← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فتغتاله، ويبكيه شاعره ويندبه ندبا حارّا بمثل قوله: ليبك العلا والمجد والبأس والنّدى ... لقد صلّ واديها وجفّت مسايله (١) وتندبه البيض الصوارم والقنا ... لما أنهلتها كفّه وأنامله لقد منيت منه الأعادى بثائر ... همام أبى أن يحمل الضّيم كاهله وطبيعى أن لا تفتح أبواب قاتليه الذين خلفوه فى دست الحكم لابن المقرّب، بل لقد زجّوا به فى السجن وصادروا أمواله، وردّت إليه حريته وخرج من السجن فرحل إلى العراق، ونزل البصرة ومدح حاكمها باتكين بن عبد الله الرومى فى سنة ٦٠٥ ودخل بغداد ومدح الخليفة الناصر، وتعرّف على بعض علمائها وأدبائها. ورأى العودة إلى موطنه وأن يحمل معه طائفة من أعمدة الحديد للاتجار فيها، وألمّ بواسط فى طريقه فطالبه ابن الدبيثى ضامن المكوس بضريبة كبيرة بلغت نصف ثمن بضاعته، فصبّ عليه جام هجائه بمثل قوله: يا بن الدّبيثىّ اللعين لقد ... رمت المحال فغصت فى بحر خنت الخليفة فى رعيّته ... وعصيته فى السرّ والجهر ومر بالبصرة فطالبه ضامن المكس بها ببعض الضرائب، أو بالضريبة المقررة، فاستجار منه بممدوحه باتكين أمير البصرة، وينشده مدحة طويلة يقول فيها: يا شمس دين الله كم لك من يد ... يثنى بها باد ويشهد حاضر ادفع بجاهك أو بمالك منعما ... عنّى فمالك للعفاة ذخائر ويعود إلى موطنه ويقدم مدائحه إلى أمير الأحساء محمد بن على بن عبد الله الذى ردّ إليه حريته، ويأمل أن يرد عليه أمواله وبساتينه، ولكنه لا يرد عليه شيئا. ويحدث أن ينهض الفضل بن الأمير محمد بن أبى الحسين بأخذ الثأر لأبيه من قتلته، ويصبح الحاكم العام للبحرين، ويقدّم إليه على بن المقرب مدائح كثيرة، ولا يحظى منه بشئ أو بما كان يأمله. وسرعان ما يثور عليه ابن أخيه على بن ماجد، وتثور معه البحرين لتوقيعه معاهدة بينه وبين أمير جزيرة كيش تنازل له فيها عن بعض جزر البحرين، مع تقديم خمسمائة دينار له سنويّا، ويفرح الشاعر بهذه الثورة ويدبج فى على بن ماجد مدائح كثيرة من مثل قوله: أضحت بك الأحساء ساكنة وقد ... رجفت بمن فيها وكادت تقلب وملأتها عدلا وكانت عمّمت ... جورا تغور به الدّيار وتخرب

стр. 2242

ويثور مقدم بن غرير العيونى، ويستخلص حكم البحرين لنفسه بمساعدة بعض عشائر عبد القيس النجدية. ويئس ابن المقرب لما صارت إليه أداة الحكم، فأبناء الأسرة يتحاربون، والحكم يفسد ويضعف. ويولّى وجهه نحو العراق ويمتدح باتكين والى البصرة والخليفة ببغداد فى سنتى ٦١٣ و ٦١٤. ويعود إلى موطنه، وقد أصبح زمام الحكم بيد محمد بن مسعود، ويمتدحه ويمتدح أخاه الفضل على بن مسعود الذى تحولت إليه مقاليد الأمور بعده، بمثل قوله: رفعت عماد المجد من بعد ما وهى ... ورثّ وأضحى ركنه وهو مائل وقمت بأحكام الشريعة فاستوت ... لديك ذوو الأجبال: طىّ ووائل ويترك البحرين إلى العراق فى سنة ٦١٧ ويمتدح باتكين فى طريقه إلى بغداد ويمتدح الخليفة الناصر، ويوغل فى رحلته إلى الشمال حتى الموصل وديار بكر ويمتدح بدر الدين لؤلؤا مدبّر الحكم فيها لسلطانها القاهر بن نور الدين أرسلان شاه، وفيه يقول: أرسى قواعد ملك لو يدبّره ... كسرى وإسكندر أعيتهما الحيل ويمد رحلاته إلى الملك الأشرف موسى بن العادل الأيوبى صاحب حرّان وديار الجزيرة، ويشيد ببلائه مع أخيه سلطان مصر الكامل فى قتال الصليبيين بدمياط وسحقهم سحقا ذريعا حين أغاروا عليها فى السنوات ٦١٥ - ٦١٨ وفيه يقول من مدحة طويلة: سل الكفر من أوهى بدمياط كفره ... وقصّر أعلى فرعه وهو باسق وقد جاءت الإفرنج من كلّ وجهة ... كأنّ تداعيها السيول الدوافق فولّوا فمكبوب على أمّ رأسه ... لدن ذاك لم ينفق وآخر نافق (١) ويعود ابن المقرب إلى موطنه، فيجد أداة الحكم قد أصابها فساد لا صلاح لها بعده، إذ وضع أمير البحرين الفضل البلاد تحت تصرف البدو من بنى عقيل، فأفسدوا زروعها وثمارها، حتى أصبح البستان الذى تبلغ قيمته مائتى دينار يباع بدينار واحد أو يثوب أو بشاة، ويأسى لذلك فى شعره أسى عميقا. وشعر ابن المقرّب يعدّ بحق سجلاّ تاريخيّا لأسرته وحكمها البحرين، فكل من عاصرهم صوّر حكمهم وأحوال البلاد فى أيامهم، وله قصيدة ميمية سجّل فيها تاريخ أسرته منذ مؤسسها الأول حتى زمنه، مفاخرا مباهيا، وفيها يفخر بأن جده عبد الله بن على قضى على القرامطة وما أذاعوا فى البلاد من عقيدتهم الفاسدة، يقول: سل القرامط من شظّى جماجمهم ... فلقا وغادرهم بعد العلا خدما (٢)

стр. 2243

ويسترسل مبينا أنهم كانوا أبطلوا الصيام والصلاة وهدموا المساجد، فطهر البلاد منهم، ويمضى فى القصيدة مسجلا مآثر أبنائه وأحفاده لمدة قرن من الزمان. والديوان يمتلئ بفخر عنيف. وإذا كانت مدائح ابن المقرب سجلت تاريخ أمراء أسرته وأعمالهم ومآثرهم فإنها سجلت أيضا جوانب من أعمال الخليفة الناصر، وكذلك واليه باتكين حاكم البصرة فقد ضمن مدائحه له أعماله بمثل قوله: بنى بالبصرة الفيحاء سورا ... يضاهى السّدّ سبكا وانعقادا وزيّنها بأسواق أرانا ... بها كلّ البلاد لها سوادا (١) وكم من مشهد ورباط زهد ... ومدرسة بنى وهدى أفادا ويردد فى مدائحه بجانب ذلك أنه بنى المدارس وأقام فيها علماء الفقه والحديث والتفسير وألحق بها المكتبات النفيسة، ومدائح ابن المقرب بذلك تعد وثائق ذات أهمية بعيدة فى تاريخ عصره، ولا نبعد إذا قلنا إنها هى الوثائق الوحيدة فى تاريخ الدولة العيونية، لأن تاريخ حكامها لم يعن به المؤرخون. عبد الصمد بن عبد الله باكثير (٢) الشعراء الثلاثة السابقون من شعراء القرن السابع الهجرى، أما عبد الصمد بن عبد الله باكثير فمن شعراء القرن الحادى عشر وهو حضرمى، ولد فى تريس سنة ٩٥٥ للهجرة وتوفى بحضرموت فى سنة ١٠٢٥. تلقن علومه وحفظ القرآن الكريم فى مسقط رأسه، واختلف إلى العلماء فى المدن الحضرمية. وحين سال الشعر على لسانه اتجه به أولا اتجاها صوفيّا على عادة أهل إقليمه، وأخذ يستغله فى مديح بعض الحكام والأعيان، حتى إذا تحول صولجان الحكم فى حضرموت إلى عمر بن بدر أبى طويرق المتوفى سنة ١٠٢١ للهجرة أصبح شاعره المفضل، وليس ذلك فقط؛ بل أصبح أيضا منشئ الرسائل فى عهده، وكذلك فى عهد ابنه عبد الله (١٠٢١ - ١٠٢٤). حتى إذا تنازل عن الحكم لأخيه بدر طلب الشاعر إعفاءه من العمل بديوان الرسائل، ولم يكد يدور العام حتى لبى نداء ربه. وجمهور مدائحه فى عمر بن بدر من مثل قوله:

стр. 2244

عمر الذى أحيا المكارم وابتنى ... للمجد بيتا دونه الجوزاء فبه الزمان تفاخرت أيامه ... وتعطّرت بوجوده الأحياء ملك تفجّر من منابع مجده ... كرم وحلم واسع ووفاء وكان لا يزال يروح ويغدو عليه بمدائحه وخاصة فى أعياده وفى الاحتفال بانتصاراته، مرددا دائما الثناء على خصاله وشجاعته وكرمه، ومن مدحة له فيه: إذا نابنى خطب الزمان فإننى ... إلى عمر الخيرات بى ينتهى السّير مواهبه موصولة بمواهب ... إذا ضنّت الأنواء واحتبس القطر (١) له فى النّدا أيد تسحّ بنانها ... لجينا وإبريزا ونائله غمر (٢) ومن مدحه الرصين فى عمر بن بدر تهنئة له بانتصاره على بعض أعدائه من رجال القبائل الثائرين عليه وعلى حكمه، وفيها يقول مهنئا: نصر عزيز من الرحمن قارنه ... فتح وطالعه بالسّعد يبتدر من كان معتصما بالله كان له ... عونا وسار بما يختاره القدر لما تألّبت الأعداء واعتصموا ... بحبل غدرهم باءوا بما غدروا فأمكن الله منهم فانثنوا هربا ... كمثل ما نفرت من قسور حمر (٣) وكان يخلص للسلطان عمر بن بدر إخلاصا مصفى، ولذلك أكثر من مديحه، حتى إذا توفى أحس بحزن بالغ ولوعة ممضّة، مما جعله يرثيه مراثى حارة يبكى فيها خصاله الكريمة وما فقدته رعيته فيه ومحبوه من جود وعون وعفو عند المقدرة من مثل قوله: هوى من سماء المجد كوكبها القطب ... فأظلم فى أقطارنا الشّرق والغرب تضعضع طود المجد وانهدّ ركنه ... فيالك ركنا قد تضمّنه التّرب ثوى عمر الخيرات أكرم من سعى ... إلى ساحه تطوى سباسبها النّجب (٤) لقد كان للعافين ظلاّ وملجأ ... وللجاهل الإغضاء والصّفح والعتب (٥) وله مرثية ثانية فيه تكتظ بزفراته ولوعاته. وله غزل رقيق يزخر بمشاعر فياضة، تدل على أنه كان يجد أحيانا وجدا شديدا، حتى ليقع فى شباك بعض النساء،

стр. 2245

ويطول تعثره فيها، وقد انقطعت به الحيل فى الخلاص فيفزع إلى دموعه، على شاكلة قوله: يا ظبى وادى الأجرع ... رفقا بصبّ مولع يبكى أسى وصبابة ... بكآبة وتوجّع ودموعه فوق المحا ... جر كالغيوث الهمّع (١) ويقول من وجد ومن ... كمد بقلب موجع حيّا المرابع والرّبا ... غيث كفائض أدمعى يهمى على تلك الدّيا ... ر بوابل لا يقلع فهو يبكى بدموع غزار لا تزال تنهمر كأنها أمطار، ولا يزال يلتاع لوعات شديدة، كلها أوجاع وأوصاب وآلام. ويكثر غزله الرقيق من مثل قوله: ولى من العرب ظبى ما رأى بصرى ... شبها له فى الورى بدوا ولا حضرا الورد فى خدّه المحمرّ من خجل ... يدعو إلى حسنه الفتّان من نظرا كم ليلة زارنى فيها على وجل ... مستعجلا خائفا مستوفزا حذرا (٢) وتصويره لخوف المحبوبة فى البيت الأخير من أن يراها أحد معه رائع، فهى عجلة حذرة لا تكاد تطمئن، واختار بدقة شاعريته كلمة «مستوفزا» ليصور فيها هذه الحركة النفسية، فكأنها دائما مستوفزة تتهيأ لفراقه وتتأهب لوداعه. وله بعض خمريات طريفة يجمع فيها بين الروض والخمر والغناء والصّحب، مصورا بذلك بعض مجالس أنسه كقوله: تلاعبت مرحا فى روضها القضب ... كشاربى خندريس هزّهم طرب (٣) قم يا نديمى فقد نادى الهزاز إلى ... صهبا مشعشعة تجلى بها الكرب (٤) يديرها رشأ كالشمس طلعته ... وكفّه بدم الصّهباء مختضب فى روضة أخذت بالزّهر زخرفها ... وازّيّنت وتجلّت كلّها عجب ولم يكن اللهو غالبا على حياته، فمثل هذه الخمرية وميض كان يلمع حينا فى سمائها وسرعان ما يخبو، وقد أمضى شطرا كبيرا من حياته بائسا يشكو الفاقة قبل اتصاله بعمر بن بدر أميره، ولذلك نجد عنده قطعا يشكو فيها من حظه العاثر، نذكر منها قوله:

стр. 2246

أرانى إذا ما الليل جاشت كتائبه ... أبيت وقلبى حائر الفكر ذاهبه تبيت أفاعى الهم فى غيهب الدّجى ... تساور قلبى بالعنا وتواثبه (١) ومالى فيما قد دهانى حيلة ... أدارى بها دهرى إذا ازورّ جانبه (٢) فياربّ يا ذا المنّ والفضل والعطا ... أغثنى فموج الهمّ فاضت غواربه (٣) وتصوير عبد الصمد الهم بأفاع لا تزال تواثبه طوال الليل تصوير طريف، وشعره فيه سهولة وعذوبة ويجنح كثيرا إلى استخدام ألفاظ اللغة اليومية، ولعل ذلك ما جعله ينظم بعامية موطنه بعض أشعاره، وكان يستخدم الموشحات أحيانا فيجيد فيها لسلاسة ألفاظه وكلماته. ٤ - شعراء المراثى بجانب مجرى المديح الذى كان يتدفق بالشعر من قديم كان يتدفق مجرى الرثاء، فلم يمت حاكم ولا قائد ولا وال ولا قاض فى أقاليم الجزيرة العربية إلا رثاه الشعراء وأبنوه تأبينا يفيض بالأسى والحزن، وكثر فى هذا العصر تأبين الشيوخ والفقهاء والمعلمين، يؤبنهم تلاميذهم وزملاؤهم ويبكون فيهم خصالهم وخسارة العلم والعلماء فيهم، من ذلك تأبين شهاب الدين محمود بن مسكّن القرشى الفهرى لشيخه نجم الدين الطبرى قاضى مكة، وفيه يقول (٤): ما للجفون بها التّسهيد قد نزلا ... وما لطيب الكرى عن مقلتى رحلا ما بال قلبى بتذكار الهموم له ... شغل ودمعى إن كففته هملا نجم أضاء علينا صبح طرّته ... حتى إذا ما انجلت أيامه أفلا مفتاح كنز علوم الدين كم فتحت ... به بصائر قوم للورى ذللا ووراء مراثى الشيوخ والعلماء فى الحجاز مراث كثيرة فى أمراء مكة الزيديين حين يلبون نداء ربهم، وبالمثل تلقانا مراث كثيرة للأئمة الزيديين فى اليمن، كما تلقانا مراث أخرى لدعاة النحلة الإسماعيلية الفاطمية من الصليحيين وآل زريع، وسنعرض لها فى حديثنا عن

стр. 2247

شعراء الدعوة الإسماعيلية. وفى كل زمن وكل دولة تلقانا مراثى الشعراء، ونفس من ترجمنا لهم من شعراء المديح نجد بجانب مدائحهم مراثى كثيرة على نحو ما نجد فى ديوان ابن هتيمل ففيه باب خاص بالمراثى، وهى تتردد عنده بين الندب والتأبين، أما الندب فعلى أبنائه وإخوته، وزوجته وقد بكاها فى مرثيتين، يقول فى إحداهما (١): يعزّ علىّ أن عظم المصاب ... ولا صبر لدىّ ولا احتساب بنفسى عصر يوم السّبت نعش ... تداوله المناكب والرّقاب من الخفرات يخفى الليل منها ... إذا ما جنّ مالا يستراب تكفّن فى الثياب فليت جلدى ... لها كفن وليت دمى خضاب والمرثية تمتلئ بمشاعر صادقة، مشاعر شخص اكتوى قلبه بالحزن على زوجته، ولم يعد أمامه إلا أن ينظم فيها أشعارا تعبر عن لوعته وما يكتظ به فؤاده لها من وجد وصبابة. وله تأبين لبعض أمراء المخلاف السليمانى وحكام مسقط رأسه «نجران» بوادى «ضمد» من ذلك تأبينه لحاكمها «سلطان» صاحب ضمد جميعها بمثل قوله (٢): الرّزء أكبر أن يقوم بيومه ... جزع الرجال ورنّة النسوان ويل لأمّ الأرض ماذا ضمّنت ... من أعظم أدرجن فى الأكفان ذاك النّدى والبأس بين حفيرة ... أطباقها طويت على ثهلان إن التمسّك بالسماح وبالوفا ... من بعده ضرب من الهذيان ولم يكن يموت سلطان من سلاطين الرسوليين إلا ويكثر الشعراء من تأبينه وذكر خصاله وأعماله وما نهض به فى دولته، وربما بالغوا فى بيان الحزن فجعلوا الدين والدنيا والكواكب السماوية محزونة تبكيه، على شاكلة افتتاح الخزرجى لرثائه السلطان الأفضل المتوفى سنة ٧٧٨ يقول (٣): بكت الخلافة والمقام الأعظم ... والملك والدّين الحنيف القيّم والشمس والقمر المنير كلاهما ... والأرض تبكى والسّما والأنجم والبيت والحرم الشريف بمكة ... والحجر والحجر اليمانى الأسحم (٤)

стр. 2248

ومدارس العلم الشريف وأهله ... والمسلمون فصيحهم والأعجم فالعالم كله يبكى الأفضل والحرم الشريف وكل ما فيه من مقدسات والأرض والسماء والنجوم ومدارس العلم وأساتذته وطلابه. ومضى يصور مجده وحروبه وكرمه وبأسه وانصياع أمراء اليمن له وعدله الذى عمّ به رعيته. ولم يلبث أن جعل الشمس عليه كاسفة تنوح وتلطم والأرض راجفة تميد وتهتز والجو مغبرّا مظلما وبكل ركن من بلاده حسرة وبكل بيت مأتم. وكل هذا إسراف فى التأبين ومبالغات مفرطة. ويتولى الحكم بعده ابنه الأشرف، وله مآثر كثيرة، وتتوفى زوجه فى سنة ٧٩٦ فيرثيها جماعة من الشعراء، وهى ظاهرة كانت تشيع فى اليمن منذ عصر الصليحيين، إذ تؤبّن سيدات الأمراء، وتعقد لتأبينها الاحتفالات، ويتبارى الشعراء فى وصف فضائلها وبكائها وندبها ندبا حارّا، بمثل قول الخزرجى (١): بكتها السما والأرض يوم وفاتها ... وأمسى سحاب الأفق أدمعه تسرى على وجهك الميمون حيّا وميّتا ... سلام يزيد العطر عطرا إلى العطر سلام على ذاك الجبين ورحمة ... على شخصك المدفون فى ذلك القبر ويتوفى الأشرف سنة ٨٠٣ ولإسماعيل بن أبى بكر المقرئ فيه مرثية بديعة (٢). ويموج كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين بمراث كثيرة، وهى تتردد بين الندب والتأبين والعزاء، أما الندب فإننا نجد فى الكتاب شعراء كثيرين يبكون آباءهم مشيدين بتقواهم وعلمهم الفياض، كقول محمد بن عبد العليم الخولانى فى رثاء والده (٣): تبكى عليه منابر ومحابر ... تبكى عليه محاجر بدماء فالله يسكنه الجنان بفضله ... ويعمّه بسوابغ النّعماء وقد أطال فى وصف خسارة العلم والعلماء بفقده، إذ يجعله مفسرا كالواحدى وقتادة وعطاء بن أبى رباح، ومتصوفا كمكى والغزالى، ومحدثا يدرس لطلابه صحيحى البخارى ومسلم وموطأ مالك، وفقيها شافعيا يتقن درس أمهات الفقه الشافعى من مثل الوسيط فى المذهب للغزالى والمهذب للشيرازى والروضة للنووى. ويكثر تأبين التلاميذ لشيوخهم من الفقهاء والمتصوفة، وقد يخلطونه بالعزاء كقول عبد الله بن جعفر العلوى فى شيخه عبد الله بن أبى بكر باحسن (٤):

стр. 2249

خطب ألمّ وهول هائل وردا ... ونازل فتّت الأحشاء والكبدا وقد شغفنا بدار لا وفاء لها ... وشمل سكانها أضحى بها بددا (١) والمرء فيها كظلّ زائل نسخت ... أفياءه ظلمات الليل إذ وفدا (٢) والطّرف باك وإن الأرض تبكى أسى ... كلاهما يندبان السيّد السّندا تاج الكرام شريف طاب عنصره ... لمطلب المجد فى الآفاق كم وردا نسل الأفاضل ينبوع الفضائل بل ... كنز الأماثل خير الأكرمين ندا وللشاعر نفسه مرثية ثانية فى شيخ آخر جعلها عزاء ودعوة إلى الإذعان للقضاء فالدنيا دار زوال وانتقال، والأيام تمضى بالناس جميعا إلى وادى الفناء والعدم، والسعيد من سارع إلى المتاب واعتبر بمن يموتون كل يوم، واتجه إلى ربه وعمل لآخرته. وهذه الصورة من المراثى كانت تعم فى كل مكان: فى عمان والبحرين ونجد، فالمراثى دائما ندب أو تأبين أو عزاء، وقد تمتزج الصور الثلاثة، ومن طريف ما نقرؤه للستالى شاعر عمان من رثاء قوله فى أبى محمد بن نبهان المتوفى سنة ٦٧٤ للهجرة يؤبنه: رزئنا هماما يعلم الأزد أنه ... إذا خطرت صيد الملوك خطيرها (٣) تبوّأ من قحطان بيتا تقلّه ... قواعد بنيان العتيك وسورها (٤) فطال به أصل المعالى وفرعها ... وطاب له خير المساعى وخيرها (٥) ولابن المقرب العيونى مراث مختلفة فى بعض القضاة وبعض أهله، ولعل من الخير أن نخص بالحديث شاعرين من شعراء المراثى هما: محمد بن على التهامى وجعفر الخطّى البحرانى. التّهامى (٦) هو أبو الحسن على بن محمد الشاعر المشهور بلقبه التهامى أى المكى، إذ تسمى مكة باسم تهامة. ولذلك يقال الرسول ﷺ تهامى، لأنه من مكة. وتطلق تهامة على الساحل الممتد على طول الجزيرة شرقى الحجاز بين مكة واليمن، ولكن نسبة الشاعر إنما هى إلى مكة

стр. 2250

إذ ينسب نفسه إليها فى بعض شعره حين نزلت به كارثة السجن فى آخر حياته كما سيأتى قائلا عن نفسه: وهذا التهامىّ من مكة ... برجليه يسعى إلى حتفه ولا يعرف زمن مولده، وتدل مدائحه فى الديوان على أنه ارتحل من موطنه إلى العراق والموصل وديار بكر، إذ بين ممدوحيه أناس من الكوفة وبغداد وميّا فارقين وآمد ونصيبين، وأيضا بينهم قرواش (٣٩١ - ٤٤١ هـ) صاحب الموصل وبواديه. ويلاحظ أن ديوانه يخلو من مدائح أمراء مكة، مما يدل على أنه غادرها مبكرا. ويبدو أنه بارح كل تلك الأنحاء إلى الشام كما يذكر صاحب دمية القصر، وبها ألقى عصاه فى الرملة عند آل الجراح أمراء طيئ، وقد عينوه خطيبا لبلدتهم. وفى ديوانه مدائح مختلفة لأميرهم المفرّج دغفل المتوفى سنة ٤٠٤ ولعله أول من استقبله من آل الجراح أصحاب فلسطين، وعاش فى رحابه ورحاب ابنه حسان (٤٠٤ - ٤٦٧ هـ). وكانت نفسه حدثته بالشغب على الفاطميين-على عادة آبائه-فرأى أن يرسل التهامى إلى بنى قرّة فى صعيد مصر كى يحدثوا شغبا عليهم، وأرسل معه كتبا كثيرة إليهم. فقدم القاهرة مستخفيا فى سنة ٤١٦ غير أن الفاطميين ظفروا به، فاعتقلوه فى سجن خزانة البنود فى السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، وظل به إلى أن توفى-أو قتل-فى تاسع جمادى الأولى من نفس السنة. والتهامى يعدّ فى الذروة من شعراء الجزيرة فى هذا العصر، وفيه يقول صاحب الدمية: «له شعر أدقّ من دين الفاسق، وأرقّ من دمع العاشق، كأنما روّح بالشّمال (الريح) أو علّل بالشّمول (الخمر) فجاء كنيل البغية ودرك المأمول» وقال ابن تغرى بردى: «كان من الشعراء المجيدين وشعره فى غاية الحسن» ونقل ابن خلكان عن ابن بسام قوله عنه فى كتابه الذخيرة: «كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلّى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز القدح، دلالة برد النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم، إعراب الدمع عن سر الهوى المكتوم». وقد اشتهر بمرثيات له فى ابنه أبى الفضل الذى هصرت المنون غصنه النضير تحت عينه، وأهم تلك المراثى رائيته، وهو يستهلها واعظا، بقوله: حكم المنيّة فى البريّة جارى ... ما هذه الدنيا بدار قرار طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار ومكلّف الأيام ضدّ طباعها ... متطلّب فى الماء جذوة نار والعيش نوم والمنيّة يقظة ... والمرء بينهما خيال سارى

стр. 2251

فاقضوا مآربكم عجالا إنما ... أعماركم سفر من الأسفار ليس الزمان وإن حرصت مسالما ... خلق الزمان عداوة الأحرار وبمثل هذه العظات التى تمس دخائل القلوب وأعماق النفوس يفتتح التهامى مرثيته لفلذة كبده، مصورا الدنيا وكئوسها المليئة بالأقذاء وأيامها التى تدنى الآجال وتقطع الآمال، وتجعل الإنسان دائما بين يومين: يوم مضى بنكده وبؤسه ويوم بقى لا يدرى الإنسان هل سيقطعه إلى نهايته أو أن أنفاسه ستنقطع دون غايته، فتخرج منه النّفس ويحل فى الرّمس ويتجه بعد هذا العزاء الذى يذيب فؤاده حسرات إلى بكاء ابنه الذى اختطفه الموت منه وهو لا يزال غضّا فى كمّه: يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدرا ولم يمهل لوقت سرار (١) جاورت أعدائى وجاور ربّه ... شتّان بين جواره وجوارى أخفى من الرّقياء نارا مثلما ... يخفى من النار الزّناد الوارى وتلهّب الأحشاء شيّب مفرقى ... هذا الضياء شعاع تلك النار ويمضى فى وصف زفراته وعبراته ونيران الأسى تلذع فؤاده، وقلبه يمتلئ حسرة وشقاء ونفسه تمتلئ لوعة وعناء ممضّا، وما الحياة؟ إنها لم تعطه ما كان يريد من ابتسام بل أعطته كل ما أمكن من أذى وآلام، وإن ذكرى ابنه لهى نفس هذه الآلام الثقال، وإنه ليحس إزاءها بحريق لا يزال يأخذ بسويداء فؤاده. والمرثية تمتد إلى مائة بيت، ومثلها فى الطول مرثية رائية لابنه تبلغ ٧٨ بيتا وفيها يقول محزونا: محاك الرّدى من رأى عينى وما محا ... خيالك من قلبى وذكرك من ذكرى وهو من شعراء المديح المبدعين، ويكاد المديح يستنفد شعره جميعه، وهو فيه طويل النفس، ومن خير مدائحه ما قدمه للمفرّج الطائى وابنه حسان، وفيه يقول: فتى جبلت يداه على العطايا ... كما جبل اللّسان على الكلام ويسراه لنيل أو عنان ... ويمناه لرمح أو حسام (٢) لقد أحيا المكارم بعد موت ... وشاد بناءها بعد انهدام بصفحة خدّه للبشر ماء ... كمثل الماء فى صفح الحسام (٣)

стр. 2252

سواء عنده قول المنادى ... هلمّ إلى الطّعان أو الطعام وواضح فى مديحه سهولة الشعر عليه وأنه يطلق نفسه على سجيتها، فيأتى بكثير من المعانى الطريفة والصور البديعة، على نحو ما يلاحظ فى صورة البيت الأول، فهى صورة بسيطة، فالعطايا فى يد مفرج كالكلام فى لسانه لا يزال يرسلها، ومثل هذه الصورة فى الطرافة صورة البيت الأخير، فممدوحه لا يزال فى حشد من جوده وبأسه على طعامه وطعانه. وفيه يقول فى مدحه ثانية: هو السالب الأعداء فى ساحة الوغى ... ويسلبه فى ساعة السّلم زائره يخبّرنا عن جوده بشر وجهه ... وقبل انصداع الفجر تبدو بشائره ويصدق فيه المدح حتى كأنما ... يسبّح من صدق المقالة شاعره والبيتان الأخيران تتضح فيهما الفكرة التى أشرنا إليها آنفا وهى سهولة كلمه مع طرافة صوره، مما يدل على فطرة شعرية أصيلة عند الشاعر، ومن قوله فى مديح حسان بن المفرج من مدحة طويلة: هو الملك يبلى بسيطه قبل وقتها ... سجود ملوك فوقها وقيامها بعيد مداه ليس تألف كفّه ... من المكرمات الغرّ إلا جسامها ولو أن للأقمار ضوء جبينه ... لما زال عنها نورها وتمامها وليس بمشغول البنان عن النّدى ... إذا شغل الكفّ اليمين حسامها وواضح تخلصه فى البيت الأخير من أن تكون بنان الممدوح مشغولة دائما بالسيف، فتشغل عن العطايا والكرم، وتكثر فى أشعاره مثل هذه التخلصات والصور الدقيقة. وله نسيب بالديار وغزل رقيقان، وكثير منهما يقدّم به مدائحه، على شاكلة قوله فى إحدى مقدمات مدحة دالية: أتروم تغطية الهوى بجحوده ... ونحول جسمك من أدلّ شهوده كم قلت إياك الحجاز فإنّه ... ضريت جآذره بصيد أسوده وأردت صيد مها الحجاز فلم يسا ... عدك القضاء فصرت بعض صيوده أخفى هواه وهو نار مثلما ... يخفى الزناد ضرامه فى عوده والصورة فى البيت الثانى بديعة فظباء الحجاز أو جآذره تصيد أسوده، ويحاول صيد المها فيصبح من صيودها، ونار الحب كامنة فى فؤاده كمون نار الزناد فى عوده. ونحس دائما بأن الصور والمعانى طبيعية، وكذلك الألفاظ فهى سلسة سائغة عذبة. وفى أشعاره حكم وزهد ورفض للدنيا ومتاعبها، ومن طريف حكمه قوله:

стр. 2253

وإذا جفاك الدّهر وهو أبو الورى ... طرّا فلا تعتب على أولاده فمن جفاه الدهر أو قلب له ظهر المجن ينبغى أن لا ينزل جام غضبه على الناس، لأن ما أصابه إنما هو من أبيهم الدهر وليس منهم، وما كان الابن ليسأل عما قدمته يد أبيه. والحق أنه كان شاعرا مبدعا. وكان الشعر طوع لسانه ومدّ خيالاته ومشاعره. جعفر الخطّى (١) من قبيلة عبد القيس التى نزلت فى الأحساء والقطيف وبواديهما منذ العصر الجاهلى، والخطّى نسبة إلى الخطّ وكان يطلق على مدينة القطيف وعلى ساحل الإقليم كله، ولا يعرف زمن مولده، ويبدو أنه نشأ فى القطيف، وفيها حفظ القرآن وتلقّن على الشيوخ مبادئ الكتابة والقراءة والعربية، وسال ينبوع الشعر على لسانه، واتخذه-مثل لداته- حرفة يتكسب بها منذ أواخر القرن العاشر الهجرى ولم يلبث أن غادر مسقط رأسه إلى جزيرة أوال التى تسمى فى عصرنا باسم البحرين، حاملا مدائحه إلى بعض أمرائها وقضاتها وعلمائها، واستقبلوه استقبالا حسنا، وأسبغوا عليه بعض عطاياهم، وخاصة وزير أمير البحرين ركن الدين محمد بن نور الدين وقاضيها عبد الرءوف البحرانى. ولا توافى سنة ١٠١٢ للهجرة حتى يرحل إلى إيران وينزل شيراز، ويتردد بينها وبين أصفهان، ويلتقى فى الأخيرة ببهاء الدين العاملى صاحب كتاب الكشكول، ويعارض بعض قصائده ويعجب بهاء الدين به وبشعره، وكان يقدمه هناك لبعض ممدوحيه ويجزلون له فى العطاء مما جعله يفضل الإقامة فى إيران حتى وفاته سنة ١٠٢٨ للهجرة. وقد أشاد به وبشعره ابن معصوم فى كتابه «سلافة العصر» قائلا فى نعته: «البديع الأثر والعيان، الحكيم الشعر الساحر البيان، أتى بكل مبتدع مطرب، ومخترع فى حسنه مغرب. وقد وقفت على فرائده التى لمعت، فرأيت مالا عين رأت ولا أذن سمعت». ومن محاسن مراثيه مرثيته فى الشيخ أبى محمد حسين البحرانى سنة إحدى وألف، وفيها يقول: جذّ الرّدى سبب الإسلام فانجذما ... وهدّ شامخ دين الله فانهدما نبكى فتى لم يحلّ الضّيم ساحته ... ولا أباح له غير الحمام حمى ذا منظر يبصر الأعمى برؤيته ... هدى وذا منطق يستنطق البكما

стр. 2254

لو علّم الوحش ما ينشيه من حكم ... لراحت الوحش من تعليمه علما ما راح حتى حشا أسماعنا دررا ... من لفظه وسقى أذهاننا حكما والتكلف فى هذا الرثاء واضح، ويكشفه ما يحمل من مبالغات على نحو ما نرى فى البيت الأول والثالث والرابع، وكان يكفى الشاعر أن يعلّم صاحبه الناس فيصبحوا علماء، أما أن يعلم الوحش فتتحول علماء على يديه، فهذه مبالغة مفرطة. ويتوفّى فى نفس السنة الشيخ أبو على عبد الله بن ناصر الخطى، فيشيّعه بمرثية، يقول فى تضاعيفها: فتى كرمت آباؤه وجدوده ... وطابت مساعيه فتمّ له الفخر جواد له فى كلّ أنملة مجد ... بصير له فى كلّ جارحة فكر ويا بلد الخطّ اعتراك لفقده ... مدى الدهر كسر لا يرام له جبر من الآن بدء الشرّ فيك وإنه ... لمتصل باق وآخره الحشر ولو خلّد المعروف فى الناس واحدا ... لخلّد عبد الله نائله الغمر وفرق بعيد بين لغة هذه الأبيات ومعانيها وصورها ولغة الأبيات السابقة وما تحمل من معان وصور، فهنا طواعية ومرونة فى التعبير، فالألفاظ يشيع فيها التناسق كما يشيع فى الأفكار والأخيلة. وقد يكون السبب فى ذلك أن الشاعر لم يصدر فى المرثية الأولى عن تأثر حقيقى بخلاف الثانية التى رثى فيها مواطنه الخطى. وطبيعى أن تكون أكثر أشعاره مدائح، مثله فى ذلك مثل معاصريه ومن سلفوا قبلهم، من ذلك قوله فى وزير أمير البحرين ركن الدين محمد بن نور الدين من مدحة طويلة نظمها فى سنة إحدى وألف للهجرة. ملك رقى درج الفخار فلم يدع ... فيها لراق بعده من مطمع وتناولت كفّاه أشرف رتبة ... لو قام يلمسها السّها لم يسطع (١) أندى من الغيث الملثّ إذا اجتدى ... أحمى من اللّيث الهزبر إذا دعى (٢) حيّيت يا كسرى الملوك تحيّة ... تربى على كسرى الملوك وتبّع والتكلف واضح فى هذا المديح، وتبدو فى الأسلوب رقع غير ملائمة، ككلمة «قام يلمسها» وكلمة «اجتدى» أى طلبت جداوه وفائدته، بالإضافة إلى كلمة «كسرى» المكررة فى البيت الأخير. وهو يستهل هذا المديح بنغمة أبى نواس المعروفة من الدعوة إلى الانصراف عن ذكر الأطلال إلى ذكر الخمر، وله بعض خمريات. لعل أطرفها خمرية حاثية يقول فيها:

стр. 2255

عاطنيها قبل ابتسام الصباح ... فهى تغنيك عن سنا المصباح أنت تدرى أن المدامة نار ... فاقتدحها بالصبّ فى الأقداح فهى تمحو بضوئها صبغة اللي ... ل فيغدو وجه الدّجى وهو ضاح أرسلنها ورديّة كدم الكب ... ش أسالته مدية الذّباح وواضح أن التكلف يسرى فى هذه الأبيات، وأن كلمة: «أنت تدرى» فى البيت الثانى أفسدت النّسق فيه. والشطر الثانى فى البيت الثالث تكرار للشطر الأول، وكان يكفيه أن يشبه الخمر بدم الكبش ولا يضيف كلمة «أسالته مدية الذباح». ومع ذلك كله يعد جعفر الخطّى أهم شاعر ظهر فى زمنه بالقطيف والأحساء أو بعبارة أخرى بالبحرين، وهو بلا ريب أشعر من ترجم له ابن معصوم فى سلافة العصر والمحبى فى نفحة الريحانة بالقياس إلى مواطنيه. ٥ - شعراء الفخر والهجاء ظل الفخر والهجاء نشطين فى هذا العصر نشاطهما فى العصور السابقة، ولكن يلاحظ أن المصادر احتفظت بشعر الفخر أكثر من احتفاظها بشعر الهجاء، ومرّ بنا أن الطاهر الجزرى كان من شعراء قرواش صاحب الموصل وبواديه، وله ثلاث أبيات يصف فى أولها وثانيها الليل وظلماته وفى الثالث فرسه، واستطرد من وصفه فى كل بيت إلى هجاء شخص يقول (١): وليل كوجه البرقعيدىّ ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه (٢) قطعت دياجيه بنوم مشّرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر فى خبطه وجنونه (٣) ويبدو أن البرقعيدى كان مغنيا ويصفه ببرودة غنائه وسوء خلقه إذ كان قوادا، والهجاء فى البيتين التاليين مقذع كما هو واضح. ومن الهجّائين المقذعين القاضى العثمانى اليمنى وله مدائح فى أمراء زبيد آل نجاح وفى غيرهم من أمراء الدول اليمنية، ومن أقذع هجائه قصيدته فى الداعى على بن محمد الصليحى حين قتله سعيد بن نجاح أمير زبيد، وفيها

стр. 2256

يصف مظلته التى كان يحتمى بها من حرارة الشمس، وكيف أن سعيدا رفع على عمودها رأسه، يقول (١): بكرت مظلّته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجلّ سعيدها ما كان أقبح شخصه فى ظلّها ... ما كان أحسن رأسه فى عودها وأراد ملك الأرض قاطبة فلم ... يظفر بغير الباع من ملحودها سود الأراقم قاتلت أسد الشّرى ... يا رحمة لأسودها من سودها وكان آل نجاح إفريقيين من الحبشة كما مر بنا، ولذلك كنى عنهم بسود الأراقم أى الأفاعى، والقصيدة مليئة بالتشفى من الصليحى وبهجاء مرير. وللشيخ محمد بن سعيد المكى فى هجاء بعض أهل عصره (٢): اترك العجب فما أنت سوى ... رجل إما لضحك أو لغمّ كغراب السوء يمشى مرحا ... معجبا وهو أخو الشّؤم الأذمّ يغسل الثّوب وفى أكتافه ... وسخ العرض وآلات التّهم ويلقانا الفخر فى كل مكان من الجزيرة على ألسنة الأمراء والشعراء، ومر بنا فخر عارم لقرواش أمير الموصل وبواديه، ولبهاء الدولة منصور بن دبيس المزيدى (٤٧٤ - ٤٧٩ هـ) أمير بوادى الحلّة قصيدة يفتخر فيها بمثل قوله (٣): أولئك قومى إن أعدّ الذى لهم ... أكرّم وإن أفخر بهم لا أكذّب هم ملجأ الجانى إذا كان خائفا ... ومأوى الضّريك والفقير المعصّب (٤) بطاء عن الفحشاء لا يحضرونها ... سراع إلى داعى الصّباح المثوّب (٥) مناعيش للمولى مساميح بالقرى ... مصاليت تحت العارض المتلهّب (٦) وهو يفتخر بقومه، ويقول إنهم ملجأ الجانى يلوذ بحماهم، فلا تمتد إليه يد، ومأوى الفقراء والبؤساء، مع اجتناب للمحرمات لا يقترفونها، ومع مسارعة إلى الصلاة فى الفجر وطوال النهار، ومع إنعاش للصحاب وكرم مدرار ونفاذ فى الشدائد. ومن طريف ما للرسوليين من فخر موشح للسلطان المجاهد الرسولى يستهله بقوله (٧):

стр. 2257

نلت أنا العزّ بأطراف القنا ... ليس بالعجز المعالى تجتنى نحن بالسيف ملكنا اليمنا ... كلّ فخر تدّعى الناس لنا أعرق العالم فى الملك أنا وهو يفاخر بأسرته فخرا شديدا، ويمضى فيسمى آباءه متحدثا أو مفاخرا بشجاعته وجوده وبذله للمال وانتجاع العفاة السائلين له وصفحه الجميل وعفوه. والفخر كثير فى اليمن، غير أننا نتركها إلى حضرموت وشاعرها ابن عقبة المتوفى سنة ٦٩٥ وشعره يموج بالفخر من مثل قوله (١): إنى امرؤ عفّ الإزار عن الخنا ... لم أغش منذ نشأت باب المنكر إنى على كسب العلوم مخيّم ... وبكاى فى طلب العلا وتحسّرى إنى من العرب الذين نجارهم ... من خالص العقيان لبّ الجوهر وتخذت أصحابا إذا نادمتهم ... لم أخش منهم من ينمّ ويفترى علمى وحلمى والحصان وصارمى ... وندى يمينى والعفاف ودفترى وابن عقبة يفتخر بسجاياه الكريمة من العفة والارتفاع عن المنكر والتحلى بالعلم فهو حبّه الذى يقف نفسه عليه ويبكيه بكاء المحيين لصواحبهم، ويفاخر بأصله العربى، ويحدثنا عن صحابه وندمائه من العلم والحلم والفروسية والبأس والجود والعفاف ودفاتر الدراسة، ويطيل فى الفخر بقومه من خولان وكهلان وكندة وملوكها الأقدمين. ويكتظ ديوان ابن مقرب العيونى بالفخر بآبائه والأمراء من أسرته حكام البحرين وبيان ما لهم من أمجاد ومآثر، ويفخر كثيرا بنفسه وبشعره، وقد يخلط فخره بالشكوى من الدهر، على شاكلة قوله: تجاهل هذا الدهر بى فتكتّبت ... علىّ بأنواع البلايا كتائبه وإنى وإن أبدى اصعرارا بخدّه ... وأوجف بى وازورّ للبغض جانبه (٢) لأغضى على بغضائه وازوراره ... وأعجب من حرّ كريم يعاتبه وأستقبل الخطب الجليل بثاقب ... من العزم يعلو لاهب النار لاهبه وكأنه يحس نفسه صخرة عاتية لا يستطيع الدهر مهما ألح عليه ببلاياه أن ينال منه شيئا، مهما أبدى من تكبر واستعلاء ومهما عدا عليه بكوارثه، ومهما انحرف عنه وأظهر من

стр. 2258

بغضائه. وإنه ليلقاه بعزم كالشهاب الثاقب تعلو ناره على نيرانه وتخمدها فلا تشتعل ضده أبدا. ونقف عند شاعرين من شعراء الفخر والهجاء، هما نشوان بن سعيد الحميرى وسليمان النّبهانى العمانى. نشوان بن سعيد الحميرىّ (١) من أهل جبل شامخ مطلّ على «تعزّ» اسمه صبر، ولا يعرف بالضبط تاريخ مولده، وتدل نسبته إلى حمير أنه من سلالتها، وكان ملوكها يسمون بالأقيال والأذواء، ونراه ينسب نفسه فى قصيدته الحميرية إلى قيل يدعى ذا سحر، يقول: أو ذو مراشد جدّنا القيل ابن ذى ... سحر أبو الأذواء رحب الساح ويبدو أنه أكبّ منذ نشأته على العلوم المختلفة ينهل منها، حتى أصبح علما فى اللغة والتاريخ والنحو والفقه والأصول وعلوم الأوائل وعلم الكلام، وينص من ترجموا له على أنه كان معتزليا. وذكروا أنه اشتغل بالقضاء فى بعض مخاليف اليمن وأنه كانت له فى الفرائض (المواريث) وقسمتها يد. وله مصنفات مختلفة، أشهرها «شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم» فى نحو ثمانية مجلدات، وذكرنا فى الفصل الثانى أنه معجم لغوى، وهو فيه لا يكتفى بالحديث عن اللغة بل يتسع بالحديث عن المعادن والحيوانات والنباتات والتاريخ وبعض مسائل الطب والفلسفة. وبذلك حوّله إلى دائرة معارف لغوية وجغرافية وتاريخية ونباتية وحيوانية وطبية وقد طبع من القسم الأول إلى آخر حرف الثاء فى ليدن، ثم طبع منه جزآن فى القاهرة إلى آخر حرف الشين، ويتخلل الكتاب فخر عارم باليمن وفضائلها وملوكها الأولين. وله رسالة الحور العين وقد طبعت مع شرحها طبعة سقيمة. وطبعت له بالقاهرة القصيدة الحميرية مع شرحها المسمى «خلاصة» السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبايعة، وهى فى أكثر من مائة وثلاثين بيتا، استهللها بقوله: الأمر جدّ وهو غير مزاح ... فاعمل لنفسك صالحا يا صاح ومضى قليلا فى الوعظ ثم خرج إلى تعداد ملوك التبابعة والأقيال والأذواء، والقصيدة بذلك من الشعر التعليمى التاريخى. وقد نال شهرة مدوية فى وطنه

стр. 2259

لعصره، لمعارفه الواسعة، ويبدو أنه لم يكتف بالمجد العلمى فقد رأى أن يضيف إليه مجد الحكم والسلطان، واستطاع فعلا أن يستقل بجبل صبر موطنه وقلاعه وحصونه وأن يظل ممسكا بصولجان الحكم فيه حتى وفاته سنة ٥٧٣ للهجرة. وما تأليفه القصيدة الحميرية إلا صورة من صور اعتزازه اعتزازا لا حدّ له بقحطانيته. وهو يسوق أشعاره جميعها فى هذه العصبية المغرقة لقحطان من مثل قوله: منا التّبابعة اليمانون الألى ... ملكوا البسيطة، سل بذلك تخبّر من كلّ مرهوب اللقاء معصّب ... بالتاج غاز بالجيوش مظفّر تعنو الوجوه لسيفه ولرمحه ... بعد السجود لتاجه والمغفر (١) فافخر بقحطان على كل الورى ... فالناس من صدف وهم من جوهر وإذا غضبنا غضبة يمنيّة ... قطرت صوارمنا بموت أحمر فغدت وهاد الأرض مترعة دما ... وغدت شباعا جائعات الأنسر والأبيات تحمل عصبية عنيفة، وهى عصبية لا يشيد فيها بالملوك والتبابعة الأولين من قومه، بل أيضا لا تزال الحماسة تشتد به وتتأجج فى صدره، حتى يجعل قحطان فوق الورى والناس جميعا، بل حتى يجعلهم من معدن غير معدنهم، فهم من جوهر والناس من صدف، ولا كغضبهم، فغضبهم يملأ الوهاد دما وأشلاء ما تزال تحط عليها النسور والصقور، تملأ بطونها الجائعة. ولم يكتف بهذه العصبية الجامحة لقومه ضد مضر والعالم جميعه، فقد اندفع فى نقائض مع الأشراف الرسيين أصحاب صعدة، وشاع أنه قال: أما الحسين فقد حواه الملحد ... واغتاله الزمن الخئون الأنكد فتبصّروا يا غافلين فإنه ... فى ذى عرار ويحكم مستشهد (٢) وحين وصل البيتان إلى أسماع الرّسّيّين غضبوا غضبا شديدا، وعظم هياجهم، وردوا عليه بعنف، مهددين متوعدين بمثل قول عبد الله بن قاسم الزيدى: أما الصحيح فإن أصلك فاسد ... وجزاك منا ذابل ومهّند (٣) فى قصيدة طويلة. ووصلت أسماع نشوان، فلم يخلد إلى الصمت والسكوت، بل مضى يردّ بقصيدة دالية يقول فيها: من أين يأتينى الفساد وليس لى ... نسب خبيث فى الأعاجم يوجد لا فى علوج الروم جدّ أزرق ... أبدا ولا فى السّود خال أسود

стр. 2260

ومضى يتنصّل من البيتين السالفين. غير أنه ساق تنصله فى تهكم وسخرية لاذعة من تهديده بسفك دمه، قائلا: فدع التهدّد بالحسام جهالة ... فحسامك القطّاع ليس له يد من قد تركت به قتيلا؟ ! أنبنى ... ممن توعّده ومن تتهدّد إن لم أمت إلا بسيفك إننى ... لقرير عين بالبقاء مخلّد وكل هذا يمكن أن يحتمل من نشوان فى سبيل دفاعه عن نفسه، ولكنه لم يلبث أن وصم جبينه وصمة لا تمحى بالأبيات التالية: موتى قريش فكلّ حىّ ميّت ... للموت منا كلّ حىّ يولد قلتم لكم إرث النّبوّة دوننا ... أزعمتم أن النبوة سرمد منكم نبىّ قد مضى لسبيله ... قدما فهل منكم نبىّ يعبد وهذه سفاهة وخرق وحماقة، ويقول العماد الأصبهانى تعليقا على هذه الأبيات: «قاتله الله ولعنه وأخزاه، ما أشد افتراه على الله وأجراه، وأية فضيحة فوق هذا ولولا النبى المصطفى الذى اختاره الله واجتباه، وجعله الوسيلة إلى نيل رضاه، صلوات الله عليه وسلامه، ما سعدوا ولا فازوا ولا حازوا من الشرف والفضيلة ما حازوا» وحقا إنها كلمات خبيثة كلها نكد وخزى وبوار، ولو أن الشاعر وجّه شعره وجهة أخرى غير وجهة هذه العصبية الخرقاء لكان ذلك له أفضل وأجدى. سليمان النبهانى (١) آخر سلاطين بنى نبهان العمانيين ولا يعرف تاريخ مولده، وقد عاش حتى سنة ٩١٥ للهجرة وكانت حياته فى الحكم سلسلة من الحروب بينه وبين أخيه وبينه وبين خوارج نزوى، منها وقعة «حممت» بينه وبين خوارج نزوى لعهد إمامهم عمر بن الخطاب، وفيها انهزم عمر، ودارت الأيام وانتصر عمر عليه، وسرعان ما توفى فتنفّس سليمان الصعداء وعاد إلى عاصمته وأخرج منها شيوخ الخوارج المقيمين بها. وحاربه الخوارج فى «واقعة أزكى» ودارت الدوائر عليه. وما زال به أبو الحسن بن عبد السلام الذى ولى أمر الخوارج بعد عمر بن الخطاب، حتى غادر الديار إلى هرمز فى أرض فارس ومات أبو الحسن فعاد واسترد سلطانه، غير أن العمانيين بايعوا إمام الخوارج محمد بن إسماعيل الخروصى سنة ٩٠٦

стр. 2261

ونشبت بينهما موقعة الحمة وهزم فيها سليمان ولم تقم له بعدها قائمة. وبذلك ضعفت دولة النبهانيين وكاد يقضى عليها قضاء نهائيا. وديوانه يفيض بثقافة لغوية وأدبية جيدة، وهى ثقافة تتضح بجلاء خلال معارضاته الكثيرة للشعراء، إذ كان يعارض أشعار الجاهليين من أمثال امرئ القيس وطرفة وعنترة وزهير وعمرو بن معد يكرب والنابغة والأعشى وأشعار الإسلاميين من أمثال جرير والفرزدق وذى الرمة وكثيّر وقطرىّ بن الفجاءة وأشعار العباسيين من أمثال أبى نواس وأبى العتاهية وأبى تمام والبحترى وابن دريد والمتنبى وأبى العلاء. وقد تتبع محقق الديوان الأستاذ عز الدين التنوخى ذكره للمواطن والأماكن التى نثرها امرؤ القيس فى أشعاره، كما تتبع أخذه من عنترة ومعارضته لطرفة فى معلقته وعمرو بن معد يكرب فى داليته وابن دريد فى مقصورته وأبى نواس فى خمرياته وما تطوى من معان وصور وأوزان وقواف، ولاحظ معارضته لأبى العلاء فى قصيدته (ألا فى سبيل المجد) وأنه استعار منه المعانى وكثيرا من الألفاظ كما استعار الوزن والقافية، على شاكلة قوله: ألا فى سبيل المجد ما أنا صانع ... نفوع وضرّار ومعط ومانع وإنى لذو طعمين شهد يشوبه ... رحيق وسمّ دونه السّمّ ناقع ولكن من الحق أنه مع هذه المعارضات الكثيرة فى ديوانه وإغاراته على معانى الأسلاف وأخيلتهم وأفكارهم شاعر مجيد يحسن رصف الكلم. والموضوع الأساسى فى ديوانه هو الفخر، وهو شئ طبيعى، لأنه كان سلطانا وصاحب دولة ومن فخره الذى يصور فيه بسالته وشجاعته: يمينا بالصّوارم والحراب ... وبالخيل المسوّمة العراب (١) وكلّ مفاضة كالنّهى سرد ... تردّ العضب مفلول الذّباب (٢) أنا ابن السابقين إلى المعالى ... ورغم الصّيد والشّوس الغضاب (٣) أنا الملك الذى ساد البرايا ... مقرّ الفخر والحسب اللّباب ولى يومان من نعمى وبؤسى ... ولى طعمان من أرى وصاب (٤) ويتضح لنا من هذه الأبيات صوته فى الفخر، فهو يقسم بأدوات الحرب والبأس أنه

стр. 2262

سليل السابقين إلى الشرف: شرف النسب وشرف الفعال، ويتمدح بأنه كالمنذر بن ماء السماء الذى كان يتخذ له يومين كل عام يوم نعمى ويوم بؤسى وأن له طعمين حلوا ومرّا. وهو يلتقى مع نشوان بن سعيد فى الإكثار من الفخر بقحطان وملوك اليمن وأقيالها بمثل قوله: ونحن ملكنا الجنّتين بمأرب ... ودسنا برغم أنف كسرى وقيصر ويكثر من تعداد أسماء هؤلاء الأقيال والملوك، ولكنه لا يبلغ من التيه بهم والزهو مبلغ نشوان، وإن كنا نحس عنده أيضا نغمة الفخر على نزار حين يردّد ما قدمه الأنصار للرسول ﷺ وما أدوه من جهاد فى سبيل إعلاء الإسلام وما بذلوا من الأرواح والأموال، على نحو ما نرى فى قوله: ولولا الملوك الصّيد قومى لم يقم ... لعمرى قوم قبلة الصّلوات ضربنا على الإسلام أبناء هاجر ... فدانوا وأدّوا واجب الزّكوات ويقصد بأبناء هاجر قريشا، وهى أم إسماعيل ﵇ كما هو معروف. وكثيرا ما يبالغ مبالغات مفرطة فى فخره تتجاوز الحدود كقوله: وهب الإله لى الفضائل مثلما ... أعطى الكليم الصّحف والألواحا والكليم هو موسى ﵇، وما كان أغناه عن مثل هذه المبالغة. ويكثر فى ديوانه من ذكر الأطلال والغزل، وهو فيهما مقلد يحتذى على معانى الأسلاف وصورهم. ويتعرض كثيرا لوصف الناقة، وأهم من وصفه لها وصفه للفرس لأنه يتصل بشجاعته وحروبه، غير أنه لا يأتى فى الوصفين بجديد، ويكثر من ذكر الصيد وهو طبيعى لأمير يجد فراغا كثيرا. وله قصيدة ميمية يصف فيها حمار الوحش وأتنه ومسيرته معها فى الصحراء بحثا عن ماء حتى إذا ألمّ به أرسل عليه وعلى الأتن صائد متربص وراء الأشجار سهامه، فأخطأت الصيد ومضى الحمار وأتنه عبر الصحراء. ويتلو هذا المشهد بمشهد ثان لمعركة بين ثور وكلاب صائد، ويذكر لنا لون الثور ومبيته بين أشجار تقيه صوب الغمام، حتى إذا أسفر الفجر وخرج الثور من كناسه أرسل الصائد عليه خمسة كلاب، فقتل منها اثنين، ومضى يشق طريقه فى الفلوات مثيرا للغبار من حوله. والمشهدان منقولان حرفيّا من بائية ذى الرمة المشهورة التى عرضنا لها فى كتابنا «التطور والتجديد فى الشعر الأموى» ولم يلتمس الشاعر منه المشهدين فحسب، بل التمس أيضا بعض عباراته ومعانيه، حتى وصف ذى الرمة لثوره بأنفته من الفرار من المعركة نجده عند النبهانى إذ يقول: واعتاده أنف الكري ... م فكرّ كالبطل المحامى

стр. 2263

وللخمر حيّز كبير فى الديوان، ويستظهر الأستاذ عز الدين التنوخى أنه كان يطلق لنفسه العنان فى مطالع حياته، ويقرن إحدى خمرياته إلى خمرية لأبى نواس، ويبين مدى إغارته على معانيها وصورها وعلى الوزن والقافية، ومن شعره فى الخمر قوله: وكم جنّة فى الأرض دان قطوفها ... بها غرفات أيّما غرفات قضينا بها أيامنا بمدامة ... لدى قاصرات الطّرف بين سقاة وحور كأمثال الدّمى وبراغز ... يطرّبننا بالنّاى والنّغمات وواضح أنه لكى يجمّل صورة الجنة جاء بقاصرات الطرف اللائى يقصرن عيونهن على صواحبهن ولا يلتفتن إلى غيرهم، كما جاء بالحور العين وأضاف إليهن أولادهن من البراغز وهن يطرّبنهم بالضرب والعزف والغناء على الآلات الموسيقية. ويبدو أنه كثيرا ما كان يفكر فى الدنيا ونوائبها إذ نرى له بعض مواعظ فى ديوانه-وله رثاء حار لأخ ثار عليه وقتله- ولعل من الطريف أن نجده يختم بعض قصائده بالصلاة على الرسول ﷺ ، على شاكلة قوله فى خاتمة إحدى قصائده: وأختم شعرى بذكر الرسول ... نبىّ البريّة نور الظلام وفى الحق أنه كان شاعرا مجيدا، وتكثر معارضاته واقتباساته من الشعراء السابقين، غير أن ملكته الشعرية كانت ملكة خصبة.

стр. 2264

الفصل الرّابع طوائف من الشعراء ١ - شعراء الدعوة الإسماعيلية كان أول ظهور للدعوة الإسماعيلية فى الجزيرة العربية على يد حمدان قرمط الذى ينسب إليه القرامطة، وقد أخذ يدعو دعوته القرمطية الإسماعيلية منذ فواتح الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة فى سواد الكوفة والبصرة. وأرسل أحد دعاته المسمى أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى إلى البحرين، فنشر الدعوة فيها واستطاع فى سنة ٢٨٦ أن يؤسس بها لنفسه وأبنائه دولة هناك، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وظلت دولته قائمة يتناوب عليها أبناؤه وأحفاده حتى سنة ٣٥٨ إذ قطعوا علاقتهم بالفاطميين نهائيا-ودخلوا فى طاعة الخليفة العباسى وخطبوا له على المنابر، وبذلك يتضح كيف أن الأعصم أميرهم حارب الفاطميين-كما مرّ بنا-تحت راية العباسيين سنة ٣٦٠. وقد أرسل حمدان قرمط داعيين من دعاته إلى اليمن أحدهما يمنى هو على بن الفضل والثانى كوفى هو منصور بن حوشب، واستطاع على أن يستولى على صنعاء، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، غير أنه قلب للقرامطة وللفاطميين ظهر المجن، فأخذ يدعو لنفسه، وزعم لأتباعه أنه نبى وأنه جاءهم بشريعة جديدة تحلّ لهم المحارم والمآثم وترفع عنهم الصلاة والصيام والحج، ويروى أنه صعد يوما المنبر وأنشد له أو لبعض شعرائه (١). خذى العود يا هذه واضربى ... نقيم شرائع هذا النّبى تولّى نبىّ بنى هاشم ... وجاء نبىّ بنى يعرب أحلّ البنات مع الأمهات ... ومن فضله زاد حلّ الصّبى وقد حطّ عنا فروض الصلاة ... وحطّ الصيام فلم نتعب

стр. 2265

ولا تطلب السّعى عند الصّفا ... ولا زورة القبر فى يثرب فهو نبىّ يعرب أو قحطان كما يزعم زورا وبهتانا بل كفرا وضلالا. ولم يلبث عدو الله والإسلام أن لقى حتفه-كما مرّ بنا-فى سنة ٣٠٣ بمشرط حسنىّ متطبب ظل يترصده حتى وجد الفرصة سانحة. أما منصور بن حوشب فنفض يده من القرامطة واتصل مباشرة بالفاطميين حين كانوا لا يزالون فى المهدية بالقرب من تونس، واتخذوه داعية لهم فى اليمن فاستولى على بعض الحصون، وتوفى سنة ٣٣١ فخلفه ابنه حسن على الدعوة. وتوفى وظلت الدعوة قائمة وظل لها دعاة مختلفون، وتولاها الداعى الكبير على بن محمد الصّليحى (٤٣٩ - ٤٥٩ هـ) مؤسس الدولة الصليحية باليمن كما مر بنا، وكان قد تتلمذ على داع فاطمى يمنى يسمى سليمان بن عبد الله الزواحى، حتى إذا مات خلفه عليها، وكان يستغل الحج إلى بيت الله الحرام وسيلة لنشر دعوته فى اليمنيين الذين يتجمعون هناك من أنحاء مختلفة. وبايعه رؤساء قبيلة همدان على نصرته، ولم يلبث أصحابه أن تكاثروا فاستولى بهم على صنعاء وعدن وزبيد ودانت له البلاد من مكة إلى حضرموت، وكان شاعرا، وتنسب إليه أشعار جيدة ذكرنا منها بيتين فى مستهل حديثنا عن كثرة الشعراء فى الفصل الماضى، ويشك بعض القدماء فيما ينسب إليه من شعر أحيانا، ويقولون إنه كان ينظمه بعض الشعراء على لسانه (١). ويذكرون أنه لما قطع الشريف شكر أمير مكة ذكر اسم المستنصر الفاطمى من خطبة الجمعة سنة ٤٥٣ تبادل معه رسائل تحمل تهديدا ووعيدا، وكان مما أجابه به الشريف شكر قصيدة سينية ينذره فيها بحرب مبيرة فأمر شاعره عمرو بن يحيى الهيثمى أن يرد عليه بقصيدة تنقض قصيدته نقضا، فردّ بقصيدة طويلة يقول فيها على لسانه (٢): دم الأبطال فى اليوم العبوس ... مدامى لا شراب الخندريس وكم ملك أسرت وكم خميس ... أباد سراته قتلا خميسى (٣) وكان الهيثمى ما ينى يشيد بعلى الصليحى وحروبه وما سجّل فيها من انتصارات. وكان لا ينهض بعمل دون أن ينشده بعض مدائحه، من ذلك أنه لما عزم على الحج فى سنة ٤٥٩ وأناب عنه ابنه أحمد المكرم انبرى الهيثمى ينشد (٤): إنّ سيف الإمام كالبحر ذى المو ... ج له فى البلاد مدّ وجزر ولئن ساءنا فراق علىّ ... فبحمد ابنه لنا ما يسرّ ولم تكتب لعلى الصليحى العودة إلى عاصمته ودياره من الحج، إذ كان قد استولى من

стр. 2266

آل نجاح على زبيد، فرصده سعيد بن نجاح-وكان معه أخوه جياش-فى عودته، وكانت برفقته زوجته أسماء، فاغتاله، واقتاد زوجته أسيرة، وأخذ الشعراء يعزّون فيه ابنه المكرّم ويرثونه، من ذلك قول الهيثمى (١): وأنشأ الحجّ إلى مكّة ... يبغى رضا الله وأجرا جزيل وارتجّت الأرض له هيبة ... بمن بها بين فرات ونيل فإن يكن نيل على غرّة ... فالبدر لابدّ له من أفول وظلت السيدة أسماء فى الأسر ثمانية أشهر إلى أن استطاع ابنها المكرّم فى سنة ٤٦٠ أن يستخلصها من الأسر ويرد إليها حريتها. وفى العام التالى فتك بسعيد وهرب أخوه جيّاش إلى الهند. وكانت للسيدة أسماء أعمال برّ كثيرة، وكان يخطب لها على المنابر بعد الخليفة المستنصر وزوجها على الصّليحى (٢)، وفيها يقول الهيثمى (٣): رسمت فى السماح سنّة جود ... لم تدع من معالم البخل رسما قلت إذ عظّموا لبلقيس عرشا ... دست أسماء من ذرى النّجم أسمى وكانت السيدة أروى بنت أحمد زوجة السلطان المكرم لا تقلّ عنها فضلا، وقد نشأت فى حجر السيدة أسماء وعنيت بتربيتها وأحضرت لها الدعاة كى يعلّموها أصول الدعوة الإسماعيلية الفاطمية. وتوفّى زوجها سنة ٤٧٧ فأسند الفاطميون إليها الدعوة وتدبير شئون الدولة الصليحية، فكان يخطب لها على منابر اليمن. واستطاع جياش بن نجاح أن يسترد زبيد سنة ٤٧٨ وكان مما أعانه على ذلك نشوب نزاع شديد بين أسعد بن شهاب واليها الصليحى ووزيره على بن القمّ، ويقال ان ابن القمّ أحسن استقبال جيّاش حين دخل زبيد، وتزوجت السيدة أروى بالداعى سبأ بن أحمد الصليحى وأشركته معها فى الحكم وكان شاعرا جوادا، وفيه يقول ابن القاسم من قصيدة (٤) ولما مدحت الهبرزىّ ابن أحمد ... أجاز وكافانى على المدح بالمدح فعوّضنى شعرا بشعر وزادنى ... عطاء فهذا رأس مالى وذا ربحى وتوفى سبأ سنة ٤٩١ وظلت أزمّة الأمور بيدها إلى أن توفيت سنة ٥٣٢. وبوفاتها انتهت هذه الدولة الإسماعيلية، وتزعّم الدعوة فى اليمن بعدها آل زريع أصحاب عدن وكانوا يجزلون العطايا للشعراء حتى عدّوا عند بعض أمرائهم بالعشرات، وأكبر

стр. 2267

شعرائهم غير منازع أبو بكر العيذى. وله مدائح طنانة فى الداعى الزريعى عمران بن محمد ابن سبأ من مثل قوله (١): ما إن تخطّ يد العلى أوصافه ... إلا بسمر الخطّ لا بيراع (٢) لو أن تبّع كان أدرك عصره ... أضحى له من جملة الأتباع خضعت له غلب الملوك وإنما ... خضعت لضرّار لها نفّاع وعنت لعالى القدر منه مؤيّد ... ماضى الأوامر فى الزمان مطاع والمال مقتسم مشاع عنده ... بيد النّدى والمجد غير مشاع وروى له العماد فى الخريدة مدائح كثيرة معجبا بها، وذكر أنه كان وزير الدولة الزريعية وصاحب ديوان الإنشاء بها، وينقل عن عمارة اليمنى إشادة قوية ببيانه وبلاغته. ومع كثرة ما أنشده العماد من مدائحه للداعى الزّريعى لا نجد فيها إشارات للمذهب الإسماعيلى، وبالمثل ما أنشده لشعراء الصليحيين، والعماد فى خريدته يتحاشى مثل هذه الإشارات إلا ما جاء عفوا على نحو ما يلاحظ فى القسم الخاص بشعراء الدولة الفاطمية فى مصر، واتخذت موقفه أكثر كتب التراجم فى عصره وبعد عصره، وحرى بنا أن نقف عند ثلاثة من الشعراء الإسماعيليين اليمنيين فى العصر، وهم ابن القم ، والسلطان الخطاب، وعمارة اليمنى. ابن القمّ (٣). هو أبو عبد الله الحسين بن على بن القم، ولد بزبيد، وبها نشأ وتلقى معارفه، واستيقظت موهبته الأدبية مبكرة على ما يظهر، وكان أبوه على من أنصار على بن محمد الصليحى وشيعته، فحين ولّى الأسعد بن شهاب على زبيد وتهامة بعد استيلائه عليهما سنة ٤٥٢ جعله وزيره. ويبدو أن الأب ألحق ابنه بدواوين على الصليحى فى صنعاء منذ سنة ٤٥٨ على الأقل إذ نجده يهنئ المكرم ابنه بزواجه من السيدة أروى الملقبة بالملكة الحرّة فى هذه السنة منشدا: وكريمة الحسبين تكنف قصرها ... أسد تخاف الأسد من صولاتها ظفرت يداك بها فبخّ إنما ... لك تذخر العلياء مضنوناتها

стр. 2268

ولما توفى على الصليحى رثاه على لسان أخته السيدة تحفة. وسرعان ما أخذ الشعراء يحرّضون ابنه السلطان المكرم على الأخذ بثأره والانتقام من سعيد بن نجاح وأخيه وكانوا حبشانا ودولتهم حبشية كما مر بنا. وانبرى الحسين بن على بن القم يحثه هو وقومه على الانتقام لعلى الصليحى بمثل قوله: أقحطان هزّى البيض واعتقلى السّمرا ... وردّى العوالى من دماء العدا حمرا (١) ولا تهدرى ثأر المظفّر إنّه ... بنى لكم مجدا وشاد لكم فخرا (٢) وليس فى المصادر التى بين أيدينا مدائح له فى المكرم، ولكن أثرت له بعض رسائل وجّهها على لسانه إلى المستنصر الخليفة الفاطمى، مما يدل بوضوح على أنه كان كاتب الإنشاء فى عهده، بينما كان أبوه وزير أسعد بن شهاب فى زبيد، كما أسلفنا، ويبدو أنه استقبل جيّاش بن نجاح استقبالا حسنا حين استولى على زبيد، وربما كان من أسباب استيلائه على زبيد. وأكبر الظن أن الحسين لم يشرك أباه فى خروجه على الصليحيين، على كل حال شعره يدل على أنه ظل يخدم الملكة الحرة أروى وزوجها سبأ، وله فيها قصيدة دالية بديعة يقول فى تضاعيفها: أعلمت أن من الرماح قدودا ... ومن الصّفاح محاجرا ونهودا أعلى الأنام أبا وأكرم طينة ... وأتمّ أعراقا وأصلب عودا لو كان يعبد للجلالة فى الورى ... بشر لكانت ذلك المعبودا هى نعمة الله التى ما ماؤها ... ثمدا ولا معروفها مجحودا (٣) والبيت الأول رائع فى تصوير حزم هذه السيدة وقدرتها على تصريف شئون الحرب، إنها ذات بأس وجلال وجمال، ومن المؤكد أنه ظل على كتابة الإنشاء لها بعد وفاة السلطان المكرم (٤) وكذلك لزوجها سبأ بن أحمد حتى توفى سنة ٤٩١ إذ ينص القدماء على أنه كان يقيم معه فى حصن أشيح حتى وفاته، وفيه يقول من مدحة بائية: إن ضامك الدهر فاستعصم بأشيح أو ... أزرى بك الفقر فاستمطر بنان سبا تخال صارمه يوم الوغى نهرا ... تضرّمت حافتاه من دم لهبا والصورة فى البيت الثانى طريفة، وكان يحسن اجتلاب الصور والمعانى، مع جزالة الأسلوب ونصاعته، وفى سبأ يقول من قصيدة ثانية:

стр. 2269

كريم إذا جادت فواضل كفّه ... تيقّنت أن البخل ما تفعل السّحب وما كنت أدرى قبل قطع هباته ... إلىّ الفيافى أنّ أنعمه ركب والصورتان طريفتان، ويروى أنه سمع بيتا لابن سنان الخفاجى معاصره ابتكر معناه كما يقول العماد-نقلا عن نجم الدين بن مصال-وقد أحسن صياغة مغزاه، وهو: طويت إليك الباخلين كأننى ... سريت إلى شمس الضّحى فى الغياهب وهو بيت من قصيدة له فى ناصر الدولة أبى على بن ناصر الدولة بن حمدان، فأعجب به إعجابا شديدا وقال: والله لآخذن هذا البيت منه، وما هى إلا أن مدح سبأ ابن أحمد فقال فيه: لفظت ملوك الأرض حتى رأيته ... فكنت كمن شقّ الظلام إلى الصّبح يقول العماد: «ولم يقصّر فى هذا المعنى لكنه لم يبلغ رتبة ابن سنان فيه». وربما لم تعجبه كلمة «لفظت» عند ابن القم وربما فضل شمس الضحى فى بيت ابن سنان على الصبح فى بيت ابن القم، ولكن هذا تشريح أكثر مما ينبغى، ومن المؤكد أن بيت ابن القم بديع. ولاحظ الدكتور شكرى فيصل فى تعليقاته على أبياته فى الخريدة أنه كان يتأثر غير شاعر، من ذلك أنه ردّ قوله فى جيّاش بن نجاح: وما أنت إلا البدر أظلم منزلى ... وكلّ مكان نوره فيه ساطع إلى قول البحترى فى مديح الفتح بن خاقان: وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلى منه أسود مظلم والصلة بين البيتين واضحة، ولكن ابن القم مع ذلك حاول أن يحدث تحويرا فى الصورة بحيث تنسب إليه، ويدل هذا البيت من قصيدة فى عتاب جياش وقصائد أخرى فى عتابه على أنه حاول الاتصال-أو اتصل-به فعلا مما جعل سبأ بن أحمد يسخط عليه، وكأنما انضم ذلك إلى صنيع أبيه الذى أسلفناه مما جعله يكتب إلى سبأ بن أحمد معتذرا مستعطفا. ويرد الدكتور شكرى فيصل أيضا أبياتا مختلفة له فى مدحة ميمية إلى المتنبى، من ذلك قوله فيها: كأن مواضيه طبعن من الشّجا ... فهنّ من الأعداء بين الغلاصم فقد ردّه إلى قول المتنبى فى مديح على بن إبراهيم التنوخى: وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا فى الفؤاد

стр. 2270

وبيت المتنبى أروع إذ أين الشجا والهموم من الغلاصم التى تصل بين الرأس والعنق. بينما موضعها القلب والفؤاد. وردّ قوله فى نفس القصيدة يصف الإبل التى ركبوها إلى الممدوح: قصدن بنا من لو تجنّبن قصده ... سرت نحونا جدواه مسرى الغمائم إلى قول أبى تمام: كالغيث إن جئته وافاك ريّقه ... وإن ترحّلت عنه لجّ فى الطّلب وأيضا بيت أبى تمام أكثر روعة. وقد ردّ العماد قديما قوله فى تصوير بأس البطل المحارب الذى يبلغ من شجاعته أن يشغف بسيفه شغف المحبين فيقبّله، ولا يزال يعانقه: يظن هنديّه هندا فيلثمه ... فما يزال بليل معرس الضّرب (١) إلى قول أبى العلاء فى تصويره البطولة: يقبّل الرّمح حبّا للطعان به ... كأنما هو مجموع من اللّعس (٢) وبيت أبى العلاء أجمل وأكثر روعة وإبداعا وهو فرق ما بين كبار الشعراء وشاعر مثل ابن القمّ: وبدون شك يشكر ابن القم لمحاولته منافسة الشعراء السالفين البارعين ونفوذه إلى صور إن لم تكن لها روعة صورهم فإنها جيدة وتدل على لون من المهارة. وله أشعار مختلفة فى الهجاء والرثاء والغزل، ونسب إليه ياقوت البيتين التاليين فى تحمل مشقات الحب والمتاع بلذاته: تشكّى المحبون الصبابة ليتنى ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدى فكانت لنفسى لذة الحب كلّها ... فلم يدرها قبلى محبّ ولا بعدى ولا يعرف تاريخ مولده ولا تاريخ وفاته، وزعم ياقوت أنه ولد سنة ٥٣٠ وتوفى سنة ٥٨١ وهو خطأ واضح، فإنه من شعراء القرن الخامس الهجرى لا القرن السادس، وقد أنشدنا له أشعارا نظمها فى سنة ٤٥٨ وفيما تبعها من السنوات حتى وفاة سبأ بن أحمد الصليحى سنة ٤٩١، وربما رجع إلى مسقط رأسه زبيد بعد وفاة سبأ، وقد حاول أن ينال شيئا من صلات جياش حاكمها كما تدل على ذلك أشعاره فى الخريدة. والجزء الأخير من حياته أو قل نهايته أو بعبارة أدق تاريخ وفاته غير واضح، وربما أدرك أوائل القرن السادس.

стр. 2271

السلطان الخطّاب (١): هو الخطاب بن الحسن بن أبى الحفاظ الحجويرى الهمدانى، كان أبوه الحسن حاكما لوادى الجريب ومدينته فى إقليم الحجور، وكان فيما يبدو من رجال الدولة الصليحية إذ يقال إن ابنه الخطاب كان أخا فى الرضاعة للملكة الحرة أروى. وتوفى الحسن لأوائل القرن السادس وخلفه ابنه سليمان فى حكم الجريب، ودان له أخوه الخطاب بالطاعة، ثم لم يلبث النزاع أن دبّ بين الأخوين، ونشبت بينهما حروب انتهت فى سنة ٥١٤ بغلبة الخطّاب على أخيه، بفضل مساعدة الملكة أروى له. وظل الخطاب يستدرج أخاه، حتى أمن جانبه وعاد إليه، غير أنه قتله غيلة سنة ٥٣٠ ولم يمهله القدر طويلا، فقد عاجلته المنية فى سنة ٥٣٣. وكان الأخوان شاعرين، ولكل منهما ديوان، وكان أحدهما سنيا وهو سليمان والثانى وهو الخطاب فاطميا إسماعيليا، بل لقد كان الساعد الأيمن لداعى اليمن الفاطمى فى عصره الذّؤيب بن إسماعيل، وكان من مريديه وتلاميذه القريبين من نفسه، فجعله نائبا له ومؤازرا ومعينا فى نشر الدعوة الفاطمية الإسماعيلية باليمن. وقد أخذ عنه علومها مثل الفقه والتأويل والعقيدة أو كما يقولون علم الحقائق. وحدث أن قتل الآمر الخليفة الفاطمى فى سنة ٥٢٤ وتولى بعده عبد المجيد، أحد أبناء الأسرة، الخلافة والإمامة وتلقب بالحافظ، وأحدث ذلك انقساما، فإن من أسس الدعوة الفاطمية عند كثيرين أن يعقب الخليفة فى إمامته وخلافته ابنه الأكبر، وكانت زوجة الآمر حاملا، فرأى بعض المنتسبين إلى الدعوة أن خلافة الحافظ غير صحيحة وأن صاحبها هو الإمام المستور أبو القاسم الطيب بن الخليفة الآمر. وأعلنت الملكة الحرة أروى تمسكها بخلافة هذا الإمام المستور، وبذلك انفصلت الدعوة الفاطمية فى اليمن عن مركزها فى مصر، وانفصل معها داعيها الذّؤيب ونائبه السلطان الخطاب حاكم الجريب. وقد نشر إسماعيل قربان حسين ديوان السلطان الخطاب وألحقه بتعليقات تفسر إشاراته للعقيدة الفاطمية، ويكاد القسم الأول منه يكون قسما عقائديا خالصا، وكل من يقرؤه ويقرأ التعليقات يحس بالصلة الوثيقة بين السلطان الخطاب وابن هانئ شاعر المعز الفاطمى وأكبر من استظهروا العقيدة الفاطمية الإسماعيلية فى أشعارهم لأوائل الحقبة الفاطمية بمصر. وسنقف قليلا عند المبادئ الإسماعيلية فى الديوان من خلال مديح السلطان

стр. 2272

الخطاب للآمر الخليفة الفاطمى، من ذلك قوله فى قصيدته الأولى التى يمدح بها الآمر: يا من أسمّيه بالألفاظ معترفا ... أنّ المعانى فيها عنه تقصير وما ظهرت من النّاسوت أنت به ... تجلّيا لهدانا فهو مشكور صفو من الصّفو شفّاف تقدّس أن ... يشوب جوهره الشفّاف تكدير وهو يصرح فى الأبيات بأن الآمر فوق الحدود المعروفة لعقول البشر، ويقول إنه فى الظاهر ناسوت أى جسم ويشير إلى ما كان يردده دعاة الفاطميين من أن جسم الإمام ليس جسما ماديا، هو شبح يكمن فيه اللاهوت وهو الجانب النورانى. وفكرة الناسوت واللاهوت مأخوذة عن عقيدة المسيحيين فى المسيح. ويقول الخطاب عن الآمر إنه صفو شفاف لا تشوبه الأكدار أى أنه نورانى خالص. ونمضى معه إلى القصيدة الثالثة، وهى أيضا فى الآمر: يا من نسمّيه تعريفا نقرّره ... بشخصه فى نفوس القوم تقريرا ولو نشاء لقلنا فى النداء له ... بالصّدق يا حىّ يا قيّوم مشهورا يا عالم الغيب منا والشهادة يا ... بارى البريّة تركيبا وتصويرا شهدت أنك فرد واحد صمد ... شهادة لم تكن مينا ولا زورا والخطاب يشير فى الأبيات إلى ما زعمه الفاطميون ودعاتهم من أن الله لا يجوز أن يسمى باسم لأنه أسمى من كل اسم، ومن ثمّ يضفون أسماءه الحسنى فى القرآن الكريم على أئمتهم، غلوا مذموما، زاعمين أنهم ربانيون لهم ألقاب الله وصفاته، على نحو ما نرى الآن عند الخطاب، إذ لا يجد بأسا من أن ينادى على الآمر بأنه الحى القيوم وأنه الفرد الواحد الصمد، كبرت كلمات تخرج من فمه وفم أضرابه من دعاة الفاطميين المارقين، ويزعم أنه عالم الغيب والشهادة، ويمضى فى هذا الغلو الشنيع قائلا للآمر: أنت الذى كلّ شئ نحن نعلمه ... فان سوى وجهه عكسا وتغييرا أنت الذى فطر الأشياء قاطبة ... خلقا وأمرا وإيمارا ومأمورا أنت الذى سمك السّبع الشّداد على ... علم أدار بها الأفلاك تدويرا أنت الذى سطح الأرض المهاد لنا ... فرشا وقدّر فيها الرزق تقديرا وهو يزعم أن الآمر سرمدى الحياة، لا يلحقه فناء، وكأنه إلهى الذات، ويشير فى البيت الثانى إلى وصف القرآن للذات العلية فى مثل قوله: ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ وقوله: ﴿(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)﴾. ويجعله فى البيت الثالث رافع السموات السبع ومدبّر الأفلاك فيها. والبيت الرابع مأخوذ من مثل قوله تعالى: ﴿(وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ)﴾

стр. 2273

وقوله: ﴿(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ)﴾. ويقول أيضا فى مديح الآمر: يا علّة لوجود الشئ من عدم ... وكاشفا عنه بالأنوار للظّلم وعالما بخفيّات الأمور غدا ... للناس أشهر من نار على علم شهدت أنك فرد واحد نطقت ... بفضله سور القرآن عن أمم وجّهت وجهى فى سرّى وفى علنى ... إليك إذ أنت معنى البيت والحرم وهكذا يردد الخطاب ما كان يزعمه دعاة الفاطميين من أن الإمام ممثول العقل الأول الفعال وأن قدرة الله تحلّ فيه، بحيث يصبح العقل الكلى وجوهر الملكوت وعنه تصدر جميع المخلوقات، فهو العلة الأولى، علة لوجود كل ما سواه. ويزعم الخطاب أنه: ﴿(يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى)﴾ وأن آيات القرآن الكريم نطقت بفضله من أمم أى قريب، يشير إلى مثل قوله تعالى: ﴿(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)﴾. وكلمة «البيت والحرم» مصطلحان إسماعيليان، أما البيت فيريد به الإمام وأنه بيت معرفة الله ومستقر التوحيد وحقيقته. وأما الحرم فهو حمى الإمام وعقيدته الفاطمية. وللخطاب رثاء فى الملكة الحرة أروى حين توفيت سنة ٥٣٢ يصدر فيه عن عقيدته الفاطمية منشدا مثل قوله: أمولاتنا يا من بباهر نورها ... تجلّين عن أبصارنا الظلمات ويا حجّة المولى التى ببيانها ... هدى الله من حيّرنه الشبهات أجلّك عن موت بروحك نازل ... وأنت لأرواح الأنام حياة وهو يصفها فى البيت الثانى بأنها حجّة الإمام، والحجة فى الدعوة الفاطمية الإسماعيلية مرتبة تلى مرتبة داعى الدعاة فى المركز الأم مصر، وصاحبها يتولى الدعوة فى إقليمه والنيابة عن الإمام. وكانت الملكة الحرة حجة المستنصر والآمر فى اليمن وزعيمة الدعوة الفاطمية فيها. ويزعم الخطاب فى البيت الأخير أنها لم تمت، وكأن حياتها سرمدية كحياة الأئمة، وكل ما قدمنا غلو ومروق واضح. ووراء هذا القسم من الديوان قسم ثان يتصل بأحداث حياة الخطاب وحروبه وصلاته بأمراء الدول من حوله، وفيه كثير من المديح والهجاء والفخر، وأجود مدائحه فيه ما قدمه للملكة الحرة أروى. وجعله تعمقه فى العقيدة الفاطمية الإسماعيلية يكتب رسائل مختلفة فى بعض قضاياها وأصولها ومبادئها الكلية، وعرض إسماعيل قربان حسين لطائفة منها بالتحليل والتعريف.

стр. 2274

عمارة اليمنى (١) هو أبو حمزة عمارة بن أبى الحسن اليمنى، من أهل الجبال فى تهامة. من قرية يقال لها مرطان فى وادى وساع، وهو قحطانى مذحجى من سلالة الحكم بن سعد العشيرة. ولد فى سنة ٥١٥ فى أسرة تهتم بالعلم والثقافة، ولم تكد توافى سنة ٥٣١ حتى أرسله أبوه إلى زبيد فثقف فيها الفقه الشافعى، وقرئ عليه مدة، وله فى الفرائض مصنف مشهور فى اليمن. واتصل بآل نجاح حكام زبيد ووزرائهم، كما اتصل بآل زريع حكام عدن وبعلى بن مهدى الذى خلف آل نجاح على زبيد، وكان الأولون سنّيّين والثانون إسماعيليين والثالث كان خارجيا. حتى إذا كانت سنة ٥٤٩ توجه إلى حج بيت الله الحرام، وتعرف إلى أمير مكة قاسم بن هاشم بن فليتة الزيدى، وكلفه بحمل رسالة إلى الخليفة الفائز الفاطمى، فقدم القاهرة سنة ٥٥٠ واستقبله طلائع بن رزّيك وزير الفائز فى قاعة الذهب بقصر الخلافة، وأنشده عمارة ميمية طويلة يقول فى تضاعيفها: قد رحت من كعبة البطحاء والحرم ... وفدا إلى كعبة المعروف والكرم فهل درى البيت أنى بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم ولم يكد يفرغ من إنشاد القصيدة حتى أفيضت عليه الخلع، وأغدق عليه طلائع خمسمائة دينار. وصنعت مثله سيدة القصر بنت الخليفة الحافظ. وتهاداه أمراء الدولة وموظفوها الكبار. وقفل راجعا إلى مكة، فإلى زبيد. وعاد إلى الحج سنة ٥٥١ فكلفه أمير مكة برسالة ثانية إلى الخليفة بمصر، فقدم إليها واستوطنها حتى آخر حياته. وبالغ طلائع وبنوه فى إكرامه، وله فيهم مدائح كثيرة. وقتل طلائع بعد قدومه الثانى بأربع سنوات سنة ٥٥٦. وحظى بعده بجوائز الوزيرين شاور وضرغام، وله فى شاور وطلائع مراث بديعة، وكان قريبا من نفس الكامل بن شاور قبل وزارة أبيه، فلما وزر أعرض عنه، فعاتبه عتابا رقيقا. وما زالت العطايا تسبغ عليه، حتى إذا ملك مصر السلطان صلاح الدين مدحه ومدح جماعة من بيته، وخاصة توران شاه الأيوبى، وله ميمية حرّضه فيها على أخذ اليمن أولها:

стр. 2275

العلم مذ كان محتاج إلى العلم ... وشفرة السيف تستغنى عن القلم ويقول ابن خلكان إنه كان فقيها شافعيا شديد التعصب للسنة، ويبدو أن ذلك إنما يصدق على أوائل حياته حين كان يدرس مذهب الشافعى فى زبيد. أما بعد ذلك فإننا نراه يتصل بآل زريع الإسماعيليين وبأمير مكة الزيدى. ولعل السبب فى أن ابن خلكان أطلق كلامه عليه وعمّمه أنه وجده فى كتابه «النكت العصرية» يتبرأ من التشيع ويذكر أن طلائع بن رزّيك عرض عليه أن يدخل فى العقيدة الإسماعيلية، فأجابه بأن يمنّ عليه بسدّ هذا الباب. ولكن كتاب النكت-فيما يبدو-ألّف فى عصر الأيوبيين، فكان طبيعيا أن يخفى إسماعيليته أو تشيعه، وأن يعلن براءته فى تصانيفه وقصائده من التشيع وآله. ونراه فى قصيدة له كتب بها إلى صلاح الدين وسماها «شكاية المتظلم ونكاية المتألم» يصف كثرة ما كان يصله من عطايا الفائز والعاضد ووزرائهما بمثل قوله: مذاهبهم فى الجود مذهب سنّة ... وإن خالفونى فى اعتقاد التشيّع وهذا وأمثاله كان-فى رأينا-سبب ضلال ابن خلكان فى الحكم عليه، فإن من يرجع إلى ديوانه ومدائحه فى الخليفة الفاطمى العاضد وطلائع وزيره وابنه العادل لا يشك فى أنه اعتنق المذهب الفاطمى الإسماعيلى، من ذلك قوله من قصيدة فى مديح العاضد وطلائع: لا يبلغ البلغاء وصف مناقب ... أثنى على إحسانها التنزيل شيم لكم غرّ أتى بمديحها ال ... فرقان والتّوراة والإنجيل سير نسخناها من السّور التى ... ما شانها نسخ ولا تبديل وهو يشير إلى ما جاء فى الذكر الحكيم من مثل قوله تعالى: ﴿(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)﴾ ويمد ذلك إلى التوراة والإنجيل وما جاء فيهما من ذكر الرسول على لسان موسى وعيسى، وكأن ذكره يتضمن ذكر ذريته، وقد جاء فى سورة الصفّ على لسان عيسى: ﴿(وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ)﴾ وهذه الفكرة التى تصل بين الرسول والأئمة الفاطميين فى التوراة والإنجيل كان يرددها شعراؤهم من مثل قول السلطان الخطاب فى الخليفة الآمر: هو الذى كنت التّوراة عنه وفى ... الإنجيل ما ضمنّت فيه المزامير ودائما يقرّر عمارة حق العاضد الثابت بالمعقول والمنقول كما يقول فى نفس اللامية السالفة، ونراه يقول فى دالية مدح بها العاضد ووزيره العادل بن طلائع بن رزّيك: أغنى عن التّقليد نصّ إمامة ... والنّصّ يبطل عنده التّقليد

стр. 2276

لا شئ من حلّ وعقد فى الورى ... إلا إلى تدبيره مردود ملك أغاث المسلمين وحاطهم ... منه وجود فى الزمان وجود وهو يردّد ما يزعمه الشيعة من أن الإمامة فى الأمة إنما تورث بالنص عن الإمام السابق، فهى ليست مفوضة للأمة، بل هى من حق الأئمة وحدهم يتوارثونها خالفا عن سالف. ويشير عمارة فى البيت الثانى إلى نظرية العقل الفعال التى يمثّلها الإمام والتى تجعله-كما مر بنا عند السلطان الخطاب-يدبّر الكون وشئون الورى وكل ما يتصل بها من حلّ وعقد. أما البيت الثالث فيصور فيه فكرة الفيض الأفلاطونى المعروفة عند الإسماعيليين والتى تجعل الأئمة مائلين فى كل وجود إنسانى. ويقول فى مديح العاضد من قصيدة طويلة: كم آية رويت لكم أسرارها ... آل الوصىّ وللورى إعلانها فكأنما تأويلكم أرواحها ... وكأنما تفسيركم أبدانها وكأنّ علم الكائنات وديعة ... مخزونة وصدوركم خزّانها وهو هنا يردّد ما يؤمن به الشيعة الإسماعيلية الفاطميون من أن للقرآن الكريم وآياته ظاهرا وباطنا، والباطن لا يعلمه إلا الأئمة، فهم الذين يعلمون أسرار الآيات القرآنية وحدهم دون غيرهم، وهم الذين يعلمون تفسيرها وتأويلها علما حقيقيا. وليس ذلك فحسب، بل هم يعلمون كل علم، وما صدورهم إلا خزانات لهذا العلم: علم الحاضر وعلم الغيب. وكل هذه شواهد بينة على أن عمارة تحول فى مصر فاطميا إسماعيليا. وكان حزنه لا يحدّ ولا يوصف حين دالت دولة الفاطميين، وبثّ هذا الحزن الغاضب غضبا عنيفا فى لامية له مشهورة استهلّها بقوله: رميت-يا دهر-كفّ المجد بالشّلل ... وجيده بعد حسن الحلى بالعطل هدّمت قاعدة المعروف عن عجل ... سقيت مهلا أما تمشى على مهل يا عاذلى فى هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصّرت فى عذلى وهو فى هذا الاستهلال ملتاع لوعة شديدة على زوال الدولة الفاطمية، وإنه ليسبّ الدهر الذى أطاح بها ويدعو عليه أن يسقى المهل شراب أهل الجحيم. ويدعو عذّاله على حب الأئمة الفاطميين أن يظلوا فى عذلهم ولومهم وكأنه يجد فيه شفاء لغليل نفسه. ويمضى فيدعو رفيقه أن يبكى معه على ساحة القصرين لا على ساحات معارك صفين وواقعة الجمل، وكأن النكبة هنا أكثر أسى وفجيعة، ويقول إن الجرح الذى أصاب فؤاده بزوال الدولة الفاطمية لا يندمل، وما يلبث أن يقول عجبا ينزل كل هذا بالفاطميين لا من الصليبيين ولكن من إخوان لهم فى الدين، ويقول:

стр. 2277

لربّما عادت الدّنيا لمعقلها ... منكم وأضحت بكم محلولة العقل (١) والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم ... ولا نجا من عذاب النار غير ولى وهو فى البيت الأول يعلن الثورة صريحة على صلاح الدين زاعما أنه ربما عادت الدنيا لمعقلها، وكأنما غاب عن صوابه ورشده أن أداة الحكم فى هذا المعقل كانت قد فسدت فسادا لاحدّ له، وبلغ من فسادها أن استلب الصليبيون فلسطين من مصر وأغاروا على القاهرة. وأراد الله لمصر بل للعرب أن تردّ القوس إلى باريها، وأن يبدأ صلاح الدين حكمه بالقضاء على هذا المعقل الفاطمى إلى الأبد. وكأنما أصابت العقيدة بصر عمارة بغشاوة، فلم ير الحقيقة، وقد مضى يتوعّد مبغض الفاطميين بالنار وسوء المصير، وتمادى فى هذا الغىّ والضلال ملوّحا بيده فى وجه صلاح الدين زاعما أن الأئمة الفاطميين باب النجاة وأن حبهم أصل الدين، يقول: أئمة خلقوا نورا فنورهم ... من نور خالص نور الله لم يفل (٢) والله لا زلت عن حبّى لهم أبدا ... ما أخّر الله لى فى مدّة الأجل فالأئمة الفاطميون نور خالص، نور شفاف، وهو فيض من نور الله، لا تشوبه أى مادة، وهو غلو واضح فى تصور الأئمة كان يردده شعراؤهم. وكتب لعمارة أن يظل يردده حتى بعد زوال دولتهم، بل إنه ليعلن أنه سيظل على حبهم حتى الأنفاس الأخيرة من حياته. وكأنه كان يظن أن دولتهم ستعود إذ تسوّل له نفسه أن يشترك مع ثمانية من أعوان الفاطميين، فى مؤامرة كبيرة ضد صلاح الدين وكاتبوا الفرنج الصليبيين طالبين منهم مددا، وعرفت نيتهم ومؤامرتهم، فأحيط بهم، وأعدموا فى يوم السبت ثانى شهر رمضان سنة ٥٦٩ بالقاهرة. وكان لابد لعمارة أن ينتهى هذه النهاية المفجعة بعد أن كاد لدولة صلاح الدين بلسانه وهمّ أن يكيد بيده، وكأنما غطّى القدر-كما يقول العماد-على بصره. وقد طبعت له مصنفات مختلفة، منها أخبار اليمن نشر كاى، ومنها مختصر المفيد فى أخبار صنعاء وزبيد، ومنها النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية. ٢ - شعراء الدعوة الزيدية تحدثنا فى الفصل الأول عن النحلة الزيدية وأنها كانت أكثر نحل الشيعة اعتدالا،

стр. 2278

وهى تنسب إلى زيد بن على زين العابدين بن الحسين الذى ثار على الأمويين بالكوفة سنة ١٢١ وانتهت ثورته بالقضاء عليه، غير أن دعوته ظلت قائمة بعده، ومر بنا أن كل العلويين الذين ثاروا على العباسيين فى القرنين الثانى والثالث للهجرة كانوا زيديين، إذ لا تعرف نحلتهم التستر والتخفى للإمام فى الدعوة، وهى لا تشارك نحلتى الإسماعيلية والإمامية فى العلم الباطنى، ولا تتغلغل فى فكرة العقل الفعال التى مرت بنا عند الإسماعيلية والتى تعطى الإمام صفات الله وأسماءه الحسنى والتى تسند إليه تدبير الكون وأن الوجود بل كل موجود إنما هو فيض منه. وهى لا تأخذ بفكرة النص على الإمام وأن الإمامة تنتقل من الأب إلى الابن عن طريق الوراثة، بل يكفى أن يكون الإمام الكفء الداعى لنفسه من أبناء السيدة فاطمة الزهراء وأن يكون عادلا عالما بالشريعة ورعا شجاعا جوادا، وتجوّز هذه النحلة إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وبذلك صحّحت خلافة أبى بكر وعمر مع وجود على، ولم تجوّز القدح فيهما كما تصنع الإسماعيلية والشيعة الغالية. وارتبطت نحلة الزيدية ارتباطا وثيقا بمدرسة المعتزلة ومبادئها إذ كان إمامها زيد تلميذا لواصل بن عطاء، وقوى هذا الارتباط مع الزمن. وإذا كانت ثورات الزيديين فى الحجاز والعراق وإيران أخفقت فى القرن الثانى للهجرة فإنها نجحت فى المغرب على نحو ما هو معروف عن دولة الأدارسة التى أسسها إدريس بن عبد الله الحسنى بفاس فى عهد الرشيد، وظلت نحو مائة وأربعين عاما. ونجحت كذلك فى طبرستان فى النصف الثانى من القرن الثالث للهجرة، فقامت هناك دولة زيدية ظلت نحو سبعين عاما. واستطاعت أسرة بنى سليمان أو بنى موسى الرسيين أن يقيموا دولة لهم فى مكة منذ سنة ٣٥٦ على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وظلت فيهم حتى اضطرهم الهواشم من أسرتهم أن يغادروا مكة إلى المخلاف السليمانى، وهناك ظل هذا الفرع يدعو للنحلة الزيدية حتى ذاب فى دولة الرسوليين، وقد أسلفنا أن محمد بن جعفر الحسنى عاد إلى مكة وأعاد الإمارة إلى أسرته الحسنية. وقامت فى صعدة باليمن دولة زيدية أقدم من الدولتين السالفتين، إذ أسسها هناك الإمام الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم فى سنة ٢٨٤ واستطاعت هذه الدولة أن تستولى على صنعاء فى حقب كثيرة، حتى إذا كان القرن العاشر الهجرى انضوى اليمن جميعه تحت لوائها، وإذن كانت للزيدية فى الجزيرة العربية لهذا العصر ثلاثة مراكز، هى مكة والمخلاف السليمانى وصعدة وكان المركز الأخير كثيرا ما يتسع، وشمل بأخرة ديار اليمن جميعها. وعنى الأمراء والأئمة فى كل مركز من هذه المراكز بالشعر وأصحابه، لأنهم أقلام

стр. 2279

الدعاية للدولة، وكثير من الأئمة كانوا شعراء فكان طبيعيا أن يعنوا بالشعر والشعراء. وأول من يلقانا من أئمة مكة الشعراء الأمير أبو الفتوح وقد أنشدنا له أبياتا طريفة فى غير هذا الموضع، وكان عيسى بن فليتة أمير مكة المتوفى سنة ٥٧٠ يجزل العطايا لشعرائه وفى مقدمتهم قائده النوبى الأصل سالم بن أبى سليمان، وفيه يقول من مدحة طويلة (١): هو نور ربّ العرش بين عباده ... فليعلموا والحجّة البيضاء لله يأمر باطنا أو ظاهرا ... فتصرّف الأقدار كيف يشاء يوماه يوم للنّوال وآخر ... تردى بسطوة بأسه الأعداء إن الثناء عليك من ربّ السّما ... أغناك عما قالت الشعراء وهو يغلو فى مديحه لهذا الإمام الزيدى، وكأننا نقرأ عنده ما نقرؤه عند السلطان الخطاب من الغلو فى مديح الآمر الخليفة الفاطمى، فإمامه نور خالص هو نفس نور الله، وهو الحجة القائم على رعيته، وتجرى الأقدار بما يشاء وكيف يشاء، أما ثناء الله عليه فيريد به ثناءه على أهل البيت فى القرآن الكريم وأنه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ومن أئمة مكة الحسن بن على بن قتادة المتوفى سنة ٦٥١ وكان شاعرا، ومن قوله (٢): وأذّنت حين تجلّى الصباح ... بحىّ على خير هذا العمل وكان الزيدية فى الجزيرة بمكة وفى اليمن والمخلاف السليمانى ينادون فى الأذان: بحىّ على خير العمل». ويمتلئ كتاب العقد الثمين بمدائح أمراء مكة، ويكفى أن نستشهد ببعض الأمثلة، فمن ذلك قول موفق الدين على بن محمد الحنديدى فى حميضة أمير مكة المتوفى سنة ٧٢٠ للهجرة (٣): خليفة لا يخلف الوعد ولا ... يضنّ عن سائله بما اقتنى إمام حقّ جدّ فى الله فما ... فى الله مذ جدّ وهى ولاونى أخاف فى الله تعالى من بغى ... وأمّن الخائف حتى أمنا هو ابن من أسرى به الله ومن ... من قاب قوسين تدلّى ودنا وليس فى مديحه غلو، بل هو مديح لإمام زيدى بالكرم والتقوى والعدل ورفع البغى والظلم ونشر الأمن، ويشير فى البيت الأخير إلى الإسراء بالرسول ومعراجه إلى السموات وما جاء فى سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾. وللحنديدى فى مديح

стр. 2280

أخيه رميئة أمير مكة المتوفى سنة ٧٤٦ للهجرة (١): نسب كمشتقّ الشموس ومفخر ... باع الكواكب قاصر عن طوله أما الفروع فليس مثل فروعه ... وكذا الأصول فليس مثل أصوله يابن المظلّل بالغمامة والذى ... قد أنزل القرآن فى تفضيله ماذا عسى مدحى وقد نزل الثّنا ... فيكم من الرّحمن فى تنزيله ووراء الحنديدى كثيرون من الشعراء كانوا يمدحون أمراء مكة الزيديين لا فى زمنه فحسب، بل فى جميع الأزمنة، وفى سلافة العصر لابن معصوم ونفحة الريحانة للمحبى طائفة كبيرة من مدائح الشعراء لهؤلاء الأمراء فى القرن العاشر الهجرى، من ذلك قول عبد الرحمن بن وجيه الدين المتوفى سنة ١٠٣٧ للهجرة فى حسن بن أبى تمى أمير مكة من مدحة طويلة، عارض بها رائية ابن هانئ المشهورة (٢): ملك إذا ما جال يوم كريهة ... لم تلق غير مجدّل ومعفّر ملك نداه البحر إلا أنه ... عذب أهذا البحر نهر الكوثر ذو الهمة العليا الذى قد نال ما ... عنه تقصّر همّة الإسكندر أعظم بها من نسبة نبويّة ... علويّة تنمى لأصل أطهر وكثيرون من أمراء المخلاف السليمانى وأشرافه كانوا شعراء مثل ابن وهّاس ودهمش وهما شاعران مجيدان، ومن أمرائهم الممدّحين غانم بن يحيى بن حمزة السليمانى المتوفى سنة ٥٦٠ ويروى أن ابن مكرمان مدحه بقصيدة لامية أعطاه عليها ألف دينار، وفيها يقول (٣): علوىّ متوّج هاشمىّ ... حسنىّ نواله مبذول يا سليل البطين والحرّة الزّه ... را هى الطّهر والحصان البتول (٤) خمسة خصّهم بتخصيصه الخا ... لق ربّى وهو اللطيف الجليل ما لهم سادس غداة الذى م ... دّ عليهم كساءه جبريل وهو يشير فى البيتين الثالث والرابع إلى ما تذكره الشيعة من أن الرسول ﷺ ألقى عليه وعلى علىّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين كساء وقال: نحن أهل البيت إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. ومعروف
следующие страницы →