وما يلبث أن يرجع إلى استثارة فاطمة بمغامرة جريئة له مع من كنى عنها ببيضة خدر لا يرام خباؤها، مصورا كيف اقتحم إليها الأهوال والأحراس وكيف انتحى بها ناحية من الحى يتبادلان فيها الصبابة والغرام، يقول:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتّعت من لهو بها غير معجل (١)
تجاوزت أحراسا وأهوال معشر ... علىّ حراص لو يشرّون مقتلى (٢)
إذا ما الثّريّا فى السماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل (٣)
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل (٤)
فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك العماية تنجلى (٥)
خرجت بها تمشى تجرّ وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحّل (٦)
فلما أجزنا ساحة الحىّ وانتحى ... بنا بطن حقف ذى ركام عقنقل (٧)
إذا التفتت نحوى تضوّع ريحها ... نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل (٨)
إذا قلت هاتى نوّلينى تمايلت ... علىّ هضيم الكشح ريّا المخلخل (٩)
فهو يذكر خدرها وأحراسها ومنعتها، وكيف وصل إليها وقد استعدّت للنوم وما كان بينه وبينها من حوار، وكيف أطاعته وخرجت معه من الحى إلى مكان بعيد
стр. 247
لا تراهما فيه العيون، وكيف كانت تعفّى آثار أقدامهما بأذيال ثوبها الموشى.
واسترسل يصف محاسنها ومفاتن جسدها وأطرافها، مصورا كيف تستصبى الرجال وتعبث بقلوبهم.
ومن يقرأ هذه المغامرات القصصية عند امرئ القيس تفد على ذهنه توّا مغامرات ابن أبى ربيعة فى غزله، لا من حيث حواره مع النساء وحكايته لأحاديثهن وكلامهن فحسب، بل أيضا من حيث وصف الدبيب إليهن فى الليل ومنعة أحراسهن على نحو ما تصور ذلك رائيته المشهورة:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر
وقد لاحظ طه حسين هذا التشابه فى غزل الشاعرين، فأنكر ما ينسب إلى امرئ القيس من هذا الغزل القصصى الصريح وقال إنه انتحل انتحالا، انتحله بعض القصاص على غرار ما وجدوا منه عند ابن أبى ربيعة (١). وليس هناك ما يمنع أن يكون ابن أبى ربيعة قد عرف غزل امرئ القيس وتأثر به كما تقضى طبيعة التأثر إذ يتأثر اللاحق بالسابق، ومن التحكم أن نرفض ذلك. ولعل خيرا من هذا؟ ؟ ؟ الرفض أن نقارن بين صنيعى الشاعرين فى وصف مثل هذه وتقليل ما؟ ؟ ؟ بينهما من فروق، فكلاهما حقّا يتحدث عن زيارته لصواحبه وما يتجشم فيها من أهوال، وما يكون بينه وبينهن من لهو. غير أننا نلاحظ عند عمر كما تصور ذلك رائيته تفننا فى رقة النجوى وفى كلف صواحبه به، ونحس أثر الحضارة التى غمرت المدينة ومكة بعد الفتوح، فالمرأة تتعلق بالشباب، وتسوق معهم معابثات ومغازلات لم تكن تألفها المرأة الجاهلية لزمن امرئ القيس.
ومعنى ذلك أن هذا المنحى من القصص الغرامى منحى قديم بدأه امرؤ القيس ونمّاه من بعده الأعشى (٢)، ثم كان العصر الأموى فتعلق به عمر بن أبى ربيعة وأضرابه.
ولعل من الطريف أنه لا يتضح عند امرئ القيس فى المعلقة وحدها، فمثلها المطولة (ألا عم صباحا أيها الضّلل البالى) فإنها تذهب نفس المذهب الذى رأيناه فى المعلقة،
стр. 248
وهو يفتتحها بالوقوف على أطلال سلمى، ثم يفيض فى وصف مغامراته ولهوه مع بعض النساء بالضبط على نحو ما رأينا فى المعلقة يقول:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال (١)
فقالت: سباك الله إنك فاضحى ... ألست ترى السّمّار والناس أحوالى (٢)
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسى لديك وأوصالى
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال (٣)
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أىّ إذلال (٤)
فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّئ الظنّ والبال (٥)
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلنى والمرء ليس بقتّال (٦)
أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال (٧)
وكأن امرأ القيس هو الذى سبق إلى هذا الغزل الفاحش الصريح، وتبعه الشعراء من بعده وإن لم يبلغوا مبلغه من الفحش والصراحة وقد تبعوه فى تشبيبه الذى يودعه مقدمات قصائده وما يطوى فيه من بكاء ولوعة.
ورجع فى معلقته بعد حديثه عن بيضة الخدر يصف لصاحبته شقاءه بحبها وأنه لا يستمع فيه إلى نصيحة ناصح، ولا إلى عذل عاذل، ويصور كيف يقتحم إليها الليل المخوف، ويسترسل فى وصفه فيقول:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى (٨)
стр. 249
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل (١)
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل (٢)
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدّت بيذبل (٣)
كأن الثّريّا علّقت فى مصامها ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل (٤)
فهو يتصور الليل بسواده وهمومه كأنه أمواج لا تنتهى، ويحس كأنه طال وأسرف فى الطول حتى ليظن كأن نجومه شدّت بأسباب وأمراس من الجنادل والجبال فهى لا تتحرك ولا تزول، كأنما سمّرت فى مكانها، فهى لا تجرى ولا تسير، وقد ردّد الشعراء بعده هذا المعنى طويلا. ونراه يخرج منه إلى وصف فرسه وصيده ولذاته فيه، وكأنه يريد أن يضع بين يدى صاحبته فروسيته وشجاعته ومهارته فى ركوب الخيل واصطياد الوحش، يقول:
وقد أغتدى والطير فى وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل (٥)
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل (٦)
كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل (٧)
مسحّ إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركّل (٨)
стр. 250
على العقب جيّاش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلى مرجل (١)
يطير الغلام الخفّ عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المثقّل (٢)
درير كخذروف الوليد أمرّه ... تقلّب كفّيه بخيط موصّل (٣)
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (٤)
كأنّ على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صراية حنظل (٥)
وهو وصف رائع لفرسه الأشقر، فقد صور سرعته تصويرا بديعا، وبدأ فجعله قيدا لأوابد الوحش إذا انطلقت فى الصحراء فإنها لا تستطيع إفلاتا منه كأنه قيد يأخذ بأرجلها. وهو لشدة حركته وسرعته يخيل إليك كأنه يفر ويكرّ فى الوقت نفسه وكأنه يقبل ويدبر فى آن واحد، وكأنه جلمود صخر يهوى به السيل من ذروة جبل عال، وإن لبده لشدة حركته ليسقط عنه وينزلق كما تنزلق الصخرة من منحدر بعيد. وهو يصبّ الجرى صبّا، ويسبق كل الخيل سبقا، لا يثير غبارا ولا نقعا، إنما هو أن يحركه راكبه فإذا به يغلى غليان القدر لا ينى ولا يفتر، وإذا راكبه لا يستطيع الثبات عليه، وما أشبهه فى سرعة انطلاقه بلعبة الخذروف الدوارة التى يلعب بها الصبيان، إذ يصلونها بخيط ويسرعون فى إمرارها إسراعا. وهو فرس ضامر كأنه ظبى نافر، فله خاصرتاه النحيلتان، بل لكأنه نعامة خفيفة فله ساقاها الضئيلتان الصلبتان، وهو يهوى فى الأرض كأنه الذئب الفزع ويقفز كأنه الثعلب الخائف. وإذا اعترضك خيّل إليك للمعانه وبريقه أنك تنظر إلى مداك عروس أو صراية حنظل. واستطرد امرؤ القيس يتحدث عن صيده، فوصف سربا من بقر الوحش عنّ لهم فى الصحراء مصورا كيف قيّده فرسه، فإذا هو يلحق بأوائله
стр. 251
تاركا وراءه ما تخلف منه. فصادوا ما ابتغوا، وأخذ الطهاة يعدون لهم طعامهم بين مشوى ومطبوخ. وانتقل من ذلك إلى وصف الأمطار والسيول التى ألمت بمنازل قومه بنى أسد بالقرب من تيماء فى شمالى الحجاز، يقول:
أحار ترى برقا كأنّ وميضه ... كلمع اليدين فى حبىّ مكلّل (١)
يضئ سناه أو مصابيح راهب ... أهان السّليط فى الذّبال المفتّل (٢)
قعدت له وصحبتى بين حامر ... وبين إكام بعد ما متأمّل (٣)
وأضحى يسحّ الماء عن كل فيقة ... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل (٤)
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطما إلا مشيدا بجندل (٥)
كأن طميّة المجيمر غدوة ... من السّيل والغثّاء فلكة مغزل (٦)
كأن أبانا فى أفانين ودقه ... كبير أناس فى بجاد مزمّل (٧)
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليمانى ذى العياب المخوّل (٨)
كأن سباعا فيه غرقى غديّة ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل (٩)
стр. 252
على قطن بالشّيم أيمن صوبه ... وأيسره على السّتار فيذبل (١)
ألقى ببسيان مع الليل بركه ... فأنزل منه العصم من كل منزل (٢)
وقد استهل القطعة بوصف وميض البرق وتألقه فى سحاب متراكم، وشبّه هذا التألق واللمعان بحركة اليدين إذا أشير بهما أو كأنه مصابيح راهب يتوهج ضوؤها بما يمدها من زيت كثير. ويصف كيف جلس هو وأصحابه يتأملونه بين حامر وإكام، والسحاب يسحّ سحّا، حتى لتقتلع سيوله كل ما فى طريقها من أشجار العضاه العظيمة. وتلك نماء لم تترك بها نخلا ولا بيتا، إلا ما شيّد بالصخر، فقد اجتثت كل ما مرت به وأتت عليه من قواعده وأصوله. وهذا طمية جبل المجيمر التفت به السيول وما تحمل من غثاء، حتى لكأنه فلكة مغزل. وذاك أبان بما غطاه من هذا السيل والغثاء يشبه شيخا ملتفّا فى كساء مخطط. وقد ألقى بصحراء الغبيط ثقله فنشربه من النباتات والأزهار ما يشبه ضروب الثياب الزاهية الألوان التى ينشرها التاجر اليمانى حين يعرضها للشراء. وما زالت السيول تفيض حتى علت آجام السباع فغرقت فى لججها وتراءت رءوسها للعين كأنها جذور البصل البرى. وقد تراكم السحاب وملأ أقطار السماء حتى ليظن مبصره أن أيمنه على قطن جبل بنى أسد وأيسره على الستار ويذبل مما يلى بلاد البحرين، وعمّ المطر جبل بسيان حتى أنزل منه الأوعال التى كانت مستقرة به.
ولامرئ القيس مقطوعة فى الغيث والسيل تلتقى فى كثير من معانيها وصورها بهذه القطعة، وهى ذات الرقم ٢٧ فى ديوانه، وقد مر بنا أن أبا عمرو بن العلاء رواها عن ذى الرمة، وهى تمضى على هذا النحو:
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدرّ (٣)
стр. 253
تخرج الودّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تشتكر (١)
وترى الضّبّ خفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر (٢)
وترى الشّجراء فى ريّقه ... كرءوس قطّعت فيها الخمر (٣)
ساعة ثم انتحاها وابل ... ساقط الأكناف واه منهمر (٤)
راح تمريه الصّبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منفجر (٥)
ثجّ حتى ضاق عن آذيّه ... عرض خيم فجفاف فيسر (٦)
قد غدا يحملنى فى أنفه ... لا حق الإطلين محبوك ممرّ (٧)
وهو يصور فى هذه المقطوعة منظرا يماثل المنظر السابق، فالمطر ينهمر حتى يعم الأرض من حوله، وهو يدرّ لها ويدنو منها بأهدابه، وحينا يقلع فتبدو الأوتاد من الأرض ولا يلبث أن يعود وتكثر سيوله فتتوارى عن الأنظار. وتترع القيعان فيخرج الضبّ من جحره يعدو عدوا سريعا لما يرى من كثرة المطر. وما تزال السيول تتدفق حتى تغمر الأشجار بل حتى لا يبدو منها إلا أعاليها، فتتراءى كأنها رءوس معممة قطعت فى ساحة حرب عنيفة. وظل المطر على هذا الانصباب الشديد فترة لم تنكشف بعدها السماء، فقد ألقت السحب بوبلها وأثقالها تستدرّها ريح الصبا الشمالية. ولم تلبث ريح الجنوب أن هبّت فانهمرت الأمطار وعلت السيول حتى ضاقت بها خيم
стр. 254
ضاقت بها خيم وجفاف ويسر.
وأكبر الظن أنه قد اتضحت الآن الموضوعات الأساسية التى كان ينظم فيها امرؤ القيس شعره قبل مقتل أبيه، وهى التشبيب والغزل القصصى الصريح، ووصف الطبيعة المتحركة بما فيها من خيل ووحش والطبيعة الصامتة بما فيها من أمطار وسيول. فتلك هى الموضوعات التى تستغرق أشعاره الأولى. وتجمعها المعلقة جميعا، بينما تقف المطولة الثانية (ألا عم صباحا أيها الطلل البالى) عند التشبيب والقصص الغرامى، ووصف الوحش والفرس وهو فى أثناء وصفهما يعرض لصيده وما يجده فيه من لذة ومتاع ولهو.
وكتب لامرئ القيس أن لا تجرى حياته على هذه الوتيرة من الفراغ الذى يعد لاقتناص اللذات فى اتباع المرأة واللهو بها والمتعة بركوب الخيل والصيد عليها وتملّى مناظر الطبيعة، فقد قتل أبوه، وانقلبت حياته من حياة لاهية إلى حياة جادة ومحاولة عاثرة فى الأخذ بثأر أبيه ورجع سلطان كندة على بنى أسد، وكأنه كان يحس ما ينتظره حين قال فى مطولته (ألا عم صباحا أيها الطلل البالى):
كأنى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال (١)
ولعله نظم هذه القصيدة فى إبان الدورة الثانية من حياته.
ونحن لا ننتظر منه فى هذه الدورة سوى الحزن والألم العميق، فهذا أبوه حجر يقتل وهؤلاء أعمامه يلقون نفس المصير، ومن قبلهم قتل جده الحارث، وهو يسعى فى سبيل الأخذ بثأر أبيه، والمنذر بن ماء السماء يطلبه وتتحاماه القبائل والعشائر وهو يتنقل فيما بينها يستغيث ولا مغيث. وربما لقى فى أول الأمر شيئا من العون، ولكن ذلك لم يستمر، فقد ازوروا عنه، وهو يطلب من يجيره، وسيف المنذر مصلت يلمع أمام عينيه. فكان طبيعيّا أن يشكو الدهر وأن يتحدث عن مصيره.
وهنا تلقانا مقطوعة رواها الأصمعى غن أبى عمرو بن العلاء، تصور حزنه على آبائه
стр. 255
وما تجمّع عليه من البلاء، وهى ذات الرقم الحادى عشر فى ديوانه، وفيها يقول:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب (١)
عصافير وذبّان ودود ... وأجر أمن مجلّحة الذّئاب (٢)
وكلّ مكارم الأخلاق صارت ... إليه همّتى وبه اكتسابى
فبعض اللوم عاذلتى فإنى ... ستكفينى التجارب وانتسابى
إلى عرق الثّرى وشجت عروقى ... وهذا الموت يسلبنى شبابى (٣)
ونفسى سوف يسلبها وجرمى ... فيلحقنى وشيكا بالتّراب
ألم أنض المطىّ بكل خرق ... أمقّ الطول لمّاع السّراب (٤)
وأركب فى اللهام المجر حتى ... أنال مآكل القحم الرّغاب (٥)
وقد طوّفت فى الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
أبعد الحارث الملك بن عمرو ... وبعد الخير حجر ذى القباب (٦)
أرجّى من صروف الدّهر لينا ... ولم تغفل عن الصّمّ الهضاب (٧)
وأعلم أننى عمّا قليل ... سأنشب فى شبا ظفر وناب (٨)
كما لاقى أبى حجر وجدّى ... ولا أنسى قتيلا بالكلاب (٩)
فقد ضاع منه الماضى بكل أحلامه، وهو ينظر أمامه فى الأفق البعيد بل القريب، فلا يرى إلا وادى العدم الذى يشدّ إليه الناس جميعا رحالهم، وهم
стр. 256
يتعللون عنه بالطعام والشراب، وهو فى انتظارهم، وهم جادون فى المسير إليه.
ويصغر الناس وتصغر أطماعهم فى عينه، ويراهم ضعافا كالعصافير والذباب والدود، ومع ذلك يسقطون على أطماعهم كالذئاب الضارية. ويطلب إلى عاذلته أن تكف عن لومه لتركه اللهو، فإن التجارب غيرت شخصيته خلال ما مر به من أهوال الحياة. وهو ينتسب، فلا يجد أمامه إلا موتى، وهو يترقب نفس الأجل المحتوم، وكأنه شخص آخر سوى هذا الشخص الذى كان يركب الخيل وينضيها فى الفلاة الواسعة، والذى كثيرا ما انتظم فى جيوش أبيه الكثيفة، يغنم المغانم الكبيرة. وها هو اليوم يطوف فى الآفاق وراء مجده المضيّع فلا يظفر إلا بالخيبة واليأس القاتل. وماذا يرجو بعد هذه الصخور الصبة من آبائه وقد واراها التراب. إنه ينتظره نفس المصير، فالموت يفتح فاه، وأظفاره وأنيابه توشك أن تفترسه افتراسا كما افترست جده الحارث وأباه حجرا وعمه شرحبيل يوم الكلاب.
والمقطوعة رائعة لأنها تصور لنا إحساسه بعبث الكفاح ضد المنذر وكيف كان هذا الإحساس يتعمقه فى تلك الفترة من حياته. وليس له بعد ذلك أشعار تستحق الوقوف عندها سوى بعض مقطوعات قصيرة تتداخل فيها رواية الأصمعى مع رواية هشام بن الكلبى، وفيها يمدح ويهجو بعض من كانوا يكرمون جواره أو يسيئون هذا الجوار فلا يمدون يد العون إليه، وهى شظايا صغيرة لا توضح منهجا فى مديح ولا هجاء.
وأكبر الظن أن فيما قدمنا ما يدل على قيمة امرئ القيس، فهو الذى نهج للشعراء الجاهليين من بعده الحديث فى بكاء الديار والغزل القصصى ووصف الليل والخيل والصيد والمطر والسيول والشكوى من الدهر، ولعله سبق بأشعار فى هذه الموضوعات، ولكنه هو الذى أعطاها النسق النهائى، مظهرا فى ذلك ضروبا من المهارة الفنية، جعلت السابقين جميعا يجمعون على تقديمه، سواء العرب فى أحاديثهم عنه أو النقاد فى نقدهم للشعر الجاهلى، يقول ابن سلام: «سبق امرؤ القيس إلى أشياء ابتدعها، استحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء، منها: استيقاف صحبه والبكاء فى الديار ورقة النسيب وقرب المأخذ، وشبّه النساء بالظباء والبيض وشبّه الخيل بالعقبان والعصى، وقيّد الأوابد، وأجاد فى التشبيه، وفصل بين النسيب وبين
стр. 257
المعنى، وكان أحسن طبقته تشبيها» (١).
وواضح أن هذه الفقرة من كتاب طبقات فحول الشعراء تقرر أن امرأ القيس هو الذى فتح للجاهليين أبواب النسيب والغزل ووصف النساء والخيل، وهى تضيف إلى ذلك قرب الماخذ، بحيث جعل العبارات قريبة المنال لا يشوبها عسر ولا صعوبة، وأيضا تضيف أنه فصل بين النسيب والمعنى، فلم يخلطه بشئ، بل أسهب فيه وأفرده عما يليه.
وكل من يقرأ المعلقة وما أثبتناه له من شعر يلاحظ استواء فى العبارات واتساقا فى ترتيب الألفاظ، مما يدل على أنه كان يملك أعنة اللغة فى يده، وقليل جدّا ما قد نلاحظه عنده من بعض النبو كقوله السابق فى المعلقة:
أحار ترى برقا كأن وميضه ... كلمع اليدين فى حبىّ مكلّل
يضئ سناه أو مصابيح راهب ... أهان السّليط فى الذّبال المفتّل
فقد كان ترتيب السياق ونسقه يقتضيان أن يكمل وصفه للبرق بأنه فى حبى مكلل وسحاب متراكم وأنه يضيئ سناه، ثم يشبهه بلمع اليدين ومصابيح الراهب.
ولكن على كل حال مثل هذا قليل فى شعره، إذ قلما نجد فيه اضطرابا فى ترتيب ألفاظه ومعانيه.
وحقّا ما تقوله الفقرة السابقة عند ابن سلام من أنه أحسن طبقته تشبيها، فتشبيهاته جيدة، وهى تتراكم فى المعلقة وفى قصيدته (ألاعم صباحا أيها الطلل البالى) تراكما يجعله حقّا صاحب فن التشبيه فى العصر الجاهلى فالتشبيهات تتلاحق فى صفوف متعاقبة، وقد عقد لها ابن سلام فصلا فى طبقاته (٢)، استمده فى جملته من القصيدتين السالفتين. وأول ما يلاحظ فى هذه التشبيهات أنها مستمدة من واقعه الحسى، وارجع إلى تشبيهاته فى المرأة، فستراه يشبهها بالبيضة فى بياضها ورقتها، كما يشبهها بالدّرّة والبقرة الوحشية، اما ترائبها فكالمرآة وأما شعرها الغزير فكعذق النخلة المتداخل وأما خصرها فليّن كالزمام، وأما ساقها فكالبردىّ فى بياضه،
стр. 258
وأما أصابعها فكمساويك شجر الإسحل. وكل هذه الأوصاف مبثوثة فى المعلقة، وإذا تركنا حديثه فيها عن المرأة إلى حديثه عن الفرس وجدناه يشبهه بخذروف الوليد ومداك العروس وصراية الحنظل والصخرة الملساء تسقط من عل، كما يشبهه بالظبى فى خاصرتيه والنعامة فى ساقيه والذئب فى عدوه والثعلب فى تقريبه وقفزه. ونحس دائما أنه يحاول أن يطرف سامعه بما يورد عليه من الصور الغريبة، كقوله:
كأنّ دماء الهاديات بنحره ... عصارة حنّاء بشيب مرجّل (١)
فدم الوحش الذى صاده امرؤ القيس يلطّخ صدر الفرس فيتراءى كأنه عصارة حناء صبغ بها شيب، إذ لا يكاد يفترق عن الخضاب فى شئ. ويخرج من ذلك إلى وصف السيل والمطر، فيفزع إلى التشبيه الكثير، كأنه لا يرى الشعر شيئا بدونه، وهو لذلك يوشى به كل شئ يعرض له فى المعلقة، سواء حين يصف الثريا أو يصف الليل، وقد أبدع فى وصفه لقطعه وأجزائه، فهى ماتنى تتدافع وتتلاحق غير منتهية. وألم بالوحش، فشبه بقره بعذارى دوار، يقول:
فعنّ لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار فى الملاء المذيّل (٢)
وبذلك عكس الصورة فشبه البقر بالنساء، وهو تشبيه مقلوب، تبعه فيه الشعراء، وأصبح ضربا من ضروب الخيال التى ينسجونها.
وننتقل معه إلى مطولته (ألا عم صباحا أيها الطلل البالى) فتلقانا نفس تشبيهاته للمرأة التى لقيتنا فى معلقته، فهى كالظبية وبيضة النعامة، بل هى كالتمثال الجميل يقول:
ويا ربّ يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خطّ تمثال
ويشبه وجهها فى إشراقه بالمصباح، ويقول إنها لينة ممتلئة كحقف الرمل أو ما استدار منه، ويشبهها بالغصن فى اعتدال قوامها وتثنيها، أما شعرها فكشماريخ النخل فى تداخله وغزارته. ويعرض لليل ونجومه فيشبهها بمصابيح رهبان، ويحدثنا
стр. 259
عن شجاعته وأنه لا يرهب زوج من يغازلها ولا تهديده، يقول:
أيقتلنى والمشرفىّ مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهى صورة طريفة، لأنها تقوم على التخييل والوهم. ويخرج إلى وصف فرسه فيشبهه بالهراوة أو العصا فى ضموره وصلابته، ويقول إنه ذعر به قطيع بقر، يجرى البياض والسواد فى سيقانه، حتى لكأنها وشى برود يمانية بديعة. ويعود إلى فرسه، فيشبهه بعقاب تنقض انقضاضا على فريستها، ويقول إن هذه العقاب تصيد الطير وتحمله إلى وكرها، فتأكله إلا قلوبه، فمنها الطرى الغضّ، ومنها الجاف المتقبض، ويعمل خياله، وما هى إلا أن يقول:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وواضح أنه يشبه القلوب الرطبة بالعناب واليابسة بالحشف البالى أو التمر الردئ الجاف، وهو تشبيه كان القدماء يعجبون به لأن امرأ القيس استطاع أن يلائم ملاءمة خيالية بين أشياء متعددة. ويروى عن بشار أنه قال: ما زلت أحسد امرأ القيس على جمعه فى هذا البيت بين تشبيه شيئين بشيئين، حتى قلت:
كأن مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (١)
فجمعت فيه بين ثلاثة وثلاثة (٢).
ولعلنا لا نبعد بعد ذلك كله إذا قلنا إن امرأ القيس هو الذى ألهم الشاعر العربى على مر العصور فكرة التشبيه، بل هو الذى وجهه إلى الإسراف فى استخدامه، حتى عندّ ذلك ضربا رشيقا من ضروب الزخرف والبديع (٣). وبجانب هذا التشبيه نجد عنده بعض أمثلة للاستعارة المكنية والتصريحية، وهو يأتى بها فى قلة، من ذلك قوله فى المعلقة يخاطب الليل:
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
стр. 260
فقد استعار صورة البعير لهذا الليل الذى لا يزول. ومضى فاستعار صورة القيد لفرسه، فسماه قيد الأوابد فهى لا تفوته، على نحو ما مر بنا فى بيته:
وقد أغتدى والطير فى وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وإذا صحت رواية (١) أمال بدلا من أهان فى قوله يصف البرق:
يضئ سناه أو مصابيح راهب ... أمال السّليط فى الذّبال المفتّل
كان البيت يتضمن استعارة بديعة، لأن من معانى أمال رعى، وكأنه استعار صورة رعى الأنعام للنبات لما يفنيه الذبال من الزيت شيئا فشيئا. وإذا تركنا معلقته إلى مطولته (ألا انعم صباحا) وجدناه يستعير للحلىّ على نحر صاحبته وتوهجه صورة الجمر، يقول:
كأنّ على لبّاتها جمر مصطل ... أصاب غضا جزلا وكفّ بأجذال (٢)
ومن الحق أن الاستعارة قليلة فى أشعاره، ولكنها على كل حال مبثوثة فيها، مثلها مثل لونى البديع المسميين بالطباق والجناس، ومن أمثلة طباقه قوله فى المعلقة يصف غدائر صاحبته:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضلّ المدارى فى مثنّى ومرسل (٣)
وقوله يصف فرسه:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
ومن أمثلة الجناس قوله فى غزله:
وإن كنت قد ساعتك منى خليقة ... فسلّى ثيابى من ثيابك تنسل
وقوله:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
стр. 261
وبجانب ذلك كله نجده يعنى بالتلاؤم بين ألفاظه، فقلما تلقانا فيها لفظة نابية فى حروفها، وأيضا نجد عنده عناية واضحة بموسيقاه، ولعله من أجل ذلك كان يكثر من التصريع على نحو ما صنع فى المعلقة فقد صرّع فيها مرارا، كما فى بيته الذى أنشدناه آنفا والذى يخاطب فيه الليل. وفى الحق أن الموسيقى تطّرد فى المعلقة اطرادا، فلا نحس بنشاز، سوى الزحافات التى يكثر منها على شاكلة قوله:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل
فإن التفعيلة الثانية فى حشو البيت «مفاعلن» وليست مفاعيلن. وإذا قرأنا فى المعلقة قوله:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
بضم لام القافية-وهذا ما يقتضيه القياس النحوى تقول: من أسفل الجبل ومن عل أى من أعلاه فتضم اللام على نية حذف المضاف إليه-أصبح فى البيت إقواء، وهو يكثر فى الشعر الجاهلى وخاصة قديمه. وأيضا إذا قرأنا وصفه للسيل وغثائه الملتف بجبل أبان فى قوله:
كأن أبانا فى أفانين ودقه ... كبير أناس فى بجاد مزمّل
بضم اللام فى كلمة «مزمل» وهو ما يقتضيه القياس النحوى لأنها صفة لكلمة كبير أناس المرفوعة أصبح فى هذا البيت هو الآخر إقواء، إذ اختلفت حركة الروىّ، فأصبحت مرفوعة بينما هى فى بقية القصيدة مجرورة. ويظهر أن هذا لم يكن يكثر عنده.
والحق أنه يعد أبا للشعر الجاهلى بل للشعر العربى جميعه، فقد استوى عنده فى صورة رائعة، سواء من حيث سبقه إلى فنون أجاد فيها، أو من حيث قدرته على الوصف والتشبيه، وقد مضى يعنى بأخيلته ومعانيه وألفاظه مما نجده مائلا فى استعاراته وبعض طباقاته وجناساته، وبذلك أعد الشعراء من بعده للعناية بحلى معنوية ولفظية محتلفة.
стр. 262
الفصل الثامن
النابغة الذبيانى
١ - قبيلته
النابغة من قبيلة ذبيان الغطفانية القيسية، إذ تنتسب إلى بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وإلى بغيض تنتسب أيضا قبيلة عبس. ومن أهم عشائر ذبيان وبطونها بنو فزارة وبنو مرّة وبنو أشجع وبنو سعد، ومن فزارة بنو مازن وبنو بدر، وفيهم كانت رياسة فزارة فى الجاهلية، منهم حذيفة بن بدر وأخوه حمل، ومن بنى مرة بنو عبد الله بن غطفان وبنو سهم وبنو صرمة وبنو خصيلة وبنو نشبة وبنو يربوع عشيرة النابغة. وسيدا بنى مرة غير مدافعين هرم بن سنان والحارث بن عوف ممدوحا زهير بن أبى سلمى.
وتظهر قبيلة ذبيان وعشائرها على مسرح التاريخ الجاهلى مع حرب داحس والغبراء التى نشبت بينها وبين أختها عبس واستمرت فيما يقول الرواة نحو أربعين عاما امتدت فيما يظن من سنة ٥٦٨ إلى سنة ٦٠٨ للميلاد. ومرّ بنا أن السبب فى نشوبها سباق داحس والغبراء، وكان داحس جوادا لقيس بن زهير سيد بنى عبس، وكانت الغبراء فرسا لحمل بن بدر سيد بنى فزارة. وسبق داحس إلا أن الفزاريين أقاموا له كمينا فى نهاية الشوط نفرّه عن غايته، فسبقته الغبراء. واستشاط قيس غضبا، وطلب الرهان، وبعث حمل ابنه يطلب منه الرهان المضروب- وقتله قيس. فاستعرت نيران الحرب بين القبيلتين، واشترك فيها أحلافهما، فكان مع عبس بنو عامر، وكان مع ذبيان بنو تميم وبنو أسد، ودارت سلسلة معارك طاحنة، من أهمها يوم المريقب وكان لعبس على ذبيان، وفيه قتل عنترة ضمضما أبا حصين المرى والحارث بن بدر. وممن قتل فيه أيضا عوف بن بدر، ويوم ذى حسى وكان لذبيان على عبس، ويوم جفر الهباءة وكان لعبس
стр. 263
على ذبيان وفيه قتل حذيفة وحمل ابنا بدر، ورثاهما قيس خصمهما رثاء حارّا، يقول فى بعضه (١):
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفى من حذيفة قد شفانى
شفيت بقتلهم لغليل صدرى ... ولكنى قطعت بهم بنانى
وثأرت ذبيان لنفسها فى معركة الجراجر. أو ذات الجراجر. ثم تجمعت ذبيان وأحلافها من تميم وأسد كما تجمعت عبس وعامر، واشتبكت الفئتان فى يوم شعب جبلة، وفيه دارت الدوائر على ذبيان وأحلافها، إذ أثخنت فيهم عبس وعامر القتل فقتل لقيط بن زرارة التميمى وأسر أخوه حاجب، ولم تلبث ذبيان أن أوقعت بعبس وعامر فى يوم شعواء وقعة منكرة. ورأت عبس أن تقف هذه الحروب التى أتت على الأبطال والرجال، فأرسلت وفدا إلى ذبيان يطلب الصلح، ولقى الوفد سيدى بنى مرة:
الحارث بن عوف وهرم بن سنان، فحملا قومهما على الصلح، وتحمّلا ديات القتلى، ويقال إنها بلغت ثلاثة آلاف بعير. وبذلك وضعت هذه الحروب أوزارها، ويظن أنه لم يكتب للنابغة أن يرى انفضاضها، فقد توفّى قبل ذلك بقليل.
وبينما كانت ذبيان تدير رحى هذه الحروب كانت تدير رحى حروب أخرى مع الغساسنة، وكان يؤازرها أحلافها من بنى أسد، ولعل فى ذلك ما يدل على أن القبيلتين جميعا كانتا تدينان بالولاء للمناذرة خصوم الغساسنة، فهم يسرعون سيوفهم ويشهرونها فى وجوه خصومهم، وكانوا آونة ينتصرون عليهم وآونة ينهزمون وتمتلئ أيدى الغساسنة بأسراهم، مما اضطر النابغة على نحو ما سنرى بعد قليل أن ينزل بالغساسنة ويستعطفهم حتى يردوا إلى هؤلاء الأسرى حريتهم.
وتدل دلائل مختلفة على أن عشائر ذبيان لم تكن دائما فى وفاق ووئام، فهى تتجمع لحرب عبس والغساسنة، ثم تعود فتتناحر داخليّا، على نحو ما تصور ذلك أشعار بشامة بن الغدير والحصين بن الحمام المرى وزبّان بن سيّار الفزارى والنابغة، إذ يشيرون إلى بعض المنازعات بين تلك العشائر وقد يشيرون إلى معارك وقعت بين عشائرها فمن ذلك قول الحصين بن الحمام عقب معركة بين عشيرته بنى سهم وبين بنى سعد، وفيها انتصر الأولون (٢):
стр. 264
صبرنا وكان الصبر فينا سجيّة ... بأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
يفلّقن هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ونجد يزيد بن سنان أخى هرم بن سنان يطلق زوجه، وكانت ابنة النابغة، ويثير على عشيرتها يربوع عشيرتى خصيلة ونشبة، عاقدا بينهما حلفا سمى حلف المحاش، وما يزال بيربوع حتى يجليها عن ديارها إلى ديار بنى عذرة، وفى ذلك يقول النابغة:
جمّع محاشك يا يزيد فإننى ... أعددت يربوعا لكم وتميما
حدبت علىّ بطون ضنّة كلها ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما (١)
فلم تكن عشائر ذبيان على صفاء دائما، بل كثيرا ما كانت تتحارب وتتقاتل ويعتزل بعضها بعضا، وقد تترك عشيرة منازلها إلى منازل جيرانها من عذرة وغير عذرة.
وكانت ذبيان كعيرها من قبائل غطفان تعبد فى الجاهلية العزّى وتتخذ لها كعبة تحج إليها، وتقدم لها النذر والقرابين، وقد هدمها خالد بن الوليد بأمر الرسول ﷺ . ومعنى ذلك أن ذبيان ظلت على وثنيتها حتى دخلت فى الإسلام الحنيف.
٢ - حياته
هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب (٢) بن يربوع، وأمه عاتكة بنت أنيس من بنى أسجع الذبيانيين، فهو ذبيانى أبا وأمّا، وكان يكنى بأبى أمامة وأبى ثمامة (٣)، وهما ابنتاه، كما كان يلقب بالنابغة، وبهذا اللقب اشتهر. واختلف الرواة فى سبب تلقيبه به، فقيل لقوله فى بعض شعره: (فقد نبغت لنا منهم شئون) وقيل لأنه قال الشعر بعد أن كبرت سنه ومات قبل أن يهتر ويذهب عقله (٤).
стр. 265
ونظن ظنّا أنه سمى بذلك لنبوغه فى شعره وتفوقه فيه، ومن أكبر الدلالة على ذلك أننا نجد مجموعة من الشعراء المخضرمين والإسلاميين تلقّب بنفس اللقب مثل النابغة الجعدى والنابغة الشيبانى والنابغة التغلبى، ويميّز هو منهم باسم النابغة الذبيانى.
ولكننا نعرف شيئا واضحا عن نشأته ولا عن شبابه، وكل ما يحرص الرواة على قوله هو أنه كان من أشراف ذبيان وبيوتاتهم، وقد يكون فى مصاهرة يزيد أخى هرم ابن سنان له وهو من أشراف ذبيان ما يقطع بذلك. وإذا كنا نجهل نشأته وشبابه فإن فى شعره وأخباره ما يصور لنا الشطر الثانى من حياته، وهو شطر بدأه بالنزول على النعمان بن المنذر أمير الحيرة (١) ولزومه له يمدحه ويتغنى بمناقبه. ومعروف أن قبائل نجد كانت تدين بالولاء للمناذرة منذ قضوا على دولة كندة، وكانت تدخل ذبيان فى هذا الولاء، فطبيعى أن يقصد شاعرها النابغة النعمان بن لمنذر وأن يضفى عليه مدائحه. وسرّ النعمان بوفوده عليه، فقر به منه ونادمه، وأجزل له فى العطايا والصلات، حتى أصبح شاعره الفذّ، وكان بلاطه يموج بالشعراء من أمثال أوس ابن حجر التميمى والمثقّب العبدى ولبيد العامرى ولكن أحدا منهم لم يكرمه إكرام النابغة، وقد صور ذلك فى معلقته، إذ يقول:
الواهب المائة المعكاء زيّنها ... سعدان توضح فى أوبارها اللّبد (٢)
والأدم قد خيّست فتلا مرافقها ... مشدودة برحال الجيرة الجدد (٣)
والرّاكضات ذيول الرّيط فانقها ... برد الهواجر كالغزلان بالجرد (٤)
والخيل تمزع غربا فى أعنّتها ... كالطّير تنجو من الشّؤبوب ذى البرد (٥)
стр. 266
فقد كان يعطيه المائة من الإبل الموثقة الخلق المذللة كما كان يعطيه القطيع من الخيل، غير الجوارى المنعمات. على أن حادثا حدث اضطره إلى مغادرة بلاط المناذرة والتوجه توّا إلى بلاط الغساسنة، إذ أوقعوا بذبيان وأحلافهم من بنى أسد وقعة منكرة على أثر تعدّيهم على وادى أقر الخصيب، وكانوا قد حموه ومنعوا أن ترتاده القبائل، وارتادته ذبيان وأسد، فنكلوا بهما تنكيلا فظيعا، وسبوا كثيرا منهما ومن نسائهما. فألم النابغة ألما شديدا صوّره فى قوله:
لقد نهيت بنى ذبيان عن أقر ... وعن تربّعهم فى كلّ أصفار (١)
وقلت يا قوم إن اللّيث منقبض ... على براثنه لوثبة الضارى (٢)
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... كأنّ أبكارها نعاج دوّار (٣)
ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرّقّ أحرار (٤)
يذرين دمعا على الأشفار منحدرا ... يأملن رحلة حصن وابن سيّار (٥)
وواضح أنه يصور نساء ذبيان وقد أسرن، وهن يذرفن الدموع ويتلفتن يمينا وشمالا، لعل بطلى قومهما حصن بن عيينة وزبّان بن سيار يقدمان بالجيوش، فيخلصانهن من ذل الأسر والعار. وفى بعض الروايات أنه كان بينهن إحدى بناته.
وعرض لما صنعت جيوش الغساسنة ببنى أسد، فقال فى قصيدة أخرى مصوّرا ما أصابهم من الجهد والبلاء:
لم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق فى حبال القدّ مسلوب (٦)
أو حرّة كمهاة الرّمل قد كبلت ... فوق المعاصم منها والعراقيب (٧)
стр. 267
تدعو قعينا وقد عضّ الحديد بها ... عضّ الثّقاف على صمّ الأنابيب (١)
ولم يجد النابغة بدّا من أن يسعى إلى الغساسنة وأن يمدحهم، حتى يكفّوا عن قومه ويردوا الحرية إلى من سبوه منهم، فنزل بعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج ابن الحارث الأكبر بن جبلة، ومدحه مدحا رائعا كما مدح أخاه النعمان. وأكبرا سفارته لديهما، فعفوا عمن أسراه، وكان جزاؤهما من النابغة مديحه الرائع لهما، وظل عندهما يبالغان فى إكرامه ويبالغ فى مديحهما، محاولا بكل ما استطاع أن لا يعودا إلى حرب قومه أو حرب أحلافهم. وقد مر بنا أن عشيرته يربوع كانت تنزل أحيانا فى بنى ضنة العذريين وعشائرها مثل بنى حنّ، فتوسع لهم فى ديارها ومراعيها، وحدثت النعمان نفسه بغزوهم، فتعرض له النابغة يخوفه منعتهم ومنعة ديارهم، ولما رأى منه إصرارا شديدا أرسل إلى عشيرته يدعوها أن تعين بنى حنّ، فأعانتها ومنيت جيوش الغساسنة بالهزيمة، وفى ذلك يقول:
لقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بنى حنّ ببرقة صادر (٢)
تجنّب بنى حنّ فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر (٣)
عظام اللهى أولاد عذرة إنهم ... لهاميم يستلهونها بالحناجر (٤)
وهم منعوا وادى القرى من عدوهم ... بجمع مبير للعدوّ المكاثر (٥)
وعلى هذا النحو كانت سفارته لدى الغساسنة ذات فوائد جليلة لقومه وأحلافهم، وما زال يرعى مصالحهم عندهم حتى توفّى عمرو ثم أخوه النعمان، فرأى أن يعود إلى النعمان بن المنذر، وكان قد غضب عليه غضبا شديدا، إذ كان يتخذه داعية له فى قومه، وكان يرى فى نزوله بالغساسنة ما يدفع ذبيان إلى أن تخرج على ولائها له، فهذا شاعرها وشريفها النابغة يلجّ فى مديح خصومه. وكأنه يعلن بذلك ولاءه وولاءها لهم.
стр. 268
وبذلك كان ذنب النابغة عظيما، وقد أخذ يدفع عن نفسه فى اعتذاراته المشهورة التى قدمها إلى النعمان، فعفا عنه، وعاد إلى بلاطه من جديد، وحظى برضاه ونائله الغمر إلا أن كسرى لم يلبث أن غضب على النعمان، فاستدعاه سنة ٦٠٢ للميلاد، وألقى به فى غياهب السجن حتى مات، ويقال بل ألقى به تحت أرجل الفيلة.
وواضح أننا لم نأخذ بالروايات (١) التى رواها القدماء فى سبب مفارقة النابغة لبلاط النعمان بن المنذر ووفوده على الغساسنة، فقد زعموا أنه إنما فارق النعمان خوفا على حياته، فإن بعض الشعراء الذين نفسوا عليه مكانته عنده صنعوا على لسانه شعرا هجاه به هجاء مقذعا، وفى بعض الروايات أنه كان لأحدهم سيف قاطع كثير الفرند والجوهر، فذكر النابغة ذلك للنعمان فأخذه، واضطغن صاحبه على النابغة فوشى به إلى النعمان وحرضه عليه. وفى رواية أن النابغة وصف زوج النعمان المتجردة وصفا استقصى فيه أعضاءها، فغار منه المنخل اليشكرى وكان يهواها، فوسوس إلى الأمير أن هذا الوصف لا يقوله إلا من جرّب، فغضب النعمان، وعلم النابغة فهرب إلى الغساسنة. وسنرى فيما بعد أن قصيدته فى المتجردة موضوعة.
وفى الحق أن كل هذه الروايات وما تضم من أشعار مخترعة، اخترعها الرواة ليفسروا اعتذارات النابغة التى تنبئ بأنه جنى جناية عظيمة، وأن هناك وشاة أوقعوا بينه وبين النعمان بن المنذر، ولم تكن هذه الوشاية إلا وفوده على الغساسنة أعداء النعمان وما صاغه من المديح فيهم، وقد كان يهمّ النعمان أن لا تضع الحرب أوزارها بينهم وبين ذبيان وقبائل نجد الغربية. فلم يكن ذنب النابغة عند النعمان ذنبا شخصيّا، وإنما كان ذنبا سياسيّا. وقد عاد إليه يطلب الصفح والعفو، لا لأنه بلغه أنه عليل كما تزعم بعض الروايات (٢).
ونعتقد أن سفارته لقومه فى بلاطى المناذرة والغساسنة هى التى أقلت الإشارات فى شعره إلى حروب داحس والغبراء، إذ لم يشترك فى وقائعها. ومع ذلك نراه فى بعض شعره يأسى لتحول عبس إلى عامر ومفارقتها لديار أبناء عمومتها من ذبيان، يقول:
أبلغ بنى ذبيان أن لا أخا لهم ... بعبس إذا حلّوا الدّماخ فأظلما (٣)
стр. 269
هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لا بدّ أكرما
وكأنه يحرّض قومه أن يعودوا إلى السّلم مع عبس مستنصرين بها ضد أعدائهم، ففيها شجاعة وجرأة وإقدام وغناء فى الحروب. وليس فى شعره أى إشارة لوعيد أو تهديد لعبس، وكأنه كان يبقى على القربى والرحم بينه وبينها، فهو لا يتوعدها غارة ولا يندد بالوقائع التى انتصرت فيها قبيلته. ولكن إذا كان قد ترك عبسا فقد تعرض لعامر حليفتها يهددها ويهدد سادتها وأبطالها من مثل زرعة بن عمرو وعامر بن الطفيل بغارات شعواء لقومهما تسبى فيها الأطفال والنساء. وحاول زرعة وبعض بنى عامر أن يدفعوا ذبيان لنقض ما بينها وبين أسد من حلف وعقد حتى تحقن الدماء، وعلم النابغة بذلك وأن عيينة بن حصن وبعض الذبيانيين يفكرون فى الأمر، فتولى غضبا ينشد القصائد مسفها بنى عامر وعيينة وداعيا قومه إلى الوفاء بما بينهم وبين أسد من العهود والعقود، وفى ذلك يقول قصيدته:
فانت بنو عامر خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (١)
يأبى البلاء فلا نبغى بهم بدلا ... ولا نريد خلاء بعد إحكام (٢)
وتوجه إلى عيينة يعنفه تعنيفا شديدا فى قصيدة أخزى، يقول فى تضاعيفها:
إذا حاولت فى أسد فجورا ... فإنى لست منك ولست منى
وهو موقف يدل على نبله وحرصه على الوفاء، ويدخل فى ذلك مدحه لبنى أسد وإشادته بشجاعتهم وبلائهم فى الحروب.
وجميع أخباره وأشعاره الصحيحة تدل على أنه كان سيدا شريفا من سادات قومه، فهو لا يتفتّى تفتى امرئ القيس وطرفة وأضرابهما، بل يتراءى سيدا وقورا ذا خلق وشيم كريمة، فهو لا يتدنى فى سفاهة ولا يتبذل فى مجون. وفى أشعاره بعض إشارات مسيحية، وقد جاءه ذلك من إقامته الطويلة فى الحيرة ولدى الغساسنة وكأنه استمع إلى بعض ما يقوله الأحبار والرهبان، ولكن لا شك فى أنه كان على دين
стр. 270
آبائه يتعبّد العزّى وغيرها من آلهتهم الوثنية، ويختلف معهم إلى الحج بمكة، وفى معلقته:
فلا لعمر الذى مسّحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
فهو يقدس الدماء التى كانت تصبّ على الأنصاب.
وكان فيه حكمة، وهى مبثوثة فى شعره، ويقول ابن حبيب إنه ممن حرّم الخمر والأزلام فى الجاهلية (١). وهو بذلك كله يبدو سيدا وقورا. ويظهر أنه نال شهرة واسعة فى عصره لا عند أمراء الحيرة والغساسنة فحسب بل أيضا فى داخل الجزيرة وبين الشعراء، إذ كانوا يعرضون عليه فى المواسم والأسواق أشعارهم.
قال صاحب الأغانى: «كان يضرب للنابغة قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها. وحدث ذات مرة أن أنشده الأعشى أبو بصير، ثم حسان بن ثابت ثم أنشدته الشعراء، ثم أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشّريد:
وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار (٢)
فقال: والله لولا أن أبا بصير أنشدنى آنفا لقلت إنك أشعر الجن والإنس، فقام حسان فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك، فقال له النابغة: يا بن أخى أنت لا تحسن أن تقول:
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن فى حبالى متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع (٣)
فخنس حسان لقوله (٤)». وفى رواية أخرى أنه لما غضب حسان وقال له أنا أشعر منك ومن أبيك قال له حيث تقول ماذا؟ قال: حيث أقول:
لنا الجفنات الغرّيلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
стр. 271
ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما (١)
فقال له النابغة: أنت شاعر ولكنك أقللت أجفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك (٢). وأكبر الظن أن هذه الزيادة فى تلك الرواية من عمل بعض اللغويين الذين يذهبون إلى أن جمع المؤنث السالم ووزن أفعال فى جمع التكسير يدلان على القلة. وفى الحقيقة لم يفتخر حسان بالأبناء دون الآباء، بل لقد افتخر بالآباء، وإن كان عبر بكلمة ولدنا فهى مماحكة لفظية، وما كان النابغة ليعمد إلى مثل هذه المماحكة والمغالطة. والمهم فى الخبر أنه كان يحكم بين الشعراء فمن أشاد به تألق نجمه ومن أزرى به خمل ذكره.
وقد رجع إلى قبيلته بعد موت النعمان بن المنذر سنة ٦٠٢ وأمضى فيها بقية حياته، ويظهر أنه لم يعش طويلا، فليس فى أشعاره أى شئ يتصل بانتهاء حروب داحس والغبراء سنة ٦٠٨ ولو أنه حضر نهايتها لأشاد بموقف سيدى قبيلته: هرم بن سنان والحارث بن عوف فى حقن الدماء بما تحملا من ديات، ومن ثم كان لا يبعد عن الصواب ما زعمه لويس شيخو من أنه توفى سنة ٦٠٤ (٣).
٣ - ديوانه
لعل أقدم نشرة لديوان النابغة نشرة ديرنبورج له فى المجلة الآسيوية (١٨٦٨ - ١٨٦٩) وقد استخرجها من شرح الشنتمرى للدواوين الستة، وهى دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة بن عبدة. وسبق أن قلنا فى حديثنا عن ديوان امرئ القيس إن هذا الشرح يحتفظ برواية الأصمعى لتلك الدواوين، وبعد أن يفرغ منها يضيف إليها بعض قصائد من رواية الكوفيين. وقد اعتمد ديرنبورج فى نشرته لديوان النابغة على مخطوطتين من شرح الشنتمرى وجدهما فى
стр. 272
باريس ومخطوطة ثالثة وجدها فى فينا وهى بشرح البطليوسى. وقد نشر فى سنة ١٨٩٩ ملحقا للديوان فى المجلة الآسيوية نقله عن مخطوطة فى مجموعة شيفر وجد بها زيادات جديدة.
ونشر الديوان آلورد فى مجموعة الدواوين الستة التى عنى بها الشنتمرى، سنة ١٨٧٠ واستخرج نشرته من عدة مخطوطات إلا أنه لم يكتف بما جاء عند الشنتمرى، فقد ألحق بتلك الدواوين الستة زيادات وإضافات مما وجده منسوبا فى كتب الأدب إلى كل مهم، وقد نشر الديوان فى القاهرة مع هذه الدواوين، ولكن لا بشرح الشنتمرى وإنما بشرح البطليوسى. ونشر نشرة أخرى باسم «التوضيح والبيان عن شعر نابغة بنى ذبيان» وقام على هذه النشرة مصطفى أدهم سنة ١٩١٠. ونشر فى بيروت مع مجموعة دواوين أخرى باسم خمسة دواوين العرب، وهى دواوين النابغة وعروة ابن الورد والفرزدق وحاتم الطائى وعلقمة الفحل. وقد نشره لويس شيخو فى مجموعته «شعراء النصرانية» معتمدا على نشرة ألوارد. ونشره مصطفى السقا فى مجموعته «مختار الشعر الجاهلى» وهذه المجموعة كما مر بنا هى نفسها مجموعة الدواوين الستة التى عنى بها الشنتمرى، وإن كان الناشر لم ينقل معها شرحه، فقد اختصره، غير أنه احتفظ بكثير من الإشارات والتعليقات التى بثها الشنتمرى فيه. وفى دار الكتب المصرية غير مخطوطة من هذا الشرح. وفى مكتبة أحمد الثالث بإستانبول مخطوطة للديوان بشرح ابن السكيت وكذلك فى مكتبة فيض الله مخطوطة أخرى له بشرح الخطيب التبريزى. والمخطوطتان جميعا مصورتان بمعهد إحياء المخطوطات بالجامعة العربية.
وسنعتمد فى دراستنا للشاعر على شرح الشنتمرى، لأنه يحتفظ لنا برواية الأصمعى أوثق رواة الشعر الجاهلى، وهى تنتهى بالقصيدة رقم ٢٢ إذ يقول الشنتمرى بعقبها: «كمل جميع ما رواه الأصمعى من شعر النابغة، ونصل به قصائد متخيّرة مما رواه غير الأصمعى إن شاء الله تعالى» وهى سبع قصائد رواها عن الطوسى، وهو إنما يروى عن ابن الأعرابى وأبى عمرو الشيبانى، ومعنى ذلك أن هذه القصائد مما أضافه الكوفيون إلى رواية الأصمعى أستاذ البصرة والبصريين. وكأن الأصمعى كان يشك فيها أو كان ينكرها، ولذلك لم يثبتها فى روايته، ومن ثم
стр. 273
لا نستطيع أن نعتمد عليها فى دراسة النابغة، إنما نعتمد على ما رواه الأصمعى، ونتخذه أساسا لبحث الشاعر وشعره.
على أننا لا نكاد نمضى فى رواية الأصمعى حتى نجدها فى حاجة إلى مناقشة، فإن الأصمعى احتفظ فيها بقصيدته فى المتجردة: (أمن آل ميّة رائح أو مغتد) مع أنه كان لا يسندها كما يقول الشنتمرى. ومعنى ذلك أنها ضعيفة الرواية. ونحن لا نقرؤها حتى نجدها تتضمن غزلا مفحشا، وهو غزل لا يتفق وشخصية النابغة الوقور. ولو أن هذا اللون من الغزل كان دائرا فى شعر النابغة لأمكن أن نقبلها، ولكنه يأتى شذوذا فى هذه القصيدة، ليدلل-كما مر فى غير هذا الموضع-على خبر مصنوع، وضعه الرواة ليفسروا به السبب فى غضب النعمان بن المنذر على النابغة، إذ جعلوه يتغزل بزوجه هذا الغزل الماجن الذى يندى له الجبين، وكأنما ضاقت الدنيا على النابغة فلم يجد امرأة يتغزل بها هذا الغزل المفحش سوى زوج النعمان. ولو أن الرواة كانوا متعمقين فى فهم العصر الجاهلى وما كان فيه من منافسة شديدة بين المناذرة والغساسنة، بل لو أنهم تعمقوا فى درس شعر النابغة لعرفوا أنه اضطر اضطرارا إلى مغادرة بلاط النعمان والتوجه إلى الغساسنة حتى يفك أسرى قومه عندهم عقب معارك رجحت فيها كفة الغساسنة، بل لقد هزموهم هزيمة منكرة. وبذلك فقد النعمان داعيته فى ذبيان، وغضب عليه غضبا شديدا. وما زال النابغة عندهم، ليرد كيدهم عن قومه، حتى إذا دار الزمن وتوفى خصما ذبيان من الغساسنة، وهما عمرو وأخوه النعمان، رأى النابغة أن يعود إلى بلاط النعمان بن المنذر، لا خوفا على نفسه كما يقول الرواة، بل خوفا من تأليبه القبائل على قبيلته.
فالموقف كله كان موقفا سياسيّا، ولم يكن موقفا شخصيّا، ولذلك كنا نرد قصيدة المتجردة، كما نرد كل ما يتصل بقصة هرب النابغة من النعمان ورجوعه إليه حين علم بمرضه، ومن ثمّ كنا نشك فى قصيدته الرائية التى يقول فيها:
ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد جاوز الحىّ سائرا
ونحن لديه نسأل الله خلده ... يردّ لنا ملكا وللأرض عامرا
فإن الرواة وصعوها وضعا، ليصوروا لنا النعمان عليلا، ونفس أسلوبها وما فى نهايتها من دعاء يدلان على أنها إسلامية، ومن ثمّ ننكرها كما ننكر مقطوعته التى
стр. 274
تتصل بمرض النعمان والتى يتوجه فيها إلى حاجبه عصام قائلا فى مطلعها:
ألم أقسم عليك لتخبرنّى ... أمحمول على النّعش الهمام
وأيضا فإننا نشك فى قصيدته:
لعمرك ما خشيت على يزيد ... من الفخر المضلّل ما أتانى
لأن الرواة يقولون إنه هجا بها يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابى حين أصاب إبلا للنعمان، وكلاب عشيرة من عشائر بنى عامر، وهى قيسية مضرية، ومع ذلك نجد النابغة يدعوه فيها يمنيّا إذ يقول فى نهايتها: (ولكن لا أمانة لليمان) وما كان ليضل عنه أنه مضرى لا يمنى، وكأنما القافية أعوزت فى البيت منتحله، بل منتحل القصيدة فدعاه يمانيّا ونسبه إلى اليمن. ومن القصائد التى جاءت فى رواية الأصمعى ويملؤنا الشك فيها قصيدته:
بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما ... واحتلّت الشّرع فالأجزاع من إضما
لأنها نسيب خالص، ولأن بها روحا إسلامية تتضح فى قوله مخاطبا صاحبته:
حيّاك ربى فإنا لا يحلّ لنا ... لهو النساء وإن الدّين قد عزما (١)
مشمّرين على خوض مزنّمة ... نرجو الإله ونرجو البرّ والطّعما (٢)
وإذن فنحن ننكر خمس قصائد فى رواية الأصمعى ونبقى على سبع عشرة، ومع إبقائنا عليها لا نخليها من بعض أبيات أدخلت فى روايتها، فمن ذلك قصيدته العينية التى يعتذر فيها للنعمان، فإن الرواة أدخلوا فيها خمسة أبيات تمضى على هذا النحو:
لعمرى وما عمرى علىّ بهيّن ... لقد نطقت بطلا علىّ الأقارع (٣)
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغى من تجادع (٤)
أتاك امرؤ مستبطن لى بغضة ... له من عدوّ مثل ذلك شافع
стр. 275
أتاك بقول هلهل النّسج كاذب ... ولم يات بالحق الذى هو ناصع
أتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبلت فى ساعدىّ الجوامع (١)
وإنما أدخلوا هذه الأبيات ليشيروا بها إلى ما قالوه من أن السبب فى هربه من النعمان أن مرة بن سعد بن قريع وعبد قيس بن خفاف نظما هجاء فى النعمان على لسانه، فلما علم به فرّ على وجهه. ونحن ننفى هذه الأبيات عن القصيدة ونبقى على ما عداها ونعده صحيحا. ونقف نفس الموقف من هذه الأبيات التى جاءت فى معلقته والتى يقول فيها عن النعمان بن المنذر:
ولا أرى فاعلا فى الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم فى البريّة فاحددها عن الفند (٢)
وخيّس الجنّ إنى قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد (٣)
فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرّشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد (٤)
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد (٥)
وواضح أنه يسترسل فى الحديث عن سليمان كأنه من أهل الكتب السماويه وقد كان وثنيّا على مذهب قومه، وبحق رأى طه حسين أن الأبيات أقحمت على المعلقة إقحاما (٦). وقد نسبت إلى النابغة أبيات فى غير رواية الأصمعى يقول فيها معتذر إلى النعمان:
أتيتك عاريا خلقا ثيابى ... على خوف تظنّ بى الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
стр. 276
ونفى الجاحظ (١) وابن سلام (٢) أن يكون النابغة قد قال هذا الشعر، وكأنهما أحسّا ما أحسه طه حسين إزاء الأبيات السالفة وأنها خليقة بأن تكون مصنوعة.
ومثلها فى المعلقة الأبيات التالية التى تصوّر فطنة اليمامة وعدّها الدقيق لحمام طائر فى مضيق من الهواء يجعله يشتد فى طيرانه ويسرع إسراعا:
احكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد (٣)
يحفّه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرّمد (٤)
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد (٥)
فحسّبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد
وهى أبيات واضحة الانتحال. ونحن بعد ذلك نصحح بقية المعلقة، كما نصحح قصائده ومقطوعاته الأخرى التى جاءت فى رواية الأصمعى باستثناء ما اتهمناه.
٤ - شعره
قرن ابن سلام النابغة إلى امرئ القيس وزهير والأعشى، فهؤلاء الأربعة فى رأيه هم المقدمون على سائر الشعراء فى الجاهلية (٦)، وتبعه الرواة والنقاد يؤمنون بهذا الحكم، وأن الأربعة حقّا هم المجلّون السابقون فى اقتدارهم على تصريف الشعر والنظم فى فنونه المختلفة.
стр. 277
وإذا استعرضنا دواوينهم جميعا وجدنا النابغة يقرب فى ذوقه من أوس بن حجر وزهير ومدرستهما التى اشتهرت عند القدماء بالتجويد والتنقيح، فهو لا يقبل كل ما يفد على خاطره، بل لا يزال يثقفه ويصقل فيه حتى يستوى له اللفظ المونق والديباجة الجزلة. وقد أتيح له أن يعيش فى بيئتين متحضرتين هما الحيرة وبلاط الغساسنة، فرقّ ذوقه وسهل منطقه ولفظه، وإن كان لم ينس البادية ولغتها وغرابة هذه اللغة.
وقد وقف القدماء طويلا عند إجادته لفنى المديح والاعتذار، غير أنهم عادوا فقالوا إنه أحد الأشراف الذين غضّ الشعر منهم، فإنه مدح الملوك وقبل صلتهم ونوالهم، وكان فى غنى عن هذا القبول. «قيل لأبى عمرو بن العلاء: أفمن مخافة النعمان بن المنذر امتدحه النابغة وأتاه بعد هربه منه أم لغير ذلك؟ فقال: لا، لعمر الله ما لمخافته فعل، إن كان لآمنا من أن يوجّه النعمان له جيشا، وما كانت عشيرته لتسلمه لأول وهلة، ولكنه رغب فى عطاياه وعصافيره (إبله) وكان النابغة يأكل ويشرب فى آنية الفضة والذهب من عطايا النعمان وأبيه وجده، لا يستعمل غير ذلك (١)».
ويبعد فى رأينا أن يكون قد وفد على أبى النعمان وجده كما يقول أبو عمرو بن العلاء وغيره من الرواة فإن ديوانه برواية الأصمعى يخلو من مديحهما. أما أن تكسبه بالشعر وأخذه نوال المناذرة وكذلك الغساسنة قد غضّ منه وأنزله من مرتبة شرفه فغير صحيح، لأن وفوده عليهما لم يكن القصد منه التكسب، وإنما كان القصد رعاية مصالح قبيلته عندهما كما قدمنا، فقد كان سفيرها فى بلاطهما. وحقّا إنه يبالغ فى مديحه واعتذاره، ولكنها مبالغة لا تنتهى إلى ذلة نفس، بل هى المبالغة التى تأتى من أنه يتحدث إلى أمراء كان لهم سلطان كبير على القبائل العربية، ويريد أن يصلح ما فسد من قلوبهم عليه وعلى قبيلته.
وليس شعره جميعه مديحا واعتذارا فقد رثى النعمان الغسانى، وهو يقدم لرثائه ومديحه واعتذاراته بالنسيب ووصف ناقته، وقد يخرج من ذلك إلى وصف الحيوان فى الصحراء وصيده. وأيضا ففى شعره قصائد ومقطوعات تتصل بأحداث قبيلته
стр. 278
وأحلافها من بنى أسد وأعدائها من بنى عامر، وبعبارة أخرى فى شعره فخر وهجاء، وفى تضاعيف ذلك كله نرى عنده أسرابا من الحكمة والتجربة الصادقة، وما يدل على وفائه وصدق مودته.
ونحن لا نلمّ بمديحه للغساسنة حتى نؤمن حقّا بأنه كان شاعرا بارعا، يعرف كيف يتخير ألفاظه وكيف ينوع فى معانيه وكيف يستتم صوره. وخير مدائحه فيهم قصيدته البائية، وهو يستهلها بوصف طول الليل وما تجمع عليه فيه من الهموم، يقول:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطئ الكواكب (١)
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى النجوم بآيب (٢)
وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب (٣)
فهو محزون فى أول القصيدة يخاطب بنته أمامة ويشكو لها همومه وأشجانه لما وقع فى قبضة الغساسنة من أسرى قومه، ونراه يصور طول الليل وهمّه فيه تصويرا بديعا، فالكواكب بطيئة لا تجرى، حتى ليظن أن الصبح الذى يرعى النجوم بأضوائه ويحصدها حصدا لن يؤوب، والليل يثقل على صدره بما يردّ عليه من موجات الهم والحزن. وهى براعة استهلال رائعة تدل دلالة بينة على أننا بإزاء شاعر يعرف كيف يجسّم معانيه وكيف يعبر عنها تعبيرا واضحا مستقيما بالصور. وقد خرج من ذلك توّا إلى مدح عمرو بن الحارث الغسانى وآبائه وعشيرته، ووقف طويلا عند تصوير جيوشه وما تحقق من انتصارات مدوية، وأطال فى هذا التصوير قائلا:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب (٤)
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضّاريات بالدماء الدوارب (٥)
стр. 279
تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ فى ثياب المرانب (١)
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب (٢)
لهنّ عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرّض الخطّىّ فوق الكواثب (٣)
على عارفات للطعان عوابس ... بهنّ كلوم بين دام وجالب (٤)
إذا استنزلوا عنهن للطّعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب (٥)
فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب (٦)
يطير فضاضا بينها كلّ قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب (٧)
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (٨)
تورّثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جرّ بن كلّ التّجارب (٩)
تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب (١٠)
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاغ المخاض الضوارب (١١)
وهو يبدأ تصويره بأن جماعات الطير من النسور والعقبان تتبع جيش الغساسنة، تنتظر زادها من أشلاء قتلاهم وربما سبقه الأفوه بقوله:
وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار (١٢)
стр. 280
غير أن النابغة فصّل الصورة حتى يحكم المعنى ويكشفه كشفا دقيقا، فالنسور والعقبان خزر العيون، وهى تشبه فى ألوانها ثياب المرانب السوداء التى يلبسها الشيوخ، وهى تسير خلفهم موقنة بأنها لا بد أن تجد زادها من أعدائهم، وأنها على وشك الوقوع على ما تريد من هذا الزاد، وهى لذلك لا تزال جانحة، عادة عرفتها فيهم لا يخلفونها ولا يمطلونها. وقد أعجب القدماء طويلا بهذه الصورة عند النابغة، فتعاور عليها الشعراء، وكل منهم يحاول أن يثبت مهارته وقدرته (١).
ويمضى النابغة فيصور شجاعة الجيش، وما على خيله من أثر للطعان وجروح بين مدم ومتجمد عليه الدم. ونلاحظ هنا الدقة فى الوصف، وهى دقة استتبعت ضربا من الطباق. وقد صورهم يتساقون كئوس المنية، كناية عن جرأتهم فى الحرب واقتحامهم لأهوالها، ثم صور كيف يثخنون فى أعدائهم، ولم يلبث أن جاء بصورة طريفة ظاهرها ذم وباطنها مدح شديد، فالغساسنة لا عيب فيهم إلا عيب واحد، وهو ليس فى حقيقته عيبا، بل هو مفخرة من مفاخرهم، فسيوفهم مفللة من طول قراعها ومضاربتها للكتائب. ومثل هذا التعبير الذى سبق إليه يدل على أنه كان يدقق فى معانيه وألفاظه جميعا. ولم ينس أن يشير إلى نصرهم القديم فى يوم حليمة الذى هزم فيه المناذرة شر هزيمة، حتى لقد قتل المنذر بن ماء السماء فى ساحة المعركة. وقد جعل سيوفهم المفللة تشق الدروع المتينة وتمزق أصحابها تمزيقا مطيحة برءوسهم ومرسلة شررا لا ينقطع ضياؤه حتى لكأنه أشعة الحباحب، وسيولا من الدماء كأنها إيزاغ المخاض. حتى إذا استوفى كل ما أراد من تصويرهم بالشجاعة فى ميادين الحروب انتقل يصورهم فى سلمهم متحدثا عن شيمهم وشمائلهم ودينهم ونعيمهم، يقول:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الجود، والأحلام غير عوازب (٢)
محلّتهم ذات الإله، ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب (٣)
стр. 281
رقاق النّعال طيب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب (١)
تحيّيهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب (٢)
يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب (٣)
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب (٤)
حبوت بها غسّان إذ كنت لاحقا ... بقومى وإذ أعيت علىّ مذاهبى (٥)
وهو فى أول الأبيات يصفهم بالجود ورجاحة الأحلام والعقول، ثم يأخذ فى وصفهم بأنهم متدينون بدين قويم، وكان الغساسنة نصارى كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ويقول إن منازلهم تحل بأمكنة مقدسة، ولعله يريد كنائسهم، ولا يلبث أن يقول إنهم يخشون العواقب، وكأنه يستحثهم على أن يفكوا أسرى قبيلته من أغلالهم. وتحوّل يصفهم بالترف وما كانوا فيه من رفاهة العيش، فهم رقاق النعال، وهم أعفاء، يحيّون بالأزهار فى عيد السّباسب أو يوم الشّعانين، وهو من أعياد النصارى، وهم منعمون يلبسون ثيابا بيض المناكب خضر الأكمام. وعاد يستعطفهم على قومه وأنهم إذا كانوا أهاجوهم واستتبع ذلك شرّا وبلاء فإن فى الغساسنة خيرا كثيرا. ولم يلبث أن صرح بما جاء من أجله، فهو إنما يمدح الغساسنة باسم قومه، وقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت بسبب من أسر منهم عند ممدوحيه، وكأنه يهيب بهم أن يردوا إليهم حريتهم، وردوها فعلا لما بهرهم به النابغة من هذا المديح الرائع.
وواضح أن روعة هذا المديح ترجع إلى استيفاء النابغة لمعانيه وعرضها فى معارض بديعة من اللفظ الواضح الجزل ومن الصور المونقة الدقيقة. وقد نفذ فى أثناء ذلك إلى معان حضرية جديدة، إذ صور دينهم وترفهم وما هم فيه من نعيم. وهو فى ذلك يختلف عن شعراء البادية أمثال زهير فى مديحه، إذ كانوا لا يعرفون هذه المعانى ولا تلم بخواطرهم، أما هو فعاش أغلب أيامه فى الحيرة وفى بلاط الغساسنة،
стр. 282
فكان طبيعيّا أن يختلف ذوقه عن ذوق البدو وأن يأتى بمثل هذه المعانى التى تروق ممدوحيه من الأمراء.
وإذا كان النابغة يتفوق فى المديح تفوقا ظاهرا فإنه كذلك يتفوق فى الاعتذار، وكأن ذوقه الحضرى هو الذى أعدّه لهذا التفوق، إذ نحس فيه رقة فى اللهجة وإلحاحا فى التلطف محاولا أن يزيل من نفس النعمان بن المنذر ظنه السيئ فيه. وقد استعان بموهبته فى اختراع الصور والمعانى والتدقيق فيها، مدبجا فى ذلك قصائد طوالا تعدّ من أروع ما خلّفه العصر الجاهلى لا لطولها فحسب، بل لما فيها من صدق اللهجة وسهولة اللفظ وحسن ديباجته. وقد أسعفه فى ذلك ذوقه الحضرى الذى خلصه من خشونة البدو ومن الأنفة الجامحة، فإذا ذنبه يكبر فى نفسه، وإذا هو يحس كأنه أتى جريرة لا تغتفر، فماينى يقدّم للنعمان المعاذير متخذا إليه كل ما يستطيع من البراهين ومن سبل التلطف والملاينة وقد يؤديه ذلك إلى غير قليل من التذلل والاسترحام، حفاظا على صداقته القديمة له واستبقاء لوده، وهو حسن تأتّ لا صغار نفس ولا مهانة، ولا طلبا لعصافير النعمان كما قال أبو عمرو بن العلاء، وإنما هو الذوق الحضارى الذى اكتسبه النابغة والذى جعله يختلف عن معاصريه ويقترب من ذوق العباسيين المتحضرين، حين يشعرون بضخم ذنبهم لدى الممدوحين ويأخذون فى التنصل منه، وتقديم شتى المعاذير. وهو يخلط اعتذاره بمديح النعمان والثناء عليه، وارجع إلى المعلقة فتراه يستهلها بوصف أطلال دار مية، ثم وصف ناقته التى قطع بها الصحراء إلى مقصده مفتنّا فى تصويرها، ومشبها لها بثور تناضله كلاب الصيد، حتى إذا انتهت به إلى النعمان أخذ يمدحه بكرمه الفياض وما وهبه من قطعان الإبل والخيل ومن الجوارى المنعّمات، ثم مضى يستعطفه قائلا:
فلا لعمر الذى مسّحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من حسد (١)
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكّة بين الغيل والسّعد (٢)
стр. 283
ما قلت من سيّئ مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطى إلىّ يدى
إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعا على الكبد (١)
إذن فعاقبنى ربى معاقبة ... قرّت بها عين من يأتيك بالفند (٢)
أنبئت أن أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد (٣)
مهلا فداء لك الأقوام كلّهم ... وما أثمّر من مال ومن ولد (٤)
لا تقذفنّى بركن لا كفاء له ... وإن تأثّفك الأعداء بالرّفد (٥)
وواضح أنه يقسم له بأيمانه الوثنية المغلظة أنه برئ مما يتّهم به من غدر، ويستنزل غضب ربه عليه إن كان غير صادق، ولتشلّ يده إن كان ما يقول الوشاة صحيحا. ولا يلبث أن يصور نفسه ضعيفا أمام النعمان وقوته وبطشه، ويمثله أسدا جائعا يزأر، وقد وقع منه موقع الفريسة. وسرعان ما يعود إلى الاستعطاف، فالناس جميعا من غساسنة وغير غساسنة فداء النعمان، بل إنه ليفديه بماله وولده، ويقول له لا ترمنى بما لا أطيق منك، وأنت الذى لا يستطيع الأعداء مهما تآزروا أن يثبتوا له. ويخرج من ذلك إلى مديحه، ثم يعود إلى استعطافه فيقول:
فما الفرات إذا هبّ الرياح له ... ترمى أواذيّه العبرين بالزّبد (٦)
يمدّه كلّ واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد (٧)
يظلّ من خوفه الملاّح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنّجد (٨)
يوما بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد (٩)
стр. 284
هذا الثناء فإن تسمع به حسنا ... فلم أعرّض-أبيت-اللّعن-بالصّفد (١)
ها إنّ ذى عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النّكد (٢)
وقد بدأ فشبهه بالفرات فى كرمه، ثم أخذ يصف الفرات فى ارتفاع فيضانه، وعمد إلى تفصيل الصورة، حتى يبرزها وحتى يظهر مقدرته الفنية فى دقة التصوير، فهو قد علت أمواجه ورمت شاطئيه بالزبد، وهو ينساب حاملا ما يقتلعه من الأشجار والنباتات، وإنه ليعصف بكل ما عليه حتى لنرى الملاح معتصما فى مركبه بسكّانها يخشى الغرق. وقد نفى أن يكون الفرات فى فيضانه أكرم من النعمان وأكثر سيبا. ودائما يحاول النابغة أن يخترع مثل هذه الصورة، ليدل على براعته. ونراه يعود إلى استعطاف النعمان، وأنه قدم له هذا الثناء لا يبغى به نواله، وإنما يبغى رضاه، وأنه إن لم يقبل اعتذاره ألقى به فى مهاوى النكد والهم. ومن بديع اعتذاراته قصيدته العينية، وفيها يقول:
وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس فالضواجع (٣)
فبتّ كأنى ساورتنى ضئيلة ... من الرّقش فى أنيابها السمّ ناقع (٤)
يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلى النساء فى يديه قعاقع (٥)
تناذرها الرّاقون من سوء سمّها ... تطلّقه طورا، وطورا تراجع (٦)
أتانى-أبيت اللّعن-أنك لمتنى ... وتلك التى تستكّ منها المسامع (٧)
стр. 285
مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع (١)
بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالا، سيرهنّ التّدافع (٢)
سماما تبارى الرّيح خوصا عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع (٣)
عليهنّ شعث عامدون لحجّهم ... فهنّ كأطراف الحنىّ خواضع (٤)
لكلّفتنى ذنب امرئ وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع (٥)
فإن كنت لاذو الضّغن عنى مكذّب ... ولا حلفى على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بشئ أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (٦)
خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع (٧)
أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ضالع (٨)
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع (٩)
أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع (١٠)