← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

كتاب سماه «مختصر المفيد فى أخبار زبيد» وقد طبع فى القاهرة. ويشتهر عمارة (١) بكتاب له فى تاريخ اليمن نشره كاى ثم نشر فى القاهرة، وهو يؤرخ فيه لليمن وأحداثها حتى عصره، وله كتاب سماه «النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية» تحدث فيه عن الوزراء فى آخر العهد بالفاطميين، وهم طلائع بن رزيك وشاور والكامل ابنه، وطبع هذا الكتاب بشالون فى آخر القرن الماضى وطبع معه ديوانه. ومرّ بنا ذكر طبقات فقهاء اليمن مرارا، وهو لعمر (٢) بن على بن سمرة الجعدى المتوفى لأواخر القرن السادس الهجرى. وللقاضى حميد (٣) بن أحمد المحلى المتوفى سنة ٦٥٢ مصنفان تاريخيان هما «الحدائق الوردية فى سير الأئمة الزيدية» و «محاسن الأزهار فى فضائل العترة الأخيار» ومن مؤرخى اليمن الجندى (٤) بهاء الدين محمد بن يوسف المتوفى سنة ٧٣٢ وله «السلوك فى طبقات العلماء والملوك» ويتضح من عنوانه أنه يؤرخ فيه لحكام اليمن وعلمائها من كل صنف، ومرّ بنا ذكر السلطان الأشرف الرسولى وكتبه، وللسلطان الأفضل عباس (٥) الرسولى المتوفى سنة ٧٧٨ كتاب «العطايا السنية والمواهب الهنية فى المناقب اليمنية». ومن مؤرخى اليمن اليافعى عبد الله بن أسعد بن عفيف نزيل مكة المجاور بها حتى وفاته سنة ٧٦٨ وله كتاب مرآة الجنان فى التراجم العامة وهو مطبوع. ويلقانا مؤرخ كبير هو أبو الحسن الخزرجى (٦) المتوفى سنة ٨١٢ وكتابه العقود اللؤلؤية فى تاريخ الدولة الرسولية كتاب نفيس وهو يؤرخ لتلك الدولة حتى وفاة السلطان الأشرف إسماعيل سنة ٨٠٣ وكان من كبار الفقهاء والقراء والمحدّثين فى عصره وقد رتب كتابه ترتيبا زمنيا محكما، وترجم للسلاطين الرسوليين ترجمات دقيقة. وهو لا يعرض فى الكتاب التاريخ السياسى فحسب بل يعرض أيضا التاريخ الثقافى والحضارى عرضا مفصلا، وهو مطبوع فى مجلدين كبيرين. وجاء بعده مؤرخ مهم هو ابن الدّيبع (٧) أبو عبد الله عبد الرحمن الزبيدى، وكان محدثا كبيرا درس الحديث فى الجامع الأعظم بزبيد وتوفى سنة ٩٤٤ وله مصنفات تاريخية متعددة، منها قرة العيون بأخبار اليمن الميمون

стр. 2207

حتى سنة ٩٢٣ وقد اعتمد على الخزرجى فى دولة الرسوليين، ثم أضاف إليه دولة بنى طاهر التى خلفتهم ويعد أول من عنى بالتاريخ لها. ومن كتبه التاريخية بغية المستفيد فى أخبار مدينة زبيد وهو يعرض تاريخها مفصلا حتى المائة التاسعة للهجرة. ومن الكتب الجيدة التى ألفت فى القرن العاشر تاريخ ثغر عدن لبا مخرمة (طبع ليدن). وتلقانا بعده كتب كثيرة فى أئمة اليمن وفى الحكام العثمانيين، من ذلك ما كتبه الجرموزى المتوفى سنة ١٠٧٧ عن تاريخ الإمام المؤيد بالله بن القاسم، وقد سماه «الجوهرة المضية فى تاريخ الخلافة المؤيدية» وكتب عن تاريخ المنصور بالله القاسم بن محمد المتوفى سنة ١٠٢٩ كتابا سماه «النبذ المشيرة إلى جمل من عيون السيرة». وصنّف يحيى بن الحسين بن المؤيد بالله اليمنى فى أواخر القرن الحادى عشر تاريخا لليمن حتى سنة ١٠٤٥ باسم أنباء الزمن فى أخبار اليمن». وليوسف بن يحيى الصنعانى المتوفى حوالى سنة ١١٢٠ كتاب مشهور لم يطبع هو كتاب «نسمة السحر فيمن تشيّع وشعر» ويتضمن عشرات التراجم لشعراء شيعيين من حين ظهور الشيعة إلى عصره. ولمحمد بن على الشوكانى العالم النابه كتاب فى التراجم لمن بعد القرن السابع حتى عصره فى القرن الثالث عشر سماه «البدر الطالع» وهو أحد المراجع التى يتكرر ذكرها فى هذا الجزء. وهناك كتب أخرى كثيرة نفيسة مثل منتخبات فى أخبار اليمن للهمدانى، ومثل النور السافر فى تراجم القرن العاشر لعبد القادر العيدروس المتوفى سنة ١٠٣٨ وذيّل عليه جمال الدين الشلى الحضرمى بكتاب سماه «السناء الباهر بتكميل النور السافر». ولنجد كتب تاريخية مختلفة فى الحقب المتأخرة منها «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوى الإسلام» لحسين بن غنام الأحسائى المتوفى سنة ١٢٢٥ هـ/ ١٨١٠ م وفيه يوضح تاريخ نجد ودعوة محمد بن عبد الوهاب ورسائله وآراءه والقتال فى سبيل الدعوة، وهو يكثر من السجع فى كتابه. ويليه فى الأهمية كتاب عنوان المجد فى تاريخ نجد لعثمان بن بشر المتوفى سنة ١٢٩٠ هـ/١٨٧٣ م وهو تاريخ على السنوات يبتدئ بسنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٤ م وينتهى بسنة ١٢٦٨ هـ/١٨٥١ م أى من حين نزول محمد بن عبد الوهاب فى «الدرعية» ووضع الأمير محمد بن سعود يده فى يده لنصرته حتى وفاة فيصل بن تركى. وضمن الكتاب أحداثا سابقة للدعوة منذ تأسيس السعوديين لإمارتهم فى الدرعية بمنتصف القرن التاسع للهجرة، وأسلوب الكتاب مرسل خال من السجع. ويلى الكتابين السالفين فى الأهمية كتاب «عقد الدرر فيما وقع فى نجد من الحوادث فى آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر» لإبراهيم بن صالح بن عيسى وهو يبتدئ من حين انتهى ابن بشر سنة ١٢٦٨ ويستمر حتى سنة ١٣٤٠ هـ/١٩٢١ موزعا حديثه التاريخى على السنوات.

стр. 2208

الفصل الثالث نشاط الشعر والشعراء ١ - الشعر على كل لسان ظل الشعر حيا يجرى على الألسنة فى الجزيرة العربية طوال هذا العصر، ومعروف أنه منها نبع قديما وأن ينابيعه كانت تمتد فى شمالى الجزيرة وشرقيها وغربيها، أو قل فى الجزيرة جميعها، باستثناء اليمن فى العصر الجاهلى أو بعبارة ادق باستثناء أعماقها، إذ كانت اليمن الشمالية قد أخذت فى التعرب واستخدام الفصحى، ولم تبق إلا أنحاء قليلة تتكلم الحميرية، بينما كانت العربية تنتشر فى اليمن بإزاء الحجاز وفى نجران وفى حضرموت وبين أزد عمان. وتم تعرب اليمن سريعا بعد الإسلام أو قل تم تعرب ما كان قد بقى منها يتحدث الحميرية. ونحن لا نصل إلى هذا العصر الذى نؤرخ له والذى يبتدئ بسنة ٣٣٤ للهجرة حتى نشعر بنشاط واضح للشعر والشعراء فى كل أنحاء الجزيرة، وكانت الحجاز-وخاصة مكة-دارا كبيرة للشعر والشعراء، وتزخر كتب التراجم بأشعارهم لا أشعار من هاجروا إليها وأمضوا فيها بقية حياتهم أو من ظلوا بها أعواما طويلة فحسب فإن ذلك أكثر من أن يحصى أو يستقصى، بل أيضا أشعار الشعراء من أهلها الذين ولدوا بها وأنفقوا حياتهم فيها. وكانوا يستمعون إلى من يفد عليها من الشعراء ويقيم فيها بين ظهرانيهم، فكان ذلك غذاء سائغا لشاعرياتهم. وكانوا يقرءون دواوين الشعراء المشهورين، وكثير منهم كانت لديه ملكة شعرية خصبة. ولا بد أن نلاحظ أن لغة شعرهم الفصحى لم تكن هى نفس لغتهم اليومية، فمن قديم لم يأخذ علماء اللغة فى القرنين الثانى والثالث للهجرة اللغة والشعر عن المدينة ومكة لنزول كثير من الموالى بهما ومعيشتهم فيهما، وقد ذكرنا فى كتاب العصر الإسلامى أن عدد القتلى من الموالى فى موقعة الحرة بالمدينة لعهد يزيد بن معاوية كان خمسة آلاف بينما كان عددهم من العرب ثلاثة آلاف مما يؤكد أن أكثر سكان المدينة حينئذ كانوا

стр. 2209

من الأعاجم. ولابد أن الأعاجم بمكة كانوا أكثر من سكانها الأصليين فى هذا التاريخ وهو منتصف القرن الأول للهجرة أو قل بعده بنحو ثلاثة عشر عاما، فما بالنا فى هذا العصر؟ إن المعقول الذى يتفق مع حقائق الأشياء أن تكون نسبة الأعاجم إلى العرب فى المدينتين المقدستين زادت زيادة كبيرة، وهى زيادة أعدت فى هذا العصر لشيوع لغة عامية متداولة على ألسنة العامة، لغة تكثر فيها الألفاظ الأعجمية الدخيلة، ويكثر فيها التحريف فى مقاطع الكلمات ونبراتها. وعلى الرغم من ظهور هذه اللغة العامية كانت لا تزال الفصحى حية بفضل القرآن الكريم وحفظه واستظهاره، وكان هناك أساتذة كثيرون للعربية يعلمونها الناس، وكان الحرمان جامعتين كبيرتين تدرس فيهما جميع مواد الثقافتين الإسلامية والعربية، وكان وراءهما مدارس وكتاتيب، وكل ذلك عمل على أن تظل العربية مزدهرة، ويظل كثيرون ينظمون الشعر العربى الفصيح. ولم تكن العناصر الأجنبية فى اليمن كثيرة. ومع ذلك كان ينزلها الأحباش والإفريقيون بكثرة، ومرّ بنا أن الأحباش كونوا لأنفسهم فى حقبة إمارة فى زبيد، وكان ينزل فى عدن قليلون من الهنود الذين كانوا يتجرون مع اليمنيين، ويبدو أن العناصر الإفريقية-وهى الكثيرة-كانت تتعرب سريعا. وليس معنى ذلك أنه لم تتكون فى اليمن على مر الزمن لغة عامية، ولكن معناه أن هذه اللغة هناك تأخرت بالقياس إلى مكة والمدينة، حتى القرن السادس الهجرى على الأقل فى بعض أنحائها، فعمارة اليمنى المتوفى سنة ٥٦٩ للهجرة يحكى فى كتاب المفيد فى أخبار زبيد أنه حين دخل من تهامة اليمن إلى مدينة زبيد فى سنة ٥٣٠ ليطلب الفقه وهو دون العشرين من عمره تعجب الفقهاء فى جميع المدارس التى ألمّ بها فى تلك البلدة من أنه لا يلحن فى شئ من الكلام، ومن قوله: «وجبلا عكاد فوق (قرية) الزرائب (موطنه) أهلهما باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم ولم تتغير لغتهم. . ولما زارنى والدى وسبعة من إخوتى فى زبيد تحدّثوا مع الفقهاء فلا والله ما لحن واحد منهم لحنة واحدة أثبتوها عليه» (١). ويتضح من كلام عمارة أن المدن اليمنية مثل زبيد كان أهلها يلحنون فى لغتهم اليومية منذ القرن السادس الهجرى، أما تهامة والبوادى وأهل الجبال فكانوا لا يزالون ينطقون بالفصحى نطقا سليما. ويبدو أن أنحاء كثيرة من اليمن ظلت إلى عصور متأخرة تلفظ العربية لفظا صحيحا، بل يقال إنه لا يزال إلى اليوم من يتحدثون بها فى بعض تلك الأنحاء حديثا غير ملحون، إذ يقول صاحب المخلاف السليمانى إن الفصحى لا تزال صحيحة لم تتغير فى هذا المخلاف الذى يطلق عليه الآن اسم عسير، وقد ضمّ إلى

стр. 2210

المملكة العربية السعودية بأخرة، ويصور ذلك تصويرا مسهبا فؤاد حمزة إذ يقول: «أفصح اللهجات (فى الجزيرة) وأقربها إلى الفصحى فيما نعتقد اللهجات الواقعة ما بين جنوبى الحجاز وشمالى اليمن (عسير) وكثيرا ما سمعنا أهل هذه البلاد يلفظون الكلمات من مخارجها الصحيحة ويتكلمون بما هو أقرب إلى الفصيح من سواه. وبعض البدو من أهل هذه المنطقة يخرجون جملا يظن منها الإنسان أنهم تمرنوا فى المدارس على إخراجها على ذلك النحو بينما أن الحقيقة هى بخلاف ذلك، لأنهم يتكلمون بالسليقة وعلى البديهة، فيجئ كلامهم فصيحا معربا لا غبار عليه. ويستعملون ألفاظا نظنها فى الأقطار العربية المتمدنة مهملة متروكة، ولكنهم هم يستعملونها على البداهة» (١). وليس معنى ذلك أن اليمن لم تعرف لنفسها لغة عامية كما عرفت الأقاليم العربية الأخرى، بل معناه أنها لم تسارع إلى إحداث هذه اللغة، ولكنها على كل حال أخذت فى إحداثها بالمدن منذ القرن السادس الهجرى، كما يدل كلام عمارة السابق فقد عجب فقهاء زبيد من أنه يوجد فى بعض أنحاء اليمن قوم يتكلمون الفصحى ولا يخطئهم السداد فيها، مما يدل بوضوح على أن اللحن كان قد فشا على ألسنة أهل المدن، وأخذت تتكوّن بسرعة هناك لغة يمنية عامية. وكان ثراء اليمن عاملا مهما فى أن يعنى حكامها بالعربية وبالعلوم الإسلامية ومرّ بنا كيف أن دولة الرسوليين نهضت نهضة عظيمة بالثقافة والعلوم فى اليمن، وقد أنشأت عشرات المساجد والمدارس وخاصة فى زبيد وتعزّ وصنعاء وعدن، وكل ذلك عمل على أن تظل العربية مزدهرة فى اليمن وأن تظل الأشعار تجرى على الألسنة. غير أنه يلاحظ أنه أخذت تنظم هناك، كما كان الشأن فى البلاد العربية الأخرى أشعار عامية. ولا نعرف متى ظهرت بواكير هذه الأشعار بالضبط، وإذا احتكمنا إلى تاريخ أول أغنية عامية سجلها الدكتور محمد عبده غانم فى كتابه النفيس: «شعر الغناء الصنعانى» وجدنا هذا التاريخ يرجع إلى القرن الثامن الهجرى، وهى للشاعر شهاب الدين أبى محمد أحمد بن فليته، وقد اشتهر زمن السلطان الرسولى المجاهد على الذى حكم من سنة ٧٢١ حتى سنة ٧٦٤ ويسهب الدكتور غانم فى بيان خصائص هذه الأغانى اليمنية العامية من زمن ابن فليتة إلى نهاية الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجرى. ويقول إنها جميعا من الشعر الحمينى وهو اسم خاص بالشعر العامى اليمنى الذى لا يلتزم قواعد الفصحى النحوية والاشتقاقية، كما لا يلتزم عروضها. وتكثر فيه المسمّطات والموشحات. وتبدو المحاكاة واضحة بينه وبين الموشحات والأزجال الأندلسية. ويوضح الدكتور غانم

стр. 2211

توضيحا مفصلا كيف أن هذا الشعر الحمينى أو العامى اليمنى يرتفع فى لهجته عن اللغة اليمنية العامية ويهبط فى الوقت نفسه درجات عن اللغة الفصحى. وهو بذلك يعدّ فرعا كبيرا من شجرة الشعر النبطى الذى أخذ يشيع فى الجزيرة العربية منذ القرن الثامن الهجرى، بل لعله أخذ يشيع قبل ذلك بقرن أو يزيد. وهو شعر يلقانا فى كل أنحاء الجزيرة لهذا العصر، نلقاه فى الحجاز وحضرموت وفى عمان والبحرين ونجده جنوبا وشمالا. وجميعه شعر يعلو درجات فوق العامية لكل تلك الأقاليم ويهبط درجات عن الفصحى، شعر بلغة بين العامية والفصحى، ويسمونه باسم الشعر النبطى، وهو كله غير معرب، وكأنه يحلّ فى الجزيرة محل الشعر الجاهلى فيها قديما، فقد كان شعر جميع القبائل تشارك فيه، وكانت لها لهجاتها المحلية الخاصة، وكأن الموقف فى هذا الشعر يتعاكس مع ما كان فى الجاهلية، فالجاهليون كانوا يحافظون على النظم بالفصحى وألحان عروضها وأنغامه ولم يكونوا ينفكّون عنها أبدا، مع أنها ليست لغتهم اليومية تماما. وشعراء الجزيرة مع هذا الشعر النبطى يريدون أن يقتربوا من لغتهم اليومية، فيترك نفر منهم النظم بالفصحى ويتخذ هذه اللغة دنوّا من قبيلته ولغتها العامية، ومع ذلك يظلون يرفدونه بالعناصر البيانية والبديعية للشعر الفصيح، وكأنما فى دخائلهم إحساس أن الشعر ينبغى أن يظل مرتفعا قليلا أو كثيرا عن اللغة العامية اليومية، وهو ما جعلهم ينفذون إلى لغتهم النبطية المستحدثة. ومهما يكن فإن هذا الشعر العامى أو قل الحمينى اليمنى لم تعل كفّته يوما على الشعر الفصيح الذى ظل صاحب الصولجان وظل له ازدهاره فى اليمن إلى اليوم. وما يصدق على اليمن يصدق على حضرموت، فقد كان فيها شعراء ينظمون الشعر الحمينى العامى، ولكن ظلت للشعر الفصيح السيطرة حتى على من ينظمون الشعر الحمينى ونمثّل لذلك بأبى بكر العيدروس الحضرمى المتوفى سنة ٩١٤ فإن له شعرا وأغانى حمينيّة عامية ولكن شعره الفصيح هو الذى ذاع وشاع أو قل هو الذى غلب عليه، كما يصور ذلك ديوانه: «محجة السالك وحجة الناسك». على أن شعره الحمينى يقترب من الفصحى اقترابا شديدا. وكانت تنزل عمان عناصر أجنبية إفريقية وهندية وإيرانية؛ ومما هيأ للأخيرة النزول كثيرا أن حاكم هرمز الإيرانية أو قل حكامها كانوا يغيرون من حين إلى حين على عمان، وكانت أحيانا تتبعهم، فكثر نزول الإيرانيين بها، وكثرت لذلك الكلمات الإيرانية الدخيلة فى لغة العمانيين اليومية، وطبيعى أن يتبع ذلك تغيرات فى الألفاظ العربية ذاتها فى بعض مقاطعها وبعض ضغوطها ونبراتها، لذلك كان ابن بطوطة محقا حين زار عمان ولاحظ على أهلها أن «كلامهم ليس بالفصيح مع أنهم عرب، وكل كلمة يتكلمون بها يصلونها بلا فيقولون مثلا لا تأكل،

стр. 2212

لا تمش، لا تفعل كذا». فكلامهم دخلته رطانة الإيرانيين ودخلته ألفاظهم، أما لا التى ذكر ابن بطوطة أنهم يصلون الأفعال بها دائما حين يطلبون من شخص شيئا فأكبر الظن أنها لام الأمر حرّفت ومدّت قليلا أو لعلها لام التوكيد. وينبغى أن لا نظن من ذلك أن العمانيين كانوا قد هجروا الفصحى فى عهد ابن بطوطة، فهو إنما يتحدث عن لهجتهم ولغتهم اليومية، أما بعد ذلك فكانوا يهتمون بالفصحى اهتمام الأقاليم العربية بها جميعا، يتخذونها لغة للعلم وللشعر، وكثيرا ما نقرأ فى ترجمة من اشتهروا بالشعر هناك أنهم تلقوا العربية والعلوم الشرعية عن أربابهما فى عمان، وقل ذلك نفسه فى نزوى وفى صحار وغيرهما من المدن. وهذا نفسه نلاحظه على البحرين فمواجهتها لإيران جعلت عناصر إيرانية كثيرة تنزلها، وكان لذلك بعض التأثير فى اللغة العامية التى نشأت هناك، وإن كان لا يصل إلى تأثير الإيرانية فى عامية عمان لأن الإيرانيين كثيرا ما نزلوا هناك وحكموها. وقد ظل البحرانيون يعكفون على العلوم الإسلامية وعلوم العربية وظلوا يروون الشعر وينهلون من موارده مما أعد لظهور شعراء مختلفين على مر الزمن طوال هذا العصر، وكأن سيل الشعر كان لا يمكن ردّه ولا صده فى أى إقليم عربى، فهو دائما زاد للعرب وعدّة وعتاد. ومعرفتنا بالحركة الشعرية فى نجد قليلة، ومع ذلك نستطيع أن نتعرف على أطراف منها من خلال من كانوا يرحلون عنها إلى الأقطار المجاورة، إذ لم تكن وسائل حفظ الشعر عندهم مهيأة، ونقصد وسائله الأولى من الأقلام والحبر والورق. وهؤلاء المهاجرون يدلّوننا على ما كان من نشاط شعرى وراءهم، وقد نشط الشعر فى عهد بنى مزيد الأسديين الذين شادوا الحلّة على حدود العراق وكذلك فى عهد بنى عقيل العامريين حين هاجروا إلى الموصل على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع. ونفاجأ بنشاط واسع للشعر فى نجد مع دعوة محمد بن عبد الوهاب منذ أواسط القرن الثانى عشر الهجرى. ٢ - كثرة الشعراء بعثت دول الجزيرة العربية التى تحدثنا عنها فى أقاليمها المختلفة نشاطا واسعا فى الشعر، فقد كان الحكام دائما يعنون بأن تحفّ بهم جمهرة من الشعراء، وخاصة فى اليمن التى قامت فيها دويلات صغيرة تنافست فى جذب الشعراء ونثر الأموال والعطايا عليهم. غير أن أخبار هؤلاء الشعراء فى القرن الرابع الهجرى قليلة، وكان المظنون أن يترجم الثعالبى فى اليتيمة وتتمتها لطائفة

стр. 2213

منهم، غير أنه لم يعن بهم، وإن كان قد ذكر أبا الحسن التهامى، وسنترجم له فى غير هذا الموضع، وجاء عنده ذكر شعراء قليلين مغمورين خرجوا من الجزيرة إلى العراق أو إلى إيران مثل ابن أبى مرّة المكى وينشد له قوله فى أبى الفتوح أمير مكة الآتى ذكره (١): يا سيّدا فديته بروحى ... خوّلك الله أبا الفتوح ملك سليمان وعمر نوح وإذا كان الثعالبى قصرّ فى الترجمة لشعراء الجزيرة العربية لعصره فإن أبا الحسن الباخرزى المتوفى سنة ٤٦٧ للهجرة عنى بهم فى فاتحة كتابه «دمية القصر وعصرة أهل العصر» إذ ترجم لطائفة كبيرة منهم، مقدما لهم بقوله: «إن أحسن أبيات الأشعار ما طلعت من أبيات الأشعار (٢)، ورعت مع الظّباء الشّيح، وتزوّدت مع الضّباب (٣) الريح، مستغنية بحسنها عن التصنع والتعمل، حلوة إذا ذاقها الناظر بحسن التأمل. . وقد وقع لى من أشعار هذه الطبقة ما هو أعذب من الماء الزّلال، وأرقّ من الشّمول صفّقت بالشمال». وأول ما يلاحظ على مجموعة الباخرزى من الشعراء أنهم من مدن وقبائل شتى فى الجزيرة العربية، فمنهم المكى والمدنى والطائفى الثقفى واليمنى، ومنهم العامرى والأسدى والبكرى والطائى والغسّانى والرّبعى والشيبانى والهمدانى. وهم بذلك يمثلون الجزيرة فى جميع أنحائها غربا وشرقا ووسطا وشمالا وجنوبا. وفى ذلك ما يؤكد أن الفصحى كانت لا تزال مسيطرة على الجزيرة حتى منتصف القرن الخامس الهجرى، ولا تزال حية ناضرة على ألسنة العرب فى نجد والحجاز واليمن، كما توضح ذلك تراجم الباخرزى وما ساقه لأصحابها من أشعار، وهو لم يدخل الجزيرة إذ لم يمد رحلاته إلى ما وراء البصرة وبغداد، ومنهم من لقيه فى هاتين المدينتين أو فى مدينة الرّىّ حاضرة السلاجقة ووزيرهم العظيم نظام الملك الذى وفد عليه الشعراء من أنحاء الجزيرة العربية ليقدموا له مدائحهم. وجمهورهم لم يلقهم الباخرزى، وقد روى أخبارهم وأشعارهم عن بعض الأدباء المكيين والمدنيين الذين ذكروهم له أو عن بعض الأدباء الإيرانيين وخاصة أبا عامر الفضل بن إسماعيل التميمى الجرجانى، وهو تارة ينقل عنه مشافهة وتارة ثانية ينقل عن كتاب له يسمى «قلائد الشرف». وأول من ترجم له أبو الفتوح (٤) الحسن بن جعفر الحسنى أمير مكة المتوفى سنة

стр. 2214

٤٣٠ للهجرة، وقد أنشد له قوله: وصلتنى الهموم وصل هواك ... وجفانى الرّقاد مثل جفاك وحكى لى الرسول أنك غضبى ... يا كفى الله شرّ ما هو حاك والبيتان طريفان فكرة وصورة، وقد نسبهما العماد فى الخريدة لابن أبى الفتوح شكر (١) الذى خلفه على إمارة مكة إلى أن توفى سنة ٤٥٣ وهو الذى حاك بعض بنى هلال قصة له بين أقاصيصهم الهلالية إذ زعموا، كما مرّ بنا، أنه تزوج الجازية بنت الحسن بن سرحان الهلالى، ثم حدثت بينه وبين عشيرتها مغاضبة، فاحتالوا عليه بحجة أنهم يريدونها لزيارة أبويها، وذهب معهم إلى نجوعهم فى نجد، فذكروا له أنهم سيخرجون إلى الصيد وهى معهم، ومضوا فى رحلتهم الكبرى إلى إفريقيا، على نحو ما هو معروف عن رحلة بنى هلال المشهورة، وظل لها بين جوانحه حب دفين، وظلت تكلف به إلى أن ماتت وهى هائمة بحبه عاشقة. ويبدو أن بنى هلال نسجوا هذه القصة بعد رحلتهم من الجزيرة، إذ يجرى فيها خلل الإعراب كما يجرى فى بقية أقاصيص الهلالية، وإنما نزعم هذا الزعم، لما رواه الباخرزى من أشعار النجديين فى هذا التاريخ، وهى تدل على أن الخلل الإعرابى لم يكن قد فشا على ألسنتهم حتى أواسط القرن الخامس الهجرى، وفى تقديرنا أن ذلك إنما حدث فى القرون التالية مباشرة. ومن طريف ما ينسب إلى الأمير شكر قوله (٢): قوّض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذّلّ إن الذّلّ يجتنب وارحل إذا كان فى الأوطان منقصة ... فالمندل الرّطب فى أوطانه حطب والبيتان يصوران إباء العربى وشعوره بالكرامة ورفضه للضيم مهما احتمل فى هذا الرفض من العناء الشاق. ويترجم الباخرزى لشاعر يسمى المجاشعى ويلقبه بشاعر الحرمين، ويسوق له مدحة فى نظام الملك، ويتلوه بأبى الحسن العبشمى المكى ثم بأبى الفضل جعفر بن الحسين الشيبى، ويسوق له أبياتا سمعها منه فى مديح بعض الوزراء، كما يسوق له أبياتا فى النسيب، ويترجم لعم له يسمى جعفر بن يحيى الحكّاك وشعره متوسط. ويترجم الباخرزى بجانب هؤلاء الشعراء المكيين لشاعرين من المدينة: خزرجى وأوسى، ثم لشاعر من الطائف يسمى سليمان بن خضر، وينشد له غزلا رقيقا. ويضم إلى هؤلاء الشعراء الحجازيين شاعرا يمنيّا يسلكه فيهم هو على بن محمد الصّليحى مؤسس الدولة الصليحية الإسماعيلية باليمن، وكان فارسا، وله أشعار جيدة فى تصوير فروسيته وفتكه بأعدائه فى القتال من مثل قوله (٣).

стр. 2215

زوّجت بيض الهند سمر رماحهم ... فرءوسهم عوض النّثار نثار وكذا العلا لا يستباح زواجها ... إلا بحيث تطلّق الأعمار والنثار ما ينثر على العروسين فى الزفاف من الدراهم والدنانير والورود، وهو يتصور معاركه مع أعدائه أفراحا، نثارها رءوس خصومه التى تطيح بها سيوفه وسيوف جنوده، ويقول إن هذا دائما مهر العلا وصداقها. ويترك الباخرزى شعراء غربى الجزيرة إلى شرقيها مصعدا إلى أقصى الشمال حيث إمارة بنى عقيل العامريين الذين أسسوها فى الموصل وبوادى نجد العراقية فى القرن الرابع الهجرى، ويترجم الباخرزى لأمير منهم هو قرواش بن المقلّد الذى ولى الإمارة سنة ٣٩١ وظل أميرا نحو خمسين عاما إلى أن غلبه على إمارته أخوه بركة وسجنه وتوفى فى سجنه، كما مرّ بنا، سنة ٤٤٤ ويقول المؤرخون: «كان كريما وهابا نهابا» وكان يحسن صوغ الشعر وحوكه، من مثل قوله الذى أنشده الباخرزى: لى أشقر سمح العنان مغاور ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده ومهنّد عضب إذا جرّدته ... خلت البروق تموج فى تجريده ومثقّف لدن السّنان كأنما ... أمّ المنايا ركّبت فى عوده وبذا حويت المال إلا أننى ... سلّطت جود يدى على تبديده وهو يفتخر بأن ما له ليس ميراثا عن آبائه، وإنما هو مما أنعم به عليه فرسه الذى لا يشقّ غباره فى الغارات، وسيفه القاطع المسلول دائما للنزال ورمحه الذى يفتك بالرجال، وتلك أدوات جلبه للمال وسرعان ما تبدده يداه فى الناس. ويترجم الباخرزى لابن عم له يسمى أبا جوثة، ثم يهبط من الموصل وبواديها إلى بوادى الحلّة بالقرب من الكوفة حيث إمارة بنى مزيد الأسديين التى أسستها قبيلتهم بنو أسد فى أواخر القرن الرابع الهجرى، ويترجم لدبيس بن على بن مزيد الذى ولى إمارتها سنة ٤٠٨ حتى وفاته سنة ٤٧٧ وله حروب كثيرة مع بنى خفاجة، واستنجد به قرواش ضد الغزّ حين أغاروا على بلاده، فنجده. وينشد له الباخرزى بيتين يدلان على شاعرية متوسطة بل على شاعرية ضعيفة ويأخذ الباخرزى بعد ذلك فى الترجمة لطائفة من شعراء نجد، يبتدئهم بمحمد بن الجراح من قبيلة بكر، ومما أنشده له فى كرم الضيافة الذى يشتهر به العرب من قديم قوله: لا يرفع الضيف عينا فى منازلنا ... إلا إلى ضاحك منا ومبتسم ويطيل الباخرزى فى الوقوف عند شاعر طائى، هو أبو كامل تميم بن المفرج، وفيه يقول: «كامل» وبالكمال قد كنى، وإذا وصف تمام الفضل فتميم عنى، وناهيك بذاك الألمعى».

стр. 2216

ويذكر الباخرزى أنه مدح الوزراء فى إيران ونال جوائزهم، وأنه أبعد فى الرحلة حتى غزنة. ويلم ببعض مدائحه وخمرياته، وينشد له أشعارا فى الغزل تذوب رقة، من مثل قوله: ودّعينا-إن كنت أزمعت-جاره ... قبل أن يمنع الفراق الزياره زوّدى وامقا أجدّ ارتحالا ... ما قضى فى مقامه أوطاره لم يزل يحذر التفرق حتّى ... حققوا يوم رامتين حذاره كان يكفيه-والمحبّ قنوع- ... وقفة أو تحيّة أو إشاره كاعب فى الحجال يمنعها الزّو ... ر حياء يصونها وغراره ذات ثغر كأنه حين يبدو ... عقد درّ أو أقحوان قراره والأبيات تسيل عذوبة ورشاقة، والألفاظ فيها ملتحمة أوثق التحام، وكلما قرأنا بيتا فيها، بل شطرا، أحسسنا بجمال اتساقه، وأنه يتصل بسابقه اتصال ذوى الرحم والقرابة، وما أجمل قوله: «والمحب قنوع» فأى شئ يقنعه: وقفة أو تحية أو إشارة من بعيد. وقد عبّر عن حجابها وأنها لا تستطيع أن تراه تعبيرا ظريفا، إذ ذكر أنها فى الحجال والأستار داخل بيتها، ولا يصونها الحجاب وحده، بل يصونها أيضا حياؤها وخجلها. والمعانى رقيقة رقة بالغة، والصور جميلة وطبيعية، ولا تكلف، ولا تصنع، بل شاعر وامق يعبّر عن حبه وهيامه تعبيرا حافلا بالوجد والصبابة دون أى أثر للحب الحسى المادى وأدرانه، بل هو حب عذرى طاهر يخلو من كل إثم ووزر، سوى اللوعة. ويترجم الباخرزى لشاعر من غسان ولشاعر ثان بدوى، ثم لشاعر ثالث همدانى يسمى المنيع، وينشد له قطعة غزلية فى ابنة عم له تسمى ذؤابة شغفت قلبه حبا، وفيها يقول: كأنّ ذؤابة فى القزّ تمشى ... ربيب مها ترتدى بالظّلال وهى صورة بديعة، إذ يصور صاحبته وثوبها الهفهاف بمهاة فى يوم قيظ شديد الحرارة، وقد أوت إلى ظلال شجرة وسط الصحراء تتخذ منها غلالة تقيها حمارّة القيظ. ويمضى الباخرزى، فيترجم لشاعر من ربيعة ثم لشاعر عامرى يسمى قيسا، وكأنما يعيد لنا ذكرى قيس مجنون ليلى، وهو يكثر من الحديث عن ديار صاحبته ومعاهدها من مثل قوله: قفا صاحبىّ قليلا عليّا ... ولا تعجلانى يا صاحبيّا وعوجا على طلل داثر ... لريّا وأين من العين ريّا معاهد لم يبق صرف الزما ... ن منها ومنّى إلا شويّا «وشويّا» تصغير شئ بمعنى بقية قليلة، بالضبط كما نستعملها فى عاميتنا المصرية، وكأن لها أصلا صحيحا فى العربية، والأبيات تفيض بالوجد والحنين. ويترجم الباخرزى لشاعر شيبانى

стр. 2217

من مدّاح نظام الملك الوزير السلجوقى ولشاعر من بنى عجل من شيبان من مدّاحه أيضا، ويبدأ مدحته فيه بوصف الخمر. ويتبعهما الباخرزى بثلاثة من الشعراء النجديين، ويقف وقفة طويلة عند شاعر من اليمامة يسمى على بن الأزهر، ويقول: «مما سحر لبّى من لبّ كلامه قوله: ديارهم بالرّقمتين سقيت ... سحابا من الوسمىّ ثم وليت (١) وما لك فى رىّ السحائب حاجة ... فقد طالما من مقلتىّ رويت وكم قد سبتنى فيك من ذات برقع ... بأحسن عين للمهاة وليت (٢) أيا بأبى الفوران طنّبت فيهما ... وأرض من الفورين كنت وطيت (٣) وماء حللتيه وإن كان آجنا ... وروض رعيت العشب فيه رعيت والصورة فى البيت الثانى بديعة، إذ ذكر، بعد أن دعا للديار بالسّقيا، أنها ليست فى حاجة إلى رى السحاب فقد طالما رويت من مقلتيه، وقد سبته صاحبته بعينيها وصفحة جيدها. ويذكر فى البيت الرابع الفورين، وهما موضعان باليمامة كثيرا ما التقيا فيهما، ويهتف مفديا الأرض التى وطئتها قدماها وكل ما مرت به أو نزلت عنده من مياه ورياض. وفى البيت الخامس يشبع الكسرة فى كلمة «حللته» فتمتد تاء التأنيث على نحو ما تمتد فى عاميتنا المصرية. والكلمات محبوكة، وكل بيت يستدعى ما يليه فى سلاسة وعذوبة، ويستطيب الماء الذى حلت به وإن كان آجنا متغيرا، كما يستطيب الروض والعشب مع الدعاء لها، ويقول الباخرزى: «ما أحسن ما جمع بين قوله: «رعيت العشب» على الإخبار و «رعيت» على الدعاء». ويستعجل الشاعر الركب معه فى السير، وينشأ بينه وبين صاحبته حوار طريف على هذا النمط: فقلت لهم سيروا ولا تتروّحوا ... فليس لنا وادى الغضا بمبيت فقالت: ولم أمسيت تطوى بلادنا ... فقلت أمرتينى غداة نهيت وقد كنت لا ترضين منهم بما أرى ... من الضّيم لى فاليوم كيف رضيت وأقسمت أن لا تقبلى قول كاشح ... كذوب فكم أقسمت ثم نسيت والحوار مع صاحبته طبيعى، ولكل بيت رقته وعذوبته ودقته، فلم يعد الغضا مبيتا صالحا لهما، وقد أمرته بالمسير غداة نهته، ولم تكن ترضى له بالضيم والهوان فرضيت، وكم أقسمت له وعاهدته أن لا تقبل فيه قول كاشح كاذب، ولم يقل لها-كما لاحظ الباخرزى-نقضت

стр. 2218

العهد وحنثت فى يمينك، بل قال لها متلطفا «نسيت» القسم والعهد بل الأقسام والعهود. وهو لطف ورقة حسّ ما بعدها رقة، ويترجم الباخرزى بعده لشاعر بدوى نجدى يسمى على بن حسان، وينشد له قوله: سقيا لأيام التصابى ... مع كلّ خرعبة كعاب (١) إذ نحن نرتع فى الهوى ... ونجرّ أردية الشّباب والدّهر عنا غافل ... كالسيف يؤمن فى القراب والأبيات سلسة سائغة، والصور والأخيلة فيها طريفة، وخاصة الصورة الأخيرة التى صور فيها الدهر وكأنه سيف احتواه غمده، فلم يعد يخيفهم ولا يرهبهم، فالسيف فى غمده، والدهر بهمومه يغشاه حجاب من الغفلة إلى حين. وينشد له الباخرزى من قصيدة قافية: وحقّ لى وجدى على شادن ... أدقّ جسمى منه خصر دقيق وشاهد يشهد فى خدّه ... أن ليس فى الحسن لهذا رفيق فكلما عذّبنى هجره ... صحت من الوجد الحريق الحريق فخصر الشادن الدقيق أنحل جسمه، وكأنما أعداه نحولا وضنى، وما أجمل البيت الثانى الذى جعل فيه من الخدّ شاهدا يشهد بحسنه وجماله بل بتفوقه على كل حسن وجمال. والحب يكوى فؤاده ويلذعه، وكأنه جمرات نار يصلى بها قلبه بل يحترق، وهو ينادى، الحريق الحريق. ويترجم الباخرزى بعده لشاعر أسدى من شعراء المديح ولمغنية بدوية تسمى أم كلثوم. وإنما أطلنا عرض شعراء البدو فى الدّمية لأنها تكاد تكون المصدر الوحيد لشعراء نجد عامة فى الحقب الأولى من هذا العصر، فلولاها ما اتضح لنا شعر البدو فى القرنين الرابع والخامس الهجريين ولا أن البوادى كانت لا تزال تكتظ بالشعر والشعراء. ومن الغريب أن العماد الأصبهانى وزير صلاح الدين الأيوبى وشاعره الذى عنى مثل الباخرزى بالترجمة لشعر العالم العربى جميعه لم يعن بشعراء نجد ولا أفرد لهم صحفا فى خريدته إلا ما ذكره عن شعراء عقيل أصحاب إمارة الموصل وبواديه، أودعهم فى قسم الشام والجزيرة، وكذلك ما ذكره من شعراء بنى مزيد الأسديين أصحاب الحلّة وبواديها أودعهم قسم العراق، وبالمثل أودع شعراء الحجاز واليمن فى القسم الخاص بالشام، أو قل ألحقهم به، ولم يعن أى عناية بشعراء عمان والبحرين. وكتابه يعدّ المصدر العام الثانى بعد الدمية لشعراء الجزيرة العربية فى القرنين الخامس والسادس الهجريين. وقد صنفه فى مطالع العقد الثامن من القرن السادس، وهو يصرّح بذلك مرارا فى تضاعيفه.

стр. 2219

ولم يذكر العماد لبنى عقيل أصحاب الموصل وبوادى الجزيرة سوى مسلم (١) بن قريش ابن أخى قرواش الذى مرّ ذكره، وهو أعظم أمراء هذه الأسرة سلطانا، إذ كان يستولى على ديار ربيعة ومضر فى نجد. وملك حلب من بنى مرداس، وبذلك قضى على إمارتهم فيها نهائيا، وأخذ الإتاوة من الروم. وكانت سيرته منذ ولى سنة ٤٥٣ من أحسن السير وأعدلها، وعمّ الأمن دياره، وكان يصرف الجزية فى جميع بلاده إلى الطالبيين من أبناء على بن أبى طالب. وكان هو وأهله شيعة إسماعيلية على مذهب الفاطميين، ومما يدل على ذلك أن قرواشا عمه خطب فى بلاده للحاكم صاحب مصر، كما يقول المؤرخون، ثم رجع عن ذلك خوفا من حكّام بغداد السلاجقة. وعنى هو وأفراد أسرته بنثر الأموال على الشعراء فأتوهم من بغداد وغير بغداد. وكان مسلم يجزل العطايا للشعراء، وحين قصده ابن حيّوس شاعر الشام وأنشده مدائحه فيه بالغ فى إكرامه. ويقول العماد الأصبهانى إنه أقطعه الموصل، غير أن ابن حيوس لم يلبث أن توفى، وخلف أكثر من عشرة آلاف دينار، فحمل ذلك إلى خزانة مسلم فردّه، وقال: لا يتحدّث الناس عنى أننى أعطيت شاعرا مالا، ثم شرهت فيه وأخذته، ويروى أنه لما ملك حلب هجاه بعض شعرائها، فسأل عنه، فقيل له: إنه من أهل قرية المعرّة رعيتك، فقال: أوصوا به الوالى ليحسن إليه، وحذّروه أن يجنى عليه، فهذا لا يعرفنا، ولو لم تكن له شكاية من والينا ما قال هذا القول (٢). وفى ذلك ما يدل على حصافته وبعد نظره وحسن سياسته وكان شاعرا يحسن صوغ الشعر ورصفه، وله مكاتبات شعرية مع منصور بن دبيس المزيدى أمير بوادى الحلّة وأنشد له العماد إحدى هذه المكاتبات، كما أنشد له شعرا شيعيّا، أو بعبارة أدق ثلاثة أبيات شيعية، ويروى له (٣): وما كنت مجزاع الفؤاد وإنما ... فؤادى على بين الحبيب جزوع وكانت سليمى للمحبين روضة ... ووصل سليمى روضة وربيع والصورة فى البيت الثانى بديعة وتدلّ على شاعرية جيدة. وكان طموحا كريم النفس يطلب العلا مهما يكن مطلبها باهظا، وله فى ذلك مهوّنا من أهل عصره ومصغّرا: وإنى لأحقر هذا الزمان ... ولا سيما أهل هذا الزمن يريدون نيل العلا بالمنى ... ونيل العلا برغيب الثّمن وكانت وقفة العماد عند بنى مزيد الأسديين أكثر طولا، وأول من ترجم له منهم بهاء الدولة

стр. 2220

منصور (١) بن دبيس الذى خلف أباه على رياسة القبيلة سنة ٤٧٤ وكان إسماعيليّا رافضيّا مثل آبائه، وله-كما ذكرنا آنفا-مكاتبات شعرية مع مسلم بن قريش صاحب الموصل وبواديه، وظل على رياسة قبيلته الأسدية حتى توفى سنة ٤٧٩ وبعث هو وأبوه دبيس نشاطا أدبيا فى بيئتهما، فقصدهما الشعراء بالمديح. وكان منصور يجيد الشعر وله فى رثاء صاحب له يكنى أبا مالك: فإن كان أودى خدننا ونديمنا ... أبو مالك فالنائبات تنوب وكلّ ابن أنثى لا محالة ميّت ... وفى كلّ حىّ للمنون نصيب ولو ردّ حزن أو بكاء لهالك ... بكيناه ما هبّت صبا وجنوب وله فخر جيد. وخلفه ابنه سيف الدولة صدقة (٢)، وهو الذى بنى مدينة الحلّة لقبيلته، كى تنتقل من حياة البداوة إلى حياة الحضارة، وفيه يقول العماد: «كان جليل القدر، جميل الذكر. . له دار الضيافة التى ينفق عليها الأموال الألوف. . المعروف بإسداء المعروف، وإغاثة الملهوف» وقد قصده الشعراء من كل فج، وله قدم ابن الهبّاريّة-كما مرّ بنا-كتابه الصادح والباغم» الذى نظمه فى عشر سنوات على غرار كليلة ودمنة. ونازل محمد بن ملكشاه السلجوقى سنة ٥٠١ وقتل فى المعركة، ولما سمع نظام الملك وزير السلجوقيين فى الرّىّ خبر موته قال: مات أجلّ صاحب عمامة. وكان فارسا شجاعا عادلا فى رعيته، كما كان محسنا للآداب حافظا أشعار الجاهليين والإسلاميين والعباسيين. ويقول العماد: كان يقبل على الشعراء، ويمدهم بحسن الإصغاء وجزيل العطاء» وكان يرتب لهم سنويا مكافآت، كل حسب طبقته. واستطاع ابنه دبيس (٣) أبو الأغر سيف الدولة أن يلم شتات إمارته، غير أنه خرج على المسترشد مرارا وتفرّق عنه جنده تكرارا إلى أن قتله السلطان المسعودى السلجوقى صبرا سنة ٥٢٩ وهو الذى يشير إليه الحريرى-كما مرّ بنا-فى مقامته «العمانية» واصفا كيف أقبل الناس يثنون على أبى زيد، حين سمعوا فصاحته، يقول: «حتى كأنه الأسدى دبيس» فى إقبال الناس وتزاحمهم على رؤيته لشجاعته، وكان شاعرا، وأنشد له العماد محاورات شعرية مع أخيه بدران وكان ينشد: حبّ علىّ بن أبى طالب ... للناس مقياس ومعيار يخرج ما فى أصلهم مثلما ... تخرج غشّ الذهب النار

стр. 2221

ولم يستقم لآل مزيد بعد دبيس سلطان، وأبدلت العزة بالذلة، كما يقول العماد. ويترجم لأخيه بدران (١)، ويقول إنه تغرب عن الحلّة، وقصد الشام ثم توجه إلى مصر وبها توفى سنة ٥٣٠ وروى له العماد أشعارا يحنّ فيها إلى الحلّة باكيا مجد آبائه، وأخرى غزلية، أو شيعية، أو يذيب فيها بعض أمانيه الضائعة من مثل قوله: لا والذى قصد الحجيج على ... بزل وما يقطعن من جدد (٢) لا كنت بالراضى بمنقصة ... يوما وإلا لست من أسد لأقلقلنّ العيس دامية ال ... أخفاف من بلد إلى بلد (٣) ولم يستطع أن يبعث الإبل ولا غير الإبل لرد إمارة آبائه. ولا يلقانا بعده شاعر لبنى مزيد فى الحلة، وأغلب الظن أن قبيلة بنى أسد عادت أو عاد معظمها إلى البوادى، وكأنما كان ذلك كله دورا نهضت به وانتهى بانتهاء بنى مزيد وانتقاض سلطانهم. ويترجم العماد لشعراء الحجاز وتهامة ويريد بها مكة، إذ يطلق عليها اسم تهامة أحيانا، وأول من يترجم لهم شكر بن أبى الفتوح، وقد مرت بنا ترجمته عند الباخرزى. وتلاه بترجمة لجعفر (٤) بن محمد بن إسماعيل الحسنى، وقال إنه كان عارفا بالنحو واللغة، شاعرا يمدح الأكابر طلبا لرفدهم وعطائهم، وقال نقلا عن السمعانى إنه كانت فى رأسه دعاوى عريضة خارجة عن الحد، لا يرى أحدا فى علم اللغة فوقه. رحل من الحجاز إلى العراق، ثم دخل خراسان وأقام بها، ثم عاد إلى بغداد وألمّ بواسط والبصرة فى سنة نيف وثلاثين وخمسمائة على عزم المسير إلى بلاد فارس، وأنشد له العماد قطعتين: حائية ولامية، ومن قوله فى أولاهما: أما لظلام ليلى من صباح ... أما للنجم فيه من براح كأنّ الأفق سدّ فليس يرجى ... له نهج إلى كل النواحى كأنّ الصبح منفىّ طريد ... كأن الليل بات صريع راح ويتلوه العماد بأبى عبد الله (٥) محمد بن إبراهيم الأسدى الحجازى، ويقول إن مولده بمكة ومنشأه بالحجاز، وإنه لقى أبا الحسن التهامى شاعر مكة المشهور فى صباه، ويبدو أنه عمّر طويلا، إذ يقال إنه ولد سنة ٤٠١ وتوفى سنة ٥٠٠ وقد رحل إلى العراق واتصلت رحلاته إلى غزنه، وينسب له البيتان المشهوران:

стр. 2222

قلت: ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال: ثقّلت كاهلى بالأيادى قلت: طوّلت قال: لا بل تطوّل ... ت، وأبرمت قال: حبل الوداد وتتداول البيتين كتب البلاغة، إذ يصوران لونا من ألوان البديع وهو القول بالموجب. وهو توجيه الكلام فى الحوار وجهة طريفة، تنفى ظاهره المراد. ويترجم العماد عقبه لشاعر يسمى أبا بكر (١) محمد بن عتيق السّوارقىّ الذى توفى بطوس سنة ٥٣٨ وأنشد له العماد أشعارا منها قوله: أيا ساكنى نجد سلام عليكم ... وإن كنت لا أرجو إيابا إليكم وإن كان جسمى فى خراسان ثاويا ... فقلبى بنجد لا يزال لديكم ويترجم العماد بعده لشاعر من خدّام سدّة المصطفى ﷺ يسمى كافورا النبوى. ويقول إنه رحل أيضا عن المدينة، وأوغل فى رحلته حتى بخارى، وينشد له العماد بعض شعره، ثم يترجم لشريف سليمانى هو علىّ (٢) بن عيسى كان أبوه عيسى أميرا على المخلاف السليمانى وقتله أخوه أبو غانم يحيى، ففرّ ابنه على إلى مكة، وظل فيها إلى وفاته سنة ٥٥٦ يقول العماد: «وله تصانيف مفيدة وقريحته فى النظم والنثر مجيدة» ويقول القفطى: «لما نزل الزمخشرى مكة وجد بها الشريف على بن عيسى بن حمزة الحسنى فعرف قدره، ورفع أمره وتتلمذ عليه، ونشّطه لتصنيف ما صنّف» وقد ألف له تفسيره الكشاف المشهور، وفيه يقول على مادحا ومنوّها: جميع قرى الدنيا سوى القرية التى ... تبوّأها دارا فداء زمخشرا وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئ ... إذا عدّ فى أسد الشّرى زمخ الشّرا (٣) وينشد له العماد طائفة من أشعاره تدل على شاعرية خصبة وأنه كان يملك زمام اللغة ويعرف أساليبها السويّة المونقة، وله أبيات فخر كثيرة تصور عزة نفسه وإباءه الضيم ومروءته، ومن قوله فى رثاء بعض آبائه: غاض النّمير العذب يا واردا ... وحال عن عهدك ذاك الزّلال ويترجم العماد عقبه لابن عم له يسمى دهمش (٤) بن وهّاس، يظهر أنه فارق المخلاف السليمانى مثله وأقام بمكة، فترجم له العماد بين أبنائها، ويقول إنه وفد على صلاح الدين فى

стр. 2223

ذى الحجة سنة إحدى وسبعين، وهو على باب حلب، ثم يتلوه بابن الريحانى (١) على بن الحسن المكى الذى وفد على صلاح الدين فى سنة سبعين، ويذكر له قطعة فى مدح أمير المدينة قاسم الحسينى، وفيه يقول: سما بكرام من ذؤابة هاشم ... غطاريف صيد ماجدين جحاجح ويلقانا بعد ذلك فى مكة القائد سالم بن أبى سليمان، وهو مغربىّ الأصل، وينشد له العماد قصيدة فى المديح لعيسى بن فليتة أمير مكة، تزخر بالعقيدة الزيدية، وسنعرض لها فى موضع آخر، حين نتحدث فى الفصل التالى عن شعر العقيدة الزيدية. ويتنقل العماد من شعراء الحجاز إلى شعراء اليمن، ويترجم لأكثر من أربعين شاعرا منهم، وهم يصورون ما بثّت دويلات اليمن من نهضة شعرية فى بلدانها، وكان كثير من أمراء هذه الدويلات شاعرا، وترجم العماد لأربعة منهم، هم على بن محمد الصليحى مؤسس الدولة الصليحية، وجياش أمير آل نجاح حكام زبيد وحاتم بن أحمد الهمدانى أمير صنعاء والمهدى بن على بن مهدى أمير زبيد الذى قضى على دولة آل نجاح. ومر بنا حديث عن الصليحى عند الباخرزى، وكان جياش شاعرا مجيدا، ويروى أن ابن القمّ شاعر اليمن فى عصره أرسل إليه عاتبا (٢). يأيها الملك الذى خرّت له ... غلب الملوك نواكس الأذقان أترى الذى وسع الخلائق كلّها ... يابن النصير يضيق عن إنسان فأجابه جياش: لا، والذى أرسى الجبال قواعدا ... ذى القوّة الباقى، وكلّ فان ما إن يضيق برحبنا لك منزل ... ولو انّه فى باطن الأجفان ويشيد الشعراء طويلا بما كان يصلهم من عطايا الأمراء وأضرابهم من مثل أمراء بنى زريع والأمراء الزيديين وأئمتهم. وممن ترجم له العماد من شعراء الصّليحيين ابن القمّ وعمارة اليمنى وسنخص كلا منهما بكلمة فى حديثنا عن شعراء الإسماعيلية. وبالمثل ترجم لشاعر إسماعيلى ثالث من شعراء الصيليحيين هو عمرو بن يحيى الهيثمى شاعر الداعى على بن محمد الصليحى. ومعروف أن آل زريع حكام عدن خلفوا الصليحيين حين انتهت دولتهم بموت الملكة الحرة أروى سنة ٥٣٢ وصارت إليهم حصونهم ومعاقلهم وأموالهم، كما صاروا هم القائمين على الدعوة الفاطمية الإسماعيلية، ويترجم العماد لشاعرهم أبى بكر العيذىّ وسنخصه بكلمة بين شعراء المديح. وشعراء زبيد ودولة آل نجاح كثيرون، وعلى رأسهم جياش كما

стр. 2224

أسلفنا، وله فضل تخليد أسمائهم فى كتابه «المفيد فى أخبار زبيد» والكتاب مفقود، غير أن عمارة اليمنى كتب له مختصرا كما مرّ بنا وهو الذى رجع إليه العماد فى الترجمة لجمهور شعراء اليمن، وأول شاعر بارع يلقانا منهم زكرىّ (١) بن شكيل وله مدائح بديعة فى جياش، ويستهل إحداها بوصف طريف للخمر والمرأة الفاتنة، وفيه يقول: اسقنى الرّاح إنها تجلب الرّو ... ح وريحانها إلى الأرواح بزلوها فامتدّ منها لجوّ اللّ ... يل نور أغنى عن المصباح (٢) ما يزيل الهموم مثل اصطباح ... فى صباح لدى وجوه صباح إذ ترى الدّيك كالبعير، وكالأر ... ض السموات، أو فإنك صاح وارع عينيك فى عيون من الزّه ... ر جلاها نور كنور الأقاحى شفتاها نقلى وماء ثنايا ... ها عقارى وخدّها تفّاحى (٣) هذه الجنّة التى وعد اللّ ... هـ وما عن نعيمها من براح والأبيات تسيل عذوبة ورشاقة وخفة وتكاد تطير عن الأفواه طيرانا، والألفاظ تتداخل فيما بينها تداخل أفراد الأسرة المتشابكين فى الرحم، وما أجمل الجناس بين الاصطباح والصباح بفتح الصاد والصباح بكسرها أى الوجوه المشرقة المضيئة. وصور خدر الخمر فى البيت الرابع تصويرا جيدا، وأحكم مراعاة النظير فى البيتين الخامس والسادس، إذ قرن العيون والثغر إلى الزهر ونور الأقاحى، كما قرن الشفاه والرضاب والخدود إلى النّقل من الفستق وغيره والخمر والتفاح، وسمى ذلك كله الجنة، مبعدا فى الخيال. ويلقانا بعده من شعراء آل نجاح القاضى العثمانى (٤)، وله فى الصليحى حين فتك به سعيد بن نجاح هجاء مرير، وساق له العماد خمريتين، يتماجن فيهما، أما الأولى فيقول إنه شرب حتى حسب المهر أرنبا، وأما الثانية فيستوفى فيها ما سبقه إليه أبو نواس من فكرة العفو الإلهى عن الكبائر كما كان يزعم ذلك المرجئة، يقول متماجنا: قم فاسقنى بالكأس من تلك التى ... أهل النّهى فى وصفها قد حاروا واشرب ولا يلحقك خوف عقوبة ... فيها فربّ حسابها غفّار ويترجم العماد لإسماعيل بن البوقا وزير جياش، وأهم من ترجمته ترجماته لبنى أبى عقامة قضاة زبيد فى عهد آل نجاح، وفى مقدمتهم القاضى أبو عبد الله محمد بن أبى عقامة

стр. 2225

الحفائلى (١) الذى قتله على بن مهدى حين دانت له زبيد سنة ٥٥٤ وينشد له العماد أشعارا رائعة، منها قوله فى مديح قوم راحلين: للمجد عنكم روايات وأخبار ... وللعلا نحوكم حاج وأوطار تشتاقكم كلّ أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطار فحيث كنتم فثغر الرّوض مبتسم ... وأين سرتم فدمع المزن مدرار لله قوم إذا حلّوا بمنزلة ... حلّ النّدى ويسير الجود إن ساروا لا يعجب الناس منكم فى مسيركم ... كذلك الفلك العلوىّ دوّار والبدر مذ صيغ لا يرضى بمنزلة ... فيها يخيّم فهو الدّهر سيّار وهو مديح رائع، فالمجد لا يزال يروى أخبارهم، ولا يزال للعلا منهم أمانىّ موصولة، وكل أرض تشتاقهم وتتلهف عليهم، كأنهم غيث جدبها الممحل، وكل مكان ينزلون يصبح روضا مشرقا، وكلما ساروا عن مكان بكاهم الناس بدمع هتون، بكوا شمائلهم وكرمهم الذى يتبعهم أينما حلوا وساروا. وتصويره فى البيتين الأخيرين لهم فى رحيلهم بالفلك الدوار والبدر السيار تصوير دقيق يارع. ومن شعره فى الحداثة قوله يصف روضة: وروضة ما رأى الراءون مشبهها ... كأنما سرقت سرّا من الزمن غيم وظلّ وروض مونق وهوى ... يجرى من الروح مجرى الروح فى البدن غنّت بها الطّير ألحانا وساعدها ... رقص الغصون على إيقاعها الحسن لقد سكرت وما الصهباء دائرة ... فيها ولا نغمات العود فى أذنى وتصوير فتنته بالروضة تصوير جيد، فقد تصور كأنها سرقت من الزمن سرا دون أن يدرى لما يرى فيها من اجتماع جمال الطبيعة وجمال صاحبته التى تأسر لبه، ويتخيل الروض كله من حوله يتغنى ويرقص، تتغنى فيه الطير وترقص الأغصان على ألحانها متعانقة مرة ومنفرجة مرة، وهو مسلوب الحس فتنة وجمالا، حتى لكأنما هو فى مشهد غناء ورقص حقيقى. وكل شئ من حوله يأخذ بعقله. ويترجم العماد لابن مكرمان، وهو شاعر زيدى، سنعرض له فى حديثنا عن الدعوة الزيدية وشعرائها، كما يترجم لشاعر خارجى من شعراء على بن مهدى هو ابن الهبينىّ، وسنلم به فى حديثنا عن شعراء الخوارج، ويترجم أيضا لنشوان بن سعيد وشعره يكتظ بفخر عنيف بأصوله اليمنية، وسنتحدث عنه بين شعراء الفخر والهجاء. ووراء من سميناهم من شعراء اليمن فى الخريدة كثيرون لم نعرض لهم، لأن شعرهم متوسط

стр. 2226

أو دون المتوسط. ولعل القارئ لاحظ أننا اكتفينا بالخريدة عن عرض المختصر فى أخبار زبيد لعمارة اليمنى الذى أشرنا إليه آنفا، لأن الخربدة تستغرقه. ونترك العماد ومصدره العام أو خريدته عن اليمن والحجاز وشعرائهما حتى منتصف القرن السادس الهجرى، وبعد ذلك فالحجاز أهم مصدر له من منتصف هذا القرن حتى الربع الأول من القرن الثامن الهجرى كتاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين للفاسى وبه شعراء ممن جاوروا بمكة كثيرون، وبه مكيّون، ولدوا فى مكة ونشئوا بها واستيقظت مواهبهم الشعرية فيها، وأكثر أشعارهم مدائح زيدية فى حكام مكة وأمرائها الزيديين. وتكثر المدائح النبوية فى هذا الكتاب سواء لشعراء مكة أو لمن نزلوها وأنفقوا بقية حياتهم فيها أو فى المدينة، ولهم غزل رقيق نحس فيه نفحات الوجد الصوفى. ويلى هذا المصدر فى الأهمية من الترجمة لشعراء الحجاز كتاب سلافة العصر لابن معصوم، وقد ترجم فى مكة لأكثر من ثلاثين شاعرا من شعراء القرنين العاشر والحادى عشر الهجريين، وأكثر أشعارهم مدائح لأمراء مكة، وكثير منها معارضة لقصائد الشعراء السالفين النابهين ويلاحظ ذلك ابن معصوم فى غير موضع من كتابه، كما يلاحظ كثرة تصنعهم لألوان البديع وللتعبير عن التواريخ. وتكثر فى أشعارهم المدائح النبوية (والمناجيات) الإلهية. ومثلهم شعراء المدينة الذين ترجم لهم ابن معصوم، وهم أربعة عشر شاعرا ونجد عندهم الألوان الشعرية المتأخرة مثل الدوبيت. ويلقانا بعض شعراء الحجاز فى كتاب ريحانة الألبا للخفاجى المتوفى سنة ١٠٦٩ وبه قسم عن مكة والمدينة، وألف ذيلا له المحبى سماه نفحة الريحانة، وبه قسم عن نبغاء الحجاز وألف المحبى أيضا كتاب خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر وبه تراجم لبعض شعراء مكة والمدينة ومثله كتاب سلك الدرر فى أعيان القرن الثانى عشر للمرادى وكتاب تاريخ الجبرتى، ففيهما بعض تراجم لمكيين ومدنيين. وإذا تركنا الحجاز إلى اليمن بعد من ترجم لهم العماد فى خريدته وجدنا توران شاه الأيوبى يفتتحها سنة ٥٦٩ ويزيل منها الدويلات التى تحدثنا عنها آنفا، ويتحول شعراء اليمن إلى مديحه وفى مقدمتهم أبو بكر العيذى شاعر دولة الزّريعيين. ويتولاها بعده أمراء من أسرته، لعل أهمهم الأمير المسعود بن الملك الكامل صاحب مصر، وقد دخلها سنة ٦١٢ وكان يصحبه بعض الشعراء والأدباء وفى مقدمتهم أبو الغنائم الشيزرى، ولخزانته وباسمه ألف فى اليمن كتابه «جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام» وقد قسمه إلى أكثر من عشرة كتب، وختم كل كتاب ببعض أشعاره فى مديح المسعود. وكان قد حج الأمير المسعود فى سنة ٦٢٥ وأناب عنه عمر بن على بن رسول، وتوفى بمكة، فانتهز الفرصة عمر واستقل باليمن وأسس فيها دولة بنى رسول التى ظل

стр. 2227

لواؤها مرفوعا على اليمن من سنة ٦٢٦ إلى سنة ٨٥٨ وقد أرخ على بن الحسن الخزرجى تاريخا بديعا لهذه الدولة من منئشئها إلى سنة ٨٠٣ وهى السنة التى توفى فيها السلطان الأشرف، وتاريخه فى مجلدين، وهو كما قلنا فى غير هذا الموضع تاريخ حضارى وسياسى وأدبى، إذ عنى بوصف احتفالات الرسوليين وبأحداثهم ووقائعهم الحربية وما نظم فيها من أشعار، ويذكر مع كل سلطان شعراءه وتهنئتهم له بالجلوس على أريكة الحكم وبالأعياد الإسلامية وبانتصاراته على أعدائه، فعمر بن على بن رسول الذى تلقب بالملك المنصور معه شاعره محمد بن حمير الذى لم يكن يترك مناسبة إلا ويقدم له فيها مدائحه، ومع ابنه المظفر شعراؤه: ابن حمير وابن هتيمل وأضرابهما، وبالمثل من خلفهما من السلاطين. ويلقانا بعد الخزرجى وكتابه العقود اللؤلؤية فى تاريخ الدولة الرسولية ابن الدّيبع وكتابه قرة العيون، وفيه حديث مفصل عن دولة آل طاهر وشعرائهم، وقد ظلت من سنة ٨٥٨ إلى سنة ٩٢٢ وكان زوالها على يد الجراكسة جنود قانصوه الغورى، على نحو ما مرّ بنا فى الفصل الأول، فقد نازلوا آخر سلاطينها عامرا وقتلوه وقتلوا أخاه، وفى رثائهما يقول عبد الرحمن الدّيبع: أخلاّى ضاع الدّين من بعد عامر ... وبعد أخيه أعدل الناس بالناس وينزلها العثمانيون سنة ٩٤٥ ويظلون بها نحو قرن. وتتحول اليمن إلى الرّسّيين أصحاب صعدة، وينزلها العثمانيون ثانية سنة ١٢٦٥ هـ/١٨٤٩ م ويظلون بها حتى سنة ١٣٣٦ هـ/ ١٩١٧ م. وكل المصادر العامة التى ذكرناها للشعراء فى الحجاز تفرد فصولا طويلة لشعراء اليمن، ومرّ بنا ذكر كتاب «نسمة السحر فيمن تشيع وشعر» وهو كتاب نفيس غير أنه لم يطبع. ومن الكتب التى تحمل معلومات قيمة عن الشعر والشعراء فى اليمن كتاب سلافة العصر لابن معصوم وكتاب نفحة الريحانة للمحبى وكتاب البدر الطالع للشوكانى وكتاب نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف حتى سنة ١٣٧٥ هـ/١٩٥٥ م لابن زبارة الصنعانى وكتاب المخلاف السليمانى لمحمد بن أحمد العقيلى، وشعر الغناء الصنعانى لمحمد عبده غانم، غير الدواوين المطبوعة مثل ديوان ابن هتيمل وديوان البرعى وديوان مدائح إلهية لمحمد بن إبراهيم الوزير وديوان الأمير الصنعانى محمد بن إسماعيل. ولحضرموت نشاط شعرى غزير. وقد استطاع السيد عبد الله السقاف أن يؤلف كتابا من ثلاثة أجزاء فى تاريخ الشعراء الحضرميين، وهو يشتمل من شعراء هذا العصر الذى نؤرخ له على نحو مائة وعشرين شاعرا، ويقول فى مقدمته: «لا أكتم أن شعراء حضرموت ليسوا فى رتبة المجيدين من الشعراء ولا المفلقين. . ولما كانت حضرموت تسودها الروح الصوفية والنزعة الفقهية فإنك ترى على شعرهم طلاء صوفيا ومسحة فقهية، ومع هذا

стр. 2228

الطلاء وتلك المسحة فإنهم لا يخرجون عن كونهم شعراء، وإن لم يكونوا من المجيدين غالبا». ولعل السيد السقاف بالغ فى حكمه حين جعله عاما، ومما لا ريب فيه أن بين من ترجم لهم شعراء نابهين يمكن أن يعدّوا فى رتبة المجيدين، مثل أبى بكر العيدروس وعبد الرحمن بن مصطفى العيدروس المتصوفين، ومثل عبد الصمد بن عبد الله باكثير وهو يعد من الشعراء الممتازين فى الجزيرة العربية لهذا العصر بعامة وسنترجم له بين شعراء المديح. ولم يترجم السيد عبد الله السقاف لأحد من شعراء المذهب الإباضى الخارجى فى حضرموت، ومن أهمهم أبو إسحق الهمدانى وسنترجم له فى الحديث عن شعراء الإباضية. ولم يكن للشعر فى عمان هذا النشاط جميعه الذى رأيناه فى حضرموت، ولكن لا ريب فى أن الشعراء كانوا كثيرين فى هذا الإقليم كثرتهم فى الأقاليم الأخرى، وممن يلقانا منهم فى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى أبو على أبزون المجوسى الملقب بالكافى العمانى، وقد ترجم له الباخرزى فى دمية القصر (١)، وأنشد طائفة جيدة من شعره، ويذكر من ترجمته عن الفارسية قوله: وصحراء ردّتها الظّباء حفائرا ... بأظلافها أحبب بها من حفائر فهبّت رياح للصّبا فملأنها ... بمسك فعادت نزهة للنواظر وقد عنى نور الدين السالمى فى كتابه تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان بعرض نماذج من أشعارهم على مر الحقب، وخاصة الحقب الأخيرة من هذا العصر. وكان للخوارج فى نزوى شعراؤهم وأيضا للدول السّنّيّة حين كانت قائمة فى عمان ومسقط شعراؤهم، فقد شجع بنو مكرم وبنو نبهان الذين خلفوهم الشعراء، واشتهر للأخيرين شاعر عنى بمدحهم هو أحمد بن سعيد الخروصى الستالى وسنترجم له بين شعراء المديح واشتهر من الأسرة نفسها بأخرة من زمنها شاعر هو سليمان النبهانى، وسنترجم له بين شعراء الفخر، ومن شعراء الخوارج الحبسى شاعر الأمير سيف بن سلطان الإباضى (١١٠٤ - ١١٢٣) ومن الشعراء بين الأئمة الإباضية المتأخرين بلعرب بن سلطان الذى خلف الإمام السابق، ومن شعره (٢): ولما بلوت الناس لم أر صاحبا ... أخا ثقة فى النائبات العظائم وتحولت مقاليد الحكم إلى أسرة البوسعيديين إذ خلّصوها من أيدى اليعاربة سنة ١١٥٤ هـ وظلوا فى دست الحكم إلى اليوم، ومن أهم أئمتهم سعيد بن سلطان، وكان شاعرا مجيدا، وله يتغزل (٣):

стр. 2229

يا من هواه أعزّه وأذلّنى ... كيف السبيل إلى وصالك دلّنى وتركتنى حيران صبّا هائما ... أرعى النجوم وأنت فى نوم هنى عاهدتنى أن لا تميل عن الهوى ... وحلفت لى يا غصن أن لا تنثنى جاد الزمان وأنت ما واصلتنى ... يا باخلا بالوصل أنت قتلتنى واصلتنى حتى ملكت حشاشتى ... ورجعت من بعد الوصال هجرتنى لما ملكت قياد سرّى بالهوى ... وعلمت أنى عاشق لك خنتنى والأبيات جيدة والألفاظ فيها تتعانق فى خفة والمقابلات بارعة، والصور دقيقة، وقد أكمل صورة الغصن بانثنائه كناية عن جفاء صاحبته وإقبالها على غيره. وهو يأسى لنفسه أنها هجرته بعد وصالها وبعد أن ملكت عليه شغاف قلبه، وإنه ليتعثّر فى شباك حبّها، بينما انصرفت عنه إلى غير مآب، وعلى هذا النحو كان الشعر ناشطا فى عهد البوسعيديين ويلقانا من شعرائهم بأخرة من العصر أبو الصوفى سعيد بن مسلم. وكانت البحرين تكتظ بالشعر والشعراء طوال حقب هذا العصر، ومن أوائل من نلقاهم بها الحسين بن أحمد الملقب بالأعصم الذى ولى أمر القرامطة سنة ٣٥٩ ومرّ بنا حديث عنه وكيف أنه حارب الفاطميين تحت ألوية الخلافة العباسية، وكان شاعرا مجيدا، ومن شعره قوله: إنى امرؤ ليس من شأنى ولا أدبى ... طبل يرنّ ولا ناى ولا عود ولا اعتكاف على خمر ومخمرة ... وذات دلّ لها بالدّلّ تأويد (١) وتوفى بالرملة فى فلسطين سنة ٣٦٦ وكان يتخذ أبا نصر (٢) بن أبى الفتح كشاجم كاتبا بين يديه، وكان شاعرا محسنا، وأنشد له الثعالبى فى اليتيمة طائفة من أشعاره فى الأطعمة وألوانها المختلفة لعصره، ومن قوله فى وصف كتاب: وصاحب مؤنس إذا حضرا ... جالسنى بالملوك والكبرا جسم موات تحيا النفوس به ... يجلّ معنى وإن دنا خطرا أظلّ منه فى مجلس حفل ... بالناس طرّا ولا أرى بشرا وسرعان ما انتهى عصر القرامطة وخلفهم بنو الأصفر، ولا يظلون طويلا، ويعقبهم بنو العيونى منذ سنة ٤٦٦ ويعملون على النهوض بالبحرين علميا وأدبيا، وتكون ثمرة ذلك ظهور شاعر نابه من الأسرة هو على بن مقرّب العيونى، وسنترجم له بين شعراء المديح. ويخلف

стр. 2230

العيونيين-كما مرّ بنا-بنو عصفور وبنو جير العقيليون، وتظل النهضة الشعرية مستمرة ويستولى البرتغاليون بأخرة على البلاد فى سنة ٩٢٧ ويخرجهم منها العثمانيون فى سنة ٩٤٣ ويلقانا للبحرين غير شاعر فى كتب التراجم الأدبية التى ذكرناها فى حديثنا عن شعراء الحجاز، وخاصة فى «سلافة العصر» و «نفحة الريحانة». ويسترجع بنو خالد البحرين من العثمانيين سنة ١٠٨١ ويظلون يحكمون الأحساء حتى يستولى عليها السعوديون فى أوائل القرن الرابع عشر الهجرى، ومن الكتب التى تصور نشاط الشعر بعد خروج العثمانيين من البحرين كتاب شعراء هجر من القرن الثانى عشر إلى القرن الرابع عشر لعبد الفتاح الحلو، وقد أنشد شعرا كثيرا من منظومات لهم نحوية وفقهية. ومن الشعراء فى أواخر العصر على نقى الأحسائى وهو شيعى إمامى وله ديوان مطبوع ومؤلفات مختلفة فى العقيدة الإمامية. ٣ - شعراء المديح يكثر شعراء المديح كثرة مفرطة فى جميع أقاليم الجزيرة، وقد عرض الباخرزى فى دمية القصر طائفة من مدائح شعراء نجد فى الوزير نظام الملك السلجوقى، وكثرتهم إنما رحلوا إلى العراق وإيران طلبا للنوال، وخاصة من هذا الوزير الذى غمر الشعراء بجوائزه وعطاياه، ولهذّاب بن دهثم الشيبانى من قصيدة فى مديحه (١): ما خلق الله تعالى وجلّ ... مثل وزير الوزراء الأجلّ أروع كالنّصل ولكنّه ... أمضى من النّصل إذا ما يسلّ وقد بعث بنو عقيل فى الموصل وبواديها حركة أدبية ظلت مزدهرة طوال حكمهم، مما جعل شعراء إقليمهم يدبجون القصائد فى مديحهم، وقصدهم الشعراء من العراق والشام، وفى مقدمتهم أبو على بن الشّبل البغدادى مادح قرواش والمشيد بنصره على الغزّ بمثل قوله (٢): نزّهت أرضك عن قبور جسومهم ... فغدت قبورهم بطون الأنسر ومن شعراء قرواش الطاهر (٣) الجزرى. وكان مسلم بن قريش-ابن أخيه-ينثر الأموال نثرا على الشعراء فجاءوه من كل فجّ وفى مقدمتهم ابن حيّوس شاعر الشام، وبلغ من إعجابه بمدائحه فيه أن أقطعه-فيما قيل-الموصل على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وله يقول من قصيدة طويلة (٤):

стр. 2231

ولقد جمعت فضائلا ما استجمعت ... يفنى الزمان وذكرها لم يهرم كرما يبيح حمى الغنى ومآثرا ... وضحا تبيح بلاغة للمفحم ولم يكن بنو مزيد الأسديون فى الحلّة وبواديها أقل اهتماما بالأدب والأدباء من بنى عقيل فى الموصل وبواديه، وكانوا قريين من بغداد، فكثر إلمام الشعراء بديارهم لأخذ جوائزهم، غير من كانوا ينشئون بينهم وفى مقدمتهم على (١) بن أفلح العبسى الشاعر، ويقال إنه كتب بين يدى دبيس بن مزيد فى شبيبته. وكان ابنه منصور ممدّحا، ومن مدّاحه البندنيجى (٢) الشاعر البغدادى، ومحمد (٣) بن خليفة أبو عبد الله السّنبسى، وكان ابنه سيف الدولة صدقة مفزعا للشعراء. وكان السنبسى شاعره الأثير وله فيه مدائح مختلفة، ومن مدّاحه أيضا المطاميرى (٤) وأبو طاهر (٥) البغدادى وابن أبى الجبر (٦). وممن زار الحلّة عاصمة المزيديين ومدح أمراءها الأبيوردى الشاعر الإيرانى المشهور. ويغمر نجدا وراء دولتى المزيديين والعقيليين الظل، فلا نكاد نتبيّن شيئا من أخبار شعرائها، حتى تلقانا دعوة محمد بن عبد الوهاب وأصداؤها فى الشعر والشعراء. ومن يرجع إلى كتاب العقد الثمين يجد مدائح كثيرة طوال هذا العصر موجهة إلى أمراء مكة والمدينة وبالمثل تلقاه هذه المدائح فى سلافة العصر لابن معصوم و «نفحة الريحانة» وفى كتب التراجم المتأخرة، وكانت الإمارة فى مكة زيدية شيعية وفى المدينة إسماعيلية على الأقل فى الحقب الأولى وسنفرد لشعراء هاتين النحلتين فى الجزيرة دراسة خاصة فى الفصل التالى: أما اليمن فقد نشط فيها الشعر طوال هذا العصر، وكان لتنافس الإمارات والدويلات الكثيرة فى أوائله أثر بعيد فى ذلك، فإن كل إمارة عملت على أن تجمع حولها الشعراء ليكونوا دعاة لها، وفى سبيل هذه الغاية كانت تجزل لهم فى العطاء، وتلقانا فيه إمارة الزيديين فى صعدة، وسنتحدث عن شعرائها فى الفصل التالى. وبالمثل إمارة الصّليحيين الإسماعيلية كان لها شعراء كثيرون سنعرض لهم فى الفصل التالى أيضا. وقل ذلك نفسه فى إمارة بنى مهدى الخوارج فسنتحدث عنهم مع الإباضية وشعرائهم. وربما كانت أهم إمارة عنيت بالشعر فى القرن الخامس إمارة آل نجاح فى زبيد، وكان جياش (٤٨٢ - ٤٩٨ هـ) أهم أمراء هذه الدولة وأكثرهم عناية بالشعراء حتى لقد صنف فيهم كتابه «المفيد» الذى مرّ بنا

стр. 2232

ذكره، ويذكر عمارة فى المختصر الذى صنعه لهذا الكتاب أنه كان لجياش ديوان ضخم وعدة مجلدات تجمع نثرا ونظما، ومن أهم شعرائه زكرى بن شكيل المارّ ذكره، وفيه يقول من مدحة طويلة (١): المشترى حلل الثناء بما حوت ... كفّاه والحامى لها أن تشترى والموقد النارين: نارا للوغى ... لا تنطفى أبدا ونارا للقرا وكان بنو زريع فى عدن موردا عذبا للشعراء، وكانوا إسماعيلية، وكان كل من تولى منهم يسمى نفسه الداعى أى للمذهب الفاطمى، ولذلك سنؤخر شعراءهم إلى حديثنا عن شعراء المذهب الإسماعيلى فى اليمن. وقد تحول كثير من شعراء اليمن إلى مديح الأيوبيين منذ استولى توران شاه الأيوبى سنة ٥٦٩ على اليمن إلى أن تخلوا عنها وملكها قائدهم نور الدين عمر بن على بن رسول وأسس فيها الدولة الرسولية، ومن طريف ما تقرأ لهؤلاء الشعراء قصيدة لأبى بكر العيذى يمدح بها توران شاه حين فتح اليمن وفيها يقول (٢). أعساكرا سيّرتها وجنودا ... أم أنجما أطلعتهنّ سعودا أم تلك ماضية العزائم أرهفت ... بالرأى منك وجرّدت تجريدا أم تلك أقدار الإله ونصره ... رفعت عليك لواءها المعقودا ومن أهم الحكام الأيوبيين هناك الملك المسعود، وهو آخر من حكمها منهم، وكان يصحبه أمين الدولة أبو الغنائم الشيرزى وصنف له كتابه «جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام» كما مرّ، وهو منتخبات شعرية ونثرية، وكان شاعرا. ويؤسس نور الدين عمر بن على بن رسول منذ سنة ٦٢٦ دولة أسرته الرسولية، ويبعث هو وأسرته فى اليمن نهضة شعرية، بجانب ما بعثوا من النهضة العلمية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ويكثر مادحوه من الشعراء فى الأعياد وفى المناسبات المختلفة حين ينتصر فى بعض المعارك، وحين يفضى إلى بعض مجالس أنسه وشرابه، ولأبى الغنائم الشيزرى فيه مديح (٣) يدل على أنه عاش إلى ما بعد سنة ٦٢٣ وكان شاعره الأثير عنده محمد (٤) بن حمير، وكان لا يترك مناسبة دون أن ينشد فيها بين يديه بعض مدائحه من مثل قوله (٥): قد قيل جاور-لتغنى-البحر أو ملكا ... أنت المليك وأنت البحر يا عمر ما حاز ما حزت لا عرب ولا عجم ... ما شاد ما شدت لا جنّ ولا بشر

стр. 2233

إذا الجدود بهم أبناؤهم شرفوا ... أو فاخروا فبك الأجداد تفتخر عزّوا بعزّك أولاهم وآخرهم ... كما بأحمد عزّت كلها مضر ويقول الخزرجى: كان ابن حمير أوحد شعراء عصره وقد توفى سنة ٦٥١ وبذلك لحق عصر المظفر الرسولى (٦٤٧ - ٦٩٤ هـ). وشاعره غير مدافع القاسم بن هتيمل، وسنخصه بكلمة، وتكثر تهنئات الشعراء له منذ استيلائه على صولجان الحكم بعد أبيه، وكان كلما أهلّ عليه عيد أو انتصر فى موقعة حربية أكثروا من مديحه وتهنئاته، ومن المحقق أن كثيرين منهم كانوا يرددون معانى الشعراء العباسيين النابهين من أمثال أبى تمام والبحترى والمتنبى، ومن الطريف فى هذا الصدد أن أحد شعراء المظفر البارزين-وهو ابن دعّاس-كان معاصروه من أهل زبيد يرمونه بسرقة الشعر، ويقولون-متندرين عليه-إذا حوسب الشعراء يوم القيامة يؤتى بابن دعاس للحساب، فيعترف بسرقاته من سابقيه، ويقول هذا البيت لفلان وهذا الصدر لفلان وهذا العجز لفلان، وبذلك يخرج بريئا. ويذكر له الخزرجى مدحة فى المظفر يصفها بأنها باهرة، ومع ذلك يلاحظ هو نفسه أنه افتتحها بقوله: ليس فى قدرة ولا إمكان ... نيل ما نلت يا مليك الزمان ويقول إنه لابن الحجاج البغدادى (١)، ويعرض الخزرجى فى أثناء حديثه عن السلطان المؤيد (٦٩٦ - ٧٢١ هـ.) أسماء جماعة من شعرائه ومدائحهم فيه، وفى مقدمتهم العنسى والعفيف عبد الله بن جعفر من مثل قول الأخير (٢): ساد الملوك فلا تكون مثاله ... أبد الزمان ولا يكون مثالها وحوى الخلافة لم تكن إلا له ... طول الزمان ولم يكن إلا لها ومن الرسوليين الممدّحين الأشرف إسماعيل (٧٧٨ - ٨٠٣ هـ.) ومن مدّاحه الخزرجى صاحب العقود اللؤلؤية، وله فيه مدحتان أولاهما فى بيان (٣) ازدهار الدراسات الدينية التى أقامها السلطان الأشرف فى الجامع المبارك الأشرفى، وقد مضى الخزرجى يسمى القائمين على هذه الدراسات وغيرها من القرّاء والمحدثين والفقهاء والنحاة وأصحاب الحساب والجبر، والثانية (٤) فى وصف الاحتفال بختان أبناء الأشرف وتهنئته والإشادة بملكه وفتوحاته وأمجاده. ونمضى إلى عصر بنى طاهر غير أنهم لا يعنون بالشعر والشعراء على نحو ما كان يعنى الرسوليون، وبانتهاء دولتهم، يظلّ اليمن حكم الزيديين أصحاب صعدة، وسنخصهم بحديث مستقل.

стр. 2234

وتكثر فى حضرموت مدائح العلماء والصوفية وهذا طبيعى لأن كثرة الشعراء من الزهاد والفقهاء، ويمتلئ كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين بهذه المدائح كقول أحمد السقاف العلوى فى شيخه محمد بن عبد الرحمن الأسقع (١): فقيه شريف حاز فضلا ورفعة ... له نسبة تعلو على كل نسبة وأكبر الشعراء المدّاحين فى حضرموت عبد الصمد بن عبد الله باكثير، وسنخصه بكلمة. ويكثر شعراء المديح أيضا فى عمان ودائما يتجه الشعراء بأشعارهم إلى مديح الأمراء النبهانيين، وسنقف قليلا عند شاعرهم السّتالى. وبالمثل كان الشعراء فى البحرين لا يزالون يمدحون أمراءها من العيونيين وغيرهم وفى مقدمتهم شاعر البحرين غير مدافع على بن مقرب العيونى: وواضح مما سبق أننا سنقف قليلا عند أربعة من شعراء المديح فى اليمن وحضرموت وعمان والبحرين يصورون لنا ازدهار هذا الفن فى بلدانهم فى حقب مختلفة، وهم القاسم بن هتيمل اليمنى وأحمد بن سعيد الخروصى السّتالى العمانى وعلى بن مقرّب العيونى البحرانى وعبد الصمد بن عبد الله باكثير الحضرمى. القاسم بن هتيمل (٢) هو القاسم بن على بن هتيمل أكبر شعراء اليمن فى القرن السابع الهجرى، وهو من نجران بوادى ضمد فى المخلاف السليمانى وهى غير نجران المشهورة وبها نشأ. وقد تيقظت موهبته الشعرية مبكرة، وله ديوان شعر كبير يدل على أنه وجّه شعره منذ شبابه إلى مديح أمراء المخلاف السليمانى وكانوا يتبعون الدولة الرّسولية، كما وجهه إلى الرسوليين وأمرائهم وولاتهم وإلى الأمراء الزيديين فى جهة صنعاء وصعدة. ولا تعرف سنة ميلاده، والمظنون أنه ولد فى العقد الثانى أو أوائل العقد الثالث من القرن السابع، وإن كان هناك من يظن أنه ولد فى أوائل هذا القرن، غير أننا لا نجد له شعرا فى السلطان عمر بن على بن رسول نور الدين المتوفى سنة ٦٤٧ بينما يعد بحق شاعر ابنه السلطان المظفر (٦٤٧ - ٦٩٤ هـ) وحفيده السلطان الأشرف (٦٩٤ - ٦٩٦ هـ). ويبدو أنه توفى لزمنه إذ لا نجد له مديحا فى أخيه المؤيد (٦٩٦ - ٧٢١ هـ) الذى استولى على صولجان الحكم بعده. وكان يتخذ شعره

стр. 2235

متجرا، فهو يمدح به المظفر وأسرته وعماله، كما يمدح أمراء المخلاف السليمانى وأعيانه، والأئمة الزيديين وفى مقدمتهم الإمام أحمد بن الحسين، وأمراء ظفار، وأمراء قبائل حلى بن يعقوب، ويروى أنه قال فى أميرهم أحمد بن على الحرامى الكنانى من مدحة طويلة: إن الملوك بنو يعقوب قاطبة ... قطعا وكلّ ملوك بعدهم سوق والسوق جمع سوقة وهى الرعيّة وبلغت المدحة سمع المظفر الرسولى، فاستشاط غضبا حين سمع هذا البيت وطلب ابن هتيمل ليطير به طيرة بطيئا سقوطها حتى إذا مثل بين يديه وأنشده البيت حنقا، تخلّص تخلصا لطيفا، قائلا: أطال الله عمر السلطان! إنما قلت: «وكل ملوك غيرهم سبق» فاستحسن تخلصه (١)، وله فيه كثير من المدائح البديعة من مثل قوله أغرّ رسولىّ يزرّ قميصه ... على القمر التّمّ الخضمّ الغضنفر أعمّ سماحا من سماحة حاتم ... وأعظم بأسا من بسالة عنتر وقوله (٢): هدى كهدى رسول الله متّبع ... ما سار آل رسول الله فى السّير وعزمة كلّ حدّ من صرامتها ... أمضى من الموت أو أمضى من القدر لو أن هيبته أو بعض هيبته ... تلقى على الفلك الدوّار لم يدر ونسيجه اللفظى متين قوى، وكلماته تروق السمع بجرسها وبحسن انتقائها، إذ كان يعرف كيف يصطفى لفظه وكيف يلائم بين كلماته ملاءمات تلذ الأذن حين تصيخ إليها وتلذ اللسان حين ينطق بها وهو بحق صائغ ماهر. وممدوحه الثانى بعد المظفر فى ديوانه الإمام الزيدى أحمد بن الحسين، وفيه يقول فى إحدى مدائحه (٣) حفظ الله أحمدا حيثما كا ... ن وجادته ديمة مدرار الشريف الشريف والجوهر الجو ... هر والخالص النّضار النّضار سيّد أمّه البتول وجدّا ... هـ المثنّى وأحمد المختار والبتول: السيدة فاطمة الزهراء، والمثنى: الحسن بن الحسن بن على جد الممدوح وأحمد المختار الرسول ﷺ ، وواضح ما فى لفظ ابن هتيمل من سهولة وعذوبة، وهو عادة يقدم لمدائحه بغزليات تسيل رقة وخفة، كقوله فى مقدمة هذه القصيدة:

стр. 2236

يا قضيبا من فضّة يقطف النّر ... جس من وجنتيه والجلّنار قمر طوقه الهلال ومن شم ... س الدياجى فى ساعديه سوار عجبا منك تحت برقعك النا ... ر وفيه الجنّات والأزهار والليالى الطوال تنحت من جس ... مى ما أبقت الليالى القصار وبيّن ما يتضمن هذا الغزل من روعة التصاوير، فالقد الرشيق لصاحبته قضيب أو غصن من فضة يقطف منه النرجس والجلنار إشارة إلى جمال عينيها وخدودها، وقلادة الفضة تطوّق جيدها، بينما نور الشمس يلتف حول ساعديها سوارا، ويعجب أن تتوهج النار نار وجنتيها تحت برقعها بينما بجانبها الجنات من النرجس والجلنار والأزهار. وتطول به الليالى سهرا وسهادا، حتى لتضنيه، بل حتى كأنما تنحت جسمه، مخلّفة له الألم والشحوب. ودائما يلقانا هذا الغزل والنسيب الرائع فى مقدماته لمدائحه على شاكلة قوله فى استهلال مدحة ثانية لأحمد بن الحسين: إذا جئت الغضا-ولك السلامه ... فصارح بالتحية ريم رامه (١) وقل للوائليّة هل لروحى ... وما أتلفت من جسدى غرامه حللت تهامة وحللت نجدا ... فأين وأين نجد من تهامه وسارت القصيدة مسيرة أختها السابقة وعارضها كثير من الشعراء، ولا ريب فى أنه كان يغنّى بها كما كان يغنى بأختها الرائية السالفة. ومن طريف نسيبه: أراك تروح ما ودّعت نجدا ... ولا أحدثت بالعلمين عهدا ولا صافحت أهل الرّمل كفّا ... فكفّا فيه أو خدّا فخدّا ضلال ما أتيت من التجافى ... ألا بعدا لما أضمرت بعدا وكيف سلوت عن أرض بأرض ... يفوح ترابها مسكا وندّا (٢) والأبيات تسيل رقة وعذوبة، ويروى أن بعض الوجهاء فى اليمن جاءه طلب عاجل من أحد الأمراء بأن يفد عليه لأمر مهم، وكانت زوجته اتخذت زينتها له أو شيئا من زينتها، فلما رأته يهم بالخروج تعرضت له منشدة قول ابن هتيمل. أراك تروح ما ودّعت نجدا ... ولا جدّدت بالعلمين عهدا فابتسم الزوج وأجّل زيارة الأمير (٣). وفى هذا الخير ما يشير بوضوح إلى أن أهل اليمن رجالا ونساء كانوا يتداولون شعر ابن هتيمل فى حياته وبعد مماته. وكان المغنون يتغنون فى بعض

стр. 2237

أشعاره بل قد يغنون له بعض مدائحه بما يتقدمها من غزل ونسيب وما تذيع من ثناء ومديح. وله مراث لزوجته وبعض أهله تفيض بالأسى واللوعة الممضة كقوله فى أخ وأخت له ماتا فى أسبوع واحد: مضت ما ابيضّت الضّفرات منها ... ومات وما بدا شعر العذار فأيّهما على الخلوات أبكى ... أبدر التّمّ أم شمس النهار وفى الحق أن ابن هتيمل كان شاعرا مجيدا سواء فى مراثيه أو فى غزله ونسيبه أو فى مدائحه، وهو فى المدائح يسجل أحداث عصره وما كان فيه من وقائع حربية، وخاصة حروب السلطان المظفر، مما جعل الخزرجى ينشد كثيرا من أشعاره فى العقود اللؤلؤية. أحمد بن سعيد الخروصىّ الستالىّ (١) عمانى من وادى خروص، ومن قرية منه تسمى ستال، وفيها ولد سنة ٥٨٤ وبها نشأ وتلقن الشعر واللغة والنحو والبلاغة وفى هذا دليل واضح على ما نقول من أن الثقافة العربية كانت منتشرة فى كل ركن من أركان الجزيرة، بل فى كل قرية، ومثلها الثقافة الإسلامية، فقد كان الناشئة يبدءون بحفظ القرآن، ويقعدون فى حلقات بعض الشيوخ لسماع العظات وشئ من التفسير للذكر الحكيم وبعض الأحاديث النبوية. ولما شب الستالى عن الطوق غادر قريته إلى عمان، وأخذ فيها ينهل من موارد العلم والعلماء فى عصره. وحين أنس من نفسه تدبيج المدائح قصد بها حكام عمان السنيين من بنى نبهان، ويسجل شعره كثيرا من أحداث زمنه، وخاصة ما كان بين بنى نبهان وبين الفرس من حروب، فقد كانوا يكثرون من الإغارة على ديارهم، غير أنهم كانوا يعودون دائما مدحورين على نحو ما يصور ذلك الستالى فى مديحه للأمير النبهانى كهلان سنة ٦٥٠ وكذلك فى مديحه للأمير النبهانى عمر بن نبهان بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان سنة ٦٧٤ وهو وأبوه نبهان وعمه أبو القاسم على وكذلك عمه محمد تتردد أسماؤهم فى مدائحه ومراثيه فى الديوان، من ذلك قوله فى أبى القاسم على مادحا ومهنئا بالعيد: أبا القاسم الميمون أوتيت فى الدّنى ... من الفضل ما لم يؤت عجم ولا عرب (٢) لك الشّيم الغرّاء والهمم العلا ... وأنت السّنان الصّدق والمرهف العضب (٣) أبا القاسم اسلم وابق للمجد وادعا ... وحلّ بشانيك المخافة والرّعب

стр. 2238

وعيّد سعيدا فى علاء ورفعة ... وطول يد مالاحت السّبعة الشّهب (١) وواضح أن صوت الشاعر يحمل غير قليل من الجزالة والرصانة، وفيه استواء وتناسق وما يدل على أن الشاعر كان يحكم كلمه ويصوغها صياغة جيدة دون أى نبوّ والتواء، وله يمدح نبهان بن عمر من قصيدة طويلة: أنبهان إنك من عصبة ... نماها إلى المجد قحطانها هم العين فى يعرب كلّها ... وأنت من العين إنسانها إذا طلبت مكرمات العلا ... بدا فى جبينك عنوانها فعشت وبلّغت من سيّد ... مناك وسرّك لقيانها ولا زال يغدوك فى نعمة ... شباب الحياة وريعانها والأبيات تصافح الآذان فى خفة، وهى تموج بالحركة، وكأنما أعدّها لكى تغنّى وتملأ الحلوق بحلاوة رناتها، وانظر إلى تكملة البيت الرابع: «وسرّك لقيانها» فإنك تحس القدرة على تكملة البيت بقافية تروعك، إذ لم تكن تتوقعها، وكنت تحار كيف يأتى بها. ويبدو أنه كان يكثر من الرحلات إلى العراق، ففى أشعاره ذكر لبعض بلدانها مثل تكريت وهيت والجزيرة، وكان يمد رحلاته إلى جزيرة زنجبار شرقى تنزانيا، ونراه يمدح سبّخت وغيره من أعيانها، وفيه يقول: إذا أنت أبصرت فى الدّست سبّخ ... ت كالشمس أنكرت خلق العباد سما بمعال وفضل كمال ... وحسن فعال وصفو اعتقاد جرئ القتال غداة النّزال ... ببيض النّصال وسمر الصّعاد (٢) ويكثر من تقديمه لمدائحه بالنسيب، وهو-كغيره من شعراء الجزيرة العربية يكثر من التغزل بالأعرابيات ووصف جمالهن وسحرهن وكيف يشغفن القلوب، وخاصة حين يرحلن، فتتبعهن الأفئدة، من مثل قوله: لمن الظعائن ظلّع الأحداج ... وقفت لشأن وانثنت لمعاج (٣) رفعوا هوادج كالسّفين وكلّة ... محفوفة بالوشى والدّيباج (٤) فيهن كلّ معيدة علق الهوى ... بجمالها ودلالها الخلاّج (٥) وهو يبدئ ويعيد فى وصف هذا الترحال الذى يقف أسباب المودة والحب، والذى

стр. 2239

يملأ قلوب العشاق فى البوادى فتنة وإغراء وصبابة، ويذيبها أسى وحسرة، فتذكر العهود والأطلال والربوع وأكناف الحمى، وقد غابت الأقمار وأظلمت الدنيا، وعم المحبين اليأس وتعمقهم الحزن. وقد يجعل الستالى المقدمة لقاء بهيجا على شاكلة قوله: قصرن الخطا وهززن الغصونا ... ورقرقن تحت النّقاب العيونا ووشّين بالتّبر بيض التراقى ... وغشّين سود الفروع المتونا وأقبلن يخطرن مشى الهوينى ... ويبدين من كل حسن فنونا فلما عرضن لنا سافرات ... أعدن الهوى وبعثن الشّجونا والأبيات تصور فرحة الستالى باللقاء وبرؤية صاحبته تسير وسط صواحبها، وقد ترقرقت عيونهن بالدموع ولكن دموع الابتهاج وإنهن ليبدين زينتهن، ويخطرن دلالا، ويسفرن عن وجوههن، فتتلألأ الدنيا بجمالهن من حول الستالى، ويعود الحب كما كان فتنة لا يستطيع إفلاتا منه ولا خلاصا. وللستالى خمريات، يجمع فيها بين وصف الرياض والغزل ونعت الخمر والغناء من مثل قوله: هات اسقنى الرّاح فى راووقها عللا ... وعاطنى فى الحديث اللهو والغزلا أما ترى نفحات الصيف قد نشرت ... من النبات على وجه الثّرى حللا والروض يختال فى زهر البهاء وقد ... غدا الثّرى بفنون الوشى مشتملا وشادن يتهادى فى الصّبا غيدا ... ميس القضيب تثنّى ثمّت اعتدلا (١) يسعى علينا بنور فى زجاجته ... لولا حدوث مزاج الماء لاشتعلا وقينة أنطقت صوت الكران وقد ... غنّت بسيطا على الأوتار أو رملا (٢) والشّرب قد مزجوا صفوا خلائقهم ... كما مزجت بماء المزنة العسلا ونحس بروح أبى نواس تطلّ علينا من خلال هذه الخمرية التى تصور مجلس أنس فى بستان وساقية تتثنى جمالا، تسعى على الشّرب بدنّ الخمر أو دنانها، وقينة تشدّ أوتار العود وتغنى عليه ألوانا من الغناء، وكأننا فى مجلس من مجالس أبى نواس التى كانت تزخر باللهو والقصف. وهذا الجانب فى ديوان الشاعر يلتقى بجانب آخر من الدعوة إلى الزهد ورفض متاع الحياة، ويتضح ذلك فى مراثيه إذ يتحدث فيها عن الحياة والموت وأن الدنيا ومتاعها إلى فناء، وله ميمية كلها ثناء على الله وآلائه، وقد ختمها بدعوة حارة إلى الانصراف عن الدنيا ومتاعها الزائل.

стр. 2240

وتكثر فى أشعاره الحكم وربما كان يأتسى فيها وفى غزله بالأعرابيات البدويات بالمتنبى. وربما كان يأتسى به أيضا فى شكواه الكثيرة من الدهر وما يصبّه عليه وعلى الناس من فواجع وكوارث. وفى ديوانه بعض مخمسات طريفة، وله لامية كلامية كثيرّ يلتزم فى نهايتها أو قافيتها اللام قبل التاء، ولكن من الحق أنه لم يكن متصنعا فى أشعاره ولا متكلفا، وكأن ما وهبه من ملكة شعرية أصيلة حال بينه وبين التكلف والتصنع ودفعه دفعا إلى أن تكون أشعاره سلسة سائغة. علىّ بن المقرّب العيونى (١) شاعر من أسرة العيونيّين حكام الأحساء والبحرين من سنة ٤٦٦ إلى سنة ٦٣٣ وقد ولد سنة ٥٧٢ وعاش نحو ستين عاما إذ توفى سنة ٦٣١ وديوانه يصور ثقافة لغوية وأدبية وإسلامية، وهو يمتلئ بإشارات تاريخية، إذ كثيرا ما يذكر تاريخ العرب القديم وأيامهم وملوكهم وملوك الفرس الأولين. ومما يدل على ثقافته الأدبية واتساعها كثرة معارضاته لقصائد المتنبى والشريف الرضى ومهيار، مما يؤكّد أنه أكبّ على دواوين الشعراء النابهين وخاصة هؤلاء الثلاثة يتزود منها ويتخلّق فيها. ويبدو أن الشعر جرى على لسانه فى باكورة حياته، وسرعان ما قدمه إلى أمير أسرته محمد بن أبى الحسين (٥٨٤ - ٦٠٣) وهو أهم أمراء الأسرة العيونية جميعا، وقد شمل سلطانه البحرين بمدنها مثل القطيف والأحساء وجزرها مثل أوال التى يطلق عليها الآن اسم البحرين. ودانت له قبائل نجد الشرقية، ولعل ذلك ما جعل الخليفة الناصر لدين الله (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) يعهد إليه بخفارة الحجاج من العراق إلى مكة ذهابا وإيابا معه رسم سنىّ فرضه له. وفيه يقول على بن المقرب: رماح الأعادى عن حماك قصار ... وفى حدّها عما تروم عثار وكلّ امرئ ليست له منك ذمّة ... يضام على رغم له ويضار فعش فى عظيم الملك مالاح كوكب ... وأظلم ليل أو أضاء نهار ويحدث أن تفكر طيئ فى قطع الطريق على الحجاج سنة ٥٩٨ فينكل بها تنكيلا شديدا، ويشيد ابن المقرب ببسالته فى الحرب وانتصاره. وتضع بعض قبائل الشام يدها فى يد طيئ وتحاول الإغارة على الحجاج، فيمزقهم محمد بن أبى الحسين شر ممزق. ويعم الأمن ربوع البحرين ونجد الشرقية جميعا، غير أن يدا آثمة تمتد إلى هذا الأمير الشجاع،

стр. 2241

فتغتاله، ويبكيه شاعره ويندبه ندبا حارّا بمثل قوله: ليبك العلا والمجد والبأس والنّدى ... لقد صلّ واديها وجفّت مسايله (١) وتندبه البيض الصوارم والقنا ... لما أنهلتها كفّه وأنامله لقد منيت منه الأعادى بثائر ... همام أبى أن يحمل الضّيم كاهله وطبيعى أن لا تفتح أبواب قاتليه الذين خلفوه فى دست الحكم لابن المقرّب، بل لقد زجّوا به فى السجن وصادروا أمواله، وردّت إليه حريته وخرج من السجن فرحل إلى العراق، ونزل البصرة ومدح حاكمها باتكين بن عبد الله الرومى فى سنة ٦٠٥ ودخل بغداد ومدح الخليفة الناصر، وتعرّف على بعض علمائها وأدبائها. ورأى العودة إلى موطنه وأن يحمل معه طائفة من أعمدة الحديد للاتجار فيها، وألمّ بواسط فى طريقه فطالبه ابن الدبيثى ضامن المكوس بضريبة كبيرة بلغت نصف ثمن بضاعته، فصبّ عليه جام هجائه بمثل قوله: يا بن الدّبيثىّ اللعين لقد ... رمت المحال فغصت فى بحر خنت الخليفة فى رعيّته ... وعصيته فى السرّ والجهر ومر بالبصرة فطالبه ضامن المكس بها ببعض الضرائب، أو بالضريبة المقررة، فاستجار منه بممدوحه باتكين أمير البصرة، وينشده مدحة طويلة يقول فيها: يا شمس دين الله كم لك من يد ... يثنى بها باد ويشهد حاضر ادفع بجاهك أو بمالك منعما ... عنّى فمالك للعفاة ذخائر ويعود إلى موطنه ويقدم مدائحه إلى أمير الأحساء محمد بن على بن عبد الله الذى ردّ إليه حريته، ويأمل أن يرد عليه أمواله وبساتينه، ولكنه لا يرد عليه شيئا. ويحدث أن ينهض الفضل بن الأمير محمد بن أبى الحسين بأخذ الثأر لأبيه من قتلته، ويصبح الحاكم العام للبحرين، ويقدّم إليه على بن المقرب مدائح كثيرة، ولا يحظى منه بشئ أو بما كان يأمله. وسرعان ما يثور عليه ابن أخيه على بن ماجد، وتثور معه البحرين لتوقيعه معاهدة بينه وبين أمير جزيرة كيش تنازل له فيها عن بعض جزر البحرين، مع تقديم خمسمائة دينار له سنويّا، ويفرح الشاعر بهذه الثورة ويدبج فى على بن ماجد مدائح كثيرة من مثل قوله: أضحت بك الأحساء ساكنة وقد ... رجفت بمن فيها وكادت تقلب وملأتها عدلا وكانت عمّمت ... جورا تغور به الدّيار وتخرب

стр. 2242

ويثور مقدم بن غرير العيونى، ويستخلص حكم البحرين لنفسه بمساعدة بعض عشائر عبد القيس النجدية. ويئس ابن المقرب لما صارت إليه أداة الحكم، فأبناء الأسرة يتحاربون، والحكم يفسد ويضعف. ويولّى وجهه نحو العراق ويمتدح باتكين والى البصرة والخليفة ببغداد فى سنتى ٦١٣ و ٦١٤. ويعود إلى موطنه، وقد أصبح زمام الحكم بيد محمد بن مسعود، ويمتدحه ويمتدح أخاه الفضل على بن مسعود الذى تحولت إليه مقاليد الأمور بعده، بمثل قوله: رفعت عماد المجد من بعد ما وهى ... ورثّ وأضحى ركنه وهو مائل وقمت بأحكام الشريعة فاستوت ... لديك ذوو الأجبال: طىّ ووائل ويترك البحرين إلى العراق فى سنة ٦١٧ ويمتدح باتكين فى طريقه إلى بغداد ويمتدح الخليفة الناصر، ويوغل فى رحلته إلى الشمال حتى الموصل وديار بكر ويمتدح بدر الدين لؤلؤا مدبّر الحكم فيها لسلطانها القاهر بن نور الدين أرسلان شاه، وفيه يقول: أرسى قواعد ملك لو يدبّره ... كسرى وإسكندر أعيتهما الحيل ويمد رحلاته إلى الملك الأشرف موسى بن العادل الأيوبى صاحب حرّان وديار الجزيرة، ويشيد ببلائه مع أخيه سلطان مصر الكامل فى قتال الصليبيين بدمياط وسحقهم سحقا ذريعا حين أغاروا عليها فى السنوات ٦١٥ - ٦١٨ وفيه يقول من مدحة طويلة: سل الكفر من أوهى بدمياط كفره ... وقصّر أعلى فرعه وهو باسق وقد جاءت الإفرنج من كلّ وجهة ... كأنّ تداعيها السيول الدوافق فولّوا فمكبوب على أمّ رأسه ... لدن ذاك لم ينفق وآخر نافق (١) ويعود ابن المقرب إلى موطنه، فيجد أداة الحكم قد أصابها فساد لا صلاح لها بعده، إذ وضع أمير البحرين الفضل البلاد تحت تصرف البدو من بنى عقيل، فأفسدوا زروعها وثمارها، حتى أصبح البستان الذى تبلغ قيمته مائتى دينار يباع بدينار واحد أو يثوب أو بشاة، ويأسى لذلك فى شعره أسى عميقا. وشعر ابن المقرّب يعدّ بحق سجلاّ تاريخيّا لأسرته وحكمها البحرين، فكل من عاصرهم صوّر حكمهم وأحوال البلاد فى أيامهم، وله قصيدة ميمية سجّل فيها تاريخ أسرته منذ مؤسسها الأول حتى زمنه، مفاخرا مباهيا، وفيها يفخر بأن جده عبد الله بن على قضى على القرامطة وما أذاعوا فى البلاد من عقيدتهم الفاسدة، يقول: سل القرامط من شظّى جماجمهم ... فلقا وغادرهم بعد العلا خدما (٢)

стр. 2243

ويسترسل مبينا أنهم كانوا أبطلوا الصيام والصلاة وهدموا المساجد، فطهر البلاد منهم، ويمضى فى القصيدة مسجلا مآثر أبنائه وأحفاده لمدة قرن من الزمان. والديوان يمتلئ بفخر عنيف. وإذا كانت مدائح ابن المقرب سجلت تاريخ أمراء أسرته وأعمالهم ومآثرهم فإنها سجلت أيضا جوانب من أعمال الخليفة الناصر، وكذلك واليه باتكين حاكم البصرة فقد ضمن مدائحه له أعماله بمثل قوله: بنى بالبصرة الفيحاء سورا ... يضاهى السّدّ سبكا وانعقادا وزيّنها بأسواق أرانا ... بها كلّ البلاد لها سوادا (١) وكم من مشهد ورباط زهد ... ومدرسة بنى وهدى أفادا ويردد فى مدائحه بجانب ذلك أنه بنى المدارس وأقام فيها علماء الفقه والحديث والتفسير وألحق بها المكتبات النفيسة، ومدائح ابن المقرب بذلك تعد وثائق ذات أهمية بعيدة فى تاريخ عصره، ولا نبعد إذا قلنا إنها هى الوثائق الوحيدة فى تاريخ الدولة العيونية، لأن تاريخ حكامها لم يعن به المؤرخون. عبد الصمد بن عبد الله باكثير (٢) الشعراء الثلاثة السابقون من شعراء القرن السابع الهجرى، أما عبد الصمد بن عبد الله باكثير فمن شعراء القرن الحادى عشر وهو حضرمى، ولد فى تريس سنة ٩٥٥ للهجرة وتوفى بحضرموت فى سنة ١٠٢٥. تلقن علومه وحفظ القرآن الكريم فى مسقط رأسه، واختلف إلى العلماء فى المدن الحضرمية. وحين سال الشعر على لسانه اتجه به أولا اتجاها صوفيّا على عادة أهل إقليمه، وأخذ يستغله فى مديح بعض الحكام والأعيان، حتى إذا تحول صولجان الحكم فى حضرموت إلى عمر بن بدر أبى طويرق المتوفى سنة ١٠٢١ للهجرة أصبح شاعره المفضل، وليس ذلك فقط؛ بل أصبح أيضا منشئ الرسائل فى عهده، وكذلك فى عهد ابنه عبد الله (١٠٢١ - ١٠٢٤). حتى إذا تنازل عن الحكم لأخيه بدر طلب الشاعر إعفاءه من العمل بديوان الرسائل، ولم يكد يدور العام حتى لبى نداء ربه. وجمهور مدائحه فى عمر بن بدر من مثل قوله:

стр. 2244

عمر الذى أحيا المكارم وابتنى ... للمجد بيتا دونه الجوزاء فبه الزمان تفاخرت أيامه ... وتعطّرت بوجوده الأحياء ملك تفجّر من منابع مجده ... كرم وحلم واسع ووفاء وكان لا يزال يروح ويغدو عليه بمدائحه وخاصة فى أعياده وفى الاحتفال بانتصاراته، مرددا دائما الثناء على خصاله وشجاعته وكرمه، ومن مدحة له فيه: إذا نابنى خطب الزمان فإننى ... إلى عمر الخيرات بى ينتهى السّير مواهبه موصولة بمواهب ... إذا ضنّت الأنواء واحتبس القطر (١) له فى النّدا أيد تسحّ بنانها ... لجينا وإبريزا ونائله غمر (٢) ومن مدحه الرصين فى عمر بن بدر تهنئة له بانتصاره على بعض أعدائه من رجال القبائل الثائرين عليه وعلى حكمه، وفيها يقول مهنئا: نصر عزيز من الرحمن قارنه ... فتح وطالعه بالسّعد يبتدر من كان معتصما بالله كان له ... عونا وسار بما يختاره القدر لما تألّبت الأعداء واعتصموا ... بحبل غدرهم باءوا بما غدروا فأمكن الله منهم فانثنوا هربا ... كمثل ما نفرت من قسور حمر (٣) وكان يخلص للسلطان عمر بن بدر إخلاصا مصفى، ولذلك أكثر من مديحه، حتى إذا توفى أحس بحزن بالغ ولوعة ممضّة، مما جعله يرثيه مراثى حارة يبكى فيها خصاله الكريمة وما فقدته رعيته فيه ومحبوه من جود وعون وعفو عند المقدرة من مثل قوله: هوى من سماء المجد كوكبها القطب ... فأظلم فى أقطارنا الشّرق والغرب تضعضع طود المجد وانهدّ ركنه ... فيالك ركنا قد تضمّنه التّرب ثوى عمر الخيرات أكرم من سعى ... إلى ساحه تطوى سباسبها النّجب (٤) لقد كان للعافين ظلاّ وملجأ ... وللجاهل الإغضاء والصّفح والعتب (٥) وله مرثية ثانية فيه تكتظ بزفراته ولوعاته. وله غزل رقيق يزخر بمشاعر فياضة، تدل على أنه كان يجد أحيانا وجدا شديدا، حتى ليقع فى شباك بعض النساء،

стр. 2245

ويطول تعثره فيها، وقد انقطعت به الحيل فى الخلاص فيفزع إلى دموعه، على شاكلة قوله: يا ظبى وادى الأجرع ... رفقا بصبّ مولع يبكى أسى وصبابة ... بكآبة وتوجّع ودموعه فوق المحا ... جر كالغيوث الهمّع (١) ويقول من وجد ومن ... كمد بقلب موجع حيّا المرابع والرّبا ... غيث كفائض أدمعى يهمى على تلك الدّيا ... ر بوابل لا يقلع فهو يبكى بدموع غزار لا تزال تنهمر كأنها أمطار، ولا يزال يلتاع لوعات شديدة، كلها أوجاع وأوصاب وآلام. ويكثر غزله الرقيق من مثل قوله: ولى من العرب ظبى ما رأى بصرى ... شبها له فى الورى بدوا ولا حضرا الورد فى خدّه المحمرّ من خجل ... يدعو إلى حسنه الفتّان من نظرا كم ليلة زارنى فيها على وجل ... مستعجلا خائفا مستوفزا حذرا (٢) وتصويره لخوف المحبوبة فى البيت الأخير من أن يراها أحد معه رائع، فهى عجلة حذرة لا تكاد تطمئن، واختار بدقة شاعريته كلمة «مستوفزا» ليصور فيها هذه الحركة النفسية، فكأنها دائما مستوفزة تتهيأ لفراقه وتتأهب لوداعه. وله بعض خمريات طريفة يجمع فيها بين الروض والخمر والغناء والصّحب، مصورا بذلك بعض مجالس أنسه كقوله: تلاعبت مرحا فى روضها القضب ... كشاربى خندريس هزّهم طرب (٣) قم يا نديمى فقد نادى الهزاز إلى ... صهبا مشعشعة تجلى بها الكرب (٤) يديرها رشأ كالشمس طلعته ... وكفّه بدم الصّهباء مختضب فى روضة أخذت بالزّهر زخرفها ... وازّيّنت وتجلّت كلّها عجب ولم يكن اللهو غالبا على حياته، فمثل هذه الخمرية وميض كان يلمع حينا فى سمائها وسرعان ما يخبو، وقد أمضى شطرا كبيرا من حياته بائسا يشكو الفاقة قبل اتصاله بعمر بن بدر أميره، ولذلك نجد عنده قطعا يشكو فيها من حظه العاثر، نذكر منها قوله:
следующие страницы →