← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

مفرق شعرها (١) وكانت المحظوظات منهن تجلب إلى دور الخلفاء والسلاطين، وكثير من الخلفاء كانوا من أبنائهن، فالقائم بأمر الله (٤٢٢ - ٤٦٧ هـ) كانت أمه قطر الندى جارية رومية (٢)، وابنه المقتدى (٤٦٧ - ٤٨٧ هـ) كانت أمة جارية أرمنية (٣). وكذلك كانت أم المستظهر (٤٨٧ - ٥١٢ هـ) من الجوارى (٤). وكان منهن كثيرات فى قصر الخلافة يخدمن زوجات الخلفاء أو يكن وصيفات لهن (٥). وكانت الجارية المغنية تباع بأغلى الأثمان، وكان فى بغداد بعض نواد بها جوار مغنيات يختلف إليهن الشباب لسماع الغناء واللهو (٦). واشتهر كثيرات منهن باللطف والظرف والبديهة الحاضرة ونظم الشعر (٧) وحب الأزهار ونقش الأبيات الرقيقة على الأردية والأكمام والعصائب والمناديل، وكان لذلك تأثير فى رقىّ الأذواق ببغداد من قديم. وكان شرب الخمر معتادا فى كثير من مجالس السلاطين والوزراء وسراة القوم، على نحو ما مرّ بنا عن المهلبى وزير معز الدولة البويهى، وحكوا عن ابنه عز الدولة بختيار أنه «كان يحب أن يقضى أوقاته فى الصيد والأكل والشرب والسماع واللهو واللعب بالنرد وتحريش الكلاب والديكة والفتاخ (العقبان) (٨). ومرّ حديثنا عن عضد الدولة البويهى ومجالس أنسه وطربه وشربه. وكان السلطان مسعود السلجوقى منهمكا فى اللذات والانعكاف على الخمور والراحات (٩). ويكثر وصف الخمر على ألسنة الشعراء وفى حكاية أبى القاسم البغدادى وصف كثير لها فى غير موضع، وفيه تساق بعض أشعار الماجنين الكبيرين ببغداد فى القرن الرابع الهجرى: ابن حجاج وابن سكرة، وهما أكبر مجان بغداد-إن لم يكن كل البلدان العربية-على مرّ التاريخ. وكان الصيد لهوا عاما للسلاطين والناس، وكان من أكبر هواته ملكشاه السلجوقى، ويقول ابن خلكان: «كان لهجا بالصيد، حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة آلاف فتصدّق بعشرة آلاف دينار. وصار بعد ذلك كلما قتل صيدا تصدق بدينار. . وخرج مرة من الكوفة لتوديع الحجاج. . وصاد فى طريقه وحشا كثيرا، وبنى هناك منارة من حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء مما صاده (١٠)». وكانت العامة تلهج بالصيد مما دفع

стр. 2382

الناصر إلى أن يجعله جزءا من الفتوة، إذ اشترط فيها إحسان المنتسب إليها الرمى بالبندق، وكأنه كان يريد أن يمرّن الشباب لا على الصيد من حيث هو وإنما على صيد أعداء العرب والإسلام، ولمعاصره الفتى عمر بن السفت مخمس طويل فى وصف قوس البندق وإحكام الصيد (١). واستمر من هواياتهم فى هذا العصر اللعب بالنّرد وكذلك اللعب بالشطرنج وفى حكاية أبى القاسم وصف طويل للشطرنج واللعب به. وكان من تسلياتهم القديمة مهارشة الديكة ولعبة خيال الظل، وكانوا يلعبون بالحمام ويتخذون له أبراجا كبيرة، وكانوا يقامرون عليه، فيرسل كل حمامه، ومن جاء حمامه أولا كسب الرهان، ومن أهم أنواعه الزاجل، وكانت الحكومات تستخدمه فى البريد أو التراسل. وكان من ألعابهم سباق الخيل. وكانت الفروسية مهوى أفئدة الشباب، وخاصة أصحاب الفتوة فكانوا يتمرنون على استخدام السلاح سواء أكان ضربا بالسيف أو رميا بالنبل. وكان من العادات الشائعة الاحتفال بالختان وبختم القرآن وبالزواج وكان الفقراء يستعيرون لفتياتهم ولأنفسهم الملابس والحلى للظهور بالمظهر الكريم فى حفل الزفاف. ومن المؤكد أنه ظل يجثم على صدر بغداد حزن كئيب منذ غزاها المغول حتى العصر الحديث. ٤ - التشيع يقوم التشيع على أساس نظرية فى إمامة المسلمين يؤمن بها الشيعة جميعا، وهى نظرية تعتمد على أن هذه الإمامة وراثية فى على بن أبى طالب وأبنائه المختارين للنهوض بالخلافة الشرعية للمسلمين من الوجهتين الدينية والدنيوية. ولذلك لا يسمون الحاكم الأعلى للمسلمين فى رأيهم خليفة كما يسميه أهل السنة، وإنما يسمونه إماما ليدل هذا اللقب على مكانته الدينية. والإمام الأول عندهم هو على الذى اختاره الرسول ﷺ فى اعتقادهم، ليكون إمام المسلمين بعده، ويسمون ذلك وصية، إذ يقولون إن الرسول أوصى لعلى بالإمامة بجوار غدير خمّ بين مكة والمدينة. فهو وصىّ النبى وكل إمام بعده وصىّ لسلفه، عيّنه بعده صراحة وفقا لترتيب إلهى. ويضيف الشيعة إلى ذلك أن الرسول ﷺ بثّ علياّ علوما خصّه بها، وهى علوم تجعل له-فى عقيدتهم-قدسية وصفات روحية خاصة،

стр. 2383

وهى صفات وعلوم يرثها كل إمام عن سالفه. والشيعة فرق كثيرة، ونقصر حديثنا على ثلاث منها عرفت بالعراق لهذا العصر، هى الإمامية الاثنا عشرية والزيدية والنّصيرية. والأولى (١) هى التى يدين بها جمهور الشيعة فى العراق حتى اليوم، أما الفرقتان الثانية والثالثة فعرفتا فى بعض البيئات والمدن، ولم تعمّا فى العراق إنما التى عمّت الامامية الاثنا عشرية، ولذلك ينبغى أن نفصّل القول فيها بعض التفصيل. وعندهم أن إمامة على وأبنائه من السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول ﷺ جزء لا يتجزأ من صحة العقيدة الإسلامية، يقول الكلينى المتوفى سنة ٣٢٨ فى كتابه الأصول من الجامع الكافى: «ليس بمسلم حقا من لا يعترف بالله ورسوله والأئمة جميعا وإمام عصره ومن لا يفوّض أمره للإمام ويبذل نفسه فى سبيله» والإمامية بذلك يجعلون من أركان الإسلام الأساسية-فى عقيدتهم-الإيمان بالأئمة والانضواء تحت لواء إمام العصر (٢) ويضفى الإمامية على الإمام صفات روحية قدسية أودعها الله فيه مع ما أودع من العلوم، وهى صفات يعلو بها على المستوى البشرى للناس، بها يكون هاديا لهم وموجّها، إذ ورثها عن الأئمة قبله، وورث معها المعارف والأحكام الإلهية، وكلّ ما يجدّ يعرفه عن طريق الإلهام بالقوة القدسية والمشيئة الإلهية. فكل علم له إنما هو من لدن الله وكل أمر إنما هو بتوجيه الله (٣). وطاعة الأئمة لذلك واجبة، إذ هم أبواب الله والسبل إليه والإدلاّء عليه، وهم ذخيرة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده وخزّان معرفته. . أمرهم أمر الله، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته (٤). ومما يستدلون به على وجوب طاعتهم قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)﴾ وأولو الأمر ليسوا هم-كما يدل ظاهر الآية-علماء الأمة المجتهدين، وإنما هم الأئمة. ويقولون إن الله أوجب طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله. وعلى هذا النحو يرتفع الشيعة الإمامية بأئمتهم عن الطبيعة البشرية إذ يجعلونهم معصومين عن الخطأ واقتراف الذنوب والآثام. وتعدّ هذه العصمة للأئمة من المبادئ الأساسية فى العقيدة الإمامية، ويستدلون عليها باختيار الله لهم-على نحو ما تصور ذلك عقيدتهم-والله لا يختار لعباده

стр. 2384

فى رأيهم إلا المعصومين (١). ويؤمن الإمامية الاثنا عشرية بأن الأئمة اثنا عشر، ولذلك يسمون الاثنى عشرية، وهم-على الترتيب-على بن أبى طالب، فابنه الحسن، فأخوه الحسين، فابنه على زين العابدين، فابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق، فابنه موسى الكاظم، فابنه على الرضا، فابنه محمد الجواد، فابنه على الهادى، فابنه الحسن العسكرى، فابنه محمد المهدى المولود سنة ٢٥٦ للهجرة، وقد اختفى عند ما كان طفلا. ويؤمن الإمامية بأن هذا الإمام حى وأنه سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ويعيد سنن الرسول ﷺ ويستردّ حقّ أسرته فى الولاية على الأمة فى يوم موعود به من الله، هو سر من الأسرار الإلهية. ويقولون إن هذا حقا مخالف للمألوف أن يكون إماما وهو قد رحل وعمره خمس سنوات وأن يظل قرونا متوالية حيا، ولكنها-كما يعتقدون-معجزة ستحقّق، إذ يعود إليهم هذا المهدى المنتظر الذى يحرّر-فى عقيدتهم-العالم من مفاسده وشروره، ويشيع فى الناس العدالة. وهو بذلك حىّ، وكل ما فى الأمر أنه غائب خفى عن الأعين (٢). وهو عندهم فى أثناء غيابه واختفائه «قائم الزمان» يسير بين الأحياء ولا يرونه، ويرعى شئونهم، ويدبر مصالحهم (٣). وتؤمن الإمامية الاثنا عشرية بنظرية الرجعة، إذ يعيد الله بعض الأموات إلى الدنيا ليقرّوا بين البشر نواميس العدالة الإلهية، ثم يعودون بعد ذلك إلى الموت، وكأنها بعث موقوت فى الدنيا، وهى طبعا غير التناسخ، فالتناسخ انتقال الروح من بدن إلى بدن، أما الرجعة فمعاد جسمانى فى الدنيا بنفس الصورة والشخصية، ويستدلون على هذه الرجعة بما جاء على لسان عيسى ﵇ فى الذكر الحكيم: (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله) وما جاء عن قصة أهل الكهف فى القرآن الكريم، وأيضا عن صاحب القصة فى قوله تعالى: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه). غير أن فكرة الرجعة اختلطت بفكرة المهدى الذى سيأتى آخر الزمان ويتم على يديه الإصلاح المأمول، ويقول الشيخ المظفر: «على كل حال الرجعة ليست من الأصول التى يجب الاعتقاد بها، وإنما اعتقادنا بها كان تبعا للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت ﵈ (٤)». وهو يلفتنا بذلك إلى أهمية

стр. 2385

الروايات المنسوبة إلى الأئمة فى البيئة الإمامية فهى أقوى عندهم من كل برهان لأنهم فى رأيهم معصومون منزهون عن الخطأ. وتلتقى العقيدة الإمامية مع الاعتزال فى كثير من الأصول، فالإمامية كالمعتزلة يرون أن صفات الله قائمة بذاته، فهو عالم بذاته لا بعلم، وكذلك بقية صفاته، ويروون عن جعفر الصادق: «العلم ذات الله ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور (١)». وهم كالمعتزلة ينفون التشبيه عن الله، فهو منزه عن المكان والزمان والشبه بالمخلوقات، إذ ليس جسما ولا عرضا ولا جوهرا، وقد سلكوا مسلك المعتزلة فى تأويل الآيات القرآنية التى قد تفيد مشابهة الذات العلية للمخلوقات فى مثل ﴿(يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)﴾ فمعنى اليد القدرة. وهم كالمعتزلة فى إثبات العدل على الله، أما أفعال العباد فيقفون فيها موقفا وسطا بين المعتزلة والقائلين بالجبر، فهى بين بين، أو هى بين الاستطاعة والجير. وظلت الصلة قوية بين الإمامية والاعتزال طوال العصر. وقد أخذ المذهب الإمامى الاثنا عشرى ينتشر فى العراق منذ أوائل هذا العصر، إذ تحول صولجان الحكم إلى البويهيين وكانوا إمامية، ونرى حاكمهم الأول معز الدولة يأمر فى سنة ٣٥١ بلعن معاوية وكبار الصحابة وكتب بعض الشيعة ذلك على حيطان المساجد، فمحا الكتابة أهل السنة (٢). ولم يلبث معز الدولة أن أمر أهل بغداد بالاحتفال بيوم عاشوراء فى سنة ٣٥٢ وهو اليوم الذى استشهد فيه الحسين، وقد أصبح منذ هذا التاريخ أكبر عيد للشيعة، وفيه أمر معز الدولة أن تغلق الأسواق ويعطّل البيع والشراء ولا يذبح القصّابون ولا يطبخ الطبّاخون وأصحاب الحلوى، والجميع ينوحون ويبكون الحسين وينصبون القباب ويتخذون المسوح وتخرج النساء منشورات الشعور مسوّدات الوجوه مشقوقات الثياب ويدرن فى بغداد نائحات لاطمات وجوههن على الحسين (٣). وفى هذا اليوم يزار قبر الحسين بكربلاء، ويقام فيها عليه مأتم كبير كمأتم بغداد، ويقام أيضا فى المدن العراقية الأخرى. ولا يزال يقام هذا المأتم إلى اليوم. وفيه يقام موكب كبير للنائحين ببغداد، وتتلى سيرة الحسين فى البيوت والنوادى وتنشد مراث كثيرة فيه وفى أبيه وفى الأئمة المستشهدين، يصوّر فيها الشعراء محن آل البيت على مر التاريخ. وبجانب هذا العيد الحزين عيد فرح

стр. 2386

وسرور فرضه أيضا معز الدولة البويهى فى الثامن عشر من ذى الحجة سنة ٣٥٢ وهو عيد الغدير: غدير خمّ الذى يذهب الشيعة-كما أسلفنا-إلى أن الرسول ﷺ عهد إلى على بالخلافة قريبا منه وأنه قال: من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقد أمر معز الدولة أن يستشعر الناس فيه الفرح ومظاهره من اتخاذ الزينة ونصب القباب وتعليق الثياب، وأشعلت النيران ليلا وضربت الدبادب والبوقات (١). ولم يلبث أهل السنة ببغداد أن اتخذوا لهم عيدين بإزاء العيدين السالفين، فجعلوا لهم عيدا بعد عيد الغدير بثمانية أيام، سموه عيد الغار، أحيوا فيه ذكرى اليوم الذى دخل فيه النبى ﷺ وأبو بكر الصديق فى غار حراء، وبالمثل جعلوا لهم عيدا بعد يوم عاشوراء بثمانية أيام أحيوا فيه ذكرى اليوم الذى قتل فيه مصعب بن الزبير (٢). واشتهر الكرخ فى غربى بغداد بأنه كان حىّ الشيعة الإمامية (٣)، ويقول هلال الصابى إنهم لم يحتلوا باب الطاق إلا فى أواخر القرن الرابع الهجرى (٤)، وكان يقابلهم فى القسم المواجه من بغداد أهل السنة وكان أكثرهم من الحنابلة، ولهم فتن كثيرة مع الشيعة تقصها كتب التاريخ. ويذكر ابن بطوطة فى رحلته مدينة الحلّة ويقول إن أهلها لزمنه فى القرن الثامن إمامية اثنا عشرية (٥)، ومرّ بنا فى حديثنا عن بنى مزيد فى الجزيرة العربية أنهم كانوا لعهدهم بالحلّة فى القرن الخامس رافضة، وقد يكون فى ذلك ما يدل على اكتساح مذهب الإمامية لمذهب الإسماعيلية فى العراق. ووصف ابن بطوطة كربلاء ومشهد الحسين بها، وقال إن «الروضة المقدسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى باب الروضة الحجّاب والقومة، ولا يدخل أحد إلا عن إذنهم، فيقبّل العتبة الشريفة وهى من الفضة، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة، وعلى الأبواب أستار الحرير» (٦). وهى أول مرة يوصف فيها مشهد الحسين من داخله. وهو تحفة من التحف النفسية بما يغطّى الضريح ومئذنة المشهد من صفائح الذهب، وبالمثل مشهد أبيه على فى الكوفة. وتحضّ العقيدة الإمامية على زيارتهما وزيارة قبور الأئمة بالعراق وإيران. وقد أتيح لتلك العقيدة فى عهد إسماعيل الصفوى ودولته أن تصبح المذهب الرسمى للدولة فى العراق وإيران. غير أن تلك الدولة لم تدم فى العراق طويلا.

стр. 2387

وكان بجانب العقيدة الاثنى عشرية فى العراق عقيدتان أخريان شيعيتان، إحداهما متطرفة غاية التطرف حتى ليتبرأ منها الشيعة الاثنا عشرية، والثانية معتدلة غاية الاعتدال، أما المتطرفة ففرقة النّصيرية كان لها أتباع فى مدينتى عانة والحديثة، وهم فى الحق مسلمون اسما فحسب، أما بعد ذلك فهم خارجون على الإسلام إذ عدّوا على بن أبى طالب وأبناءه آلهة وعبدوهم من دون الله، واتخذوا لأنفسهم كتابا عدّوا القرآن ثانويا بالقياس إليه. وطبيعى، أن يرفضوا بعض أركان الشريعة الإسلامية، وقد أنزلوا الرسول ﷺ منزلة دون منزلة على، كبرت كلمة تخرج من أفواههم الآثمة، ويقول جولد تسيهر إن عقيدتهم تحمل كثيرا من عناصر الوثنية الآسيوية القديمة (١). وحرى بنا أن نلاحظ أنه كان يندسّ بين الإمامية بعض النّصيرية وبعض الشيعة الغالين أو بعبارة أدق الرافضة، وخاصة من يرفعون عليا إلى مرتبة ربّانية. ونجد أحد خطباء الشيعة ببغداد فى عام ٤٢٠ للهجرة يدعو فى خطبة الجمعة بعد الصلاة على النبى ﷺ فيقول: «وعلى أخيه أمير المؤمنين على ابن أبى طالب مكلم الجمجمة، ومحيى الأموات، البشرى، الإلهى، مكلم فتية أصحاب الكهف (٢)». وكأنه يؤمن بأن عليا صورة جديدة لعيسى ﵇، اجتمع فيه اللاهوت والناسوت مما يتيح له فى رأيه إحياء الموتى والخلود من أول الزمان. وهى نفس عقيدة النصيرية فيه إذ ذهبت إلى أن فيه جزءا إلهيا وأنه كان موجودا قبل خلق السموات والأرض، وأن الإله ظهر بصورته وخلق بيديه وأمر بلسانه (٣) إلى غير ذلك من كفر ما وراءه كفر. وعلى عكس النصيرية كانت هناك فرقة معتدلة أشد الاعتدال، هى فرقة الزيدية التى نشأت فى الكوفة على يد زيد بن على زين العابدين بن الحسين، وقد ظل لها فى هذا العصر أنصار عديدون فى تلك المدينة، وكانوا لا يقصرون الإمامة على أشخاص معينين من أبناء الحسين كما ذهب الإمامية، بل يرونها حق كل علوى فاطمى ما دام له من الاستعداد الروحى ما يؤهله للإمامة، وكانوا ينكرون فكرة الإمام الغائب التى آمنت بها الإمامية وما يطوى فيها من نظرية الرجعة وأيضا فكرة العصمة، وأيضا لم يضيفوا إلى الإمام فكرة العلم الباطنى المتوارث وما يطوى فيها من صفات روحية قدسية تضفى على الإمام، فيكفى

стр. 2388

فيه أو قل يشترط فيه أن يكون فقيها، ولكن دون تصور علم لدنّى يهبط عليه. واشترطوا فى الإمام أن يكون كريما سمحا عادلا شجاعا. ونهوا عن ذم الصحابة وأبى بكر وعمر، لأنهم لم يبايعوا عليا بالخلافة، وجوّزوا إمامة المفضول من غير ذرية على بن أبى طالب على الأفضل من ذريته. وعقيدتهم بذلك لا تبعد كثيرا عن عقيدة أهل السنة ولذلك كان يقال من قديم إنهم أكثر الفرق الشيعية إنصافا واعتدالا (١). ٥ - الزهد والتصوف كانت موجة الزهد فى هذا العصر لا تقل حدة واتساعا عنها فى العصور السابقة، ومعروف أن القرآن دعا إليه مرارا كما دعا الرسول فى أحاديثه النبوية إلى الزهد فى عرض الحياة الدنيا وطلب ما عند الله من ثواب الآخرة، وبذلك كان الزهد من طوابع الحياة الإسلامية المستقرة فى الأمة. وأخذت تتكون منذ عهد الرسول ﷺ طبقات كثيرة من الزهاد المتقشفين الذين ينبذون وراء ظهورهم مباهج الحياة ويتجردون لعبادة ربهم. ونراهم فى هذا العصر بكل بلد من بلدان العالم الإسلامى يعدّون بالعشرات بل بالمئات، ويمكن أن نسلك فيهم بصفة عامة طبقات الفقهاء، فمن يقرأ فى طبقات الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يجد المترجمين لهم يسوقون أخبارا كثيرة عن مدى ما كان يأخذ به الفقهاء من كل مذهب أنفسهم من التقشف وطمأنينه النفس القانعة مع ما يذكر من أن هذا الفقيه أو ذاك اعتكف فى بيت الله خمسين سنة أو أنه صام حياته أو أنه صام خمسا وسبعين سنة. وتسوق كتب التاريخ أسماء زهاد كثيرين ومن يرجع إلى المنتظم لابن الجوزى وابن الأثير وابن تغرى بردى سيراهم يذكرون فى وفيات السنوات أسماء كثرة من الزهاد، فمثلا فى سنة ٣٤٨ توفى جعفر بن حرب وكان فى نعمة كبيرة، فاجتاز يوما بموكبه، فسمع قارئا يقرأ: ﴿(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)﴾ فصاح: بلى والله قد آن، ونزل عن دابته وفرق جميع أمواله ولزم العبادة حتى مات. وفى نفس السنة توفّى عالم زاهد كان يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف وأكل تلك اللقم التى استفضلها. وفى سنة ٣٨٤ توفّى

стр. 2389

أبو العباس عبد الله بن محمد، وكان قد ظل سبعين سنة ناسكا عابدا لايستند إلى حائط ولا إلى وسادة أو غيرها. وكانوا يكرهون فى الزاهد أن يتولى عملا للسلطان يكسب منه مالا (١)، وكانوا إذا عرفوا أن طعام شخص من مال أخذه من السلطان امتنعوا من أكله (٢). وكانت موجة الزهد عامة فكثيرا ما نقرأ عن هذا الخليفة أو ذاك أنه كان زاهدا، وبذلك اشتهر الخلفاء القادر والمسترشد والقائم، ويقال عن الأخير إنه كان فى وجهه أثر صفرة من قيام الليل (٣). وكان من الوزراء وأبنائهم من يرجعون إلى أنفسهم فينصرفون عن الدنيا ومتاعها الزائل إلى عبادة الله وما عنده من الثواب الآجل، ويروى عن سليمان بن الوزير نظام الملك، وكان يتولى المدرسة النظامية التى بناها أبوه ببغداد، كما مر بنا، أنه كان يحضر مواعظ ابن الجوزى واعظ بغداد المشهور، فأخذه الوجد يوما. فقام وأشهد ابن الجوزى والناس من حوله أنه قد أعتق جميع ما يملك من الرقيق، ووقف ما يملك على أعمال البر (٤). ويبدو أن كثيرين كانوا يبالغون فى الزهد، حتى ليفرضون على أنفسهم العبادة ليل نهار، بل حتى لينصرفون عن الحياة الزوجية ويمتنعون منها. وكل ذلك مغالاة فى الزهد لا يرضاها الإسلام، الذى لا يريد للزاهد أن ينفصل عن المجتمع والحياة، وقد روى أن جماعة من الصحابة كانوا فى سفر أثنوا للرسول ﵇ على رفيق لهم كان لا يزال داعيا ربه فى ركوبه مصليا له فى نزوله فقال لهم «فمن كان يكفيه علف بعيره وإصلاح طعامه؟ قالوا: كلنا، قال: فكلكم خير منه (٥)». فالزهد الإسلامى ينكر إهمال الشخص لشئونه الدنيوية، كما ينكر بقوة فكرة العزوبة المعروفة عند رهبان النصارى (٦). ونرى ابن الجوزى يحمل حملة شعواء على الزهاد الذين يمتنعون عن الزواج ونظرائهم الذين يمضون الليل والنهار فى العبادة والنسك وقد نحلت أجسامهم وشحبت ألوانهم ودقت عظامهم، حتى إنهم لا يستطيعون الصلاة واقفين، بل يصلون من قعود. ويقول إن هذا كله مخالف للشريعة والسنة (٧).

стр. 2390

وكان طبيعيّا أن يتحوّل كثير من الزهاد إلى متصوفة، لا يكتفون بالإعراض عن ملاذ الدنيا وطيباتها قانعين من الطعام بالكسرة ومن الثياب بالخرقة، لا يشغلهم مال ولا زوجات ولا أولاد. وقد أخذت تبنى لهم الرّباطات والخانقاهات فى العالم الإسلامى، تبنيها الدولة أحيانا، ويبنيها ذوو اليسار ابتغاء وجه الله أحيانا أخرى. وكان ما بها من طعام يأتى عن طريق الصدقات أو عن طريق ما يحبس عليها من الأوقاف، ولم يكن يسمح بالأكل من هذا الطعام إلا للعابد الناسك نسكا لا يستطيع معه كسب قوته أو إلا إذا أصبح من الشيخوخة بحيث تقعده عن العمل، وبذلك لم يكن يؤذن لعاطل بالأكل من هذا الطعام. وكان فى الأربطة والخانقاهات مجاميع من الشيوخ والشباب أصحاب الخلوة. وعادة كان لكل رباط شيخ كبير يصبح كل من فيه من أتباعه. والمحور الأساسى للتصوف هو محبة الله محبة يفنى فيها الصوفى المحبّ فى الحقيقة المطلقة حقيقة الكائن الإلهى، وقد أخذ يتداخل غلو كثير فى هذه العقيدة، ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى أنه بلغ من غلو الحلاّج فى هذه العقيدة أن جرى على لسانه كلمات وأشعار كثيرة تصرّح بفكرة الحلول من مثل قوله: «أنا الله وأنا الحق» مما جعل الفقهاء يفتون بزندقته وقتله. غير أن هذا الغلو لم يمت بموت الحلاج، بل لقد رافقه غلو آخر عند بعض الصوفية لعله أكثر عنتا إذ ذهب فريق منهم إلى أنه ينبغى أن يظهروا للناس أنهم لا يعملون بشرائع الإسلام وإن كانوا يعملون بها فعلا، وهم المسمون بالملامتيّة أى المستحقين للوم، مبتغين من ذلك أن يكونوا محل احتقار وازدراء حتى يبلغوا مرتبة عليا من التصوف والانصراف عن الدنيا. وكثير من الصوفية أخذوا يعلنون أنه لا عبرة بأداء الفرائض الدينية أو كما يسمونها عمل الجوارح، إنما العبرة بعمل القلب. وكل هذا انحراف بالتصوف عن منهجه الصحيح. وكان ذلك سببا فى أن تنشأ حرب عاصفة منذ أوائل هذا العصر بين الفقهاء من جانب والمتصوفة من جانب آخر، فكان الفقهاء يرونهم خارجين على الإسلام بما يشيعون من أفكار الحلول وما يتصل بها وبما يأخذ بعضهم به أنفسهم من القعود عن أداء فرائض الإسلام، قاطعين بذلك كل سبب بينهم وبين دينهم الحنيف. وتفاقمت الحرب بين الطرفين بحيث أصبحت هناك ضرورة أن يوجد بعض المتصوفة المصلحين الذين يعيدون الأمر إلى نصابه، حتى لا يخرج التصوف عن حدود الشريعة. وسرعان ما ظهر أبو نصر السرّاج الصوفى الطوسى المتوفى سنة ٣٧٨ وألف كتابه «اللمع» وفيه ينكر على الصوفية كل انحراف فلسفى وشطح صوفى يؤدى إلى نظرية الحلول، كما ينكر تعطيل الفرائض الدينية ويجعلها جزءا لا يتجزأ من التصوف، فبدونها لا يتحقق له وجود. وحمل أفكاره تلميذه أبو عبد

стр. 2391

الرحمن السّلمىّ صاحب طبقات الصوفية، ولقّنها بدوره تلميذه عبد الكريم القشيرى المتوفى سنة ٤٦٥ وقد ألف رسالة طويلة مشهورة رأب بها هذا الصدع الذى حدث بين الفقهاء والمتصوفة. ودوّت الرسالة منذ عصره فى العالم الإسلامى، وهو فيها يرسم مبادئ التصوف مبينا أنها لا تناقض الدين الحنيف بل تتحد معه فى وئام، ويعرض أعلام الصوفية مع طائفة من أقوالهم التى تربط بين التصوف والنهوض بفرائض الإسلام مع حملة شعواء على من يستخفّون بالصوم والصلاة وأداء الفروض الدينية وعلى من لا يميّزون بين الحلال والحرام مدّعين أنه زالت عنهم أحكام الدين. وخلفه أبو حامد الغزالى حجة الإسلام المتوفى سنة ٥٠٥ فوصل بين التصوف والشريعة وصلا وثيقا لم يصبه وهن بعده، بحيث أصبح التصوف فى صورته العامة سنّياّ، وحقا انفصلت عنه بعض أسراب فلسفية استمرت فيها فكرة الحلول، ولكنها أسراب فردية على نحو ما هو معروف عن ابن عربى وابن سبعين الأندلسيين. أما بعد ذلك فقد عم التصوف السنى على نحو ما رسمه الغزالى فى كتابه «إحياء علوم الدين» وهو فى النصف الأول منه يتحدث عن الفرائض الدينية والنوافل من مثل الذكر وتلاوة القرآن والتهجد والأدعية. ويبدأ الحديث فى النصف الثانى بما ينبغى من صفاء القلب صفاء تقهر فيه النفس شهواتها وملاذها. ثم يتحدث عن صفات الكمال الروحى الذى يتطلبه الصوفى وما ينبغى له من التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والزهد والتوكل والحب والإخلاص والمحاسبة والتفكر وتذكر الموت وما وراءه. وسنعود إلى الكتابة عن الغزالى والقشيرى وأبى نصر السراج الطوسى فى القسم الخاص بإيران. وسرعان ما أصبح هذا التصوف السنى القائم على أعمال الجوارح من الفرائض الدينية وأعمال القلب من الإخلاص وصدق المحبة الإلهية مطلب كثرة من الناس فى العالم الإسلامى جميعه. والغزالى لا يضع أصوله فحسب، بل يعدّ العدة لكى تشيع الطرق الصوفية فيه، فقد تحدث فى الجزء الثالث من الإحياء عن الشيخ الصوفى وتلميذه أو مريده، وقال إنه ينبغى أن يلزم شيخه لزوم الأعمى الماشى على شاطئ النهر لمن يقوده، ويقول: على الشيخ أن يدفعه إلى الخلوة والصمت والصوم والأرق مع دوام الذكر ومع التخلص من كل الشهوات. وسرعان ما أخذت الطرق الصوفية فى الظهور، ومن أقدمها الطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ محيى الدين أبى محمد عبد القادر (١) الجيلانى مولدا الحسينى نسبا المتوفى سنة ٥٦١ وقد ولد بجيلان سنة ٤٧١ وجاء إلى بغداد فى شبابه ولزم حلقات الفقهاء والمحدّثين، ثم أخذ يعظ

стр. 2392

الناس بعد سنة ٥٢٠ وبنيت له مدرسة فلزمها وتكاثر الناس على سماع وعظه إلى أن لبّى نداء ربه، ويقول عنه ابن تغرى بردى: «كان ممن جمع بين العلم والعمل أفتى ودرّس ووعظ سنين، وكان محققا صاحب لسان فى التحقيق وبيان فى الطريق، وهو أحد المشايخ الذين طنّ ذكرهم فى الشرق والغرب». وله كتابان مطبوعان يصوران طريقته هما سر الأسرار والغنية لطالبى طريق الحق، وهو فيهما يدعو إلى التمسك بالشريعة الإسلامية وأداء الفرائض الدينية مع الخلوص للمحبة الإلهية. وقد وضعت فى مناقبه كتب كثيرة، منها كتاب بهجة الأسرار ومعدن الأنوار فى مناقب القطب الربانى سيدى محيى الدين أبى محمد عبد القادر الجيلانى، وهو مطبوع بالقاهرة. ومن الطرق الصوفية العراقية التى ذاعت فى العالم الإسلامى الطريقة الرفاعية المنسوبة إلى الشيخ الصالح العربى الأصل أبى العباس أحمد (١) بن أبى الحسن على المعروف بالرفاعى «إمام وقته فى الزهد والصلاح والعبادة» وقد شاعت طريقته فى عصره وكثر أتباعه. ويقال إن شخصا زاره فى ليلة النصف من شعبان، فوجد عنده نحو مائة ألف إنسان «وكان متواضعا مجرّدا من الدنيا». وكان مولده سنة ٥٠٠ ووفاته سنة ٥٧٨. ومن قوله: «سلكت كل طريق، فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الذل والافتقار والانكسار لتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله والاقتداء بسنّة سيدى رسول الله ﷺ ». وله كتاب سماه «حالة أهل الحقيقة مع الله» حققه وقدم له محمد نجيب خياطة، وهو مطبوع بحلب، وقد بناه الرفاعى على أحاديث نبوية، وكثير منها يتصل بالمحبة الربانية ومعرفة الله ووصف المتصوفة أهل الحقيقة، وقد سئل أحد أتباعه عن ورده، فقال: كان يصلى أربع ركعات بألف ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾ ويستغفر كل يوم ألف مرة، واستغفاره أن يقول: ﴿(لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ)﴾ عملت سوءا وظلمت نفسى وأسرفت فى أمرى، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لى، وتب علىّ، إنك أنت التواب الرحيم، يا حىّ، يا قيوم، لا إله إلا أنت» -ويقول ابن خلكان: لأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات وهى حية والنزول فى التنانير وهى تتضرّم نارا فيطفئونها، ومثل هذا وأشباهه. وبجانب هاتين الطريقتين العراقيتين: الرفاعية والقادرية كان هناك أقطاب للصوفية

стр. 2393

كثيرون من أمثال المرتضى الشهرزورى، وشهاب الدين أبو حفص (١) عمر السّهروردى البغدادى، وهو تلميذ عبد القادر الجيلانى، وله كتاب يسمى عوارف المعارف يوضح فيه ما يجب على المتصوف من أداء الفرائض الدينية ومتابعة السنة النبوية، ومن أطرف ما فيه الحديث عن المريد وشيخه وأنه ينزل منه منزلة الولد من أبيه. ويتحدث عن المدة التى يقطعها المريد حتى يتهيأ لانتظامه فى طريقة شيخه ويصبح معداّ أو مهيّأ لأن يخلع عليه «الخرقة» شعار الصوفية وهى ترمز رمزين: رمزا إلى أن المريد تلاشت إرادته فى إرادة شيخة، ورمزا ثانيا إلى أنه قد تسلم منه الخرقة ويد الله ورسوله فوق يد شيخه وأنه قد تم له الإذن بانتظامه فى الطريقة. ويقول السهروردى إن «المريد الصادق إذا دخل تحت حكم الشيخ وصحبه وتأدب بآدابه يسرى من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد كسراج يقتبس من سراج، وكلام الشيخ يلقح باطن المريد. . . وينتقل الحال من الشيخ إلى المريد بواسطة الصحبة وسماع المقال» (٢). ويتحدث السهروردى عن آداب الخلوة اللازمة للمتصوف، ويقول إن الخلوة تستغرق أربعين يوما من كل عام، تقضى فى الصلاة والصيام، ويذكر أن الغرض منها تصفية النفس وإزالة الحجب البدنية، ولذلك ينبغى على المريد إذا أراد الخلوة أن يجرد نفسه من العالم ومن كل ملكه، ويصلى ركعتين ويتوب إلى الله توبة نصوحا، ويبكى ويتضرع إليه ولا ينقطع عن ذكره طوال خلوته (٣). وكان على المريد أن ينشر طريقة شيخه فى المدن والقرى بكل ما يستطيع، وبذلك أمكن للطريقتين القادرية والرفاعية أن ينتشرا لا فى العراق فحسب بل أيضا فى كل العالم الإسلامى. ومنذ القرن الخامس الهجرى أخذ يشيع فى التصوف وبين المتصوفة ما سمّى بالذكر، وهو أن يتقابل الصوفية فى صفين ذاكرين الله مع التمايل يمينا وشمالا، ويقوم بين الصفين منشد ينشد بعض الأشعار الصوفية أو الغزلية الوجدانية التى تدلع المحبة الإلهية فى القلوب، وقد عمّ هذا الذكر عند القادرية والرفاعية وما نشأ بعدهما من طرق صوفية. ولابدّ أن نلاحظ أنه أخذت تنشأ فى الحقب المتأخرة من هذا العصر أو قل منذ أواسطه جماعات الدراويش، وهم صوفيون متجوّلون كانوا يطوفون العالم الإسلامى، وأخذت تظهر بينهم

стр. 2394

فى القرن الثامن الهجرى وما بعده فرقتان اشتهرتا، هما النّقشبندية، وقد رعاها تيمور لنك فى دولته، والبكطاشية، وقد نشأت فى جو الشيعة الإمامية، بدلالة تقديسها للأئمة العلويين، وهى تعتنق إلى حد ما نظرية الحلول، ويقال إن بعض معتنقيها لم يكونوا يهتمون بالشعائر الدينية، ولكن مما لا شك فيه أنها كانت طريقة صوفية تقوم على التقشف، واشتهر عنها تقديس الأولياء. وفرق صوفية كثيرة أو قل طرق صوفية كثيرة أخذت تتفرع عن الرفاعية والقادرية بجانب طرق جديدة نشأت بدورها، وكان لهذه الطرق وأتباعها من الدراويش السائحين أو الجوالين أثر بعيد فى نشر الإسلام بشرقى إفريقيا وغربيها ووسطها، وأيضا بالهند والملايو وجزر الهند الشرقية، وكان لهم دور عظيم فى أن تظل للعالم الإسلامى وحدته على الرغم من توزعه بين دول شتى، وكذلك كان لهم دور عظيم فى بث الروح الدينية فى نفوس العامة على مر الحقب حتى اليوم.

стр. 2395

الفصل الثّانى الثقافة ١ - الحركة العلمية ظلت الحركة العلمية ناشطة وخاصة فى أوائل العصر وقبل الغزو التتارى، فكانت هناك الكتاتيب للصّبية يتعلمون فيها القراءة وشيئا من القرآن الكريم والشعر والحساب، وكان الصبى لا يبلغ التاسعة إلا وقد حفظ القرآن واستظهر بعض مقامات بديع الزمان الهمذانى، وحلت محلها منذ أوائل القرن الخامس مقامات الحريرى. وكان يستظهر أيضا بعض قصائد الشعراء المشهورين وخاصة أبا تمام والبحترى والمتنبى. وكان الناشئة يتحولون من الكتاتيب إلى المساجد، حيث حلقات العلماء من القراء والمفسرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلمين واللغويين والنحويين والمؤرخين ومن يشدون بعض علوم الأوائل، فكانت المساجد فى بغداد تحل محل التعليم الثانوى والجامعات فى عصرنا، وبالمثل فى البصرة والموصل وغيرهما من بلدان العراق. وكان الأستاذ عادة يستند فى المسجد إلى أسطوانة، ويقعد الطلاب من حوله، وقد يجلس على مقعد عال والطلاب يستديرون حوله. وكان يملى على الطلاب محاضراته، وهم يكتبون، وإذا تكاثروا اتخذ مستمليا يردّد كلامه حتى تسمعه الصفوف الخلفية. وكان المؤلف أو المحاضر يعيد أحيانا ما ألّفه على طلابه، وهم يعارضون نسخهم على قراءته. وقد يعنّ له أن يدخل فى القراءة الثانية شيئا من التصحيح أو التهذيب على ما صنّفه، فكان الطلاب يدخلونه على نسخهم، ومن خير ما يصور ذلك ما يروى عن عالم لغوى يسمى أبا عمر المطرّز من أنه أملى كتابه الياقوت فى اللغة على الطلاب بمسجد المنصور ببغداد سنة ٣٢٦ ثم عاد فقرأه على طلابه مضيفا بعض التصحيحات والزيادات. وعاد مرة ثانية، فأدخل عليه زيادات وتصحيحات جديدة، واعتمد العرضة الأخيرة للكتاب سنة ٣٣١ - وبها نشره تلاميذه (١). وكان جامع

стр. 2396

المنصور ببغداد يشبه جامعة كبيرة، وكان كل أستاذ نابغ يتمنى أن تكون له فيه حلقة، ويصوّر ذلك من بعض الوجوه ما يروى عن الخطيب البغدادى حافظ بغداد-المتوفى سنة ٤٦٣ - من أنه حين حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث مرات، وسأل الله ثلاث حاجات: الأولى أن يحدّث بكتابه «تاريخ بغداد» والثانية أن يملى على الطلاب بجامع المنصور، والثالثة أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافى. وتحققت له الأمنيات الثلاث (١). وكان الأساتذة والشيوخ فى المساجد أحيانا لا يملون مؤلفات لهم، بل يشرحون بعض كتب مشهورة للطلاب وقد يعمدون إلى إملاء شروح لهم على بعض المختصرات. واتسع ذلك منذ القرن السابع الهجرى بحيث نستطيع أن نسمى القرون التالية فى العصر قرون الشروح، وقد نشرح الشروح بما يسمى حاشية، وقد توضع على الحواشى ملاحظات تسمّى تقارير. وأخذت تظهر منذ أواخر القرن الرابع الهجرى بجانب المساجد دور العلم، عادة يكون فيها مقاعد للطلاب، وقد يحاضرهم العلماء، وتلحق بها مكتبات ضخمة على نحو ما يحدثنا المؤرخون عن دار للعلم، أسسها الوزير سابوربن أردشير فى سنة ٣٨٣ للهجرة بالكرخ غربى بغداد، ووقفها على العلماء واشترى لها كتبا كثيرة، بلغت عشرة آلاف وأربعمائة مجلد كان معظمها بخط أصحابها أو من الكتب الموثّقة التى كان يملكها علماء وثقات مشهورون، وكان بها مائة مصحف نفيس (٢). وأسس الشريف الرضى الشاعر المشهور نقيب العلويين المتوفى ببغداد سنة ٤٠٦ دارا للعلم فتحها للطلاب ورصد لهم جميع ما يحتاجون إليه (٣) وحين خلفت الدولة السلجوقية دولة بنى بويه وأصبح الوزير نظام الملك مدبّر لحكم فى زمن ألب أرسلان السلجوقى عنى ببناء طائفة من المدارس فى بلدان مختلفة فى العراق وإيران، لمحاربة النحلة الإسماعيلية ونشر مذهب الشافعى فى الفقه ومذهب الأشعرى فى علم الكلام، وكان منها ثلاث بناها فى بغداد والموصل والبصرة (٤) وقف عليها أوقافا كثيرة، وبنى فيها للأساتذة مساكن، وجعل لهم رواتب ثابتة، كما جعل لطلابها نفقات معيشة، وألحق بها مكتبات نفيسة. وكان فى هذه المدارس أساتذة مختلفون يحاضرون-بجانب

стр. 2397

أساتذة علم الكلام والفقه-فى علوم الحديث والتفسير واللغة والرياضيات والأدب. وأخذ الوزراء بعد نظام الملك يبنون مدارس على غرار مدرسته النظامية ببغداد، فبنى أبو الغنائم الملقب بتاج الملك سنة ٤٨٠ بباب أبرز إحدى محالّ بغداد وأحيائها مدرسة سميت التاجية ضاهى بها النظامية (١)، وأخذ بعض الموسرين يعنون ببناء المدارس ببغداد، فابتنى المستوفى الخوارزمى-وكان متعصبا لأبى حنيفة-المدرسة الكبيرة بباب الطاق (٢) وأخذت المدارس تتكاثر فى بغداد حتى إذا زارها ابن جبير سنة ٥٨٠ قال إن ببغداد ثلاثين مدرسة، وكلها بالجانب الشرقى «وما منها مدرسة إلا ويقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية وهى التى ابتناها نظام الملك وقد جدّدت سنة أربع وخمسمائة، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة محبوسة تصير إلى الفقهاء المدرسين بها، ويجرون منها على الطلبة ما يقوم بهم. ولهذه البلاد فى أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلّد، فرحم الله واضعها الأول، ورحم من تبع ذلك السّنن الصالح (٣)» وكانت المدرسة النظامية أشبه بجامعة كبيرة، ويتوقف ابن خلكان فى وفيات الأعيان وكذلك المؤرخون مرارا، ليقولوا إن هذا الشيخ أو ذاك درّس فى النظامية. وقل مثل ذلك فى نظامية البصرة ونظامية الموصل. وذكر ابن خلكان أنه بنى بجوار النظامية الأخيرة فى الموصل تسع مدارس، هى: القاهرية والأتابكية والعتيقة والنورية والعزّية والبقشية والعلائية والكمالية والبدرية (٤). وبنيت مدارس كثيرة فى المدن العراقية الأخرى، ذكر ابن خلكان منها فى إربل ثلاثا هى المظفرية والقلعة والعقيلية (٥). وبنى الخليفة المستنصر ببغداد جامعة كبيرة أو قل مدرسة كبيرة، هى المستنصرية، وقد كتب فيها الأستاذ ناجى معروف كتابا، عرض فيه أساتذتها ونشاطها العلمى وهو يعطينا معارف كثيرة عنها حين فتحت أبوابها للطلاب، وقد كان بها للفقه وحده عشرون فقيها، يتقاضى كل منهم اثنى عشر دينارا فى كل شهر، وكان بها للفقهاء ستة معيدين لكل منهم ثلاثة دنانير شهريا. وكان هناك فروع أخرى للقراءات والحديث لها شيوخها ومعيدوها، وكان بها مئات من الطلاب لكل منهم ديناران شهريا. وكان لها موظفون مختلفون من مشرفين وخزنة وفراشين من كل لون. وكانت تقدّم للشيوخ والطلاب يوميا جرايات أو قل كان يقدم لهم طعام كامل غير

стр. 2398

ما يقدم للطلاب من الحبر والورق والأقلام (١). وعاد إلى هذه المدرسة، أو قل الجامعة، نشاطها بعذ الغزو التتارى، وقد وصفها ابن بطوطة لما زارها سنة ٧٢٧ بقوله: «بها المذاهب الأربعة-يقصد مذاهب المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية-ولكل مذهب إيوان فيه المسجد وموضع التدريس وجلوس المدرس فى قبة خشب صغيرة على كرسى عليه البسط، ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار، لابسا ثياب السواد، معتمّا، وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه. وهكذا ترتيب كل مجلس من هذه المجالس الأربعة، وفى داخل هذه المدرسة الحمّام للطلبة ودار الوضوء (٢). ويبدو أن ما شاع من أن الحركة العلمية فى بغداد خمدت خمودا تاما بعد الغزو التتارى غير صحيح، يمكن أن يصدق ذلك على العهد التتارى الوثنى أما منذ دخول غازان والتتار فى الإسلام فيبدو أن بغداد استعادت نشاطها العلمى، وإن لم يبلغ مبلغه أيام ازدهارها فى العصر العباسى والمعروف أن هولاكو دمّر كثيرا من مدارسها وقد أعيد بناء بعض هذه المدارس، وعنى غازان-كما أشرنا-وخلفاؤه الإيلخانيون بها. ولا شك فى أنه ران على الحركة العلمية غير قليل من الظلام فى العهدين التركمانى والعثمانى، غير أن النشاط أخذ يدبّ فيها أواخر الحقبة العثمانية منذ ولى العراق مدحت باشا فإنه أسس بها مطبعة كان لها أثر بعيد فى نهضة العراق وأسس بها أيضا مدارس نظرية وفنية. ولابد أن نلاحظ أن مساجد بغداد الكبرى ظل لها نشاطها العلمى بعد الغزو التتارى، وكان من أهمها لعهد ابن بطوطة جامع الخليفة المتصل بقصور الخلفاء، ويقول إنه سمع فيه على مسند العراق-سراج الدين أبى حفص عمر القزوينى-جميع مسند الدرامى (٣). وكانت الدراسة فى مساجد بغداد ومدارسها بالمجان، بل كان الطلاب فى المدارس خاصة يأخذون رواتب كما مر بنا. وربما كانت المساجد أهم من المدارس فى نشر العلم، فقد كانت أبوابها مفتوحة دائما لكل قاصد، وكان الناس من مختلف المهن والصناعات والحرف يختلفون إلى حلقات الشيوخ فيها ينهلون ما شاء لهم أن ينهلوا، مما جعل العلم بحق شعبيا لجميع أفراد الشعب، يصيبون منه ما يوافق أمزجتهم وميولهم. وكثيرا ما كان يحدث أن يشعر صاحب مهنة أو تجارة بقصوره فى علم من العلوم، فإذا هو يترك مهنته أو تجارته ويتفرغ للعلم الذى يريده حتى يصبح من أقطابه، وتلقانا من ذلك أخبار كثيرة فى ابن خلكان وغيره.

стр. 2399

وعلى هذا النحو لم يكن العلم فى بغداد احتكارا لطبقة بعينها، بل كان مباحا لجميع الناس، ويخيّل إلى الإنسان كأنما كان كل أهل بغداد على حظ من العلم والثقافة قليل أو كثير، ومن خير ما يصور ذلك قصة المزين الثرثار الطريفة فى كتاب ألف ليلة وليلة، فقد ذكر فيها أنه قال لشاب بغدادى فى تضاعيف حديث وجّهه إليه: «قد منّ الله عليك بمزين منجم عالم بصناعة الكيمياء والسيمياء والنحو والصرف واللغة وعلم المعانى والبيان وعلم المنطق والحساب والهيئة والهندسة والفقه والحديث والتفسير. . وقد قرأت الكتب ودرستها ومارست الأمور وعرفتها، وحفظت العلوم وأتقنتها، وعلمت الصنعة (الكيمياء) وأحكمتها، ودبّرت جميع الأشياء وركبتها». ولم تكن العامة من الرجال فقط هى التى تحسن هذه الثقافة وحدها، فقد كانت تحسنها أيضا الجوارى على نحو ما تصور ذلك قصة الجارية تودد فى ألف ليلة وليلة وفيها تناظر جلّة العلماء فى مختلف العلوم والفنون وتظهر براعة فائقة فى ليال كثيرة ما تزال فيها تحاور محاورات علمية بديعة. وكانت النساء تحضر مع الرجال مجالس العلماء، وتحمل عنهم كثيرا من كتب الحديث، وعنهن يحملها كثير من الحفاظ المشهورين، على نحو ما هو معروف عن الخطيب البغدادى وحمله أو أخذه صحيح البخارى عن كريمة المروزية (١). وطبيعى أن تنشط الوراقة فى هذا العصر الذى كان مكتظا بالعلوم والفنون من كل صنف وعلى كل لون، وقد بلغ من ازدهار نسخ الكتب والأجور التى كانت تدفع للناسخ أن وجدنا بعض كبار العلماء والأدباء يتخذه وسيلة لعيشه هو وأسرته، مثل يحيى بن عدى المتفلسف المتوفى سنة ٣٦٤ ويروى عنه أنه كتب بخطه نسختين من تفسير الطبرى (٢)، ومثل أبى حيان التوحيدى أكبر أدباء عصره، فقد اشتهر بنسخ الكتب ودقته فى هذا النسخ، مما جعل الصاحب بن عباد يستخدمه لنفس الغاية (٣). وكان للوراقين سوق معروفة فى بغداد تباع فيها الكتب، وكانوا يقومون فى هذا العصر مقام أصحاب المطابع فى عصرنا، إذ كانوا ينسخون الكتب أو يكلفون من ينسخها ويصححها ويجلدها، وكانت من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها والوقوف عليها فى كل فن. ومع ذلك فقد اضطلع ابن النديم المتوفى سنة ٣٨٥ بهذا العمل الخطير فى كتابه «الفهرست» وقد وزع فيه الكتب على جميع أنواع العلوم والفنون مترجما لأصحابها، ولم يترك كتابا إلا ذكره، وأفرد لكتب الفرس والهند واليونان صحفا كثيرة. والكتاب طرفة من أروع الطرف، وهو يموج

стр. 2400

بآلاف الكتب، مما يدل بقوة على النهضة العلمية فى هذا العصر. وكان من آثار هذه النهضة أن كثر عدد العلماء فى كل علم وفن كثرة مفرطة، أهّلت فيما بعد لتأليف كتب فى تراجم كل مجموعة على حدة، فكتب للفقهاء وكتب للمفسرين وكتب للقراء وكتب للنحاة وكتب للأطباء إلى غير ذلك من الأصناف. ووضعت كتب عامة مثل معجم الأدباء ووفيات الأعيان لابن خلكان. ويخيل إلى الإنسان أنه لم يكن شخص فى بغداد-مددا متطاولة من هذا العصر الذى امتدّ قرونا متعاقبة-إلا وهو يلمّ بعلم أو بطائفة من العلوم. وكان هناك كثيرون يشبهون الصحفيين فى عصرنا، فهم يستطيعون أن يتحدثوا فى كل موضوع ويناقشوا كل فكرة، وهيأ ذلك لندوات كثيرة كانت تعقد أحيانا فى قصور السلاطين والوزراء وعلية القوم، وكثيرا ما دارت فى هذه الندوات مناظرات خصبة، على نحو ما نسمع عن مجلس عز الدولة بختيار وما أثير فيه من مناظرات فى مسائل كلامية أو تتصل ببعض قراءات الذكر الحكيم (١). ولعل مجلسا لم تحتدم فيه المناظرات كما احتدمت فى مجلس الوزير ابن سعدان المتوفى سنة ٣٧٥ وقد قصّ علينا منها أطرافا كثيرة أبو حيان فى كتابه «الإمتاع والمؤانسة» وكان هذا المجلس يضم بعض الشعراء وبعض المتفلسفة وبعض المترجمين وبعض المهندسين وبعض الأخلاقيين وبعض إخوان الصفا وبعض الكتاب والأدباء. كان مجلسا حافلا، وكانت تعرض فيه كل جوانب الثقافة من لغة وشعر وإلهيات وأفكار فلسفية وخلقية، ويتحاور هؤلاء المفكرون فى كل ذلك محاورات بديعة. وكانت تثار مناظرات كثيرة فى المساجد بين الفقهاء بعضهم وبعض، وكذلك بين المتكلمين واللغويين. وبلغ من اتساع المناظرات حينئذ أنهم نقلوها أحيانا إلى الأسواق، فأبو حيان يعرض مناظرة طويلة ثارت فى سوق الوراقين بين طائفة من المفكرين المتفلسفين وبين أحد إخوان الصفا المسمى المقدسى، وكان موضوعها ما يزعمه المقدسى وزملاؤه من الصلة بين الفلسفة والدين (٢). ومن الندوات المشهورة فى القرن الرابع ندوة أبى سليمان المنطقى السجستانى صاحب صوان الحكمة المتوفى بعد سنة تسعين وثلاثمائة وهو من تلامذة الفارابى وامتاز بعقل خصب نادر، وقد سجل أبو حيان فى كتابه «المقابسات» كثيرا مما كان يدور فى ندوته من شعب الفكر فى الإلهيات والطبيعيات والنفس والروح والأخلاق. ونذهل حين نقرأ الحوار فى المسائل الكثيرة التى كانت تدار فى هذه الندوة وكذلك فى ندوة ابن سعدان، وكأننا بإزاء مصانع مستحدثة كانت تصنع الأفكار المتفلسفة صناعة غريبة

стр. 2401

عجيبة، مما أتاح بحق لبغداد أن تعظم منزلتها العلمية وأن يحج إليها العلماء وخاصة فى أوائل هذا العصر، يريدون أن يتزودوا منها زادا علميا رفيعا. ٢ - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة رأينا فى كتاب العصر العباسى الثانى كيف ازدهرت الترجمة خاصة عن اليونانية، وكيف تحوّل المترجمون من الترجمة الحرفية إلى ترجمة المعنى الكلى للفقر ترجمة أكثر دقة، وكادوا لا يتركون كتابا يونانيا مهما فى أصله اليونانى أو فى ترجمته السريانية إلا نقلوه إلى العربية، وكانت الدولة حينئذ تغدق على المترجمين إغداقا واسعا، ومن يرجع إلى كتاب الفهرست لابن النديم أو أخبار الحكماء للقفطى أو طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة يبهره كثرة ما نقلوه من المأثورات الإغريقية فى الفلسفة والعلوم. ومنذ العصر العباسى الأول لا يكتفى النقلة بما يترجمون، بل يضيفون إليه، وكذلك يضيف إليه معهم من استوعبوا من الناطقين بالضاد علوم الأوائل إضافات لا تكاد تحصى فى كل فروع الفلسفة والعلم على هدى ما قرءوه وجرّبوه بأنفسهم ونفذوا إليه بفطنهم. وقد افتتح العصر العباسى الثانى بعالم رياضى عظيم هو الخوارزمى مؤسس علم الجبر وبفيلسوف عربى هو الكندى. ومضت الترجمة فى النشاط والازدهار، ومضت معها الحركة العلمية والفلسفية تؤتى ثمارها حتى ظهر الفارابى الفيلسوف الكبير الملقب بالمعلم الثانى. وتبلغ الحركة الفلسفية والعلمية أوجها فى القرن الأول من هذا العصر قرن ابن سينا والبيرونى فى إيران وابن الهيثم فى العراق، وقد ظلت الترجمة حية ناشطة فيه، وانصبّ عمل المترجمين حينئذ على تصحيح بعض الترجمات القديمة ومن أهمهم يحيى (١) بن عدى النضرانى اليعقوبى المتوفى سنة ٣٦٤ وهو من تكريت على نهر دحلة، تتلمذ على الفارابى ومتّى بن يونس، ويقول القفطى: «إليه انتهت رياسة أهل المنطق فى زمانه» ويذكر له كتبا عدة ترجمها لأرسططاليس وشراحه اليونانيين، ويقول أبو حيان التوحيدى «تخرج

стр. 2402

عليه كثير من المترجمين والمتفلسفة» مثل عيسى (١) بن على بن عيسى المتوفى سنة ٣٩١ وكان حاذقا فى الترجمة قيما بعلم الأوائل، ويقول القفطى: رأيت نسخته من السماع الطبيعى التى قرأها على يحيى بن عدى بشرح يحيى النحوى وهى فى غاية الجودة والحسن والتحقيق». ومن تلامذة يحيى بن عدى عيسى (٢) بن زرعة، وكان نصرانيا يعقوبيا مثله توفى سنة ٣٩٨ يقول القفطى عنه: «أحد المتقدمين فى علم المنطق والفلسفة وأحد النقلة المجّودين» ويشيد به أبو سليمان المنطقى السجستانى وينوه بما ينقله إلى العربية تنويها كبيرا ومن تلامذة يحيى بن عدى أيضا أبو الخير الحسن (٣) بن سوار النصرانى المعروف بابن الخّمار البغدادى وقد نقل عدة مؤلفات يونانية من السريانية إلى العربية، وكان متفلسفا وطبيبا ومن علماء الطبيعة، وكان فصيحا متمكنا فى العربية، وهناك مترجمون مختلفون سوى يحيى بن عدى وتلاميذه، منهم من شطّت به الدار فى إيران، ومهم من نزل بغداد مثل نظيف (٤) الرومى الشيرازى القسّ، وله ترجمة المقالة العاشرة لأقليدس، وكان طبيبا حاذقا. ويخيل إلى الإنسان أنه لم تبق فى العراق وإيران مدينة إلا اهتمت بالفلسفة وعلوم الأوائل، يدل على ذلك أكبر الدلالة ظهور إخوان الصفا فى البصرة أوائل هذا العصر، وهى جماعة سرية متفلسفة، دانت بالمذهب الإسماعيلى الشيعى ورأت أن تدعو له دعوة مستترة فى رسائل فلسفية وعلمية، وهى عصابة-كما وصفها أبو حيان-تآلفت بالعشرة وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنّته، وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دنّست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة فى جميع أجزاء الفلسفة: علميّها وعمليّها، وأفردوا لها فهرستا وسموها «رسائل إخوان الصفا

стр. 2403

وخلان الوفا، وكتموا أسماءهم وبثوها فى الوراقين (١)». ويسمى أبو حيان طائفة من مؤلفى هذه الرسائل هم زيد بن رفاعة وأبو سليمان المقدسى وأبو الحسن على بن هرون الريحانى وأبو أحمد المهرجانى والعوفى، ويشير إلى أنه شركهم آخرون غيرهم (٢). ويبدو أن هؤلاء المتفلسفة الكثيرين كانوا يعدّون مادة هذه الرسائل وأن أبا سليمان المقدسى هو الذى أخرجها وأعطاها صورتها النهائية، ولذلك ينسبها إليه معاصره أبو سليمان المنطقى السجستانى أكبر متفلسفة بغداد حينئذ، إذ يقول عنه: «له الرسائل الإحدى والخمسون المسماة رسائل إخوان الصفا (٣)». والمظنون أنه أضيفت إليها فيما بعد رسالة، فأصبحت اثنتين وخمسين رسالة، منها ١٤ رسالة فى الرياضيات والمنطق و ١٧ فى العلوم الطبيعية وعلم النفس و ١٠ فى الميتافيزقا والإلهيات و ١١ فى التصوف والتنجيم والسحر. وهى مغموسة فى الأفلاطونية، وتشوبها نزعات أرسططاليسية وأفكار مانوية وإسماعيلية، وتهبط درجات عن مستوى الفلسفة والعلم المعاصرين لها، ولعل ذلك ما جعل أبا حيان يقول عنها إنها نتف من كل فن بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات، وقد عزّ الصواب فيها لغلبة الخطأ عليها. ويقول إنه عرض منها عدة رسائل على شيخه أبى سليمان المنطقى السجستانى فنظر فيها أياما، واختبرها طويلا، وردّها عليه قائلا: «تعبوا وما أغنوا. . وحاموا وما وردوا». ويردّ أبو سليمان على نظريتهم فى وصل الدين أو الشريعة بالفلسفة ردا طويلا سنلخصه فى الفصل الخامس ومن قوله: إن الدين وحى من السماء والفلسفة من عمل العقل، ولا حاجة للدين بالفلسفة بكل فروعها من رياضيات وطبيعيات ومنطق وموسيقى (٤)) على كل حال توضح لنا هذه الرسائل لإخوان الصفا كيف أن الثقافة الفلسفية كانت شائعة فى كل الأوساط، حتى لتلجأ جمعية سرية إسماعيلية لاتخاذها وسيلة لنشر مذهبها. وظن بعض المعاصرين حين رأوا فى هذه الرسائل إنكارا لفكرة الإمام المهدى المختفى أن العصابة التى اجتمعت لتأليفها لم تكن شيعة وهو ظن مخطئ حقا يؤيد هذا الإنكار أنهم لم يكونوا إماميين يؤيدون فكرة الإمام المهدى المختفى، ولكنهم كانوا أكثر إيغالا فى التشيع إذ كانوا يعتنقون المذهب الإسماعيلى، يدل على ذلك مثل قولهم فى أهل البيت: «هذه الولاية المخصوصة لأهل بيت الرسالة لا يحتاجون فيها إلى مدبّرين غيرهم وإلى علماء سواهم، ولا يطلع الناس على أسرارهم. . إن هو إلا علم إلهى وتنزيل ربانى، تنزل به

стр. 2404

ملائكة كرام كاتبون، وحفظة حاسبون، يلقونه بأمر الله على من اصطفاه من خلقه وارتضاه لخلافته فى أرضه» (١). والإسماعيلية معروفون بترتيب أتباعهم فى طبقات، ونرى أبا سليمان المنطقى السجستانى حين يقتبس نصّا من الرسائل لأبى سليمان المقدسى يقتبس له النص الذى رتب فيه جماعتهم، وقد جعلهم فى أربع مراتب حسب أعمارهم وقواهم، أما المرتبة الأولى فلمن بلغوا خمس عشرة سنة وهم أصحاب القوة العقلية والنفوس الصافية. والمرتبة الثانية لمن بلغوا الثلاثين سنة وهم أصحاب القوة الحكيمة الرؤساء ذوو السياسة. والمرتبة الثانية لمن بلغوا الأربعين وهم أصحاب القوة الناموسية أولو الأمر والنهى. والمرتبة الرابعة لمن بلغوا خمسين سنة وهى مرتبة التسليم ومشاهدة الحق عيانا. ونراهم يطلبون إلى إخوانهم فى كل قطر أن يعقدوا اجتماعات دورية يتذاكرون فيها العلم وشئون الإخوان. وكل ذلك دليل على أنهم كانوا يريدون برسائلهم تنظيم الدعوة الإسماعيلية، أما لماذا أخفوا أسماءهم فلأنهم كانوا يعيشون فى العراق وسط أصحاب المذهب الإمامى الاثنى عشرى، فخافوا على أنفسهم وخاصة أنهم هاجموا هذا المذهب الشيعى كما قدمنا. ومع ذلك فيبدو أنهم حاولوا نشر مذهبهم فى بغداد، إذ يحدثنا أبو حيان عن لقائه المتكرر لاحدهم، وهو زيد بن رفاعة. وينقل مناقشة طويلة بين أبى سليمان المقدسى والحريرى فى وصل إخوان الصفا بين الشريعة والدين. ويبدو أن استيلاء عضد الدولة على بغداد سنة ٣٦٧ هيأ لهم هذه الفرصة، فقد كان يقرب القرامطة الإسماعيليين منه، وكان يتخذ أحيانا لنفسه منهم وزيرا أو نائبا، ويقول صاحب النجوم الزاهرة إنه كان يتشيع ويكرم جانب الرافضة (٢). على كل حال يبدو أن دعوة المقدسى وزيد بن رفاعة باءت بالإخفاق والخذلان فى بغداد خذلانا إلى أقصى حد. وتشير هذه الرسائل-كما مر بنا-إلى أن الفلسفة وعلوم الأوائل كانتا من مدارك الطبقة العامة المثقفة فى مطالع هذا العصر، عصر الدول والإمارات، وخاصة فى بغداد. ولعل أكبر شخصية متفلسفة كانت بها حينئذ شخصية أبى سليمان (٣) المنطقى السجستانى، الذى نشأ بسجستان وشدا فيها علوم الأوائل، ويبدو أنه أراد منها زادا أكبر، فرحل إلى بغداد فى شبابه، ولزم يحيى بن عدى وأخذ عنه كل ما عنده، وسرعان

стр. 2405

ما عرف فضله وتألق نجمه، وكان دميم الخلقة وبه وضح ظاهر فلزم داره، وتحوّلت هذه الدار إلى منتدى كبير يختلف إليه الفلاسفة والعلماء والمثقفون من حوله، ينهلون من ينابيع فكره ما يمتعون به عقولهم ونفوسهم. وكانوا مختلفى المشارب، فمنهم المسلم وغير المسلم ومنهم المتفلسف، مثل الطبيب المجوسى المعروف بفيروز (١) وأبى إسحاق (٢) الصابئ الكاتب وابن زرعه (٣) النصرانى ومثل أبى زكريا الصيمرى وأبى الفتح النوشجانى وأبى محمد العروضى المتفلسفين، ومثل أبى القاسم عبيد الله بن الحسن المعروف بغلام زحل المنجم، ومثل على بن عيسى الرمانى مفلسف النحو ومباحثه ومثل القومسى الكاتب والمقدسى صاحب رسائل إخوان الصفا وقد ترجم له أبو سليمان فى نهاية كتابه صوان الحكمة كما أشرنا إلى ذلك آنفا. يقول أبو حيان: «وكل واحد من هؤلاء إمام فى شأنه وفرد فى صناعته، سوى طائفة دون هؤلاء فى الرتبة (٤)». وهذا المنتدى الكبير ظل عشرات السنين تثار فيه مشاكل الميتافيزيقا والإلهيات والطبيعيات والرياضيات والأخلاق والنفس والروح والجسم والعقل وعلم التنجيم والكهانة وأطراف من اللغة والبلاغة والأدب. ويلقى كل فيلسوف بدلوه، ثم يردّ الرأى النهائى إلى أبى سليمان، فيسمعه الجميع خاشعين مكبرين، وبلسانهم يقول له فيروز: «عين الله عليك أيها السيد، فو الله ما نجد شفاء لداء الجهل إلا عندك، ولا نظفر بقوت النفس إلا على لسانك، ولا نعلم يقينا أنا لا نحسن شيئا إلا إذا فاتحناك، ولا يجمل ظننا بأنفسنا إلا إذا بعدنا عن مجلسك، ولو كانت هذه الفائدة (يريد ما سمعه منه فى المسألة المطروحة) بعينها عندنا متى كنا نأتى بها على هذه الطلاوة والحسن، أمتع الله الأرواح برؤيتك، والعقول بهدايتك (٥)». ولأبى حيان التوحيدى يد لا تجحد، لتسجيله ما كان يدور فى مجالس أبى سليمان من حوار يتناول كل وجوه الفكر والتفلسف فى عصره، على نحو ما صنع فى كتابه النفيس «المقابسات» وهى تعنى مجالس أبى سليمان وما كان يقبس منها من أضواء المعرفة. ويصرّح أبو حيان مرارا بعمله فيها وأنه هو الذى أخرجها فى صورتها المكتوبة (٦)، وينبغى أن لا نبالغ فى هذا التصور وخاصة بالقياس إلى أبى سليمان وإن قال إنه كان مصابا «بلكنة ناشئة من العجمة (٧)» واللكنة شئ والتعبير الفصيح شئ

стр. 2406

آخر، ومرت بنا آنفا كلمة فيروز الطبيب ووصفه لما على كلامه من الطلاوة والحسن، وقد نقل أبو حيان بعض المقابسات البديعة عن صوان الحكمة دون أن يخرم حرفا من كلام أبى سليمان! (١). على أن بين المقابسات مقابسات لبعض المتفلسفة من ندوة أبى سليمان مثل عيسى بن على بن عيسى وأبى الحسن العامرى وغيرهما. ومنتدى ثان ببغداد لم يكن عاما مثل المنتدى السابق، فقد كان خاصا بوزير من وزراء الدولة البويهية وكان يعقده ليلا بداره، هو ابن سعدان الذى وزر لصمصام الدولة فى سنة ٣٧٣ ولم يكد يدور عامان حتى قتله سنة ٣٧٥. وكانتا سنتين غنيتين بالفكر والفلسفة والأدب، إذ كان يختلف إلى ندوته صفوة من المتفلسفة المفكرين مثل ابن زرعة النصرانى المتفلسف ومسكويه صاحب تهذيب الأخلاق وأبى الوفاء الرياضى الفلكى المهندس وبهرام بن أردشير المجوسى وابن عبيد وأبى بكر القومسى الكاتبين وابن الحجاج الشاعر وزيد بن رفاعة أحد إخوان الصفا وقرمطى يسمى ابن شاهويه (٢). وكان ابن سعدان يباهى برفاقه ويفخر بهم على رفاق غيره من الوزراء قائلا: «والله ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير، وإنهم لأعيان أهل الفضل وسادة ذوى العقل (٣). وكان أبو الوفاء قريبا من ابن سعدان فوصله بأبى حيان التوحيدى، ليعرض عليه ثمار الفكر والفلسفة فى عصره، واستقبله ابن سعدان استقبالا حسنا، وأخذ يلقى عليه فى ليال متصلة أسئلة فى مختلف فروع الفكر واللغة والأدب، ويتلقى من أبى حيان إجاباته، ويتشقق الحوار والحديث فى مسائل فلسفية وإلهية وطبيعية وأخلاقية ونفسية وروحية وسياسية وأدبية ولغوية. وقد يحكى له مناظرة طويلة كمناظرة السيرافى ومتى بن يونس فى النحو والمنطق وقد مرت بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى، ويروى له أحيانا أخبار بعض المتصوفة، ويذكر له بعض جوانب الحياة فى بغداد. وبحق يقول القفطى عن الكتاب إنه «كتاب ممتع على الحقيقة لمن له مشاركة فى فنون العلم فإنه خاض كل بحر وغاص فى كل لجّة» (٤). ولم يرو أبو حيان فى الكتاب الذى يقع فى ثلاث مجلدات كل الليالى التى قضاها محاورا مناقشا فى منتدى ابن سعدان، فقد اقتصر منها على سبع وثلاثين ليلة وزع عليها الكتاب وقد ألفه لأبى الوفاء المهندس، ذكرى عزيزة لابن سعدان. وربما صنفه لأبى الوفاء فى

стр. 2407

حياة صديقه، ويبدو أنه كان قد كتب مسوّدات هذه الليالى، حتى إذا رأى إهداءها لأبى الوفاء عنى أحيانا بتقويم بعض عباراتها مع شرح الغامض وصلة المحذوف وإتمام المنقوص، ومع سبكها بناصع اللفظ (١) وما عرف من ميله فى كتابته إلى الأزدواج. وكان وراء هذين المنتديين الفلسفيين العلميين منتديات كثيرة فى دور العلماء والمتفلسفة مثل دار يحيى بن عدى وفى المكتبات الكبيرة مثل مكتبة سابور بن أردشير. ونذكر نفرا من الرياضيين والفلكيين فى القرن الرابع الهجرى لندل على النهضة العلمية حينئذ، وأول من نقف عنده أبو القاسم على بن الحسن المعروف بابن الأعلم (٢) المتوفى سنة ٣٧٥ وكان عضد الدولة يرعاه واشتهر بزيجه الذى ظل به العمل حتى زمن القفطى. وكان يعاصره ويجن (٣) بن رستم الكوهى وكان رئيسا للمرصد الذى أسسه شرف الدولة البويهى فى حديقة القصر ببغداد، وقد أمره فى سنة ٣٧٨ برصد الكواكب السبعة وعاونه فى ذلك فلكيون ورياضيون أهمهم أبو الوفاء (٤) محمد بن محمد بن يحيى البوزجانى صديق أبى حيان التوحيدى الذى توفى سنة ٣٨٨ وفيه يقول ابن خلكان: أحد الأئمة المشاهير فى علم الهندسة، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها، وكان شيخنا العلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس، تغمده الله برحمته وهو القيم بهذا الفن، يبالغ فى وصف كتبه ويعتمد عليها فى أكثر مطالعاته ويحتج بما يقوله، وكان عنده من تواليفه عدة كتب وله فى استخراج الأوتار تصنيف جيد نافع». ويقول عنه ألدومييلى: «كان أحد المترجمين العظام الأواخر من اليونانية، وشارح أقليدس وديوفانتوس وبطليموس وهو كذلك عالم أصيل رفيع المنزلة، ويقترن اسمه على وجه الخصوص بتنمية حساب المثلثات، والمسائل الهندسية التى عالجها بخبرة جد كبيرة، وكان له تأثير قوى فى الفلكيين المحدثين». وبالمثل كانت العلوم الطبيعية ناهضة ناشطة، ولعل خير ما يصور ذلك ظهور أبى على الحسن (٥) بن الهيثم البصرى المتوفى حوالى سنة ٤٣٢ للهجرة، وقد ذكر له ابن أبى أصيبعة ثلاثة وأربعين كتابا فى الفلسفة والعلم الطبيعى وخمسة وعشرين كتابا فى الرياضيات

стр. 2408

والهندسة. وهو يعدّ بحق من علماء الطبيعة العالميين، يشهد له بذلك كتابه «المناظير» فى البصريات وانعكاس الضوء والعدسات فقد ترك تأثيرا عميقا فى كل من روجر بيكون ووايتلو عن طريق ترجمته قديما إلى اللاتينية، واتسع تأثيره فى كثيرين من علماء الغرب كما يحدثنا بذلك ألدومييلى. وسمع الخليفة الحاكم الفاطمى بذكائه وقدرته الهندسية وشاع عنه أنه يقول لو نزل مصر لوضع مشروعا ينظم المياه فى النيل، واستقدمه الحاكم، غير أنه رأى صعوبة تطبيق مشروعه. ويقول ابن أبى أصيبعة: إنه لخص كثيرا من كتب أرسططاليس وشرحها وكثيرا من كتب جالينوس فى الطب. وحين نزل مصر أقام بقبة على باب الجامع الأزهر. وكان يقتات من نسخه سنويّا أقليدس والمجسطىّ، ويضيف إليهما القفطى كتابا ثالثا، ويقول إنه كان يبيعها جميعا بمائة وخمسين دينارا مصريا، وصار ذلك كالرسم المعتاد له. وكان الطب والعلوم الطبية بالمثل ناهضين، وساعد على ذلك منذ العصر العباسى إنشاء البيمارستانات فى بغداد، ومن البيمارستانات المهمة التى أنشئت فى القرن الرابع الهجرى البيمارستان العضدى نسبة إلى عضد الدولة، أنشأه فى الجانب الغربى لبغداد وأنفق عليه أموالا عظيمة، ويقول ابن خلكان: «ليس فى الدنيا مثل ترتيبه وبه من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه» ولما فرغ من بنائه سنة ٣٦٨ عيّن به أربعة وعشرين طبيبا رتّبهم فيه لمعالجة المرضى، منهم نظيف القس الرومى وأبو الحسن بن كشكرايا وأبو الخير الجرائحى وأبو يعقوب الأهوازى وابن مندويه» (١). وهذه النهضة العلمية الفلسفية فى القرن الرابع اطردت فى القرنين التاليين إذ يلقانا بهما متفلسفة ورياضيون وفلكيون وطبيعيون وأطباء مختلفون فى كتابى القفطى وابن أبى أصيبعة، نذكر منهم أبا الفرج عبد الله (٢) بن الطيب المتوفى سنة ٤٣٥ وفيه يقول القفطى «فيلسوف فاضل. . اعتنى بشرح الكتب القديمة فى المنطق وأنواع الحكمة من تأليف أرسططاليس وبشرح كتب جالينوس فى الطب، ويقال إنه بقى عشرين سنة فى تفسير ما بعد الطبيعة. وأهم تلاميذه ابن بطلان (٣) النصرانى المتوفى بعد سنة ٤٥٥ وكان حاذقا فى الطب واشتهر برحلته إلى القاهرة حيث لقى الفيلسوف المصرى ابن رضوان، ونشبت بينهما مناظرات حادة، وأشهر مؤلفاته كتاب تقويم الصحة، ولا يوجد منه إلا

стр. 2409

ترجمة لاتينية وأخرى ألمانية فى عصر النهضة. ومن الأطباء النابهين بعده أبو الحسن سعيد (١) بن هبة الله طبيب الخليفتين المقتدى والمستظهر، وكان لا يزال على قيد الحياة فى سنة ٤٨٩ ويظن أنه توفى سنة ٤٩٦ وقد اشتهر بكتاب كبير فى الطب صنفه للمقتدى، سماه المغنى فى تدبير الأمراض وتعريف العلل والأعراض. وكان يعاصره يحيى بن عيسى (٢) بن جزلة المتوفى سنة ٤٧٣ وكان نصرانيا ثم اعتنق الإسلام، وصنف كثيرا من الكتب باسم الخليفة المقتدى أهمها كتاب تقويم الأبدان فى تدبير الإنسان، وقد ترجم إلى اللاتينية ثم الألمانية، ويشتمل على ٤٤ لوحة، وبه وصف لنحو ٣٥٠ مرضا. وأنبه الأطباء فى القرن السادس هبة (٣) الله بن التلميذ النصرانى المتوفى سنة ٥٦٠ وكان طبيب الخليفة المقتفى، ويقول ألدومييلى إن كتبه خالية من كل أصالة، وهى صفة تشمل أطباء العراق بعامة بعده. وليس معنى ذلك أن العناية قلت بالبيمارستان وأطبائه، فقد زار ابن جبير بغداد سنة ٥٨٠ وشاهد البيمارستان ووصفه بقوله: إنه «على دجلة وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس ويطالعون أحوال المرضى به ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية» (٤). وتمضى الحركة العلمية والفلسفية فى نشاطها بالعراق إلى أن يكتسحه قطعان المغول فى منتصف القرن السابع الهجرى، إذ قوّضوا صرحها فى بغداد وغير بغداد، وربما كان أنبه المشتغلين بعلوم الأوائل قبل هذا الانهيار الفظيع أثير الدين الأبهرى (٥) الموصلى المتوفى سنة ٦٦٣ وله مختصر فى علم الهيئة ورسالة فى الإسطرلاب وشرح لإيساغوجى وكتاب هداية الحكمة فى المنطق والطبيعيات والإلهيات. ويضعف الاشتغال بعلوم الأوائل أو يأخذ فى الضعف، ومن المؤكد أنه ظل، ولكن لم تعد له نفس القوة القديمة، ويلقانا من حين إلى آخر بعض المتفلسفين أو العلماء مثل أبى القاسم محمد بن أحمد السيماوى (٦) العراقى الذى عاش فى النصف الثانى من القرن السابع الهجرى، وله كتب كثيرة فى الكيمياء أشهرها كتاب العلم المكتسب فى زراعة الذهب، وممن نلتقى بهم فى القرن التاسع الهجرى بدر

стр. 2410

الدين محمد سبط الماردينى (١) المتوفى سنة ٨٩١ وله كتب مختلفة فى الحساب والهندسة. وتأخذ المعرفة بعلوم الأوائل فى الضعف مع الحقبة العثمانية إذ لم تعد هناك عناية بها ولا رعاية لها. ولابد أن نقف قليلا عند مصنفاتهم فى السياسة على هدى كتابات أفلاطون وأرسطو وما ترجمه ابن المقفع عن الفارسية هو وغيره من آداب الحكم والسياسة، وقد افتتح ابن قتيبة كتابه عيون الأخبار بباب طويل عن السلطان والسياسة والحكم، وتناول هذا الموضوع كثيرون بعده مثل الوزير المغربى أبى القاسم الحسين بن على المتوفى سنة ٤١٨ فإنه ألف فى السياسة رسالة طريفة. ومن خير الكتب التى ألفت فى هذا الموضوع كتاب الأحكام السلطانية للماوردى (٢) أبى الحسن على بن محمد البصرى البغدادى المتوفى سنة ٤٥٠ للهجرة، وكان فقيها شافعيا، وتولى القضاء فى بلدان كثيرة بالعراق، وهو فى كتابه يصل بين السياسة والمسائل الشرعية فى النظم الإسلامية، وبذلك يصبح الكتاب فى سياسة الحكم الإسلامى، وهو يستهله بالحديث عن إمامة المسلمين ثم يتحدث عن تقليد الوزارة وقيادة الجيوش المجاهدة فى سبيل الله، ويتحدث عن ولاية القضاء والمظالم والولاية على الصلاة والحج والصدقات وأحكام الفئ والغنيمة والجزية والخراج وأحكام الإقطاع والدواوين وبيت المال. وقد نشط العراقيون لهذا العصر فى الكتابات الجغرافية، وأول من يلقانا منهم أبو إسحاق الفارسى الإصطخرى (٣) الكرخى المتوفى حوالى منتصف القرن الرابع الهجرى، ويبدو أنه عاش طويلا فى بغداد، كما يدل على ذلك لقبه الكرخى، وله كتاب جغرافى سماه «المسالك والممالك» تحدث فيه عن مملكة الإسلام وصور أقاليم الأرض ومدنها وبحارها وأنهارها وسهوبها وجبالها، وقد نقل إلى كتابه صور الأقاليم التى بثها أبو زيد البلخى فى كتابه المعروف بهذا الاسم، ولابن حوقل البغدادى (٤) معاصره كتاب باسم المسالك والممالك أيضا هو تهذيب لكتاب الإصطخرى. وكان شيعيا إسماعيليا، واستغله الفاطميون فى الدعوة لهم على ما يظهر وقد زار الأندلس وإفريقيا الشمالية وبلدان إيران وجزءا من الهند.

стр. 2411

وأهم جغرافى ظهر بالعراق لهذا العصر هو ياقوت الحموى البغدادى (١) المتوفى سنة ٦٢٦ وكتابه معجم البلدان أنفس كتب الجغرافية العربية، وهو فى ست مجلدات ضخام، ونراه يذكر فى مقدمته مصادره اليونانية والعربية وكاد أن لا يترك كتابا فى المكتبة الجغرافية العربية إلا ذكر أنه اطلع عليه ونقل عنه، ولم يكتف بتلك الكتب التى كوّن منها مادة كتابه، فقد رجع إلى دواوين الشعراء ينقل عنها، وألمّ فى كل بلدة بأهم من عاش فيها من العلماء والأدباء كتابّا وشعراء، مما يضيف قيمة واسعة للكتاب إذ يصبح مصدرا من مصادر العلم والأدب ورجالهما حتى عصره. وله أيضا فى الجغرافيا كتاب ثان بعنوان «المشترك وضعا المختلف صقعا». ويمكن أن نلحق بكتب الجغرافية كتب الرحلات، وربما كان أهمها كتاب الإفادة والاعتبار بما فى مصر من الآثار لعبد اللطيف (٢) البغدادى المتوفى سنة ٦٢٩ وقد وصف فيه وصفا بديعا آثار مصر، وصوّر كثيرا من شئونها الاحتماعية. وترجم الكتاب إلى اللاتينية، كما ترجم إلى الفرنسية، وطبع مرارا. ٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد تظل بغداد ومدن العراق ناشطة فى المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية والنقدية، ومن الصعب أن نفصل بين اللغويين والنحويين، وبالتالى أن نفصل بين مباحثهما، إذ يكثر أن ينهض اللغوى بمباحث نحوية، وبالمثل يكثر أن ينهض النحوى بمباحث لغوية. ويلقانا ابن (٣) درستويه المتوفى سنة ٣٤٧ معنيا بشرح فصيح ثعلب، وبالمثل ابن ناقيا والعكبرى وغيرهما كثيرون، ويضع له عبد اللطيف البغدادى بعدهما ذيلا. وتكثر العناية بكتاب لغوى ثان، هو إصلاح المنطق لابن السكيت، فيضع السيرافى (٤) الحسن بن عبد الله

стр. 2412

المتوفى سنة ٣٦٨ شرحا لشواهده، وتتوالى مختصرات هذا الكتاب وتهذيباته، منها مختصر يسمى المنخل لأبى القاسم الوزير المغربى المار ذكره، ومنها تهذيب للخطيب التبريزى (١) يحيى بن على المتوفى سنة ٥٠٢ للهجرة. ومن الكتب اللغوية المهمة كتاب التنبيهات على أغلاط الرواة لعلى (٢) بن حمزة البصرى المتوفى بصقلية سنة ٣٧٥ ويشتهر بنزول المتنبى عليه حين قدم إلى بغداد من الكوفة وهو فى كتابه يصحح الأغلاط التى وردت فى طائفة من كتب لغوية مهمة، هى نوادر أبى زياد الأعرابى، ونوادر أبى عمرو الشيبانى، وكتاب النبات لأبى حنيفة الدينورى، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب فصيح ثعلب، وكتاب الغريب المصنف لأبى عبيد القاسم ابن سلام، وكتاب إصلاح المنطق لابن السكيت، وكتاب خلق الإنسان لأبى ثابت، وكتاب المقصود والممدود لابن ولاد وقد ذكر مع نقده لهذا الكتاب ما أملاه المتنبى عليه من نقد بالفسطاط، وتكثر الكتابة فى الأسماء المقصورة والممدودة، منذ ابن دستورية وابن جنى فى القرن الرابع. وتتكاثر شروح الشعر والنثر فى العصر منذ أوائله، وشرح ابن جنى لديوان المتنبى مشهور وقد سماه الفسر، ويعد التبريزى المذكور آنفا-وكان يدرس الأدب فى المدرسة النظامية- من أكثر شراح الشعر آثارا، وله شروح مطولة على مجموعة القصائد المسماة بالمفضليات للمفضل الضبى، وعلى المعلقات أو القصائد العشر، وعلى حماسة أبى تمام وديوانه وعلى سقط الزند لأبى العلاء المعرى. وله شروح موجزة على لامية العرب للشّنفرى، وقصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير، ومقصورة ابن دريد. وإذا كان التبريزى وضع شرحا مطولا لديوان أبى تمام فإن العكبرى أبا البقاء فى القرن السادس الهجرى وضع شرحا مطولا بدوره للمتنبى. وعنى ابن المستوفى الإربلى (٣) المتوفى سنة ٦٣٧ بوضع شرح مطول لديوانى أبى تمام والمتنبى سماه النظام فى شرح شعر المتنبى وأبى تمام فى عشر مجلدات. ومنذ وضع الحريرى مقاماته أخذت شروحها تتكاثر. ومن شروحها فى القرن السادس بالعراق شرح القاسم (٤) بن القاسم الواسطى، وشرح العكبرى النحوى شارح المتنبى، ولابن

стр. 2413

الخشاب (١) البغدادى المتوفى سنة ٥٦٧ مبحث لغوى فى أغلاط الحريرى فى مقاماته ورد عليه ابن برى العالم المصرى اللغوى المتوفى سنة ٥٨٢ بمبحث لغوى دقيق انتصر فيه للحريرى، والمبحثان ملحقان بطبعة مقامات الحريرى نشر مكتبة ومطبعة الحلبى بالقاهرة ومنذ جمع الشريف الرضى خطب الإمام على بن أبى طالب وأخرجها باسم نهج البلاغة أخذ كثيرون يعنون بشرحها، حتى بلغوا نحو أربعين شارحا وربما كان شرح ابن أبى الحديد المتوفى سنة ٦٥٦ أكبر هذه الشروح وهو مطبوع، ولابن الساعى (٢) على بن أنجب المتوفى سنة ٦٧٤ شرح على نهج البلاغة وشرح لفصيح ثعلب، وثلاثة شروح لمقامات الحريرى: كبير ومتوسط وصغير، والمتوسط فى خمس مجلدات. وقد عنى محمود (٣) بن أحمد الزنجانى المتوفّى سنة ٦٥٦ بوضع مختصر لصحاح الجوهرى سماه «ترويح الأرواح فى تهذيب الصحاح». ومنذ السيرافى تكثر الشروح لشواهد الشعر فى كتب النحو على غرار كتابه فى شرح شواهد سيبويه، بل إننا نجد عبد القادر (٤) البغدادى المتوفى سنة ١٠٩٣ يحوّل شرحه لشواهد كتاب الكافية لابن الحاجب إلى موسوعة لغوية تاريخية، وبحق سماه «خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب» وقد ذكر فى مقدمته مصادره من شروح الشواهد واللغة وأشعار العرب. ومما ذكره من كتب اللغة: الجمهرة لابن دريد، والصحاح للجوهرى والعباب للصّاغانى والقاموس المحيط للفيروزابادى واليواقيت للمطرّز وكتاب ليس لابن خالويه، والنهاية لابن الأثير والزاهر لابن الأنبارى وكتاب النبات لأبى حنيفة الدينورى وإصلاح المنطق لابن السكيت وتهذيبه وشروحهما وفصيح ثعلب وذيله وشروحه وأدب الكاتب لابن قتيبة وشروحه والأضداد لغير مؤلف والفروق لأبى هلال العسكرى وخلق الإنسان للزجاج والمعرّب للجواليقى والمثلثات لابن السيد البطليوسى والمرصع لابن الأثير والمزهر للسيوطى. وإنما سقنا هذه الكتب اللغوية، لندل على أن ما كان يكتب فى اللغة بأى بلدة من البلدان كان ينقل إلى بغداد وغيرها من الحواضر، فالعالم العربى واحد، وكل ما ينتجه بلد

стр. 2414

فى علم من العلوم تتناقله البلدان الأخرى، وهؤلاء الذين رجع إليهم عبد القادر البغدادى منهم من عاش فى أقصى الشرق من العالم العربى، ومنهم من عاش فى أقصى الغرب منه أو فى أواسطه، ولذلك يكون من الخطأ أن نعد إنتاج أى بلد إنتاجا مستقلا هو مدار الحكم عليه، فقد كان يموج بإنتاج البلدان الأخرى فى كل علم وكل فن، وتظل شروح الشعر ناشطة لا الشروح المأثورة فقط، بل تضاف إليها شروح كثيرة، ولعله لم تظهر قصيدة مهمة دون أن تشرح شروحا عدة، نذكر من ذلك رشف الضّرب فى شرح لامية العرب للشيخ عبد الله (١) السويدى المتوفى سنة ١١٧٤ للهجرة وشرح بانت سعاد للسيد (٢) عبد الله الفخرى المتوفى سنه ١١٨٨. وهناك شروح لعلماء مختلفين شرحوا قصائد عاصرتهم أو شرحوا قصائد لابن الفارض. وعنى الشيخ حسن (٣) القفطان المتوفى سنة ١٢٧٥ بوضع تعليقات على القاموس والمصباح فى رسائل مختلفة. ولشهاب الدين الألوسى (٤) المتوفى سنة ١٢٧٠ شرح على درة الغواص للحريرى باسم كشف الطّرّة عن الغرة وللشيخ إبراهيم (٥) الحيدرى المتوفى سنة ١٣٠٠ شروح مختلفة على ديوان أبى تمام ومقامات الحريرى وسقط الزند لأبى العلاء. وكأن النشاط اللغوى لم يتوقف بالعراق فى حقبة من حقب هذا العصر حتى أواخره وقد عنى العلماء بجانب بحوثهم فى لغة الفصحى أن يحيطوها بأسوار من الصحة، حتى ينقوّها من أوضار العامية التى أخذت تنتشر بقوة منذ مطالع العصر، ونجد القاضى أبا الحسن عليا المؤيدى يضع سنة ٤٢٠ كتابا فى الأمثال البغدادية العامية (٦) وأهم من ذلك كتاب الحريرى: «درّة الغواص فى أوهام الخواص» وهو فى أغلاط المثقفين، ووضع له أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقى (٧) المتوفى سنة ٥٣٩ تكملة أو تتمة سماها» التكملة فيما تلحن فيه العامة». وأهم من هذا الصنيع كتابه «المعرّب»

стр. 2415

وهو معجم نفيس للألفاظ الأعجمية الدخيلة على العربية، ولم يؤلف فى موضوعه أكبر منه، وفيه يقول ابن خلكان: إنه من مفاخر بغداد. وكانوا يعنون من حين إلى حين بجمع مختارات شعرية، ولابن الشجرى (١) هبة الله بن على المتوفى سنة ٤٥٠ كتاب سماه الحماسة ضاهى به حماسة أبى تمام، وهو مطبوع فى حيدر آباد، وله كتاب الأمالى وهو أيضا مطبوع فى حيدرآباد، وهو أكثر تآليفه إفادة، ويقول ابن خلكان إنه من الكتب الممتعة لروعة أشعاره المختارة. ومن كتب المختارات الشعرية كتاب منتهى الطلب من أشعار العرب لمحمد بن المبارك بن ميمون (٢)، وهو مجموعة كبيرة من قصائد الجاهليين والإسلاميين، وقد جمعه أو صنفه ببغداد سنة ٥٨٩ وهو فى الستين من عمره، ومنه بعض مجلدات بدار الكتب المصرية. وصنّف على بن أبى الفرج البصرى فى القرن السابع الهجرى الحماسة البصرية، وقد حققت وأعدّت للطبع. . ولعل نشاط بغداد فى النحو لهذا العصر كان أكبر من نشاطها فى اللغة، فقد استحدثت فيه المذهب النحوى البغدادى على نحو ما صورنا ذلك فى كتابنا المدارس النحوية، وهو مذهب كان أصحابه ينتخبون من المذهبين البصرى والكوفى آراءهم، ويضيفون إلى ما ينتخبون آراء جديدة ينفذون إليها، وأهم نحوى بغدادى نلقاه فى القرن الرابع الهجرى هو ابن جنى (٣) المتوفى سنة ٣٩٢ وكان اهتمامه بعلم الصرف عظيما، فصنع فيه شرحا نفيسا لكتاب التصريف للمازنى سماه المنصف، وهو فى ثلاثة أجزاء، شرح فيه مادة الكتاب شرحا وافيا، وأضاف إليها كثيرا من ملاحظاته كملاحظته أن الأفعال تشتق من أسماء الأعيان ومن الحروف. وله سر صناعة الإعراب وهو دراسة صوتية واسعة لحروف المعجم ومخارجها وأصواتها، وله أيضا فى الصرف كتاب التصريف الملوكى، وأهم كتبه فيه كتاب الخصائص، وهو مطبوع فى ثلاثة أجزاء، وفيه وضع للصرف قضاياه الكلية، وذكر فيه ما أسماه الاشتقاق الأكبر وهو يقوم على فكرة خاصة، هى أن كل كلمة ومقلوباتها تشترك فى معنى واحد، فكلمة قول. ومتقلباتها: قلو، ووقل، وولق، ولقو، ولوق، جميعها تفيد أو تعنى الخفة والحركة. وبجانب وضعه لأصول علم الصرف نراه فى النحو يختار من الآراء البصرية والكوفية جميعا، ويضيف باجتهاده آراء جديدة، وكان يكثر من متابعته لأستاذه

стр. 2416

أبى على الفارسى، وهو من طرازه بغدادى فى مذهبه النحوى، وكل ذلك مصوّر فى كتابنا المدارس النحوية. وكان يعاصره نحويان كبيران هما السيرافى شارح كتاب سيبويه والرمّانى وهو مثله شرح الكتاب، غير أنهما لا ينتظمان فى المدرسة النحوية البغدادية الجديدة، إذ كانا لا يخرجان عن المذهب البصرى، فعدادهما فى المدرسة البصرية لا البغدادية، وفى كتاب المدارس النحوية حديث مفصل عن السيرافى وكثرة تعليلاته وتخريجاته النحوية. ويعنى النحاة بشرح كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى، ويشرحه ابن جنى، ويشرحه غير واحد من بعده مثل العكبرى، ويعنون بشرح اللمع فى النحو لابن جنى، وممن شرحوه عمر بن ثابت الثمانينى (١) تلميذه، وشرحه مخطوط بدار الكتب المصرية، ومن شراحه العكبرى، وهم كثيرون. ومن نحاة مدرسة بغداد المهمين أبو البركات بن الأنبارى (٢) المتوفى سنة ٥٧٧ وهو تلميذ ابن الشجرى الذى تتلمذ بدوره لأبى على الفارسى، وبذلك يتصل به. وكان يدرس كتبه لتلاميذه فى المدرسة النظامية، يدل على ذلك حاشيته على كتاب الإيضاح. وقد عنى بدراسة وجوه الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية فى مسائل النحو، وألّف فى ذلك كتابين هما: الإنصاف المطبوع بمصر، وقد طبعه فايل لأول مرة وقدم له بمقدمة طويلة، والكتاب الثانى أسرار العربية المطبوع بدمشق ولاحظ فايل أنه رجح آراء الكوفيين بكتابه الإنصاف فى سبع مسائل، وكان ينتخب آراءه من المدرستين البصرية والكوفية جميعا. وكان يقف مع الفارسى أستاذ شيخه ابن الشجرى فى كثير من المسائل فهو بغدادى المذهب. وله فى أصول النحو كتاب سماه لمع الأدلة وهو مطبوع بدمشق وطبع له مع الكتاب السابق كتاب الإعراب فى جدل الأعراب، وله فى تراجم النحاة كتاب نزهة الألباء. وكان يجرى على غراره فى اتباع المذهب البغدادى فى النحو أبو البقاء العكبرى (٣) الضرير، المتوفى سنة ٦١٦ وتدل مصنفاته على توفره على كتب أبى على الفارسى وابن جنى وله كما أسلفنا شرح للإيضاح وكذلك للمع، وأيضا «الإفصاح عن معانى أبيات الإيضاح» و «تلخيص أبيات الشعر لأبى على الفارسى» وتلخيص التنبيه لابن جنى و «المنتخب من كتاب المحتسب فى

стр. 2417

شواذ القراءات» لابن جنى أيضا، ومن كتبه «إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات فى جميع القرآن». وله كتاب اللباب فى علل البناء والإعراب. وقد حققه بعض الطلاب وأعده للنشر. وله أيضا إعراب مشكل الحديث. ذيّل به كتاب جامع المسانيد لابن الجوزى. ومن كتبه المسائل الخلافية فى النحو وعنى بنشره بعض المستشرقين. وقد صورنا فى كتابنا المدارس النحوية كيف كان يعوّل على الاختيار من آراء البصريين والكوفيين والبغداديين. ومن نحاة بغداد فى القرن السابع الهجرى عز الدين عبد الوهاب (١) ابن إبراهيم الزنجانى وله كتاب باسم تصريف الزنجانى أو العزى أو مبادئ التصريف، وقد طارت شهرته فى الآفاق وصنعت له شروح وحواش كثيرة، عدّدها بروكلمان فى تاريخه، ومنها طائفة كبيرة فى دار الكتب المصرية. وقد طبع فى روما مع ترجمته إلى اللاتينية، وطبع فى الآستانة والقاهرة ودلهى بالهند ومع ترجمة إلى الفارسية لمحمد بركة الله اللكنوى فى لكنو. ومن نحاة القرن السابع أيضا جمال الدين الحسين بن بدر الدين بن أياز (٢) البغدادى المتوفى سنة ٦٨١ وكان يتولى مشيخة النحو فى المدرسة المستنصرية، وله كتاب القواعد فى النحو، ولا توجد منه سوى مخطوطة بدار الكتب المصرية كتبت سنة ٦٧٨ فى حياته، وله أيضا المحصول شرح الفصول لابن معطى وشرح التصريف لابن مالك ومسائل الخلاف فى النحو. ومن النحاة المهمين ببغداد بدر الدين (٣) الإربلى المتوفى سنة ٧٥٥ وله حواش على كتاب التسهيل لابن مالك وشرح على الكافية لابن الحاجب وآخر على كتابه الشافية. وللشيخ عبد الله السويدى المار ذكره كتاب إتحاف الحبيب على مغنى اللبيب (٤). ويكثر الشارحون للألفية ولقطر ابن هشام وغيرهما من متون النحو كما يكثر من يصنعون الحواشى. ونكتفى بذكر مثال هو إبراهيم الحيدرى المار ذكره فى النشاط اللغوى، فله حاشية على كتاب سيبويه وأخرى على شرح ألفية ابن مالك للسيوطى وحاشية على شرح الشافية لابن الحاجب للجاربردى وتقرير على حاشية عبد الحكيم الهندى على حاشية عبد الغفور اللارى على شرح الجامى لكافية ابن الحاجب، وشرح على كتاب الاقتراح للسيوطى (٥). وكان للنشاط فى الدراسات البلاغية دوره فى العصر، ومن خير هذه الدراسات كتاب

стр. 2418

النكت فى إعجاز القرآن للرمانى (١) شارح كتاب سيبويه، كما أسلفنا، وقد توفى سنة ٣٨٤ للهجرية، ويهمنا من الكتاب حديثه عن البلاغة وقد جعلها فى ثلاث طبقات (٢): عليا ووسطى ودنيا، والعليا بلاغة القرآن المعجز والوسطى بلاغة الأدباء حسب تفاوتهم فى البلاغة. ويوزعها على عشرة أقسام هى الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان، ويفصّل القول فى كل قسم من هذه الأقسام بادئا بتعريفه ثم باسطا تفريعاته. وللحاتمى (٣) أبى على محمد بن الحسن البغدادى المتوفى سنة ٣٨٨ كتاب فى البلاغة وأنواع البديع سماه حلية المحاضرة فى صناعة الشعر، وقد اعتمد عليه ابن رشيق اعتمادا واسعا فى كتابه العمدة فى صناعة الشعر ونقده أثناء عرضه لألوان البديع، وقد تحدث فيه عن الاستعارة والجناس والطباق والمقابلة والتتميم والتشبيه والإغراق والإشارة والوحى والتصدير والتسهيم والترصيع والتوشيح والمماثلة والمبالغة والالتفات والمساواة إلى غير ذلك من فنون البديع ومحسناته. ويكتب الباقلانى الذى سنتحدث عنه فى علم الكلام المتوفى سنة ٤٠٣ كتابه «إعجاز القرآن» ويهمنا فيه حديثه عن وجوه البديع، وهو يستهلها بالكلام عن الاستعارة، ويتلوها بالإرداف ثم المماثلة فالمطابقة فالجناس فالموازنة، فالمساواة، فالإشارة، فالمبالغة، فالغلو، فالإيغال، فالتوشيح، فصحة التقسيم، فصحة التفسير، فالترصيع والتتميم، فالتكافؤ والتعطف إلى غير ذلك (٤). وهو يتفق مع ابن المعتز وصاحب الصناعتين فى كثير من مصطلحاته، ونلتقى بالشريف الرضى المتوفى سنة ٤٠٦ وله كتابان: أحدهما فى مجازات القرآن، والثانى فى المجازات النبوية، وهو يعرض فى الكتاب الأول مجازات الآيات القرآنية مرتبة على السور وفقا لترتيبها فى آياتها مبينا ما فيها من استعارة أو مجاز أو كناية. وبالمثل علّق فى الكتاب الثانى على نحو ثلاثمائة وستين حديثا، والكتابان بحث تطبيقى عام، وإن كان يلاحظ أن الفروق عنده بين الاستعارة والمجاز والكناية غير دقيقة، لأنها لم تكن قد حرّرت حتى زمنه (٥). وعنيت طائفة من البلاغيين بالكتابة فى بعض جوانب من البلاغة مثل كتاب التشبيهات لابن أبى عون المتوفى سنة ٣٢٢ وقد نشره عبد المعيد خان فى سلسلة جب التذكارية

стр. 2419

بلندن، وهو فى التشبيهات عامة من الشعر القديم والحديث ومن الذكر الحكيم. وأهم منه كتاب «الجمان فى تشبيهات القرآن» لابن ناقيا (١) البغدادى المتوفى سنة ٤٨٥ والعناية بالتشبيه قديمة نجدها فى كتابات الجاحظ وابن المعتز (٢). وقد نشر كتاب الجمان فى دمشق تحقيق عدنان زرزور ومحمد رضوان الداية، والكتاب مرتب حسب السور القرآنية والآيات الواردة فى تضاعيفها وعادة يفسر الآية الكريمة بإيجاز، ثم يذكر ما فيها من تشبيه، وإذا كان له نظير فى القرآن ذكره، ودائما يذكر الأشعار التى اقتبسته، وكثيرا ما يعرض المحسنين لهذا الاقتباس والمقصرين، موضحا بلاغة القرآن المعجز وأنه لا يبلغ مبلغه شاعر. يقول: «وكذلك كل ما ينقله الشعراء وغيرهم من أرباب البلاغة إلى كلامهم من معانى القرآن، لايبلغون شأوه ولا يدركون مناله إعجازا وإبداعا وإباء وامتناعا». ويعنى بعض البلاغيين بوضع كتب مستقلة فى الجناس، مثل شميم (٣) الحلّىّ المتوفى سنة ٦٠١ فله فيه كتاب باسم الأنيس الجليس فى التجنيس كما جاء فى معجم الأدباء، وفى دار الكتب المصرية مخطوطة منه باسم الأنيس فى غرر التجنيس. ولا نلبث أن نستقبل كتاب المثل السائر لضياء الدين نصر الله بن محمد الشيبانى المعروف بابن الأثير الجزرى المتوفى ببغداد سنة ٦٣٧ وكان قد توجه إليها رسولا من لدن صاحب الموصل، وكان كاتب إنشائه. وقد بنى كتابه على مقدمة (٤) ومقالتين، أما المقدمة فجعلها لعلم البيان ومباحثه المتصلة بالمعانى والبديع، ويقول إن موضوع هذا العلم البلاغة والفصاحة، ويعرض لأدواته التى لابد من إتقانها لمن يتصدى للكتابة والشعر ويعقد فصلين للمعانى يتحدث فى أولهما عن حمل الكلام على ظاهره والتأويل فيه بحيث يمكن أن يفهم البيت أفهاما كثيرة. وفى الفصل الثانى يتحدث عن احتمالات النصوص والترجيح بين المعنيين المتقابلين. وتحسّ صلته فى هذين الفصلين بعلماء الأصول وكلامهم عن دلالات العبارات وما يداخلها من الاحتمالات. ويتحدث بعد ذلك عن الفصاحة والبلاغة

стр. 2420

وأدوات الكتابة وأركانها. ويخرج إلى المقالة الأولى، وقد جعلها للصناعة اللفظية وقسمها قسمين: قسما خاصا باللفظة المفردة، وقسما خاصا بالألفاظ المركبة، ويطنب فى بيان حسن الألفاظ وصفاته، متأثرا فى وضوح بابن سنان الخفاجى فى كتابه «سر الفصاحة». وبالمثل يتأثر به فى حديثه عن صفات الحسن فى الألفاظ المركبة مفصلا القول فى السجع والتصريع والتجنيس والترصيع ولزوم مالايلزم والموازنة واختلاف صيغ الألفاظ وتكرار الحروف. وينتقل إلى المقالة الثانية الخاصة بالصناعة المعنوية، ويعرض للسرقات، ثم يتحدث عن الاستعارة والمجاز والتشبيه والتمثيل، ويعرض الالتفات وصوره وبعض الصيغ النحوية، ثم يتحدث عن التقديم والتأخير وبعض صيغ الاختصاص والإيجاز والإطناب والكناية والتعريض، ولجّ فى بعض مسائل نقدية، ثم تناول الجناس والاقتباس، وفتح فصلا للسرقات، وختم الكتاب بكلمة عن فضل الفصاحة والبلاغة ذكر فيها الفرق بين الشعر والنثر. ونلتقى فى أواخر القرن السابع بكتاب «الأقصى القريب فى علم البيان» المطبوع بالقاهرة من نسخة قرئت على المؤلف محمد بن محمد التنوخى (١) سنة ٦٩٢ ويسمى صاحب كشف الظنون الكتاب باسم «أقصى القرب فى صناعة الأدب» ويقول إن مؤلفه توفى سنة ٧٤٩ للهجرة، ولعله أخطأ فى سنة وفاته ولا يعرف موطنه، وقد ضممناه إلى العراق لغلبة النزعة المنطقية عليه وأصدائها الواضحة فى مباحثه. وواضح من عنوان الكتاب (٢) أن مؤلفه أطلق على مباحث البلاغة اسم البيان متابعا فى ذلك ابن الأثير، وهو يفتح الكتاب ببحث منطقى فى التصور والتصديق وفى القضية المنطقية وصورها المختلفة، ثم يتحدث عن الجملة النحوية ويفيض فى مباحث الحروف والأسماء والأفعال. ثم ينتقل إلى علم البيان ومباحث الفصاحة والبلاغة فيه والحقيقة والمجاز وحسن المفردات وقبحها وصفاتها. ويخرج إلى الحديث عن المعانى ويبتدئ حديثه فيها بالكلام عن الاستعارة، ثم يتحدث عن التشبيه والالتفات والنفى والاعتراض والإيجاز والإطناب والكناية والتعريض والتقديم والتأخير والاشتقاق والتكرار وبعض ألوان البديع، وهو شديد التأثر فى كل ذلك بابن الأثير فى كتابه المثل السائر. ويلقانا جلال الدين القزوينى صاحب كتاب التلخيص المولود بالموصل، ويبدو أنه غادره فى مطالع شبابه، وأنه أتم ثقافته فى بلاد الروم وديار الشام، ولذلك سنرجئ الحديث عنه إلى الجزء الخاص بالشام ومصر.
следующие страницы →