← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

لا شئ من حلّ وعقد فى الورى ... إلا إلى تدبيره مردود ملك أغاث المسلمين وحاطهم ... منه وجود فى الزمان وجود وهو يردّد ما يزعمه الشيعة من أن الإمامة فى الأمة إنما تورث بالنص عن الإمام السابق، فهى ليست مفوضة للأمة، بل هى من حق الأئمة وحدهم يتوارثونها خالفا عن سالف. ويشير عمارة فى البيت الثانى إلى نظرية العقل الفعال التى يمثّلها الإمام والتى تجعله-كما مر بنا عند السلطان الخطاب-يدبّر الكون وشئون الورى وكل ما يتصل بها من حلّ وعقد. أما البيت الثالث فيصور فيه فكرة الفيض الأفلاطونى المعروفة عند الإسماعيليين والتى تجعل الأئمة مائلين فى كل وجود إنسانى. ويقول فى مديح العاضد من قصيدة طويلة: كم آية رويت لكم أسرارها ... آل الوصىّ وللورى إعلانها فكأنما تأويلكم أرواحها ... وكأنما تفسيركم أبدانها وكأنّ علم الكائنات وديعة ... مخزونة وصدوركم خزّانها وهو هنا يردّد ما يؤمن به الشيعة الإسماعيلية الفاطميون من أن للقرآن الكريم وآياته ظاهرا وباطنا، والباطن لا يعلمه إلا الأئمة، فهم الذين يعلمون أسرار الآيات القرآنية وحدهم دون غيرهم، وهم الذين يعلمون تفسيرها وتأويلها علما حقيقيا. وليس ذلك فحسب، بل هم يعلمون كل علم، وما صدورهم إلا خزانات لهذا العلم: علم الحاضر وعلم الغيب. وكل هذه شواهد بينة على أن عمارة تحول فى مصر فاطميا إسماعيليا. وكان حزنه لا يحدّ ولا يوصف حين دالت دولة الفاطميين، وبثّ هذا الحزن الغاضب غضبا عنيفا فى لامية له مشهورة استهلّها بقوله: رميت-يا دهر-كفّ المجد بالشّلل ... وجيده بعد حسن الحلى بالعطل هدّمت قاعدة المعروف عن عجل ... سقيت مهلا أما تمشى على مهل يا عاذلى فى هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصّرت فى عذلى وهو فى هذا الاستهلال ملتاع لوعة شديدة على زوال الدولة الفاطمية، وإنه ليسبّ الدهر الذى أطاح بها ويدعو عليه أن يسقى المهل شراب أهل الجحيم. ويدعو عذّاله على حب الأئمة الفاطميين أن يظلوا فى عذلهم ولومهم وكأنه يجد فيه شفاء لغليل نفسه. ويمضى فيدعو رفيقه أن يبكى معه على ساحة القصرين لا على ساحات معارك صفين وواقعة الجمل، وكأن النكبة هنا أكثر أسى وفجيعة، ويقول إن الجرح الذى أصاب فؤاده بزوال الدولة الفاطمية لا يندمل، وما يلبث أن يقول عجبا ينزل كل هذا بالفاطميين لا من الصليبيين ولكن من إخوان لهم فى الدين، ويقول:

стр. 2277

لربّما عادت الدّنيا لمعقلها ... منكم وأضحت بكم محلولة العقل (١) والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم ... ولا نجا من عذاب النار غير ولى وهو فى البيت الأول يعلن الثورة صريحة على صلاح الدين زاعما أنه ربما عادت الدنيا لمعقلها، وكأنما غاب عن صوابه ورشده أن أداة الحكم فى هذا المعقل كانت قد فسدت فسادا لاحدّ له، وبلغ من فسادها أن استلب الصليبيون فلسطين من مصر وأغاروا على القاهرة. وأراد الله لمصر بل للعرب أن تردّ القوس إلى باريها، وأن يبدأ صلاح الدين حكمه بالقضاء على هذا المعقل الفاطمى إلى الأبد. وكأنما أصابت العقيدة بصر عمارة بغشاوة، فلم ير الحقيقة، وقد مضى يتوعّد مبغض الفاطميين بالنار وسوء المصير، وتمادى فى هذا الغىّ والضلال ملوّحا بيده فى وجه صلاح الدين زاعما أن الأئمة الفاطميين باب النجاة وأن حبهم أصل الدين، يقول: أئمة خلقوا نورا فنورهم ... من نور خالص نور الله لم يفل (٢) والله لا زلت عن حبّى لهم أبدا ... ما أخّر الله لى فى مدّة الأجل فالأئمة الفاطميون نور خالص، نور شفاف، وهو فيض من نور الله، لا تشوبه أى مادة، وهو غلو واضح فى تصور الأئمة كان يردده شعراؤهم. وكتب لعمارة أن يظل يردده حتى بعد زوال دولتهم، بل إنه ليعلن أنه سيظل على حبهم حتى الأنفاس الأخيرة من حياته. وكأنه كان يظن أن دولتهم ستعود إذ تسوّل له نفسه أن يشترك مع ثمانية من أعوان الفاطميين، فى مؤامرة كبيرة ضد صلاح الدين وكاتبوا الفرنج الصليبيين طالبين منهم مددا، وعرفت نيتهم ومؤامرتهم، فأحيط بهم، وأعدموا فى يوم السبت ثانى شهر رمضان سنة ٥٦٩ بالقاهرة. وكان لابد لعمارة أن ينتهى هذه النهاية المفجعة بعد أن كاد لدولة صلاح الدين بلسانه وهمّ أن يكيد بيده، وكأنما غطّى القدر-كما يقول العماد-على بصره. وقد طبعت له مصنفات مختلفة، منها أخبار اليمن نشر كاى، ومنها مختصر المفيد فى أخبار صنعاء وزبيد، ومنها النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية. ٢ - شعراء الدعوة الزيدية تحدثنا فى الفصل الأول عن النحلة الزيدية وأنها كانت أكثر نحل الشيعة اعتدالا،

стр. 2278

وهى تنسب إلى زيد بن على زين العابدين بن الحسين الذى ثار على الأمويين بالكوفة سنة ١٢١ وانتهت ثورته بالقضاء عليه، غير أن دعوته ظلت قائمة بعده، ومر بنا أن كل العلويين الذين ثاروا على العباسيين فى القرنين الثانى والثالث للهجرة كانوا زيديين، إذ لا تعرف نحلتهم التستر والتخفى للإمام فى الدعوة، وهى لا تشارك نحلتى الإسماعيلية والإمامية فى العلم الباطنى، ولا تتغلغل فى فكرة العقل الفعال التى مرت بنا عند الإسماعيلية والتى تعطى الإمام صفات الله وأسماءه الحسنى والتى تسند إليه تدبير الكون وأن الوجود بل كل موجود إنما هو فيض منه. وهى لا تأخذ بفكرة النص على الإمام وأن الإمامة تنتقل من الأب إلى الابن عن طريق الوراثة، بل يكفى أن يكون الإمام الكفء الداعى لنفسه من أبناء السيدة فاطمة الزهراء وأن يكون عادلا عالما بالشريعة ورعا شجاعا جوادا، وتجوّز هذه النحلة إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وبذلك صحّحت خلافة أبى بكر وعمر مع وجود على، ولم تجوّز القدح فيهما كما تصنع الإسماعيلية والشيعة الغالية. وارتبطت نحلة الزيدية ارتباطا وثيقا بمدرسة المعتزلة ومبادئها إذ كان إمامها زيد تلميذا لواصل بن عطاء، وقوى هذا الارتباط مع الزمن. وإذا كانت ثورات الزيديين فى الحجاز والعراق وإيران أخفقت فى القرن الثانى للهجرة فإنها نجحت فى المغرب على نحو ما هو معروف عن دولة الأدارسة التى أسسها إدريس بن عبد الله الحسنى بفاس فى عهد الرشيد، وظلت نحو مائة وأربعين عاما. ونجحت كذلك فى طبرستان فى النصف الثانى من القرن الثالث للهجرة، فقامت هناك دولة زيدية ظلت نحو سبعين عاما. واستطاعت أسرة بنى سليمان أو بنى موسى الرسيين أن يقيموا دولة لهم فى مكة منذ سنة ٣٥٦ على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وظلت فيهم حتى اضطرهم الهواشم من أسرتهم أن يغادروا مكة إلى المخلاف السليمانى، وهناك ظل هذا الفرع يدعو للنحلة الزيدية حتى ذاب فى دولة الرسوليين، وقد أسلفنا أن محمد بن جعفر الحسنى عاد إلى مكة وأعاد الإمارة إلى أسرته الحسنية. وقامت فى صعدة باليمن دولة زيدية أقدم من الدولتين السالفتين، إذ أسسها هناك الإمام الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم فى سنة ٢٨٤ واستطاعت هذه الدولة أن تستولى على صنعاء فى حقب كثيرة، حتى إذا كان القرن العاشر الهجرى انضوى اليمن جميعه تحت لوائها، وإذن كانت للزيدية فى الجزيرة العربية لهذا العصر ثلاثة مراكز، هى مكة والمخلاف السليمانى وصعدة وكان المركز الأخير كثيرا ما يتسع، وشمل بأخرة ديار اليمن جميعها. وعنى الأمراء والأئمة فى كل مركز من هذه المراكز بالشعر وأصحابه، لأنهم أقلام

стр. 2279

الدعاية للدولة، وكثير من الأئمة كانوا شعراء فكان طبيعيا أن يعنوا بالشعر والشعراء. وأول من يلقانا من أئمة مكة الشعراء الأمير أبو الفتوح وقد أنشدنا له أبياتا طريفة فى غير هذا الموضع، وكان عيسى بن فليتة أمير مكة المتوفى سنة ٥٧٠ يجزل العطايا لشعرائه وفى مقدمتهم قائده النوبى الأصل سالم بن أبى سليمان، وفيه يقول من مدحة طويلة (١): هو نور ربّ العرش بين عباده ... فليعلموا والحجّة البيضاء لله يأمر باطنا أو ظاهرا ... فتصرّف الأقدار كيف يشاء يوماه يوم للنّوال وآخر ... تردى بسطوة بأسه الأعداء إن الثناء عليك من ربّ السّما ... أغناك عما قالت الشعراء وهو يغلو فى مديحه لهذا الإمام الزيدى، وكأننا نقرأ عنده ما نقرؤه عند السلطان الخطاب من الغلو فى مديح الآمر الخليفة الفاطمى، فإمامه نور خالص هو نفس نور الله، وهو الحجة القائم على رعيته، وتجرى الأقدار بما يشاء وكيف يشاء، أما ثناء الله عليه فيريد به ثناءه على أهل البيت فى القرآن الكريم وأنه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ومن أئمة مكة الحسن بن على بن قتادة المتوفى سنة ٦٥١ وكان شاعرا، ومن قوله (٢): وأذّنت حين تجلّى الصباح ... بحىّ على خير هذا العمل وكان الزيدية فى الجزيرة بمكة وفى اليمن والمخلاف السليمانى ينادون فى الأذان: بحىّ على خير العمل». ويمتلئ كتاب العقد الثمين بمدائح أمراء مكة، ويكفى أن نستشهد ببعض الأمثلة، فمن ذلك قول موفق الدين على بن محمد الحنديدى فى حميضة أمير مكة المتوفى سنة ٧٢٠ للهجرة (٣): خليفة لا يخلف الوعد ولا ... يضنّ عن سائله بما اقتنى إمام حقّ جدّ فى الله فما ... فى الله مذ جدّ وهى ولاونى أخاف فى الله تعالى من بغى ... وأمّن الخائف حتى أمنا هو ابن من أسرى به الله ومن ... من قاب قوسين تدلّى ودنا وليس فى مديحه غلو، بل هو مديح لإمام زيدى بالكرم والتقوى والعدل ورفع البغى والظلم ونشر الأمن، ويشير فى البيت الأخير إلى الإسراء بالرسول ومعراجه إلى السموات وما جاء فى سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾. وللحنديدى فى مديح

стр. 2280

أخيه رميئة أمير مكة المتوفى سنة ٧٤٦ للهجرة (١): نسب كمشتقّ الشموس ومفخر ... باع الكواكب قاصر عن طوله أما الفروع فليس مثل فروعه ... وكذا الأصول فليس مثل أصوله يابن المظلّل بالغمامة والذى ... قد أنزل القرآن فى تفضيله ماذا عسى مدحى وقد نزل الثّنا ... فيكم من الرّحمن فى تنزيله ووراء الحنديدى كثيرون من الشعراء كانوا يمدحون أمراء مكة الزيديين لا فى زمنه فحسب، بل فى جميع الأزمنة، وفى سلافة العصر لابن معصوم ونفحة الريحانة للمحبى طائفة كبيرة من مدائح الشعراء لهؤلاء الأمراء فى القرن العاشر الهجرى، من ذلك قول عبد الرحمن بن وجيه الدين المتوفى سنة ١٠٣٧ للهجرة فى حسن بن أبى تمى أمير مكة من مدحة طويلة، عارض بها رائية ابن هانئ المشهورة (٢): ملك إذا ما جال يوم كريهة ... لم تلق غير مجدّل ومعفّر ملك نداه البحر إلا أنه ... عذب أهذا البحر نهر الكوثر ذو الهمة العليا الذى قد نال ما ... عنه تقصّر همّة الإسكندر أعظم بها من نسبة نبويّة ... علويّة تنمى لأصل أطهر وكثيرون من أمراء المخلاف السليمانى وأشرافه كانوا شعراء مثل ابن وهّاس ودهمش وهما شاعران مجيدان، ومن أمرائهم الممدّحين غانم بن يحيى بن حمزة السليمانى المتوفى سنة ٥٦٠ ويروى أن ابن مكرمان مدحه بقصيدة لامية أعطاه عليها ألف دينار، وفيها يقول (٣): علوىّ متوّج هاشمىّ ... حسنىّ نواله مبذول يا سليل البطين والحرّة الزّه ... را هى الطّهر والحصان البتول (٤) خمسة خصّهم بتخصيصه الخا ... لق ربّى وهو اللطيف الجليل ما لهم سادس غداة الذى م ... دّ عليهم كساءه جبريل وهو يشير فى البيتين الثالث والرابع إلى ما تذكره الشيعة من أن الرسول ﷺ ألقى عليه وعلى علىّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين كساء وقال: نحن أهل البيت إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. ومعروف

стр. 2281

أن المخلاف السليمانى أصبح جزءا من أرض الدولة الرسولية غير أنه اشتمل على إقطاعات كثيرة للسليمانيين، وكانوا يصلون الشعراء، ويقدمون لهم مدائحهم، على نحو ما نجد عند ابن هتيمل فى مديحه للأمير قاسم بن على صاحب صبيا، وله فيه مدائح كثيرة من مثل قوله (١): حسنىّ للسائلين وللمح ... روم فيما حوت يداه نصيب ساحة لا يزال فيها رئيس ... مستجير وسائل لا يخيب عزّ فى ظلّ رمحك القاسميّو ... ن ومنهم قبائل وشعوب وسنان القناة لولاه فى ط ... ىّ العوالى لم ينفع الأنبوب (٢) والمركز الثالث للزيدية فى الجزيرة أهم مراكزهم، وكانت صعدة نقطة الدائرة فيه، فمنها انبعثت النحلة، وظلت فيها ثابتة وظل شأنها يتسع، حتى انضوت اليمن جميعها منذ القرن العاشر الهجرى تحت رايتها. ومؤسس هذه الإمامة الزيدية-كما أسلفنا-يحيى بن الحسين بن القاسم، وله مصنفات مختلفة فى الفقه والعقيدة والتفسير، ويقول فيه ابن حزم: «له رأى فى الفقه وقد رأيته، ولم يبعد فيه عن الجماعة» وكان شاعرا، وله وصية شعرية ذكرها فى كتابه الأحكام عند ذكر الجهاد، ومن شعره (٣): بنى حسن إنى نهضت بثأركم ... وثأر كتاب الله والحقّ والسّنن وصيّرت نفسى للحوادث عرضة ... وغبت عن الإخوان والأهل والوطن ويتوالى أبناؤه على صعدة من بعده، حتى يقدم أبو الفتح الديلمى الحسنى فى القرن الخامس فينتزعها منهم، وينسحبون إلى جبل قطابة، وتتوالى أئمتهم هناك، ثم يعودون إلى حاضرتهم صعدة. ومن أهم أئمتهم وأشهرهم فى القرن السادس المتوكل على الله أحمد بن سليمان (٥٣٢ - ٥٦٦ هـ) وكان شاعرا مجيدا وله مكاتبات ومحاورات مع نشوان بن سعيد الحميرى الذى مرت بنا ترجمته بين شعراء الفخر والهجاء، ومما كتبه إليه قصيدة مطلعها (٤): دعينى أطفى عبرتى مابدا ليا ... وأبكى ذنوبى اليوم إن كنت باكيا واستطرد فيها يتحدث عن الملوك ومآثرهم ومصيرهم، ولم يكد يقرؤها نشوان بن سعيد حتى ردّ عليه بقصيدة وعظية مماثلة مطلعها: ذكرت ديارا دارسات خواليا ... رسوما عفت عن أهلها ومغانيا

стр. 2282

وهى قصيدة تاريخية طريفة لما ذكر فيها من الملوك الماضية والقرون الخالية، ومما كتبه إلى المتوكل قوله فى أبيات: وأنت تصلح للرّايات تعقدها ... وفى المواكب تحيى الدّين والسّننا ومن الأئمة الذين عاصروا دولة بنى أيوب فى اليمن المنصور بالله عبد الله بن حمزة. أما فى عهد الرسوليين فأشهر الأئمة الذين عاصروهم الإمام المهدى أحمد بن الحسين المكنى بأبى طير (٦٤٦ - ٦٥٦) وله حروب كثيرة مع المظفر الرسولى، انتهت بمقتله فى معركة الحصبات. وكان أحمد بن الحسين جوادا، مدحه كثير من الشعراء، وفى مقدمتهم ابن هتيمل، ويقال إنه أجازه على إحدى قصائده خمسين فرسا، وقد عرضنا فى ترجمته طرفا من مدائحه الرائعة فيه، ومن أشهر الأئمة الزيدية فى عهد أسرة آل طاهر الإمام المتوكل على الله شرف الدين (٩١٢ - ٩٦٥ هـ)، وهو ممدوح موسى بن يحيى بهران، وسنترجم له. أما أئمتهم فى عهد الاحتلال العثمانى الأول (٩٤٥ - ١٠٤٥ هـ) فأشهرهم المؤيد بالله محمد بن القاسم (١٠٢٩ - ١٠٥٤) وهو الذى قاوم العثمانيين مقاومة عنيفة حتى اضطروا إلى الجلاء عن البلاد، ولشاعره محمد بن على بن شمس الدين قصيدة يذكر فيها وقائعه معهم وانتصاراته، مطلعها (١): بلغت بنو الزّهرا بك المأمولا ... وبطول سيف علاك زادوا طولا وخلفه المتوكل على الله إسماعيل (١٠٥٤ - ١٠٨٧ هـ) وقد استولى على عدن وحضرموت وظفار ودانت له جميع الديار اليمنية، وفيه يقول إبراهيم بن صالح المهتدى من ميمية طويلة (٢): إمام عظيم السرّ أمّا نهاره ... فصوم وأمّا ليله فقيام رياض الأمانى فى حماه نضيرة ... وسحب النّدى من راحتيه سجام (٣) تحمّل سرّ المصطفى بسريرة ... وسيرة عدل لا تكاد ترام تدفقّ بحر العلم فى طىّ صدره ... أواذىّ لجّ درّهنّ تؤام (٤) ويموج كتاب «نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف» وهو فى مجلدين ضخمين بشعر زيدى كثير. واشتهرت قصيدة تاريخية فى نحو ٢٤٠ بيتا لصارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير الحسنى اليمنى المتوفى بصنعاء سنة ٩١٤ وتسمى البسامة، عرض فيها لأئمة العلويين على مر التاريخ بالحجاز والعراق واليمن والمغرب حتى زمنه، ومع مر الأزمنة أخذت تضاف

стр. 2283

لها ذيول كثيرة تشير إلى الأئمة التالين فى اليمن (١). وحرى بنا أن نقف عند ثلاثة من شعراء الزيدية، أحدهم مكى هو يحيى بن يوسف الملقب بالنشو، والآخران يمنيان، هما موسى ابن يحيى بهران وعلى بن محمد العنسى الصنعانى. يحيى بن يوسف النّشو (٢) مكى مولدا ومنشأ وحياة، ولد سنة ٧١٢ للهجرة ولم يلبث أن حفظ القرآن الكريم واختلف إلى دروس ابن عمه شيخ العربية أبى العباس النحوى وأخذ كل ما عنده، واستمع إلى غير محدّث، ونال فى الحديث إجازات مختلفة. وعنى بالشعر والرسائل، فكتب الإنشاء لأمراء مكة فى زمنه: عطيفة وابنيه مبارك ومحمد وابن عمهما عجلان بن رميثة. وكانت ملكته الشعرية خصبة، ويقول مترجموه: «له شعر كثير سائر مدح وهجا به جماعة من الأعيان». وتوفى سنة ٧٨٢. ونجده يكثر من مدائح أمراء مكة الزيديين وفى مقدمتهم من سميناهم آنفا، وفى عطيفة المتوفى سنة ٧٤٣ يقول فى بعض مدائحه له: له همّة تسمو إلى كلّ غاية ... هو الطّاهر الأنساب والعلم الفرد هو الملك الماحى لمن كان قبله ... فما فى ملوك الأرض طرّا له ندّ هو المنعم المولى الجميل تفضلا ... فمن سيبه قد أورق الحجر الصلد (٣) تخرّ له كلّ الملوك مهابة ... وتخرس من إجلاله الألسن اللّدّ (٤) وواضح أنه يبالغ فى مديح عطيفة، ودائما يصفه بأنه سيف دين الله وأن المقادير تجرى بما يشاء، وينعته بالكرم والعدل، ويشيد بنسبه من الرسول ﷺ ، وهو فخر ما وراءه فخر، ويمدح ابنه مباركا المتوفّى سنة ٧٥١ بنفس الشاكلة، وفيه يقول: ورث الفخر عن جدود كرام ... قد بنى فوق ما بنى أمثاله شرف ما استفاده من بعيد ... ملك أرفع الملوك جلاله نسب بين أحمد وعلىّ ... فهو من خير [آل] تلك السّلاله وهو كالشمس مدرك آماله ... وجميع البلاد تهوى وصاله

стр. 2284

وواضح أنه سلس اللغة، فالكلمات خفيفة الوقع على الآذان، وهى شديدة الاستواء والتناسق يلائم بعضها بعضا، ويشعر الإنسان إزاءها بجمال الجرس جمالا بديعا، جمالا يلذ الألسنة والآذان والقلوب، وله من قصيدة فى محمد بن عطيفة مدحه بها سنة ٧٣٩ للهجرة: إمام له فضل عظيم على الورى ... كريم الأيادى بالسّماحة أوحد يجود بما تحوى يداه تكرّما ... ويعلم أن المال ليس يخلّد فتى لم ير الراءون مثل صفاته ... إذا قيل هذا حاتم فهو أجود أجلّ الورى جاها وقدرا ورفعة ... وأكرم من يرجى عطاه ويقصد وعلى هذا النحو يشيع الانسجام فى كلماته، إذ يلائم بينها موسيقيا ملاءمات دقيقة، بحيث لا تجد فيها قصورا ولا انحرافا، وإنما تجد صفاء فى الجرس، سواء عمد إلى الأسلوب الرصين الجزل كما فى هذه الأبيات أو عمد إلى الأسلوب الرقيق كما فى الأبيات السالفة. ومن قوله فى مديح عجلان بن رميثة المتوفى سنة ٧٧٧ للهجرة: ماذا يقول المدح فيه وما عسى ... إذ كان يخدم جدّه جبريله أما الملوك فكلّهم من دونه ... كالبدر فى أفق السماء حلوله سلطان مكة والمشاعر والصّفا ... من لا يخاف من الزمان نزيله لو حاول النّجم العظيم لناله ... تنبيك عنه رماحه ونصوله سكنت محبّته القلوب جميعها ... لما تقارن سعده وقبوله وكان عجلان محبوبا حقا للقريب والبعيد إذ كان دون أمراء مكة الحسنيين من آبائه وأقاربه يحبّ أهل السنة وينصرهم على الشيعة، ويقال إنه كان شافعى المذهب (١). وقصيدة النّشو فيه بديعة، وقد افتتحها بغزل رائع، إذ يقول: لولا الغرام ووجده ونحوله ... ما كنت ترحمه وأنت عذوله إن كنت تنكره فسل عن حاله ... فالحبّ داء لا يفيق عليله يا من يلوم على الهوى أهل الهوى ... دع لومهم فالصّبر مات جميله وأنشد صاحب العقد الثمين فى ترجمته للنشو مدائح له جيدة فى الشريف طفيل بن منصور الحسينى أمير المدينة، استهلها بغزل بديع، يتحدث فيه عن الغرام وأنه يجد بمحبوبته وجدا لا يشبهه وجد، إذ نزلت مع صواحبها بالمنحنى لا من الأودية والتلال، ولكن من أضلعه، ومن غزله الرقيق:

стр. 2285

أين المفرّ لمن هواك طليبه ... وسهام لحظك بالسّقام تصيبه يشكو ولا أحد يرقّ لما به ... وارحمتاه لمن جفاه حبيبه وجميع ما فى القلب منك عرفته ... أتكون ساكنه وأنت تذيبه حنّ العذول عليه حين هجرته ... ورنا له الواشى ورقّ رقيبه يا ويح من يرثى له أعداؤه ... فشجونه لا تنقضى ونحيبه وهو غزل كله وجد ولوعة وهيام، غزل يترقرق فيه الشوق واللهفة والحنان، حتى ليحنّ على المحب العذول والواشى الرقيب، فكلهم يأسى له، وهو يلتاع بحبه وشجونه، ولا يكفّ عن النحيب، إذ يحب صاحبته كما لم يحب فتاة قط، ويحتمل فى ذلك آلاما ثقالا. وله مدائح نبوية كثيرة بديعة، يستهلها بنسيب رائع، من مثل قوله: عرّج بمنعرج اللّوى والمنحنى ... فعساك تظفر من لقاهم بالمنى أهواهم وهواهم لا ينقضى ... أبدا وإن شطّ التباعد بيننا فلئن ظفرت بزورة أحيا بها ... فلى السعادة والمسرّة والهنا يا أهل طيبة إنّ لى فى حيّكم ... قمرا له كلّ المحاسن والسّنا أنواره منها الدّياجى أشرقت ... بدر به قد نوّرت كلّ الدّنا وله الفضائل والمآثر والعلا ... وله المفاخر والمحامد والثّنا والنسيب كالمديح النبوى يذوب رقة وخفة ورشاقة، مما يدل بوضوح على قدرة الشاعر الموسيقية وأن أذنه كانت من رهافة الحس بحيث تحسن اختيار القوافى واصطفاء الألفاظ إحسانا بعيدا. موسى بن يحيى بهران (١) شاعر الإمام شرف الدين (٩١٢ - ٩٦٥ هـ.) وليس بين أيدينا معلومات واضحة عن زمن مولده ووفاته. وكان شرف الدين مدّ يده إلى المصريين معينا حين أرسل قانصوه الغورى طائفة من الجراكسة فى سنة ٩٢١ إلى جنوبى البحر الأحمر لرد عدوان البرتغاليين ونزلت فى جزيرة كمران، وطلبت من السلطان عامر آخر أسرة بنى طاهر أن يعينها ضدهم، ولكنه رفض عونها ومنع عنها الميرة، وكان شرف الدين قد أرسل إليها شيئا من

стр. 2286

العون والمؤن، وشكا من السلطان عامر، فتعاون قائدها معه على حربه، وقضيا عليه وعلى حكم أسرته سنة ٩٢٢. ودخل شرف الدين صنعاء، ودخلت البلاد جميعها فى طاعته وأكثرت الشعراء من تهنئته بهذا النصر المبين، وفى مقدمتهم موسى بن يحيى بهران إذ هنأه بقصيدة رائعة، فيها بقول: خليفة الرحمن فى أرضه ... مبارك الوجه كريم الجدود برّ كريم من بنى المصطفى ... إمام حقّ ساعدته الجدود قالت له الأيام إذ أقبلت ... ما أحسن الوصل عقيب الصّدود وأهلك الباغين حتى ثووا ... واستبدلوا بعد القصور اللّحود واستبشر العدل بأيامه ... فامتلأ الغور به والنّجود وأصبحت صنعاء من عجبها ... ترفل فى مستحسنات البرود وقد ورّى الشاعر فى البيت الثانى بكلمة الجدود وهو لا يريد بها الآباء كما فى البيت الأول-وكما قد يتبادر-وإنما يريد بها الحظوظ. وهو يذكر نسب شرف الدين من الرسول ﷺ ، إذ هو من سلالة الحسن بن السيدة فاطمة الزهراء. ولا يلبث أن يمدحه برفع أعباء الظلم عن كواهل الشعب وإحلاله فى كل مكان للعدل الذى لا تصلح حياة الأمم بدونه، ويشير فى البيت الأخير إلى فتح شرف الدين لصنعاء وكيف اتخذت زينتها ابتهاجا به وفرحا. ويسترسل فى القصيدة منشدا: يا شرف الدين وقيت الرّدى ... ودمت تحمى بالحداد الحدود لا غرو أن سدت جميع الورى ... مثلك يا بحر النّدى من يسود علمك بحر ماله ساحل ... زندك أورى من جميع الزنود (١) وجود كفّيك إذا ما همى ... غيث مغيث ما له من رعود وفى البيت الأول جناس واضح بين الحداد أى السيوف والحدود. ومنذ هذا التاريخ بل ربما قبله بحقب يكثر الجناس فى شعر اليمنيين، وقد مضوا أيضا يكثرون من التورية محاكاة للمصريين. والشاعر يمدح شرف الدين بالكرم والشجاعة والعلم بالشريعة. وفى الأبيات السالفة مدحه بالعدل. وكل هذه مبادئ أساسية فى الإمامة الزيدية كما مر بنا فى صدر هذا الكلام. ومضى فى القصيدة مبالغا فى مديحه خاتما لها بالدعاء له. ولموسى قصيدة بائية بديعة يهنئ فيها شرف الدين بأحد أعياد الفطر، وفيها يقول: حوى شرف الهدى والدين مجدا ... رفيعا وابتنى شرفا عليّا

стр. 2287

براه إلهنا برّا صفيّا ... ولم يخلقه جبّارا عصيّا سرى سرّ النبوّة فيه حتى ... حكى عن جدّه خلقا سنيّا حوى علم الذين مضوا جميعا ... وأصبح وارثا لهم وليّا تأزّر وارتدى بالحكم كهلا ... وأوتى حكم خالقه صبيّا وواضح أن قوافى الأبيات مأخوذة من فواصل سورة مريم، وأن الشاعر لم يكتف بذلك، بل حاول أن يسبغ على شرف الدين بعض ما جاء فى السورة من نعوت للنبى يحيى، وقارن بين البيت الثانى وقوله تعالى فى نعت يحيى بن زكريا: ﴿(وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا)﴾. ويشير الشاعر فى البيت الثالث إلى فكرة ميراث النبوة التى جاءت فى السورة على لسان زكريا إذ يدعو ربه أن يهبه غلاما: ﴿(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)﴾. ويكمل الفكرة فى البيت الرابع. ولا يلبث أن يسلك فى البيت الأخيرة نهاية الآية الكريمة: ﴿(يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)﴾. وهو غلو واضح. ويمضى فى القصيدة قائلا: وقل يا بن الأكارم من قريش ... وأحسنهم-إذا ذكروا-نديّا ومن دنت الملوك له وذلّت ... وخرّت من مهابته جثيّا بفضلك تتّقى نوب الليالى ... فكن فى النائبات بنا حفيّا والشطر الثانى فى البيت الأول مستمد من قوله تعالى فى السورة: ﴿(أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)﴾ أى مجلسا وجماعة. والبيت الثانى يستضئ بالفاصلة (جثيّا) الواردة فى السورة أى تخرّ الملوك على ركبها ولا تستطيع الحراك هيبة له وإجلالا. وقافية البيت الثالث مأخوذة من قول إبراهيم فى السورة لأبيه: ﴿(سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا)﴾ أى رءوفا يرعانى. ويختم الشاعر القصيدة بالدعاء لشرف الدين والصلاة على رسول الله ﷺ ، يقول: عليك سلام ربك ما تغنّت ... حمام الأيك صبحا أو عشيّا وصلىّ الله خالقنا على من ... تخيّره نبيّا هاشميا محمد المشفّع فى البرايا ... صلاة تبلغ الأمد القصيّا وتكثر هذه الخاتمة عند شعراء الجزيرة وخاصة فى القرون الأخيرة من هذا العصر، وكثيرا ما يضمنونها كما صنع الشاعر الإشارة إلى شفاعة رسول الله لأمته يوم القيامة. ولهذه القصيدة وسابقتها مقدمتان غزليتان بديعتان، ومن قوله فى مقدمة القصيدة الأولى: لمقلتى فى خدّه جنّة ... محفوفة بالنّار ذات الوقود

стр. 2288

له سيوف طالما سلّها ... من لحظه يحمى ورود الخدود سبحان من صوّره فتنة ... لخلقه وهو الرحيم الودود لم أدر أين الثّغر من عقده ... لما تساوى ثغره والعقود وفى المها ضدّان لم يبرحا ... قساوة القلب ولين القدود والأبيات تكتظ بالصور وبعنصر المفاجأة الذى يجعلها طريفة كل الطرافة، فالورود فى خدّ صاحبته جنة محفوفة بحمرة شديدة كأنها النار الحامية، وما لحظها إلا حام بسيوفه لورود الخدود، وإنها لفتنة لا تحاكيها فتنة. ويعود إلى التصوير وعنصر المفاجأة، فلا يدرى أين ثغرها ولآلئ أسنانها وأين العقود ولآلئها فقد اختلط عليه الأمر. ويخالها تحمل من المها قساوة قلبه ولين قدّه وقامته. أما مقدمة القصيدة الثانية فجعلها حوارا بينه وبين محبوبته نقطتف منه هذه الأبيات: فقلت له ونحن بخير حال ... أتفقد من جنان الخلد شيّا فقال وقد تعجّب من مقالى ... جنان الخلد قد جمعت لديّا فقلت: فسحر بابل أين أضحى ... فقال: أما تراه بمقلتيّا فقلت: الورد أين يكون؟ قل لى ... فقال: أما تراه بوجنتيّا فقلت الشّهد أين؟ فقال: هذى ... شفاهى قد حوت شهدا جنيّا ويستمر فى حواره مع صاحبته سائلا عن البرق، فتذكر له أنه يطلّ من مبسمها الوضئ ويسألها عن المرآة وجيد الغزال والثريا فتبدى له خدّها الباهى وجيدها الفاتن وقد استدار من حوله عقد جواهر أنيقة. ولولا خوف الإطالة لنقلنا الحوار جميعه، وفى الحق أن شعره يحفل بما يملأ النفس إعجابا بتصاويره وأخيلته ولفظه العذب السائغ ونغمه الموسيقى المصفّى، ولعل ذلك ما دفع المغنين فى اليمن منذ عصره إلى أن يتغنوا بهاتين القصيدتين، وخاصة بمقدمتيهما الغزليتين البديعتين. على بن محمد العنسىّ (١) يمنى صنعانى، نشأ بمدينة صنعاء فى بيت علم وفضل، وبدأ بحفظ القرآن واستظهار الأشعار ثم اختلف إلى مجالس النحاة والفقهاء وعلماء المنطق، حتى إذا تزود من كل ذلك

стр. 2289

زادا كافيا قلّد القضاء ببلاد العدين من اليمن الأسفل لعهد الإمام الزيدى محمد بن أحمد ابن الحسن (١٠٩٧ - ١١٢٨ هـ) وما زال يتولى هذا المنصب حتى عهد إليه الإمام الزيدى التالى المتوكل القاسم بن الحسين (١١٢٨ - ١١٣٩ هـ) بالقضاء فى بلاده وفى وصاب غربى زبيد. وفى سنة ١١٣٦ وشى إلى القاسم أنه يسعى ضده مع بعض الثائرين وأنه صاحب القصيدة: «سماعا عباد الله أهل البصائر» وهى قصيدة تصور ظلمه وتدعو للثورة عليه. فقبض عليه القاسم وألقى به فى غياهب السجون، وأخذ العنسىّ يرسل إليه قصائد مستعطفا بمثل قوله: إمام الورى عطفا على خائف عطفا ... بحق الذى أبقاك فى خلقه كهفا فو الله مالى قطّ ذنب عرفته ... وهذا الذى أبدى ولله ما يخفى إمام الهدى هبنى جنيت جناية ... فهبنى لأطفال كطير القطا ضعفا وتحقق القاسم من براءته، فردّ إليه حريته، وعينه حاكما بالحيمة من بلاد صنعاء، وظل بها إلى أن لبىّ نداء ربه سنة ١١٣٩ هـ/١٧٢٦ م. ويكتظ كتاب نشر العرف بأشعار إخوانية متبادلة بينه وبين بعض الأمراء والأدباء فى ترجمته وتراجمهم. وله قصائد مختلفة تتصل بالأحداث فى عهد المتوكل القاسم بن الحسين، من ذلك أنه لما أكمل بناء السور على بستان باب السبحة فى صنعاء سنة ١١٣٤ مدحه بنونية يقول فيها: أما قيل فى البستان وهو بأهله ... وبالملك سام لا يدانيه غمدان (١) ويعمره من يعمر الدين عدله ... ويحيى به معنى الفخار ويزدان ومن ذلك إيقاع المتوكل القاسم فى صنعاء بقبائل أرحب سنة ١١٣٨ حين اعتدوا على بعض فرسانه، ففتك بهم فتكا ذريعا. وصوّر ذلك العنسى فى ميمية عارض بها ميمية المتنبى فى سيف الدولة التى وصف فيها واقعة الحدث وهزيمته للروم هزيمة ساحقة. وقد استعار منها كثيرا من قوافيه ومعانيه وصوره وألفاظه، من مثل قوله: نثرت دنانير الوجوه على الثّرى ... كما نثرت فوق العروس الدراهم هنيئا لضرب الهام والمجد والنّدى ... وراجيك والإسلام أنك سالم وقوفك ما بين الخميسين باسما ... وموج المنايا حولك المتلاطم ولست مليكا هازما لنظيره ... ولكنك الإسلام للشرك هازم والأبيات شديدة الصلة بقصيدة المتنبى: «على قدر أهل العزم تأتى العزائم». وهى ظاهرة تلاحظ فى شعراء اليمن المتأخرين إذ يكثرون من معارضة الشعراء النابهين لا فى المديح

стр. 2290

فحسب، بل فى كل الأغراض الشعرية. ونرى العنسى يقول فى افتتاح قصيدة روضية: يا سميرى وللفتوة قوم ... خلقوا من سلالة الإنسجام بطراز الرفّا بتشبيب مهيا ... ر بلطف البها بطبع السّلامى وهو يصرح فى البيتين بأنه من قوم يعنون فى شعرهم بالانسجام الموسيقى على شاكلة السّرىّ الرّفاء المشهور بعذوبة ألفاظه ومهيار الذى يمتاز بالسلاسة والبهاء زهير المشهور بالرقة والسلامى المعروف بجمال نغمه. وطبعا هؤلاء إنما هم بعض من قرأ لهم العنسى وحاكاهم وعارضهم فى شعره. وله قصيدة تاريخية شيعية فى نحو سبعين بيتا استعرض فيها نحو أربعين إماما بادئا بعلى بن أبى طالب الذى اقتلع باب الحصن فى خيبر، فاستؤصلت شأفة الكفر، ويذكر قتله لعمرو بن ودّ فارس قريش يوم الخندق ويشيد بفاطمة الزهراء وبابنيها الحسن والحسين ريحانتى أهل الجنة وبعلى زين العابدين، ثم بإمامهم زيد منشدا: ويا خير من سلّ الحسام وقد طغى ... لئيم بنى مروان أشقى بنى الدّهر فأصبح منه الجذع قد عانق العلا ... ولكنها فى الدين قاصمة الظّهر وهو يشير إلى ثورة زيد بن على زين العابدين على هشام بن عبد الملك فى الكوفة ومقتله هناك وصلبه، ويذكر أخاه محمدا الباقر وابنه جعفرا الصادق. ويذكر ثورات الحسنيين مبتدئا بثورة النفس الزكية على المنصور وسفك دمه، ويذكر ثورة الحسين بن على الحسنى على الخليفة العباسى الهادى فى الحجاز ومقتله بفخّ بالقرب من مكة، كما يذكر وقوع يحيى أخى النفس الزكية فى يد الرشيد وإلقائه به فى غياهب السجون حتى مات. ويذكر الزيدية فى طبرستان وآمل. ثم يتحدث عن الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الحسنى مؤسس مذهب الزيدية فى اليمن، ويستعرض الأئمة التالين له منوها بهم ومشيدا بأمجادهم، حتى يصل إلى المؤيد بالله محمد بن القاسم الذى تغلب على العثمانيين وردّهم عن البلاد سنة ١٠٤٥ وفيه يقول: ويا حجّة الله الذى قام داعيا ... إلى الله فردا لا بزيد ولا عمرو وبشّرت الناس الهواتف باسمه ... كما بشّرت بالمصطفى مبدأ الأمر فأخلا علوج الترك عن يمن الهدى ... بضرب كما هاج الوهيج من الجمر ويلاحظ أن العنسى لا يقف عند مبادئ الزيدية فى مديحه، إذ يضيف إليها بعض اعتقادات الشيعة الغالية فى أئمتهم. وقد ساق فى أوائل القصيدة وصفا لجعفر الصادق بأنه يكشف أسرار الخفىّ من علم الجفر، وهو كتابات تكشف طلاسمها عن أنباء المستقبل وأحداثه، ويقولون إن الرسول أودعها عليا وتناقلها الأئمة بعده من جيل إلى جيل،

стр. 2291

والزيدية لا يؤمنون فى إمامهم بمعرفته لهذا العلم وما يجر إليه من الاعتقادات الباطلة، ومع ذلك نرى العنسى يشيد بمعرفة جعفر الصادق له، وكأنه أحد الإسماعيلية الذين كانوا يؤمنون به. وقد يكون فى هذا دليل على ما دخل مذهب الزيدية مع الزمن من اعتقادات لا تعرفها نحلتهم، ومن ذلك وصفه لمحمد بن القاسم بأنه حجة الله. ومرّ بنا أنه اصطلاح إسماعيلى وأن المراد به أنه الداعى للمذهب فى بلاده. ويزعم أن الهواتف من الجن كانت تبشر به الناس كما بشرت قديما بالمصطفى، وكل ذلك غلو مفرط يخرج عن حدود المذهب الزيدى الشيعى المعروف باعتداله وأنه لا يبالغ فى تصوّر الأئمة وإسباغ الصفات الربانية عليهم، كما يفعل الإسماعيلية. وربما كتب العنسى هذه القصيدة فى سجنه تقربا إلى القاسم بن الحسين حتى يفك عنه أغلاله، فخرج إلى هذه المبالغات المسرفة. وقبل أن نختم كلامنا عنه نشير إلى قصيدتين متبادلتين بينه وبين عبد الله بن على الوزير الذى التزم فى جميع أبيات قصيدته التورية وسماها أهرام مصر. ودفع ذلك العنسى إلى التماس التورية بدوره فى كثير من أبيات قصيدته. وواضح من تسمية عبد الله الوزير لقصيدته بأهرام مصر أنه كان يعرف بوضوح أن شعراء مصر هم الذين اتخذوا التورية مذهبا أداروا عليه كثيرا من أشعارهم. والقصيدتان من وزن الطويل، وقد ضمن العنسى قصيدته بعض شطور من قصيدة مجنون ليلى مثل: (قضاها لغيرى وابتلانى بحبها) وأيضا بعض شطور من قصيدة المتنبى فى كافور مثل: (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا) وكان هذا التضمين فى الحقب المتأخرة من ذلك العصر يعدّ من الطّرف البديعة. ٣ - شعراء الخوارج مرّ بنا فى الفصل الأول حديث عن الإباضية وأنها كانت إحدى فرق الخوارج الأساسية بجانب الأزارقة والنّجدات والصّفرية، وكان نشاط الأزارقة فى فارس وكرمان والصفرية فى الموصل والنجدات فى اليمامة، وانتهت هذه الفرق الثلاث أو كادت بانتهاء العصر الأموى. أما فرقة الإباضية المنسوبة إلى إمامها عبد الله بن إباض التميمى فقد ظلت حية طوال عصر بنى أمية والعصور التالية، واتخذت مركز نشاطها فى مدينة نزوى داخل إقليم عمان جنوبى الجبل الأخضر، وظلت مدينة عمان طويلا تخضع لدول سنية أو شيعية كما مر بنا فى غير هذا الموضع، حتى إذا كان القرن الحادى عشر الهجرى أظلت البلاد جميعها

стр. 2292

راية الإباضية إلى اليوم. وكثيرا ما كانت تنشب الحروب بينهم وبين دول مدينة عمان، وكانت تقع أحيانا فى أيديهم، واستطاعوا فى حقب مختلفة أن يمدوا دولتهم إلى ظفار وحضرموت، ومن أهم أئمتهم القدامى الخليل بن شاذان، وكان يمد سلطانه ومذهبه الخارجى الإباضى على حضرموت، واتخذ عاملا له عليها أبا إسحق الحضرمى، وكان شاعرا، وله فى الخليل إمامه أشعار كثيرة يصور فيها عونه المالى والحربى ضد خصومه، وفيه يقول (١). هذا الخليل إمام المسلمين حكت ... أنوار سيرته فى العدل نيرانا ويكتظّ ديوانه بمدائحه، ولا تكاد تمر حادثة أو يمر له انتصار حربى إلا ويرسل إليه القصائد مهنئا. وخلفه راشد بن سعيد على إمامة الخوارج فأبقى على أبى إسحق عاملا له على حضرموت، ويعدّ راشد أهم إمام خارجى فى الحقب الأولى لهذا العصر، إذ استولى على عمان، وأصبحت البلاد جميعها يظلّها لواء الإباضية إلى أن استطاع بنو نبهان فى القرن السادس أن يستخلصوا منهم عمان. وتستمر الحروب بين الطرفين إلى أن يفرض الخوارج سلطانهم على البلاد جميعها، وتعود عمان إلى النبهانيين فترة فى القرن العاشر، ثم يستولى عليها نهائيا ناصر بن مرشد اليعربى (١٠٢٤ - ١٠٥٠ هـ) وتظل منذ هذا التاريخ فى أيدى الخوارج، وكان البرتغاليون قد نزلوا فى شواطئها، فأخذ ينازلهم وظلت مدينتا صحار ومسقط فى أيديهم واستطاع خلفه سلطان بن سيف اليعربى (١٠٥٠ - ١٠٩١ هـ) أن يطردهم من البلاد نهائيا وتبعهم أسطوله ينكّل بهم وبأسطولهم فى شرقى إفريقية وغربى الهند. وفى ذلك يقول شاعره خلف بن سنان الغافرى ممجدا (٢). ثمّ أورى لمسقط سقط عزم ... أسقط الظالمين منه ضرام (٣) وغدت من عمان كفّ بنى الأص ... فر صفرا قد هزّها الانهزام (٤) وبممباسّة أذاقهم بأ ... سا بئيسا سيئت به الأصنام ولدى زنجبار زمجر فيهم ... وعد زجر لم ينج منه اعتصام وببمباى نابهم منه ناب ... لم يشبه عن المضىّ انهتام (٥) وهو يشير إلى انتصارات أسطول سلطان على الأسطول البرتغالى فى ممباسه وزنجبار وفى بمبى بالهند. وهى انتصارات جديرة بكل تمجيد وإشادة. وخلفه ابنه

стр. 2293

بلعرب، وكان شاعرا. وقد تربى فى كنفه شاعر خارجى مهم يسمى الحبسى، وله ديوان استهله بمدائح نبوية على عدد حروف المعجم، وفيه مدائح كثيرة فى بلعرب بن سلطان، وفيه يقول (١): يا من إذا ثار فى الهيجاء يفعل فى ... أعدائه فعلة الجزّار فى البدن (٢) ومن إذا فاخر الأشراف فى ملأ ... شاعت مفاخره فى الشام واليمن هذا الكريم الذى تشفيك رؤيته ... من كل داء ومن همّ ومن حزن بلعرب نجل لسلطان الذى حسنت ... أخلاقه وهو ربّ المنظر الحسن وواضح أن شعره متوسط. وأجود شعراء عمان فى أواخر هذا العصر أبو مسلم ناصر بن سالم الرّواحىّ العمانى. وهو شاعر بارع، توفى سنة ١٣٣٨ هـ/١٩٢٠ م ولذلك نرى أن نؤخره إلى العصر الحديث فى عمان. ولابد أن نعرض لدولة بنى مهدى الخارجية التى استولت على زبيد من يد بنى نجاح، وقد ظلت نحو خمسة عشر عاما، وكان مؤسسها على بن مهدى الحميرى يعتنق مذهب الأزارقة من الخوارج، وهو أكثر مذاهبهم تشددا، وكان يقتل على الكبيرة ويستحل دماء المسلمين من مخالفيه، ويسترقّ ذراريهم. ولم يقف عند مبادئ الأزارقة، فقد استباح نساء المسلمين. وخلط آراءه بشئ من مبادئ الإسماعيلية، فادّعى كما مر بنا العصمة وتسمى باسم الإمام المهدى. واستطاع الاستيلاء على زبيد سنة ٥٥٤، وعاجله الموت بعد ثلاثة أشهر، وتولى بعده ابنه المهدى، وسار سيرة أبيه فى سفك الدماء وسبى المسلمين، واستولى على تعزّ والجند، ويقول العماد الأصبهانى إنه ادعى الإمامة وأقبل على شرب الخمر. توفى سنة ٥٥٩، وخلفه أخوه عبد النبى، وكان مثل أخيه وأبيه سفاكا للدماء، قتله توران شاه حين استولى على اليمن سنة ٥٦٩. ومن شعراء هذه الدولة القصيرة الأجل ابن المسبح (٣) وعبد الله (٤) بن أبى الفتوح الحرازى ومحمد بن عمر العمرانى وله من قصيدة يمدح بها عبد النبى (٥): وضحت شموس الحق بعد أفوله ... ورست هنالك قاعدات أصوله ونقف قليلا عند شاعر من شعراء الإباضية، هو أبو إسحق الحضرمى، وشاعر من شعراء دولة بنى مهدى الخارجية، هو ابن الهبينى.

стр. 2294

أبو إسحق الحضرمىّ (١) هو أبو إسحق إبراهيم بن قيس الهمدانى الحضرمى، ولد بحضر موت ولا يعرف بالضبط تاريخ مولده ولكن يغلب أن يكون ولد فى مستهل القرن الخامس الهجرى أو فى أواخر القرن الرابع. وهو من بيت علم وفضل، كان أبوه-كما يقول مقدم ديوانه-عالما ورعا زاهدا متقشفا. ويبدو أنه كان يعتنق عقيدة الإباضية مثله، ومثل كثيرين من أهل حضرموت، ونشأ ابنه على عقيدته، حتى إذا شبّ أخذ يتحمس لها ويحاول أن ينشرها فى الناس من حوله، وفى نسبه وإباضيته يقول: فإن تسألى عنىّ وعن أهل مذهبى ... ومن أين دارى أنت يا أمّ حازم فإنى من همدان أصلى وقدوتى ... فمرداس والأوطان أرض الحضارم أنا الرجل الدّاعى إلى الحقّ والذى ... أبت نفسه شتم الطّغاة الأشائم أنا الرجل الشارى الذى باع نفسه ... وأصبح يرجو الموت عند التصادم وهو فى الأبيات يصرح بأنه حضرمى من همدان، وأنه أخلص نفسه للدعوة الإباضية، ويصف نفسه بأنه من الشّراة، وقد سمى الخوارج أنفسهم بهذا الاسم إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ وهو يعلن أنه باع نفسه لربه والدعوة لنحلته، وأصبح يطلب الموت والاستشهاد فى سبيلها حتى يفوز برضوان الله، ويبدو أن الشعر سال على لسانه مبكرا، مما جعله يخلف ديوانا، وهو يصور فيه حياته وأحداثها تصويرا تاما، وهى حياة وأحداث متصلة بأئمة الإباضية فى نزوى إذ نراه على رأس حملة للخليل بن شاذان إمام الإباضية استطاع بها أن يضم حضرموت إلى سلطانه وقد ظل واليا له عليها إلى وفاته ثم لخلفه راشد بن سعيد الذى مدّ جناح سلطانه إلى عمان، ونجده يشيد بإمامه الخليل بن شاذان فى قصائد كثيرة، بمثل قوله: يا أيها العلم العدل الذى كملت ... له الخصال مروءات وإيمانا إنى أحبّك والرّحمن يعلمه ... حبّ احتساب إلى ذى الطّول قربانا ويطلب فى القصيدة منه معونة ليحطم الغواة الضالين. وكانت لا تزال تأتيه المعونات ولا يزال يحارب أعداء عقيدته فى حضرموت، ويبدو أن كثيرين كانوا ينقضون طاعته بين

стр. 2295

البدو وفى المدن الحضرمية، فكان لا يزال يرسل إليهم الحملات، ولا يزال بهم حتى يلقوا له عن يد وهم صاغرون، وصوّر ذلك فى قصائد كثيرة ذاكرا نشره للدعوة الإباضية وكيف أن خطباء يوم الجمعة يخطبون باسم إمامه فى كل مكان بحضرموت، وكيف أن البلاد والقبائل دانت له مذعنة مستسلمة، يقول للخليل فى إحدى قصائده: سل الخطبا لما دعوا لك جهرة ... على رغم أهل الجور بعد التصادم وسل عرب البيداء لما أذقتهم ... عشيّة خانوا العهد سمّ الأراقم وأمّا نواحى حضرموت فإنها ... بحول إلهى طوع أمرى كخاتمى ولم يبق لى إلا الصّليحىّ قائما ... وها هو أيضا سعده غير قائم ونحن إليه واردون بجيشنا ... فما هو أدهى من ملوك الدّيالم وهو فى البيتين الأخيرين يشير إلى أنه عازم على حرب الصليحى مؤسس الدولة الصليحية فى اليمن وكان قد أخذ يدعو لنفسه ويبدو أن كلا منهما كان يتحرّش بصاحبه، ويهدده بأنه سيستعين بإمامه، وكان الصليحى يهدده بالخليفة الفاطمى وجنوده، وإلى ذلك يشير أبو إسحق بقوله: يخوّفنى أنّ المعزّ ملاذه ... بمصر وما خوفى لأهل المظالم إذا وفده ولّى إلى مصر رائدا ... مضى وفدنا قصدا لخير المعالم ليعلم أىّ الحزب أسبق نصرة ... وأيّهما أولى بفعل المكارم وواضح أنه سمى المستنصر خليفة مصر حينئذ المعز كأنه لا يعرف لقبه الحقيقى. وخرج هو وخصمه الصليحى من التهديد والوعيد إلى إشعال الحرب، ونرى أبا إسحق يوجه قصيدة أشبه بنداء إلى إمامه الخليل بن شاذان كى يغيثه وينصره ضد الصليحى، قبل أن تتفاقم المعارك وتقع الكارثة، يقول له من قصيدته نونية: انصر أخاك فإن الحرب قائمة ... والحق يطلب من أهليه أركانا اجعله أوّل ما تحيا البلاد به ... إنا نؤمل جيشا منك يغشانا واعلم بأنك قد أثّرت مأثرة ... فارفع لها شرفا فالأمر قد هانا ويبدو من البيت الأخير أن الخليل بن شاذان كان قد أرسل إليه معونة مالية، وهو يريد معونة حربية. واستطاع فعلا أن يرد جيوش الصليحى وأن ينزل بها خسائر فادحة. ويتوفى الخليل بن شاذان إمامه ويخلفه راشد بن سعيد، ويبقيه واليا له على حضرموت. ويظل يرسل له بقصائد المديح، وكان قد استولى على عمان كما أسلفنا، وله يقول: أيا راشد إنا لعمرك نزدهى ... بذكراكم فى حضرموت تعاظما

стр. 2296

إذا ما عمانىّ ألمّ بأرضنا ... أحطنا به نسأله عنكم تزاحما وله فيه قصيدة دالية يشيد فيها بالإباضية، وأخلاقهم الفاضلة، ومناقبهم الكريمة، وكيف أنه أصبح إماما لهم وقيّما عليهم، يصلح أمرهم، ويدفع عنهم الخطوب، يقول: إباضيّة زهر كرام أفاضل ... مناقبهم فى كل سامى علا تبدو وأنت لنا من بعدهم صرت قيّما ... حمولا لثقل الخطب يورى بك الزّند (١) ونراه فى نفس القصيدة يطلب إلى إمامه راشد أن يبعث إليه بنجدة تعينه فى حربه مع قبيلتى نهد وعقيل إن هما لم تستكينا نهائيا، ولم تلقيا السلاح وهما صاغرتان، يقول: وإن عدلوا عن بغيهم وتراجعوا ... إلى عسكر الإسلام والحقّ وارتدّوا فأهلا وسهلا بالعشيرة إنهم ... إليكم بإخلاص لربّ السّما أدّوا وإن هم أبوا فاستصرخونا فإننا ... قريب وما للقوم من صحبهم بدّ وما بين وادى حضرموت وبينكم ... إذا سرّكم إتياننا نحوكم بعد وهو يسمى عسكر الخوارج عسكر الإسلام والحق، ومن قديم كانوا يقولون إن معسكرهم هو معسكر الإسلام وحده، ويصفون خصومهم بالبغى والجور وأنهم خرجوا على حدود الدين. ومن الحق أن الإباضية معتدلون ويؤمنون بأن غيرهم من المسلمين أهل توحيد، على نحو ما صورنا ذلك فى غير هذا الموضع. وليس فى الديوان ما يدل على أنه ظل عاملا لأئمة نزوى بعد راشد، وظن بعض من عرضوا له أنه ربما استقل ودعا لنفسه بالإمامة ونستبعد ذلك، ونظن أنه ظل على ولائه لأئمة الإباضية فى نزوى، وحقا نراه فى بعض شعره يصرّح بأنه وهب نفسه لنشر الهدى وإحيائه فى كل مكان، على شاكلة قوله: علق الفؤاد بأن أكون أنا الذى ... يحيى الهدى بقواضب ورماح وعلى السيوف يموت كلّ مكرّم ... وعلى السيوف قياد كلّ فلاح وعلى السيوف ينال من طلب العلا ... غرف الجنان وقصدهنّ كفاحى وهو يقصد بالهدى نحلته الإباضية، ويقول إنه يشعر فى أعماقه أن عليه نشر دعوتها وإشاعتها فى كل بقعة، ويردد ما يذكره شعراء الخوارج قديما من محبتهم للاستشهاد فى سبيل الله، وكأنه أصبح شعارا لهم، حتى يلحقوا بمن سبقوهم من رفاقهم إلى جنات ربهم ونعيمه. ولسنا نعرف سنة وفاته وأكبر الظن أنه توفى حوالى منتصف القرن الخامس الهجرى.

стр. 2297

ابن الهبينى (١) من شعراء تهامة فى القرن السادس الهجرى، تبع على بن مهدى حين استولى على زبيد سنة ٥٥٤ وأصبح شاعره وشاعر ولديه من بعده. وكان يجعل شعره شركة بينه وبين على بن مهدى وولديه المهدى وعبد النبى، فتارة ينظمه مستقلا، وتارة ينظمه بلسانهم، ونصّ على ذلك القدماء. وقد وصفه عمارة اليمنى فقال: «هو أمتن كلاما، وأقوى نظاما من كثير ممن سمعت به من شعراء اليمن». وشعره على لسان أمرائه تهديد شديد ووعيد عنيف لخصومهم من القبائل والأمراء وأصحاب الحصون، من ذلك قوله على لسان ابن مهدى يهدّد قبائل خولان وجنب وسنحان وهمدان: ما بال خولان لا توفى بما تعد ... يدنو أبو حسن منها وتبتعد وما لجنب وسنحان وأختهما ... همدان تلك الأعاريب التى حشدوا وتسميته لهم بالأعاريب كأنه يشير إلى شطر فى خمرية لأبى نواس يهزأ فيها بالأعراب قائلا: «ليس الأعاريب عند الله من أحد». وابن الهبينى يحمّل الكلمة نفس المعنى. وله قصيدة ميمية طويلة على لسان علىّ بن مهدى وجّه بها إلى أهل حصن تعكر وقبيلة خولان منذرا لها نذيرا شديدا، وهو يفتتحها بقوله: أبلغ قرى تعكر ولا جرما ... أن الذى تكرهون قد دهما وقل لجنّاتها سأبدلها ... سيلا كأيام مأرب عرما ظنّت خويلان أن ستشغلنى ... عمى لما ظنّت اللئام عمى هل تنقص البحر كفّ غارفه ... أو يخمد النار قابس ضرما تعسا لخولان لا أبا لهم ... أمسوا وجودا وأصبحوا عدما إذ نفخوا من صوارمى ضرما ... واستسمنوا من ظنونهم ورما وشمّرت ساقها الحروب وما ... ألفّها الليل سائقا حطما وهو يهدّد فى أول قصيدته قرى تعكر بأنه سينزل بها ما أنزله الله بقرى سبأ ومدنها من سيل عرم، يقول جلّ شأنه: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ والأبيات تدل على براعة شعرية حقيقية فى الصياغة والفكرة ونسج الأسلوب. وهو يتأثر فى البيت الأخير

стр. 2298

بشطرين وردا فى خطبة الحجاج المشهورة التى خطبها فى الكوفة أول قدومه واليا على العراق، وقد حمّلها كل ما استطاع من عبارات الوعيد قائلا: «إنى لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللّحى» ثم أنشد هذا الشطر فى وصف الحرب وشدتها: «قد شمّرت عن ساقها فشمّروا» وتلاه ببيت عاصف من الشعر: هذا أوان الشّدّ فاشتدّى زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم والشد: العدو. وزيم: اسم فرس أو ناقة. واللف: الجمع. والحطم: الظالم للماشية. وواضح أن ابن الهبينى كوّن بيته من الشطر السالف، ثم من الشطر الثانى فى البيت، ليصور ما سينزله بخولان من معارك مدمرة ساحقة. ويستمر فى وصف جنوده ووعيده. إنّ نسور الوغى إذا وقعت ... بأرض قوم أطارت الرّخما (١) ترمى بنيرانها قرى عدن ... صبحا فيمسى شرارها الحرما أيشرب الخمر فى ذرى عدن ... والمشرفيّات بالحصيب ظما ويلجم الدين فى محافلها ... والخيل من حولى تعلك اللّجما وما جنوده إلا نسور أما جنود خصومه فرخم وطير مأكول، ويضيف إلى تهديد خولان تهديد عدن وأمرائها من آل زريع، وكانت تعزّ والجند وتعكر فى حوزتهم، فكان طبيعيا أن يصطدم بهم. والشاعر يزعم على لسان ابن مهدى أن أهل عدن غارقون فى الخمر إلى آذانهم، ويقول إن السيوف فى الحصيب وادى زبيد ظامئة إلى دمائهم وأن الخيل من حوله تعلك اللجم، تريد أن تهمّ بالمسير إليهم وقتالهم. وكان طبيعيا والحرب العسكرية قائمة بين ابن مهدى وولديه من جهة وعدن وأمرائها بنى زريع من جهة ثانية أن يصطدم ابن الهبينى شاعر بنى مهدى بأبى بكر العيذى شاعر الزريعيين، وأن يأخذا فى التهاجى وما يتصل به من التهديد بالقوة والقهر، وقد احتفظ العماد فى خريدته للشاعرين بنقيضتين من هذا الطّراز، أولاهما لابن الهبينى ونراه يستهلها بالإشادة بجنود على بن مهدى إمامه، يقول: أسد إذا ما أبصرت أسد الشّرى ... ورأت حياض الموت لم تتجهجه (٢) تعدو أمام متوّج متبلّج ... متيقّظ متوقّد متنبّه متفقّه فى الدين لكن لم يكن ... من عند غير الله بالمتفقّه ملك إذا اشتبه الملوك فما له ... فى ملكه وصلاحه من مشبه

стр. 2299

ومنزّه الدين الحنيفىّ الذى ... لولا الإمام القطب لم يتنزّه بصوارم ولهاذم وضراغم ... وملاحم بلغت به ما يشتهى (١) وواضح أنه يشيد بجنود هذا الإمام فى رأيه وشدة بأسهم، ويسبغ عليه صفات التفقه فى الدين وحمايته بسيوف قاطعة وأسود ضارية وملاحم ساحقة. ويمجد انتصارات على بن مهدى على آل نجاح الأحباش أو الذين يعودون إلى أصل حبشى، ويعود إلى الإشادة به، قائلا: أخبار أيّام الإمام فواكه ... فأصخ بسمعك نحوها وتفكّه سير الإمام قديمها وحديثها ... فرح القلوب وروضة المتنزّه أشهى من الماء الزّلال على الظّما ... وألذّ من عصر الشباب الأموه (٢) ولا شك أن ابن الهبينى يجور جورا فظيعا على الحقيقة، فقد عرضنا لابن مهدى ومبادئه، وأنه خرج فيها حتى على غلاة الخوارج، ويكفى وصمة لا تفارق جبينه أنه استباح نساء المسلمين واسترقّ الذرارى، فكان ينبغى على ابن الهبينى أن لا يسخّر شعره فى مديحه هذا المدح المفرط فى الثناء. وتنسب لابن مهدى دالية لا شك أنها من نظم ابن الهبينى، وفيها يقول على لسانه: قسمت الرّدى والجود قسمين فى الورى ... فللمعتدى حدّى وللمجتدى رفدى (٣) وما لى من مالى الذى كسبت يدى ... تراث أبقّيه سوى الشكر والحمد تخوّفنى جنب بكثر عديدها ... وما لجنود الله حولى من غد تقعقع نحوى بالشّنان وهل ترى ... عوا الكلب يخفى زأرة الأسد الورد (٤) والبيت الرابع يشهد بأن القصيدة من نظم ابن الهبينى، إذ جلب فيه عبارة من عبارات الحجاج فى خطبته التى أشرنا إليها آنفا فقد قال فى تضاعيفها: إننى لا أغمز تغماز التين ولا يقعقع لى بالشنان، وهى القرب البالية، وكانوا يحركونها إذا استحثوا الإبل على السير لتفزع فتسرع. وابن الهبينى مثل أبى إسحق الحضرمى لا يعرف زمن مولده ولا زمن وفاته، ولكن من المؤكد أنه عاش فى زمن دولة بنى مهدى، وربما لم تمتد به الحياة بعدها أو ربما فارق الحياة قبل قضاء توران شاه عليها فى نهاية العقد السابع من القرن السادس.

стр. 2300

٤ - شعراء الدعوة الوهابية السلفية مرّ بنا أن الدعوة الوهابية السلفية قامت على الرجوع بالإسلام إلى صورته البسيطة الأولى وتخليصه من كل ما دخل عليه من شوائب، كتقديس الأولياء، والاعتقاد فيهم أنهم-كما يقولون- ينفعون الناس حتى فى قوتهم، مما جعلهم يزورون أضرحتهم ويتوسلون إليهم أن يباركوا زروعهم وإبلهم وأنعامهم وشاءهم. وينبغى-فى رأى ابن عبد الوهاب-أن يكفّ المسلمون عن مثل هذه الاعتقادات وأن يعودوا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، فهما المصدران الأساسيان للإسلام وأحكامه، والمدار فى الدين إنما هو على النقل، أما العقل فيتخذ شاهدا ولا يستخدم حكما. وهذه الدعوة-كما قدمنا-تستضئ بأفكار ابن تيمية وإمامه أحمد بن حنبل الذى كان يقدم المنقول على المعقول، فالمنقول من الكتاب والسنة أولا، والمعقول يليه ويأتى ثانيا، ولا يصح التقرب إلى الله بزيارة الولى الصالح، فضلا عن زيارة جدثه ورفاته. وتشدد ابن عبد الوهاب قائلا إن ذلك يعنى الشرك بالله أن يزور شخص قبور الأولياء ويدعو عندها، طالبا جلب منفعة أو دفع أذى، إذ يظن أن الولىّ من شأنه أن يعينه على ذلك، والله يقول لرسوله ﷺ فى كتابه: (قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرّا إلا ما شاء الله). وعلى هذا النحو تشدد محمد بن عبد الوهاب فى أنه لا يجوز إشراك غير الله معه فى الدعاء، كأن يقول القائل المتوجه إلى ربه: أسألك بحق فلان من الصالحين، بينما الله يقول: (فلا تدعوا مع الله أحدا). وبالمثل لا يجوز طلب الشفاعة من ولى أو غيره، لمثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾. وينبغى أن تلغى النذور للأولياء جملة، إذ النذور إنما تكون لله ولا يصح إشراك أحد معه فيها، ومن أكبر صور الشرك-فى رأى محمد بن عبد الوهاب-الإيمان بأن هناك من يعلمون الغيب من المنجمين أو أصحاب السحر والشعوذة، والله يقول: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ويقول: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ فمن ظن أن هناك من يعلم الغيب فقد جعل لله مثيلا فى صفة علم الغيب المقصور على الله جل شأنه. ومدّ حملته إلى المتصوفة والطرق الصوفية، فأنكرها ودعا إلى إلغائها إلغاء باتا وإلغاء كل ما اتصل بها من حلقات ذكر وأوراد ودلائل خيرات، فكل هذه-فى رأيه-بدع لم يعرفها الإسلام فى عهد الرسول ﷺ وعهود أصحابه، وينبغى أن يعود الإسلام كما كان مع التمسك بالسنة

стр. 2301

وإحيائها والاقتداء بالسلف الصالح. ولذلك يسمى الوهابيون سلفية. ومما دعا إليه محمد بن عبد الوهاب الإيمان بالقدر وأن لا يفزع أحد إلى التأويل فى آيات القرآن الكريم. وإنما عرضنا ذلك كله لنتبين الأسس التى دعا إليها محمد بن عبد الوهاب والتى صدر عنها بالتالى شعراء الدعوة الوهابية، ولعل القارئ لا يعجب إذا عرف أنه من أوائل الشعراء الذين تصدوا بقوة لرفع علمها وتمثل مبادئها شاعر يمنى من الأسرة الزيدية، هو محمد بن إسماعيل الحسنى الصنعانى ، وأن أبرع الشعراء الوهابيين الذين خلفوه فى هذا العصر هو ابن مشرف الأحسائى. ويتكاثر بعده شعراء الدعوة وفى مقدمتهم سليمان بن سحمان وابن عثيمين، ولن نعرض لهما لأنهما يدخلان فى العصر الحديث، ومن شعراء الدعوة المبكرين حسين بن غنام الأحسائى المتوفى سنة ١٢٢٥ هـ/١٨١٠ م، وله مرثية فى ابن عبد الوهاب حين لبى نداء ربه افتتحها بقوله (١): إلى الله فى كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع وقصائد كثيرة نظمت فى الإشادة بابن عبد الوهاب ومبادئه، ومن أهمها قصيدة للإمام محمد بن على الشوكانى اليمنى المار ذكره. ونقف قليلا عند محمد بن إسماعيل وابن مشرف. محمد بن إسماعيل الحسنى الصنعانى (٢) ولد بحصن كحلان باليمن سنة ١٠٩٩ هـ/١٦٨٧ م وانتقل مع أبيه إلى صنعاء سنة ١١١٠ هـ/١٦٩٨ م فأتم بها حفظ القرآن، وسرعان ما أخذ يختلف إلى العلماء ينهل من حلقاتهم ودروسهم، فتعلم النحو وعلوم البلاغة والفقه والمنطق وعلم الكلام والأصول، وعكف على أمهات الكتب الكبيرة يقرأ ويدرس فى الفقه وفى النحو وفى غيرهما، وأخذ يدرس كتب الحديث الكبرى على كبار الحفّاظ المحدثين من مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن أبى داود، ونال فى ذلك إجازات مختلفة لا فى صنعاء فحسب، بل أيضا على كبار المحدثين فى مكة والمدينة، وعنى بالتبحّر فى فقه الشافعى وفى الأصول. ودرس للناس بصنعاء الحديث سنوات طويلة، وله فيه على الجامع الصغير شرح فى أربعة مجلدات، وله فى الفقه كتاب العدة على شرح العمدة لابن دقيق العيد، وله شرح فى علوم الحديث

стр. 2302

والآثار فى مجلدين، غير كتب كثيرة فى الأصول وفى النحو وفى بعض الفتاوى. ومن كتبه «إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة» ويبدو أنه كتبه فى الاحتجاج للدعوة الوهابية لأن مترجميه يقولون إنه ترك فيه مقالة الأصحاب ورجّح أدلّة السنة والكتاب. وكان يشتغل بالتدريس ويجمع إليه أحيانا الخطابة. ويجمع كل من كتبوا عنه أنه كان مجتهدا ينفر من التقليد ومن كل رأى فقهى لا دليل عليه، ويقول الشوكانى إنه كان «من الأئمة المجددين لمعالم الدين» وكان الشوكانى مثله يعجب بالدعوة الوهابية، ومر بنا أن هذه الدعوة أعلنت سنة ١١٥٨ للهجرة حين وضع محمد بن سعود يده فى يد محمد بن عبد الوهاب وعاهده على نصرته، على أن تكون للأول وذريته السلطة الزمنية وللثانى وذريته السلطة الروحية. وما نتقدم مع هذا العهد والإعلان للدعوة أكثر من خمس سنين، حتى نجد صوتا مدويا ينطلق من صنعاء باليمن، هو صوت محمد بن إسماعيل إذ يرسل بقصيدة دالية طنانة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب مشيدا وممجدا لدعوته استهلها بقوله: سلام على نجد ومن حلّ فى نجد ... وإن كان تسليمى على البعد لا يجدى وقد مضى فيها يعلن إعجابه بمبادئ الدعوة الوهابية، وهاجم الصوفية وما يزعم غلاتهم من القول بالحلول، كما هاجم المتصوفة والطرق الصوفية وأورادها، وأظهر استحسانه لما قيل من حرق الوهابيين لدلائل الخيرات، يقول مبررا صنيعهم: غلوّ نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدى أحاديث لا تعزى إلى عالم ولا ... تساوى لفلس إن رجعت إلى النّقد وهو يضع بذلك دليلين يجوّزان حرقها فى رأيه: ما بها من غلو ومن أحاديث ضعيفة واهية، ويقول إنها من البدع المستحدثة. وكان ما ينى ينصح قومه بالانصراف عن مثل هذه الأوراد. وكان يؤذيه أشد الإيذاء تصديقهم للمنجمين وإيمانهم بأنهم يطّلعون على الغيب. ويكتب إلى الإمام المهدى العباس سنة ١١٧٠ قصيدة دالية ينهاه عن الاستماع إلى المنجمين وافتراءاتهم الكاذبة، وفيها يقول: ولا تستمع من عابد لنجومه ... تقاويم زور ليس تغنى ولا تجدى أكاذيب يمليها لكلّ مغفّل ... يصدّقها من ضلّ عن طرق الرّشد ووالله ما عند النجوم دلالة ... على نحس يوم فى الزمان ولا سعد ووالله ما غير الإله بعالم ... بما فى غد مما يسرّ وما يبدى وصدق رسول الله ﷺ فى قوله: «كذب المنجمون ولو صدقوا». وله قصيدة جعل مقدمتها فى ديوانه على هذا النمط: «هذه نفثة مصدور، وكلمة صادرة عن قلب

стр. 2303

من ضياع الشريعة محرور، وفيها تفاؤل بمن يقوم بالدين، ويحيى شريعة سيد المرسلين، وفيها إيقاظ للهمم لو كانت نائمة، ولكنها ميتة لا ترجى لها قائمة. والجهاد باللسان أحد الأقسام. نسأل الله قبول الأعمال وحسن الختام». وفيها يصور جهاد المصلح الدينى المنتظر هو وأنصاره فى سبيل دعوته، وكيف يخوضون إليها غمار الحروب، حتى تبسط سلطانها على الناس، يقول: يحفّ به قوم على كلّ سابح ... تعدّ المنايا فى الحروب مناها ولا جمعوا مالا ولا كسبوا لهم ... قصورا ولا باهوا برفع بناها وما ادّخروا إلا حساما وذابلا ... ومهرا يبارى الرّيح عند سراها وما قصدوا من سفكهم لدم العدا ... وتطويقهم بالسّيف بيض طلاها (١) سوى أنهم يحيون شرعة أحمد ... وينفون عنها داءها بدواها سيغسل عنها السيف أدران بدعة ... فيشرق فى الآفاق نور سناها ويذكر بعض مترجميه أن الشاعر نظم هذه القصيدة فى سن مبكرة، ولكن مقدمتها وما ترسمه من الجهاد لمصلح دينى وأنصاره يريدون إحياء السنة المحمدية وغسلها من أدران البدع المستحدثة فى الحياة اليومية، وأنهم لا يريدون بذلك مالا ولا قصورا مشيدة، إنما يريدون درء المنكرات، وإنهم ليحملون فى سبيل ذلك السيوف حتى يكف الناس عن هذا الغى والضلال. كل ذلك يشهد بأن المقصود فى القصيدة محمد بن عبد الوهاب وأنصاره بزعامة محمد بن سعود الذين جردوا سيوفهم ورماحهم لحمل الناس فى الجزيرة العربية على الدعوة الوهابية. وفى الديوان دالية يعلن فيها تبرءه من ابن عبد الوهاب ودعوته، وأكبر الظن أنها موضوعة على لسانه أقحمت من قديم على الديوان تقربا للأمراء الزيديين من بيته، وفى الحق أنه كان يحمل نفسا ثائرة تحب الحق وتؤثره ولو كان فيه خصومة لأهله ويبدو أن بعض خصومه استغلوا موقفه مع الوهابيين فكانوا يشون به لأئمته مما أدى أحيانا إلى سجنه على نحو ما نرى فى قوله سنة ١١٦٦ للهجرة: وما حبسونى أننى جئت منكرا ... ولا أننى نافست فى الملك والكرسى ولكننى أحببت سنّة أحمد ... وأبرزتها شمسا على العرب والفرس وكان أهل بيته من الأئمة يتلقبون ألقابا كثيرة، وقد لا يكتفى الإمام بلقب واحد بل يتخذ لقبين أو أكثر مثل الإمام المتوكل على الله شرف الدين والإمام الأعظم المهدى لدين

стр. 2304

الله، وكأنما كان ذلك يؤذى نفسه أن يسمع تلك الألقاب ولا يرى لأصحابها أعمالا حميدة، بل يرى أعمالا ذميمة فقال: تسمّى بنور الدين وهو ظلامه ... وهذا بشمس الدين وهو له خسف وذا شرف الإسلام يدعوه قومه ... وقد نالهم من جوره كلّهم عسف رويدك يا مسكين سوف ترى غدا ... إذا نصب الميزان وانتشر الصّحف بماذا تسمّى هل سعيد فحبّذا ... أو اسم شقىّ بئس ذا ذلك الوصف وهو نقد شديد بل تجريح للأئمة من بيته فى عصره وقبل عصره. وكان لا يخشى فى الله لومة لائم. وديوانه يكتظ بالمواعظ والأدعية والابتهالات إلى الذات العلية، وله قصيدة فى التقوى ختم جميع أبياتها بشهادة: لا إله إلا الله، وله غير مدحة نبوية وأيضا له قصيدة فى مديح على سماها «التحفة العلوية» وكتب عليها شرحا سماه «الروضة الندية». وله أشعار فى فنون البديع المختلفة وخاصة فى التورية وهو يكثر من التضمين فى أشعاره وخاصة من شعر المتنبى. وطالت حياته حتى سنة ١١٨٢ للهجرة وبذلك يكون قد سبق محمد بن عبد الوهاب فى الوفاة بنحو ربع قرن تقريبا. ابن مشرف الأحسائى (١) هو أحمد بن على بن حسين بن مشرف الوهيبى التميمى الأحسائى، ولد وعاش فى الأحساء ولا يعرف تاريخ مولده. وبدأ فى نعومة أظفاره بحفظ القرآن الكريم على شاكلة لداته، ثم أخذ يختلف إلى حلقات العلماء فى موطنه، والتهم كل ما وجده فى هذه الحلقات من معارف وخاصة ما اتصل بالفقه والعربية، واعتنق المذهب المالكى مثل آبائه. وليس فى ديوانه ما ينبئنا عن أحواله فى فواتح حياته أو فى شبابه المبكر، وقصائده فيه مؤرخة على السنوات، وهى تمتد من سنة ١٢٤٥ هـ/١٨٢٩ م إلى سنة ١٢٨٣ هـ/١٨٦٦ م وأكثرها أو قل جمهورها فى مديح فيصل بن تركى، والسنة الأولى هى نفس السنة التى استولى فيها السعوديون على الأحساء، وكأن شعره جميعه تظله الدولة السعودية إذ توفى سنة ١٢٨٥ هـ/١٨٦٨ م. وهو فى ديوانه يعتنق الدعوة الوهابية وكأنما يعيش لها وبها، فهى كل حياته وكل أفكاره وكل مشاعره ولا نعرف هل تاريخ اعتناقه لها يسبق امتداد الدولة السعودية إلى الأحساء فى سنة ١٢٤٥ أو أنه يقترن بتلك السنة، على كل حال الديوان كله

стр. 2305

مستوحى من الدعوة الوهابية بل قل إنه صادر عنها، أو قل إنها مادته سواء تغنّى بابن عبد الوهاب وأفكاره أو تغنى بفيصل وأعماله أو بغيره من قواده. فالدعوة الوهابية مادة الديوان وابن مشرف ليس متضامنا معها فحسب، بل هو أداة من أدواتها يذيعها ويناضل عنها خصومه ويؤيدها بكل ما استطاع من حجة وبرهان. وقد سمى أول قصيدة فى الديوان باسم جوهرة التوحيد وهو يستضئ فيها بما كتبه محمد بن عبد الوهاب عن التوحيد، ويستهلها بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأزواجه وأصحابه ثم تتوالى فصولها وأولها فصل عن الإيمان وفيه يقول: الخير والشرّ جميعه صدر ... من أمر ربنا وذا هو القدر ومرّ بنا أن محمد بن عبد الوهاب كان يدعو إلى الإيمان بالقضاء والقدر وأن كل شئ مقدر على الإنسان منذ الأزل ولا صحة لما يقوله المعتزلة من أن الإنسان كامل الحرية فى تصرفاته يأتى ويترك من الأفعال ما يريد فهو خالق أفعاله باختياره. ويرد على ذلك ابن مشرف بعبارة أوضح فى موضع آخر منشدا: وكلّ شئ قضاه الله فى أزل ... طرّا وفى لوحه المحفوظ قد سطرا والله خالق أفعال العباد وما ... يجرى عليهم فعن أمر الإله جرى فليس فى ملكه شئ يكون سوى ... ما شاءه الله نفعا كان أو ضررا ويعقد فصلا لأنواع التوحيد. ويقول كما قال محمد بن عبد الوهاب، إن أضرب الوحدانية ثلاثة ويعدّها على هذا النمط: توحيد ربّ الناس فى الملك وفى ... صفاته وفى العبادة اقتف فالأولى وحدانية الربوبية وهى اعتقاد كون الملك لله وحده لا شريك له، فهو المتصرف فيه بالخلق والتكوين والرزق والحياة والموت. والثانية وحدانية الأسماء والصفات، من مثل الحى الباقى القديم الأول الآخر الصمد الواحد الفرد السميع العالم البصير المريد القدير والثالثة وحدانية العبادة لله وأنه لا شريك له ولا معبود سواه. ويثير ابن مشرف تبعا لمحمد بن عبد الوهاب المشكلة القديمة لعصر المأمون والمعتصم والواثق مشكلة خلق القرآن وعدم خلقه أو مشكلة حدوثه وعدم حدوثه، وهى المشكلة التى ورّط المعتزلة فيها هؤلاء الخلفاء وجعلوهم يحاولون أن يحاكموا على أساسها بعض الفقهاء ممن لا يقولون بخلق القرآن وفى مقدمتهم ابن حنبل إمام الوهابية. ويقول ابن مشرف إن القرآن الكريم عين كلام الله لفظا ومعنى والمخلوق إنما هو نطق الناس به يقول:

стр. 2306

الصوت للقارئ والكلام ... لله ذا به قد استقاموا فاللفظ والمعنى من القرآن ... قد نزلا من ربنا الرحمن ومن يقل بخلقه أو سطره ... فهو مضلّ فاستعذ من شرّه وكان المعتزلة ينزهون الذات العلية عن مشابهة المخلوقات فهو ليس جسما ولا عرضا ولا مادة ولا جوهرا ولا يحيط به مكان ولا زمان، وأوّلوا الآيات التى قد تفيد مشابهة مثل (ثم استوى على العرش) بأن الاستواء فى الآية بمعنى الاستيلاء ومثل (يد الله فوق أيديهم) أوّلوا اليد فى الآية بمعنى القدرة. ونفوا الصفات عن الله لأنها من عوارض الأجسام فى رأيهم وقالوا إنها عين الذات. وكل ذلك ردّه محمد بن عبد الوهاب متابعا ابن تيمية وابن حنبل، وأخذ مثلهما فى الآيات التى تفيد التشبيه بفكرة التنزيه مع الإيمان بما جاء منها فى القرآن، وعلى ضوء من ذلك كله يقول ابن مشرّف: الله ذو العرش على العرش استوى ... وعلمه لكلّ شئ قد حوى وما اقتضى التشبيه مثل العين ... والوجه والإصبع واليدين نؤمن به لكن مع التنزيه ... له عن التمثيل والتشبيه من شبّه الله بخلقه كفر ... ومن نفى صفاته أصلى سقر وهو فى البيت الأخير يحكم على من ينفى الصفات وهم المعتزلة كما أسلفنا بالكفر ويقول إن الله يخلق أفعال العباد ولكن لهم كسبا وكل امرئ يحاسب على ما كسبت يداه، ويتحدث عن إرسال الرسل ورسالة النبى ﷺ ومعجزاته من القرآن كالمعراج ويشيد بأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وباقى العشرة المبشرين بالجنة وبأصحاب المذاهب الأربعة وبسفيان الثورى وداود الظاهرى. ويطيل فى الحديث عن البعث والمعاد والحساب. وبذلك يختم الحديث عن النوع الثانى من أنواع الوحدانية وهى وحدانية الأسماء والصفات ويأخذ فى الحديث عن النوع الثالث من أنواع الوحدانية وهو وحدانية العبادة، فالله وحده هو الذى يعبد دون سواه، وهو وحده الذى تقدّم إليه النذور، ومن الشرك تقديمها لسواه وأيضا من الشرك القسم بغيره يقول: الحلف مطلق بغير الله ... شرك بلا شكّ ولا اشتباه ويهاجم زيارة القبور: قبور الأولياء والصالحين وما بنى عليها وشيّد من قبب والطواف حول تلك القبور تقربا. وسؤال الناس أصحابها أن يدفعوا عنهم الأذى ويجلبوا لهم النفع، بل إنهم ليتوجهون إليهم بالدعاء، كلما أحاط بهم كرب، طلبا للنجاة، يقول: ألم تنظر الشرك الذى فيهم فشا ... فكم قبّة قد شيّدوها على قبر

стр. 2307

وطافوا عليها خاضعين تقرّبا ... إلى ذلك المقبور بالذّبح والنّذر وكم سألوا الأموات كشف كروبهم ... ولا سيّما فى الفلك فى لجج البحر فزادوا على شرك الأوائل إذ دعوا ... سوى الله فى حال الرّخاء وفى العسر وعلى هدى من الدعوة الوهابية مضى يهاجم كل ما هاجمته، وكان مما استحدث فى الجزيرة التذكير قبل الأذان للصلاة، وعنّفت الدعوة الوهابية المؤذنين على هذا التذكير، ورأت منعه منعا باتا، واصفة له بأنه بدعة وينبغى الكف عنها، وفى إثرها يقول ابن مشرف: وسل فاعل التذكير عند أذانه ... أهذا هدى أم أنت بالدّين تلعب وهل سنّ هذا المصطفى فى زمانه ... أو الخلفا أو بعض من كان يصحب واستمر يتساءل هل سنّه التابعون أو سنّه أحد أصحاب المذاهب الفقهية، وانتهى إلى أنه من الأمور المحدثات التى ينبغى أن تجتنب، قائلا إن العلم ينبغى أن لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة. ويخص هذه الفكرة بقصيدة يحث فيها على الأخذ بنصوص الحديث النبوى وآيات الذكر الحكيم، ويسميهما وحيين، وتسميته الذكر الحكيم وحيا واضحة، أما تسميته الحديث بالوحى فلأنه إلهام وهدى ربانى، يقول: وقدّم أحاديث الرّسول ونصّه ... على كلّ قول قد أتى بإزائه وإن جاء رأى للحديث معارض ... فللرأى فاطرح واسترح من عنائه ومن يكن الوحى المطهّر علمه ... فلا ريب فى توفيقه واهتدائه وكلّ فقيه فى الحقيقة مدّع ... ويثبت بالوحيين صدق ادّعائه فالكتاب والحديث هما مدار الفقه والفتوى، فما يرسمه القرآن ويبينه الحديث هو الدين الحنيف، وعلى العقل أن يسير وراءهما شارحا ومفسرا ومبينا، لا موجها ولا متحكما ولا مؤولا. . وعلى هذا النحو تتجلى فى شعر ابن مشرف دائما الدعوة الوهابية بكل ما اتصل بها من مبادئ وتعاليم. ٥ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية لعل أكبر بيئة عربية شهدت شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية هى بيئة مكة والمدينة، فلم يكن هناك زاهد ناسك ولا متصوف عابد إلا ويحج البيت الحرام ولم يكن

стр. 2308

هناك مادح للرسول ﷺ . إلا ويسعى إلى زيارة ضريحه العطر وإنشاده مديحه، غير من كان يقيم فى البلدتين المقدستين من أهلهما النساك. وقد ذكرنا فى غير هذا الموضع كيف أن كبار المتصوفة المتفلسفة منذ الحلاج كانوا ينزلون فى مكة ويجاورون فيها، وقلنا إنه نزلها ابن عربى وجاور فيها سنوات، وفيها ألف الفتوحات المكية وديوانه الصوفى «ترجمان الأشواق» وفيه يقول: مرضى من مريضة الأجفان ... علّلانى بذكرها علّلانى هفت الورق بالرياض وناحت ... شجو هذا الحمام مما شجانى (١) وشاع الديوان فى مكة والمدينة وفى اليمن وتناقله الحجاج. ومن متفلسفة المتصوفة وشعرائهم الذين جاوروا فى مكة ابن سبعين، أقام بها سنوات طويلة حتى توفى سنة ٦٦٩ وكان يقول بالاتحاد والحلول، ومن شعره (٢): من كان يبصر شأن الله فى الصّور ... فإنه شاخص فى أكمل الصّور بل شأنه كونه بل كونه كنهه ... فإنه جملة من بعضها وطرى ووراء ابن سبعين وابن عربى والحلاج كان ينزل بمكة والمدينة المتصوفون السنيون وفى مقدمتهم القشيرى الذى لمّ شعث الفرقة بين الصوفية وأهل السنة كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ونزلها الغزالى وشهاب الدين السهروردىّ العراقى وأقام بها ابن الفارض خمسة عشر عاما نظم فيها كثيرا من أشعاره الصوفية الوجدانية من مثل قوله: هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل وعش خاليا فالحبّ راحته عنا ... وأوّله سقم وآخره قتل وإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به ... شهيدا وإلا فالغرام له أهل ولم يبق مادح للرسول ﷺ إلا زار المدينة، لتتأرج روحه بعطر قبره، وقد زارها البوصيرى أكبر مداح الرسول، وفيه نظم همزيته فى نحو أربعمائة وخمسين بيتا، وسماها «أم القرى فى مدح خير الورى» وكذلك ميمينه المشهورة باسم البردة، وقد تناقلها الناس فى مشارق العالم الإسلامى ومغاربه إعجابا وافتتانا. ومديح الرسول قديم منذ ابن دريد فى مطالع القرن الرابع الهجرى. ولكن لم تنل قصيدة فى مديح الرسول حظوة هاتين القصيدتين. وبجانب المدائح النبوية وأشعار التصوف المهاجرة إلى المدينتين المقدستين هاجرت إليهما أشعار زهد كثيرة، كان يرددها النساك والعباد والمجاورون بمكة والمدينة، على نحو ما نجد فى

стр. 2309

ديوان الزمخشرى الذى جاور فى مكة طويلا، حتى لقّب «جار الله». وكان هؤلاء المجاورن الكثيرون يضمنون الزهديات مصنفاتهم التى يؤلفونها فى مكة أو المدينة، ومن يقرأ تفسير الزمخشرى الذى ألف بمكة والذى سماه الكشاف يجده عند تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ (١) ينشد توسلا لطيفا لشاعر على هذه الصورة: يا من يرى مدّ البعوض جناحها ... فى ظلمة الليل البهيم الأليل (٢) ويرى عروق نياطها فى نحرها ... والمخّ فى تلك العظام النّحّل اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه فى الزمان الأوّل ومن المجاورين بالحرمين الشريفين ابن ظفر (٣) المولود بصقلية فى شعبان سنة ٤٩٧ رحل من بلده يافعا فى طلب العلم إلى مكة ونهل من حلقات علمائها. وارتحل إلى مصر ثم إلى المهدية بتونس، وعاد إلى موطنه صقلية، وبها ألف لحاكمها فى سنة ٥٥٤ كتابه «سلوان المطاع فى عدوان الأتباع» وهو كتاب نفيس ترجمه المستشرقون إلى الإنجليزية والإيطالية، ويمتلئ بأشعاره، وهى تصور زهده وتقشفه مع براعة فى نسج الشعر ونظمه من مثل قوله (٤): يا متعبا كدّه الحر ... ص فى الفضول وكاده لو حزت ما حاز كسرى ... وما حوى وأفاده ما كنت إلا معنّى ... ومغرما بالزّيادة لم يصف فى الأرض عيش ... إلا لأهل الزّهاده ولم يكن يقول ذلك عظة أو تمثلا ولكن كان يقوله عن اقتناع، فقد كان أحد من رفضوا الدنيا وعاشوا فقراء زاهدين، تكفيهم الكسرة. وكان يتحول واعظا كلما نزل بلدة، ونزل بلادا كثيرة، نزل مصر وبلاد المغرب وعاد إلى المشرق، فألم ببغداد ودمشق ثم نزل حماة واستوطنها إلى وفاته سنة ٥٦٧ ومن زهدياته (٥): راقك الزهد إنما الزّهد رفض ... لفضول تلهى وتطغى وتردى (٦) مرحبا بالكفاف عيشا هنيئا ... ثم لا مرحبا بحرص وكدّ لا يزال الحريص يستامه الحر ... ص ينصب من الشقاء ونكد (٧)

стр. 2310

ثم لا يستطيع أن يتعدّى ... قدرا ما لحكمه من مردّ فهو ينصح بعيش الكفاف وبالزهد فى كل ما وراء ذلك من فضول ومتع لا تفيد إلا اللهو والطغيان والهلاك إن كان يمكن أن يفيد الطغيان والهلاك أحدا. ولا يزال الحريص يدفعه حرصه إلى غير قليل من الشقاء والنكد والتعب، ومع ذلك لن يعدو ما كتبه له القضاء. ولشعراء مكة والمدينة مدائح نبوية كثيرة، على نحو ما نجد عند النّشو، وقد سقنا له فى ترجمته مثالا، ولمحب الدين الطبرى المكى المتوفى سنة ٦٩٤ مدحة نبوية استهلها بقوله: «رحلت إلى المختار خير البرية» ذكر فيها المنازل بين مكة والمدينة، ولابنه محمد مدحة نبوية بارعة يقول فى أولها (١): أنخ أيها الصّادى الشديد ظماؤه ... ورد منهلا أحلى من الشّهد ماؤه وسل عند باب المصطفى أىّ حاجة ... أردت وما تهوى فرحب فناؤه ووراء هاتين المدحتين عشرات من المدائح يكفى أن نشير إليها، ولشاعر متأخر يسمى عبد العزيز الزمزمى المكى ديوان مديح فى الرسول والصحابة. وكثر بجانب ذلك الغزل الصوفى فى مكة والمدينة، من مثل قول أبى إسحق المكى المتوفى سنة ٧٢٣ للهجرة (٢): معذّبتى كم ذا الصّدود إلى متى ... مضى عمرى والوصل منك أروم فجودى ورقّى أو فجورى وعذّبى ... فما القلب إلا فى هواك مقيم وفى كتابى سلافة العصر ونفحة الريحانة لشعراء مكة والمدينة فى القرن الحادى عشر الهجرى مدائح ومناجيات وتوسلات مختلفة (٣). وإذا تركنا الحجاز إلى اليمن لقينا قصيدة بديعة لأبى بكر العيذى ابتدأها بوصف غرام له بالحجاز ليس يدفعه، وينقاد له قلبه ويتبعه، ويأخذ فى وصف مكة ويذكر مناسك الحج منسكا منسكا، ثم ينتقل إلى وصف يثرب بمثل قوله (٤): وفى ربى يثرب غايات كلّ هوى ... يجلّ عن موقع الأشواق موقعه حيث النبوّة مضروب سرادقها ... والفضل شامخ طود الفخر أفرعه وخاتم الأنبياء المصطفى شرفا ... محمد باهر الإشراق مضجعه صلى الإله عليه ما تكرّر بالصّ ... لاة فرض مصلّ أو تطوّعه

стр. 2311

والقصيدة تكتظ بالحنين إلى الحج وزيارة قبر الرسول ﵇، حنينا يشمل كل المواضع هناك، وكأنما يريد أن يعانقها، فهى هواه وحبه وأماكن افتتانه وصبابته. وتكثر فى اليمن كما كثرت فى مكة والمدينة الأدعية والابتهالات كما يكثر الشعر الصوفى والمديح النبوى، وممن اشتهر بهما عبد الله (١) بن أسعد اليافعى اليمنى نزيل مكة وشيخ الحرم، ولد سنة ٦٩٨ ونشأ بعدن واختلف إلى العلماء فيها، وحج فى سنة ٧١٢ وعاد فأحب الخلوة والانقطاع عن الناس والسياحة فى الجبال، ولزم شيخا صوفيا يسمى الشيخ الطواشى، فسلكه فى الطريق. وعاد إلى مكة وجاور بها ملازما للعلماء نحو عشر سنوات، ورحل إلى الشام، كما رحل إلى مصر وكانت أكثر إقامته بها فى القرافة فى مشهد ذى النون المصرى. وعاد إلى الحجاز وجاور بالمدينة مدة ثم تركها إلى مكة، وعاد إلى اليمن سنة ٧٣٨ لزيارة شيخه الطواشى. وألقى عصاه بمكة وتوفى بها سنة ٧٦٨ وله فى الصوفية وتراجمهم كما مرّ بنا كتاب «روض الرياحين وحكايات الصالحين» ومن غزله الصوفى قوله (٢): قفا حدّثانى فالفؤاد عليل ... عسى منه يشفى بالحديث غليل أحاديث نجد علّلانى بذكرها ... فقلبى إلى نجد أراه يميل ولا تدكرا لى العامريّة إنها ... يولّه عقلى ذكرها ويزيل ولكن بذكرى عرّضا عندها فإن ... تقل كيف هو قولا بذاك غليل فإن تعطفى يشفى وإن تعرضى ففى ... هواك المعنّى المستهام قتيل وهو يصور حبه ووجده وهيامه بليلى العامرية رامزا بها إلى الذات الإلهية دون تغلغل فى حلول أو اتحاد أو فناء، فتصوفه تصوف سنى، يقف عند إعلان المحبة الإلهية ولا يعدوها، فهو محب مولّه، وحسبه أن يصور ولهه وحبه. وله بجانب هذا الغزل الصوفى مدائح نبوية كثيرة، من مثل قوله فى إحدى مدائحه (٣): نبىّ علا فوق السّموات منصبا ... بدا نوره من قبل نشأة آدم به الدّهر أضحى ضاحكا متبسّما ... عبوسا على أعدائه غير باسم علا فوق كل المصطفين مقرّبا ... بأعلى مقام ماله من مزاحم وهو فى البيت الأول يستلهم فكرة الحقيقة المحمدية المعروفة عند الصوفيين وما يتصل بها من فكرة أزلية النور المحمدى. وابنه عبد الرحمن يحاكيه فى الجانبين من شعر التصوف

стр. 2312

ثم المديح النبوى. ومن شعراء التصوف اليمنيين محمد بن إبراهيم بن الوزير (١)، وله ديوان سماه «مجمع الحقائق والرقائق فى ممادح رب الخلائق». وقد نشر فى القاهرة باسم مدائح إلهية، وعنى محمد بن إسماعيل الصنعانى الذى ترجمنا له بين شعراء الدعوة الوهابية بشرحه وسمى الشرح: «فتح الخالق فى شرح مجمع الحقائق». وقد ترجم له الشوكانى فى كتابه البدر الطالع ترجمة ضافية ذكر فيها أنه ولد سنة ٧٧٥ وقال إنه عنى بالتأليف وذكر بعض مؤلفاته، وقال إنه لم يلبث أن أقبل على العبادة وانقطع عن الناس حتى وافاه أجله سنة ٨٤٠ هـ/١٤٣٦ م. والديوان جميعه شعر صوفى سنى، ولكنه لا يتخذ الغزل وسيلة فى التعبير، بل يسلك إلى ذلك مسالك العباد النساك من التوجه إلى الله بالتضرع والرجاء وحسن التوكل والشكر والتخويف من غضب الله وطلب العفو منه والغفران، على شاكلة قوله فى التضرع والرجاء والتوكل: أرجّيك إذ كنت أهل الرّجا ... وأخشاك إنى من الظالمينا وأسألك العفو إذ كنت قد ... علمت بحبّك للسائلينا وفوّضت أمرى بعد الدّعا ... بحقّ إلى أحكم الحاكمينا إذا شئت أعفيتنى من ذنوبى ... وسامحت يا أرحم الرّاحمينا وهذا الذى أنت أهل له ... وأنت تحثّ به المحسنينا وأنت الذى قلت لا تقنطوا ... خطابا خصصت به المسرفينا وهو يشير فى البيت الأخير إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾. وهو يكثر من نظم الآيات القرآنية فى الديوان، وهذه الأبيات من أعذب ما فيه لغة وأسلوبا. وتبدو الكثرة وكأنها شعر وعظ مرصوف أو مركوم بعضه فوق بعض. وربما كان الذى دفع محمد بن إبراهيم بن الوزير إلى هذه الطريقة فى شعر التصوف معاصره إسماعيل (٢) بن أبى بكر المعروف بالمقرئ الشافعى شيخ الفقهاء فى زبيد وتهامة، فإنه حين رأى جماعة من صوفية زبيد أوهموا من ليس له كثير نباهة علو مرتبة ابن عربى ونفى العيب عن كلامه هاجمه وهاجم طريقته وكل ما اتصل بها من فناء فى الله جل شأنه ومن حلول واتحاد، وأودع ذلك قصائد طنانة كان لها دوى بعيد فى اليمن فانصرف الشعراء أو كثير منهم فى عصره-كما يبدو-عن الشعر الصوفى القائم على تصوير

стр. 2313

المحبة الإلهية، تصويرا ينتهى إلى الإيمان بالاتحاد بالذات العلية وما إلى ذلك مما يردده أصحاب المنزع الصوفى الفلسفى. ويفيض كتاب نشر العرف بشعر وعظ وزهد كثير فى الحقب المتأخرة على أنه ينبغى أن نذكر أنه شاع فى اليمن شعر صوفى متجوّل بأخرة من العصر كان المداحون يغنونه على نقر الطّار والطّبل، وأكثره فى المديح النبوى لأكبر صوفية اليمن عبد الرحيم البرعى، وسنخصه بكلمة مفردة. ويكثر المديح النبوى والشعر الصوفى فى حضرموت ويفيض كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين بهما وبزهديات كثيرة، حتى ليظن الإنسان أنه لم يوجد شاعر هناك إلا وتغنى بمديح الرسول ﷺ وببعض غزليات صوفية وأشعار زهدية، ولأبى بكر العيدروس (١) المتوفى سنة ٩١٤ هـ/١٥٠٨ م ديوان صوفى سماه محجة السالك وحجة الناسك وهو يزخر بالشعر الصوفى، وكثير منه بالعامية اليمنية، فهو-كما يسمونه-شعر حمينى. وهو صوفى سنى وجميع صوفية حضرموت سنيون ومن قوله: نعم لوصحّ تحقيقى شهودى ... لأشغلنى الشّهود عن المقال ولوحلّ اليقين صميم قلبى ... لكنت هجرت فى المولى الموالى ولو كان الحضور نزيل صدرى ... لما بالغير لذّ لى اتصالى وهو يصرح بأنه لم يصل إلى مرتبة الشهود للحضرة الإلهية فضلا عن الفناء فى الذات العلية وانفصاله عن وجوده البشرى، حتى لا يكون هناك موجود ولا مشهود سوى الله. وهو بذلك صوفى سنّى، ويناجى ربه مناجيات كثيرة خاشعا متضرعا، ويمدح الرسول ﷺ وهو يعد من كبار الصوفية الحضارمة. ولعمر (٢) بامخرمة المتوفى سنة ٩٥٢ هـ/ ١٥٤٥ م شعر صوفى تكثر فيه المناجيات والاستغاثات والتوسلات والمدائح النبوية ومن قوله فى أحد توسلاته: الله يا من لا إله نؤمّه ... إلا هو انظرنى بعين تفضّل يا من هو الله العظيم ومن له ال ... عرش العظيم ومن عليه توكلى يا من يغيث المستغيث بغوثه ... غوثاه أدركنى عدمت تحيّلى ومن متصوفة حضرموت عبد الله (٣) الحداد العلوى. وقد أنشد له الثقاف أشعارا كثيرة فى التصوف والزهد والمديح النبوى والرجاء والصبر على الشدائد وفى الأشواق والمواعظ وفى

стр. 2314

المناجاة والاستغاثة بالله، ومن قوله فى استغاثة نبوية: يا رسول الله يا أهل الوفا ... يا عظيم الخلق يا بحر الصّفا أنت بعد الله نعم المرتجى ... واللّجا يا مجتبى يا مصطفى يا ختام الرّسل يا خير الورى ... يا سريع الغوث أدرك من هفا وفى كتاب السقاف مالا يكاد يحصى من أشعار صوفية وزهدية ونبوية، وسنخص أحد من ترجم لهم وهو عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس بكلمة مجملة. وإذا تركنا حضرموت إلى عمان لاحظنا ما ذكرناه فى غير هذا الموضع من أن الشعر الصوفى لم يشع فى هذه البيئة لغلبة الخوارج عليها، إذ المعقول أن يشيع هناك شعر الزهد والتقشف لا شعر التصوف بفرعيه السنى والفلسفى. ونفس مدينة عمان الإمامية حينا والسنية حينا آخر لم تعن بالشعر الصوفى الخالص. ونجد لشاعر النبهانيين السنيين حكام عمان أحمد ابن سعيد الستالى الذى ترجمنا له بين شعراء المديح ميمية كلها ثناء على الله وعلى آلائه، ويختمها بدعوة حارة إلى الزهد والتقشف. ومن متأخرى الشعراء هناك الحبسى وقد ذكرنا أن له ديوانا افتتحه بقصائد نبوية بعدد حروف الهجاء. ونتحول إلى البحرين وطبيعى أن تسهم فى شعر الزهد، ومن يرجع إلى كتاب سلافة العصر يجد فيه لشعراء البحرين مناجيات ربانية، ومواعظ مؤثرة، وبعض أشعار صوفية من مثل قول أبى عبد الله محمد بن أبى شبابة البحرانى (١): لعمرى لقد ضلّ الدليل عن القصد ... وما لاح لى برق يدلّ على نجد فبتّ بليل لا ينام ومهجة ... تقلّب فى نار من الهمّ والوجد وقلت عسى أن أهتدى لسبيلها ... بنفحة طيب من عرار ومن رند (٢) وكم طامع فى حبّهم مات غصّة ... وقد كان يرضى بالمحال من الوعد ولابن مشرّف الأحسائى الذى ترجمنا له بين شعراء الدعوة الوهابية أشعار فى الدعوة إلى الزهد ورفض متاع الحياة، إذ تضحك وسرعان ما تبكى، وما سرورها إلا أضغاث أحلام، وحرى بالإنسان أن لا يبرح الموت خياله، وأن يظل رافعا له بيديه نصب عينيه، فكل من عليها فان، ولن ينفع المرء إلا ما قدمت يداه. وله مدحة نبوية يشيد فيها بالرسول ورسالته الربانية. وحرى بنا أن نقف الآن عند عبد الرحيم البرعى اليمنى وعبد الرحيم بن مصطفى العيدروس الحضرمى.

стр. 2315

عبد الرحيم البرعى (١) شاعر صوفى سنّىّ يمنى، وليس لدينا معلومات واضحة عن مولده ونشأته، ويقول ابن زباره: «هو عبد الرحيم بن على البرعى الهاجرى اليمنى سكن فى النيابتين من جبل برع باليمن، حيث اشتهر بالعلم والشعر، وتوفى سنة ٨٠٣ هـ/١٤٠١ م. وخطأ ما يقوله بروكلمان من أنه من شعراء القرن الخامس الهجرى وما يقوله نيكلسون من أنه من شعراء القرن الثانى عشر الميلادى. والديوان فى جمهوره مقسوم بين تسبيحات وتحميدات لله ومناجيات واستغاثات له وبيان وحدانيته ونعمه ولطفه ودلائل قدرته وبين مدح الرسول ﷺ والاستغاثة به والتوسل وبيان فضائله ومعجزاته وخصائصه وصفاته. وهو فى القسم الأول يعبّر تعبيرا حارا عن تعلقه بربه، ولا يتخذ لذلك صيغة الغزل الصوفى بالذات الإلهية وما يتبع ذلك من مجاهداته الروحية فى المحبة الصوفية ونشوته بشهود الجمال الربانى وما يبعث فيه من لوعة ووجد وهيام على نحو ما نجد عند ابن الفارض مثلا، إذ نجده يحاول بكل ما استطاع التخلص من عالمه المادى ليستغرق فى العالم الربانى بل ليمحى فيه محوا وليفنى فيه فناء مطلقا. وكأنما فنيت فيه أو محيت كل إرادة وكل شعور ولم يعد يحسّ شيئا إلا الذات العلية وجمالها الذى تفيض أشعته على الوجود. عبد الرحيم البرعى إذن ليس شاعرا صوفيا بهذا المعنى وإنما بمعنى آخر هو تمجيد الذات العلية دون اتخاذ رموز الحب الصوفى، وهو تمجيد يصور فيه عجائب الخلق الإلهى وعلم الله الذى وسع كل شئ وقدرته التى تسيطر على كل ذرة فى الكون، مع حمده على آلائه، ومع بسط بعض ما جاء فى القرآن من صفاته الربانية، ومع المناجيات والدعاء والوعظ الجميل والحض على التوبة والعمل الصالح، ومن بديع ماله قوله: قف بالخضوع وناد ربّك ياهو ... إن الكريم يجيب من ناداه واقصده منقطعا إليه فكلّ من ... يرجوه منقطعا إليه كفاه هو أوّل هو آخر هو ظاهر ... هو باطن ليس العيون تراه سل عنه ذرّات الوجود فإنها ... تدعوه معبودا لها ربّاه وهو يستخذم كلمة «هو» فى التعبير عن الذات الإلهية، وهو استعمال مألوف عند
следующие страницы →