاع الشمس والنجم القطبى. ومن سوء طالع هذا العالم العربى الفذ فى علم الملاحة البحرية وهو على وشك أن يختم حياته وقد بلغ سبعين عاما ونيفا أن تعرّف عليه فى «مالندى» بشرقى إفريقيا قاسكودى جاما البرتغالى، وكان قد يئس من الوصول إلى الهند عن طريق البحر، إذ كان يجهل هو وربابنته البرتغاليون الطريق البحرى إليها، وكانت سفنهم كلما خرجت فى المحيط الهندى واتجهت نحو الهند تحطمت ولم ينج منها أحد. ونعجب أن نرى ابن ماجد يتحول له مرشدا يهديه الطريق فى سنة ٩٠٦ للهجرة إلى كلكتا فى الهند. وبذلك يكون-لغفلته-أداة للاستعمار البغيض: البرتغالى أولا، ثم الإنجليزى والفرنسى والهولندى، من شاطئ إفريقيا الشرقى إلى جزر الهند الشرقية وبحر الصين. وسرعان ما شعر بسوء فعله، وصوّر ذلك مرارا

стр. 2182

فى ألم ومرارة عن قاسكودى جاما وأصحابه البرتغاليين فى الأرجوزة الأولى من «ثلاث أزهار فى معرفة البحار»: وجا لكاليكوت خذ ذى الفائده ... لعام تسعمايه وستّ زائده وسار فيها مبغض الإسلام ... والناس فى خوف وفى اهتمام واشتروا البيوت ثم سكنوا ... وصاحبوا وللسّوامر ركنوا وهو يريد بالسوامر البرتغاليين نسبة إلى السامرىّ الذى صنع العجل وعبده بنو إسرائيل يريد أنهم كفار، ومع ذلك صاحبهم حكام ثغر كاليكوت فى الهند. وكأنما عرف قصر نظره وشناعة عمله بعد فوات الأوان. ومع أنه أكثر من الأراجيز والقصائد مما يدل على أن نبع الشاعرية عنده كان فياضا يختل الوزن عنده أحيانا. وخلف ابن ماجد ربان من سدنة البحر وملاحيه هو سليمان بن أحمد المهرى من مهرة فى الشّحر بين حضرموت وعمان، عاش فى النصف الأول من القرن العاشر الهجرى، وله فى الملاحة كتب لا تقل أهمية عن كتب ابن ماجد، بل لعلها أوفى وأشمل فى بيانها لأحوال الملاحة فى المحيطين الهندى والهادى حتى بحر الصين، ومن كتبه «تحفة الفحول» و «العمدة المهرية فى ضبط العلوم البحرية» و «المنهج الفاخر فى علم البحر الزاخر» وتاريخها جميعا يرجع إلى النصف الأول من القرن العاشر، وقد درس قران أعمال سليمان المهرى البحرية دراسة وافية. ٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد لا نبالغ إذا قلنا إن كل البلاد العربية كانت مشتركة فى التراث اللغوى والنحوى والبلاغى والنقدى، بحيث لم يكن يظهر كتاب مهم فى بيئة من البيئات العربية إلا ونجده قد نقل إلى البيئات الأخرى، ونعجب أننا اليوم مع سرعة المواصلات ونقل الكتب عن طريق البواخر والسيارات، بل عن طريق الطيارات، لا نبلغ مبلغ أسلافنا فى سرعة التواصل بينهم فى الكتب، لا فى مجالات الفقه والحديث وما إليهما من الدراسات الدينية فحسب بل أيضا فى جميع المجالات لغوية وغير لغوية. وساعدت على ذلك الرحلات السنوية للحج والزيارة والتقاء العلماء، وكان بعض العلماء إذا افتقد كتابا، ولم يستطع

стр. 2183

الحصول عليه رغم تطوافه فى البلدان لجأ إلى النداء عليه فى الحج، ليخبره عنه بعض من رآه فى مكتبة من المكتبات المتناثرة بين الأندلس وأواسط آسيا حتى الهند. وكان العالم فى أى علم أو فن يرى أن علمه فيه لا يكتمل إلا إذا رحل شرقا وغربا وأبعد فى رحلته ليلقى العلماء ويقرأ كتب التراث الخاصة بالعلم أو الفن الذى يريد التعمق فيه. ونقلوا فى أثناء ذلك إلى بلدانهم ما كتبه الأسلاف ومعاصروهم، وفتحت المكتبات فى كل بلد صدرها لتستقبل الكتب وتجزى حملتها خير الجزاء. ومعنى ذلك أننا إذا تحدثنا عن النشاط فى علم بأى بلد من البلدان العربية وسمينا فيه بعض علماء إنما نتخذهم رموزا للحركة العلمية الكبيرة، وهى أكبر جدا من أسمائهم، لأنها تعنى النشاط العلمى فى العالم العربى جميعه، إذ كانت كتبه ومصنفاته تصبّ فى كل البلدان العربية، وقام عليها علماء ومدرسون مختلفون يقدمونها للطلاب. وقد يضيفون إليها فى كل علم مصنفات جديدة وكان يكون عيدا لطلاب العلم وأساتذته أن يفد عليهم عالم من البلاد العربية، إذ كانت معرفتهم بكتبه ومصنفاته تسبقه، فكان بمجرد نزوله فى بلد يتحول فى التوّ محاضرا ويتحلق حوله الطلاب يفيدون من علمه. كانت هناك إذن بين البلاد العربية دورة علمية، أشبه ما تكون بالدورة الدموية، تدور فيها الكتب والمؤلفات من بلد إلى آخر، ويدور العلماء أنفسهم. وكانت الجزيرة العربية تدخل فى هذه الدورة، تدخل فيها نجد بقراها التى أخذت تعنى بتعلم العربية منذ أن هجرت أو كادت الإعراب فى القرن السابع الهجرى وما بعده. أما الحجاز ومكة فكانا يعنيان باللغة من قديم، كما كانا يعنيان بالنحو، وكان يوجد لهما دائما مدرسون ينهضون بهما سوى من كان ينزل مكة والمدينة من كبار علماء العربية، ويكفى أن نذكر من بينهم عبد الله ابن طلحة (١) الأندلسى المتوفى بمكة سنة ٥٢٣ وقد اشتهر بإحسانه لتدريس كتاب سيبويه على الطلاب فى الحرم المكى، مما جعل الزمخشرى (٢) يرحل فى شبيته إلى مكة من موطنه خوارزم ليأخذه عنه، وقد جاور بمكة-بدوره-مدة طويلة ألف فيها كثيرا من كتبه، وكان لا يبارى فى اللغة والنحو وألف فيهما مؤلفات دوّت شهرتها فى العالم العربى، منها معجمه المشهور أساس البلاغة الذى رتب مواده بحسب الحرف الأول، وأدخل فيها كثيرا

стр. 2184

من الشواهد والأساليب الأدبية، ويغلب أن يقول فى ختام المادة: «ومن المجاز» فيقرن الأساليب المجازية إلى الأساليب الحقيقية. وألف فى غريب الحديث النبوى كتابه «الفائق» وهو معجم طريف للأحاديث المحتوية على بعض الألفاظ الغريبة، وصنف فى تفسير القرآن الكريم وألفاظه «الكشاف» وشهرته تملأ الخافقين. ومن بحوثه اللغوية شرح لأبيات سيبويه والمستقصى فى أمثال العرب والقسطاس فى العروض. ومن بحوثه النحوية كتابه المفصل، جعله فى أقسام أربعة: قسم للأسماء وقسم للأفعال وقسم للحروف وقسم للمشترك وأراد به الإمالة والوقف والإبدال والإعلال، ولابن يعيش شرح مطول على هذا الكتاب مشهور. وللزمخشرى بجانبه فى النحو كتاب سماه النموذج. ولا ريب فى أن هذا العالم النحوى اللغوى العظيم بعث فى مكة حركة علمية مباركة فى فنون اللغة والنحو والتفسير ولا بد أن كثيرين شدّوا الرحال إليه فى مكة ليتلقوا عنه مصنفاته، وليحملوا عنه الإجازات بروايتها سماعا وإلقاء. وممن نزل بمكة وجاور بها سنين من كبار اللغويين الصغانى الحسن (١) بن محمد المتوفى سنة ٦٥٠ وحياته تقصّ ما قلناه من وحدة الثقافة فى العالمين العربى والإسلامى، فقد ولد سنة ٥٧٧ فى لاهور عاصمة إقليم بنجاب فى الهند، ونشأ فى إقليم صغان كورة من بلاد السّغد، ويذكر مترجموه شيخين له فى الهند، فالشيوخ ومعلمو العربية والشريعة منبثون فى أنحاء العالم الإسلامى، حتى فى أبعد دياره. ورحل فى طلب العلم إلى بغداد ودخل مكة وجاور بها سنتين، ودخل اليمن، واستطاع بمن لقيهم من الشيوخ فى موطنه وغير موطنه، وأهم من ذلك بما قرأ من كتب التراث، أن يصبح إماما من أئمة اللغة العربية، مما جعله موئلا للطلاب فى كل مكان نزل به وخاصة فى مكة. وعنى بوضع المعاجم والكتب فى اللغة، ومن أهمها: مجمع البحرين فى اثنى عشر مجلدا ويقول فى مقدمته إنه جمع فيه بين معجم الصحاح للجوهرى ومعجم له سماه «التكملة والذيل والصلة». وعادة يفصل فى مجمع البحرين بين ما ينقله من الصحاح وما ينقله من معجمه بوضع حرف ص لما ينقله من الصحاح وحرف التاء لما ينقله من التكملة وحرف الحاء لما ينقله من الذيل والصلة. ونشر مجمع اللغة العربية معجم «التكملة والذيل والصلة» المذكور فى ستة مجلدات، وقد ضمنه ما فات الجوهرى فى صحاحه من بعض مواد اللغة وما وقع فيه من أغلاط وأوهام. وله كتاب فى الأضداد، وكتاب سماه النوادر فى اللغة روى فيه غرائب اللغة التى نصّ عليها علماء اللغة الأقدمون، وفى دار الكتب المصرية منه مخطوطة. وحاول بأخرة من عمره أن

стр. 2185

يؤلف فى اللغة معجما كبيرا سماه العباب الزاخر، غير أن المنية عاجلته قبل إتمامه. ولا شك فى أن هذا الإنتاج الغزير يصوّر عالما لغويا كبيرا، وهو لم ينشأ فى الجزيرة ولا فى بلد عربى، وإنما نشأ فى الهند، ومع ذلك استطاع أن يصبح من الأفذاذ فى العربية على مر العصور، وهو شاهد على ما نقوله من أن العلم العربى كان ملقى بكل مكان فى العالم العربى والعالم الإسلامى الكبير. وممن نزل بمكة من كبار شيوخ العربية ابن عبد (١) المعطى أحمد بن محمد الملقب بنحوىّ الحجاز المتوفى بها سنة ٧٨٨ وهو مغربى مصرى تتلمذ فى العربية على أبى حيان الغرناطى عالمها المشهور، قرأ عليه كتاب التسهيل لابن مالك النحوى المعروف، ثم جاور بمكة إلى أن توفى بها وانتصب فيها للتدريس والاشتغال بالعربية والعروض. ومن النحاة بعده محمد (٢) بن أبى بكر المرجانى المكى المتوفى سنة ٨٢٧. ومن يرجع إلى كتاب سلافة العصر يجد ابن معصوم يلقب غير شاعر بأنه من أئمة العربية. ولا ريب فى أن دراستها ظلت نشطة فى العصر العثمانى وحتى نهايته، فكان هناك معلمون مختلفون للعربية فى مكة والمدينة وقرى الحجاز المختلفة. وتنشط اليمن طوال هذا العصر فى الدراسات اللغوية والنحوية، وهو يفتتح فى سنة ٣٣٤ للهجرة بوفاة عالم لغوى يمنى مهم، هو الهمدانى (٣) المذكور فيما مرّ، وفيه يقول القفطى فى إنباه الرواة «هو أحد عيون العلماء باللغة العربية وأشعار العرب وأيامها». وسبق أن نوهنا بكتابه الإكليل وهو فى سير الملوك الحميريين وأخبار اليمنيين الأولين، طبع منه الأجزاء: الأول والثانى والثامن، وكذلك الجزء العاشر وهو فى أنساب همدان قبيلته وأخبارها وبه أشعار كثيرة. وله كتاب يسمى «اليعسوب فى فقه الصيد وحلاله وحرامه وكيفيته وما جاء فيه من أشعار» يقول القفطى عنه: إنه جيد جدا ومفيد للمتأدبين، ومرّ بنا ذكر كتابه صفة جزيرة العرب، وهو يحمل مقدارا كبيرا من اللغة والشعر. وله القصيدة الدامغة افتخر فيها باليمن على مضر، طبعت مشروحة بالقاهرة. وكان يكاتب ابن الأنبارى وغيره من لغويى بغداد ويعترفون بفضله، ومن أجله رحل العالم النحوى المعروف ابن خالويه إلى اليمن وعنى بجمع ديوانه وتخريجه، إذ كان شاعرا مجيدا. وتمضى اليمن فى نشاطها اللغوى والنحوى طوال أزمنة الدول التى مرت بنا فى زبيد وصنعاء وعدن وصعدة إذ كان أمراؤها يتنافسون فى جمع العلماء بإماراتهم ومن حولهم: علماء العربية وغيرهم، ويلقانا

стр. 2186

منهم فى زبيد ببلاط جياش بن نجاح زيد بن عطية الذى سبق أن تحدثنا عن حذقه لعلوم الأوائل، وكان يعاصره فى بلاط الصليحيين إسماعيل (١) بن إبراهيم الربعى النحوى اللغوى الشاعر، من أهل صنعاء، وكان مؤدبا لأولاد الأمراء الصليحيين، وله قصيدة فى غريب اللغة جعل ترتيبها على ترتيب معجم العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد وسماها «قيد الأوابد» وجعل لها شرحا ضمنه نوادر وطرائف من الأخبار والأشعار. ومن نحاة اليمن القاضى أبو بكر اليافعى المتوفى سنة ٥٥٢ وله فى النحو مختصر سماه المفتاح، وسرعان ما تنجب اليمن نشوان (٢) بن سعيد المتوفى سنة ٥٨٠ وله فى اللغة كتب مختلفة، أهمها «شمس (٣) العلوم وشفاء كلام العرب من الكلوم» فى ثمانية مجلدات، رتبه على حروف المعجم بحسب أوائل الكلمات لا أواخرها متابعا فى ذلك الزمخشرى فى معجمه أساس البلاغة، وحرص فيه على دقة الضبط بالنقط والحركات، وقسم كل باب فيه أو حرف قسمين: قسما للأسماء وقسما للأفعال، وعنى بأن يذكر فيه كثيرا من الكلمات اليمنية التى لم تسجلها المعاجم قبله، وأكثر فيه من شواهد القرآن الكريم والحديث النبوى والشعر والأمثال. وكان يعاصره الحسن (٤) بن أبى عباد المتوفى سنة ٥٩٠ ويقول القفطى إن له مختصرا فى النحو مشهورا فى اليمن يقرؤه المبتدئون، ويقول السيوطى فى البغية عنه: «إمام النحاة فى قطر اليمن كانت الرحلة فى علم النحو إليه وإلى ابن أخيه إبراهيم». وكان يعاصرهما على (٥) بن سليمان اليمنى النحوى المتوفى سنة ٥٩٩ وله مصنف فى النحو سماه كشف المشكل فى مجلدين، وروى له ياقوت أبياتا يحصر فيها جموع التكسير. وتنهض الدولة الرسولية بعلوم العربية نهضة واسعة، وكانوا يجزلون العطاء للعلماء فقصدوهم من كل فج ومرّ بنا أن الفيروزابادى (٦) مجد الدين محمد بن يعقوب المتوفى سنة ٨١٧ بزبيد وفد على السلطان الأشرف، فأكرمه إكراما عظيما، وكان قبل أن يفد عليه جاور بمكة من سنة ٧٧٠ إلى سنة ٧٧٥ وكان له فيها دار كثيرا ما عاد إليها، وجعلها فى سنة ٨٠٢ مدرسة باسم الملك الأشرف وقرر بها طلبة وثلاثة مدرسين: فى الحديث وفقه مالك وفقه الشافعى، وزار المدينة المنورة وقرر بها ما قرر بمكة، وكان الأشرف قد ولاه وظيفة قاضى

стр. 2187

القضاة باليمن، وظل يليها أكثر من عشرين سنة فى عهده وعهد ابنه السلطان الناصر إلى أن أدركته الوفاة. وكانت أكثر إقامته بزبيد، وأقام مدة بتعزّ، لما كان فوّض إليه من التدريس بمدارس البلدتين. وله مصنفات كثيرة فى الحديث وفى الفقه، ومرت بنا المنحة التى أهداها إليه السلطان الأشرف حين ألف فى الفقه كتابه الإسعاد، وله فى النحو كتاب سماه «مقصود ذوى الألباب فى علم الإعراب». أما اللغة فكان فيها بحر لا يسبر غوره، ومن مصنفاته فيها مصنف فى الترادف سماه: «الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف». وله كتاب فى غريب الذكر الحكيم سماه «بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز» وقد طبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى عدة مجلدات. ومن أروع أعماله معجمه النفيس «القاموس المحيط» الذى ألفه فى زبيد، ولا نغلو إذا قلنا إنه أروع المعاجم القديمة لجمعه بين الدقة والاختصار إذ هو فى أربعة مجلدات فقط، ولكن كلما قرأت مادة منه خيل إليك أنه حولها إلى ما يشبه بحثا قصيرا، وقد اتبع فى ترتيب مواده طريقة الصحاح للجوهرى فرتب المواد حسب الحرف الأخير لا حسب الحرف الأول كما صنع الزمخشرى فى أساس البلاغة، لأن الحرف الأخير فى المادة لا يتغير بخلاف الحرف الأول إذ تدخله زيادات مختلفة. وحاول بعض القدماء نقده ببيان ما فاته من بعض المواد أو ما سبق خطأ إلى وهمه، وكان آخر من نهض بذلك أحمد فارس الشدياق فى كتابه الجاسوس على القاموس، ومع ذلك فالمعجم بحق مفخرة للفيروزابادى، وقد ضمنه أسماء كثير من المواضع وأعلام الأشخاص وكثير من الكلمات الأعجمية المعربة، وهى جديرة بأن تجمع ويخرج فيها كتاب مستقل، ولنفاسة المعجم تعهده يمنى بصنع شرح مطول له هو السيد مرتضى (١) الزبيدى المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩٠ م وقد اتخذ القاهرة مهاجرا له وموطنا منذ سنة ١١٦٧ هـ/ ١٧٥٣ م وفيها ألف هذا الشرح الذى سماه «تاج العروس فى شرح جواهر القاموس» وهو مطبوع فى عشرة مجلدات، ويتلافى نواقص القاموس فى المادة اللغوية مستعينا بلسان العرب لابن منظور وغيره من المعاجم المطولة، ويتوسع فى الحديث عن المواضع والأعلام بحيث يصبح دائرة معارف جغرافية تاريخية، مع ما يعرضه من بعض الأحكام الشرعية والفوائد العلمية. وهذه النهضة بعلوم العربية فى اليمن كانت تتسع لتشمل إمامة الزيديين فى صعدة وفيما يتبعهم أحيانا من البلدان مثل صنعاء وزبيد حتى إذا دانت لهم اليمن بعد عهد الطاهريين

стр. 2188

نشروا هذه النهضة فى كل مكان. وكان العثمانيون فى أثناء احتلالهم لليمن يعنون بالمدارس وبتعليم العربية، وكان الزيديون ينافسونهم فى هذا المضمار والزبيدى نفسه من ثمرات هذا العصر المتأخر فى اليمن وهو رمز قوى لما كانت تحظى به العربية حينئذ من نشاط خصب. ولم يكن هذا النشاط قاصرا على اليمن والحجاز بل كان عاما فى حضرموت وعمان والبحرين وكانت العناية تبدأ أولا بتحفيظ القرآن الكريم وبعض الأشعار، ثم يأخذ المتعلمون قسطا من العلوم اللغوية ليستعينوا به على ما يريدون أن يتعلموه من الدراسات الدينية، وهل من شك فى أن كل ما نقرأ من شعر وأدب فى هذه البيئات المختلفة إنما هو ثمرة العناية بالعربية وعلومها اللغوية، ونتخذ لهذه العناية مثالا هو الشيخ عبد الله البيتوشى (١)، وأصله شهرزورى تثقف ببغداد واستوطن الأحساء حتى توفى سنة ١٢١١ هـ/١٧٩٦ م وله حاشية على شرح الفاكهى لقطر الندى تأليف ابن هشام، وصرف العناية بكشف الكفاية وهو مطبوع بالقاهرة، وله مؤلفات ومنظومات شعرية مختلفة فى اللغة والنحو والدين. وكان فى كل بلدة وقرية معلمون رصدوا أنفسهم لتعليم العربية حتى نجد وقراها المتوغلة فى الصحراء لم تكن تخلو من هؤلاء المعلمين. ويدل على ذلك ما نجده فى كتاب «لمع الشهاب فى سيرة محمد بن عبد الوهاب» من أنه تعلم العربية على شيخ لزم دروسه يسمّى عبد الرحمن بن أحمد من أهل بريدة إحدى القرى المتعمقة فى بوادى نجد. وإنه ليكفى من نشاط الجزيرة العربية فى هذا العصر فيما يخصّ الدراسات اللغوية أنها أهدت إلى العربية معجم الجمهرة لابن دريد، ثم أهدت مجموعة المعاجم التى خلفها الصغانى والقاموس المحيط للفيروزابادى وتاج العروس للزبيدى فنشاطها اللغوى كان نشاطا جما مثمرا. وإذا انتقلنا إلى مباحث البلاغة كان ينبغى أن لا يبرح أذهاننا أن كل ما كانت تنتجه بيئة عربية فى علم من العلوم يصبح حقا مشاعا لكل البيئات الأخرى، ولذلك كنا نفاجأ من حين إلى حين بكتاب فى بيئة يتصل مباشرة بمباحث البيئات المختلفة، ومما يصور ذلك من بعض الوجوه مقدمة فى شرح نهج البلاغة لعلى بن أبى طالب، تلك التى قدم بها كمال الدين ميثم (٢) بن على بن ميثم البحرانى المتوفى سنة ٦٧٩ هـ/١٢٨٠ من شرحه الأكبر المطبوع على الحجر بتبريز إذ له وراءه شرحان، وفيه تحدث عن البيان فى النهج ووزع

стр. 2189

حديثه على ثلاث قواعد، جعل الأولى لدراسة الألفاظ والثانية لدراسة المعانى، والثالثة لدراسة الخطابة، والصلة بين مباحثه ومباحث السابقين له واضحة. ولعل خير كتاب يصور النشاط البلاغى فى الجزيرة العربية لهذه العصور كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز للإمام الزيدى اليمنى يحيى (١) بن حمزة العلوى، المتوفى سنة ٧٠٥ وهو يقول فى مقدمته إنه لم يطلع من كتب البلاغة إلا على أربعة كتب هى، المثل السائر لابن الأثير والتبيان فى علم البيان لابن الزملكانى ونهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز للفخر الرازى والمصباح فى البيان والبديع لبدر الدين بن مالك، ويشيد بعبد القاهر وكتابيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة وفيه يقول: «أول من أسس فى هذا العلم قواعده وأوضح براهينه وأظهر فوائده ورتب أفانينه الشيخ العالم النحرير، علم المحققين عبد القاهر الجرجانى» غير أنه يصرح بأنه لم يطلع على كتابيه المذكورين آنفا، إنما اطلع على شذرات منهما فى كتابات البلاغيين. وقد ذكر السكاكى مرارا، مما يدل على أنه اطلع على كتابه «المفتاح» ويقول إن الحافز الذى دفعه إلى تأليف كتابه أنه حين حاول أن يقرأ مع طلابه تفسير الزمخشرى المسمى بالكشاف وفيه مسائل بلاغية كثيرة طلبوا منه أن يؤلف لهم فى البلاغة كتابا، فاستجاب لهم، وأثر ابن الأثير والفخر الرازى والسكاكى بيّن فى الكتاب، وقد وزعه على مقدمات ومقاصد وتكملات، وسمى كل فرع من هذه الفروع فنا، وفن المقدمات عنده يتناول علم البيان والبلاغة والفصاحة والحقيقة والمجاز، وسلك فى الفصاحة والبلاغة علمى المعانى والبيان. ويتأثر بابن الأثير فيما كتبه عن معرفة الآلات الضرورية لإتقان البيان كاللغة والنحو والتصريف وحفظ القرآن. ونصوص الشعر والنثر، ويستوحى الفخر الرازى فيما كتبه عن أنواع الدلالات الوضعية والالتزامية، ويتحدث عن الحقيقة والمجاز ويذكر للحقيقة تعريفات مختلفة وينسب أحدها إلى ابن الأثير. ويطيل فى الحديث عن الحقيقة العرفية والشرعية، ويتضح هنا تأثره بعلم أصول الفقه. ويعرض المجاز وماهيته ويتحدث عن المجاز اللغوى أو المرسل وعلاقاته ويسمى المجاز العقلى باسم المجاز المركب وينقل عن الرازى بعض أحكام المجاز. وينتقل إلى الفصاحة ويقول إنها خلوص اللفظ من التعقيد ويطيل مستضيئا بابن الأثير فى بيان وجوه الحسن فى أفراد الحروف والكلمات. ويتحدث عن البلاغة مهتديا بابن الأثير مع الانتفاع بما ذكره الرازى من جمال الرصف لحروف منقوطة أو بعضها منقوط وبعضها غير منقوط ويذكر آراءه فى معنى

стр. 2190

الفصاحة والبلاغة وأن الطرف الأعلى للأخيرة هو الإعجاز. ويخرج إلى بيان مواقع الغلط فى اللفظ المفرد والمركب سواء من التصريف وفساده أو من النحو والغلط فيه. ويترك الفن الأول وهو المقدمات إلى الفن الثانى فى الكتاب، وهو المقاصد، ويعود إلى الحديث عن الدلالات الوضعية والعقلية أو الالتزامية، ويعرض أبواب البيان مبتدئا بالمجاز وأنواعه من الاستعارة والكناية والتمثيل، ويفصل القول فى الاستعارة وتعريفاتها عند الرمانى والفخر الرازى وابن الأثير، ويدخل فيها التشبيه البليغ ويمثل لها بشواهد كثيرة من القرآن الكريم والحديث ونصوص النثر والشعر، ويتحدث عن أقسامها على هدى الرازى وبدر الدين بن مالك، ويجعلها عدة أقسام باعتبارات مختلفة، أما باعتبار ذاتها فتنقسم إلى حقيقية وخيالية، وباعتبار لازمتها تنقسم إلى مجردة ومرشحة، وباعتبار حكمها تنقسم إلى حسنة وقبيحة، وباعتبار استخدامها تنقسم إلى استعارة محسوس لمحسوس أو معقول لمعقول. ويخرج إلى التشبيه، ويذكر أن ابن الأثير أدخله فى المجاز، ويفصل القول فيه، متأثرا بالرازى وابن الأثير وبدر الدين بن مالك، ويجعله أقساما: قسما يشترك فيه المشبه والمشبه به فى الأوصاف المحسوسة، وقسما يشترك فيه المشبه والمشبه به فى الأوصاف التابعة للمحسوسات كالشكل والاستدارة والقوام والليونة والصلابة، وقسما يشترك فيه المشبه والمشبه به فى الأوصاف العقلية. ويؤكد أن مدار الجمال فى التشبيه والاستعارة على الإتيان بالخيال الغريب غير المألوف. ويعود إلى تقسيمات أخرى فى التشبيه باعتبارات مختلفة، إذ ينقسم باعتبار ذاته إلى أربعة أقسام: مفرد بمركب ومركب بمفرد ومفرد بمفرد ومركب بمركب، وينقسم باعتبار حكمه إلى قبيح وحسن وباعتبار صورته إلى ما يسميه طردا وعكسا وباعتبار أداته إلى مظهر ومضمر. ويعرض الكناية وتعريفات عبد القاهر وابن الأثير وبدر الدين بن مالك وبعض الأصوليين لها، ويقف مع ابن الأثير فى عدّها ضربا من المجاز قائلا إنها «اللفظ الدال على معنيين مختلفين: حقيقة ومجاز من غير واسطة لا على جهة التصريح» ويتحدث عن أقسامها وعن التعريض والتمثيل. وينتقل إلى الكلام عن علم المعانى، مازجا فيه بين مباحث الرازى وابن الأثير وبدر الدين بن مالك وابن الزملكانى، وقد ذكر فيه-على هدى الأخير-المعرفة والنكرة والأحرف الجارة وبعض صيغ الأفعال والأسماء والنفى، وأيضا ذكر على هداه وهدى ابن الأثير صور الالتفات. وتحدث عن الفصل والوصل والحذف والإيجاز وعنده أن الإيجاز قسمان: قسم بالقصر وقسم بالتقرير يريد به المساواة. وعرض المبادئ والافتتاحات والتخلص وصورا من المبالغة، وهو فى كل ذلك يستلهم

стр. 2191

ابن الأثير. وفصّل القول فى علم البديع*على هدى بدر الدين بن مالك، وجعله نوعين: نوعا يتعلق بالفصاحة اللفظية، وينتظم عشرين محسنا بلاغيا من مثل الجناس والترصيع والألغاز، وعدّ من هذا النوع الطباق ومردّه إلى المعنى، ونوعا ثانيا يتعلق بالفصاحة المعنوية وينتظم خمسة وثلاثين محسنا بلاغيّا. وينتقل إلى التكميلات الملحقة بالكتاب، وهى الفن الثالث من فنونه، وهو فن خاص ببيان البلاغة فى القرآن الكريم وآياته، وهو يوضح روعة فصاحته فى حروفه ومفرداته وتراكيبه ويطبّق على تعبيراته ومواطن الجمال فيها علوم المعانى والبيان البديع، ويتحدث فى إفاضة عن إعجازه البلاغى وجمال بيانه ونظمه وفصاحته ودقة معانيه الجمالية الإضافية. وكانت قد نشطت منذ عصر يحيى بن حمزة العلوى البديعيات وهى قصائد فى مديح الرسول ﷺ تتضمن أبياتها كل ألوان البديع ومحسناته، ومن أجل ذلك توضع لها الشروح، وتوزع على المحسنات البديعية فى أبواب متلاحقة، وأول من صنع ذلك على بن عثمان الإربلى المتوفى سنة ٦٧٠ وتبعه صفى الدين الحلّىّ المتوفى سنة ٧٥٠ وتلاحقت بعده سيول من هذه البديعيات فى جميع الأقطار العربية. وممن شارك فى هذا الاتجاه من الجزيرة العربية ابن معصوم (١) الحسينى من أهل المدينة المتوفى سنة ١١١٧ وهو صاحب كتاب السلافة ومطلع بديعيته: حسن ابتدائى بذكرى جيرة الحرم ... له براعة شوق تستهلّ دمى وألف عليها شرحا سماه «أنوار الربيع فى أنواع البديع» وتتضمن ألفاظ الأبيات أسماء المحسنات البديعية، وذكر فى مقدمة شرحه أسماء من سبقوه إلى نظم البديعيات والتأليف محاكيا بذلك أصحاب البديعيات وشروحها قبله. وعلى نحو ما كانت البحوث البلاغية والبديعية نشطة فى الجزيرة العربية كذلك كانت البحوث النقدية ومن خير ما يصور ذلك كتاب تنبيه الأديب على ما فى شعر أبى الطيب من الحسن والمعيب لعبد (٢) الرحمن بن عبد الله باكثير الحضرمى المكى قاضى جدة المتوفى حوالى سنة ٩٧٥ للهجرة وقد بدأ مؤلفه بالحديث عن الفصاحة ثم فتح بابا لعرض وجوه من النقد لنحو خمسين قصيدة للمتنبى مرتبة على الحروف الهجائية وعادة يذكر مطلع القصيدة ثم بعرض الأبيات المستهجنة فيها والمستحسنة، ويعقد بابا ثانيا يتحدث فيه عن السرقات الشعرية وسرقات المتنبى من الشعراء وسرقات الشعراء منه. ثم يسوق خاتمة فى

стр. 2192

بيان وجوه من محاسن المتنبى فى إرسال الأمثال والحكم وينهيه بالثناء عليه وعلى شعره. والكتاب يدل على بصر جيد بمعرفة الشعر ونقده وفيه ما يصور ثقافة هذا الناقد الحضرمى المكى وأنه اطلع على كثير مما كتب عن المتنبى قبله وقد حاول أن يضيف إضافات جيدة فى بيان محاسن شعره ومعايبه، وهو يشيد به فى فواتح كتابه إشادة بالغة وكذلك فى تضاعيفه وفى خاتمته ونهايته. ومن أطرف صحفه الصحف التى تحدث فيها عن السرقات إذ عرض فيها أسماء شعراء متأخرين نابهين كثيرين مما يدل على ثقافته الواسعة بالشعر والشعراء حتى زمنه. ٤ - علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات والكلام . ما قلناه عن التراث اللغوى والنحوى والبلاغى وأنه كان مشتركا بين البلدان العربية على اختلاف أقطارها ينطبق أشد الانطباق على تراث الفقه والحديث والتفسير والقراءات وعلم الكلام، فهو تراث مشترك يدرس فى كل أنحاء الجزيرة العربية كما يدرس فى كل أنحاء العالم العربى، لا فرق بين بلد وبلد ولا بين زمن وزمن. ولم يكن طلاب العلم حينئذ يكتفون بأخذه عن علماء بلدهم، بل كانوا يرحلون إلى لقاء العلماء النلبهين فى كل بلد وخاصة فى العراق والشام ومصر، ليتلقوا العلم عنهم شفاها. ولا يكتفى الطالب بالرحلة مثلا إلى بغداد ولقاء علمائها، بل يرحل إلى بلاد أخرى طامعا فى أن يجمع لنفسه كل ما يستطيع من مواد المعرفة فى علم بعينه أو فى مجموعة من العلوم. وجعل الحجّ والزيارة النبوية مكة والمدينة قبلتين للطلاب والعلماء جميعا، على نحو ما مرّ بنا فى علوم العربية فكان يفد عليهما أنبه العلماء فى العالم الإسلامى، وكثيرا ما ينزلون بهما سنة أو سنوات، وطلاب البلدتين ينهلون من ينابيع علومهم الغزيرة. ونضرب مثلا فى الفقه بالجوينى (١) عبد الملك بن عبد الله النيسابورى شيخ الإسلام العلامة الأصولى الفقيه المتكلم المتوفى سنة ٤٧٨ وقد جاور بمكة أربع سنوات قضى منها شطرا فى المدينة ولذلك سمّى إمام الحرمين، وكان يدرس هناك ويفتى ويجتهد فى نشر العلم بفقه الشافعى، وكان علمه بهذا الفقه قد أحدث دويا هائلا لاسمه فى موطنه وحين نزل بغداد ولقى علماءها وناظروه، ويقولون عنه: وقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، ويقول

стр. 2193

السبكى: «لا يشك ذو خبرة أنه كان أعلم أهل الأرض بالفقة والأصول والكلام وأكثرهم تحقيقا. . وأن الوجود ما أخرج بعده له نظيرا، مما جعل اسمه يطير فى الأقطار وذكره يملأ الديار». ومن تصانيفه فى الفقه الشافعى النهاية فى الفقه ويقول السبكى: «لم يصنف فى مذهب الشافعى مثلها فيما أجزم به» ويذكر له فى أصول الدين أو علم الكلام كتاب الشامل وكتاب الإرشاد كما يذكر له فى أصول الفقه كتاب البرهان غير كتب أخرى. ولم يكن يحضر مجلسه طلاب الفقه والأصول والكلام فى مكة والمدينة فحسب، بل كان يحضره أيضا الوافدون على البلدتين من أقطار العالم الإسلامى، مما جعل اسمه يسير ويشتهر وتضرب به الأمثال. وعاد إلى نيسابور، فبنى له نظام الملك وزير ألب أرسلان السلجوقى مدرسة ليلقى بها محاضراته من مدارسه المعروفة باسم المدارس النظامية وكانت حلقته تضم نحوا من أربعمائة طالب، وحين توفى طافوا ببلده ينوحون عليه وكسروا المحابر والأقلام حزنا وجزعا. والفقهاء بمكة والمدينة كانوا كثيرين، وكان لكل مذهب من المذاهب الأربعة المشهورة: مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعى ومذهب أحمد بن حنبل فقيه يمثله، يسمى مثلا إمام الحنابلة أو إمام المالكية بالحرم ويضم منهم كتاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين للفاسى طائفة كبيرة. وكذلك غيره من كتب (١) التراجم ومن أهم فقهاء مكة المتأخرين ابن حجر الهيثمى المتوفى سنة ٩٧٣ وله شرح كبير على المنهاج للنووى ومصنفات كثيرة. ونلتقى فى مكة بمحدث من كبار المحدثين فى العالم الإسلامى هو محب (٢) الدين الطبرى المكى المتوفى سنة ٦٩٤ شيخ الحرم وحافظ الحجاز وعالمه المولود بمكة سنة ٦١٥ فهو من علماء مكة. وهى مسقط رأسه وموطنه، نشأ بها، وفيها طلب العلم وسمع الحديث على أستاذه أبى الحسن على بن المقيّر، ومما قرأه عليه سنن أبى داود عن أبى الفضل بن سهل الإسفرايينى وعن الخطيب البغدادى وسنن النسائى أبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على عن البزدى عن عبد الرحمن بن محمد الدونىّ. وكانوا يدققون فيمن يذكرونهم من الحفاظ فلابد أن يكونوا حملوا كتب الحديث عن شيوخ نابهين على نحو ما حمل ابن المقير سنن أبى داود

стр. 2194

عن علمين من أعلام الحديث هما الإسفرايينى والبغدادى، فلا يذكرون فقط أخذ كتاب الحديث عن محدث كبير بل يحاولون أن يذكروا عمن أخذه لصحة السند وللثقة بالرواية، وينصون كما رأينا الآن على قراءة التلميذ على شيخه للكتاب كلمة كلمة، وقد يقولون سمعه من شيخه، وكانوا عادة يسمعون الكتاب وفى أيديهم نسخ للمراجعة والمعارضة. وقد يجمعون الحسنيين من السماع على الشيخ للكتاب وقراءته أمامه مرة واحدة، فيقولون: سماعا وقراءة. وقرأ محب الدين الطبرى صحيح البخارى على عبد الرحمن بن حرمى سبط السلفى الحافظ المشهور، وقرأه أيضا على عمين لأبيه وأخ له. وقرأ جامع الترمذى على يعقوب بن أبى بكر الطبرى وصحيح مسلم وصحيح ابن حبان على شرف الدين بن أبى الفضل المرسى، وقرأ الأربعين للحافظ الثقفى على أبى الحسن بن الجمّيزى وكذلك قرأ عليه الأربعين للسلفى، وقرأ الأربعين البلدانية على شعيب الزعفرانى، وقرأ بعض الجمع بين الصحيحين للحميدى عن ابن البطّى، وقرأ على ابن العديم وريحان السّكينى وشيخ الحرم نجم الدين التبريزى جزء الأنصارى. وكان يعنى بالفقه، وقرأ كتاب التنبيه المشهور فى الفقه الشافعى والذى ألفه أبو إسحق الشيرازى على ابن سكينة وتفقه عليه. وسمع بعض كتاب الغريب لأبى عبيدة عن شهدة، وهى إحدى المحدثات الكبيرات. وكأنما تعب من يعدون كتب الحديث والفقه والغريب التى أخذها عن العلماء، فيعقبون على ما سبق بقولهم: وأخذ العلم عن جماعة كثيرين من شيوخ مكة والقادمين إليها. والحرم المكى بذلك كان أشبه بجامعة كبيرة لعلوم الشريعة والعربية. ونقف قليلا عند المشايخ والأعيان الذين تتلمذوا له فمنهم القاضى جمال الدين الطبرى قاضى مكة قرأ عليه فى سنة ٦٤٩ بالروضة بالمسجد النبوى. وهذا يعنى أنه كان يدرس فى المدينة أحيانا. ومن تلاميذه المحدث عبيد الله بن عبد العزيز المهدوى والقطب القسطلانى المصرى ثم المكى ونجم الدين بن عبد الحميد والحافظ الزاهد علاء الدين العطار وقاضى المدينة المنورة شمس الدين بن مسلم والحافظ الدمياطى المصرى المشهور وعلم الدين البرزالى الدمشقى المصرى وقاضى مكة نجم الدين الطبرى وقطب الدين الحلبى وأبو حيان الغرناطى وخلق كثير، كما يقول مترجموه، آخرهم وفاة عثمان بن الصفى الطبرى، وآخر أصحابه بالإجازة الشهاب الحنفى. وأساتذته وتلامذته هم أعلام الحديث فى عصره بالحجاز وبغداد وإيران ودمشق والقاهرة، غير من انتفع به فى الفقه الشافعى، واستدعاه المظفر السلطان الرسولى مرارا، وسمع عليه بعض مروياته وتآليفه ولا بد أنه كان يلقى فى أثناء ذلك محاضراته على الطلاب بزبيد. ونقف مرة أخرى عند مؤلفاته الكثيرة، منها فى الحديث كتاب الأحكام

стр. 2195

الكبرى جمع فيه صحاح الأحاديث وحسانها، وهو فى خمسة أجزاء، وكتاب الأحكام الوسطى مجلد كبير، وكتاب الأحكام الصغرى يتضمن ألف حديث وخمسة عشر، وكتاب المحرر للملك المظفر جمع فيه أحكام الصحيحين، واختصره فى كتاب سماه العمدة، وكتاب الرياض النضرة فى فضائل العشرة المبشرين بجنة الرضوان مجلدان وهو مطبوع، وكتاب ذخائر العقبى فى مناقب ذوى القربى، وكتاب السمط الثمين فى مناقب أمهات المؤمنين، وتقرب المرام فى غريب القاسم بن سلام، وكتاب القرى من ساكن أم القرى جرد فيه أحاديث المناسك من الكتب الستة وغيرها، وغاية بغية الناسك من أحكام المناسك، وصفة حجة النبى ﷺ على اختلاف طرقها وجميع ألفاظها، غير كتب أخرى. ومن مصنفاته الفقهية شرحه على كتاب التنبيه لأبى إسحق الشيرازى فى عشرة أجزاء ونكت كبرى عليه فى أربعة أجزاء وكتاب المسلك النبيه فى تلخيص التنبيه، وكتاب مختصر المهذب، مجلدان. ومما يتصل بالقرآن الكريم: القبس الأسنى فى كشف الغريب والمعنى، والكافى فى غريب القرآن، وكتاب التحفة المدنية، وكتاب مرسوم المصحف العثمانى المدنى. وله مختصر كتاب عوارف المعارف للسهروردى. ومحب الدين الطبرى، بهذا كله رمز كبير لتلك الحركة العلمية التى كانت منبثة فى الحجاز والتى كان شررها يتطاير إلى جميع البيئات فى الجزيرة العربية. ومن الطريف أن المرأة كانت تشارك فيها، وخاصة فى رواية الحديث، فكانت تأخذه عن شيوخه ويأخذه عنها الشيوخ، ومن يرجع إلى الجزء الثامن من كتاب العقد الثمين سيرى عشرات من النساء المحدثات من مكة أو النازلات بها يروى جلّة العلماء عنهن الحديث النبوى. وطبيعى أن تنشط دراسة التفسير فى مكة مع دراسة الحديث، وقد رأينا محب الدين الطبرى بجانب عمله فى الحديث يخدم التفسير خدمات كبيرة، ويقال إنه كان قد نشط لكتابة تفسير جامع غير أنه توفى قبل إتمامه. وقد صنّف بمكة تفسير من أعظم التفاسير، صنفه الزمخشرى فى أثناء مجاورته بها وهو «الكشاف» ومع أنه ضمنه آراءه الاعتزالية أقبل عليه علماء السنة وغيرهم لروعته، ويلقبه الفاسى المالكى بأنه «الإمام الكبير فى التفسير. . كان إمام عصره غير مدافع» ويقول ابن خلكان عن الكشاف وتفسيره للقرآن العزيز بأنه لم يؤلف قبله مثله. وكان يمليه فى مكة على الطلاب، وممن رواه عنه قاضيها أبو المعالى يحيى ابن عبد الرحمن الشيبانى، أخذه عنه بالحرم المكى الشريف، وظل العلماء بعد الزمخشرى يعنون بالكشاف فى التفسير، كما يعنون برواية كتب الزمخشرى المشهورة وإلقائها على

стр. 2196

الطلاب والطالبات بالحرم المكى، ويقال إن أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشّعرية خاتمة الرواة عن الزمخشرى وإن لها منه إجازة تفردت بها عنه، ويقول الفاسى فى العقد الثمين من طريقها وقع لنا حديثه. ومنذ انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى وقراء الذكر الحكيم يعلمون تلاوته وقراءته فى الحرمين المكى والمدنى، ويختار ابن مجاهد فى القرن الرابع قراءة ابن كثير التى كان يقرأ بها أهل مكة وقراءة نافع التى كان يقرأ بها أهل المدينة بين القراءات السبع المشهورة لعصره، وظلت قراءة كل منهما تتداول فى بلدته وينقلها جيل من القراء إلى جيل، وتلقانا فى كتاب طبقات القراء لابن الجزرى أسماء طائفة منهم مثل أبى يحيى المكى المتوفى سنة ٣٤٤ وأبى عبد الله البلخى المولود بمكة المتوفى سنة ٣٧٢ ويكتظ كتاب العقد الثمين بتراجم كثير من القراء فى مكة والمدينة. وكانتا دارين للقراءات وعلوم الشريعة، أما علم الكلام فلم يكن له بهما كبير شأن. وإذا ما تحولنا إلى اليمن وجدنا للفقه فيها نشاطا من قديم منذ معمر بن راشد المتوفى سنة ١٥٣ وإليه ارتحل سفيان الثورى وابن عيينة، وخلفه تلميذة عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١٠ وعنه روى الحديث أحمد بن حنبل وغيره، وخلفه أبو قرة موسى بن طارق. وكان الغالب فى اليمن حتى القرن الثالث مذهبى أبى حنيفة ومالك، ثم أخذ العلماء يعنون بمذهب الشافعى، وفى مقدمتهم موسى بن عمران المعافرىّ وآل زرقان إذ كان منهم عدة فقهاء عنوا بفقه الشافعى. ويقول الجعدى فى كتابه «طبقات فقهاء اليمن»: وخلف هذا الجيل إمام أئمة الشافعية فى صنعاء وعدن القاسم بن محمد القرشى المتوفى سنة ٤٣٧ وهو الذى نشر مذهب الشافعى فى مخلاف الجند وفى صنعاء وعدن وزبيد، وكان قد جمع مع الفقه والحديث وأصول الفقة علم القراءات. وكان يعاصره الصعبى أحمد بن عبد الله وقد شرح مختصر المزنى المصرى صاحب الشافعى-كما يقول الجعدى-فى أربع سنوات مقابلا الكعبة الشريفة. ويخلف القاسم بن محمد مجموعة كبيرة من التلاميذ ينهضون بتعليم فقه الشافعى وبيان مذهبه. ولما ألف أبو إسحاق الشيرازى كتابيه: المهذب والتنبيه فى الفقة الشافعى، وأخذهما عنه حسين بن على الطبرى وأبو نصر البندنيجى وسكنا مكة حمل الفقهاء اليمنيون وغيرهم عنهما الكتابين، كما حملوهما عن تلميذه محمد بن عبدويه الذى سكن عدن مدة ثم انتقل منها إلى زبيد، وكان ينفق على طلبة العلم ويكرمهم كما يقول الجعدى. وينشط الفقه الشافعى أو المذهب الشافعى فى الفقه بتهامة وزبيد نشاطا واسعا،

стр. 2197

ويكثر فقهاؤه، ومن أهمهم يحيى (١) بن أبى الخير شيخ الشافعيين باليمن المتوفى سنة ٥٥٨ وقد تفقه على جماعة، منهم خاله أبو الفتوح بن عثمان العمرانى وزيد بن عبد الله اليفاعى، وقد قرأ كتاب التنبيه للشيرازى على موسى بن على الصعبى، وحفظ كتاب الشيرازى: «المهذب» على عبد الله بن أحمد الهمدانى، وكذلك كتابه «اللمع» وأخذ عن زيد ابن الحسن الفايشى تعليق الشيخ الشيرازى فى أصول الفقة مع ملخصه، وحضر دروس فقهاء كثيرين، وقرأ على القاضى مسلم بن أبى بكر الصعبى كتاب الحروف السبعة فى علم الكلام والتوحيد وأصول الدين لمؤلفة الحسين بن جعفر المراغى، وسمع على الشيخ سالم ابن عبد الله كتاب الجامع للسنن للترمذى، ومما قرأه ونصّ عليه الجعدى شروح المزنى والمجموع للمحاملى والشامل لابن الصباغ والفروع لسليم وشروح المولدات لأبى الطيب والعدة للقاضى حسين بن على الطبرى تلميذ الشيرازى كما أسلفنا والإبانة وشرح التلخيص لأبى على السّنجى وكتاب التبصرة لأبى الفتوح على مذهب السلف الصالح. وكان الفقهاء فى اليمن منقسمين بين أشعرية وأهل سنة ينصرون مذهب الحنابلة مع أنهم شافعية، وكان يحيى بن أبى الخير يختار مذهب أهل السنة ويناظر الفقهاء فى مذهب الأشعرى المتكلم. وكان يذكر لطلابه خلاف الإمامين مالك وأبى حنيفة، وله مصنفات مختلفة، من أهمها فى الفقه الشافعى كتابه الزوائد ألفه فى أربع سنوات وكتابه البيان ألفه فى ست، وكتابه استخراج المسائل المشكلة فى المهذب. ومن الطريف أن الجعدى فى كتابه طبقات فقهاء اليمن يوالى ذكر أسماء جماعات من الفقهاء الشافعية نبغوا فى بيت بعينه، من ذلك أسرة بنى أبى عقامة، ويقول عنهم الجعدى: «وفضائل بنى أبى عقامة مشهورة، وهم الذين نصر الله بهم مذهب الإمام الشافعى فى تهامة» ومن أهمهم أبو الفتوح (٢) عبد الله بن محمد بن على بن أبى عقامة المتوفى سنة ٥٥٠ تفقه على جده على وعلى أبى الغنائم الفارقى، وله مصنفات جيدة منها كتاب الخناثى وفيه نفائس حسنة، قال النووى: لم يسبق إلى تصنيف مثله. وعقد العماد الأصبهانى لهذه الأسرة فصلا فى الخريدة، ويقول الجندى فى كتابه السلوك عن أحدهم، وهو القاضى أبو محمد الحسن بن أبى عقامة: «له كتاب نوادر مذهب أبى حنيفة التى يستشنعها أصحاب الشافعية» وقد صار هذا الكتاب فى اليمن قليل الوجود، لأن الحنفية

стр. 2198

اجتهدت بتحصيله وإذهابه (١)». وكان للحنفية نشاطهم ومن أشهر علمائهم فى القرن الخامس فى اليمن القاضى محمد بن أبى عوف، ويعقد لهم الجعدى فصلا قصيرا فى كتابه يذكر أسماء طائفة منهم، ويقف عند القاضى المذكور، ويقول إنه صنف كتابا بعنوان «القاضى» وهو مشهور فى اليمن والعراق عند الحنفية. واشتهر منهم فى القرن السابع أبو بكر بن عيسى المعروف بابن حنكاش (٢) المتوفى سنة ٦٦٤ وإليه انتهت رياسة الحنفية فى اليمن، ويقال: لو لم يوجد لمات مذهب أبى حنيفة هناك، إذ حمل السلطان نور الدين الرسولى على بناء مدرسة للحنفية بزبيد وكان قد بنى بها مدرسة للشافعية. وكان يقابل فقه الشافعية فى تهامة وزبيد فقه الزيدية فى صعدة من قديم، وكان الأئمة الرسّيون كلما غلبوا على بلد فى اليمن حاولوا أن يشيعوا فيه مذهبهم، حتى إذا تمت لهم الغلبة فى العصر العثمانى أشاعوا مذهب الزيدية، غير أن مركز الشافعية فى زبيد وتهامة ظل ثابتا إلى اليوم. ومعروف أن الفقه الزيدى نشأ مبكرا. فإن زيد بن على زين العابدين بن الحسين المقتول سنة ١٢٢ بالكوفة هو الذى أرسى قواعده فى كتاب فقهى له اشتهر باسم المجموع الفقهى (٣)، وهو أساس الفتوى والأحكام القضائية عند الزيدية، وقد طبع فى القاهرة سنة ١٣٤٠ وطبع قبل ذلك مع شرح له باسم الروض النضير للحسين الخيمى فى أربعة أجزاء سنة ١٣٣٧ وطبع أيضا بشرح شرف الدين السباعى، والشرحان مطبوعان فى القاهرة. وعنى أئمة الزيدية فى اليمن-منذ تأسيس الإمام الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين دعوتهم-بهذا الكتاب فهو عمدتهم فى الفقه والتأليف فيه، وللإمام الهادى كتاب يسمى. كتاب جامع (٤) الأحكام فى الحلال والحرام. ويتكاثر تأليف أئمة الزيدية لكتب الفقه فى اليمن، ونذكر من كتبهم أطرافا، فمن ذلك المنصور بالله عبد الله بن حمزة، له فتاوى كثيرة مجموعة. ومن ذلك الإمام محمد بن المطهر المتوفى سنة ٧٢٨ له المنهاج الجلى شرح مجموع الإمام زيد بن على. ومن ذلك الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة صاحب الطراز الذى تحدثنا عنه فى النشاط البلاغى له كتاب الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار فى ثمانية عشر جزءا. ومن ذلك الإمام المهدى أحمد بن يحيى المتوفى سنة ٨٤٠ له البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار طبع مع تخريج أحاديثه فى خمسة أجزاء، وله أيضا كتاب

стр. 2199

الأزهار فى فقه الأئمة الأخيار وصنع عليه شرحا سماه «الغيث المدرار». وهناك كثيرون من علماء الزيدية، من الأمراء وغيرهم، تعمقوا فى الفقه الزيدى وألفوا فيه وحوله كتبا ومصنفات مختلفة، ومن طريف ما يذكر فى هذا الصدد أن أحد أمراء الزيدية فى القرن التاسع صنف رسالة استبعد فيها إمكان الاجتهاد حينئذ، فرد عليه محمد بن إبراهيم الوزير بكتابه «العواصم والقواصم» فى أربعة مجلدات، واختصره فى كتابه «الروض الباسم فى الذب عن سنة أبى القاسم» وهو مطبوع. وبجانب هذا النشاط الفقهى فى اليمن كان هناك نشاط واسع فى علم الحديث، وهو يبدأ فى الحديث كما بدأ فى الفقه بمعمر بن راشد فله الجامع المشهور فى السنن، ونمضى بعده فى كتاب طبقات فقهاء اليمن فنجد لمحمد بن عبد الأعلى الصنعانى كتاب المنتقى فى السنن، وقلما يذكر فقيه إلا ويذكر معه أنه حمل عنه الحديث، وكثيرا ما يقول الجعدى عن هذا أو ذاك إنه سمع صحيح البخارى، أو سمع موطأ مالك أو جامع السنن للترمذى أو صحيح مسلم أو سنن أبى داود أو سنن النسائى. ومن حين لآخر نجد الجعدى ينعت الفقيه الذى يترجم له بأنه الحافظ المحدث، أو يقول سيف السنة. وبنفس النشاط فى هذه الرواية للحديث كانت بيئة الزيديين تنشط فى روايته وللإمام المنصور بالله المتوفى سنة ٦٧٠ كتاب فى الحديث يسمى الشفاء، وللإمام القاسم المتوفى سنه ١٠٢٩ فى الحديث كتاب الاعتصام. وعنيت اليمن بالتفسير والقراءات كما عنيت بالحديث والفقه، وكان فيها من المفسرين قديما طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس. وهو باب هذه الحركة، ومضى اليمنيون بعده يعنون بكتب التفسير، حتى إذا ظهر تفسير الطبرى أقبلوا على تداوله، ولهم بحوث كثيرة تتصل بناسخ القرآن ومنسوخه وبشرح غريبه. ومر بنا نشاط الفيروزابادى لعهد الرسوليين فى هذا الاتجاه. ونجد الزيديين يعنون بالتفسير وكل ما يتصل به، وقد ذكر بروكلمان لإمامهم زيد مخطوطات مختلفة منها تفسير غريب القرآن المجيد، ومدخل إلى القرآن وتفسير لمواضع منه، وذكر للإمام الهادى مؤسس العقيدة فى اليمن تفسيرا لبعض سور الذكر الحكيم. ولأبى الفتح الديلمى المتوفى سنه ٤٤٠ تفسير للقرآن المجيد، وللإمام المهدى محمد بن المطهر المتوفى سنة ٧٢٨ كتاب عقود العقيان فى الناسخ والمنسوخ من القرآن. ولعل أروع تفسير صنفته اليمن فى عصورها جميعا على الإطلاق تفسير محمد (١)

стр. 2200

ابن على الشوكانى المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ/١٨٣٤ م سماه «فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية فى التفسير» وكان قد بدأ حياته زيديا ونزع إلى الدعوة الوهابية، وهو يعد إماما مجتهدا، وله عشرات المصنفات فى الفقه والأصول وعلم الكلام واللغة. واهتمت اليمن من قديم بالقراءات، ويشتهر من قرائها الأولين أبو قرة موسى بن طارق الذى حمل عن نافع أحد القراء السبعة قراءته التى كان يقرأ بها أهل المدينة، وأذاعها فى اليمن، ومن أعلام القراء هناك زيد (١) بن الحسن الفايشى المتوفى سنة ٤٥٨ وكان عالما بعلوم كثيرة، منها التفسير. ومنها القراءات أخذها عن أبى معشر الطبرى بمكة، وكان شيخ الشافعية والفقهاء باليمن، وعليه تفقه يحيى بن أبى الخير المار ذكره. ومن أعلام القراء أيضا ممن ترجم لهم الجزرى فى طبقاته ابن شداد البرعى على بن أبى بكر الزبيدى شيخ القراء ببلاد اليمن، وكانت إقامته بزبيد أقرأ بها زمنا وأسمع الحديث، توفى سنة ٧٧٠ وخلفه أحمد بن محمد الأشعرى العبدلى شيخ زبيد فى القراءات، ويقول ابن الجزرى: لما دخلت اليمن لازمنى كثيرا وسمع منى نصف كتاب النشر وكتبا أخرى، ويقول إنه أعطاه إجازة بالقراءات العشر (٢). ومعروف نشاط ابن الجزرى فى القراءات، ولا شك أن اليمن أفادت منه كثيرا. وهذا النشاط فى القراءات كان يمتد ليشمل البيئة الزيدية وجميع البلدان اليمنية. وعنيت اليمن فى هذا العصر بالمباحث الكلامية، وظلت عنايتها بها متصلة، وقد توزع فقهاءها من غير الزيديين منزعان: منزع أشعرى ومنزع أهل السنة، وكانت الكثرة تنزع المنزع السنى، ونجد ذلك واضحا فى تأليف الكتب التى تعنى بنقض آراء المعتزلة، مثل «كتاب الحروف السبعة فى الرد على المعتزلة وغيرهم من أهل الضلال والبدعة» للمراغى (٣) ومثل كتاب يحيى بن أبى الخير الذى تحدثنا عنه آنفا بين الفقهاء، وقد جعل عنوانه: «الانتصار فى الرد على المعتزلة القدرية الأشرار» وفى مقدمته أنه ألفه للرد على شمس الدين جعفر بن أحمد بن عبد السلام، أحد علماء الزيدية، وكان قد ألف كتابا انتصر فيه لرأى المعتزلة بأن الناس يخلقون أفعالهم، وأيضا لرأيهم بأن القرآن مخلوق وغير ذلك من آرائهم. وحاول يحيى بن أبى الخير تفنيد آرائه الاعتزالية، إذ رد عليه برسالة ذكر فيها الأخبار المروية عن الرسول ﷺ فى التحذير من القدرية. ولم يكد يقرأ رسالته شمس

стр. 2201

الدين حتى نقضها بكتاب سماه «الدامغ للباطل من مذهب الحنابل» فأثار حفيظة يحيى ابن أبى الخير، ورد عليه بهذا الكتاب ردا عنيفا، وأضاف إلى المعتزلة فى الكتاب الأشعرية وأجحف بهم، مما جعل الشريف العثمانى الأشعرى يناظره ويجادله فى مذهب الحنابلة أهل السنة (١). ومعروف أن زيد بن على زين العابدين صاحب مذهب الزيدية ومؤسسه تتلمذ لواصل ابن عطاء رأس المعتزلة ولذلك كان الزيدية جميعا ينتظمون فى المعتزلة، مما جعل الاعتزال يستقر فى مباحثهم، كما جعلهم يكثرون من هذه المباحث، ومن يرجع إلى الجزء الثالث من تاريخ الأدب العربى لبروكلمان سيجد للقاسم بن إبراهيم الرسى جد الإمام الهادى مؤسس مذهب الزيدية فى اليمن كتاب أصول العدل والتوحيد ونفى الجبر والتشبيه، وكتاب الأصول الخمسة وقد كتب فيها القاضى عبد الجبار أكبر معتزلى فى نهاية القرن الرابع الهجرى شرحا مطولا، وللإمام الهادى كتاب المسترشد فى التوحيد، وللإمام المهدى المتوفى سنة ٤٠٣ كتاب الأدلة على الله ومختصر فى التوحيد. وتتوالى كتب كلامية كثيرة فى بيئة الزيدية، من ذلك شرح القلائد فى علم الكلام للإمام المهدى أحمد بن يحيى المتوفى سنة ٨٤٠ وكتاب الأساس فى علم الكلام للإمام القاسم المنصور بالله المتوفى سنة ١٠٢٩. ولم تؤلف هذه البيئة فى الاعتزال وحده، بل ألفت أيضا كتبا فى رجاله، وكتاب ابن المرتضى فى المعتزلة مشهور. ولم تكن حضرموت بعيدة عن كل هذه الحركة الثقافية فى اليمن والحجاز، فقد كان طلاب العلم فيها والعلماء يفدون بصورة منتظمة على اليمن ومكة والمدينة لحمل العلم وتلقينه، ويلقانا منهم كثيرون فى كتب التراجم، وعادوا أو عادت كثرتهم إلى موطنهم فى تريم وشبام وغيرهما من بلدان حضرموت وسرعان ما أخذت فى تلقينه للشباب. وبذلك كان هناك تواصل منظم بين حضرموت والعلماء اليمنيين والمكيين، بل منهم من كان يرحل فى طلب العلم إلى بغداد وغير بغداد، ويعود محملا بالكتب وبالإجازات العلمية التى تتيح له روايتها ونشرها. ويقول الرواة إن مجلس الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعى اليمنى المتوفى سنه ٥١٤ كان يغصّ بالفقهاء من حضرموت (٢)، ويذكر الجعدى من تلاميذ الفقيه يحيى بن أبى الخير الذى مر بنا فى الحديث عن فقهاء اليمن محمد (٣) بن عبد الله الحضرمى من تريم حاضرة حضرموت وأيضا محمد بن مفلح الحضرمى وهو الذى طلب إليه تأليف كتابه

стр. 2202

«استخراج المسائل المشكلة فى المهذب» لأبى إسحق الشيرازى وأجابه إلى طلبه (١). ويذكر الجعدى من فقهاء حضرموت أبا زنيج وأبا جحوش وأبا أكدر قاضى تريم وقد جمع بين الفقه والقراءات السبع (٢)، وفى كتاب الجعدى فقيهان من شبوة بحضرموت هما عيسى بن مفلح وأحمد (٣) بن سليمان. ويقول المؤرخون إنه قتل كثير من فقهاء حضرموت وقرّائها فى الحملة التى وجهها نائب توران شاه من عدن إلى حضرموت. ويشيد السبكى بقطب (٤) الدين الحضرمى شارح المهذب المتوفى سنة ٦٧٦ ويقول «تفقه به خلائق» وله مصنفات كثيرة. وفى ذلك ما يدل على نشاط الفقهاء والقراء هناك. وكانوا يعنون إلى جانب ذلك بالحديث والتفسير. ويحدثنا السقاف فى كتابه تاريخ الشعراء الحضرميين عن فقهاء كثيرين ترجم لهم، نذكر منهم ابن عقبة المتوفى فى عدن سنة ٦٩٥ وعلى بن أبى بكر السقاف المتوفى سنة ٨٩٥ وعبد الله بن عمر بامخرمة المتوفى سنة ٩٧٢ وعلى بن عبد الرحيم باكثير المتوفى سنة ١١٤٥ وعبد الله بن حسين بن طاهر المتوفى سنة ١٢٧٢. وممن ذكرهم السقاف من المحدّثين عمر بن عبد الرحمن المتوفى بتعزّ فى سنة ٨٨٩ وقد رحل إلى اليمن ومكة وكان يقرأ للناس الصحيحين، ومثله حسين بن عبد الله العيدروس المتوفى سنة ٩١٧. وكثيرا ما ينعت السقاف أشخاصا بأنهم محدثون. وممن نعتهم بأنهم مفسرون ومحدثون عبد الرحمن ابن على السقاف المتوفى سنة ٩٢٣. ومن مقرئيها العظام محمد ابن إبراهيم بن أبى مشيرح الحضرمى المجاور بمكة مقرئ الحرمين صاحب كتاب المفيد فى القراءات الثمان، وقد أشاد به وبكتابه ابن الجزرى، وقال إنه توفى فى سنه ٥٦٠ وإنه قرأ بكتابه المذكور على الشيوخ المصريين (٥) وممن ذكرهم السقاف من المقرئين محمد بن عمر بن مبارك المتوفى سنة ٩٢٢ وقال: له مختصر نهاية الناشرى فى القراءات وشرح الجزرية. ويذكر السقاف ممن عنوا بعلم الكلام شيخ بن عبد الله العيدروس المتوفى سنة ٩٩٠ ويذكر له مصنفات فى علم التوحيد، وكان المقرئ محمد بن عمر بن مبارك يهتم بعلم الكلام وينهج منهج أهل السنة. وهذه الصورة من النشاط العلمى لحضرموت هى صورة ظفار وعمان والبحرين، ونجد لظفار فقيها ينسب إلى مينائها مرباط هو مفتيها محمد بن على القلعى، ويقول الجعدى: له مصنفات حسنة، منها قواعد المهذب وغيره (٦). ولا ريب فى أن النشاط العلمى فى دراسة

стр. 2203

الفقه والحديث والتفسير والقراءات ظل محتدما فى عمان لزمن بنى مكرم وبنى نبهان، أما فى نزوى عاصمة الخوارج وحين أصبح لهم حكم عمان فى العصور المتأخرة فكانوا يعنون بالحديث وقراءات القرآن وتفسيره، وقد عنوا طويلا بمسند الربيع بن حبيب بن عمر الأزدى الإباضى المتوفى سنة ١٧٠ وهو أقدم كتب المساند المعروفة فى الحديث النبوى، وانصبّت عنايتهم الفقهية والكلامية على التأليف فى عقيدتهم الإباضية. وفرقتهم، كما قدمنا، أكثر فرق الخوارج اعتدالا، وأقربها إلى الجماعة، ونصب إمام المسلمين عندهم واجب، وتجب طاعته ما اتخذ الحق والعدل شعاره، فإن جار ولم يتب وجبت الثورة عليه، ومر بنا حديث عن عقيدتهم فى الفصل الماضى. وكانت البحرين مثل عمان نشطة فى دراسة علوم الدين الحنيف، وكانت تدخل فى دائرة بغداد ومدن العراق مثل البصرة والكوفة، فكان طلابها وعلماؤها لا يزالون ذاهبين آيبين من العراق وإليه. وكان كثير من علماء العراق يرحل إلى البحرين، ويتخذها مقاما له وموطنا، وظلت هذه الصلة العلمية مستمرة حتى نهاية هذا العصر. وكانت علوم الشريعة مطروحة فى كل مسجد، وظلت حلقاتها قائمة، واشتهر كثير من الأسر بتوارثها للعلوم الشرعية واللغوية مثل آل عبد الجبار وآل عمران وآل عبد القادر وآل مبارك، وبرز من بينهم الشيخ سلمان آل عبد الجبار بأخرة من العصر وله مصنفات مختلفة فى المباحث الكلامية وشروح على تهذيب المنطق للتفتازانى وكتاب إيساغوجى (١) وشاع هناك مذهب مالك قبل دخول المذهب الحنبلى مع الوهابيين، وكانوا يعنون دائما برواية كتب الحديث وخاصة الصحاح الستة. ومنذ دخلت الأحساء فى المملكة السعودية سنة ١٣٣١ عمّت فيها كتب محمد بن عبد الوهاب وأهل السلف، غير أن هذا لا يدخل فى عصرنا إنما يدخل فى العصر الحديث. ولم تكن نجد طوال هذا العصر غائبة عن الحركة العلمية العامة فى البلاد العربية، فقد كانت كتب الفقه والتفسير تدرس فى قرى نجد، وظل ذلك إلى الأزمنة المتأخرة، إذ نجد من ترجموا للشيخ محمد بن عبد الوهاب يذكرون أنه لزم الشيخ عبد الرحمن بن أحمد فى قريته تريم ست عشرة سنة، وأنه قرأ عليه فيها صحيحى البخارى ومسلم ومسند ابن حنبل وأنه تركه إلى الشيخ حسان التميمى فى قرى القصيم حيث تتلمذ عليه فى علم الفقه والتفسير سبع سنوات. ورحل بعد ذلك إلى المدينة وأخذ عن علمائها، ثم رحل إلى العراق

стр. 2204

وتتلمذ على بعض شيوخ البصرة وعاد إلى موطنه وتعاقد مع الأمير محمد بن سعود، كما مر فى الفصل الماضى، على نشر عقيدته. وهى ليست عقيدة جديدة بل هى عقيدة أهل السنة من السلف وإمامهم ابن حنبل وأشهر من ساروا على دربه ابن تيمية. وكان ابن عبد الوهاب ينشر دعوته فى محاضراته ومؤلفاته. ومرّ بنا كتاب التوحيد، ومجموعة التوحيد ومنها رسالة كشف الشبهات ومختصر زاد المعاد لابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية وكتاب الكبائر ومعرفة العبد ربه ودينه ونبيه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكتاب المسائل وكتاب الثلاثة الأصول فى معرفة الله ودين الإسلام والرسول إلى غير ذلك من مصنفات بث فيها دعوته الوهابية. وتوالت بعده فيها مصنفات كثيرة منها: جواب أهل السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والزيدية لعبد الله ابنه، ولسليمان بن عبد الله تيسير العزيز الحميد فى شرح كتاب التوحيد. واتسع التأليف فى الدعوة مبكرا وراء نجد، إذ نجد محمد بن على الشوكانى اليمنى يؤلف فيها كتابه نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخيار. ٥ - التاريخ نشطت كتابة التاريخ فى الجزيرة العربية كما نشطت فى كل بلد عربى، ونبدأ بالحديث عن هذا النشاط فى الحجاز، ومن أهم ما يلقانا عن مكة كتاب الأزرقى «أخبار مكة» وهو كتاب مبكر. وأهم المصنفات التى تلقانا عنها فى هذا العصر مصنفات الفاسى (١) أبى الطيب محمد بن أحمد الحسنى المولود بمكة سنة ٧٧٥ وفيها نشأ وتكوّن علميا حتى أصبح من علمائها الأفذاذ، وسرعان ما تحول مدرسا يفيد الطلاب من علمه. وتقلد منصب شيخ الحرم المكى إلى أن توفى سنة ٨٣٢ وعنى بتاريخ مكة، فصنف فيها كتابه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» فى مجلدين، وهو مطبوع، وأهم منه كتابه «العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين» الذى نرجع إليه، وهو فى ثمان مجلدات، افتتحها بالحديث عن مكة تاريخيّا وجغرافيّا ثم أجمل السيرة النبوية، وأتبعها بالتراجم حتى عصره مبتدئا بالمحمدين، ولم يترك حاكما ولا عالما ولا مؤذنا ولا مجاورا بمكة ولا شاعرا إلا أسهب فى الترجمة له،

стр. 2205

وهو بذلك تاريخ كامل لمكة: سياسى وثقافى وأدبى وحضارى. وللديار (١) بكرى المكى المتوفى سنة ٩٩٠ سيرة نبوية بعنوان «الخميس فى أحوال أنفس نفيس» فى مجلدين كبيرين، طبعت مرارا، وفيها تفصيل طويل عن تاريخ الكعبة. وكان يعاصره قطب الدين (٢) النهروالى المكى، وكان مفتيا ومدرسا، إلى أن توفى سنة ٩٩٠ وله «الإعلام بأعلام بلد الله الحرام» تحدث فيه عن تاريخ مكة وحكامها إلى زمنه فى عهد العثمانيين، طبع مرارا. ولمكة مؤرخ عام هو عبد الحى (٣) بن العماد الحنبلى المتوفى بمكة سنة ١٠٨٩ وله «شذرات الذهب فى أخبار من ذهب» وهو كتاب تراجم مرتب على السنوات حتى سنة ألف للهجرة. ومن مؤرخى مكة المتأخرين أحمد زينى دحلان المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ/١٨٨٦ م وله: «خلاصة الكلام فى أمراء البلد الحرام». وللمدينة بدورها مؤرخوها وفى مقدمتهم محمد بن الحسين بن زبالة الذى ألف كتابا فى تاريخ المدينة سنة ١٩٩ للهجرة ومن مؤرخى العصر الذى نحن بصدده، بل قل من أشهرهم نور الدين السمهودى (٤) المصرى المجاور بالمدينة حتى وفاته سنة ٩١١ وهو صاحب كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، والكتاب دائرة معارف كبيرة فى جغرافية المدينة وتاريخها وأخبارها طبع بمصر فى مجلدين وطبع مختصر له باسم «خلاصة الوفا». ومن مؤرخى المدينة ابن خضر المدنى المتوفى فى أوائل القرن الثانى عشر، وله مخطوطة فى طبقات الحنفية بدار الكتب المصرية. وجاء بعده جعفر البرزنجى (٥) المتوفى سنة ١١٧٩ وله قصة المولد النبوى، طبعت بمصر مرارا منفردة ومع شرح لحفيده جعفر بن إسماعيل. وتكتظ اليمن بالمؤرخين ومصنفاتهم التاريخية ومن أقدمهم على بن محمد بن عبيد الله العلوى الذى صنف كتابا فى سيرة الإمام الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين مؤسس المذهب الزيدى باليمن عقب مبايعته بالإمامة سنة ٢٨٣ وصنف بعده بقرن الحسن بن أحمد بن يعقوب كتابا فى أخبار المنصور بالله القاسم الرسىّ المتوفى سنة ٣٩٣ للهجرة. وتنشط الكتابة التاريخية باليمن، ويلقانا من مؤرخيها جياش بن نجاح أمير زبيد المتوفى سنة ٤٩٨ وله كتاب «المفيد فى أخبار زبيد» فقد ولم يصل إلينا، غير أن عمارة اليمنى المتوفى سنة ٥٦٩ اختصره فى

стр. 2206

كتاب سماه «مختصر المفيد فى أخبار زبيد» وقد طبع فى القاهرة. ويشتهر عمارة (١) بكتاب له فى تاريخ اليمن نشره كاى ثم نشر فى القاهرة، وهو يؤرخ فيه لليمن وأحداثها حتى عصره، وله كتاب سماه «النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية» تحدث فيه عن الوزراء فى آخر العهد بالفاطميين، وهم طلائع بن رزيك وشاور والكامل ابنه، وطبع هذا الكتاب بشالون فى آخر القرن الماضى وطبع معه ديوانه. ومرّ بنا ذكر طبقات فقهاء اليمن مرارا، وهو لعمر (٢) بن على بن سمرة الجعدى المتوفى لأواخر القرن السادس الهجرى. وللقاضى حميد (٣) بن أحمد المحلى المتوفى سنة ٦٥٢ مصنفان تاريخيان هما «الحدائق الوردية فى سير الأئمة الزيدية» و «محاسن الأزهار فى فضائل العترة الأخيار» ومن مؤرخى اليمن الجندى (٤) بهاء الدين محمد بن يوسف المتوفى سنة ٧٣٢ وله «السلوك فى طبقات العلماء والملوك» ويتضح من عنوانه أنه يؤرخ فيه لحكام اليمن وعلمائها من كل صنف، ومرّ بنا ذكر السلطان الأشرف الرسولى وكتبه، وللسلطان الأفضل عباس (٥) الرسولى المتوفى سنة ٧٧٨ كتاب «العطايا السنية والمواهب الهنية فى المناقب اليمنية». ومن مؤرخى اليمن اليافعى عبد الله بن أسعد بن عفيف نزيل مكة المجاور بها حتى وفاته سنة ٧٦٨ وله كتاب مرآة الجنان فى التراجم العامة وهو مطبوع. ويلقانا مؤرخ كبير هو أبو الحسن الخزرجى (٦) المتوفى سنة ٨١٢ وكتابه العقود اللؤلؤية فى تاريخ الدولة الرسولية كتاب نفيس وهو يؤرخ لتلك الدولة حتى وفاة السلطان الأشرف إسماعيل سنة ٨٠٣ وكان من كبار الفقهاء والقراء والمحدّثين فى عصره وقد رتب كتابه ترتيبا زمنيا محكما، وترجم للسلاطين الرسوليين ترجمات دقيقة. وهو لا يعرض فى الكتاب التاريخ السياسى فحسب بل يعرض أيضا التاريخ الثقافى والحضارى عرضا مفصلا، وهو مطبوع فى مجلدين كبيرين. وجاء بعده مؤرخ مهم هو ابن الدّيبع (٧) أبو عبد الله عبد الرحمن الزبيدى، وكان محدثا كبيرا درس الحديث فى الجامع الأعظم بزبيد وتوفى سنة ٩٤٤ وله مصنفات تاريخية متعددة، منها قرة العيون بأخبار اليمن الميمون

стр. 2207

حتى سنة ٩٢٣ وقد اعتمد على الخزرجى فى دولة الرسوليين، ثم أضاف إليه دولة بنى طاهر التى خلفتهم ويعد أول من عنى بالتاريخ لها. ومن كتبه التاريخية بغية المستفيد فى أخبار مدينة زبيد وهو يعرض تاريخها مفصلا حتى المائة التاسعة للهجرة. ومن الكتب الجيدة التى ألفت فى القرن العاشر تاريخ ثغر عدن لبا مخرمة (طبع ليدن). وتلقانا بعده كتب كثيرة فى أئمة اليمن وفى الحكام العثمانيين، من ذلك ما كتبه الجرموزى المتوفى سنة ١٠٧٧ عن تاريخ الإمام المؤيد بالله بن القاسم، وقد سماه «الجوهرة المضية فى تاريخ الخلافة المؤيدية» وكتب عن تاريخ المنصور بالله القاسم بن محمد المتوفى سنة ١٠٢٩ كتابا سماه «النبذ المشيرة إلى جمل من عيون السيرة». وصنّف يحيى بن الحسين بن المؤيد بالله اليمنى فى أواخر القرن الحادى عشر تاريخا لليمن حتى سنة ١٠٤٥ باسم أنباء الزمن فى أخبار اليمن». وليوسف بن يحيى الصنعانى المتوفى حوالى سنة ١١٢٠ كتاب مشهور لم يطبع هو كتاب «نسمة السحر فيمن تشيّع وشعر» ويتضمن عشرات التراجم لشعراء شيعيين من حين ظهور الشيعة إلى عصره. ولمحمد بن على الشوكانى العالم النابه كتاب فى التراجم لمن بعد القرن السابع حتى عصره فى القرن الثالث عشر سماه «البدر الطالع» وهو أحد المراجع التى يتكرر ذكرها فى هذا الجزء. وهناك كتب أخرى كثيرة نفيسة مثل منتخبات فى أخبار اليمن للهمدانى، ومثل النور السافر فى تراجم القرن العاشر لعبد القادر العيدروس المتوفى سنة ١٠٣٨ وذيّل عليه جمال الدين الشلى الحضرمى بكتاب سماه «السناء الباهر بتكميل النور السافر». ولنجد كتب تاريخية مختلفة فى الحقب المتأخرة منها «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوى الإسلام» لحسين بن غنام الأحسائى المتوفى سنة ١٢٢٥ هـ/ ١٨١٠ م وفيه يوضح تاريخ نجد ودعوة محمد بن عبد الوهاب ورسائله وآراءه والقتال فى سبيل الدعوة، وهو يكثر من السجع فى كتابه. ويليه فى الأهمية كتاب عنوان المجد فى تاريخ نجد لعثمان بن بشر المتوفى سنة ١٢٩٠ هـ/١٨٧٣ م وهو تاريخ على السنوات يبتدئ بسنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٤ م وينتهى بسنة ١٢٦٨ هـ/١٨٥١ م أى من حين نزول محمد بن عبد الوهاب فى «الدرعية» ووضع الأمير محمد بن سعود يده فى يده لنصرته حتى وفاة فيصل بن تركى. وضمن الكتاب أحداثا سابقة للدعوة منذ تأسيس السعوديين لإمارتهم فى الدرعية بمنتصف القرن التاسع للهجرة، وأسلوب الكتاب مرسل خال من السجع. ويلى الكتابين السالفين فى الأهمية كتاب «عقد الدرر فيما وقع فى نجد من الحوادث فى آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر» لإبراهيم بن صالح بن عيسى وهو يبتدئ من حين انتهى ابن بشر سنة ١٢٦٨ ويستمر حتى سنة ١٣٤٠ هـ/١٩٢١ موزعا حديثه التاريخى على السنوات.

стр. 2208

الفصل الثالث نشاط الشعر والشعراء ١ - الشعر على كل لسان ظل الشعر حيا يجرى على الألسنة فى الجزيرة العربية طوال هذا العصر، ومعروف أنه منها نبع قديما وأن ينابيعه كانت تمتد فى شمالى الجزيرة وشرقيها وغربيها، أو قل فى الجزيرة جميعها، باستثناء اليمن فى العصر الجاهلى أو بعبارة ادق باستثناء أعماقها، إذ كانت اليمن الشمالية قد أخذت فى التعرب واستخدام الفصحى، ولم تبق إلا أنحاء قليلة تتكلم الحميرية، بينما كانت العربية تنتشر فى اليمن بإزاء الحجاز وفى نجران وفى حضرموت وبين أزد عمان. وتم تعرب اليمن سريعا بعد الإسلام أو قل تم تعرب ما كان قد بقى منها يتحدث الحميرية. ونحن لا نصل إلى هذا العصر الذى نؤرخ له والذى يبتدئ بسنة ٣٣٤ للهجرة حتى نشعر بنشاط واضح للشعر والشعراء فى كل أنحاء الجزيرة، وكانت الحجاز-وخاصة مكة-دارا كبيرة للشعر والشعراء، وتزخر كتب التراجم بأشعارهم لا أشعار من هاجروا إليها وأمضوا فيها بقية حياتهم أو من ظلوا بها أعواما طويلة فحسب فإن ذلك أكثر من أن يحصى أو يستقصى، بل أيضا أشعار الشعراء من أهلها الذين ولدوا بها وأنفقوا حياتهم فيها. وكانوا يستمعون إلى من يفد عليها من الشعراء ويقيم فيها بين ظهرانيهم، فكان ذلك غذاء سائغا لشاعرياتهم. وكانوا يقرءون دواوين الشعراء المشهورين، وكثير منهم كانت لديه ملكة شعرية خصبة. ولا بد أن نلاحظ أن لغة شعرهم الفصحى لم تكن هى نفس لغتهم اليومية، فمن قديم لم يأخذ علماء اللغة فى القرنين الثانى والثالث للهجرة اللغة والشعر عن المدينة ومكة لنزول كثير من الموالى بهما ومعيشتهم فيهما، وقد ذكرنا فى كتاب العصر الإسلامى أن عدد القتلى من الموالى فى موقعة الحرة بالمدينة لعهد يزيد بن معاوية كان خمسة آلاف بينما كان عددهم من العرب ثلاثة آلاف مما يؤكد أن أكثر سكان المدينة حينئذ كانوا

стр. 2209

من الأعاجم. ولابد أن الأعاجم بمكة كانوا أكثر من سكانها الأصليين فى هذا التاريخ وهو منتصف القرن الأول للهجرة أو قل بعده بنحو ثلاثة عشر عاما، فما بالنا فى هذا العصر؟ إن المعقول الذى يتفق مع حقائق الأشياء أن تكون نسبة الأعاجم إلى العرب فى المدينتين المقدستين زادت زيادة كبيرة، وهى زيادة أعدت فى هذا العصر لشيوع لغة عامية متداولة على ألسنة العامة، لغة تكثر فيها الألفاظ الأعجمية الدخيلة، ويكثر فيها التحريف فى مقاطع الكلمات ونبراتها. وعلى الرغم من ظهور هذه اللغة العامية كانت لا تزال الفصحى حية بفضل القرآن الكريم وحفظه واستظهاره، وكان هناك أساتذة كثيرون للعربية يعلمونها الناس، وكان الحرمان جامعتين كبيرتين تدرس فيهما جميع مواد الثقافتين الإسلامية والعربية، وكان وراءهما مدارس وكتاتيب، وكل ذلك عمل على أن تظل العربية مزدهرة، ويظل كثيرون ينظمون الشعر العربى الفصيح. ولم تكن العناصر الأجنبية فى اليمن كثيرة. ومع ذلك كان ينزلها الأحباش والإفريقيون بكثرة، ومرّ بنا أن الأحباش كونوا لأنفسهم فى حقبة إمارة فى زبيد، وكان ينزل فى عدن قليلون من الهنود الذين كانوا يتجرون مع اليمنيين، ويبدو أن العناصر الإفريقية-وهى الكثيرة-كانت تتعرب سريعا. وليس معنى ذلك أنه لم تتكون فى اليمن على مر الزمن لغة عامية، ولكن معناه أن هذه اللغة هناك تأخرت بالقياس إلى مكة والمدينة، حتى القرن السادس الهجرى على الأقل فى بعض أنحائها، فعمارة اليمنى المتوفى سنة ٥٦٩ للهجرة يحكى فى كتاب المفيد فى أخبار زبيد أنه حين دخل من تهامة اليمن إلى مدينة زبيد فى سنة ٥٣٠ ليطلب الفقه وهو دون العشرين من عمره تعجب الفقهاء فى جميع المدارس التى ألمّ بها فى تلك البلدة من أنه لا يلحن فى شئ من الكلام، ومن قوله: «وجبلا عكاد فوق (قرية) الزرائب (موطنه) أهلهما باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم ولم تتغير لغتهم. . ولما زارنى والدى وسبعة من إخوتى فى زبيد تحدّثوا مع الفقهاء فلا والله ما لحن واحد منهم لحنة واحدة أثبتوها عليه» (١). ويتضح من كلام عمارة أن المدن اليمنية مثل زبيد كان أهلها يلحنون فى لغتهم اليومية منذ القرن السادس الهجرى، أما تهامة والبوادى وأهل الجبال فكانوا لا يزالون ينطقون بالفصحى نطقا سليما. ويبدو أن أنحاء كثيرة من اليمن ظلت إلى عصور متأخرة تلفظ العربية لفظا صحيحا، بل يقال إنه لا يزال إلى اليوم من يتحدثون بها فى بعض تلك الأنحاء حديثا غير ملحون، إذ يقول صاحب المخلاف السليمانى إن الفصحى لا تزال صحيحة لم تتغير فى هذا المخلاف الذى يطلق عليه الآن اسم عسير، وقد ضمّ إلى

стр. 2210

المملكة العربية السعودية بأخرة، ويصور ذلك تصويرا مسهبا فؤاد حمزة إذ يقول: «أفصح اللهجات (فى الجزيرة) وأقربها إلى الفصحى فيما نعتقد اللهجات الواقعة ما بين جنوبى الحجاز وشمالى اليمن (عسير) وكثيرا ما سمعنا أهل هذه البلاد يلفظون الكلمات من مخارجها الصحيحة ويتكلمون بما هو أقرب إلى الفصيح من سواه. وبعض البدو من أهل هذه المنطقة يخرجون جملا يظن منها الإنسان أنهم تمرنوا فى المدارس على إخراجها على ذلك النحو بينما أن الحقيقة هى بخلاف ذلك، لأنهم يتكلمون بالسليقة وعلى البديهة، فيجئ كلامهم فصيحا معربا لا غبار عليه. ويستعملون ألفاظا نظنها فى الأقطار العربية المتمدنة مهملة متروكة، ولكنهم هم يستعملونها على البداهة» (١). وليس معنى ذلك أن اليمن لم تعرف لنفسها لغة عامية كما عرفت الأقاليم العربية الأخرى، بل معناه أنها لم تسارع إلى إحداث هذه اللغة، ولكنها على كل حال أخذت فى إحداثها بالمدن منذ القرن السادس الهجرى، كما يدل كلام عمارة السابق فقد عجب فقهاء زبيد من أنه يوجد فى بعض أنحاء اليمن قوم يتكلمون الفصحى ولا يخطئهم السداد فيها، مما يدل بوضوح على أن اللحن كان قد فشا على ألسنة أهل المدن، وأخذت تتكوّن بسرعة هناك لغة يمنية عامية. وكان ثراء اليمن عاملا مهما فى أن يعنى حكامها بالعربية وبالعلوم الإسلامية ومرّ بنا كيف أن دولة الرسوليين نهضت نهضة عظيمة بالثقافة والعلوم فى اليمن، وقد أنشأت عشرات المساجد والمدارس وخاصة فى زبيد وتعزّ وصنعاء وعدن، وكل ذلك عمل على أن تظل العربية مزدهرة فى اليمن وأن تظل الأشعار تجرى على الألسنة. غير أنه يلاحظ أنه أخذت تنظم هناك، كما كان الشأن فى البلاد العربية الأخرى أشعار عامية. ولا نعرف متى ظهرت بواكير هذه الأشعار بالضبط، وإذا احتكمنا إلى تاريخ أول أغنية عامية سجلها الدكتور محمد عبده غانم فى كتابه النفيس: «شعر الغناء الصنعانى» وجدنا هذا التاريخ يرجع إلى القرن الثامن الهجرى، وهى للشاعر شهاب الدين أبى محمد أحمد بن فليته، وقد اشتهر زمن السلطان الرسولى المجاهد على الذى حكم من سنة ٧٢١ حتى سنة ٧٦٤ ويسهب الدكتور غانم فى بيان خصائص هذه الأغانى اليمنية العامية من زمن ابن فليتة إلى نهاية الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجرى. ويقول إنها جميعا من الشعر الحمينى وهو اسم خاص بالشعر العامى اليمنى الذى لا يلتزم قواعد الفصحى النحوية والاشتقاقية، كما لا يلتزم عروضها. وتكثر فيه المسمّطات والموشحات. وتبدو المحاكاة واضحة بينه وبين الموشحات والأزجال الأندلسية. ويوضح الدكتور غانم
следующие страницы →