٥ - محاورات ورسائل فكاهية ومقامات
تلقانا فى الحقب المتأخرة من هذا العصر باليمن محاورات ورسائل فكاهية متنوعة، من ذلك محاورة لعلى بن صالح بن أبى الرجال جعل تاريخها سنة ١٠٨٥ للهجرة بين مسجد المذهب والمدرسة المرادية (١)، وكان المسجد قد بناه العثمانيون قبل مغادرتهم الأولى لليمن سنة ١٠٤٥ وأصبح فى حال رثة فلا فراش ولا سراج، فشكا حاله لمسجد جناح، فأشار عليه من باب النصيحة، لما بينهما من المودة الصحيحة، أن يتزوج بمدرسة من مدارس الأتراك، إذ النساء مصابيح البيوت، وفوّض له مسجد المذهب اختيار المدرسة التى يراها كفؤا له، وأشار عليه بإحدى مدرستين: البكيرية فريدة العصر، أو المرادية خريدة القصر. وذهب معه إلى البكيرية، فلما عرض عليها مسجد جناح الأمر أعرضت مدلّة، وقالت له: اخرج يا جناح أنت والمذهب، قبل أن تصفع وتضرب. وخرجا، وجناح يتمثل بقول ذى الرمة:
على وجه مىّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزى لو كان باديا
ونهضا إلى المدرسة المرادية، وأفهمها جناح أن المذهب جاء معه لخطبتها، وأنه نعم الرجل الصالح، العاقل الراجح، فقبلت واشترطت على المذهب مفرشتين (سجادتين) تستتر بهما وتتجمل، وقنديلا تنتفع به ليلة تتأهل. ويمضى على بن صالح قائلا:
«فقال المذهب: من هذا كنت أحاذر، فلست على تحصيلهما بقادر، فالمفارش غالية، وليس عندى غير بسط بالية. فقال له جناح: أشهد أنك رجل وقاح. أما علمت أن المفارش كسوة أمثالها، وأنه لا يخطر البساط ببالها، وسأشير عليك بما يأسو جراحك، ويريش جناحك، فقال: سمعا لأمرك، وطوعا لحكمك. فأمرنى بما تراه، فإنى لا أتعدّاه، فقال: قد علمت أن البكيرية طردتك، وتهددتك بالضرب وتوعّدتك، فإذا كان جنح الظلام، وقد هجع النوّام، انسللت انسلال الخائف الذليل، وأخذت منها مفرشتين وقنديل (٢) فقال: قد أشرت بما فى النفس، فإنى مهمهم به من أمس. فلما نشر الظلام ثيابه، ومدّ على الأنام جلبابه، خرج من محلّه وانسلّ، وسقط عليها سقوط الطّلّ، فأخذ المفرشتين والقنديل، وعاد إلى منزله فرحا بالتحصيل، ولما أسفر ضوء
стр. 2347
الصباح أشار إلى مسجد جناح، بأن المطلوب قد حصل، فانهض بنا لتمام العمل. فحملا إلى المرادية ما اشترطته. .»
وتمضى المحاورة، فتذكر أن بعض الدواوين المجاورة للمدرسة المرادية توسل إليها بماله من حق الجوار أن يحمل مسجد المذهب له مفرشة وقنديلا. يقول على بن صالح:
«فقال له جناح: عاود ذلك المحل، فلعلك تظفر بالأمل. وقد كانت البكيرية جمعت من حولها من المساجد القريبة، وطلبت منها الرأى فى دفع هذه المصيبة، فأجمع رأى المساجد والمدارس، على أن يستأجروا لها حارس (١) فقالت: علىّ تحصيل الأجرة، وعليكم تحصيل رجل من أهل الخبرة، فاختاروا لها مسجد عقيل، وقالوا لها:
هذا نعم الحارس والنزيل. فلما جنّ الظلام وهجع النوّام، أقبل مسجد المذهب، وهو خائف يترقّب، فخرج عقيل ومن حوله من المساجد، وحملوا عليه حملة رجل واحد، فهرب من بينهم وفرّ، فما قعد فى مجلسه ولا استقرّ، حتى وصلت إليه المساجد على الأثر وهتف بها أن عقيلا ومن معه يغيرون عليه، فأقبلوا يهرعون إليه، واشتد بينه وبين المساجد الخصام وكثر الكلام والزّحام، فقال: اعلموا يا جيرانى، أنى راقد بمكانى، فأتت المساجد فى جنح الدياجى، تريد (٢) تسرق بساطى وسراجى، فأعينونى على الحق، وأدركونى ولما أمزّق، فرجع كل مسجد إلى مكانه. واجتمعت المساجد عند البكيرية فى الليلة الثانية، ليتفاوضوا فى دفع هذه الداهية، فأجمعوا على أن يحفروا للمذهب حفرة فى أرض، بقدر طوله والعرض، وأن يربطوا الشّباك إلى جانب المئذنة والشّبّاك. فسكت عنهم أيام (٣)، ثم أقبل على حين غفلة من الأنام. . فوقع فى تلك الشّباك، وكاد أن يشرف على الهلاك».
ويمضى على بن صالح فى المحاورة ذاكرا أن المساجد تجمعت من حوله، وكل منها يشكو حاله وكيف أنه صابر على ما صار إليه من الشدة، منتظرا انقضاء المدة، وأخذت المساجد تضربه وتركله، وافدة عليه رعيلا فى إثر رعيل، وهو بينهم كالأسير، قد غلبه البكاء والزفير. وبعد محاورات ومداورات يحن عليه مسجد الإمام ويرق لشكواه، ويدعو له المدرسة المرادية فى الحال. وأقبلت تتبختر فى ثيابها تائهة على أترابها. ويهجم عليها فى غير حياء. فتغضب المساجد، وتقدمه إلى الجامع الكبير ليعظه. ويعزم على الرحيل، ويأسى مسجد الإمام له. لافتتانه بالمرادية ويطلب إلى مساجد الأبزر وطلحة والأبهر أن تتوسط له
стр. 2348
لدى المرادية، فنهضوا إليها. وعرضوا الكلام عليها، فرفعت النقاب، وقالت: ما أشار به مسجد الإمام فهو الصواب، وتقول: «على أن ما عند المذهب من الغرام إلا بعض ما عندى، وكاد الهوى أن يخرجنى عن جلدى. . وإنى كنت لا أصلح لمثله، ولم أكن قد تزوجت من قبله، فقد أردت معرفة هذا الأمر ومعرفة الشئ خير من جهله، واشهدوا بأنى قد وكلت مسجد الإمام، يعقد لى بالمذهب، قبل أن يتبع هواه أو يترهّب. . وعقد لها مسجد الإمام بعد ما سمع شهادة الحاضرين وقال: بالرفاء والبنين».
والمحاورة طريفة فى فكاهتها خفيفة فى ألفاظها وأسجاعها، وهى تمتد إلى نحو اثنتى عشرة صحيفة، ولها قيمة تاريخية، لأنها تصور ما أصاب مساجد صنعاء فى عصر الكاتب من عدم العناية بفرشها ومصابيحها وتجصيصها أو طلائها بالجصّ وترميم جدرانها وما تآكل من حيطانها، ولعلى بن محمد العنسى المترجم له بين الشعراء رسالة فكهة، كتبها على إثر أمر للإمام الزيدى القاسم بن الحسين (١١٢٨ - ١١٣٩ هـ) الملقب بالمتوكل أمر به الفقيه الزهوانى أن يعطيه عشرين قدحا من الشعير، وقد سماها: الروض الأقحوانى فى الشعير الزّهوانى. وكان قد أعطاه أربعة أقداح وأخذ يمطله ويؤجله فى البقية فكتب إلى القاسم بن الحسين متفكها (١):
«مولاى حامى حمى الدين، وحافظ بيضة المسلمين، خلّد الله إقباله، وضاعف جلاله، حوّلتم للمملوك بعشرين قدحا على الفقيه الزّهوانى، الذى لا تقبض الحوالة منه إلا بالأمانى، فسلّم للمملوك منها أربعة أقداح شعير كان قدسها عنها خازن الإمام صلاح الدين فى ذلك العصر، فتركها فى زاوية من زوايا القصر، ثم مرّت عليها الأعوام والدهور. .
وغمرها التراب إلى كعب الشّراك (٢). لما استولت على اليمن علوج الأتراك. ثم لاحت أنوار الدولة القاسمية التى لبس الدهر بها شبابه، وزان جبينه بأشرف عصابه. وقد صار ذلك الشعير دفينا تحت ترابه. وقد ذهب لبّه لطول المدة فلم يبق غير إهابه. ثم تعاقبت على المخزن أيدى الخزّان ولكنهم لم يبلغوا فى التحرى والتفتيش ما بلغه هذا الرجل النصيح، ذو الطبع المرضىّ والخلق الشحيح، فإنه لفرط الأمانة لم يترك التلفت على الزوايا، ولا أهمل المثل السائر: كم فى الزوايا من الخبايا، فعثر فى بعض لفتاته على تلك الزاوية التى اشتد ظلامها، وخفيت أعلامها، فرأى شيئا مجموعا، وتلاّ مرفوعا. . فلاحت له منه شعيرة بغير شعوره، أسرف لأجلها فى حبوره، وتصحيف سروره (٣)، فأمر بإثارة ذلك الكنز
стр. 2349
المدفون، والدفين المخزون. ثم عيّر (١)، فحصل منه أربعة أقداح، فجاءت وفق الاقتراح، واتفق لسوء الحظ حضور الرسول الغرير (٢)، حال بعث من مرقده ذلك الشعير، فكيل له فى الغرائر (٣) على غرّة، وقيل له: خذها، واحذر العود بعد هذه المرّة».
والفكاهة واضحة فى الرسالة، وهى تلسع ولا تجرح ولا تدمى، فكاهة تحمل حينا دعابة وحينا سخرية خفيفة، دون أن تؤذى، وقد أنهاها بقطعة شعرية بديعة. وكانوا يلبسون أحيانا الفكاهة ثياب قضية طريفة كأن نجد يحيى بن إبراهيم الجحّاف يسوق سؤالا (٤) عن صديق عاهده على التعاون، وخاصة حين تبتسم له هو الدنيا، وتعبس فى وجه صديقه، فإنه حينئذ يمد له يد العون ولا يتركه لمحن الدهر تعصف به، غير أن هذا الصديق لم يف بعهده، وإنه ليسأل علماء العدل وقضاة الإحسان وحكام الإنصاف ومشايخ المروءة ما يقولون فى صديقين تغذّيا بلبان المحبة واستظلا بظلال الصداقة جمعتهما أخوة الأدب التى هى أوثق من أخوة النسب، وأقبلت الدنيا على أحدهما وأدبرت عن صاحبه، فتناساه وأهمله، فما حكمه؟ يقول: «فهبت لأحدهما ريح الإقبال، ولمعت له لمعة سعد، وأمطرته سحابة خير. . وبقى الثانى فى ظل العفو وروض العافية. . يسبح من حسن الظن فى غير ماء، ويطير مع طول الأمل بغير جناح. . إن التفت يمنة وجد محنة. أو نظر يسرة رأى حسرة، أو حاول به اللحاق، احتاج إلى البراق. وقد كان يقسم بالله الذى وسعت العباد رحمته، وشملتهم نعمته أنه إذا أثنيت له الوسادة، ولاحظته عين السعادة، وخرج من زاوية الخمول، وطلع نجمه بعد الأفول. . ليبلغنّه من الخيرات ما لا قلب فكّر فيه، ولا لسان نطق به، ولا جارحة تكلّفته ولا عين رأته ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر قط. فافتونا مأجورين مثابين إن شاء الله تعالى: ما الذى يجب فى شريعة المودة، ويسنّ فى دين الفتوة، ويندب فى ملة الوفاء، ويباح فى فقه العرف. .
وهل من توبة تعلمونها لهذا الصاحب». .
والقضية طريفة، وهى قضية اجتماعية، فكم من صديق تعاهد مع صديقه على البر والتعاون، وخاصة حين يرزق السعادة، فإنه لن يترك صديقه يعانى بؤس الحياة ومرارتها،
стр. 2350
بل سيأخذ بيده، ويكون عند وعده له بالتكافل والتضامن. حتى إذا أقبلت الدنيا عليه لم يذكر صديقه، وكأن لم يكن بينهما عهد ولا وعد ولا أخوة ولا مودة وثيقة.
وتلقانا-من حين إلى حين-مقامات فكهة ولكن لا بالصورة التى تركها الحريرى وإنما بالصورة التى تطورت إليها فيما بعد من المناظرات بين الموضوعات المتقابلة كالصيف والشتاء، قصدا لبيان القدرة الأدبية، وفى الجزء الرابع من نفحة الريحانة مقامة طريفة للسيد محمد بن حيدر على لسان الفقر والغنى جعل فيها الفقر يتفوق على الغنى فى العلم وتحصيله.
стр. 2351
القسم الثانى
العراق
стр. 2352
الفصل الأوّل
السياسة والمجتمع
١ - البويهيون والسلاجقة والخلفاء العباسيون
البويهيون (١) أسرة فارسية تنسب إلى بويه، وهو فارسى ديلمى، ويقال إنه كان صيّادا على بحر قزوين، وكان أبناؤه على والحسن وأحمد من حوله يحتطبون. ونراهم حين صار إليهم الملك ينسبهم المؤرخون-ملقا لهم فيما يبدو-إلى الملك الساسانى بهرام جور. ومهما يكن فقد التحق بويه وأبناؤه بخدمة ما كان بن كاكى، حتى إذا انتصر عليه مرداويج الزّيارى صاحب جرجان تحولوا إليه، وأيدوه فى حروبه ضد الدولة العلوية الزيدية بطبرستان، فولّى عليا الكرج فى الجنوب الشرقى من همذان سنة ٣٢٠ للهجرة، ولم يلبث على أن استولى على فارس وأرّجان واتخذ شيراز مقرا له. وقتل مرداويج فى سنة ٣٢٣ فاستولى هو وأخوه الحسن على أصفهان والرّىّ اللتين كانتا تابعتين له وتولى الحسن شئونهما وشئون بلاد الجبل، واستولى أخوهما أحمد على كرمان، وظل يتقدم تدريجا نحو الغرب حتى استولى على الأهواز سنة ٣٢٦ ومضى يتقدم حتى استولى على واسط، وفى هذه الأثناء كانت المجاعة تهدد بغداد، وكان الجند الأتراك ثائرين على الخليفة وقواده لعجزه عن دفع رواتبهم، فوجد أحمد الأبواب جميعها مفتوحة إلى بغداد فدخلها فى جمادى الأولى سنة ٣٣٤. ورحّب به الخليفة المستكفى منقذا ومخلّصا، ومنحه إمرة الأمراء ولقّبه معز الدولة، ولقّب أخاه عليا صاحب فارس وشيراز عماد الدّولة والحسن صاحب بلاد
стр. 2353
الجيل ركن الدولة، وضربت ألقابهم على السكّة، وذكرت أسماؤهم وألقابهم مع الخليفة فى خطبة الجمعة. ومن حينئذ بالغ البويهيون فى الألقاب الفخمة يضفونها على أنفسهم وعلى وزرائهم. . ولم يكد الشهر التالى لدخول معز الدولة بغداد يتقدم حتى خلع المستكفى وسملت عيناه، وولى الخلافة بعده ابن عمه المطيع لله، ولم يكن له ولا لمن تلاه من الخلفاء العباسيين فى عهد البويهيين حول ولا طول ولا سلطان إلا ما كان من ذكر أسمائهم فى خطبة الجمعة وعلى السّكّة المضروبة. وكأنما أصبحوا مجرد صنائع فى أيدى البويهيين يسبغون عليهم الرواتب بالمقدار الذى يريدون.
وظل معز الدولة يلى شئون بغداد والعراق والأهواز وكرمان إلى أن توفى سنة ٣٥٦ وخلفه ابنه عز الدولة بختيار، وكان شديد البأس شجاعا يمسك الثور العظيم بقرنيه فلا يتحرك، وتزوج الخليفة الطائع ابنته شاه زمان فى سنة ٣٦٤ على صداق قدره مائة ألف دينار. وكانت ولاية فارس قد صارت إلى ابن عمه عضد الدولة ابن ركن الدولة منذ وفاة عمه عماد الدولة سنة ٣٣٨ للهجرة إذ لم يترك ولدا. فآلت ولايته إلى أخيه ركن الدولة، فمنحها ابنه عضد الدولة. وتوفّى ركن الدولة سنة ٣٦٥ وجعل لعضد الدولة أقاليم فارس وكرمان وأرّجان وشيراز، ولأخيه مؤيد الدولة الرىّ وأصفهان، ولأخيهما فخر الدولة همذان والدّينور، وجعل لعضد الدولة الرياسة على أخويه، ولم تلبث الأمور أن ساءت بينه وبين بختيار ابن عمه معز الدولة، فاشتبكا فى حروب، قتل فيها بختيار فى شوال سنة ٣٦٧. وبذلك دخلت بغداد وما تبعها من العراق فى حوزة عضد الدولة منذ هذا التاريخ.
وعضد الدولة هو أعظم ملوك بنى بويه، إذ بلغ سلطانه من سعة الملك ما لم يبلغه أحد من أسرته وهو أول من خطب له-فيما يقال-على منابر بغداد بعد الخلفاء وأول من لقّب بشاهنشاه (ملك الملوك) فى الإسلام وأصبح البويهيون بعده يلقّبون بهذا اللقب، وكانت فيه قسوة شديدة، ومما يصور ذلك رميه بابن بقية الوزير تحت أرجل الفيلة حين سلّمه إليه بختيار لأمور ساءته، فقتلته بأرجلها شر قتلة. وقد قضى على لصوص الطرق قضاء مبرما وأعاد الأمن إلى نصابه فى صحراء كرمان وصحراء جزيرة العرب، ورفع عن قوافل الحجاج الجباية واحتفر لهم الآبار فى سبلهم إلى مكة وأدار على مدينة الرسول ﷺ سورا حصينا، وأمر بعمارة منازل بغداد وأسواقها وابتدأ بعمارة المساجد، وألزم أصحاب العقارات تشييد بيوتهم وأقرض من قصرت يداه من بيت المال وخاصة من كانت بيوتهم تقع على شاطئ دجلة، وعنى بالبساتين فامتلأت خرابات بغداد بالزهر والخضرة، وجلب
стр. 2354
إلى بغداد الغروس فى سائر البلاد، وعنى بجداولها وجسورها، وأنشأ سوقا للبزّازين. وبنى مارستانا كبيرا ببغداد، وأجرى الرواتب على العلماء من كل صنف، وكان عادلا سيوسا يحسن اختيار ولاته وعماله، وكانت جراياته متصلة على الفقراء والمساكين.
غير أن مدة حكمه لبغداد والعراق لم تطل، فقد توفى سنة ٣٧٢، وكأنهما لم تنعما بحكمه إلا خمس سنوات متصلة. وكان قد قسم مملكته بين أبنائه الثلاثة: شرف الدولة وصمصام الدولة وبهاء الدولة، وهو تقسيم أثبتت الأيام دائما أنه نذير بضياع الدولة واختلال شئونها. وتولى شئون بغداد والعراق صمصام الدولة يعاونه وزيره أبو عبد الله بن سعدان صاحب أبى حيان، ولم ينجح أمر صمصام الدولة وغلب عليه أخوه شرف الدولة سنة ٣٧٦ وقهره وحبسه وأخذ بغداد منه، ويتوفّى شرف الدولة سنة ٣٧٩ بعد أن عهد بالملك لأخيه بهاء الدولة وضياء الملة الذى ظل حاكما لبغداد والعراق حتى وفاته سنة ٤٠٣ وكان-كما يقول المؤرخون-ظالما غشوما سفاكا للدماء، وقد قبض على الخليفة الطائع سنة ٣٨١ وخلعه من الخلافة، وولاها القادر بالله، ولم يكن فى ملوك بنى بويه أظلم منه ولا أقبح سيرة، ويقال إنه جمع من المال ما لم يجمعه أحد. وتوزعت الدولة بعده بين أبنائه الأربعة: مشرّف الدولة وقوام الدولة وجلال الدولة وأبى شجاع سلطان الدولة وهو الذى ولى بغداد بعد أبيه بعهد منه، وظل يلى شئون ولايته حتى سنة ٤١٢ حين عظم أمر أخيه مشرف الدولة وعلت كفّته، فخطب له ببغداد فى المحرّم وخوطب بشاهنشاه.
ويدور العام، فيتم الصلح بين الأخوين، ويعود ذكر سلطان الدولة إلى الخطبة، ويتوفى سلطان الدولة فى سنة ٤١٥ ولا يلبث أخوه مشرف الدولة أن يتوفى بعده فى سنة ٤١٦ وتصبح بغداد خالصة هى والعراق لأخيهما جلال الدولة، ويستوزر أبا سعيد بن ماكولا، ويلقبه علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك، مما يصور مدى تغالى البويهيين فى الألقاب، ويطول حكم جلال الدولة حتى وفاته سنة ٤٣٥ ويختل الحكم فى أيامه ويختل السلطان حتى يبلغ من ذلك أن يستولى العيّارون واللصوص على بغداد سنة ٤٢٦ ويفعلون بها أفعالا قبيحة، واختلّت الشئون المالية، وبلغ من سوء اختلالها أن باع جلال الدولة ثيابه وماعون بيته وآلاته فى الأسواق، وخلت داره-كما يقول ابن الجوزى-من الحجّاب والفراشين والبوابين. وخلفه أبو كاليجار بن سلطان الدولة حاكم فارس والأهواز، وكان شجاعا فاتكا مشغولا باللهو، وفى عهده أخذ المدّ السلجوقى يزداد حتى شمل أكثر إيران، مما جعله يموت غمّا سنة ٤٤٠ ويخلفه ابنه أبو نصر الملقب بالملك الرحيم، وبلغ من ضعفه أن جرّده أحد قواده الأتراك، ويسمى البساسيرى، من سلطانه
стр. 2355
كله، وأحسّ الخليفة العباسى القائم بأمر الله بخطره، وعرف أنه يكاتب سرّا الخليفة المستنصر الفاطمى بمصر، وأنه يدبّر أمرا خطيرا. وكانت الدولة السلجوقية قد أخذ يعظم شأنها فى خراسان بقيادة طغرلبك ودانت لها خراسان وشطر كبير من إيران، فكتب إليه الخليفة يستنهضه إلى المسير إلى بغداد سنة ٤٤٦، وأمر أن يذكر اسم طغرل فى الخطبة وعلى النقود قبل اسم الملك الرحيم. ولم يلبث أن دخل بغداد وقضى نهائيا على الدولة البيويهية.
والسلاجقة (١) شعبة من الأتراك الغزّ الذين أخذوا يغيرون بقيادة زعيمهم سلجوق منذ سنة ٤٢٠ للهجرة على حدود إيران الشمالية والشرقية، جاءوا من التركستان إلى بلاد ما وراء النهر، وكانوا يقضون مشتاهم بالقرب من بخارى ومصيفهم بالقرب من سمرقند. وقد اعتنق سلجوق الإسلام السنى وتبعته قبيلته. ويقال إن السلطان محمودا الغزنوى دعاهم إلى الإقامة فى الأقاليم المحيطة ببخارى، غير أنه عاد فتوجّس منهم شرا، مما جعله يأمر بالقبض على إسرائيل بن سلجوق، وحبسه فى قلعة ببلاد الهند، ظل بها حتى مات. وتوفى محمود.
وفكر السلاجقة فى الثأر فانقضّوا على بخارى. وهزموا جيوش مسعود بن محمود. وأعلن طغرلبك نفسه ملكا على خراسان فى صيف سنة ٤٣٠ للهجرة، ودانت له مرو ونيسابور، ولم يلبث مسعود أن توفى سنة ٤٣٢ فتمكنوا من الاستيلاء على بقية خراسان واستولوا على طبرستان وسجستان وهراة وبست وأخذ طغرل يولّى أبناء أسرته وعمومته على البلاد، واتخذ الرّىّ حاضرة له. واستنجد به الخليفة القائم بأمر الله كى يضبط بغداد على نحو ما أسلفنا، فدخلها فى سنة ٤٤٧ وهرب منها البساسيرى، وخلع عليه الخليفة خلعا سنية وأجلسه على العرش إلى جواره، وألبسه حلة فاخرة، وكان البساسيرى قد فرّ إلى الشمال فتعقبه طغرلبك حتى الموصل، واضطر أن يتركه إلى حرب أخ لأمه يسمى إبراهيم بن ينال خرج عليه فى همذان، وعرف البساسيرى كيف يستغل الفرصة، فوضع يده فى يد أحد أمراء بنى عقيل، وهو قريش بن بدران، واستوليا على بغداد وأمر الخطباء على منابرها بذكر اسم المستنصر الخليفة الفاطمى فى خطبة الجمعة، وكذلك صنعا بما استوليا عليه من
стр. 2356
المدن. وأخرج البساسيرى الخليفة من بغداد إلى عانة من مدن الجزيرة، ولكن طغرل لم يلبث أن عاد إلى بغداد وأعاد إليها الخليفة وقضى على هذه الفتنة قضاء مبرما، مما جعل الخليفة يلقبه بلقب ملك الشرق والغرب.
وطغرل هو أول ملوك الدولة السّلجوقية العظام، وكان شجاعا مقداما كريما حليما حازما حريصا على أداء واجباته الدينية، وتوفّى بمدينة الرّىّ سنة ٤٥٥ فخلفه ابن أخيه ألب أرسلان بن جغرى بك، كان اسمه بالعربية محمدا، ولقّب بالملك العادل، ويقال إنه أول من لقب بالسلطان من بنى سلجوق، وذكر على منابر بغداد، وكان شجاعا مطاعا، وهو أعدل بنى سلجوق فى الرعية، وقد وسع حدود مملكته من الصين شرقا إلى الشام غربا، وقد استولى على ما بيد الفاطميين من البلاد حتى دمشق، وقاد حملات مظفرة ضد دولة الروم الشرقية وأسر إمبراطورها «رومانوس ديوجين» سنة ٤٦٢ فى موقعة دمّر فيها الجيش الرومى تدميرا. ويقال إن جيشه لم يكن يزيد على خمسة عشر ألف محارب بينما كان الجيش الرومى فى تلك الموقعة يتألف من مائتى ألف رجل من يونان وأرمن وقوقاز وروس وغيرهم. وفدى الإمبراطور نفسه بمليون دينار، وعقد معه ألب أرسلان معاهدة لمدة خمسين سنة، على أن تلبيه جنود الروم إذا طلبها، وأن تردّ إلى أسرى المسلمين حرياتهم.
وكان مدبّر مملكته وزيره نظام الملك، وكان حصيفا وافر العقل، وسياسيا حكيما بصيرا بتدبير الأمور، محبا للعلم، وقد بعث فى دولته نهضة علمية أسس لها مدارسه المعروفة باسم المدارس النظامية، أقامها فى كثير من البلدان، وعنى خاصة بمدرسته النظامية ببغداد واستقدم لها العلماء من نيسابور وغيرها وفى مقدمتهم أبو إسحق الشيرازى والغزالى وغيرهما من كبار العلماء. وخلف ألب أرسلان حين توفى سنة ٤٦٥ ملكشاه ابنه، وكان شابا فى الثامنة عشرة من عمره، فأحكم له نظام الملك شئون دولته وفرّق البلاد على أولاده، وجعل مرجعهم إلى ملكشاه. وكان مظفرا، استولت جيوشه على كثير من البلاد، حتى قيل إنه ملك من الأقاليم ما لم يملكه أحد من السلاطين، فكانت مملكته تشتمل على جميع بلاد ماوراء النهر وإيران والعراق وبلاد الروم والجزيرة والشام، وكان ملكه يمتدّ من مدينة كاشغر-وهى أقصى مدينة للترك-إلى بيت المقدس طولا-كما يقول ابن تغرى بردى- ومن بحر قزوين والقسطنطينية إلى بحر الهند عرضا.
وكان من أحسن الملوك سيرة، وبالمثل كان وزيره نظام الملك، ويروى أنه لما تسلطن خرج عليه عمه «قاورد بك» صاحب كرمان، فحاربه وأخذه أسيرا فلما مثل بين يديه قال له: أمراؤك كاتبونى وأبرز له مكاتبات، فأخذها ملكشاه وأعطاها إلى وزيره نظام
стр. 2357
الملك، فتناولها منه وألقاها فى موقد نار كان بين يدى ملكشاه فاحترقت. فسكنت قلوب الأمراء وبذلوا الطاعة، وثبت ملكه بهذا الصنيع الجميل لنظام الملك. وكان ملكشاه مولعا بالعمائر، فعمّر الأسوار والقناطر وحفر الأنهار، وأبطل المكوس فى جميع بلاده، وأقام مصانع الماء بطريق مكة وأنفق عليها أموالا طائلة، وهو الذى عمّر جامع السلطان ببغداد سنة ٤٨٥ وكانت الطرق فى أيامه آمنة، تسير القوافل من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فى مملكته وليس معها خفير.
وتزوج الخليفة المقتدى بابنته سنة ٤٨٠. ويقول ابن خلكان: كان اليمن والبركة مقرونين بناصيته، وكان إذا دخل بغداد أو أصبهان أو أى بلد من البلاد دخل مع عدد لا يحصى لكثرته، فيرخص السعر وتنحط أثمان الأشياء عما كانت عليه قبله. ويتكسب المتعيشون مع عسكره الكسب الكثير. وكان ينفق الأموال الكثيرة على المدارس والرباطات. وتوفى ببغداد فى شوال سنة ٤٨٥ وحمل تابوته إلى أصبهان ودفن فى مدرسة موقوفة على الشافعية والحنفية. وبه ينتهى عهد السلاجقة العظام، وخلفه ابنه بركياروق، وكان أخوه السلطان سنجر نائبه على خراسان، ودخل فى حروب مع أخيه محمد صاحب أذربيجان، وكانت كفته دائما الراجحة، وحاربه عمه تتش صاحب دمشق، وقتل فى بعض المعارك، ودوّخ الإسماعيلية الباطنية فى إيران، وقتل منهم كثيرين، وكان عالى الهمة إلا أنه كان مولعا بالشراب والإدمان عليه وتوفى سنة ٤٩٨. وخلفه أخوه محمد، وله وقائع مع الإسماعيلية وانتصارات متوالية استولى فيها على بعض حصونهم، ويقول ابن خلكان:
«له الآثار الجميلة والسيرة الحسنة والمعدلة الشاملة والبر بالفقراء والأيتام والحرب للطائفة الملحدة (يريد الإسماعيلية) والنظر فى أمور الرعية». وتوفى سنة ٥١١. وقام بالملك بعده ابنه محمود وهو يومئذ فى سن الحلم، وكان قوى المعرفة بالعربية حافظا للأشعار والأمثال عارفا بالتواريخ والسّير شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وهو ممدوح حيص بيص الشاعر المشهور، ويقول ابن خلكان إن السلطنة ضعفت فى أواخر أيامه وقلت أموالها حتى عجزوا عن إقامة وظيفة الفقّاعى أو الشّرابى، فدفعوا له يوما بعض صناديق الخزانة حتى باعها وصرف ثمنها فى حاجته.
وتوفى سنة ٥٢٥ بعد أن عهد لابنه داود وهو صغير فى المهد، ولما كان لا يصلح لصغره تولى السلطنة عمه طغرل، وتوفى سنة ٥٢٧ فصارت إلى أخيه مسعود. وكان قد سلمه أبوه إلى أتابكة الموصل: مودود ثم آق سنقر ثم جوش بك، وكان شجاعا، غير أنه أقبل على
стр. 2358
الاشتغال باللذات، وطالت أيامه حتى سنة ٥٤٧ وقتل من الأمراء خلقا كثرا، وممن قتلهم الخليفتان لعهده المسترشد بالله والراشد. وفى هذا ما يدل على أن السلاحقة استهانوا بخلفاء بنى العباس ولم يدعوا لهم حولا ولا طولا، إذ استخلصوا منهم كل شئ حتى حق الحياة.
ويقول ابن خلكان لم تقم للسلاجقة بعد مسعود راية، وكأنه يختم دولتهم فى العراق، أو قل كأن قتله للخليفتين المسترشد والراشد كان إيذانا بانتهاء الدولة السلجوقية، وأقيم بعده فى الملك ابن أخيه ملكشاه بن محمود، ولم يلبث أن توفى بعد خمسة أشهر من حكمه.
ولابد أن نلاحظ أنه منذ انتهاء عهد السلاجقة العظام بموت ملكشاه سنة ٤٨٥ أخذ البيت السلجوقى يضعف لصغر السلاطين الذين كانوا يعتلون العرش وهم أحداث. وابتدع السلاجقة نظام الأتابكة، وهم قواد يتولون تربية أبنائهم، وكانوا يجعلونهم معهم حين يولونهم بعض الإمارات فيصبحون هم الحكام الحقيقيين، وليس ذلك فحسب، فكثيرا ما تنافسوا فيما بينهم، فكان كل منهم يريد أن يفوز لأميره الذى فى رعايته بالسلطنة، وبذلك حمل الإخوة وأبناء الأعمام السيوف وشهرها بعضهم فى وجوه بعض، مما جعل عهود بركياروق ومحمد وابنه محمود ومسعود حروبا متصلة، وبذلك ضعفت الدولة أو أخذت فى الضعف سريعا.
وكانت تمنح لبعض هؤلاء الأتابكة بلدان وإقطاعات تقطعها الدولة لهم، حتى يساعدوها بما تحتاج إليه من مال وجند. وانتهز بعض هؤلاء الأتابكة الفرصة فاستقلوا ببلدانهم وجعلوها وراثية فى أسرهم. نذكر منهم الأرتقيين أو الدولة الأرتقية فى ديار بكر والجزيرة وبلدانها ميّافارقين وآمد وحصن كيفا وحرّان وماردين، كما نذكر منهم بنى زنكى فى الموصل ولهم الفضل الأكبر فى القضاء على الصليبيين فإن «زنكى» الملقب بعماد الدين هو الذى افتتح سلسلة دحرهم وطردهم من ديارنا باستيلائه على «الرّها» من جوسلين الصليبى، وبذلك سقطت أولى ممالكهم، وتبعه ابنه نور الدين يمحقهم محقا فى الشام، وحين علا نجم صلاح الدين وتبعته الشام ترك للأسرة الموصل وبلدانها سنجار وغيرها.
على كل حال كان طبيعيا أن تهبط الدولة السلجوقية بعد صعود ويأفل نجمها، وقد حاول محمد شاه بن محمود السلجوقى فى سنة ٥٥٢ الاستيلاء على بغداد غير أنه أرغم على فك الحصار، أرغمه الخليفة المقتفى وجنوده، ولم يستطع السلاجقة بعد ذلك العودة إلى بغداد، بل انحازوا إلى همذان حيث توالى فيها سلاطينهم إلى حين. وعاد إلى بغداد وما يتبعها من البلدان جنوبى الموصل استقلالها، وردّت إلى الخلفاء حرياتهم وسلطانهم
стр. 2359
وللمقتفى (١) (٥٣٢ - ٥٥٥ هـ) الفضل فى عودة صولجان الحكم إلى أيدى الخلفاء العباسيين. وظلوا قابضين عليه حتى الغزو المغولى أو التتارى سنة ٦٥٦ وكان المتقى عالما أدبيا دمث الأخلاق.
وخلفه ابنه المستنجد (٥٥٥ - ٥٦٦ هـ) وكان عادلا محبوبا فى الرعية أزال المظالم والمكوس. وولى الخلافة بعده ابنه المستضئ (٥٦٦ - ٥٧٥ هـ) وكان حسن السيرة أسقط المكوس والضرائب فى أيام خلافته. وفى أيامه أعاد صلاح الدين الخطبة باسمه فى مصر والثغور الشامية، وانقطعت دولة الفاطميين من مصر وأعمالها، وبذلك عاد للأمة اجتماعها على خليفة واحد. وخلفه ابنه الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) وفى عهده سحق صلاح الدين الصليبيين فى الشام واستولى منهم على بيت المقدس وغيره من البلدان والحصون. واستطاع عبد الجبار البغدادى فى أيامه أن يحوّل جماعة الفتاك الذين كانوا يرهبون الناس فى بغداد وينهبون الأموال إلى جماعة كبيرة للفتوة والبسالة، واتخذ لهم سراويل مخصوصة، وبذلك أحالهم إلى جماعة حربية، واستنفر فئات منهم كثيرة لجهاد الصليبيين فى الشام مع الأيوبيين، ورعى الناصر الجماعة خير رعاية، وانضم إليها ولبس سراويلها، وأرسل بها إلى ولاته كى يلبسوها ويصبحوا من فتيان الأمة المجاهدين.
وممن أرسلها إليهم الملك العادل أخو صلاح الدين وأبناؤه، فلبسوها، ولبسها شهاب الدين صاحب غزنه والهند.
ويتولى الخلافة بعد الناصر ابنه الظاهر، ولا يدور العام حتى يتوفى، ويخلفه ابنه المستنصر (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ) وكان شغوفا بالعلم فأسس مدرسته المستنصرية المشهورة. ونشر السنن وكفّ الفتن. وأخذ سيل المغول أو التتار يتعاظم فى عهده ويكتسح خوارزم وإيران وتمتد بعض سيوله إلى ديار بكر والجزيرة. وولى الخلافة بعده ابنه المستعصم (٦٤٠ - ٦٥٦ هـ) وكان ضعيفا جاهلا بتدبير الملك، استوزر مؤيد الدين بن العلقمى، وكان رافضيا حريصا على زوال الدولة، فكاتب هولاكو وأرسل إليه أخاه وغلامه، وسهّل عليه فتح العراق وأخذ بغداد.
وسارع هولاكو، وهاجم بغداد، ولقيه العسكر والبغداديون على مرحلتين من بغداد،
стр. 2360
وسرعان ما انكسروا وأخذتهم السيوف، وأشار ابن العلقمى على المستعصم أن يخرج للقاء هولاكو ومفاوضته، فقتله خنقا، ودخل التتار بغداد وظلوا يعملون السيف فى أهلها أربعة وثلاثين يوما، حتى بلغ عدد القتلى نحو ثمانمائة ألف، وخربت بغداد خرابا لا حد له، وأحرقت بها كتب العلم والأدب، وانقضت الخلافة العباسية منها وزالت أيامها، ورثاها الشعراء مراثى كثيرة من مثل مرثية الشيخ تقى الدين التنوخى، وفيها يقول:
يا زائرين إلى الزّوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديّار
وذاق ابن العلقمى الذل والهوان من التتار، كما ذاقهما أيضا من مالأهما من حكام الموصل والجزيرة، وفى مقدمتهم بدر الدين لؤلؤ. وكان الأمير الزنكى أستاذه الملقب بالملك القاهر صاحب الموصل قد توفى سنة ٦١٥ وخلفه ابنه نور الدين وسنه عشر سنوات، وكان قد جعل بدر الدين لؤلؤا أتابكا له، ولم يلبث نور الدين أن توفى، فأقام لؤلؤ مكانه أخاه ناصر الدين، وله من العمر ثلاث سنوات، وما زال يعمل على تثبيت سلطانه، حتى ملك الموصل فى سنة ٦٣٠ وأزال منها الأسرة الزنكية. وما إن تدافعت أمواج التتار نحو أذربيجان حتى أخذ يمدهم بما يحتاجون إليه من الزاد والعتاد منذ سنة ٦٣٤ وما إن علم بتقدم هولاكو نحو بغداد حتى أعد جيشا لمساعدته بقيادة ابنه إسماعيل إلا أن الجيش تأخر قليلا، فما كان من هولاكو إلا أن حزّ رأس إسماعيل وأرسل بها إلى أبيه، فذهب إليه هلعا فزعا يحمل الهدايا، وتوفى بدر الدين فى سنة ٦٥٧. ولم يلبث هولاكو أن اجتاح الموصل بجيوشه، وقتل حاكمها الصالح بن بدر الدين لؤلؤ، فلم تنفعه لا هو ولا أبوه خياناتهما المتكررة، وأصبحت العراق كلها فى حوزة التتار.
٢ - الدول: المغولية والتركمانية والصفوية والعثمانية
المغول أو التتار قبائل رحّل كانت تستوطن منغوليا على حدود الصين، واستطاع أحد أبنائها وهو جنكز خان أن يجمعها تحت لوائه، وأن يفتح بها الصّين وبكين، حتى إذا تم له ذلك وجّه جموعه نحو فارس فاستولت على بخارى ومملكة خوازرم وزحفت سيولها إلى الرّىّ وهمذان، مستولية على شمالى فارس فيما بين سنتى ٦١٦ و ٦٢٥ للهجرة وتوفى فى السنة الأخيرة بالصين. وخلفه ابنه أوكدى (٦٢٥ - ٦٣٩) الذى استطاع أن يخضع روسيا وبولندة لحكمه، وخلفه ابنه كيوك حتى وفاته سنة ٦٤٦ وولى بعده ابن عمه منكو، وهو
стр. 2361
الذى أرسل بأخيه هولاكو إلى إيران، فقضى فيها على الإسماعيلية الحشاشين، وأخذ يعمل على الاستقلال بإيران مع تبعيته لأخيه، ولم يكتف بها، فقد امتدت مطامعه إلى العراق وبغداد، ولم يلبث أن خرّب بغداد المدينة التاريخية العظيمة كما أسلفنا سنة ٦٥٦، واتخذ هولاكو لقب (إيل خان) أو تابع الخان وهو لقب ورثه عنه خلفاؤه على إيران والعراق مما جعل دولتهم تسمى الدولة الإيلخانية، بينما انتسب المد المغولى الثانى فى إيران والعراق إلى تيمور لنك، مما جعل دولته هو وأبنائه تسمى الدولة التيمورية، وبذلك تنقسم الدولة المغولية إلى دولتين: الدولة الإيلخانية والدولة التيمورية.
الدولة المغولية الإيلخانية (١)
تنتسب هذه الدولة إلى هولاكو (إيلخان) الذى أطبقت جموعه على بغداد والعراق فى سنة ٦٥٦ ومضت إلى الشمال فاستولت على ديار بكر والجزيرة وأخذت تعد العدة للاستيلاء على الديار الشامية والمصرية. ومضوا فى سنة ٦٥٨ يستولون على حلب وبلدان الشام، وسلمت لهم دمشق، وسقطوا إلى فلسطين فى الجنوب، فلقيهم الجيش المصرى بقيادة قطز والظاهر بيبرس فى عين جالوت بالقرب من نابلس، فمزق جموعهم تمزيقا، وقتل قائدهم، وكانت مجزرة عظيمة لهم حتى إنه لم يسلم منهم إلا فلول قليلة ولت الأدبار، وتبعها الظاهر بيبرس إلى أطراف الشام فى الشمال. وبذلك ردّ سيلهم عن الشام ومصر إلى غير مآب. ولم يملك هولاكو-كما قدمنا-ملكا مستقلا فقد كان نائبا عن أخيه منكو، ولم يضرب باسمه مستقلا سكة درهم ولا دينار، بل كانت تضرب باسم أخيه. وكان وثنيا كأجداده وقومه، غير أنه كان يعطف على النصارى إرضاء لزوجته النصرانية:
«دفوز خاتون» ومات سنة ٦٦٣ وقيل سنة ٦٦٤ وخلفه على العراق وإيران ابنه «أبغا».
ولما ملك أضاف اسمه إلى اسم الخان الأكبر فى بكين ووجه أخاه منكوتمر بالعساكر إلى الشام للاستيلاء عليها، فالتقى مع الجيوش المصرية الشامية عند حمص «بقيادة قلاوون وهزم هزيمة منكرة فلما بلغت الهزيمة أبغا سنة ٦٨٠ رجع إلى همذان فمات بها غماّ وكمدا.
وخلفه منكوتمر، وكان نصرانيا، ولم يلبث أن مات بنفس الكمد والغم. وملك بعدهما
стр. 2362
أخوهما بوكدار بن هولاكو سنة ٦٨١ وأسلم وحسن إسلامه، وتسمى أحمد، وبنى بممالكه الجوامع والمساجد وصالح السلطان الملك المنصور قلاوون الذى فرح بإسلامه. وحاول أن يحمل عسكره على الإسلام فقتلوه سنة ٦٨٣ وملك بعده ابن أخيه «أرغون بن أبغا» حتى سنة ٦٩٠ وكان سفاكا للدماء شديد الوطأة، وولى الملك بعده أخوه «كيختو» فأفحش فى الفسق بنساء المغول وبناتهم فوثب عليه ابن عمه بيدو بن طرغاى بن هولاكو وقتله سنة ٦٩٣ ولم يلبث أن قتل بدوره فى أواخر هذه السنة، وملك بعده غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، وأسلم فى سنة أربع وتسعين، وتسمى محمودا، واحتفل بإسلامه ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤس الناس، وأسلم غالب جنده وعساكره، وفشا الدين الحنيف بإسلامه فى ممالك التتار، وقد أختار المذهب السنّى.
وهو أجل ملوك المغول من بيت هولاكو، ودخلت جيوشه الشام فى سنة ٦٩٩ وتمت لها الغلبة على جيوش الناصر محمد بن قلاوون، وملك الشام، ولا نمضى إلى سنة ٧٠٢ حتى يكيل له الناصر محمد بن قلاوون الصاع صاعين، إذ تنشب بينهما الحرب بالقرب من دمشق، ويدمّر فيها جيش المغول أو التتار تدميرا، وظلت الصرخات والنياحات فى ديارهم-حين بلغهم الخبر-شهرين. واغتم غازان غما عظيما، ويقال إنه لم يصل إليه من جيشه إلا واحد من كل عشرة انتخبهم للحرب. وكان من قبله منذ هولاكو يحكمون باسم الخان الكبير فى بكين، فاتخذ لنفسه صفة الحاكم بإرادة الله، وكان الخراج يفرض قبله حسب أهواء الجباة من حكام المغول فأمر بأن تمسح الأراضى وأن يتّخذ ذلك أساسا فى فرض الضرائب حتى لا يظلم أحد، وأصلح النظام النقدى فى الدولة وجعله نقدا معدنيا صحيح الوزن، والقيمة، وأعاد للشريعة الإسلامية سلطانها وقوتها.
وكان يتخذ تبريز حاضرة له فزينها بالمساجد ودور العلم وشيد بها مرصدا فلكيا عظيما.
وتوفى سنة ٧٠٣ وولى الملك بعده أخوه «خدابندا» والعامة تسمية «خربندا» وكان سنيا ثم أصبح شيعيّا غاليا وأظهر الرفض فى بلاده سنة ٧٠٩ وأمر الخطباء أن لا يذكروا فى خطبهم إلا على بن أبى طالب وولديه وأهل البيت، وتوفى سنة ٧١٦.
وخلفه بو سعيد ابنه، وكان يعتنق المذهب الحنفى وكان ملكا جليلا مهابا حصيفا، وكان يجيد ضرب العود والموسيقى وصنّف فى ذلك، وكان حسن السيرة، أبطل عدة مكوس فى مملكته وأراق الخمور فى بلاده ومنع الناس من شربها وهدم الكنائس. وكانت بينه وبين الناصر محمد بن قلاوون مودة بعد وحشة، ومكاتبات ومراسلات، توفى سنة ٧٣٦. وهو آخر ملوك المغول المهمين من بيت هولاكو، وبوفاته تفرقت المملكة بأيدى حكّام
стр. 2363
مختلفين، وأصبحوا شبيهين بملوك الطوائف من الفرس. وفى مسالك الأبصار بعد ذكر بوسعيد: «ثم هم (أى التتار فى إيران والعراق) بعده فى دهياء مظلمة وعمياء مقتمة، لا يفضى ليلهم إلى صباح، ولا فرقتهم إلى اجتماع، ولا فسادهم إلى صلاح، وفى كل ناحية هاتف، يدعى باسمه، وخائف أخذ جانبا إلى قسمه، وكل طائفة تتغلب وتقيم قائما تقول من أبناء الخان أو القان، وتنسبه إلى فلان، ثم يضمحل أمره عن قريب، ولا تتحقق دعوته حتى يدعى فلا يجيب، وما ذلك من الدهر بعجيب». وفى سنة ٧٤٠ صارت بغداد والعراق بيد الشيخ حسن الكبير، وهو الحسن بن الحسين بن أقبغا، كان جده رفيقا لهولاكو. وتوفى سنة ٧٥٧.
وملك بغداد والعراق بعده ابنه أويس، وهو سبط أرغون بن أبغا أو ابن ابنته، وكان حسن السيرة عادلا محبا للفقراء والعلماء توفى سنة ٧٧٦ وخلفه ابنه السلطان الملك المعز حسين، وكان قد ولاه مكانه فى أواخر أيامه، وكانت العراق فى عهده مطمئنة معمورة، وقتله أخوه أحمد سنة ٧٨٤ وتولى الملك بعده، وتلقب بالسلطان غياث الدين، وكان ظالما سفاكا للدماء أسرف فى قتل أمرائه وبالغ فى ظلم الرعية وانهمك فى الفجور والفساد، فكاتب أهل بغداد تيمور لنك بعد استيلائه على مدينة تبريز يحثونه على المسير إلى بغداد، فتوجه إليها بعساكره سنة ٧٩٥ واستولى عليها وفر أحمد بن أويس إلى الديار الشامية، مستغيثا بالسلطان برقوق صاحب الشام ومصر وكان تيمور قد فارقها فأعانه على استردادها فى السنة التالية، وسنرى فى حديثنا عن تيمور لنك وأسرته ما كان من أمره.
الدولتان: المغولية التيمورية (١) والتركمانية
قاد الموجه المغولية الثانية تيمور لنك المولود فى «كش» من بلدان ما وراء النهر، وهو ينحدر من سلالة جنكز خان، وكانت ولادته سنة ٧٣٦ للهجرة، وكان أبوه واليا لكش وأعمالها، وكان طموحه واسعا، فعمل على جمع زمام الأمور فى يده لا فى كش وحدها، بل فى كل بلاد ما وراء النهر بحيث أصبحت لسنة ٧٧١ جميعا فى قبضته، ثم أخذ يعدّ العدة للانقضاض على خراسان واستولى عليها سنة ٧٨٢ ومضى فى سنة ٧٨٤ يستولى على مازندران وسجستان وجرجان، ولم يلبث أن استولى على فارس وأذربيجان سنة
стр. 2364
٧٨٨ وأخذ يفتح البلدان فى شمالى العراق، حتى إذا كان شهر شوال سنة ٧٩٥ حاصر بغداد، وهرب منه أحمد بن أويس إلى السلطان برقوق فى الشام وخرّب تيمور غالب العراق ومدنه: بغداد والبصرة والكوفة، وقصد الشام فى سنة ٧٩٨ ورجع خائفا من الظاهر برقوق إلى سمرقند عاصمته وكانت جيوشه قد تغلغلت فى روسيا واستولت على موسكو، وسار إلى الهند فى سنة ٨٠٠ وعبر نهر السند واستولى على دلهى بعد أن قتل من أهلها ثمانين ألفا، وكان أحمد بن أويس قد عاد إلى بغداد بمعونة المصريين، ومثله قرا يوسف عاد إلى نيابته على الرّها فى الجزيرة. وبلغ تيمور موت السلطان الظاهر برقوق صاحب مصر والشام وموت برهان الدين أحمد صاحب سيواس بالجنوب الغربى من آسيا الصغرى، فرأى أن الظفر بمملكتيهما أصبح قريبا، وكاد أن يطير بموتهما فرحا، فاستناب بالهند من يثق به من أمرائه، وعاد إلى سمرقند. ثم خرج منها مسرعا فى أوائل سنة ٨٠٢ ومضى إلى تبريز فاستخلف فيها ابنه ميران شاه. وكان أحمد بن أويس قد سار مع أمرائه ورعيته سيرة سيئة، فقاتلوه وخرج منهزما واستنجد بالأمير قرا يوسف التركمانى صاحب تبريز والرّها وديار بكر، وعاد معه إلى بغداد. وصيّف تيمور فى بلاده ثم مضى إلى سيواس فاستولى عليها أول سنة ٨٠٣ وخرّبها ومحا رسومها. ثم قصد الديار الشامية، واستولى على حلب بعد أن أعمل السيف فى جنودها وأهلها حتى امتلأت الجوامع والطرقات بالقتلى، وعمل تيمور-فيما يقال-من رءوس القتلى منائر عدة ترتفع عن الأرض عشرة أذرع تهديدا ووعيدا. ورحل عن حلب بعد أن تركها خاوية على عروشها خالية من سكانها وأنيسها، وكان ابنه ميران شاه قد أخذ حماة وأشعل النار بها وأصحابه يقتلون ويأسرون وينهبون، وقتلوا الأطفال على صدور الأمهات، واتجه إلى دمشق وواقعته جنود السلطان فرج بن برقوق ولم تثبت طويلا، ولم يلبث أن وقّع مع أهل دمشق صلحا، ودخلها هو وجنوده وغدر بهم فأشعل جنوده بها النار، فاحترقت وسقطت بعض سقوف الجامع الأموى، وصارت أطلالا بالية ورسوما داثرة كما يقول المؤرخون. وأقام هو وجنوده عليها ثمانين يوما، ثم رحل عنها فى شعبان سنة ٨٠٣ وظل فى انسحابه من الشام، وأوهم أنه يريد سمرقند وهو إنما يريد بغداد، وكان أحمد بن أويس قد استناب عنه فيها أميرا يسمى فرجا، واتجه هو وقرا يوسف صاحب الرّها نحو آسيا الصغرى، فندب تيمور بعض قواده لأخذ بغداد، ثم تبعه وحاصر بغداد حتى أخذها عنوة فى يوم عيد النحر أو العيد الأضحى من نفس السنة، ووضع السيف فى البغداديين، حتى سالت الدماء أنهارا، ويقال إنه قتل من أهلها نحو مائة ألف إنسان، وبنى من رءوسهم-على عادته كلما دخل
стр. 2365
مدينة عنوة-مآذن كثيرة.
ثم رحل من بغداد إلى الشمال متجها إلى آسيا الصغرى وحرب بايزيد العثمانى، وانضم إلى جيشه التركمان فى قيسارية وسيواس وتقدم نحو سهل أنقرة وكاتب من مع بايزيد من التتار وأنه أولى بأن ينضموا إليه لأنهم من أبناء جلدته، فوعدوه أن ينضموا إليه حين تدور رحى الحرب بينه وبين بايزيد، وكان بايزيد قد نكل ببعض أمراء السلاجقة واستولى على بلدانهم، فانضموا إلى تيمور لنك. والتقى الجيشان فى الشمال الشرقى من أنقرة فى التاسع عشر من ذى الحجة عام ٨٠٤ وانفض عن بايزيد جنوده التتار منضمين إلى تيمور كما وعدوه وكانوا معظم عسكره، وتلاهم ولده عثمان الذى عاد بجنده إلى مدينة بروسة، ولم يبق مع بايزيد إلا نحو خمسة آلاف فارس، فثبت بهم إلى أن أخذ أسيرا على بعد ميل من أنقرة وكان قد حاول الفرار، وأكرمه تيمور، وأسف لموته فى شعبان سنة ٨٠٥ وأذن بدفنه تكريما له فى جامع بروسة.
وعاد تيمور إلى سمرقند عاصمته، واستقبل فيها كثيرا من السفراء من بينهم سفير ملك قشتالة. وزيّن عاصمته بالقصور الفخمة مستعينا بمن جلبهم إليها من بنّائى الفرس وغيرهم، وكان يعطف بوصفه مسلما على العلماء ورجال الدين من الصوفية وخاصة دراويش الطريقة النّقشبندية وقد استطاع فعلا أن يستعيد مملكة جنكيز خان من موسكو إلى نهر الكنج ومن حدود الصين حتى سوريا ورأى مقتديا بسلفه أن يستولى على الصين، فأرسل إليها حملة فى سنة ٨٠٧ غير أنه لم يلبث أن مرض وتوفى فى شعبان من نفس السنة بإحدى المدن فيما وراء النهر، ونقل إلى عاصمته ودفن بها فى ضريح فخم لا يزال قائما بها إلى اليوم.
وتوزعت إمبراطوريته بين ولديه: شاه رخ وميران شاه، وكان للأول النصيب الأكبر فحكم خراسان وسجستان وماوراء النهر وإيران، وحكم ميران شاه العراق وأذربيجان والكرج أو جورجيا، وكان يخضع لسلطان أخيه، ولم يلبث أن قتل فى حربه مع قرا يوسف التركمانى صاحب تبريز سنة ٨١٠ هـ/١٤٠٧ م فدخلت بلاده فى حوزة أخيه، فأصبح يحكم كل مملكة أبيه تيمور لنك ما عدا الشام والعراق وعربستان، وقد بسط سلطانه على الصين والهند، وعاش طويلا حتى سنة ٨٥٠ هـ/١٤٤٧ م وكان يرعى العلوم والآداب فى مملكته الواسعة.
وخلفه ابنه ألغ بك وكان عالما فلكيا واهتم برعاية الأدبين الفارسى والتركى غير أنه قتل بعد سنتين بيد ابنه عبد اللطيف. وينتاب الدولة التيمورية اضمحلال سريع، ويتقاتل
стр. 2366
الإخوة وأبناء العم، ويستولى على صولجان الحكم بوسعيد سنة ٨٥٤ هـ-١٤٥٠ م ويستقر زمام الحكم فى يده ويقتل فى حرب طاحنة مع أوزون حسن صاحب ديار بكر وأرمينية فى سنة ٨٧٤ هـ/١٤٦٩ م وتعود المملكة إلى الاضطراب. وقد استطاع شيبانى زعيم الأوزبك فى سنة ٩٠٦ هـ/١٥٠٠ م خلع بابر حفيد أبى سعيد عن عرشه فى سمرقند، فهاجر إلى الهند وأسس بها دولة المغول العظام.
وأما العراق وبغداد فعادتا بعد وفاة تيمور إلى أحمد بن أويس وتنشب حرب بينه وبين قرايوسف التركمانى صاحب تبريز ويخّر فى ميدانها صريعا سنة ٨١٣ وتقع العراق وبغداد فى قبضة التركمانيين بزعامة قرا يوسف حتى وفاته سنة ٨٢٣ ويتوارثهما عنه أبناؤه وأحفاده، وفى أيامهم ودولتهم عمّهما الخراب لفساد حكمهم حتى ليقول ابن تغرى بردى: لا أعلم فى طوائف التركمان أقبح طريقة ولا أسو أسيرة من أولاد قرا يوسف وينتزعهما منهم فى سنة ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٧ م أوزون حسن المار ذكره وكان تركمانيا واسع الطموح، فوضع نصب عينيه إنشاء دولة قوية لا يكتفى فيها بمقر حكمه وهو ديار بكر، بل تتسع لتشمل أرمينية وإيران والعراق، ودخل فى حروب طويلة مع العثمانيين. وفى هذه الأثناء كانت أسرة صوفية فى أردبيل قد أخذ نفوذها يتسع منذ عهد مؤسسها الشيخ إسحق صفى الدين، وبلغ حفيده خوجا على من الشهرة بالتقوى ما جعل تيمور لنك بعد انتصاره على بايزيد العثمانى يقف أردبيل وضواحيها عليه وعلى عقبه. وسرعان ما تحولت إلى ما يشبه إقطاعا لهم، وعقد أحد أحفاده المسمى حيدرا صلة وثيقة بينه وبين أوزون حسن، وزوّجه أوزون ابنته مارثا وأنجب منها ابنه إسماعيل الذى أتيح له أن ينشئ لأسرته الصفوية دولة وطيدة فى إيران.
الدولة الصفوية (١)
كان حيدر بعيد النظر، فأعاد تنظيم طريقة آبائه الصوفية الشيعية على أسس جديدة، متخذا لها شعارا للرأس، أو بعبارة أخرى عمامة سمّيت تاج حيدر الأحمر، وهى عمامة ذات اثنتى عشرة ذؤابة رمزا إلى أن صاحبها شيعى إمامى اثنى عشرى. وما وافت سنة ٨٨٨ هـ/١٤٨٣ م حتى بدأ حملاته الحربية، فقاتل الجراكسة واشتبك فى سنة ٨٩٤ هـ/١٤٨٨ م فى حرب مع صهره يعقوب بن أوزون حسن وسقط قتيلا فى المعركة،
стр. 2367
وتوفى يعقوب بعده بنحو سنتين وتصارع أولاده واشتبكوا فى حروب دامية، مما أتاح الفرصة لأبناء حيدر كى يعود لهم نفوذهم من جديد.
وتطورت الظروف سريعا، بحيث لا نصل إلى أوائل القرن العاشر الهجرى حتى نجد إسماعيل بن حيدر يخرج بعد وفاة أخوين له كانا أكبر منه للمطالبة بثأر أبيه، ويمد سلطانه تدريجا على شيروان وأذربيجان ويأخذ فى تأسيس دولة فارسية وطنية ويستولى على تبريز فى سنة ٩٠٨ هـ/١٥٠٢ م ويتوج فيها ملكا (شاه) على إيران. وأعلن أن العقيدة الشيعية الإمامية الاثنى عشرية مذهب الدولة الرسمى. ولم يكتف بذلك فقد أكره الرعية على سب أبى بكر وعمر وعثمان. وأخذ يعدّ العدة لمنازلة مراد خان التركمانى صاحب بغداد والعراق، وكان قد هزم أخاه ألوند هزيمة ساحقة فى أذربيجان واستولى منه على فارس، وما توافى سنة ٩١٣ هـ/١٥٠٧ م حتى يستولى من مراد على بغداد والعراق، ويفرّ مراد آخر سلاطين التركمان إلى السلطان سليم العثمانى. ومضى فى سنة ٩١٦ هـ/١٥١١ إلى الشرق لمحاربة شيبانى زعيم الأوزبك والتقيا قرب مرو، ودارت الدوائر على شيبانى وجنده وسقط صريعا فى الحرب، وبذلك اتسعت مملكة إسماعيل، حتى امتدت من هراة شرقا إلى بغداد غربا، ووضح للعيان أنه لابد من الاصطدام بين دولة الشاه إسماعيل الصفوى الشيعى الإمامى وبين دولة السلطان سليم العثمانى السنى، وخاصة أن الشاه إسماعيل كان قد بالغ فى اضطهاد أهل السنة، مما جعل السلطان سليما يدعو إلى الجهاد ضد الشاه والشيعة. والتقى الجيشان الصفوى والعثمانى بالقرب من تبريز بوادى جالداران فى المحرم سنة ٩٢٠ هـ/١٥١٤ م ومنى الشاه بهزيمة منكرة، وفتحت عاصمته «تبريز» أبوابها للسلطان سليم، واضطّر الشاه إسماعيل إلى أن يعقد معه صلحا، ولم يفكر بعد ذلك فى حرب العثمانيين إلى أن توفى سنة ٩٣٠ هـ/١٥٢٣ م وخلفه ابنه طهماسب وهو فى العاشرة من عمره، وطالت مدته فى الحكم اثنين وخمسين عاما امتلأت بالحروب المتصلة ضد أعدائه الشيبانيين فى الشرق والعثمانيين فى الغرب. واستطاع ذو الفقار خان رئيس قبيلة كردية أن يزحف على بغداد ويقتل حاكمها من قبل طهماسب سنة ٩٣٠ وتظل فى حوزته حتى سنة ٩٣٦ هـ/١٥٢٩ م إذ استعادها طهماسب ومضى فى اضطهاد أهل السنة مما جعل السلطان سليمان العثمانى يوجّه فى أواخر سنة ٩٤٠ هـ/١٥٣٤ م حملة إلى تبريز، فتستولى عليها، ويتجه هو إلى بغداد فيدخلها فى أول المحرم سنة ٩٤١. وبذلك ينتهى عهد الدولة الصفوية فى العراق.
стр. 2368
الدولة العثمانية (١)
تم للسلطان سليمان العثمانى الاستيلاء على العراق وبغداد فى سنة ٩٤١ ورفرف العلم العثمانى على البصرة فى سنة ٩٤٦ وبذلك أصبح العراق جميعه ولاية عثمانية، بل قل ولايات عثمانية، إذ قسّم إلى أربع ولايات. ولاية البصرة، وولاية بغداد، وولاية شهرزور، وولاية الموصل. وفى حقب متفاوتة عدّت الأحساء والبحرين ولاية خامسة، وارتبطتا بالبصرة حينا وببغداد حينا آخر. وقسمت كل ولاية إلى ألوية، على رأس كل لواء سنجق أو أمير لواء. وكان الوالى يعدّ الرئيس للسلطة التنفيذية مع الإشراف على الشئون الإدارية، وكان يعاونه عدد من الموظفين، فى مقدمتهم «الكتخدا» وهو مدير مكتبه الخاص وكثيرا ما كان يخلفه بعد وفاته، و «الدفتر دار» وهو مدير الخزانة ومدبّر الشئون المالية. وكانت هناك دواوين مختلفة، أهمها ديوان الروزنامه أى ديوان الدفتر اليومى، وكان به كثير من الكتّاب أو كما كانوا يسمونهم أصحاب الأقلام.
وكان يوجد بجانب الوالى قاضى كبير يتبع قاضى القضاة فى الأناضول، وكان للقاضى نواب كثيرون فى كل ولاية يضطلعون بمهمة القضاء. ويشرف القاضى على تنفيذ القوانين حسب الشريعة الإسلامية كما يشرف على تنفيذ أوامر الدولة العثمانية.
وكانت توجد بجانب الوالى قوة عسكرية أساسية تحمى المدن والقلاع، وتعدّ فرعا من الإنكشارية جند الدولة العثمانية الذين كانت تأسرهم فى حروبها بأوربا، وهم لا يزالون علمانا وتربّيهم تربية عسكرية، وكانوا يمنحون إقطاعيات، وكثيرا ما توارثوها أو وقفوها، فلم تردّ إلى الدولة. وكانوا كثيرا ما يؤذون الناس فى بغداد والعراق ويتعدّون عليهم.
وكان يوجد بجانبهم للولاة جند يحصلون عليهم بطريق الأسر أو الشراء.
ويمر حكم الدولة العثمانية للعراق بثلاثة أدوار: الدور الأول يبتدئ من سنة ٩٤١ هـ/ ١٥٣٤ م إلى سنة ١١١٦ هـ/١٧٠٤ م وأهم الأحداث فى هذا العهد فتن الجند كما حدث فى عام ١٠٣١ هـ/١٦٢١ م فقد ثاروا على والى بغداد بزعامة ضابط يسمى بكرا برتبة
стр. 2369
سوباشى وقتلوا الوالى يوسف باشا وتولى بكر مقاليد الحكم وحاربته الدولة، فاستعان ضدها بشاه إيران عباس الصفوى، وسرعان ما احتل هذا الشاه بغداد سنة ١٠٣٣ هـ/ ١٦٢٣ م وقتل بكرا ونكل بأهل السنة واعتقل الألوف منهم، وحاول شيعة بغداد مخلصين إنقاذ مواطنيهم فشهدوا لكثيرين منهم بأنهم شيعة.
وسارع الشاه إلى احتلال بقية العراق، غير أن البصرة استعصت عليه، إذ دافع عنها حكامها من آل أفراسياب وكانوا قد أتاحوا لها استقلالا ذاتيا عن العثمانيين من ١٠٠٥ هـ/ ١٥٩٧ م إلى ١٠٧٨ هـ/١٦٦٨ م للهجرة وقد دافعوا عن مدينتهم أمام جيوش عباس الصفوى دفاعا مجيدا فارتدت عنها.
وظلت بغداد وبقية العراق مع الإيرانيين نحو خمسة عشر عاما إلى أن استرجعهما العثمانيون بقيادة السلطان مراد الرابع سنة ١٠٤٨ هـ/١٦٣٨ م وفى هذه الأثناء سمح حكام البصرة للبرتغاليين بتأسيس وكالة تجارية لهم فيها سنة ١٠٣١ هـ/١٦٢٢ م وبالمثل سمحوا للإنجليز فى سنة ١٠٤٩ هـ/١٦٣٩ م بتأسيس وكالة تجارية لهم، وأغلقت سنة ١٠٦٩ هـ/١٦٥٨.
وينتهى الدور الأول لحكم العثمانيين العراق سنة ١١١٦ هـ/١٧٠٤ م كما مرّ بنا، ويبتدئ دور ثان سمى دور المماليك، وفيه تعرّضت العراق لخطر إيرانى كبير، أدّى إلى أن يتسلّم صولجان الحكم فيها حسن باشا وابنه أحمد باشا ومماليكهما الذين أخذوهما بضرب من التربية يشبه صنيع الدولة فى إستانبول بالإنكشارية، وكان حسن باشا قد تدرّج فى مناصب الدولة إلى أن أصبح وزيرا، وولى بعض الولايات، ثم نقل إلى بغداد فى سنة ١١١٦ فعمل على الاستقلال بها واتخاذ هؤلاء المماليك سندا له. وكانت الدولة حينئذ مشغولة بحروبها فى أوربا مع الروس والبلقان، فتركت لحسن باشا وابنه أحمد ومماليكهما إدارة بغداد والعراق.
وطبيعى أن تصبح المناصب العليا فيهما وقفا على المماليك. وقد آل إليهم حكمها بعد وفاة حسن باشا وابنه، وكان الوالى منهم إذا وثق بأحد المماليك زوجه ابنته واتخذه «كتخدا» أو أميرا للأمراء، حتى إذا توفى خلفه فى الحكم. وإذا عرفنا أنه حكم بغداد حينئذ عشرة من الولاة كان سبعة منهم من هؤلاء المماليك عرفنا أنه جدير بهذا الدور حقا أن يسمى دور المماليك، وآخرهم داود باشا. وكانوا فى سبيل الوصول إلى أريكة الحكم يكثرون من التآمر، مما زاد الأمن فى بغداد والعراق اضطرابا على اضطراب وفسادا على فساد.
ولما ساءت الأمور وتفاقم سوءها رأى الباب العالى فى سنة ١٢٤٦ هـ/١٨٣٠ م أنه لابد من ردّ الأمور إلى نصابها فى العراق، فأرسل حملة تأديبية أسرت داود باشا وقضت
стр. 2370
على حكم هؤلاء المماليك قضاء نهائيا. وبذلك تدخل بغداد والعراق فى الدور الثالث من أدوار الحكم العثمانى الذى أظلّ البلاد حتى سنة ١٣٣٦ هـ/١٩١٨ م. ويمكن أن ندخل الشطر الأكبر من هذا الدور فى حقب العصر الحديث فى العراق، إذ هبّ جماعة من المصلحين فى تركيا يحاولون إصلاح أداة الحكم الفاسدة، واضطر السلطان عبد المجيد أن يصدر أمرا بإلغاء الاحتكارات والمصادرات وتحديد الضرائب على أسس قومية من العدالة.
وكان ذلك إيذانا بعصر جديد فى تركيا والولايات التابعة لها فى العراق وغير العراق، غير أن الولاة الذين تعاقبوا على العراق حتى سنة ١٢٨٦ هـ/١٨٦٩ م لم يصدروا عن ذلك فى حكمهم، فظل الظلام والفساد مخيّمين عليها إلى أن وليها مدحت باشا فى السنة آنفة الذكر، وكان معروفا بنزعته الإصلاحية وما قام به من خدمات عظيمة فى ولايته على بلغاريا. ولم يكد يستلم مقاليد الولاية فى العراق حتى نهض فيها بإصلاحات كثيرة فى إدارة الحكم، فألغى نظام الالتزام وردّ الأرض على الفلاحين العراقيين نظير أقساط محدودة، وأنشأ مطبعة لطبع الجريدة الرسمية وطبع الكتب، كما أنشأ طائفة من المدارس المهنية والعلمية النظرية، وبنى مستشفى كبيرا، ومدّ بها خطا للبرق، وأصلح نظام الموازين والنقود بحيث تعد ولايته بحق البدء الحقيقى للعصر الحديث فى العراق. وقد ظل العثمانيون فى العراق وبغداد قبله نحو ثلاثة قرون ونصف لم يعنوا فيها أى عناية بإصلاحات اجتماعية أو تعليمية أو اقتصادية.
٣ - المجتمع
كان المجتمع فى بغداد والعراق يتألف من ثلاث طبقات: طبقة أروستقراطية، على رأسها الخليفة والسلطان الحاكم ويتلوهما حواشيهما من الوزراء والقادة والأمراء والولاة وكبار الموظفين والإقطاعيين، ويدخل فى هذه الطبقة بعض التجار الرأسماليين. وطبقة وسطى تتكون من صغار الموظفين والتجار والصناع والقضاة والعلماء ورجال الحسبة، وطبقة دنيا هى طبقة العامة من الزراع والخدم والرقيق وأصحاب الحرف. ويسلك أهل الذمة فى الطبقتين الأخيرتين عادة، إلا من ارتفع منهم إلى الوزارة، وكان ذلك يحدث نادرا كما حدث فى عهد عضد الدولة، فقد اتخذ له وزيرا نصرانيا، هو نصر بن هرون، الذى ترك له تدبير شئون فارس بينما كان وزيره المدبر لشئون بغداد والعراق المطهر بن عبد الله.
стр. 2371
وكانت الطبقة الأولى تعيش فى رخاء بل فى ترف، لكثرة ما كان يصبّ فى حجورها من الأموال، عن طريق الضرائب التى كانت تؤخذ من الناس وكانت متعددة، فهناك ضرائب الزكاة على الزروع، وهناك ضرائب الصادرات والواردات التى تجبى على البضائع المنقولة وتسمى المكوس، وهناك ضرائب على الأسواق والحوانيت. وأهم من ذلك الضرائب أو الأموال التى كانت تؤخذ من أصحاب الإقطاعات وقد توسع فيها البويهيون ثم من خلفهم من السلاجقة والمسئولين على البلاد، إذ منحوها لكبار القواد، حتى قد يمنحونهم قرى برمّتها. وهذه الإقطاعات العسكرية هى التى كانت شائعة، وإحدى اثنتين إما أن تكون إقطاع تمليك يورث وعلى أصحابه دفع العشر للدولة، وإما إقطاع يستغلّ طالما كان صاحبه حيا، وكأنه كان منحة تعطى للقواد بدلا من رواتبهم. وكان كبار الموظفين والأثرياء من التجار وغيرهم يمتلكون الضياع ويدفعون عنها العشر ويلزمون بإصلاح القنوات التى تمرّ بأرضهم. وطبيعى أن كانت هناك ضياع سلطانية للخليفة وللأمير البويهى وللحاكم لبغداد. وكانت هناك أراض موقوفة لأغراض دينية كالإنفاق على المساجد أو على الجهاد أو على الفقراء أو على الحرمين. وكان القاضى هو الذى يشرف على إدارة الأراضى الموقوفة. وحدث أن صادر عضد الدولة أراضى السواد الموقوفة (١)، غير أن من بعده أعادوها إلى الوقف. وكان الوزراء كثيرا ما تصادر أموالهم حتى بعد وفاتهم كما حدث للمهلبى (٢) وزير معز الدولة البويهى. وكانوا يصادرون أحيانا تركة بعض الإقطاعيين ذوى الثراء. ويروى أنه فى سنة ٣٥١ توفّى رجل اسمه دعلج تاركا ثلاثمائة ألف مثقال من الذهب فاستولى عليها معز الدولة، ولم يمسّ أى مسّ ما خلّفه من أوقاف.
على كل حال كانت موارد الدولة كثيرة، ومن أجل ذلك تعددت الدواوين التى يخزن فيها المال أو يجلب إليها مثل ديوان الإقطاع، وديوان الخراج، وديوان الأوقاف، وديوان الجوالى أو الجزية التى كانت مفروضة على أهل الذمة، وديوان الخلافة الذى كان ينفق على القصر ومماليكه وحجّابه وخدمه وحرسه وكانوا يعدّون بالمئات، وديوان التركات وكانت تؤخذ عليها ضريبة، ومن ليس له وارث كانت الدولة تستولى على تركته. ثم ديوان الزمام وهو الذى يشرف على مالية الدولة ونفقاتها وكل ما يتصل بشئونها المالية من رواتب ومن إعداد للجيوش. وكان الخلفاء العباسيون ينثرون الأموال نثرا على حواشيهم وفى أعراسهم، كما حدث فى زواج الخليفة الطائع لابنة بختيار، وكان صداقها مائة (٣) ألف
стр. 2372
دينار. واتسع هذا الاحتفال بزواج الخلفاء من بنات الأمراء السلاجقة، ويروى أنه حين تزوج الخليفة المقتدى بنتا للسلطان ملكشاه نقل جهازها على ١٣٠ بعيرا فى موكب كبير كانت تدق فيه الطبول والبوقات وتنثر الأموال على الرعية (١). وبالمثل حين زفّت الخاتون ابنة ملكشاه إلى الخليفة المستظهر بالله سنة ٥٠٤ زيّنت بغداد، وقد حمل جهازها ١٦٢ بعيرا و ٢٧ بغلا (٢) سارت فى شوارع بغداد بينما جماهير الناس رجالا ونساء يرقصون ويغنون مبتهجين. وكانت قصور الخلفاء تكتظ بالتحف وأوانى الذهب والفضة، ويروى أنه حدث حريق فى أواخر سنة ٦٥١ بدار الخلافة، فاستخرج بعد إطفائه من تلك الأوانى ما تزيد قيمته على مائتى ألف دينار، وسبقه حريق فى سنة ٦٠١ فبلغ ما احترق بالدار فيه أكثر من نصف مليون دينار (٣).
وكانت نساء الخلفاء وجواريهم يبالغن فى زينتهن، حتى يقال إن زوجة الخليفة المستضئ كانت تزين نعالها باللآلئ الكبار (٤)، فما بالنا بما كانت تتخذه وراء ذلك من الحلى والجواهر. ويقال أيضا إن جارية للمستنصر بالله بلغ من عنايتها بثيابها وزينتها أن صاحب ديوانها رصد ما أنفقته فى شهر للزراكشة والصاغة والبزّازين (تجار الملابس) والجوهريين، فإذا هو مائة ألف دينار ونحو خمسمائة ألف درهم (٥). ويروى عن هذا الخليفة أنه نفح كبير حرسه علاء الدين الطيبرسى ليلة زفافه على ابنة الأمير بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل مائة ألف دينار غير إقطاع كبير أهداه إليه (٦)، ويقال إنه أحصيت فى عيد الفطر سنة ٦٢٦ الخلع التى وهبها الطيبرسى لمماليكه وأتباعه فبلغت ١٧٠٠ خلعة (٧). فقصر الخلافة بل كلّ حواشى القصر كانوا يعيشون فى ترف شديد. وقل ذلك نفسه عن السلاطين وحواشيهم من البويهيين والسلاجقة والإيلخانيين ومن جاء بعدهم، وكانت الأموال تصبّ فى حجورهم وينفقون منها كثيرا على ترفهم وبذخهم. ويقال إن ميزانية الدولة بلغت فى عهد عضد الدولة نحو اثنين وثلاثين مليونا من الدنانير. وكان يعنى ببناء القصور وعمارتها، ويروى أن ميزانية الدولة فى عهد ملكشاه السلجوقى بلغت عشرين مليونا من الدنانير (٨)، وكثير من الملايين المذكورة كان يتحول فى قصورهم إلى ترف ما بعده ترف،
стр. 2373
وظل ذلك بقصور الخلفاء فى العهد الأخير من الدولة العباسية كما مر بنا آنفا. ولا شك فى أن شيئا كثيرا من التدهور أصاب بغداد بعد الغزو المغولى، إذ أصبحت مع ما يتبعها من العراق ولاية ضمن ولايات متعددة يدبّر شئونها الإيلخانيون ثم التيموريون ومن جاء بعدهم. ومعروف أن الإيلخانيين لم يتخذوا بغداد عاصمة لهم، بل كانت عاصمتهم تبريز ومدينة بنوها سموها السلطانية، وعاد حقا إلى بغداد شئ من النشاط فى عهد الشيخ حسن الكبير وأبنائه، بل قبل ذلك فى عهد بوسعيد، ولكن على كل حال لم يعد لها مجدها القديم، بل سرعان ما تردت فى هوة من فساد الحكم. وغزاها تيمور لنك وتولاها بعده أحمد بن أويس ثم قرا يوسف وأبناؤه ثم أوزون حسن كما أسلفنا، وأصبحت إحدى الولايات فى الدولتين الصفوية والعثمانية. وإذا كان ابن جبير زارها سنة ٥٨٠ وقال إنه ذهب أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها وإنها أصبحت كالطلل الدارس والأثر الطامس (١) فإن ابن بطوطة حين زارها سنة ٧٢٨ فى عهد بوسعيد الإيلخانى أعاد إلى الأذهان كلام ابن جبير، وعلق عليه بقول أبى تمام. قائلا كأنه اطلع على ما آل إليه أمرها حين قال فيها:
لقد أقام على بغداد ناعيها ... فليبكها لخراب الدّهر باكيها (٢)
وبدون شك كانت حيوية بغداد أقوى من الخراب الذى أصابها مع غزو هولاكو ومع خروج صولجان الحكم منها فقد ظلت لها مسحة غير قليلة من عراقتها، وظلت منزلا للعلم والعلماء، بفضل ما كان يجبيه حكامها من حوض دجلة والفرات وما به من أشجار وزروع وثمار. وإذا كنا قد رأينا الخلفاء والحكام وحواشيهم يتنفسون حياة مترفة، فقد كان يتنفسها معهم الأشراف وكبار الموظفين والإقطاعيون والوزراء. وكان الأخيرون خاصة يدبرون شئون الدولة وتصير إليهم أموالها، فأثرى منهم كثير ثراء فاحشا، وغرقوا فى الترف والنعيم. ويلقانا فى أول العصر المهلبى وزير البويهيين، وكان يشتهر بمآدبه وكثرة ما كان يقدّم فيها من أصناف الطعّام والحلوى، وقالوا إنه كان «إذا أراد أن يأكل شيئا بمعلقة كالأرز واللبن وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية، لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة
стр. 2374
ثانية» (١). وفى هذا الخبر ما يدل على مدى الترف وما دخله من تعقيد فى الوسائل، فاللون من الطعام لا يؤكل بملعقة واحدة وإنما يؤكل بملاعق كثيرة. وأبعد من هذا الخبر دلالة على الترف الذى غرق فيه بعض الناس وكثرة ما كانوا ينفقون فيه ما يروى عن المهلبى أيضا من أنه «ابتيع له فى ثلاثة أيام ورد بألف دينار فرشت به مجالسه وطرح منه كمية كبيرة فى بركة عظيمة كانت فى داره، ولها فوّارات عجيبة يطرح الورد فى مائها وينفضه» (٢) وإذا كان يشترى من الورد وحده فى ثلاثة أيام بألف دينار كى يزين به مجلسه وبركة قصره، فماذا اشترى لهذا القصر من السجاجيد والبسط والطنافس والستور وأنواع الوسائد والديباج والتحف. لا بد أن اشترى من ذلك كله بمئات الألوف. ولم يكن هذا شأنه وحده، بل كان أيضا شأن الوزراء جميعا وكبار الإقطاعيين والتجار. واشتهر بمجالس أنسه التى كان يعقدها بقصره ليلتين فى كل أسبوع، ويقول ابن خلكان: «كان يجتمع فيها عنده ندماؤه من الفقهاء والقضاة على اطراح الحشمة والتبسّط فى القصف والخلاعة، وهم القاضى أبو بكر ابن قريعة وابن معروف والقاضى التنوخى وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبى. فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذّ سماع الغناء وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار وتقلبوا فى أعطاف العيش، بين الخفة والطيش، ووضع فى يد كل واحد منهم طاس ذهب فيه ألف مثقال، مملوء شرابا قطربّليّا أو عكبريا، فيغمس لحيته فيه، بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ويرشّ بعضهم بعضا، ويرقصون بأجمعهم، وعليهم الثياب المصبّغات ومخانق المنثور، فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم فى التوقر والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة المشايخ الكبراء» (٣).
وظل هذا الترف طويلا فى مجالس الوزراء والسلاطين والأمراء، واشتهر عضد الدولة بمجالس أنسه فى بغداد وغير بغداد وما كان بها من السماع وغناء الجوارى والمغنين وألوان الفاكهة والرياحين وأقداح الشراب، ويقال إنه غنّى يوما بأبيات للخليفة المطيع لله وكان قد لحنها، فلم يعجبه لحنه (٤) وكأن الخلفاء وأبناء الخلفاء كانوا لا يزالون يضعون الألحان لبعض الأغانى كما مر بنا فى العصر العباسى الأول. وبدون ريب كان يعيش هذه المعيشة المترفة التى لا تخلو من خمر وغير خمر كبار القواد ورؤساء الدواوين والإقطاعيون وكبار التجار والموظفون. ويعرض محمد بن أحمد أبى المطهر الأزدرى-فى حكايته الطريفة عن
стр. 2375
أبى القاسم البغدادى التى تقص حياة شيخ طفيلى بغدادى فى يوم ببغداد فى القرن الخامس للهجرة-ما كانت تلبسه الطبقة المترفة من ملابس أنيقة مجلوبة من جميع البلدان العربية موشاة بديباج الذهب المنسوج وكأنما نسجت من أزهار الربيع، كما يقول، يفوح منها العنبر والطيب. ويذكر بيوت هذه الطبقة فيقول إن سقوفها غشّيت بالساج وزيّنت تعاريجها بالآبنوس والعاج، مع الأروقة المليحة والأبهاء المشرفة العالية ومع الأواوين (جمع إيوان) وقد فرشت بالطنافس والمخادّ المذهبة والأبسطة والمقاعد المموهة بالذهب والمطارح المحشوة بريش العصافير الهندية والديباج التّسترىّ المقصّب الذهبى. ثم يفيض فى القول فى الأطعمة من كل صنف والأفواه والعطور وأنواع المسك والعنبر والعود المطيّب وأدوات الزينة من الأمشاط وغير الأمشاط. ويوازن بين هذه الحياة المترفة وحياة الطبقة الوسطى والدنيا الخشنة، واصفا أطعمتها ودورها. ويبدو أنهم كانوا يضيفون إلى كثير من الأطعمة أنواع الطّيب وماء الورد والتفاح وحبّ الرمان والزعفران، ويعرض أصنافا كثيرة للحلوى، وطبيعى أن تكثر فيها العطور. ويقول إنه حين يرفع الطعام يأتى فراش متهلل الوجه نظيف الثياب خفيف الروح بيده خلال سلطانى مطيّب، ويغسل الضيوف أيديهم، ويناولهم الفراش مناديل ألين من القزّ وأنعم من الخزّ، ويطيل الوصف للوز والجوز المقشورين وأنواع الفواكه وما كانت تزيّن به الموائد من الأزهار والأنوار، ويتحدث عن الخمور وكئوسها ودنانها مطنبا مطيلا. ويذكر ما فى مجالس السّراة من المغنين الذين يأخذون بمجامع القلوب، إذ يملأون الآذان سرورا ويقدحون فى القلوب نورا (١)
وكانت المغنيات يغنين فى مجالس السلاطين والخلفاء من وراء ستارة، أما فى مجالس السراة وعلية القوم والنوادى فكن يغنين دون ستارة غالبا، ويطيل ابن أبى المطهر الأزدى فى الإشادة بمغنيات بغداد وزمّاراتها وطبّالاتها وصنّاجاتها ورقّاصاتها وضاربات العود بها، ويصف إحداهن ممن يضربن على العود قائلا: تدخل المجلس تعطره من نسيمها بالمسك والكافور والعنبر وتجرى عليها غلالة جرى الماء ورداء قصب مزين مرصّع بالزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر وفى عنقها سبحة (عقد) من الحب الكبار بما يعادل ألف دينار، والجوارى يحملن ذيول ثوبها. وتجلس وعلى وجهها إزار قصب أبيض رقيق، وتبدو متنقّبة لا يرى منها إلا المحاجر وأطراف الذوائب، وتلقى بحديث كزهر الجنان أو صوب الغمام أعذب من الماء الزلال، وأعلق بالنفوس من السحر الحلال، ثم تحسر
стр. 2376
النقاب وتتناول عودا من ساج منقوشا بالعاج وتجسّ أوتاره وتفتتح غناء-كما يقول أبو القاسم-أعذب من تيار الفرات وتفتّته فى مجارى الحلق وتكسّره فى مجارى النّفس.
يقول: وهناك لا تسمع إلا شهقة عالية، ومقلة باكية، وجيبا مشقوقا، وفؤادا يطير خفوقا (١).
ولم نلم إلا بكلمات قليلة من وصف أبى القاسم لهذه الجارية المغنية، لندل على أن الغناء كان لا يزال مزدهرا ببغداد حتى القرن الخامس، ونظن ظنا أن هذا الازدهار ظل له طويلا، وغاية ما فى الأمر أنه لم يتح له عالم يؤلف فيه على نحو ما ألف أبو الفرج الأصفهانى كتابه الأغانى عن المغنين والمغنيات فى القرون الثلاثة الأولى للهجرة. وفى كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى فى أوائل هذا العصر نص طويل (٢) يصور ازدهارا عظيما للغناء فى زمنه ومدى تأثر الناس به وطربهم عند سماعه على لسان المغنيات والمغنين، ويحكى لنا كيف كان شخص يسمى البردانى يطرب طربا شديدا حين يستمع إلى علوة جارية ابن علّوية، وهى تغنّى بأبيات للسّروىّ يقول فيها:
بالورد فى وجنتيك من لطمك ... ومن سقاك المدام لم ظلمك
ويسترسل أبو حيان فى وصف انفعال السامعين إزاء الغناء ببغداد فى عصره، من مثل ابن فهم، وكان يطرب إذا اندفعت «نهاية» جارية ابن السّلمى بشدوها:
أستودع الله فى بغداد لى قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّى لو يودّعنى ... صفو الحياة وأنى لا أودّعه
والبيتان من قصيدة أبى محمد على بن زريق وسننشد منها أبياتا أخرى فى الفصل الثالث. ولما سمعهما منها ضرب بنفسه الأرض وتمرّغ فى التراب وهاج وأزبد وتعفّر شعره، وهيهات من الرجال من يضبطه ويمسكه ومن يجسر على الدنوّ منه، فإنه يعضّ بنابه، ويخمش بظفره، ويركل برجله ويخرّق المرقّعة (رداء الصوفية) قطعة قطعة، ويلطم وجهه ألف لطمة، كأنه عبد الرازق المجنون بباب الطاق. وكثيرون كانوا يطربون طرب هذا الصوفى، فتنقلب حماليق عيونهم، ويسقطون مغشيا عليهم، ويرشون عليهم الكافور وماء الورد-كما يقول أبو حيان-ويقرءون فى آذانهم آية الكرسى والمعوّذتين، ويرقونهم رقى مختلفة، حتى يفيقوا من سكرتهم، منهم أبو الحسن الجرّاحى قاضى الكرخ، فإنه كان إذا سمع الجارية «شعلة» وهى تغنى أغنيتها:
لابدّ للمشتاق من ذكر الوطن ... واليأس والسلوة من بعد الحزن
стр. 2377
ابتلّت شيبته بالدموع، مع شجن قد ثقب القلب وأوهن الروح وفتّت الصخر وأذاب الحديد، يقول أبو حيان: «وهناك ترى-والله-أحداق الحاضرين باهتة، ودموعهم متحدّرة، وشهيقهم قد علا رحمة له، ورقّة عليه، ومساعدة لحاله. وهذه صورة إذا استولت على أهل المجلس وجدت لها عدوى لا تملك، وغاية لا تدرك، لأنه قلما يخلو إنسان من صبوة أو صبابة، أو حسرة على فائت، أو فكر فى متمنىّ، أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال». ويسوق أبو حيان لنا صورا من طرب الشعراء حين سماع بعض الجوارى أو المغنين، فهذا ابن نباتة يطرب على صوت جارية تسمّى «خاطف» وهذا ابن حجاج يطرب على غناء قنوة البصرية، وهى جارته وعشيقته.
ويذكر أبو حيان أن الطرب كان يأخذ بابن صبر القاضى كل مأخذ، حين يستمع إلى «درّة» جارية أبى بكر الجرّاحى وهى تغنىّ:
لست أنسى تلك الزيارة لما ... طرقتنا وأقبلت تتثنّى
كم ليال بتنا نلذّ ونلهو ... ونسقّى شرابنا ونغنّى
هجرتنا فما إليها سبيل ... غير أنا نقول: كانت وكنّا
يقول أبو حيان: «وإذا بلغت: «كانت وكنا» رأيت الجيب مشقوقا، والذّيل مخروقا، والدمع منهملا، والبال منخذلا، ومكتوم السر فى الهوى باديا؛ ودليل العشق على صاحبه مناديا». ويعرض علينا أبو حيان صورا مختلفة من طرب الصوفية مثل المعلم غلام الحصرى شيخ الصوفية، ومثل ابن سمعون أكبر واعظ شهدته بغداد فى زمنه، فإن الطرب كان يقيمه ويقعده حين يستمع إلى ابن بهلول، وهو يزلزل الدنيا بصوته الناعم وغنّته الرخيمة وظرفه البارع ودماثته الحلوة. ويذكر أبو حيان جارية كانت تنوح تسمّى حبابه كانت فى النّوح واحدة لا أخت لها وقد تهالك الناس بالعراق على نوحها، يقول:
ورأيت لها أختا يقال لها «صبابة» كانت فى الحسن والجمال فوقها. . وزلزلت هذه بغداد فى وقتها، ولم يكن للناس غير حديثها لنوادرها وحاضر جوابها. ثم يقول أبو حيان فى ختام هذا الفصل الطريف.
«ولو ذكرت هذه الأطراب من المستمعين والأغانى من الرجال والصبيان والجوارى والحرائر لأطلت وأمللت وزاحمت كل من صنّف كتابا فى الأغانى والألحان. وعهدى بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة. وقد أحصيت-أنا وجماعة فى الكرخ-أربعمائة وستين جارية فى الجانبين (جانبى بغداد الغربى والشرقى) ومائة وعشرين حرة يجمعن بين الحسن والحذق والظرف والعشرة. وهذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزّته وحرسه
стр. 2378
ورقبائه، وسوى من كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا إذا نشط فى وقت أو ثمل (سكر) فى حال، وخلع العذار فى هوى قد حالفه وأضناه».
ولا ريب فى أنه كان بجوار أولئك المئات من المغنيات مئات من المغنين، وكم كنا نتمنى لو أن أبا حيان أطال وأملّ وصنف فى أغانى عصره كتابا ككتاب أبى الفرج الأصبهانى، ولكنه لم يعن بذلك فخسر الشعر والغناء خسارة كبرى لأن معاصريه ومن جاءوا بعده لم يحاولوا التأليف فى الأغانى والمغنيات والمغنين على غرار صنيع الأصبهانى.
وأكبر الظن أن هذا الازدهار للغناء ظل حتى غزو التتار لبغداد، وبقيت منه أسراب فى الحقب المغولية، إذ نجد ابن بطوطة حين زار بغداد سنة ٧٢٧ يذكر أنه رأى السلطان الإيلخانى بو سعيد فى سفينة بدجلة يتنزّه، وعن يمينه وشماله قوارب وسفن لأهل الطرب والغناء، ويذكر أيضا أنه رأى هذا السلطان فى أحد مواكب تنقله، ومع كل أمير من أمرائه عسكره وطبوله، وكان يتقدم الموكب الحجاّب والنقباء ثم أهل الطرب وهم نحو مائة رجل، كانوا يغنون فى مجموعات بالتناوب، ولا يزالون يتداولون الغناء بينهم، حتى ينزل بو سعيد، فإذا ركب عادت المجاميع إلى الطرب والغناء (١).
ولم تكن الطبقة الدنيا تنعم بالغناء نعيم الطبقة الأرستقراطية، والمظنون أن الطبقة الوسطى كانت تنعم به بعض الشئ، أما من وراءهم من عامة الناس فلم يكن لديهم من المال ما يجعلهم يأخذون بنصيب من هذا النعيم، إلا ما قد ينعمون به فى الأعياد العامة، وعادة كانت بغداد تزيّن بالأعلام ذات الألوان الزاهية فى عيدى الفطر والأضحى، ومع مواكب الحج فى رحيلها وقدومها، وظل الاحتفال بذلك كله حتى نهاية هذا العصر، وكانوا يحتفلون بأعياد الفرس ويخرجون فيها للمتنزهات وسماع المغنين والمغنيات، وأهمها عيد المهرجان فى السادس والعشرين من أكتوبر، ويستمر ستة أيام ويسمى اليوم السادس منه المهرجان الأكبر، ويأتى بعده عيد السّذق، وهو يوافق عيد الميلاد، وفيه تشعل النار فى السفن والزوارق بدجلة، وتخرج العامة للفرجة عليها وبأيديهم الشموع، ويلى هذا العيد عيد النيروز فى أول الربيع، ويبتدئ فى الحادى والعشرين من مارس ويستمر ستة أيام مثل عيد المهرجان. وبجانب ذلك كانوا يحتفلون بأعياد النصارى ويخرجون فيها للمتنزهات والأديرة، وكان لكل دير عيده.
ومن المحقق أن العامة كانت تعانى كثيرا من الضنك والضيق لكثرة الضرائب التى كانت تجبى منها وقلة ما كان يعود عليها من الكسب، وقد يدل على ذلك من بعض الوجوه أن
стр. 2379
الطبيب حين كان يدور من بيت إلى آخر لمعالجة العامة كان يأخذ أجرا له عن كل مريض ربع درهم (١)، ويذكر التنوخى أن رجلا كان يستأجر حانوتا بنصف درهم وزيدت إلى درهم (٢). والخبران من أخبار أوائل العصر فى القرن الرابع الهجرى، فما بالنا بما صارت إليه العامة بعد ذلك من بؤس وتعاسة، وهذا هو السبب فى كثرة العيّارين ببغداد طوال القرنين الرابع والخامس الهجريين، ومن يقرأ أخبارهم يحس أنهم كانوا يستشعرون فكرة العدالة الاجتماعية، إذ يرون طائفة قليلة من الوزراء والقواد وكبار الموظفين والإقطاعيين والتجار الموسرين يتمتعون بل يتمرّغون فى الترف والنّعيم وهم محرومون يتجرّعون البؤس والمسغبة، وقد أشعلوا فى شهر المحرم لسنة ٣٦٤ للهجرة ببغداد حريقا عظيما، واستفحل أمرهم حتى خافهم الجند وتلقبوا بالقواد وتسلطوا على بغداد وأخذوا الضرائب من الأسواق (٣)، ويذكر أبو حيان من قوادهم ابن كبرويه وأبا الدرد وأبا الذباب وأسود الزّبد (٤). وعادوا إلى التسلط على بغداد سنة ٣٨٠ فنهبوها وعينوا عريفا لهم فى كل محلة (٥). وأخذ ينتظم مع الزمن فى صفوفهم كثير من العلويين والعباسيين كما حدث فى فتنتهم سنة ٣٩٢ مما يدل على أنهم كانوا ساخطين سخطا شديدا على الأغنياء المترفين من رجال الدولة وغيرهم، وأنهم كانوا ينادون بفكرة العدالة الدينية. ونمضى فى القرن السادس الهجرى فنجد فتنهم تشتعل ببغداد من حين إلى حين، ويعظم شأنهم فى عهد السلطان مسعود السلجوقى (٥٢٧ - ٥٤٧ هـ) وينهبون بغداد مرارا. وما زالت فتنهم تنشب فيها طوال القرن السادس، حتى إذا كنا فى عصر الخليفة الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) وجدناه فى سنة ٥٧٨ يستدعى شيخا من بينهم عرف بأن له أتباعا كثيرين، فعرض عليه أن ينتظم معه ومع أتباعه فى الفتوة، على أن تتجه وجهة صالحة، فلا تكون للإفساد ولا للنهب ولا للفتن، بل تكون فتوة فاضلة تقوم على المروءة وشرف النفس. وشرب الناصر من يد الشيخ عبد الجبار ماء الفتوة وهو ماء مملوح، وكأنه يشير عندهم إلى أنهم لا يشربون الخمر وأيضا لبس الناصر سراويلها كما أسلفت وأخذ فى تنظيم هذه الفتوة الشريفة، فدخل فيها أهل بغداد أفواجا، وعمد إلى نشرها فى الآفاق وطلب إلى الحكام أن يدخلوا فيها، ودخل كثير منهم، على هدى منشور فيها، أرسله إلى الآفاق يحض على الانتظام فى سلكها، وكان ممن انتظم فيها شهاب الدين الغورى سلطان غزنة والهند، كما ذكر ابن الأثير فى حوادث سنة ٦٠٢ وانتظم فيها السلطان
стр. 2380
العادل الأيوبى وأبناؤه كما مرّ بنا. وكان هذا عملا جليلا، لا لأنه أنقذ بغداد من العيارين والنهب والسلب المستمر فحسب، بل لأنه وجّه شباب بغداد بل شباب الأمة إلى أتخاذ الفتوة الفاضلة درعا فى حروبهم مع أعدائهم من الصليبيين، وقد تحولت إلى نظام عظيم، كتب فيه العلماء كتبا، من أهمها كتاب الفتوة لابن المعمار البغدادى المتوفى سنة ٦٤٢ وهو يوضح فيه حقيقتها ومنشأها ومنزلتها من الشريعة الإسلامية وشرائطها ومصطلحاتها على ألسنة الفتيان النبيلة (١). غير أن بغداد لم تلبث أن اكتسحتها أمواج التتار هى والعراق، وحكمها الإيلخانيون ومن جاء بعدهم من التيموريين والتركمان والصفويين والعثمانيين، وأخذت أحوال أهلها هى والعراق عامة تزداد سوءا من عصر إلى عصر، لكثرة ما كان يفرض على الناس فى المدن والريف من الضرائب الفادحة.
ولم نتحدث عن أهل الذمة من المجوس والنصارى والصابئة واليهود، وكانوا يتمتعون بتسامح واسع نظير ما يدفعونه من الجزية، وكانت لا تتجاوز دينارا اللعامة ودينارين للطبقة الوسطى وثلاثة دنانير لأصحاب الثراء، وكانت أشبه بضريبة تؤخذ للدفاع الوطنى، إذ لم يكن يؤديها إلا من يقدرون على حمل السلاح، فلا يؤديها النساء ولا الرهبان ولا من لم يبلغ الحلم ولا العجوز ولا الفقير البائس ولا ذوو العاهات. وكانت الدولة وخاصة فى الحقبة البويهية تستخدم بعض النصارى فى الدواوين واتخذ منهم عضد الدولة وزيرا-كما مرّ بنا-وكان منهم أطباء كثيرون فى مختلف الحقب، أما اليهود فكانوا يشتغلون بأهون المهن، فكان منهم الصّباغون والخرّازون وأمثالهما كالأساكفة.
وكان الرقيق كثيرا كثرة مفرطة، وكان من أجناس مختلفة، فمنه الإفريقى ومنه التركى الآسيوى ومنه الأوربى وخاصة الصقلبى والرومى. وكانت له سوق رائجة فى بغداد من قديم، وكانت التجارة فيه تدرّ أرباحا طائلة على النخاسين، وكانت لهم حيل كثيرة يخدعون بها الناس عند شراء الجوارى والرقيق بعامة، ومن أجل ذلك ألف ابن بطلان المتوفى بعد سنة ٤٥٥ للهجرة رسالة سماها «شراء الرقيق وتقليب العبيد» وفيها يصور حيل النخاسين فى تحسين الجوارى وطرق خداعهم فى إزالة آثار الجدرى والوشم والنمش من أجسادهن وصبغهن بألوان تخفى ما قد يكون من آثار البرص أو البهق وصبغ عيونهن بألوان تجعلها كحلاء أو زرقاء، ويصور بعض مقاييس الحسن فى الجارية من أخمص قدمها إلى
стр. 2381
مفرق شعرها (١) وكانت المحظوظات منهن تجلب إلى دور الخلفاء والسلاطين، وكثير من الخلفاء كانوا من أبنائهن، فالقائم بأمر الله (٤٢٢ - ٤٦٧ هـ) كانت أمه قطر الندى جارية رومية (٢)، وابنه المقتدى (٤٦٧ - ٤٨٧ هـ) كانت أمة جارية أرمنية (٣). وكذلك كانت أم المستظهر (٤٨٧ - ٥١٢ هـ) من الجوارى (٤). وكان منهن كثيرات فى قصر الخلافة يخدمن زوجات الخلفاء أو يكن وصيفات لهن (٥).
وكانت الجارية المغنية تباع بأغلى الأثمان، وكان فى بغداد بعض نواد بها جوار مغنيات يختلف إليهن الشباب لسماع الغناء واللهو (٦). واشتهر كثيرات منهن باللطف والظرف والبديهة الحاضرة ونظم الشعر (٧) وحب الأزهار ونقش الأبيات الرقيقة على الأردية والأكمام والعصائب والمناديل، وكان لذلك تأثير فى رقىّ الأذواق ببغداد من قديم.
وكان شرب الخمر معتادا فى كثير من مجالس السلاطين والوزراء وسراة القوم، على نحو ما مرّ بنا عن المهلبى وزير معز الدولة البويهى، وحكوا عن ابنه عز الدولة بختيار أنه «كان يحب أن يقضى أوقاته فى الصيد والأكل والشرب والسماع واللهو واللعب بالنرد وتحريش الكلاب والديكة والفتاخ (العقبان) (٨). ومرّ حديثنا عن عضد الدولة البويهى ومجالس أنسه وطربه وشربه. وكان السلطان مسعود السلجوقى منهمكا فى اللذات والانعكاف على الخمور والراحات (٩). ويكثر وصف الخمر على ألسنة الشعراء وفى حكاية أبى القاسم البغدادى وصف كثير لها فى غير موضع، وفيه تساق بعض أشعار الماجنين الكبيرين ببغداد فى القرن الرابع الهجرى: ابن حجاج وابن سكرة، وهما أكبر مجان بغداد-إن لم يكن كل البلدان العربية-على مرّ التاريخ.
وكان الصيد لهوا عاما للسلاطين والناس، وكان من أكبر هواته ملكشاه السلجوقى، ويقول ابن خلكان: «كان لهجا بالصيد، حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف فتصدّق بعشرة آلاف دينار. وصار بعد ذلك كلما قتل صيدا تصدق بدينار. .
وخرج مرة من الكوفة لتوديع الحجاج. . وصاد فى طريقه وحشا كثيرا، وبنى هناك منارة من حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء مما صاده (١٠)». وكانت العامة تلهج بالصيد مما دفع
стр. 2382
الناصر إلى أن يجعله جزءا من الفتوة، إذ اشترط فيها إحسان المنتسب إليها الرمى بالبندق، وكأنه كان يريد أن يمرّن الشباب لا على الصيد من حيث هو وإنما على صيد أعداء العرب والإسلام، ولمعاصره الفتى عمر بن السفت مخمس طويل فى وصف قوس البندق وإحكام الصيد (١).
واستمر من هواياتهم فى هذا العصر اللعب بالنّرد وكذلك اللعب بالشطرنج وفى حكاية أبى القاسم وصف طويل للشطرنج واللعب به. وكان من تسلياتهم القديمة مهارشة الديكة ولعبة خيال الظل، وكانوا يلعبون بالحمام ويتخذون له أبراجا كبيرة، وكانوا يقامرون عليه، فيرسل كل حمامه، ومن جاء حمامه أولا كسب الرهان، ومن أهم أنواعه الزاجل، وكانت الحكومات تستخدمه فى البريد أو التراسل. وكان من ألعابهم سباق الخيل. وكانت الفروسية مهوى أفئدة الشباب، وخاصة أصحاب الفتوة فكانوا يتمرنون على استخدام السلاح سواء أكان ضربا بالسيف أو رميا بالنبل. وكان من العادات الشائعة الاحتفال بالختان وبختم القرآن وبالزواج وكان الفقراء يستعيرون لفتياتهم ولأنفسهم الملابس والحلى للظهور بالمظهر الكريم فى حفل الزفاف. ومن المؤكد أنه ظل يجثم على صدر بغداد حزن كئيب منذ غزاها المغول حتى العصر الحديث.
٤ - التشيع
يقوم التشيع على أساس نظرية فى إمامة المسلمين يؤمن بها الشيعة جميعا، وهى نظرية تعتمد على أن هذه الإمامة وراثية فى على بن أبى طالب وأبنائه المختارين للنهوض بالخلافة الشرعية للمسلمين من الوجهتين الدينية والدنيوية. ولذلك لا يسمون الحاكم الأعلى للمسلمين فى رأيهم خليفة كما يسميه أهل السنة، وإنما يسمونه إماما ليدل هذا اللقب على مكانته الدينية. والإمام الأول عندهم هو على الذى اختاره الرسول ﷺ فى اعتقادهم، ليكون إمام المسلمين بعده، ويسمون ذلك وصية، إذ يقولون إن الرسول أوصى لعلى بالإمامة بجوار غدير خمّ بين مكة والمدينة. فهو وصىّ النبى وكل إمام بعده وصىّ لسلفه، عيّنه بعده صراحة وفقا لترتيب إلهى. ويضيف الشيعة إلى ذلك أن الرسول ﷺ بثّ علياّ علوما خصّه بها، وهى علوم تجعل له-فى عقيدتهم-قدسية وصفات روحية خاصة،
стр. 2383
وهى صفات وعلوم يرثها كل إمام عن سالفه.
والشيعة فرق كثيرة، ونقصر حديثنا على ثلاث منها عرفت بالعراق لهذا العصر، هى الإمامية الاثنا عشرية والزيدية والنّصيرية. والأولى (١) هى التى يدين بها جمهور الشيعة فى العراق حتى اليوم، أما الفرقتان الثانية والثالثة فعرفتا فى بعض البيئات والمدن، ولم تعمّا فى العراق إنما التى عمّت الامامية الاثنا عشرية، ولذلك ينبغى أن نفصّل القول فيها بعض التفصيل. وعندهم أن إمامة على وأبنائه من السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ جزء لا يتجزأ من صحة العقيدة الإسلامية، يقول الكلينى المتوفى سنة ٣٢٨ فى كتابه الأصول من الجامع الكافى: «ليس بمسلم حقا من لا يعترف بالله ورسوله والأئمة جميعا وإمام عصره ومن لا يفوّض أمره للإمام ويبذل نفسه فى سبيله» والإمامية بذلك يجعلون من أركان الإسلام الأساسية-فى عقيدتهم-الإيمان بالأئمة والانضواء تحت لواء إمام العصر (٢) ويضفى الإمامية على الإمام صفات روحية قدسية أودعها الله فيه مع ما أودع من العلوم، وهى صفات يعلو بها على المستوى البشرى للناس، بها يكون هاديا لهم وموجّها، إذ ورثها عن الأئمة قبله، وورث معها المعارف والأحكام الإلهية، وكلّ ما يجدّ يعرفه عن طريق الإلهام بالقوة القدسية والمشيئة الإلهية. فكل علم له إنما هو من لدن الله وكل أمر إنما هو بتوجيه الله (٣). وطاعة الأئمة لذلك واجبة، إذ هم أبواب الله والسبل إليه والإدلاّء عليه، وهم ذخيرة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده وخزّان معرفته. . أمرهم أمر الله، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته (٤). ومما يستدلون به على وجوب طاعتهم قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)﴾ وأولو الأمر ليسوا هم-كما يدل ظاهر الآية-علماء الأمة المجتهدين، وإنما هم الأئمة. ويقولون إن الله أوجب طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله. وعلى هذا النحو يرتفع الشيعة الإمامية بأئمتهم عن الطبيعة البشرية إذ يجعلونهم معصومين عن الخطأ واقتراف الذنوب والآثام. وتعدّ هذه العصمة للأئمة من المبادئ الأساسية فى العقيدة الإمامية، ويستدلون عليها باختيار الله لهم-على نحو ما تصور ذلك عقيدتهم-والله لا يختار لعباده
стр. 2384
فى رأيهم إلا المعصومين (١).
ويؤمن الإمامية الاثنا عشرية بأن الأئمة اثنا عشر، ولذلك يسمون الاثنى عشرية، وهم-على الترتيب-على بن أبى طالب، فابنه الحسن، فأخوه الحسين، فابنه على زين العابدين، فابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق، فابنه موسى الكاظم، فابنه على الرضا، فابنه محمد الجواد، فابنه على الهادى، فابنه الحسن العسكرى، فابنه محمد المهدى المولود سنة ٢٥٦ للهجرة، وقد اختفى عند ما كان طفلا. ويؤمن الإمامية بأن هذا الإمام حى وأنه سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ويعيد سنن الرسول ﷺ ويستردّ حقّ أسرته فى الولاية على الأمة فى يوم موعود به من الله، هو سر من الأسرار الإلهية.
ويقولون إن هذا حقا مخالف للمألوف أن يكون إماما وهو قد رحل وعمره خمس سنوات وأن يظل قرونا متوالية حيا، ولكنها-كما يعتقدون-معجزة ستحقّق، إذ يعود إليهم هذا المهدى المنتظر الذى يحرّر-فى عقيدتهم-العالم من مفاسده وشروره، ويشيع فى الناس العدالة. وهو بذلك حىّ، وكل ما فى الأمر أنه غائب خفى عن الأعين (٢). وهو عندهم فى أثناء غيابه واختفائه «قائم الزمان» يسير بين الأحياء ولا يرونه، ويرعى شئونهم، ويدبر مصالحهم (٣).
وتؤمن الإمامية الاثنا عشرية بنظرية الرجعة، إذ يعيد الله بعض الأموات إلى الدنيا ليقرّوا بين البشر نواميس العدالة الإلهية، ثم يعودون بعد ذلك إلى الموت، وكأنها بعث موقوت فى الدنيا، وهى طبعا غير التناسخ، فالتناسخ انتقال الروح من بدن إلى بدن، أما الرجعة فمعاد جسمانى فى الدنيا بنفس الصورة والشخصية، ويستدلون على هذه الرجعة بما جاء على لسان عيسى ﵇ فى الذكر الحكيم: (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله) وما جاء عن قصة أهل الكهف فى القرآن الكريم، وأيضا عن صاحب القصة فى قوله تعالى: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه). غير أن فكرة الرجعة اختلطت بفكرة المهدى الذى سيأتى آخر الزمان ويتم على يديه الإصلاح المأمول، ويقول الشيخ المظفر:
«على كل حال الرجعة ليست من الأصول التى يجب الاعتقاد بها، وإنما اعتقادنا بها كان تبعا للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت ﵈ (٤)». وهو يلفتنا بذلك إلى أهمية
стр. 2385
الروايات المنسوبة إلى الأئمة فى البيئة الإمامية فهى أقوى عندهم من كل برهان لأنهم فى رأيهم معصومون منزهون عن الخطأ.
وتلتقى العقيدة الإمامية مع الاعتزال فى كثير من الأصول، فالإمامية كالمعتزلة يرون أن صفات الله قائمة بذاته، فهو عالم بذاته لا بعلم، وكذلك بقية صفاته، ويروون عن جعفر الصادق: «العلم ذات الله ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور (١)». وهم كالمعتزلة ينفون التشبيه عن الله، فهو منزه عن المكان والزمان والشبه بالمخلوقات، إذ ليس جسما ولا عرضا ولا جوهرا، وقد سلكوا مسلك المعتزلة فى تأويل الآيات القرآنية التى قد تفيد مشابهة الذات العلية للمخلوقات فى مثل ﴿(يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)﴾ فمعنى اليد القدرة. وهم كالمعتزلة فى إثبات العدل على الله، أما أفعال العباد فيقفون فيها موقفا وسطا بين المعتزلة والقائلين بالجبر، فهى بين بين، أو هى بين الاستطاعة والجير. وظلت الصلة قوية بين الإمامية والاعتزال طوال العصر.
وقد أخذ المذهب الإمامى الاثنا عشرى ينتشر فى العراق منذ أوائل هذا العصر، إذ تحول صولجان الحكم إلى البويهيين وكانوا إمامية، ونرى حاكمهم الأول معز الدولة يأمر فى سنة ٣٥١ بلعن معاوية وكبار الصحابة وكتب بعض الشيعة ذلك على حيطان المساجد، فمحا الكتابة أهل السنة (٢). ولم يلبث معز الدولة أن أمر أهل بغداد بالاحتفال بيوم عاشوراء فى سنة ٣٥٢ وهو اليوم الذى استشهد فيه الحسين، وقد أصبح منذ هذا التاريخ أكبر عيد للشيعة، وفيه أمر معز الدولة أن تغلق الأسواق ويعطّل البيع والشراء ولا يذبح القصّابون ولا يطبخ الطبّاخون وأصحاب الحلوى، والجميع ينوحون ويبكون الحسين وينصبون القباب ويتخذون المسوح وتخرج النساء منشورات الشعور مسوّدات الوجوه مشقوقات الثياب ويدرن فى بغداد نائحات لاطمات وجوههن على الحسين (٣). وفى هذا اليوم يزار قبر الحسين بكربلاء، ويقام فيها عليه مأتم كبير كمأتم بغداد، ويقام أيضا فى المدن العراقية الأخرى. ولا يزال يقام هذا المأتم إلى اليوم. وفيه يقام موكب كبير للنائحين ببغداد، وتتلى سيرة الحسين فى البيوت والنوادى وتنشد مراث كثيرة فيه وفى أبيه وفى الأئمة المستشهدين، يصوّر فيها الشعراء محن آل البيت على مر التاريخ. وبجانب هذا العيد الحزين عيد فرح