← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

والقصيدة تكتظ بالحنين إلى الحج وزيارة قبر الرسول ﵇، حنينا يشمل كل المواضع هناك، وكأنما يريد أن يعانقها، فهى هواه وحبه وأماكن افتتانه وصبابته. وتكثر فى اليمن كما كثرت فى مكة والمدينة الأدعية والابتهالات كما يكثر الشعر الصوفى والمديح النبوى، وممن اشتهر بهما عبد الله (١) بن أسعد اليافعى اليمنى نزيل مكة وشيخ الحرم، ولد سنة ٦٩٨ ونشأ بعدن واختلف إلى العلماء فيها، وحج فى سنة ٧١٢ وعاد فأحب الخلوة والانقطاع عن الناس والسياحة فى الجبال، ولزم شيخا صوفيا يسمى الشيخ الطواشى، فسلكه فى الطريق. وعاد إلى مكة وجاور بها ملازما للعلماء نحو عشر سنوات، ورحل إلى الشام، كما رحل إلى مصر وكانت أكثر إقامته بها فى القرافة فى مشهد ذى النون المصرى. وعاد إلى الحجاز وجاور بالمدينة مدة ثم تركها إلى مكة، وعاد إلى اليمن سنة ٧٣٨ لزيارة شيخه الطواشى. وألقى عصاه بمكة وتوفى بها سنة ٧٦٨ وله فى الصوفية وتراجمهم كما مرّ بنا كتاب «روض الرياحين وحكايات الصالحين» ومن غزله الصوفى قوله (٢): قفا حدّثانى فالفؤاد عليل ... عسى منه يشفى بالحديث غليل أحاديث نجد علّلانى بذكرها ... فقلبى إلى نجد أراه يميل ولا تدكرا لى العامريّة إنها ... يولّه عقلى ذكرها ويزيل ولكن بذكرى عرّضا عندها فإن ... تقل كيف هو قولا بذاك غليل فإن تعطفى يشفى وإن تعرضى ففى ... هواك المعنّى المستهام قتيل وهو يصور حبه ووجده وهيامه بليلى العامرية رامزا بها إلى الذات الإلهية دون تغلغل فى حلول أو اتحاد أو فناء، فتصوفه تصوف سنى، يقف عند إعلان المحبة الإلهية ولا يعدوها، فهو محب مولّه، وحسبه أن يصور ولهه وحبه. وله بجانب هذا الغزل الصوفى مدائح نبوية كثيرة، من مثل قوله فى إحدى مدائحه (٣): نبىّ علا فوق السّموات منصبا ... بدا نوره من قبل نشأة آدم به الدّهر أضحى ضاحكا متبسّما ... عبوسا على أعدائه غير باسم علا فوق كل المصطفين مقرّبا ... بأعلى مقام ماله من مزاحم وهو فى البيت الأول يستلهم فكرة الحقيقة المحمدية المعروفة عند الصوفيين وما يتصل بها من فكرة أزلية النور المحمدى. وابنه عبد الرحمن يحاكيه فى الجانبين من شعر التصوف

стр. 2312

ثم المديح النبوى. ومن شعراء التصوف اليمنيين محمد بن إبراهيم بن الوزير (١)، وله ديوان سماه «مجمع الحقائق والرقائق فى ممادح رب الخلائق». وقد نشر فى القاهرة باسم مدائح إلهية، وعنى محمد بن إسماعيل الصنعانى الذى ترجمنا له بين شعراء الدعوة الوهابية بشرحه وسمى الشرح: «فتح الخالق فى شرح مجمع الحقائق». وقد ترجم له الشوكانى فى كتابه البدر الطالع ترجمة ضافية ذكر فيها أنه ولد سنة ٧٧٥ وقال إنه عنى بالتأليف وذكر بعض مؤلفاته، وقال إنه لم يلبث أن أقبل على العبادة وانقطع عن الناس حتى وافاه أجله سنة ٨٤٠ هـ/١٤٣٦ م. والديوان جميعه شعر صوفى سنى، ولكنه لا يتخذ الغزل وسيلة فى التعبير، بل يسلك إلى ذلك مسالك العباد النساك من التوجه إلى الله بالتضرع والرجاء وحسن التوكل والشكر والتخويف من غضب الله وطلب العفو منه والغفران، على شاكلة قوله فى التضرع والرجاء والتوكل: أرجّيك إذ كنت أهل الرّجا ... وأخشاك إنى من الظالمينا وأسألك العفو إذ كنت قد ... علمت بحبّك للسائلينا وفوّضت أمرى بعد الدّعا ... بحقّ إلى أحكم الحاكمينا إذا شئت أعفيتنى من ذنوبى ... وسامحت يا أرحم الرّاحمينا وهذا الذى أنت أهل له ... وأنت تحثّ به المحسنينا وأنت الذى قلت لا تقنطوا ... خطابا خصصت به المسرفينا وهو يشير فى البيت الأخير إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾. وهو يكثر من نظم الآيات القرآنية فى الديوان، وهذه الأبيات من أعذب ما فيه لغة وأسلوبا. وتبدو الكثرة وكأنها شعر وعظ مرصوف أو مركوم بعضه فوق بعض. وربما كان الذى دفع محمد بن إبراهيم بن الوزير إلى هذه الطريقة فى شعر التصوف معاصره إسماعيل (٢) بن أبى بكر المعروف بالمقرئ الشافعى شيخ الفقهاء فى زبيد وتهامة، فإنه حين رأى جماعة من صوفية زبيد أوهموا من ليس له كثير نباهة علو مرتبة ابن عربى ونفى العيب عن كلامه هاجمه وهاجم طريقته وكل ما اتصل بها من فناء فى الله جل شأنه ومن حلول واتحاد، وأودع ذلك قصائد طنانة كان لها دوى بعيد فى اليمن فانصرف الشعراء أو كثير منهم فى عصره-كما يبدو-عن الشعر الصوفى القائم على تصوير

стр. 2313

المحبة الإلهية، تصويرا ينتهى إلى الإيمان بالاتحاد بالذات العلية وما إلى ذلك مما يردده أصحاب المنزع الصوفى الفلسفى. ويفيض كتاب نشر العرف بشعر وعظ وزهد كثير فى الحقب المتأخرة على أنه ينبغى أن نذكر أنه شاع فى اليمن شعر صوفى متجوّل بأخرة من العصر كان المداحون يغنونه على نقر الطّار والطّبل، وأكثره فى المديح النبوى لأكبر صوفية اليمن عبد الرحيم البرعى، وسنخصه بكلمة مفردة. ويكثر المديح النبوى والشعر الصوفى فى حضرموت ويفيض كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين بهما وبزهديات كثيرة، حتى ليظن الإنسان أنه لم يوجد شاعر هناك إلا وتغنى بمديح الرسول ﷺ وببعض غزليات صوفية وأشعار زهدية، ولأبى بكر العيدروس (١) المتوفى سنة ٩١٤ هـ/١٥٠٨ م ديوان صوفى سماه محجة السالك وحجة الناسك وهو يزخر بالشعر الصوفى، وكثير منه بالعامية اليمنية، فهو-كما يسمونه-شعر حمينى. وهو صوفى سنى وجميع صوفية حضرموت سنيون ومن قوله: نعم لوصحّ تحقيقى شهودى ... لأشغلنى الشّهود عن المقال ولوحلّ اليقين صميم قلبى ... لكنت هجرت فى المولى الموالى ولو كان الحضور نزيل صدرى ... لما بالغير لذّ لى اتصالى وهو يصرح بأنه لم يصل إلى مرتبة الشهود للحضرة الإلهية فضلا عن الفناء فى الذات العلية وانفصاله عن وجوده البشرى، حتى لا يكون هناك موجود ولا مشهود سوى الله. وهو بذلك صوفى سنّى، ويناجى ربه مناجيات كثيرة خاشعا متضرعا، ويمدح الرسول ﷺ وهو يعد من كبار الصوفية الحضارمة. ولعمر (٢) بامخرمة المتوفى سنة ٩٥٢ هـ/ ١٥٤٥ م شعر صوفى تكثر فيه المناجيات والاستغاثات والتوسلات والمدائح النبوية ومن قوله فى أحد توسلاته: الله يا من لا إله نؤمّه ... إلا هو انظرنى بعين تفضّل يا من هو الله العظيم ومن له ال ... عرش العظيم ومن عليه توكلى يا من يغيث المستغيث بغوثه ... غوثاه أدركنى عدمت تحيّلى ومن متصوفة حضرموت عبد الله (٣) الحداد العلوى. وقد أنشد له الثقاف أشعارا كثيرة فى التصوف والزهد والمديح النبوى والرجاء والصبر على الشدائد وفى الأشواق والمواعظ وفى

стр. 2314

المناجاة والاستغاثة بالله، ومن قوله فى استغاثة نبوية: يا رسول الله يا أهل الوفا ... يا عظيم الخلق يا بحر الصّفا أنت بعد الله نعم المرتجى ... واللّجا يا مجتبى يا مصطفى يا ختام الرّسل يا خير الورى ... يا سريع الغوث أدرك من هفا وفى كتاب السقاف مالا يكاد يحصى من أشعار صوفية وزهدية ونبوية، وسنخص أحد من ترجم لهم وهو عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس بكلمة مجملة. وإذا تركنا حضرموت إلى عمان لاحظنا ما ذكرناه فى غير هذا الموضع من أن الشعر الصوفى لم يشع فى هذه البيئة لغلبة الخوارج عليها، إذ المعقول أن يشيع هناك شعر الزهد والتقشف لا شعر التصوف بفرعيه السنى والفلسفى. ونفس مدينة عمان الإمامية حينا والسنية حينا آخر لم تعن بالشعر الصوفى الخالص. ونجد لشاعر النبهانيين السنيين حكام عمان أحمد ابن سعيد الستالى الذى ترجمنا له بين شعراء المديح ميمية كلها ثناء على الله وعلى آلائه، ويختمها بدعوة حارة إلى الزهد والتقشف. ومن متأخرى الشعراء هناك الحبسى وقد ذكرنا أن له ديوانا افتتحه بقصائد نبوية بعدد حروف الهجاء. ونتحول إلى البحرين وطبيعى أن تسهم فى شعر الزهد، ومن يرجع إلى كتاب سلافة العصر يجد فيه لشعراء البحرين مناجيات ربانية، ومواعظ مؤثرة، وبعض أشعار صوفية من مثل قول أبى عبد الله محمد بن أبى شبابة البحرانى (١): لعمرى لقد ضلّ الدليل عن القصد ... وما لاح لى برق يدلّ على نجد فبتّ بليل لا ينام ومهجة ... تقلّب فى نار من الهمّ والوجد وقلت عسى أن أهتدى لسبيلها ... بنفحة طيب من عرار ومن رند (٢) وكم طامع فى حبّهم مات غصّة ... وقد كان يرضى بالمحال من الوعد ولابن مشرّف الأحسائى الذى ترجمنا له بين شعراء الدعوة الوهابية أشعار فى الدعوة إلى الزهد ورفض متاع الحياة، إذ تضحك وسرعان ما تبكى، وما سرورها إلا أضغاث أحلام، وحرى بالإنسان أن لا يبرح الموت خياله، وأن يظل رافعا له بيديه نصب عينيه، فكل من عليها فان، ولن ينفع المرء إلا ما قدمت يداه. وله مدحة نبوية يشيد فيها بالرسول ورسالته الربانية. وحرى بنا أن نقف الآن عند عبد الرحيم البرعى اليمنى وعبد الرحيم بن مصطفى العيدروس الحضرمى.

стр. 2315

عبد الرحيم البرعى (١) شاعر صوفى سنّىّ يمنى، وليس لدينا معلومات واضحة عن مولده ونشأته، ويقول ابن زباره: «هو عبد الرحيم بن على البرعى الهاجرى اليمنى سكن فى النيابتين من جبل برع باليمن، حيث اشتهر بالعلم والشعر، وتوفى سنة ٨٠٣ هـ/١٤٠١ م. وخطأ ما يقوله بروكلمان من أنه من شعراء القرن الخامس الهجرى وما يقوله نيكلسون من أنه من شعراء القرن الثانى عشر الميلادى. والديوان فى جمهوره مقسوم بين تسبيحات وتحميدات لله ومناجيات واستغاثات له وبيان وحدانيته ونعمه ولطفه ودلائل قدرته وبين مدح الرسول ﷺ والاستغاثة به والتوسل وبيان فضائله ومعجزاته وخصائصه وصفاته. وهو فى القسم الأول يعبّر تعبيرا حارا عن تعلقه بربه، ولا يتخذ لذلك صيغة الغزل الصوفى بالذات الإلهية وما يتبع ذلك من مجاهداته الروحية فى المحبة الصوفية ونشوته بشهود الجمال الربانى وما يبعث فيه من لوعة ووجد وهيام على نحو ما نجد عند ابن الفارض مثلا، إذ نجده يحاول بكل ما استطاع التخلص من عالمه المادى ليستغرق فى العالم الربانى بل ليمحى فيه محوا وليفنى فيه فناء مطلقا. وكأنما فنيت فيه أو محيت كل إرادة وكل شعور ولم يعد يحسّ شيئا إلا الذات العلية وجمالها الذى تفيض أشعته على الوجود. عبد الرحيم البرعى إذن ليس شاعرا صوفيا بهذا المعنى وإنما بمعنى آخر هو تمجيد الذات العلية دون اتخاذ رموز الحب الصوفى، وهو تمجيد يصور فيه عجائب الخلق الإلهى وعلم الله الذى وسع كل شئ وقدرته التى تسيطر على كل ذرة فى الكون، مع حمده على آلائه، ومع بسط بعض ما جاء فى القرآن من صفاته الربانية، ومع المناجيات والدعاء والوعظ الجميل والحض على التوبة والعمل الصالح، ومن بديع ماله قوله: قف بالخضوع وناد ربّك ياهو ... إن الكريم يجيب من ناداه واقصده منقطعا إليه فكلّ من ... يرجوه منقطعا إليه كفاه هو أوّل هو آخر هو ظاهر ... هو باطن ليس العيون تراه سل عنه ذرّات الوجود فإنها ... تدعوه معبودا لها ربّاه وهو يستخذم كلمة «هو» فى التعبير عن الذات الإلهية، وهو استعمال مألوف عند

стр. 2316

الصوفية وخاصة فى شعر الذكر، إذ يهتفون: «هو هو» بسكون الواو وكأن كل ما فى الوجود يغيب عنهم ما عدا الله، وهم يصيحون بكلمة هو وكأنها تعيّنه وحده دون سواه مع عرفانهم به وبربوبيته. والقصيدة من أهم قصائد الغناء فى اليمن (١). ويستمر البرعى فى القصيدة بمثل قوله: أبدى بمحكم صنعه من نطفة ... بشرا سويّا جلّ من سوّاه وبنى السموات العلى والعرش وال ... كرسىّ ثم علا الجميع علاه ودحا بسيط الأرض فرشا مثبتا ... بالرّاسيات وبالنبات حلاه (٢) تجرى الرياح على اختلاف هبوبها ... عن إذنه والفلك والأمواه وهو هنا يتحدث عن قدرة الله العظيمة وخلقه للإنسان وصنعه للكون وبسطه للأرض وتثبيتها برواس من الجبال وتزيينها بنبات بهيج، وتسخير الرياح بين السماء والأرض وإجراء الفلك فى البحر بريح طيبة، وكل هذا يستمده من الذكر الحكيم لبيان قدرة الله التى تبسط سلطانها على كل ما فى العالم كما قال جلّ شأنه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ فقدرته لا تحدّها حدود. ويختم القصيدة بالتوسل إلى الله برسوله أن يشمله برحمته وكرمه وغفرانه ورعايته ورضاه، يقول: يا ذا الجلال وذا الجمال وذا الكرم ... يا منعما عمّ الأنام نداه اقبل توسّلنا بفضل محمد ... وبمن له فضل لديك وجاه واشدد عرى عبد الرّحيم برحمة ... إن الحوادث قد فصمن عراه وأنله فى دنياه كلّ كرامة ... وقه الذى يخشاه فى أخراه وأذقه برد رضاك عنه فلم يخب ... من كان عينك بالرّضا ترعاه وتكثر هذه التوسلات فى الديوان مع إعلان الطاعة والخضوع والتذلل لرب العالمين تذلل النفوس المخلصة المحبة لربها حبا يستأثر منها بمشاعرها وعواطفها فلا تستطيع عن تمجيد ربها انصرافا ولا حولا. ويقابل هذا القسم فى الديوان قسم ثان يمكن أن نطلق عليه اسم المديح النبوى ولكنه مديح من نوع خاص مديح كله شغف وحب وتوله وهيام ووجد وبيان لمعجزات الرسول وفضائله وشيمه الكريمة. ولا تخلو مدحة من التوسل والتضرع إليه ليكون له شفيعا عند ربه، فيشمله بعفوه ويرعاه فى دنياه وأخراه، ونسوق بعض أبيات من مدحة نونية له: والله ما حملت أنثى ولا رضعت ... كمثل أحمد من قاص ولا دانى

стр. 2317

مهذّب شرّف الله الوجود به ... وخصّه بدلالات وبرهان ومعجزات بعدّ الرّمل لو كتبت ... لم يحصها ماء سيحان وجيحان محمد سيّد الكونين والثّقلي ... ن والفريقين من عجم وعربان وسيحان وجيحان نهران فى آسيا الصغرى. والأبيات عذبة، ومدائح البرعى للرسول ﷺ من أسلس المدائح النبوية وأخفها وقعا على الآذان، بل إنها لتمتع الأسماع حين تصغى إليها كما تمتع الألسنة حين تنطق بها لما تمتاز به من صفاء وحلاوة موسيقية. ومن روائع توسلاته قوله فى خواتيم هذه المدحة: يا سيّدى يا رسول الله يا أملى ... يا موئلى يا ملاذى يوم يلقانى هبنى بجاهك ما قدّمت من زلل ... جودا ورجّح بفضل منك ميزانى واسمع دعائى واكشف ما يساورنى ... من الخطوب ونفّس كلّ أحزانى وامنع حماى وأكرمنى وصل نسبى ... برحمة وكرامات وغفران وكل أمله فى هذا التوسل برسول الله ﷺ أن يتقبله فى ساحته وأن يكون ملاذه وأن يغفر له زلله وعثراته، وأن يجعله ممن ثقلت موازين حسناته، حتى يستحق رضوان ربه ونعيمه وفردوسه، وأن يكشف عنه كل ما يوائبه من الخطوب وينازله، وأن يدفع عنه كل أحزانه وهمومه، وأن يحمى حماه. وأن يسبغ عليه كرمه ورحمته وغفرانه. والرسول ﷺ بذلك هو الشفيع المشفع لأفراد أمته، ممن يمنحهم الغفران والإقالة من الخطيئات والفوز بالجنان، كما يمنحهم العون فى الكوارث والخطوب وينقذهم من الضلال ويفرج عنهم الهموم، إنه الإنسان الكامل الذى يتقبل الله منه شفاعاته، وهو كمال فى الخلق والشيم لا يزال البرعى يتغنى به وبما أجرى الله على يديه من معجزات، بل إنه يقول: كانت نبوته وآدم صورة ... فى الماء والطّين المصوّر منهما وبه وجود الكون من عدم فقد ... ملأ الزمان تفضّلا وتكرّما ونحس فى البيتين إيمانه بالحقيقة المحمدية التى تغنى بها البوصيرى وغيره، إذ يستلهمون الأثر المشهور: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» وكأن حقيقته أقدم من خلق آدم، وإن الكون كله ليستمد وجوده منه كما يقول البرعى فى البيت الثانى، وكأنه مبدأ الحياة، الذى يسرى فى كيان الوجود كله. ويقول فيه مادحا: من نور ذى العرش معناه وصورته ... ومنشأ النور من نور يجسّمه فهو من نور الله، وكل نور فى الوجود ناشئ من نوره، فنوره يشاهد فى كل نور. ويردد البرعى دائما فضائل الرسول المثالية الرفيعة. وله مخمسان بديعان فى وصف تلك

стр. 2318

الفضائل، استهل أولهما بقوله: بمحمّد خطر المحامد يعظم ... وعقود تيجان العقود تنظّم وله الشفاعة والمقام الأعظم ... يوم القلوب لدى الحناجر كظّم فبحقّه صلّوا عليه وسلّموا ويدور الشطر الأخير مع كل بيتين تاليين، وبذلك جعل المخمس صالحا لأن ينشده منشد وترد عليه جماعة بالشطر الخامس. وعلى شاكلة هذا المخمس مخمسه الثانى، وقد جعل الشطر المكرر فيه: «صلوا عليه وسلموا تسليما». ونبوياته بحق رائعة وقد شغف بها المغنون الجوّالون فى اليمن يغنونها ويوقعون أشعارها على الطّارات أزمنة متطاولة. عبد الرحمن العيدروس (١) حضرمى من بيت علم وفضل، ولد بمدينة تريم فى سنة ١١٣٦ هـ/١٧٢٣ م، وبها نشأ فى رعاية أبيه وجده فحفظ القرآن الكريم وشدا العربية، وتفقه على الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه. وسافر مع أبيه إلى الهند، وكثرت رحلاته بعد ذلك، فقد عاد منها، بعد أن تزوّد من علمائها زادا حسنا. وذهب إلى مكة للحج وأخذ عن شيوخ الحجاز، وزار مصر سنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٥ وعاد إلى مكة وسكن الطائف، ثم زار مصر سنة ١١٦٢ هـ/١٧٤٨ م فمكث بها عاما واحدا وعاد إلى الطائف، ثم رأى أخيرا أن يستوطن مصر فنزلها بأسرته سنة ١١٧٤ هـ/١٧٦٠ م وفى أثناء استيطانه مصر زار دمشق سنة ١١٨٢ وزار الآستانة سنة ١١٩١ وعاد إلى مصر وتوفى بها سنة ١١٩٢ هـ/١٧٧٨ م ودفن فى مقام العتريس إلى جانب مسجد السيدة زينب. وكانت قد طارت شهرته بالصلاح والنسك فى حياته. وتعلق به شيوخ الطرق الصوفية. وله مصنفات كثيرة، تغلب عليه فيها النزعة الصوفية، ويذكرون له شرحا على بيتى ابن العربى: إنما الكون خيال ... وهو حقّ فى الحقيقه كلّ من يفهم هذا ... حاز أسرار الطريقه وهو لا يغلو غلوه فى التصوف الفلسفى، فليس فى أشعاره حلول ولا اتحاد بالذات العلية ولا شعور بأن فيه قبسا من الحقيقة الإلهية ولا أنه ينعم برؤية النور الربانى. وحقا نجد

стр. 2319

عنده بعض أحاديث عن الفناء وعن المحو والصّحو، ولكن لا تظن أنه يستغرق فى ذلك استغراق ابن عربى، أو حتى استغراق ابن الفارض، كأنه يلمّ بظاهر من ذلك دون توغل فيه، كما يلم بالخمر ونشوتها على طريقة الصوفيين، ولكن دون أن تسلبه حواسه على شاكلة قوله: أنعشتنى خمرة للغير تمحو ... فاعتلالى بالهوى القدسىّ شطح عاذلى كن عاذرى أو عاذلى ... أنا من خمر التجلّى لست أصحو أنا فان والفنا عين البقا ... فى رشا من دونه سيف ورمح هام شخص القلب من خمر الفنا ... فهو من تلك الحميّا ليس يصحو أنا فى محو وصحو دائما ... حيث لى فى مجمع البحرين سبح وكل ما يمكن أن يقال عن تصوفه هو أن فكرة الفناء الصوفية وما يتصل بها من فكرة المحو حتى لتزول فى المتصوف جميع الصفات البشرية ليكون على استعداد لشهود ربه، وأيضا فكرة الصحو وأنه يظل له القرب والشهود للذات العلية دون سكر، كل ذلك نجد ظاهرا منه عند العيدروس، ولكن لا نجد حرارة ولا استغراقا فى لذة الفناء المسكرة كما يقول المتصوفة، ومن خير غزلياته غزلية يشدو بها اليمنيون ويتغنون بها إلى اليوم يستهلها بقوله: شرح الدمع على متن الخدود ... ما ألاقيه من الظّبى الشّرود يا لقومى من غزال صادنى ... وعجيب رشأ صاد الأسود أهيف القامة فى وجنته ... جنّة الخلد ونيران الخلود غصن حسن قد سقى ماء البها ... مثمرا-أضحى برمّان النّهود وواضح أن هذا الغزل الإلهى لا يفترق فى شئ عن غزل الحب الإنسانى، حتى ليؤمن من يقرؤه لأول وهلة أنه غزل فى فتاة حقيقية صبت قلب العيدروس بجمالها المغرى. وكأنى به يتأثر فى هذا الغزل المادى بديوان ابن عربى: «ترجمان الأشواق» الذى يكتظ بالوصف الحسى لجمال محبوبته، حتى ليظن قارؤه أنه يتغزل غزلا إنسانيا، وهو إنما يرمز به إلى حبه الربانى. ويمضى العيدروس منشدا: أيها الظّبى التفت نحو الحشا ... أيها الشمس أزل نار الصدود عطفة بالقدّ من هذا الجفا ... وأبيك العطف من شأن القدود كم أرى بارق وعد أومضا ... قد مضى وقت المعنّى فى وعود وصلاة الله تغشى المصطفى ... ما تلالا البرق من أقصى النّجود وهو يتمنى لفتة من الظبى الشرود أو قبسا من الشمس الهادية يطفئ غليل ظمئه،

стр. 2320

ويأمل فى عطفة نحوه أو فى وصل طالما رأى بروق وعوده، وكأنه دائما فى هجر وفراق ومطل وبين وإنه ليتوسل إلى ربه ضارعا أن يمنحه القرب والشهود، وإنه ليشكو دائما من الضّنّ بالوصال، يقول: أتسأل عن عينى لما هى تدمع ... وجسمى نحيل والحشا يتقطّع ولونى كئيب والفؤاد بحسرة ... ومالى سهير الطّرف والقلب موجع فما نالنى هذا سوى من فراق من ... له النّور يبدو فى البقاع ويلمع فهو دائم البكاء، حتى لقد شحب جسمه وضؤل، وحتى لقد تقطّعت أحشاؤه واكتأب لونه والتاع فؤاده، ودائما مسهّد الطرف ساهره، وقلبه مكتظ بالأوجاع واللوعات لهجر محبوبه الذى يملأ العالم بنوره، وهو ما ينى يذكره ويرسل دموعه، لعل محبوبه-كما يقول-يعطف عليه ويخلصه من عذاب الهجر وأوصابه ومن قوله: ألهيتنى عن جهاتى ... يا راحتى يا حياتى ما ضرّ يا من سبانى ... لوجدت لى بالتفات بالله يا من رمانى ... بأسهم صائبات عطفا على الصّبّ عطفا ... من قبل كأس الممات وهو يصرّح فى الشطر الأول من هذه الأبيات بأنه لم يعد يشعر بمكانه ولا بما حول مكانه، وكأنما غاب عن وجوده، ونتأهب لكى يتحدث لنا عن وجوده الإنسانى وفنائه فى الوجود الربانى، وكأنما لم يعد له وجود ذاتى، أو كأنه يدخل عالم الفناء الصوفى أو عالم الشهود الإلهى، ولكنه لا يستمر فى بيان ذلك، وكأنه استعار الشطر من ابن عربى وأمثاله، ولم يفكر فى الشهود ولا فى الفناء. ولا نريد أن ننفى بذلك عنه صفة التصوف، فهو متصوف سنى، لا يتعمق فى تصوفه تعمقا من شأنه أن يجعله يتجرد من حواسه ومن وجوده ومن كيانه المادى. وله يائية يعارض بها يائية ابن الفارض يقول فى فواتحها: صاحبى عرّج على نجد وحىّ ... أهل حىّ لم يكن يحكيه حىّ وهو إنما يعارض بيائيته ظاهرا من يائية ابن الفارض، فليس عند وجده ولا التياعه ولا مجاهداته فى الوصول إلى مرتبة الشهود ولا شغفه بالجمال المطلق وفيوضاته الإلهية. لم يكن العيدروس يتعمق فى تصوفه هذا التعمق، فتصوفه إنما كان تصوفا سطحيا نجد عنده لغة الصوفية ومصطلحاتهم ولكن دون حرارة ودون وله جارف.

стр. 2321

الفصل الخامس النّثر وأنواعه ١ - تنوع الكتابة كانت نجد أقل بيئات الجزيرة عناية بالكتابة لصعوبة حصولها على الورق والحبر وغيرهما من وسائلها المادية، وأغلب الظن أن الإمارتين اللتين تأسستا فى شرقيها لأوائل هذا العصر: إمارة بنى مزيد فى الحلّة وبنى عقيل فى الموصل كانتا تعنيان بالكتابة، فابن خلكان يذكر أن على بن أفلح الكاتب الشاعر المتوفى سنة ٥٣٧ للهجرة كان يكتب بين يدى أمير من أمراء بنى مزيد فى شبيبته (١) ونظن أنه كان لأمراء بنى عقيل كتاب يكتبون بين أيديهم على شاكلة ابن أفلح كاتب بنى مزيد. غير أنه ليس بين أيدينا رسائل للإمارتين جميعا، مما يدل على أن هذا النشاط الكتابى فيهما كان محدودا. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه نشأت فى الشمال الغربى للجزيرة إمارات بدوية لآل فضل وآل مرا وآل على، كانت تدين بالولاء لحكام مصر من الأيوبيين والمماليك، وفى صبح الأعشى مراسيم كثيرة صادرة من مصر بإمرة أمرائهم، وكذلك لآل مهدى فى البلقاء، غير أننا لا نعثر بردّ من أحدهم أو بعبارة أدق برسالة موجهة إلى مصر أو أحد حكامها المختلفين، وبالمثل لا نجد كتابات أو كتبا موجهة من أواسط نجد إلى خارجها، فقد كانت بعيدة عن الحضارة وأكثر بداوة من أطرافها الشرقية والغربية، ولعل ذلك ما جعل القلقشندى يقول: «إنه لا اعتناء لأهل البادية بفن الإنشاء جملة، وإنما يكتب عنهم بحسب ما يقتضيه حالهم، على أن فيما يأتون به مقنعا من الفصاحة والبلاغة بكل حال، إذ عنهم قد علم اللسان وعليهم فيه يعوّل (٢)». وهو قول دقيق وصحيح. وإذا تركنا نجدا إلى الحجاز وخاصة مكة وجدنا أمراءها يتخدون كتّابا للإنشاء، أو بعبارة أدق ليكتبوا ما يريدون من رسائل فى مخاطبة سلاطين مصر وحكام اليمن والعراق.

стр. 2322

وفى صبح الأعشى عهد فى صورة يمين لأبى نمىّ أمير مكة حلف بها لقلاوون. وفيه صور مختلفة لتنصيب أمراء مكة والمدينة وما كان يكتبه لهم سلاطين المماليك فى هذا التنصيب (١)، إذ كان لهم أمر توليتهم وعزلهم، فقد كانتا تتبعان مصر منذ عصر الأيوبيين، بل فى حقب كثيرة منذ عصر الفاطميين. وكانت مصر فى أثناء ذلك هى التى تعيّن أصحاب الوظائف الكبرى فى البلدتين، وخاصة فى القضاء وفى مشيخة الحرم النبوى، وفى صبح الأعشى نماذج مختلفة لهذا التعيين، تذكر فيها واجبات الوظيفة (٢). ويكثر تبادل الرسائل الشخصية بين العلماء والأدباء فى مكة والمدينة والطائف على نحو ما يلقانا فى كتاب سلافة العصر لابن معصوم، وتلقانا فيه خطب زواج طريفة إذ ظلوا يحتفظون فى عقد الزواج بهذا التقليد القديم، وهى خطب منمقة يشيع فيها السجع، على نحو ما نقرأ لأحد القضاة، وهو تاج الدين بن أحمد إمام المالكية بالمسجد الحرام من قوله فى خطبة زواج: «إن الزواج جنّة تتّقى بها الفتنة، وجنّة يتلى على متفيّئ ظلالها: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ تثمر رياضه الرحمة بين الزوجين والوداد، وتطلع زينة الحياة الدنيا إذا احتملت غرائسه ثمرة الفؤاد، وتسفر ليلته عن طرّة صبح تحت أذيال الدّجى، ويتبلّج يومه عن شمس تتوارى بحجاب الحجال (٣) والحجا، وهو الغرض الذى لا يخطئ قاصده الإصابة، والعرض الذى لا يقوم إلا بجوهر أفخر عصابة، والحصن الذى يعتصم به عن الوقوع فى حمى الحرج، ويحتمى به من مصارع الرجال التى هى ما بين معترك الأحداق والمهج، والوسيلة التى يتوسّل بها الآخذ بزمام التقوى إلى مطلوبه، وينشده بلبل الأفراح هنيئا لمن أمسى سمير حبيبه، وناهيك فى فضله ما ورد فيه من الآيات، والأحاديث الثابتة فى صحيح الروايات (٤)» والتنميق فى الخطبة واضح. ومرّ بنا فى الحديث عن الثقافة كيف تحول الحرمان: المكى والمدنى إلى ما يشبه جامعتين كبيرتين لكثرة العلماء من كل صنف فى البلدتين المقدستين ولكثرة المجاورين بهما من كبار علماء العالم الإسلامى. وشاعت منذ القرن الخامس الهجرى كتابة الإجازات العلمية، فالعالم الكبير يكتب لبعض طلابه النابهين إجازات بمروياته ومصنفاته، وعادة يذكر من أخذ عنهم المرويات من شيوخه، ويكتب فى صدر الإجازة تنويها بالعلم وفضله وبالتلميذ ونباهته، ثم يسرد المؤلفات والمرويات. وبجانب هذه الإجازات أخذ يتكاثر تقريظ

стр. 2323

الكتب المصنفة، وعادة كان المصنف لكتاب يعرضه على عالم كبير إما من علماء الحرمين المقيمين وإما من العلماء المجاورين بالمدينتين. وقد ساق مؤلف كتاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين طائفة من التقريظات لمصنفاته فى ترجمته بالجزء الأول من كتابه (١)، وهى تصور مدى ما كان يأخذ به المقرّظون لكتاب أنفسهم بتنميق كلامهم أو شهاداتهم وبنائها على السجع وما يشيع فيه من جمال فى الجرس والأداء. ولعل قطرا فى الجزيرة العربية لم تزدهر به الكتابة كما ازدهرت فى اليمن، ونلاحظ هذا الازدهار منذ عهد الدولة الصليحية الإسماعيلية (٤٣٩ - ٥٣٢ هـ) إذ كانت تتخذ لنفسها ديوانا للإنشاء، ومن كبار الكتاب فيه الحسين بن على بن القمّ الشاعر النابه الذى ترجمنا له بين الشعراء وله ديوان رسائل لما ينشر، وسنعرض لرسالة سياسية له وأخرى شخصية. وقد ذيل السيد حسين بن فيض الله الهمدانى كتابه «الصليحيون والحركة الفاطمية فى اليمن» بطائفة من الرسائل المتبادلة بين الحكام الصليحيين والخلفاء الفاطميين، وهى رسائل نفيسة لا لما تصور من شئون السياسة فحسب، بل أيضا لما تصور من نشاط الكتابة الفنية وازدهارها فى اليمن منذ القرن الخامس الهجرى. وكان يعاصر الصليحيين دولة آل نجاح فى زبيد، ونجد بين أمرائها أديبا نابها هو جيّاش بن نجاح صاحب كتاب المفيد فى أخبار زبيد الذى اختصره عمارة اليمنى، وكان يضم شعراء زبيد وأدباءها، وقد وضع للكتاب مقدمة مسجوعة احتفظ عمارة بكثير منها. وأهم من ذلك أن عمارة يقول إنه كان له ترسل جيد بعيد من الكلفة وإنه رأى منه عدة مجلدات، ويقول إنه عمل ممتع، مقدما بذلك لترجمته فى المختصر. ومن فقهاء هذه الدولة الحسن بن أبى عقامة كما مرّ بنا، وكان شاعرا قتله جياش بن نجاح، ويقول الجندى عنه «إليه تنسب الخطب العقامية، وله شعر فائق، وترسل رائق» (٢). وبالمثل بعث بنوزريع بعدن (٤٧٦ - ٥٦٩ هـ) حركة أدبية قوية وكان لهم ديوان إنشاء اشتهر فيه غير كاتب مثل أبى بكر العيذى، وفيه يقول عمارة اليمنى فى صدر ترجمته بكتابه مختصر المفيد: «سمعت الشيخ الموفق أبا الخلال فى الأيام الفائزية (أيام الخليفة الفائز الفاطمى) والقاضى الجليس أبا المعالى عبد العزيز، وهما يومئذ صاحبا ديوان الإنشاء للدولة العلوية (الفاطمية) وما منهما إلا من يقول: لم يصل إلينا من الآفاق، ولا رأينا لكتّاب الشام والعراق، أحسن من مكاتبات ترد علينا من جزيرة اليمن من إنشاء الشيخ الأديب الفاضل أبى العتيق أبى بكر بن محمد العيذى بعدن فإن له بلاغة تشهد عذوبة مطبوعها بكرم ينبوعها، وألفاظا تدل معانيها على فضل معانيها» وكان شاعرا

стр. 2324

بارعا، ومرّ بنا بعض شعره. ولما فتح توران شاه اليمن حاول أن يتخذه كاتبا له، فامتنع. وليس بين أيدينا شئ من رسائله لا هو ولا ابن أبى عقامة ولا جياش، ولكن على كل حال فيما قدمنا ما يدل على ازدهار الكتابة باليمن. وندخل فى عهد جديد هو عهد الأيوبيين، وسرعان ما تقوم بها الدولة الرسولية (٦٢٦ - ٨٥٨ هـ) وتعنى بالكتابة الديوانية، ويحتفظ كتاب العقود اللؤلؤية للخزرجى ببعض عهود من الأمراء إلى أولياء عهودهم وببعض رسائل سياسية، ويتبادل الرسوليون الكتب والرسائل بينهم وبين سلاطين المماليك، وفى صبح الأعشى رسائل كثيرة موجهة من هؤلاء السلاطين إلى الرسوليين (١). ويبدو أن الكتابة كانت نشطة فى بيئة الأئمة الزيدية، وفى صبح الأعشى ما يدل على كثرة المكاتبة بينهم وبين سلاطين المماليك، إذ ينص على رسم المكاتبة إليهم وأنها كانت، «أدام الله تعالى-أو ضاعف الله تعالى-نعمة-أو جلال-الجانب الكريم العالى السيدىّ الإمامى الشريفى النسيبى الحسنىّ العلامىّ سليل الأطهار، جلال الإسلام، شرف الأنام، بقية البيت النبوىّ، فخر النسب العلوىّ، مؤيّد أمور الدين، خليفة الأئمة، رأس العلياء، صالح الأولياء، علم الهداة، زعيم المؤمنين، ذخر المسلمين، منجد الملوك والسلاطين، ولا زال زمانه مربّعا، وغيله مسبعا، وقراه مشبعا، وكرمه لفيض نداه منبعا، وهداه حيث أمّ بالصفوف متّبعا (٢). .» وفى ذلك ما يدل على أن المراسلة بين هؤلاء الأئمة الزيديين وسلاطين مصر كانت لا تنقطع. وطبيعى أن تكثر الإجازات فى اليمن كما كثرت فى المدينتين المقدستين بالحجاز. وتكثر تقاريظ الكتب، من مثل تقريظ القاضى شرف الدين إسماعيل بن أبى بكر المعروف بالمقرئ اليمنى لأحد مصنفات صاحب العقد الثمين إذ يقول: «وقفت على هذا التأليف التالى فوائد العبر، والآتى بأحاديث المواعظ الحسان بأصح خبر، فلله در مصنفه من إمام حافظ، وبحر بجواهر العلوم لافظ، ولاحق، برّز على السابق، وبذل فى علو مرتبة الأعلام الحفاظ موافق، بلّغه الله غاية الأمنية، وأجزل ثوابه على هذا المقرون بحسن النية». وطبيعى أن تكثر المواعظ باليمن، واشتهر فيها وعاظ كثيرون من أهمهم الشيخ الصالح أحمد بن علوان المتوفى سنة ٦٦٥ وله فى الوعظ كتاب نحى فيه نحو ابن الجوزى، وله فى التصوف فصول كثيرة وكلمات مأثورة بديعة (٣). وامتازت اليمن بأخرة من هذا العصر

стр. 2325

بكتابات أدبية فكهة سنعقد لها حديثا مستقلا فى غير هذا الموضع. وكل ما لقيناه فى اليمن من نشاط كتابى نلتقى به فى حضرموت. فهناك الرسائل السياسية والشخصية وهناك الإجازات، من مثل إجازة الشيخ الحسن بن صالح البحر لتلميذه السيد عيدروس بن عمر، وقد جاء فى صدرها: «الحمد لله جامع الظواهر والسرائر، على ما يحبه ويرضاه الأول والآخر، حتى ترتفع عنها الستائر، وتتجلى لها من ظلمات الأغيار البصائر، وتقبل بكليتها على من هو الباطن والظاهر، لترتقى بعين عنايته ورعايته إلى تلك الحظائر، ولم تزل تعتلى بعمارة ظواهرها وسرائرها بما تشاهده تلك النواظر، وتتجلّى وراء ما هو آفل وغابر، حتى تشاهد الجمال المطلق بقيومية من هو فوق عباده قاهر، حتى يأتيها النداء: إنّ هذا جمال لا أول له ولا آخر (١)». ويظل طويلا فى هذه النغمة الروحية الصوفية، وكأنه يريد أن يصل تلميذه مع أخذه عنه لمصنفاته بنور الذات العلية المطلق الذى تعم الوجود أضواؤه. وظلت عمان تحتفظ بنشاط كتابى طوال العصر، وقد عنى نور الدين السالمى بعرضه فى كتابه «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان». وفى طليعة ما نجد عنده كتاب كتب به الإمام راشد ابن سعيد الإباضى الذى دانت له عمان جميعها سنة ٤٤٢ للهجرة بعد قضائه على ملك بنى مكرم الشيعة الإماميين ولاة البويهيين هناك. والكتاب موجه إلى أحد ولاته وهو يستهله على هذا النمط: «إنى أوصيك بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والانتهاء عما حرم الله عليك فى زواجره، والعمل بما أمرك الله به من أوامره، فيما ساءك أو سرك، ونفعك أو ضرّك، وأن تأمر بالمعروف وتعمل به، وتنهى عن المنكر وتكفّ [الناس] عن فعله، ولتحذر من خدائع الشيطان، ومن يؤازره على ذلك من الأعوان (٢)». وواضح أن الكتاب يحفل بالسجع. ومن الأئمة بعد هذا الإمام الإباضى راشد بن على المتوفى سنة ٥١٣ للهجرة، ونرى قاضيه محمد بن عيسى السرى يكتب له شروطا بها أسجاع (٣). ويخلفه محمد بن أبى غسان ويكتب إليه أهل إحدى الولايات العمانية كتابا مسجوعا من مثل قولهم: «الله تعالى يحرس علينا شريف بقائه، ويزيد فى رفعته وارتقائه، ويديم عليه ما اتسع من نعمائه، وينعم علينا عاجلا بكريم لقائه (٤)»: ويتولى بعده موسى بن أبى المعالى بن نجاد سنة ٥٤٩ ونقرأ كتابا إلى بعض من تحدثهم أنفسهم بالخروج وهو كتاب

стр. 2326

مسجوع (١). وقلما يورد نور الدين السالمى فى كتابه «تحفة الأعيان» شيئا من رسائل بنى مكرم الشيعة الإماميين الذين حكموا مدينة عمان من سنة ٣٩٠ إلى سنة ٤٤٢ وكذلك قلما يورد شيئا من رسائل بنى نبهان السنيين الذين حكموها من القرن السادس الهجرى إلى القرن التاسع. حتى إذا رجع الحكم بعدهم إلى أئمة الإباضيين أخذ يورد رسائلهم، وهى رسائل منمقة إذ يغلب عليها السجع والترصيع. ويشيع هذا الترصيع والسجع فى رسائل موجهة من بعض شيوخ الخوارج إلى أئمتهم فى شكل نصائح ووصايا أو موجهة إليهم من بعض أشياعهم أو من أهل نزوى ابتغاء إحقاق العدل ونشر الرأفة والعفو عند المقدرة. وليس بين أيدينا نشاط كتابى كثير لأهل البحرين، غير أننا نجد فى صبح الأعشى فى رسم المكاتبة إليهم فصلا (٢) طريفا مما يدل على تبادل الرسائل بينهم وبين حكام مصر وخاصة فى عهد المماليك. ودوّن ابن معصوم فى كتابه «سلافة العصر» بعض رسائل شخصية لأدبائها. وفى كتاب شعراء هجر من القرن الثانى عشر إلى القرن الرابع عشر بعض رسائل أخرى. وجميعها يشيع فيها السجع وقد يسود بعضها تصنع شديد. ٢ - رسائل ديوانية مرّ بنا أن الرسائل الديوانية بين المدينتين المقدستين بالحجاز وبين مصر كانت متصلة فى العصرين الأيوبى والمملوكى بل لا شك فى أن تاريخها يرجع إلى ما قبل ذلك فى العصر الفاطمى، غير أن ما بقى من هذه الرسائل فى المصادر التاريخية وغيرها قليل جداّ من ذلك ما كتب به الظاهر بيبرس إلى أبى نمىّ أمير مكة سنة ٦٧٥ يزجره عن الظلم (٣): «من بيبرس سلطان مصر إلى الشريف الحسيب النسيب أبى نمىّ محمد بن أبى سعد: أما بعد فإن الحسنة فى نفسها حسنة، وهى من بيت النبوة أحسن، والسيئة فى نفسها سيئة، وهى من بيت النبوة أو حش. وقد بلغنى عنك أيها السيد: أنك آويت المجرم، واستحللت دم المحرم، ومن يهن الله فما له من مكرم، فإن لم تقف عند حدك، وإلا أغمدنا فيك سيف جدك، والسلام». فكتب إليه أبو نمىّ: «من محمد بن أبى سعد إلى بيبرس سلطان مصر: أما بعد فإن المملوك معترف بذنبه،

стр. 2327

تائب إلى ربه، فإن تأخذ فيدك الأقوى، وإن تعف فهو أقرب للتقوى. والسلام». وكان سلاطين المماليك حين يتوقعون من أحد أمراء المدينتين المقدستين اعوجاجا فى حكمه أو جورا يأخذون عليه العهود والأيمان أن يسير مسيرة قويمة ملتزما فيها بما عاهدهم عليه من شأن رعية بلدته وشأن الحجيج، مع ذكرهم فى الخطبة، ومع ضرب السكة أو النقود بأسمائهم، وفيما يلى عهد أبى نمىّ للسلطان قلاوون سنة ٦٨١ أن ينفذ السياسة المرسومة له وهو يمضى على هذا النمط (١): «أخلصت يقينى وأصفيت طويّتى وساويت بين باطنى وظاهرى فى طاعة مولانا السلطان الملك المنصور (قلاوون) وولده السلطان الملك الصالح وطاعة أولادهما. . وإنى عدوّ لمن عاداهم، صديق لمن صادقهم، حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم. . وإننى ألتزم ما اشترطته لمولانا السلطان وولده فى أمر الكسوة الشريفة المنصورية الواصلة من مصر المحروسة وتعليقها على الكعبة المشرّفة فى كل موسم وأن لا يتقدم علمه علم غيره، وإننى أسبّل زيارة البيت الحرام أيام مواسم الحج وغيرها للزائرين والطائفين والبادين والعاكفين اللائذين بحرمه والحاجّين والواقفين، وإننى أجتهد فى حراستهم من كل عاد بفعله وقوله، وإننى أؤمنهم فى شربهم، وأعذب لهم مناهل شربهم، وأننى أستمر-والله-بتفرد الخطبة والسكة بالاسم الشريف المنصورى، وأفعل فى الخدمة فعل المخلص الولى. وإننى-والله- أمتثل مراسيمه امتثال النائب للمستنيب، وأكون لداعى أمره أول سميع مجيب». وواضح أن أبا نمى لم يستخدم فى هذا العهد السجع كما استخدمه فى الخطاب الذى رد به على بيبرس، وكأنه عنى هنا بالمضمون أكثر من عنايته بالأسلوب، ولذلك لم يستخدم السجع، أو لعل الخطاب السابق من صنع كاتب الإنشاء لعهده، أما العهد فمن صنعه هو وإملائه، ولذلك جاء خاليا من التنميق. والرسائل الديوانية فى اليمن كثيرة منذ الدولة الصليحية، ومن أبلغها بيانا رسالة الحسين ابن على بن القمّ كاتب الإنشاء للدولة الصليحية على لسان الملك المكرم أحمد بن على الصّليحى سنة ٤٦٠ وهى موجهة إلى الخليفة المستنصر الفاطمى يخبره فيها باغتيال سعيد بن نجاح وأخيه جياش لعلى بن محمد الصليحى فى طريقه إلى الحج فى ذى القعدة لسنة ٤٥٩ وما كان من استرداد هما لزبيد وكيف مضى الملك المكرم يستعد للأخذ بثأر أبيه، مما مكنه أن ينقضّ على آل نجاح فى السنة التالية، ويسحق جموعهم. ويفتك بسعيد ويهرب أخوه جياش إلى الهند، وتدخل زبيد فى طاعته. ويصور ابن القمّ فى الرسالة انتصارات الملك

стр. 2328

المكرم على جيوش الزيدية والخارجين وكيف محقها محقا. والرسالة تفتتح بالبسملة والحمد لله والصلاة على رسوله، ويتوالى الثناء على الخلفاء الفاطميين وغمسه أو صبغه بالعقيدة الفاطمية الإسماعيلية، ونحن نسوق منها أطرافا تصور روعتها البيانية (١): «المملوك يناجى حضرة الإمامة، ويناهى سدّة الخلافة، جعل الله عزهما باقيا على الأيام، ومجدهما غير منقطع الدوام، عالما أنه يلبس بذلك شرف الدارين، ويستولى به على الحسنيين، شائما (متطلعا) من مولاه برقا مضيّا، ومستظلا من سحاب الإكرام ودقا (غيثا) رويّا، ومتبوّئا من رتب الاختصاص مكانا عليّا، ومتعرضا لمنزلة من أدناه وقرّبه نجيّا. إنه قد كان قدّم خدمة يطالع بها بأنباء جزيرته، وينهى أخبار دعوته، وما جرى عليه أمرها من الفتن، ودارت فيه من دوائر المحن، التى ملأت قلوب أعداء الدين سرورا، وازداد بها الكافر طغيانا وكفورا، وأظهر كل منافق ما كان من الغدر كامنا مستورا، وقال الذين فى قلوبهم مرض ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾. . . وجدّ عزم المملوك (الملك المكرم) بعد خيرة الله تعالى وخيرة وليه صلوات الله عليه على المسير للعبيد (يريد آل نجاح الأحباش قتلة أبيه) إلى مدينة زبيد. . فوردها فى التاسع والعشرين من صفر سنة ٤٦٠ وقد سبق النذير إلى العبد (يريد سعيد بن نجاح أمير زبيد) وألفاه المملوك صافاّ على أحد أبواب المدينة، وقد نفخ الشيطان ريح الطغيان فى أنفه، وأراه الحياة فى حتفه، قد عصب برأسه من الكبر تاجا ظن أن الله لا يستطيع له نزعا، وتجلبب من الجبروت بثوب لا يروم له ما عاش خلعا. . ﴿(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً)﴾. فدلف إليه المملوك فى جماعة من المؤمنين قاموا لله أنصارا، واتخذوا الصبر شعارا، والله- -جار المتمسكين بسبب الله الذى لا ينقطع من تمسك بسببه، جائدين بأنفسهم فى ابتغاء رضاه وطلبه، وخوف سخطه وغضبه. . فلما تراءى الجمعان وتدانى الفريقان، ماجت الصفوف، وسالت الزحوف، ولمعت السيوف، ووكفت (سالت) الحتوف، وتزلزلت الأقدام، وصال الحمام، واغبّر القتام (الغبار) وتداعت الأبطال، وتدانت الآجال، واكتأبت الرجال، وانقطعت الآمال. . وشخصت الأبصار، والتحمت الشّفار (السيوف) وطلبت الأوتار، وأعوز الفرار. . وطفقت سيوف الحق تلتهمهم، وأيدى المؤمنين تقتسمهم، فتركوهم بين ضريج بدمه، وهاو ليديه وفمه، وشارد لم ينجه سعى قدمه، ونادم لم ينتفع بندمه. . . ومعفور نطيح، ومطعون جريح، قد عادوا فرصة لكل واثب، وأكلة لكل ناهب، مصرّعين

стр. 2329

مصارع أمثالهم الكافرين، وواردين موارد أعمالهم خاسرين، قد قطع الله أوصالهم، وبتّ من حبله حبالهم». والرسالة طويلة وابن القمّ يلتزم فيها السجع، وواضح أنه يعنى باصطفاء ألفاظه، والملاءمة بينها حتى يحكم ما يريد من الجرس لكلامه وحسنه واستوائه بحيث لا نحس نبوّا ولا نشازا فى عبارة من عباراته. ومما يصور عنايته بنغم كلامه أن الآيات القرآنية التى يقتبسها تلتقى فواصلها مع قوافيه التقاء طبيعيا، وهو التقاء كان يقصد إليه قصدا حتى يلتحم جرس النغم فى الرسالة التحاما تاما. وكأنّ ابن القم كان استهلالا قويا لأن تأخذ اليمن منذ عصره فى العناية برسائلها الديوانية عناية يعمّ فيها غير قليل من التنميق ورصف السجع وتدبيجه. ويلاحظ ذلك بوضوح فى الرسائل والعهود المكتوبة فى الدولة الرسولية، على نحو ما يلاحظ فى العهد الذى فوّض فيه السلطان المظفر (٦٤٧ - ٦٩٤) الحكم من بعده لابنه السلطان الأشرف عمر، وهو يستهله بقوله بعد الحمد والثناء والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء (١): «أما بعد فقد ملّكنا عليكم من لا نؤثر فيه-والله-داعى التقريب، على باعث التجريب، ولا عاجل التخصيص، على آجل التمحيص، ولا ملازمة الهوى والإيثار، على مداومة البلوى والاختبار. وهو سليلنا الخطير، وشهابنا المنير، وذخيرتنا على المراد، وبصيرنا الذى نرجو به صلاح البلاد والعباد، ونؤمّل فيه من الله الفوز والنجاة فى المعاد، وقد رسمنا له من وجوب الذبّ والحماية، ومعالم الرفق والرعاية، ما قد التزم بوفاء عهده. والمسئول فى إعانته من لا عون إلا عون من عنده. ولن نعرفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله إلا بما قد بدا للعيان، وزكا مع الامتحان، وفشا من قبلكم فى كل لسان» وواضح ما فى العهد من ميل شديد إلى تصفية اللفظ وأن يكون سلسا سلاسة الماء النمير، وواضح أيضا ما فيه من موازنة دقيقة بين سجعاته، فكلمة «داعى التقريب» توضع على وزنها كلمة «باعث التجريب» وكلمة «عاجل التخصيص» تليها موازنة لها كلمة «آجل التمحيص» وكلمة «ملازمة الهوى والإيثار» توازنها كلمة «مداومة البلوى والاختبار» وكل ذلك إرضاء لأذن السامع. ومثله محاولة الإتيان بالمترادفات فى نهاية السجعة مثل «الذب والجماية» و «الرفق والرعاية» و «حميد خصاله» و «سديد فعاله» مما يدل بوضوح على الرغبة فى اكتمال نغم الكلام. وتلقانا فى عهد السلطان الأشرف وربما كان فى عهد أخيه المؤيد (٦٩٦ - ٧٢٠ هـ)

стр. 2330

رسالة موجهة من الأمير الزيدى محمد بن المطهر إلى السلطان المملوكى. الناصر محمد بن قلاوون يستنصره فيها على السلطان الرسولى الذى طالت بينهما الحروب، معددا قبائحه، مؤملا أن يسعفه بجيش لإجلائه عن دياره، وإجرائه مجرى الذين ظلموا فى تعجيل دماره. وقال فى رسالته: إنه إذا حضرت الجيوش المؤيّدة قام معها، وقاد الأشراف والعرب أجمعها، ثم إذا استنقذ منه ما بيده أنعم عليه ببعضه، وأعطى منه ما هو إلى جانب أرضه، ثم قال: «وكتبت إلى السلطان مؤذنا بالإجابة، مؤديا إليه ما يقتضى إعجابه. . ولا رغبة لنا فى السلب، وأن النصرة تكون لله خالصة وله كل البلاد لا قدر ما طلب». واقتطف القلقشندى قطعة من الرسالة مسجوعة (١)، وكأن السجع أصبح منذ ابن القم صفة عامة فى الرسائل والعهود اليمنية. ونمضى إلى زمن السلطان الرسولى الأشرف إسماعيل (٧٧٨ - ٨٠٣ هـ) فيرسل السلطان المملوكى برقوق إليه برسالة معها هدية، يحملها القاضى برهان الدين إبراهيم بن عمر المحلى لتسهيل متجره وما يحمله من عدن من عروض التجارة، ويبادله الأشرف إسماعيل هدية بهدية، وكتابا بكتاب أو رسالة برسالة. ويطلب فى رسالته أن يرعى السلطان برقوق من يفد على مصر من رعيته اليمنية تاجرا وغير تاجر، وأن يأذن له فى حج البيت الحرام، لقضاء الفرض والتبرك بالمشاعر العظام. ويشكو من ارتفاع النفقات فى مكة على حاج اليمن لعله يتوسط لدى أميرها كى يخفضها، لأنه تابعه. وإن كان لم يصرح بذلك. ونحن نسوق قطعة من هذه الرسالة يتحدث فيها الأشرف إسماعيل عن هديته إلى السلطان برقوق وأنها دون مقامه ومكانته، يقول (٢): «لو أهدينا إلى جلال المقام الشريف الظاهرى، أعزّ الله أنصاره، بمقدار همته الشريفة العالية، ورتبته المنيفة السامية، لاستصغرت الأفلاك الدائرة، والشهب السائرة، واستقلّت السبعة الأقاليم تحفة، والأرض وما أقلته طرفة، ولم نرض أن نبعث إليه الأنام مماليك وخولا (عبيدا)، ونجبى إليه ثمرات كل شئ قبلا، ولو رام محبّ المقام (يقصد نفسه) هذه القضية لقصر عنها حوله، ولم يصل إليها طوله (قدرته) ولكنه يرجع إلى المشهور، بين الجمهور، فيجد العمل يقوم مقامه الاعتقاد، وليس على المستمر على الطاعة سوى الاجتهاد، والمخلص فى الولاء محمول على قدرته لا على ما أراد». والرسالة كلها من هذا الأسلوب الذى يمتاز بانتخاب ألفاظه والسجع فى عباراته، حتى يروق الأسماع، بل حتى يبهرها، بحسن تنسيقه وجمال رصفه ونسجه. وكان كتّاب الإنشاء فى كل دولة عربية يتبارون فى تلك الحقب بما يصوغون من هذا الأسلوب

стр. 2331

الموسيقى، حتى تلذ ألفاظه الألسنة، وحتى تقع موقعا حسنا من القارئين لها والسامعين. ومر بنا فى عمان أن الأئمة الإباضيين كانوا يوجهون بكتب إلى عمالهم، يأمرونهم فيها بالنهى عن المنكر والأمر بالمعروف وأن يسيروا فى الرعية سيرة عادلة، وكانت الرعية كثيرا ما ترسل إليهم برسائل تطلب فيها العدل والحكم الصالح. ومضوا على ذلك طويلا حتى إذا كنا فى القرن الحادى عشر الهجرى وجدنا الإمام الإباضى ناصر بن مرشد (١٠٢٤ - ١٠٥٠ هـ) يكتب إلى عماله عهودا كثيرة يشيع فيها السجع من مثل قوله لأحد عماله فى «الباطنة» (١): «إنى قد وليتك على قرية لوىّ من الباطنة. . على أن تأمر أهلها بالعدل والمعروف، وتنهاهم عن المنكر المحوف، وأن تعمل فيهم بكتاب الله المستبين، وتحيى فيهم سنة النبى الأمين، وآثار الأئمة المهتدين، وسيرة القادة المخلصين، الذين جعلهم الله منار الهدى، وقادة الناس إلى التقوى، وأورثهم الكتاب والسنة، يدعون إلى طريق الجنة. . ولا تخف فى الله لومة لائم، ولا عذل مجرم آثم، وأن تخلط الشدة باللين، وأن تخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. . فالله! الله يا أبا الحسن فى اكتساب الحسنات، وإنكار المنكرات، بغير تجاوز منك إلى غير واجب أوجبه الله فى الجدّ والتشمير، وترك التهاون والتقصير». ولا يطّرد السجع دائما فى عهود ناصر بن مرشد، وحتى فى العهد الواحد يستعمله حينا وحينا لا يستعمله. ويغلب فى سجعه وسجع غيره من الأئمة الإباضية أن لا يكون متكلفا، وكذلك ألفاظهم لا يبدو فيها شئ من الرّيث فى اختيارها إلا قليلا، وكأنهم يقبلون ما يفد عليهم عفو الخاطر. وولى سلطان بن سيف (١٠٥٠ - ١٠٩١ هـ) ويفتتح ولايته بعهد منه إلى جميع عماله يستهله بهذه الصورة (٢): «الحمد لله العزيز عزّ أن تعوم فى بحور صفاته جوارى (سفن) الفكر، وأن تروم تنظر كواكب تكيّفه بصائر أولى البصر، أو أن تشاهده بمخارق العيان والنظر، العالم بدبيب النملة والذر. . الذى ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ولا ﴿فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الجليل قدره عن مشاكلة صفات البشر، أو أن يدرك الأشياء بالسماع والخبر، أو أن تجرى عليه أحداث القضاء والقدر. أحمده على ما صبّ برياض قلوبنا من سلسال العبر، وحسم عنا من أوصاب الكدر. وأشكره على ما خوّلنا من يانع نعمه وقدّر، وسقانا من عصير كرم كرمه وعزّ وتكبّر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها جنّة ليوم المحشر، يوم لا ملجأ لنا من الله ولا وزر. . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

стр. 2332

دعا إلى الله وأنذر، وقاد الناس إلى الخيرات وبشّر، ونصب أنموذج الهداية لمن خاف الله من ذات نفسه وفكّر». وأكبر الظن أن كاتب هذا العهد ليس سلطان بن سيف نفسه، بل هو كاتب أديب من الإباضية كان يكتب بين يديه، بل لقد كان أديبا عالما، فهو يصدر فى أول العهد عن عقيدة الإباضية التى تحدثنا عنها فى الفصل الأول وأنهم كانوا يؤمنون بما آمن به المعتزلة من نفى التجسيم عن الله بكل صورة من صوره وتنزيهه تنزيها مطلقا عن الشبه بالمخلوقات وأن يلحق ذاته العلية كيف أو جهة أو أى صفة من صفات البشر. والكاتب أديب بارع، فقد التزم فى نحو صحيفة كبيرة صدّر بها الرسالة قافية الراء، وطاوعته دون أى عسر أو التواء، مما يدل على تملكه لناصية الكلام. وهو يعنى بالتنميق فى عباراته، إذ يضيف إليها وشى الجناس والتصاوير والاقتباس من الذكر الحكيم، على نحو ما يتضح فى اقتباسه لقوله جلّ شأنه: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله ﴿فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. وتكثر الاقتباسات والجناسات فى العهد بعد تلك المقدمة. وقد ذكرنا فى الفصل الأول أن سلطان بن سيف أهم سلاطين اليعربيين الإباضيين قبض على صولجان الحكم فى دياره ومدينتا صحار ومسقط فى أيدى البرتغاليين، فطردهم كما مر بنا منهما ومن سواحل بلاده شر طردة مستعينا فى ذلك بأسطول ضخم حطم به أسطول البرتغال وسيطر به على الهند وشواطئها الغربية، كما سيطر به على شواطئ إفريقيا الشرقية وتعقب أسطولهم فى كل موقع، ويبدو أن سفنا منه حاولت الإلمام باليمن، فدمرها تدميرا. ونعجب أن يغضب من صنيعه أمير اليمن الزيدى إسماعيل بن القاسم (١٠٥٤ - ١٠٧٩ هـ) ويعجب سلطان بن سيف أشد العجب، ويتبادلان رسالتين، فى أولاهما يقول سيف بن سلطان لصاحبه (١): «إنكم علينا عاتبون، ومنا واجدون، لأجل قطع جنودنا فى العام الماضى رقاب المشركين على بابكم، وأخذهم لسفنهم الواردة لجنابكم. ولعمرى إنا لندرى أن العتاب بين الأخلاء عنوان المودة الخالصة والصفاء، وزائد محض المودة الصادقة والوفاء، غير أنه يجب عند اقتراف الجرائم، وانتهاك المحارم. ونحن لم نقصد إلى انتهاك دارك سبيلا، ولا نجد لك على إلزامنا فعل ذلك دليلا، إذ كنا لم نجهز مراكبنا، ونتخذ مخالبنا، لمشارّة (لمخاصمة) رعيتك، ولا لاستباحة دم أهل حكمك وأقضيتك (أقاليمك) ولكن جهزنا الجيوش والعساكر، وأعددنا اللهاذم والبواتر، لتدمير عبدة الأوثان، وأعداء الملك الديّان

стр. 2333

تعرّضا منا لرضا رب العالمين، وإحياء لسنة نبيه الأمين، ورغبة فى إدراك أجر الصابرين المجاهدين. وحاشا لمثلك أن يغضب لقتال عبدة الأصنام، وأعداء الله والإسلام، ألست من سلالة على بن أبى طالب، الساقى المشركين وبئ المشارب، وأنت تدرى ما جرى بيينا وإياهم من قبل فى سواحل عمان، وفى سائر الأماكن والبلدان من سفك الدماء وكثرة الصّيال، وتناهب الأملاك والأموال، وإنا لنأخذهم فى كل موضع تحلّ به مراكبهم وتغشاه، حتى من كنج وجيرون بندرى الشاه (ملك فارس) ولم يظهر لنا من أجل ذلك عتابا ولا نكيرا، وإن كنت فى شك من ذلك فاسئل به خبيرا» ويذكر سيف بن سلطان لإسماعيل بن القاسم أنه ترك فى تعقب البرتغاليين مدافع فى ظفار التابعة له وأنه حرىّ أن يردها عليه. وتمتلئ قلوبنا أسى حين نقرأ رسالة إسماعيل بن القاسم التى ردّ بها على سيف بن سلطان إذ بدلا من أن يطلب منه الصفح عن كبوته وعثرته المردية، ويرجع إليه مدافعه وأسلحته، يبرق له ويرعد، ويتهدد ويتوعد، إذ تمضى رسالته على هذه الشاكلة (١). «وصل كتابك الذى شحنته بالإبراق والإرعاد وعدلت به من تحسين العتاب، إلى تخشين الخطاب، ظنا منك أن هذيان وعيدك، وطنين ذباب تهديدك، يزعزع من بأسنا صخرة صمّاء، أو يحرّك من وقارنا جبالا شمّاء، وكيف يكون ذلك: وأسيافنا فى كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول أين ذهب حجاك حتى طلبت منا المدافع، بهذه الأراجيف والفقاقع، وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع. أما علمت أن الليث إذا هيج على فريسة كان أشد إقداما، وأعظم جرأة واعتزاما، لا جرم أنها لما نأت بنا وبك الديار، وحالت دوننا ودونك الأمصار، استرسلت فى لفظك، وجاوزت فى سوء المقدار حدّك، وانفردت بأرضك، فطلبت الطعن والنزال وحدك: يا سالكا بين الصوارم والقنا ... إنى أشمّ عليك رائحة الدّم فاقطع عرى آمالك عن هذه المدافع، فهى أول غنيمة-إن شاء الله-من قطرك الشاسع» والكتاب حقا محزن، إذ كان المنتظر أن يضع إسماعيل بن القاسم يده فى يد سلطان بن سيف حين جاءه كتابه، ويعود إليه صوابه، ويعلن نصرته له ضد البرتغاليين الآثمين. وعلى العكس من ذلك مضى فى غيّه يتوعد سلطان بن سيف بمعركة كمعركة النهروان التى

стр. 2334

تعقب فيها على بن أبى طالب الخوارج ومزّق جموعهم، وكان حريا أن يحيّى فيه جهاده للبرتغاليين ويشدّ أزره، لا برد المدافع والأسلحة التى تركها فى ظفار فحسب بل أيضا بإمداده بالأموال، إن لم يستطع أن يمده بالفرسان والرجال! . والرسالتان تتخذان السجع قرارا لها، فهو اللغة العامة للرسائل الديوانية مهما شرقنا أو غربنا فى الجزيرة العربية. ٣ - رسائل شخصية طبيعى أن نجد رسائل شخصية متنوعة لأدباء مكة والمدينة، إذ كان يلم بهما كثير من العلماء والأدباء، وكانوا يتكاتبون ويتراسلون مع علماء البلدتين وأدبائهما، وقد أثبتت كتب التراجم طائفة من رسائل القوم، من ذلك رسالة كتب بها مفتى مكة الحنفى وأحد أعلامها العلماء فى نهاية القرن العاشر ومطلع القرن الحادى عشر للهجرة الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بن عيسى العمرى إلى أبى المواهب البكرى مفتى الديار المصرية، وذلك فى سنة ١٠٢٢ وفيها تحدث عن مواقف مشرفة له حين حج فى السنة المذكورة، وهو يستهل رسالته على هذا النمط (١): «إنّ أشرف ما تتوّج به المفارق والرءوس، وأبهر ما تبتهج به المهارق والطّروس، وأبهى ما ينظم فى سلك السطور، من الدّرر الباهرة لدرر النحور، وأنهى ما يرقم (يكتب) فى صكوك الصدور، من الغرر المضاهية للآلئ البحور، تحيات نظمت بأنامل الإخلاص عقودها، وتسليمات رقمت بطراز الاختصاص برودها، تشفعها الأدعية التى على ألسن المقربين تتلى. . صادرة من قلب منيب أوّاه، ناظرة أن ليس فى الوجود إلا الله، فها ملائكة الإجابة، تحفّها بالقبول والإنابة، بأن يديم الله للعلم وأهله، ويبقى للفرع وأصله، بقاء مولانا الأستاذ الأعظم، والملاذ الأعصم، والجهبذ النقاد، والكوكب الوقاد، والبحر الزخار، والليث الزءّار، عالم الإسلام على الحقيقة، الجامع للشريعة والطريقة، كشاف مشكلات العلوم، حلال معضلات الفهوم: علاّمة العلماء واللّجّ الذى ... لا ينتهى ولكلّ لجّ ساحل الإمام العلامة، الهمام الفهامة، شيخ الإسلام، ملجأ الأنام، مفتى المسلمين، صدر المدرسين، الحبر النّحرير، إمام الفقه والتفسير. . مفتى السلطنة الشريفة (يريد السلطنة

стр. 2335

العثمانية) بالقاهرة الزاهرة المنيفة». وإذا تساءلنا ماذا قرأنا فى الرسالة حتى الآن لاحظنا توّا أننا لم نقرأ إلا سلاما وتحية ودعاء وثناء. وهذه المعانى البسيطة تتحول إلى ما يشبه خيطا تنشر عليه عبارات منمقة تستمد من مبالغات مفرطة، صيغت فى أسجاع تحفّ بها استعارات تلمع، ولكنها سرعان ما تتلاشى دون أن تترك وراءها مضمونا واضحا، على شاكلة ما نقرأ للشيخ حنيف الدين المكى من رسالة كتب بها إلى صديق له فى الطائف ردا على رسالة كان بعث بها إليه، وهو يمضى فيها على هذا النحو (١): «ما روضة غنّاء تدفقت أنهارها، وما حديقة حسناء تصادحت أطيارها، وما دوحة أمال أغصانها النسيم، وما سرحة (شجرة) غرّدت بأفنانها الطير فأسجعت بصوتها الرخيم، وما هيفاء قد برزت متلثّمة بالجمال، وطلعت بأفق الحسن كالهلال، وما الخزامى والمندل (العود) الرطب، وما العنبر والعبير إذا فاح وشب (سطع). وما الدر المكنون فى الصّدف، وما ساعات السرور المعدومة من الصّدف، بأجل من كتاب ورد فبرّد بوروده غليل مشتاق، وأخجل بورده وعوده روائح النرجس الغضّ وما ينثر فى الأطباق، قد نظمت قلائد عقيانه أنامل مولى تسنّم ذروة المجد، وأبرزته أفكار مخدوم حاز من الفضائل ما فاق به السعد، تختال فى رياضه النضرة فرسان البلاغة فلا تلحق جواده، وترشف حياضه العذبة أرباب الفصاحة والبراعة مقتفية آثاره كى لا تضل جادّة الإصابة والإجادة، قد هبّ من خلال سطوره نسيمه الرطب فأشفى العليل، وجرى من بحر منثوره شهده العذب، فبرّد اللوعة وأطفأ الغليل» وهذه القطعه من الرسالة تحمل مبالغات مكررة واضحة، وكأن ليس الغرض أن تؤدى الرسالة طائفة من المعانى، إنما هى تؤدى طائفة من الألفاظ والأساليب المنمقة المسجوعة المليئة بالتكرار وبيان القدرة على جلب العبارات المحشوة بضروب الاستعارات والمجازات وألوان الجناس. وحاول الشيخ أن يظهر تفننه فى صنع العبارة المسجوعة، فأطالها فى آخر هذه القطعة، ولكن بعد أن جعلها تتوازن داخليا، فكلمة «فرسان البلاغة» فى عبارة يقابلها «أرباب الفصاحة والبراعة» فى العبارة التالية، وكذلك كلمة «نسيمه الرطب» فى عبارة يتلوها فى العبارة التالية «شهده العذب» وليس وراء ذلك كله إلا التكلف الشديد. وإذا تركنا الحجاز إلى اليمن استقبلتنا فيه رسالة استعطاف بديعة للحسين بن على بن القمّ وجّه بها إلى السلطان سبأ بن أحمد الصّليحى (٤٨٦ - ٤٩١ هـ) يستعطفه،

стр. 2336

ولا ندرى بالضبط ما سبب هذا الاستعطاف وخاصة أنه كان-كما مر بنا فى ترجمته بين الشعراء-القائم على ديوان الإنشاء للدولة وكاتب رسائلها. وتذكر المصادر أن أباه وضع يده فى يد جياش بن نجاح حين استولى على زبيد من الدولة الصليحية. وربما حدثت نبوة بينه وبين سبأ فألم بزبيد فأغضبه ذلك منه، والرسالة تمضى على هذا النمط (١): «كتب عبد حضرة السلطان الأجلّ مولاى ربيع المجديين، وقريع المتأدبين، جلوة الملتبس، وجذوة المقتبس، شهاب المجد الثاقب، ونقيب ذوى الرشد والمناقب، أطال الله بقاءه، وأدام علوّه وارتقاءه، ما قدّمت العارية للمستعير، ولزمت الياء للتصغير، وجعل رتبته فى الأوّلية عالية المقام كحرف الاستفهام، وكالمبتدأ إن تأخر فى البنية، فإنه مقدم فى النّيّة. ولا زالت حضرته من الحادثات حمى، وللوفود مزدحما وملتزما، حتى يكون فى العلا، بمنزلة حرف الاستعلا. . ولا زال عدوّه كالألف، حالها يختلف، تسقط فى صلة الكلام، ولا سيما مع اللام، فإنه-أدام الله علوه-أحسن إلىّ ابتداء، ونشر علىّ من فضله رداء، أراد أن يخفى، وكيف يخفى؟ لأن من شرف الإحسان، سقوط ذكره عن اللسان-كالمفعول رفع رفع الفاعل الكامل لما حذف من الكلام ذكر الفاعل- وأنا أهدى إليه سلاما ما الروض ضاحكه النّوض (٢)، غرس، وحرس، وسقى، ووقى، وغيب، وصيب (٣)، فأخذ من كل نوء (٤) بنصيب، زهاه الزّهر، وسقاه النّهر، جاور الأضا (٥) فحسن وأضا، رتع فيه الشّحرور (٦)، ومرح العصفور، فنظر إلى أقاحيه، تفترّ فى نواحيه، وإلى البهار، يضاحك شمس النهار، فجعل يلثم من ورده خدودا، ويضم من أغصانه قدودا، ويقتبس النار، من الجلّنار (٧)، ويلتمس العقيق من الشقيق (٨) فتثنّى ثملا، وغنّى خفيفا ورملا، بأطيب من نفحته المسكية، وأعطر من رائحته الذكية، وإنى وإن أهديته فى كل أوان، من أداء ما يجب غير وان، أعدّ نفسى السّكّيت (٩) فى السبق، لتقصيرى لما وجب علىّ من الحق». وكل من يقرأ رسائل أبى العلاء المعرى يحس بوضوح صلة هذه الرسالة بها، ومرّ بنا فى حديثنا عن شعره أنه كان يستوحيه فى بعض أبياته، ومعروف أن أبا العلاء كان يتصنع فى

стр. 2337

رسائله تصنعا واسعا لجلب مصطلحات العلوم اللغوية، وهو أول من نهج بقوة هذه السبيل ومهّدها لمن جاءوا بعده (١)، وتأثره فيها شرقا وغربا الكتّاب، وها هو ابن القم اليمنى الذى يوشك أن يكون معاصرا له يتأثره فى هذا الأسلوب الجديد، فإذا هو يدعو لسبإ بن أحمد بدوام علوه وارتقائه دوام لزوم الياء عند الصرفيين للتصغير، ويدعو له بدوام تقدم رتبته على الأمراء والسلاطين من حوله كدوام تقدم حرف الاستفهام على جملته أو عبارته، وكدوام تقدم المبتدأ على الخبر، وحتى إن هو تأخر عنه كان متقدما عليه فى النية. وإنه ليتمنى له أن يظل دائما متسنما ذروة العلا، مثله مثل حروف الاستعلاء عند أصحاب التجويد والقراءات وهى سبعة: ق، ظ، خ، ص، ض، غ، ط، وهى دائما تفخم فى النطق، فلا يدخل عليها ترقيق. ويجعل عدوه كالألف، حاله دائما مختلفة، إذ هى تأتى للوصل وللقطع، ولا ينطق بها فى مثل الشمس والنور والصلاة. ولا ريب فى أن ذلك تعقيد وتصنع شديد، إذ لا يستطيع أن يفهم عبارات الرسالة إلا من عرف علوم الصرف والنحو والتجويد والقراءات. وظاهرة ثانية فى الرسالة اندفع فيها ابن القمّ وراء أبى العلاء وإن لم يبعد إبعاده، وهى ظاهرة التصنع للفظ الغريب، فقد وشّاها به، وكأنما أصبح غاية من غايات الكتاب البارعين أن يجلبوا الألفاظ الغريبة إلى رسائلهم، حتى يثبتوا مهارتهم، وهى مهارة لغوية خالصة. ونحمد لابن القمّ أنه لم يسرف فى هذه المهارة. والرسالة تصور براعة حقيقية فى استخدام السجع، فقد كان يستطيع أن يأتى به قصيرا، بل مفرطا فى القصر، حتى لتكون السجعة أحيانا كلمة واحدة. والجناس كثير فى العبارات، من مثل قوله: «جلوة الملتبس» و «جذوة المقتبس» و «البهار» و «النهار» إلى غير ذلك من جناسات ناقصة تكتظ بها الرسالة، وهو يمضى فيها مستعطفا محاولا بكل ما فى وسعه أن يستل الضغينة من صدر سبأ بمثل قوله: «وأما حال عبده، بعد فراقه فى الجلد، فحال أم تسعة من الولد، ذكور، كأنهم عقبان وصقور، كنّوا (٢) فى وكور، اخترم (٣) منهم ثمانية، وهى على التاسع حانية. نادى النذير، العربان فى البادية، للعادية، ياللعادية (٤)، فلما سمعت الدّاعى، ورأت الخيل وهى سراع، جعلت تنادى ولدها: الأناة! الأناة! وهو ينادى العداة! العداة:

стр. 2338

بطل كأن ثيابه فى سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوءم (١) فحين رأته يختال فى غضون الزّرد المصون (٢) أنشأت تقول: نشدت أضبطا يمي ... ل بين طرفاء وغيل (٣) لباسه من نسج دا ... ود كضحضاح يسيل (٤) فعرض له فى البادية أسد هصور، كأن ذرعه مسد (٥) مضفور: فتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنّع فلما سمعت صياح الرّعيل (٦)، برزت من الخدر بصبر قد عيل (٧). فسألت عن الواحد، فقيل لها: لحده اللاحد: فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السّباعا عبثن به فلم يتركن إلاّ ... أديما قد تمزّق أو كراعا (٨) وما هذه الأم الثكلى بأشدّ من عبدك تأسفا، ولا أعظم كمدا وتلهفا، وإنه ليعنّف نفسه دائما، ويقول لها لائما: لو فطنت لقطنت (٩) ولو عقلت لما انتقلت، ولو قنعت لرجعت، وما هجعت: يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمى النّوى بالمقترين المراميا (١٠) وما تركوا أوطانهم عن ملالة ... ولكن حذارا من شمات الأعاديا أيها السيد! أمن العدل والإنصاف، ومحاسن الشيّم والأوصاف، إكرام لمهان، وإذلال جواد الرّهان، يشبع فى ساجورة (١١) كلب الزّبل، ويسغب فى خيسه أبو الشّبل (١٢): إذا حلّ ذو نقص مكانة فاضل ... وأصبح ربّ الجاه غير وجيه فإن حياة الحرّ غير شهيّة ... إليه وطعم الموت غير كريه

стр. 2339

أقول لنفسى الدنيّة هبّى طال نومك، واستيقظى لا عزّ قومك، أرضيت بالعطاء المنزور (١) وقنعت بالمواعيد الزور، يقظة فإن الجدّ قد هجع، ونجعة فمن أجدب انتجع». ويتشبه ابن القم فى هذه القطعة بأبى العلاء من ناحية وببديع الزمان الهمدانى من ناحية أخرى، أما تشبهه بأبى العلاء أو محاكاته له فتتضح فى الألفاظ الغريبة التى يحشدها فى نثره، وحتى الشعر يرى أن يختار أبياته من ذوات اللفظ الغريب، على الأقل إلى حد ما. وكان بديع الزمان يزين رسائله بالأشعار، وقد حاكاه فى ذلك وفى تضمين رسائله بعض الحكايات القصصية، حين شبّه نفسه وتحسره على ما فقده من قرب سبأ وقيامه على ديوانه بأم لتسعة فقدت ثمانية منهم، وبقى لها ولد واحد، هو كل أملها فى الحياة، فإذا غارة على الحى، وركب ولدها فيمن ركبوا للدفاع والذود عن الحريم، وهى تصيح به من ورائه خائفة جزعة تريد أن ترده، ويتراءى لها فى بطولته وبأسه وسلاحه، وعبثا تحاول ردّه. ويلقاه من الأعداء فارس، بل أسد هصور، وتدور عليه الدوائر، وتسمع صياح الخيل حين عودتها، فتبرز من بيتها تسأل عن فلذة كبدها، وتعرف أنه سفك دمه، فتخرج إلى العراء باحثة عنه، وتجده أشلاء ممزقة. فياللهول ويا للكارثة المقضّة للمضاجع. ويقول إنه ليس أشد أسفا منها ولا كمدا وتلهفا على فقده لعمله عند سبأ ولعطفه ورعايته. ويلوم نفسه أن ترك العمل بديوانه بل إنه ليعاتب سبأ عتابا رقيقا، كله لطف، ملوّحا له بحقه عليه، وأنه قرّب إليه واصطفى من هم دونه فى المنزلة الأدبية، وكأنه يعرض عليه الصفح عنه والعفو، آملا فى العودة، إلى سابق مكانته، وإنه ليصرح بأنه أجدب، وخليق به أن ينتجع، وأن يجد الوادى ممرعا كعهده. وإذا كنا قد وجدنا فى اليمن كاتبا مبكرا يحاكى أبا العلاء وبديع الزمان فى بعض رسائلهما فإننا نجد فى حضرموت كاتبا يحاكى الحريرى لا فى مقاماته، ولكن فى بعض رسائله، وكان الحريرى قد اشتهر برسالة سينية جميع كلماتها من ذوات السين كتبها على لسان بعض أصدقائه يعاتب فيها صديقا أخلّ به فى دعوة دعا غيره إليها. وعلى غرار هذه الرسالة كتب السيد عمر السقاف الحضرمى رسالة سينية طويلة نقتطف من مطلعها قوله (٢): «باسم السلام (٣) أستبدى، وبإسعافه أستهدى، وبأسمائه أستنجد، ولنفثات سره

стр. 2340

أستنشد، وبإسبال ستره أستظل، وبإسدال أستاره أستقلّ. . . تقدس سبحانه، وسما إحسانه، واستطال سلطانه، وأستعينه وأستنصره، وأستقيله وأستغفره، وأستعيذه من دسائس إبليس، وسائر التلابيس، وسطوة النفوس، وسؤال المنحوس. . وأسأله التيسير، وسكون الفردوس لا السعير، وأسلم سلاما مستمرا، يتلمّس سيد السادات سنىّ السيرة، حسن السريرة، المخرس بلسنه الملسنين، السالك سبيل أسلافه السائدين». وتمضى الرسالة فى ألفاظ مبعدة فى الغرابة، كى يدل الكاتب على مهارته، وهى ليست مهارة أدبية، ولكنها مهارة لغوية، وكانوا يعدّونها زخرفا وتنميقا، ونحس كأن الكلمات يرصّ بعضها بجوار بعض فى الرسالة، فهى صفوف سينية، أو هى صناديق سينية، نقرأ فيها سينيات، ولكن لا نقرأ فكرا ولا شعورا، وقد كثر فيها الجناس كثرة مفرطة. وكل ذلك محاكاة للحريرى ومحاولة للدنو من طريقته فى رسالته السينية وبيان القدرة على جمع الكلمات ذوات السين، مع ما يطوى فى ذلك من التصعيب والتعقيد. ويقول من ترجموا له وكتبوا عن هذه الرسالة إنه كان لها دوىّ بعيد فى الأوساط الأدبية الحضرمية، إذ عدوها طرفة غريبة وظلوا يتداولونها طويلا. على أن الكثرة من رسائل الأدباء الحضرميين لم تكن تغرب هذا الإغراب، بل كانت تكتفى بالسجع، وقلما اصطنعت الألفاظ الغريبة الآبدة. ونترك حضرموت إلى البحرين، ونلتقى فى كتاب سلافة العصر ببعض رسائل لأدبائها، من ذلك رسالة كتب بها ابن أبى شبابة البحرانى إلى ابن معصوم صاحب الكتاب، ونحس فيها بالتكلف الشديد منذ فواتحها، يقول (١): «أنهى أبهى سلام، شدت بنغمات السرور أطياره، وبدت على صفحات الدهور أنواره، وأصلح دعاء تعاضدت شرائط إجابته، وترادفت وسائط إصابته، وسمت مصاعد قبوله، ونمت فوائد فروعه وأصوله، وأنفس ثناء ثنيت بالوفاء وسائده ومسانده، وبنيت على الولاء قواعده ومقاعده، وخالص إخلاص حديث خلوصه قديم، وحظ خصوصه مستقيم، أخدم به. . شمس سماء المحامد والفضائل، وغرّة سماء الأماجد والأفاضل، ديباجة صفحتى الشرف والفتوة، ونتيجة مقدمتى الولاية والنبوة، صاحب ذيول العز الشامخ، وصاحب أصول المحتد الباذخ، مربع الكرم والجود، ومرتع الآمال والمقصود، الذى نيطت أعمدة فضائل أحسابه الفضائل أحسابه الفائقة بسلاسل أنسابه السامقة، وأصبحت كعوب أعراقه فى الكرم متناسقة، وشعوب أخلاقه فى الهمم متوافقة».

стр. 2341

وتطّرد الرسالة على هذه الصورة من الجناسات المتلاحقة، وأكثرها يظهر فيه التصنع وأنه مجلوب لا لأداء معنى وإنما لأداء وشى الجناس، إن صح أن يسمى هذا وشيا، وما هو بوشى، بل هو ألفاظ متراصّة، قد وضعت متقابلة فكل عبارة تقابلها أخرى بعدد ألفاظها، والعدد ليس كافيا، بل لابد أن تكون موازنة لها موازنة تامة، فكلمة «شدت بنغمات السرور أطياره» توازنها كلمة «بدت على صفحات الدهور أنواره» وكلمة «تعاضدت شرائط إجابته» توازنها كلمة «ترادفت وسائط إصابته» وفى أثناء ذلك ترصّ الجناسات رصّا، فالوسائد تليها المساند، والقواعد تليها المقاعد، ويلى ذلك خالص وإخلاص وخلوص وخصوص. وكلمة «شمس سماء المحامد والفضائل» توازنها كلمة «غرة سماء الأماجد والأفاضل» وكلمة «ديباجة صفحتى الشرف والفتوة» توازنها كلمة «نتيجة مقدمتى الولاية والنبوة». وناهيك بقدرة الكاتب على استخدام المثنى فى الكلمتين السالفتين واستخراج هذا التقسيم. ونحس وكأننا لسنا بإزاء عبارات طبيعية أو شبه طبيعية، بل نحن بإزاء عبارات هندسية تقاس بالمسطرة والفرجار، وقد حشد الجناس بجميع صوره: جناس الاشتقاق والجناس الناقص، وحشد كثير من الاستعارات، ولكنها متكلفة غاية التكلف على نحو ما يلاحظ فى وسائد الثناء ومسانده وكعوب الأعراق وشعوب الأخلاق. وهذه الصورة التى يسودها التصنع كانت شائعة فى البلاد العربية وخاصة فى حقب هذا العصر المتأخرة. ٤ - مواعظ وخطب دينية لا ريب فى أن المواعظ كانت مزدهرة فى مكة والمدينة طوال هذا العصر بحكم من كان فيها من الوعاظ الذين يخطبون الناس، أو يلقون عليهم المحاضرات، واعظين مذكرين بالتقوى والعمل الصالح والاستعداد لليوم الآخر، فالناس كأنهم سفر وقوف، وكل منهم ينتظر أجله، ولن ينفع أحدا إلا ما قدمت يداه. وكان يفد على المتدينتين المقدستين كثير من وعاظ العالم الإسلامى، بل كاد أن لا يفوت واعظ منهم الإلمام بالمدينتين أو على الأقل بمكة حتى يؤدى فريضة الحج، وكان كثير منهم يجاور بها أو بالمدينة، ويتحول واعظا فى الحرم المكى أو الحرم المدنى. وكم كان الأدب العربى بثرى ويغنى لو أن الوعظ فى المدينتين سجّل فى الكتب وعنى به من يحفظ عيونه. ولعله من الطبيعى أن نجد ابن ظفر الذى

стр. 2342

مر بنا ذكره بين شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية يتحول بكتابه «سلوان المطاع فى عدوان الأتباع» واعظا، وعادة يذكر المعنى ثم يتلوه بموعظة مسجوعة، تعقبها أحيانا أبيات حكمية. والمعنى الذى يلم به «سلوانة» أو سلوة ومن هنا جاء اسم الكتاب. وكثيرا ما تجرى سلواناته فى شكل حكم، كقوله فى سلوانة التأسى: «التأسّى جنّة البلاء، وسنّة النّبلاء. التأسّى درج الاصطبار، كما أن الجزع درك التّبار (الهلاك). ومن قوله فى سلوانة الرّضا: من رضى، حظى. من ترك الاقتراح، أفلح واستراح. كن بالرّضا عاملا قبل أن تكون له معمولا، وسر إليه عادلا وإلا صرت نحوه معدولا». والكتاب يفيض بالحكم الواعظة من مثل قوله: «ما أحرى الملول، بأن يحرم المأمول. من لزم الرّقاد، حرم المراد. التنعم فى الدنيا يضاعف حسرة زيالها (مفارقتها) ويؤكّد غصّة اغتيالها. الهوى طاغية فمن ملكه، أهلكه. الهوى كالنار إذا استحكم اتّقادها عسر إخمادها. الغريب ميت الأحياء قد أعاده البين، أثرا بعد عين». ونتحول من الحجاز إلى اليمن، وتلقانا فيها المواعظ فى كل مكان وزمان ونجدها فى الرسائل وفى الوصايا على شاكلة ما نقرأ فى وصية الملكة الحرة الصليحية أروى بنت أحمد، وهى لا شك من عمل بعض الوعاظ، وقد جاء فى فواتحها (١): «لا إله إلا الله تعالى مبدع المبدعات، وخالق المخلوقات، جلّ وعلا أن تناله صفة، أو تدركه معرفة، الخلائق فى قبضته، والأشياء صادرة عن أمره وإرادته، لا معقب لحكمه، ولا رادّ لأمره، إنه العدل الذى لا يجور، والحكم الذى لا يحيف، والصادق الذى لا يخلف، والعفو الذى لا يؤاخذ، خالق السموات والأرضين، وإله الأولين والآخرين، ذو الأسماء الحسنى، والكلمات التامّة صدقا وعدلا. له ملائكة انتخبهم من بريته، وانتخبهم للسفارة بينه وبين المصطفين من أمته ﴿(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ)﴾ و (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون). وإن الجنة حق، خلقها الله للمطيعين من بريته، الخائفين من سطوته، المؤمنين به، المصدقين لوعده، الموفين بعهده، المتبعين لرسله، العاملين بمقتضى آياته وكتبه. وإن النار حق أعدها الله لمن جحد أنبياءه، وخالف أولياءه. . وتمادى فى غيّه وأسرف فى أمره، وأصرّ على كفره». وهذه الموعظة فى مطلع الوصية كان وراءها مواعظ كثيرة، لا فى بيئة الدولة الصليحية

стр. 2343

وحدها، بل فى بيئات كل الدول والإمارات التى كانت تعاصرها، وأيضا فى الدول التى جاءت بعد ذلك، ونقصد إمارة الزيديين ودولتى الرسوليين والطاهريين، حتى إذا أصبح الصولجان فى اليمن بيد الزيديين ظل الوعظ مزدهرا. وكانت ترفده دائما خطابة الجمعة فى المساجد والجوامع أسبوعيا، كما كان يرفده المتصوفة، ومن أشهرهم فى عهد الرسوليين أبو الغيث (١) بن جميل الملقب بشمس الشموس المتوفى سنة ٦٥١ للهجرة، وسئل عن الصوفى من هو؟ فقال: «هو من صفاسرّه من الكدر، وامتلأ قلبه من العبر، وانقطع إلى الله عن البشر، واستوى عنده الذهب والمدر (٢)». ومن دعائه: «اللهم إنى أسألك يا روح روح الروح، ويا لبّ لبّ اللبّ، ويا قلب قلب القلب، هب لى قلبا أعيش به معك، فقد خلقت كلّ ما هو دونك لأجلك، فاجعلنى ممن شئت من هذه الجملة». وكان يعاصره أحمد بن علوان الذى مرّ ذكره وله فى الوعظ كتاب نحى فيه منحى ابن الجوزى فلذلك يقال له جوزىّ اليمن وله فى التصوف فصول كثيرة (٣)، وله أتباع من الدراويش المعروفين فى اليمن بالمجاذيب، كانوا ينشرون هناك كلامه ومواعظه. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع حديث عن عبد الله بن أسعد اليافعى نزيل مكة وشيخ الحرم بها وله شعر صوفى ومواعظ كثيرة. وصنف فى الصوفية وتراجمهم-كما مر بنا-كتابا سماه «روض الرياحين وحكايات الصالحين». وكان الوعظ مزدهرا فى حضرموت، إذ اشتهر فيها صوفيون كثيرون بمواعظهم، غير من كانوا يعظون الناس وراءهم فى المساجد وفى خطابة الجمع، ومن أشهر متصوفيها أبو بكر العيدروس، ومرّ بنا ذكره وبعض أشعاره الصوفية فى حديثنا عن شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية، وله نثر صوفى ووعظ كثير، ومن قوله فى الفرق بين الشريعة والحقيقة (٤): «الحمد لله وهو الحامد لنفسه والمحمود، ومنه انبعاث القصد للقاصدين وهو المقصود، خلق لعبده إرادة بإرادته وأثبته، حتى أقام عليه حجته، وبإثباته له قام عليه أمره ونهيه وجازاه، على مقتضى سعيه فناداه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ وتارة أقام نفسه وأخفاه، فقال: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فحصلت الحيرة، وعميت الأبصار والبصيرة. فوفّق من شاء من عباده للوقوف عند مكنون علمه، فوقف مع الشريعة بجسمه ومع الحقيقة بقلبه، فالعلم المتجلى على الجسم علم ظاهر، وهو علم

стр. 2344

الشريعة، والعلم المتجلى على القلب علم باطن، وهو علم الحقيقة. فأقام ظاهر الإسلام على أركان، القائم بها جوارح الأبدان، وأقام حقيقة الإيمان والإحسان على يقين وبيان، القائم بها صميم الجنان، ولكن لما خفى عن الأسماع الحسية ما بالقلب جعل له ترجمان وهو اللسان، فارتبطت الشريعة بالحقيقة، والحقيقة بالشريعة». وأبو بكر العيدروس يشير فى أول كلمته إلى الخلاف بين الجبرية القائلين بأن كل شئ قدر مقدور ولا مفر منه، ولا حول ولا قوة للإنسان إزاءه، وبين القدرية القائلين بأن كل عمل للإنسان إنما هو بإرادته وحريته وأن كل شئ إنما هو بمشيئته. ويقول إنهما جميعا حائران، ويضع فوقهما أهل الحقيقة من الصوفية القائمين بأداء فرائض الإسلام وأحكامه ويسمى ذلك عمل الجوارح، ويقول إنهم يجمعون بين هذا العمل وعمل القلوب وصدق شعورها الباطن الذى لا ينضب معينه إذ يستمد من المحبة الإلهية ورحيقها الصافى. وتصوفه بذلك تصوف سنى كتصوف الغزالى وأضرابه، ممن يقيمون تصوفهم على الجمع بين علم الشريعة الظاهر وعلم الحقيقة الباطن. وطبيعى أن يكثر الوعظ فى خطابة الخوارج الإباضية بعمان، وقد وقف الجاحظ فى كتاب البيان والتبين مرارا عند خطابة الخوارج من جميع فرقهم، ونوّه بين الإباضية خاصة بخطابة أبى حمزة قائد عبد الله بن يحيى الكندى، وروى بعض خطبه، وهى تمتاز بألفاظها الطلية ومعانيها القوية. ولا شك فى أنه ظلت شعاعات من خطابته وخطابة عبد الله بن يحيى وعبد الله بن إباض تدور فى ألسنة خطباء الإباضيين بعدهم، وتلقانا خطبة جمعة متأخرة فى عصر إمامهم ناصر بن مرشد (١٠٢٤ - ١٠٥٠ هـ) وهى تمضى على هذا النمط (١): «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذى هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، وجعلهم أغراضا لسهام الأقدار، ووكّل بهم أمراضا تزعجهم عن القرار، وتجرى منهم مجرى الدماء فى الأبشار، لا يعتصم منهم معتصم بالحذار، ولا يختص بها الفقراء دون ذوى اليسار، بل هى آيات عدل عدل الله بها فى البادين والحضّار، أحمده على نعمه المسبلة الغزار، وأعوذ به من العتوّ والاستكبار، وأستغفره للذنوب والأوزار، من الكبائر والإصرار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من عذاب النار، مبوّئة من شهد بها دار القرار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار، أرسله بأيمن شعار، وأبين فخار، وأنور منار، وأطهر إعلان وإسرار، وأظهر

стр. 2345

برهان وإنذار، من صميم العرب فى النضار (١)، وأكرمها فى الفخار، مؤيدا بالمهاجرين والأنصار، منصورا بالملائكة الأبرار، ﷺ ، وعلى آله الأطهار، آناء الليل وأطراف النهار: أيها الناس! إن قوارع الأيام خاطبة فهل أذن لعظتها واعية، وإن فجائع الأحكام صائبة فهل نفس لعجائبها مراعية، وإن مطامع الآمال كاذبة فهل همة إلى التنزه عنها داعية، وإن طوالع الآجال واجبة فهل قدم إلى التزود من الدنيا ساعية». وتستمر الخطبة فى الوعظ بالموت وأنه لا ينجو منه الآباء الكبار ولا الأبناء الصغار بل الجميع بترت أعمارهم الدهور الغوابر، وابتلعتهم الحفر والمقابر. ومثل السلف الخلف، فهم دائما هدف للتلف. عظة ينبغى أن يتعظ بها العاقل، فينفق ساعاته فى التقوى والعمل الصالح. وتعود الخطبة إلى الصلاة على الرسول ﷺ وعلى آله قائلة: «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ما ذرّ شارق (٢)، وأومض بارق، وفاه ناطق، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد بعدد أنفاس الخلائق، وبعدد ما فى السموات السبع الطرائق، وبعدد ما خلقت وما أنت خالق». ثم تستنزل الخطبة الرضوان على صاحب الرسول فى الغار ورفيقه فى الأسفار، معدن الجود والفخار، وسيد المهاجرين والأنصار. أول ساع إلى شرف التصديق، أبى بكر الصديق، وأيضا على جميع المؤمنين من الأولين والآخرين. والخطبة مبنية على السجع، وليس ذلك فحسب، فإن منشئها تكلف فى الأسجاع الأولى أن يلتزم فيها الراء دلالة على مقدرته البلاغية، حتى إذا انتهى من التحميد والشهادة والتمجيد لله ولرسوله وأخذ فى الوعظ بنى قوافى أسجاعه على الألف والعين والتاء، فواعية تليها مراعية وداعية وساعية، ورأى أن يضيف إلى ذلك قافية داخلية فى العبارات أو السجعات، فكلمة خاطبة فى السجعة بأعلى هذه الصفحة تقابلها فى السجعات التالية كلمات صائبة وكاذبة وواجبة، فكأن السجعات المتوالية لا تتوازن خارجيّا فى القوافى النهائية فحسب، بل تتوازن أيضا داخليا، إذ تتقابل فيها قواف تتوسط العبارات، وكأن كل قافية متوسطة تطلب قرينتها فى العبارة أو العبارات التالية. وإذا كانت المصادر لم تسعفنا بمواعظ أو خطب دينية فى البحرين فإنه مما لا شك فيه أنه دبّجت هناك خطب ومواعظ كثيرة شأن البحرين فى ذلك شأن نجد وشأن جميع البلاد العربية فى الجزيرة ووراء الجزيرة إذ كان الوعظ دائما قائما، كما كانت الخطابة فى المساجد يوم الجمعة قائمة لأنها جزء لا يتجزأ من الصلاة وكانت فى جملتها مواعظ خالصة.

стр. 2346

٥ - محاورات ورسائل فكاهية ومقامات تلقانا فى الحقب المتأخرة من هذا العصر باليمن محاورات ورسائل فكاهية متنوعة، من ذلك محاورة لعلى بن صالح بن أبى الرجال جعل تاريخها سنة ١٠٨٥ للهجرة بين مسجد المذهب والمدرسة المرادية (١)، وكان المسجد قد بناه العثمانيون قبل مغادرتهم الأولى لليمن سنة ١٠٤٥ وأصبح فى حال رثة فلا فراش ولا سراج، فشكا حاله لمسجد جناح، فأشار عليه من باب النصيحة، لما بينهما من المودة الصحيحة، أن يتزوج بمدرسة من مدارس الأتراك، إذ النساء مصابيح البيوت، وفوّض له مسجد المذهب اختيار المدرسة التى يراها كفؤا له، وأشار عليه بإحدى مدرستين: البكيرية فريدة العصر، أو المرادية خريدة القصر. وذهب معه إلى البكيرية، فلما عرض عليها مسجد جناح الأمر أعرضت مدلّة، وقالت له: اخرج يا جناح أنت والمذهب، قبل أن تصفع وتضرب. وخرجا، وجناح يتمثل بقول ذى الرمة: على وجه مىّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزى لو كان باديا ونهضا إلى المدرسة المرادية، وأفهمها جناح أن المذهب جاء معه لخطبتها، وأنه نعم الرجل الصالح، العاقل الراجح، فقبلت واشترطت على المذهب مفرشتين (سجادتين) تستتر بهما وتتجمل، وقنديلا تنتفع به ليلة تتأهل. ويمضى على بن صالح قائلا: «فقال المذهب: من هذا كنت أحاذر، فلست على تحصيلهما بقادر، فالمفارش غالية، وليس عندى غير بسط بالية. فقال له جناح: أشهد أنك رجل وقاح. أما علمت أن المفارش كسوة أمثالها، وأنه لا يخطر البساط ببالها، وسأشير عليك بما يأسو جراحك، ويريش جناحك، فقال: سمعا لأمرك، وطوعا لحكمك. فأمرنى بما تراه، فإنى لا أتعدّاه، فقال: قد علمت أن البكيرية طردتك، وتهددتك بالضرب وتوعّدتك، فإذا كان جنح الظلام، وقد هجع النوّام، انسللت انسلال الخائف الذليل، وأخذت منها مفرشتين وقنديل (٢) فقال: قد أشرت بما فى النفس، فإنى مهمهم به من أمس. فلما نشر الظلام ثيابه، ومدّ على الأنام جلبابه، خرج من محلّه وانسلّ، وسقط عليها سقوط الطّلّ، فأخذ المفرشتين والقنديل، وعاد إلى منزله فرحا بالتحصيل، ولما أسفر ضوء

стр. 2347

الصباح أشار إلى مسجد جناح، بأن المطلوب قد حصل، فانهض بنا لتمام العمل. فحملا إلى المرادية ما اشترطته. .» وتمضى المحاورة، فتذكر أن بعض الدواوين المجاورة للمدرسة المرادية توسل إليها بماله من حق الجوار أن يحمل مسجد المذهب له مفرشة وقنديلا. يقول على بن صالح: «فقال له جناح: عاود ذلك المحل، فلعلك تظفر بالأمل. وقد كانت البكيرية جمعت من حولها من المساجد القريبة، وطلبت منها الرأى فى دفع هذه المصيبة، فأجمع رأى المساجد والمدارس، على أن يستأجروا لها حارس (١) فقالت: علىّ تحصيل الأجرة، وعليكم تحصيل رجل من أهل الخبرة، فاختاروا لها مسجد عقيل، وقالوا لها: هذا نعم الحارس والنزيل. فلما جنّ الظلام وهجع النوّام، أقبل مسجد المذهب، وهو خائف يترقّب، فخرج عقيل ومن حوله من المساجد، وحملوا عليه حملة رجل واحد، فهرب من بينهم وفرّ، فما قعد فى مجلسه ولا استقرّ، حتى وصلت إليه المساجد على الأثر وهتف بها أن عقيلا ومن معه يغيرون عليه، فأقبلوا يهرعون إليه، واشتد بينه وبين المساجد الخصام وكثر الكلام والزّحام، فقال: اعلموا يا جيرانى، أنى راقد بمكانى، فأتت المساجد فى جنح الدياجى، تريد (٢) تسرق بساطى وسراجى، فأعينونى على الحق، وأدركونى ولما أمزّق، فرجع كل مسجد إلى مكانه. واجتمعت المساجد عند البكيرية فى الليلة الثانية، ليتفاوضوا فى دفع هذه الداهية، فأجمعوا على أن يحفروا للمذهب حفرة فى أرض، بقدر طوله والعرض، وأن يربطوا الشّباك إلى جانب المئذنة والشّبّاك. فسكت عنهم أيام (٣)، ثم أقبل على حين غفلة من الأنام. . فوقع فى تلك الشّباك، وكاد أن يشرف على الهلاك». ويمضى على بن صالح فى المحاورة ذاكرا أن المساجد تجمعت من حوله، وكل منها يشكو حاله وكيف أنه صابر على ما صار إليه من الشدة، منتظرا انقضاء المدة، وأخذت المساجد تضربه وتركله، وافدة عليه رعيلا فى إثر رعيل، وهو بينهم كالأسير، قد غلبه البكاء والزفير. وبعد محاورات ومداورات يحن عليه مسجد الإمام ويرق لشكواه، ويدعو له المدرسة المرادية فى الحال. وأقبلت تتبختر فى ثيابها تائهة على أترابها. ويهجم عليها فى غير حياء. فتغضب المساجد، وتقدمه إلى الجامع الكبير ليعظه. ويعزم على الرحيل، ويأسى مسجد الإمام له. لافتتانه بالمرادية ويطلب إلى مساجد الأبزر وطلحة والأبهر أن تتوسط له

стр. 2348

لدى المرادية، فنهضوا إليها. وعرضوا الكلام عليها، فرفعت النقاب، وقالت: ما أشار به مسجد الإمام فهو الصواب، وتقول: «على أن ما عند المذهب من الغرام إلا بعض ما عندى، وكاد الهوى أن يخرجنى عن جلدى. . وإنى كنت لا أصلح لمثله، ولم أكن قد تزوجت من قبله، فقد أردت معرفة هذا الأمر ومعرفة الشئ خير من جهله، واشهدوا بأنى قد وكلت مسجد الإمام، يعقد لى بالمذهب، قبل أن يتبع هواه أو يترهّب. . وعقد لها مسجد الإمام بعد ما سمع شهادة الحاضرين وقال: بالرفاء والبنين». والمحاورة طريفة فى فكاهتها خفيفة فى ألفاظها وأسجاعها، وهى تمتد إلى نحو اثنتى عشرة صحيفة، ولها قيمة تاريخية، لأنها تصور ما أصاب مساجد صنعاء فى عصر الكاتب من عدم العناية بفرشها ومصابيحها وتجصيصها أو طلائها بالجصّ وترميم جدرانها وما تآكل من حيطانها، ولعلى بن محمد العنسى المترجم له بين الشعراء رسالة فكهة، كتبها على إثر أمر للإمام الزيدى القاسم بن الحسين (١١٢٨ - ١١٣٩ هـ) الملقب بالمتوكل أمر به الفقيه الزهوانى أن يعطيه عشرين قدحا من الشعير، وقد سماها: الروض الأقحوانى فى الشعير الزّهوانى. وكان قد أعطاه أربعة أقداح وأخذ يمطله ويؤجله فى البقية فكتب إلى القاسم بن الحسين متفكها (١): «مولاى حامى حمى الدين، وحافظ بيضة المسلمين، خلّد الله إقباله، وضاعف جلاله، حوّلتم للمملوك بعشرين قدحا على الفقيه الزّهوانى، الذى لا تقبض الحوالة منه إلا بالأمانى، فسلّم للمملوك منها أربعة أقداح شعير كان قدسها عنها خازن الإمام صلاح الدين فى ذلك العصر، فتركها فى زاوية من زوايا القصر، ثم مرّت عليها الأعوام والدهور. . وغمرها التراب إلى كعب الشّراك (٢). لما استولت على اليمن علوج الأتراك. ثم لاحت أنوار الدولة القاسمية التى لبس الدهر بها شبابه، وزان جبينه بأشرف عصابه. وقد صار ذلك الشعير دفينا تحت ترابه. وقد ذهب لبّه لطول المدة فلم يبق غير إهابه. ثم تعاقبت على المخزن أيدى الخزّان ولكنهم لم يبلغوا فى التحرى والتفتيش ما بلغه هذا الرجل النصيح، ذو الطبع المرضىّ والخلق الشحيح، فإنه لفرط الأمانة لم يترك التلفت على الزوايا، ولا أهمل المثل السائر: كم فى الزوايا من الخبايا، فعثر فى بعض لفتاته على تلك الزاوية التى اشتد ظلامها، وخفيت أعلامها، فرأى شيئا مجموعا، وتلاّ مرفوعا. . فلاحت له منه شعيرة بغير شعوره، أسرف لأجلها فى حبوره، وتصحيف سروره (٣)، فأمر بإثارة ذلك الكنز

стр. 2349

المدفون، والدفين المخزون. ثم عيّر (١)، فحصل منه أربعة أقداح، فجاءت وفق الاقتراح، واتفق لسوء الحظ حضور الرسول الغرير (٢)، حال بعث من مرقده ذلك الشعير، فكيل له فى الغرائر (٣) على غرّة، وقيل له: خذها، واحذر العود بعد هذه المرّة». والفكاهة واضحة فى الرسالة، وهى تلسع ولا تجرح ولا تدمى، فكاهة تحمل حينا دعابة وحينا سخرية خفيفة، دون أن تؤذى، وقد أنهاها بقطعة شعرية بديعة. وكانوا يلبسون أحيانا الفكاهة ثياب قضية طريفة كأن نجد يحيى بن إبراهيم الجحّاف يسوق سؤالا (٤) عن صديق عاهده على التعاون، وخاصة حين تبتسم له هو الدنيا، وتعبس فى وجه صديقه، فإنه حينئذ يمد له يد العون ولا يتركه لمحن الدهر تعصف به، غير أن هذا الصديق لم يف بعهده، وإنه ليسأل علماء العدل وقضاة الإحسان وحكام الإنصاف ومشايخ المروءة ما يقولون فى صديقين تغذّيا بلبان المحبة واستظلا بظلال الصداقة جمعتهما أخوة الأدب التى هى أوثق من أخوة النسب، وأقبلت الدنيا على أحدهما وأدبرت عن صاحبه، فتناساه وأهمله، فما حكمه؟ يقول: «فهبت لأحدهما ريح الإقبال، ولمعت له لمعة سعد، وأمطرته سحابة خير. . وبقى الثانى فى ظل العفو وروض العافية. . يسبح من حسن الظن فى غير ماء، ويطير مع طول الأمل بغير جناح. . إن التفت يمنة وجد محنة. أو نظر يسرة رأى حسرة، أو حاول به اللحاق، احتاج إلى البراق. وقد كان يقسم بالله الذى وسعت العباد رحمته، وشملتهم نعمته أنه إذا أثنيت له الوسادة، ولاحظته عين السعادة، وخرج من زاوية الخمول، وطلع نجمه بعد الأفول. . ليبلغنّه من الخيرات ما لا قلب فكّر فيه، ولا لسان نطق به، ولا جارحة تكلّفته ولا عين رأته ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر قط. فافتونا مأجورين مثابين إن شاء الله تعالى: ما الذى يجب فى شريعة المودة، ويسنّ فى دين الفتوة، ويندب فى ملة الوفاء، ويباح فى فقه العرف. . وهل من توبة تعلمونها لهذا الصاحب». . والقضية طريفة، وهى قضية اجتماعية، فكم من صديق تعاهد مع صديقه على البر والتعاون، وخاصة حين يرزق السعادة، فإنه لن يترك صديقه يعانى بؤس الحياة ومرارتها،

стр. 2350

بل سيأخذ بيده، ويكون عند وعده له بالتكافل والتضامن. حتى إذا أقبلت الدنيا عليه لم يذكر صديقه، وكأن لم يكن بينهما عهد ولا وعد ولا أخوة ولا مودة وثيقة. وتلقانا-من حين إلى حين-مقامات فكهة ولكن لا بالصورة التى تركها الحريرى وإنما بالصورة التى تطورت إليها فيما بعد من المناظرات بين الموضوعات المتقابلة كالصيف والشتاء، قصدا لبيان القدرة الأدبية، وفى الجزء الرابع من نفحة الريحانة مقامة طريفة للسيد محمد بن حيدر على لسان الفقر والغنى جعل فيها الفقر يتفوق على الغنى فى العلم وتحصيله.
следующие страницы →