أبى على الفارسى، وهو من طرازه بغدادى فى مذهبه النحوى، وكل ذلك مصوّر فى كتابنا المدارس النحوية. وكان يعاصره نحويان كبيران هما السيرافى شارح كتاب سيبويه والرمّانى وهو مثله شرح الكتاب، غير أنهما لا ينتظمان فى المدرسة النحوية البغدادية الجديدة، إذ كانا لا يخرجان عن المذهب البصرى، فعدادهما فى المدرسة البصرية لا البغدادية، وفى كتاب المدارس النحوية حديث مفصل عن السيرافى وكثرة تعليلاته وتخريجاته النحوية.
ويعنى النحاة بشرح كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى، ويشرحه ابن جنى، ويشرحه غير واحد من بعده مثل العكبرى، ويعنون بشرح اللمع فى النحو لابن جنى، وممن شرحوه عمر بن ثابت الثمانينى (١) تلميذه، وشرحه مخطوط بدار الكتب المصرية، ومن شراحه العكبرى، وهم كثيرون. ومن نحاة مدرسة بغداد المهمين أبو البركات بن الأنبارى (٢) المتوفى سنة ٥٧٧ وهو تلميذ ابن الشجرى الذى تتلمذ بدوره لأبى على الفارسى، وبذلك يتصل به. وكان يدرس كتبه لتلاميذه فى المدرسة النظامية، يدل على ذلك حاشيته على كتاب الإيضاح. وقد عنى بدراسة وجوه الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية فى مسائل النحو، وألّف فى ذلك كتابين هما: الإنصاف المطبوع بمصر، وقد طبعه فايل لأول مرة وقدم له بمقدمة طويلة، والكتاب الثانى أسرار العربية المطبوع بدمشق ولاحظ فايل أنه رجح آراء الكوفيين بكتابه الإنصاف فى سبع مسائل، وكان ينتخب آراءه من المدرستين البصرية والكوفية جميعا. وكان يقف مع الفارسى أستاذ شيخه ابن الشجرى فى كثير من المسائل فهو بغدادى المذهب. وله فى أصول النحو كتاب سماه لمع الأدلة وهو مطبوع بدمشق وطبع له مع الكتاب السابق كتاب الإعراب فى جدل الأعراب، وله فى تراجم النحاة كتاب نزهة الألباء. وكان يجرى على غراره فى اتباع المذهب البغدادى فى النحو أبو البقاء العكبرى (٣) الضرير، المتوفى سنة ٦١٦ وتدل مصنفاته على توفره على كتب أبى على الفارسى وابن جنى وله كما أسلفنا شرح للإيضاح وكذلك للمع، وأيضا «الإفصاح عن معانى أبيات الإيضاح» و «تلخيص أبيات الشعر لأبى على الفارسى» وتلخيص التنبيه لابن جنى و «المنتخب من كتاب المحتسب فى
стр. 2417
شواذ القراءات» لابن جنى أيضا، ومن كتبه «إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات فى جميع القرآن». وله كتاب اللباب فى علل البناء والإعراب. وقد حققه بعض الطلاب وأعده للنشر. وله أيضا إعراب مشكل الحديث. ذيّل به كتاب جامع المسانيد لابن الجوزى. ومن كتبه المسائل الخلافية فى النحو وعنى بنشره بعض المستشرقين. وقد صورنا فى كتابنا المدارس النحوية كيف كان يعوّل على الاختيار من آراء البصريين والكوفيين والبغداديين. ومن نحاة بغداد فى القرن السابع الهجرى عز الدين عبد الوهاب (١) ابن إبراهيم الزنجانى وله كتاب باسم تصريف الزنجانى أو العزى أو مبادئ التصريف، وقد طارت شهرته فى الآفاق وصنعت له شروح وحواش كثيرة، عدّدها بروكلمان فى تاريخه، ومنها طائفة كبيرة فى دار الكتب المصرية. وقد طبع فى روما مع ترجمته إلى اللاتينية، وطبع فى الآستانة والقاهرة ودلهى بالهند ومع ترجمة إلى الفارسية لمحمد بركة الله اللكنوى فى لكنو. ومن نحاة القرن السابع أيضا جمال الدين الحسين بن بدر الدين بن أياز (٢) البغدادى المتوفى سنة ٦٨١ وكان يتولى مشيخة النحو فى المدرسة المستنصرية، وله كتاب القواعد فى النحو، ولا توجد منه سوى مخطوطة بدار الكتب المصرية كتبت سنة ٦٧٨ فى حياته، وله أيضا المحصول شرح الفصول لابن معطى وشرح التصريف لابن مالك ومسائل الخلاف فى النحو. ومن النحاة المهمين ببغداد بدر الدين (٣) الإربلى المتوفى سنة ٧٥٥ وله حواش على كتاب التسهيل لابن مالك وشرح على الكافية لابن الحاجب وآخر على كتابه الشافية.
وللشيخ عبد الله السويدى المار ذكره كتاب إتحاف الحبيب على مغنى اللبيب (٤). ويكثر الشارحون للألفية ولقطر ابن هشام وغيرهما من متون النحو كما يكثر من يصنعون الحواشى.
ونكتفى بذكر مثال هو إبراهيم الحيدرى المار ذكره فى النشاط اللغوى، فله حاشية على كتاب سيبويه وأخرى على شرح ألفية ابن مالك للسيوطى وحاشية على شرح الشافية لابن الحاجب للجاربردى وتقرير على حاشية عبد الحكيم الهندى على حاشية عبد الغفور اللارى على شرح الجامى لكافية ابن الحاجب، وشرح على كتاب الاقتراح للسيوطى (٥).
وكان للنشاط فى الدراسات البلاغية دوره فى العصر، ومن خير هذه الدراسات كتاب
стр. 2418
النكت فى إعجاز القرآن للرمانى (١) شارح كتاب سيبويه، كما أسلفنا، وقد توفى سنة ٣٨٤ للهجرية، ويهمنا من الكتاب حديثه عن البلاغة وقد جعلها فى ثلاث طبقات (٢): عليا ووسطى ودنيا، والعليا بلاغة القرآن المعجز والوسطى بلاغة الأدباء حسب تفاوتهم فى البلاغة. ويوزعها على عشرة أقسام هى الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان، ويفصّل القول فى كل قسم من هذه الأقسام بادئا بتعريفه ثم باسطا تفريعاته. وللحاتمى (٣) أبى على محمد بن الحسن البغدادى المتوفى سنة ٣٨٨ كتاب فى البلاغة وأنواع البديع سماه حلية المحاضرة فى صناعة الشعر، وقد اعتمد عليه ابن رشيق اعتمادا واسعا فى كتابه العمدة فى صناعة الشعر ونقده أثناء عرضه لألوان البديع، وقد تحدث فيه عن الاستعارة والجناس والطباق والمقابلة والتتميم والتشبيه والإغراق والإشارة والوحى والتصدير والتسهيم والترصيع والتوشيح والمماثلة والمبالغة والالتفات والمساواة إلى غير ذلك من فنون البديع ومحسناته. ويكتب الباقلانى الذى سنتحدث عنه فى علم الكلام المتوفى سنة ٤٠٣ كتابه «إعجاز القرآن» ويهمنا فيه حديثه عن وجوه البديع، وهو يستهلها بالكلام عن الاستعارة، ويتلوها بالإرداف ثم المماثلة فالمطابقة فالجناس فالموازنة، فالمساواة، فالإشارة، فالمبالغة، فالغلو، فالإيغال، فالتوشيح، فصحة التقسيم، فصحة التفسير، فالترصيع والتتميم، فالتكافؤ والتعطف إلى غير ذلك (٤). وهو يتفق مع ابن المعتز وصاحب الصناعتين فى كثير من مصطلحاته، ونلتقى بالشريف الرضى المتوفى سنة ٤٠٦ وله كتابان: أحدهما فى مجازات القرآن، والثانى فى المجازات النبوية، وهو يعرض فى الكتاب الأول مجازات الآيات القرآنية مرتبة على السور وفقا لترتيبها فى آياتها مبينا ما فيها من استعارة أو مجاز أو كناية. وبالمثل علّق فى الكتاب الثانى على نحو ثلاثمائة وستين حديثا، والكتابان بحث تطبيقى عام، وإن كان يلاحظ أن الفروق عنده بين الاستعارة والمجاز والكناية غير دقيقة، لأنها لم تكن قد حرّرت حتى زمنه (٥).
وعنيت طائفة من البلاغيين بالكتابة فى بعض جوانب من البلاغة مثل كتاب التشبيهات لابن أبى عون المتوفى سنة ٣٢٢ وقد نشره عبد المعيد خان فى سلسلة جب التذكارية
стр. 2419
بلندن، وهو فى التشبيهات عامة من الشعر القديم والحديث ومن الذكر الحكيم. وأهم منه كتاب «الجمان فى تشبيهات القرآن» لابن ناقيا (١) البغدادى المتوفى سنة ٤٨٥ والعناية بالتشبيه قديمة نجدها فى كتابات الجاحظ وابن المعتز (٢). وقد نشر كتاب الجمان فى دمشق تحقيق عدنان زرزور ومحمد رضوان الداية، والكتاب مرتب حسب السور القرآنية والآيات الواردة فى تضاعيفها وعادة يفسر الآية الكريمة بإيجاز، ثم يذكر ما فيها من تشبيه، وإذا كان له نظير فى القرآن ذكره، ودائما يذكر الأشعار التى اقتبسته، وكثيرا ما يعرض المحسنين لهذا الاقتباس والمقصرين، موضحا بلاغة القرآن المعجز وأنه لا يبلغ مبلغه شاعر. يقول:
«وكذلك كل ما ينقله الشعراء وغيرهم من أرباب البلاغة إلى كلامهم من معانى القرآن، لايبلغون شأوه ولا يدركون مناله إعجازا وإبداعا وإباء وامتناعا».
ويعنى بعض البلاغيين بوضع كتب مستقلة فى الجناس، مثل شميم (٣) الحلّىّ المتوفى سنة ٦٠١ فله فيه كتاب باسم الأنيس الجليس فى التجنيس كما جاء فى معجم الأدباء، وفى دار الكتب المصرية مخطوطة منه باسم الأنيس فى غرر التجنيس.
ولا نلبث أن نستقبل كتاب المثل السائر لضياء الدين نصر الله بن محمد الشيبانى المعروف بابن الأثير الجزرى المتوفى ببغداد سنة ٦٣٧ وكان قد توجه إليها رسولا من لدن صاحب الموصل، وكان كاتب إنشائه. وقد بنى كتابه على مقدمة (٤) ومقالتين، أما المقدمة فجعلها لعلم البيان ومباحثه المتصلة بالمعانى والبديع، ويقول إن موضوع هذا العلم البلاغة والفصاحة، ويعرض لأدواته التى لابد من إتقانها لمن يتصدى للكتابة والشعر ويعقد فصلين للمعانى يتحدث فى أولهما عن حمل الكلام على ظاهره والتأويل فيه بحيث يمكن أن يفهم البيت أفهاما كثيرة. وفى الفصل الثانى يتحدث عن احتمالات النصوص والترجيح بين المعنيين المتقابلين. وتحسّ صلته فى هذين الفصلين بعلماء الأصول وكلامهم عن دلالات العبارات وما يداخلها من الاحتمالات. ويتحدث بعد ذلك عن الفصاحة والبلاغة
стр. 2420
وأدوات الكتابة وأركانها. ويخرج إلى المقالة الأولى، وقد جعلها للصناعة اللفظية وقسمها قسمين: قسما خاصا باللفظة المفردة، وقسما خاصا بالألفاظ المركبة، ويطنب فى بيان حسن الألفاظ وصفاته، متأثرا فى وضوح بابن سنان الخفاجى فى كتابه «سر الفصاحة». وبالمثل يتأثر به فى حديثه عن صفات الحسن فى الألفاظ المركبة مفصلا القول فى السجع والتصريع والتجنيس والترصيع ولزوم مالايلزم والموازنة واختلاف صيغ الألفاظ وتكرار الحروف.
وينتقل إلى المقالة الثانية الخاصة بالصناعة المعنوية، ويعرض للسرقات، ثم يتحدث عن الاستعارة والمجاز والتشبيه والتمثيل، ويعرض الالتفات وصوره وبعض الصيغ النحوية، ثم يتحدث عن التقديم والتأخير وبعض صيغ الاختصاص والإيجاز والإطناب والكناية والتعريض، ولجّ فى بعض مسائل نقدية، ثم تناول الجناس والاقتباس، وفتح فصلا للسرقات، وختم الكتاب بكلمة عن فضل الفصاحة والبلاغة ذكر فيها الفرق بين الشعر والنثر.
ونلتقى فى أواخر القرن السابع بكتاب «الأقصى القريب فى علم البيان» المطبوع بالقاهرة من نسخة قرئت على المؤلف محمد بن محمد التنوخى (١) سنة ٦٩٢ ويسمى صاحب كشف الظنون الكتاب باسم «أقصى القرب فى صناعة الأدب» ويقول إن مؤلفه توفى سنة ٧٤٩ للهجرة، ولعله أخطأ فى سنة وفاته ولا يعرف موطنه، وقد ضممناه إلى العراق لغلبة النزعة المنطقية عليه وأصدائها الواضحة فى مباحثه. وواضح من عنوان الكتاب (٢) أن مؤلفه أطلق على مباحث البلاغة اسم البيان متابعا فى ذلك ابن الأثير، وهو يفتح الكتاب ببحث منطقى فى التصور والتصديق وفى القضية المنطقية وصورها المختلفة، ثم يتحدث عن الجملة النحوية ويفيض فى مباحث الحروف والأسماء والأفعال. ثم ينتقل إلى علم البيان ومباحث الفصاحة والبلاغة فيه والحقيقة والمجاز وحسن المفردات وقبحها وصفاتها. ويخرج إلى الحديث عن المعانى ويبتدئ حديثه فيها بالكلام عن الاستعارة، ثم يتحدث عن التشبيه والالتفات والنفى والاعتراض والإيجاز والإطناب والكناية والتعريض والتقديم والتأخير والاشتقاق والتكرار وبعض ألوان البديع، وهو شديد التأثر فى كل ذلك بابن الأثير فى كتابه المثل السائر. ويلقانا جلال الدين القزوينى صاحب كتاب التلخيص المولود بالموصل، ويبدو أنه غادره فى مطالع شبابه، وأنه أتم ثقافته فى بلاد الروم وديار الشام، ولذلك سنرجئ الحديث عنه إلى الجزء الخاص بالشام ومصر.
стр. 2421
وتسهم العراق فى نظم القصائد المعروفة بالبديعيات. وعلى (١) بن عثمان الإريلى المتوفى سنة ٦٧٠ هو أول من فتح الطريق إلى هذا الاتجاه، فقد نظم قصيدة فى مديح بعض معاصريه وضمّن كل بيت فيها لونا من ألوان البديع، وذكر بإزاء كل بيت اللون الذى يطوى فيه، ولم تصل إلينا القصيدة غير أن صاحب فوات الوفيات ذكر منها ستة وثلاثين بيتا.
وإذا مضينا إلى القرن الثامن من التقينا بصفى الدين الحلى المتوفى سنة ٧٥٠ للهجرة ورأيناه ينظم قصيدة فى مديح الرسول ﷺ على شاكلة بردة البوصيرى مفتتحا لها بقوله:
إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... واقر السلام على عرب بذى سلم
وهى مائة وخمسة وأربعون بيتا من وزن البسيط، وكل بيت فيها يحمل محسنا من محسنات البديع، وهى تضم نحو مائة وخمسين محسنا، إذ جعل للجناس فيها اثنى عشر لونا صورها فى الأبيات الخمسة الأولى، وواضح أن مطلعها يشتمل على المحسن المعروف باسم براعة الاستهلال، كما يشتمل على لونين من الجناس بين سلام وسلم وبين العلم وسلم.
وقد سماها الكافية البديعية فى المدائح النبوية وصنف لها شرحا سماه النتائج الإلهية فى شرح الكافية البديعية. ويذكر فى مقدمته للشرح أنه قرأ ثلاثين كتابا قبل تأليفه لبديعيته وأنه زاد على ما قرأ محسنات جديدة. وتلقانا بعد صفى الدين بديعيات أخرى وشروح وتلخيصات لكتب البلاغة، ويستمر العلماء فى صنع هذه التلخيصات والشروح لافى أزمان المغول والتركمان فحسب، بل أيضا فى زمن العثمانيين، وللشيخ عبد الله السويدى المار ذكره كتاب فى الاستعارة ولمحمد أمين الخطيب العمرى بديعية وشرح لها، وللشيخ إبراهيم الحيدرى كتاب فى البديع ولشهاب الدين الألوسى أبى الثناء شرح وحاشية على كتاب الاستعارات لابن عصام.
وإذا تركنا النشاط البلاغى إلى النشاط النقدى وجدناه على أتمه فى مطالع هذا العصر، وأول ما يلقانا منه كتاب الموازنة بين أبى تمام والبحترى للآمدى (٢) الحسن بن بشر المتوفى سنة ٣٧١ وقد استهل الكتاب (٣) بالحديث عن مذهبين مختلفين فى فهم الشعر ونقده وصنعه وعمله، وهما مذهب المجددين من أنصار أبى تمام أصحاب المعانى والفلسفة والبديع، ومذهب المحافظين من أنصار البحترى الذين يتمسكون بعمود الشعر العربى
стр. 2422
وتقاليده مؤثرين حسن العبارة وحلاوة اللفظ وجمال أنغامه. ويمضى الآمدى فيصور جدلا بين أصحاب المذهبين فى فن الشاعرين وأيهما يتفوق على صاحبه، عارضا احتجاجات أصحاب أبى تمام وردود أصحاب البحترى عليهم، ومن أطرف ما احتجوا به أن أبا تمام صاحب مذهب جديد فى الشعر وصناعته ونوقش مذهبه مناقشة واسعة. ويتحدث الآمدى بعد ذلك عن سرقات الشاعرين وأخطائهما، وهو يتحيز فى الموازنة للبحترى تحيزا واضحا.
وكان يعاصره المرزبانى (١) محمد بن عمران المتوفى سنة ٣٨٤ وهو خراسانى الأصل بغدادى المولد والموطن، وله كتاب الموشح فى مآخذ العلماء على الشعراء، وهو سجل لنقد اللغويين من القرن الثانى حتى القرن الرابع لشعراء الجاهلية والإسلام والعصر العباسى حتى نهاية القرن الثالث، متخللا ذلك بنظرات نقدية كثيرة له ولسابقيه. ومن أطرف فصوله الفصل الخاص بأبى نواس، وكذلك الفصل الخاص بأبى تمام، وقد دوّن فيه رسالة ابن المعتز فى بيان محاسن شعر أبى تمام ومساويه ومنها استمد كل من نقدوا أبا تمام بعده، مثل ابن عمار القطر بّلى المتوفى سنة ٣١٩ فى رسالته التى كتبها فى أخطاء أبى تمام، وكذلك الآمدى فى موازنته السالفة. وفى رأينا أن هذه الرسالة هى التى دفعت الصولى للانتصار للشاعر وكتابة مصنفه عنه المعروف باسم أخبار أبى تمام. وحينما يتحدث الآمدى عن أنصار أبى تمام إنما يريده. ونلتقى بناقد مهم للمتنبى سبق أن عرضنا له حديثنا عن النشاط البلاغى وهو أبو على الحاتمى البغدادى الذى تصدى للشاعر الكبير ينقده نقدا مجحفا فى كثير من الأحوال، وله فيه رسالة عما وافق فيه المتنبى كلام أرسطو. حاول فيها أن يرد كثيرا من حكمه إلى أقوال الفيلسوف، وبمجرد أن نطلع عليها نعرف أن المتنبى على فرض أنه استعار بعض حكمه من أرسطو أعطاها صياغة جديدة باهرة، وفى الحق أن جمهور حكمه إنما هو من تجاربه ومن خبرته بالحياة الإنسانية. وللحاتمى فيه رسالة ثانية أو كتاب ثان هو الموضحة (٢) وفيها يذكر أن الوزير المهلبى هو الذى دفعه إلى نقد المتنبى، ويقول إن معارك نشبت بينه وبين المتنبى حين لقيه، ويصور فى الكتاب هذه المعارك وأنها امتدت فى عدة مجالس، كان أولها فى الدار التى نزل فيها المتنبى، أمام طائفة من العلماء الأدباء. وقد أخرج الحاتمى الكتاب بعد وفاة صاحبه ولعله تزيّد فيه، وهو
стр. 2423
يذكر حدود الشعر ويتحدث عن سرقات المتنبى وعيوبه ويوازن بين معانيه ومعانى أبى تمام والبحترى، والتجنى على المتنبى واضح فى الكتاب، فلم يكن يمسك فى يده بمعايير نقدية منصفة. ومع ذلك فإن كثيرين من نقاد المتنبى بعده حملوا عنه نقده وأذاعوه فى كتبهم ودراساتهم. ويشغل كثيرون بالمتنبى فى جميع البلدان العربية، وسنرى فى إيران مباحث كثيرة عنه وعن شعره.
ويلقانا فى العراق ابن الدهان (١) سعيد بن المبارك المتوفى سنة ٥٦٩ وله رسالة فى سرقات المتنبى سماها «الرسالة السعيدية فى المآخذ الكندية» وقد وقف فيها طويلا عند سرقاته من أبى تمام الطائى، وعنى ببيان سرقاته من البحترى الطائى أيضا، ولذلك قد تسمى فى بعض المصادر باسم «المآخذ الكندية من المعانى الطائية» ولابن الأثير كتاب يرد فيه على هذه المآخذ سماه «الاستدراك فى الرد على رسالة ابن الدهان المسماة بالمآخذ الكندية من المعانى الطائية، عنى فيها بالرد على ابن الدهان فى مآخذه على المتنبى وقد وزع أكثرها على جانبين هما: مآخذه على ابن الدهان فيما زعمه من مآخذ المتنبى من أبى تمام، واستدراكه على ما فات ابن الدهان من مآخذ المتنبى أو سرقاته من أبى تمام.
وهو يستهل الرسالة ببيان عيوب ابن الدهان فى مبحثه، ذاكرا أنه ترك من سرقات المتنبى من أبى تمام مثلما أخذه وأنه قد يعدّ بيتا للمتنبى مسروقا من صاحبه، وبتأمله يلاحظ أنه غير مسروق، وأنه قد يعزو إلى المتنبى وأبى تمام والبحترى أبياتا ليست لهم، وأنه أطال مقدمة كتابه أو رسالته فكان كمن بنى دارا فجعل دهليزها ذراعا وعرضها شبرا، على أنها لا تناسب الكتاب ولا تشاكله. ولابن الأثير فى الكتاب-شأنه فى كتاب المثل السائر- «الفلك الدائر على المثل السائر» وهى إلى أن تكون نقدا لغويا أقرب منها إلى أى نقد آخر، ورد عليه كثيرون منتصرين لابن الأثير مثل محمود بن الحسين السنجارى المتوفى سنة ٦٤٠ فى كتابه «نشر المثل السائر وطى الفلك الدائر».
ولصفى الدين الحلى المار ذكره فى البديعيات كتاب نفيس فى الأشعار العامية الشعبية سماه «العاطل الحالى والمرخص الغالى فى الأزجال والموالى» عرض فيه فنون الشعر العامى من الزجل والمواليا والقوما والكان وكان موضحا نشأتها وتاريخها وأوزانها وقوافيها وما يجوز فيها وما لا يجوز. ويلاحظ أنه سبقت الأزجال فى الأندلس قصائد عامية ذات قافية واحة
стр. 2424
كقصائد «الشعر الفصيح» كانت تسمى بالقصائد الزجلية، ثم نوعوا فيها الأوزان والقوافى على شاكلة الموشح. وهو يقوم فى ضبط أوزان الأشعار العامية مقام ابن سناء الملك المصرى فى ضبطه للموشحات بكتابه المعروف «دار الطراز». وتعرض صفى الدين الحلى لبعض أشعار ابن سناء الملك بنقد لغوى ذاهبا إلى أنه لما قلد الأندلسيين فى موشحاته وجعل خرجاتها عامية كثر فى نظمه استخدام اللفظ العامى، ويضرب لذلك بعض الأمثلة-فى رأيه-من شعره. وقد صحح هذه الأمثلة وردّها الصفدى فى شرحه للامية العجم الذى سماه «الغيث الذى انسجم فى شرح لامية العجم». ولا نعود نسمع عن كتاب مهم فى النقد بالعراق بعد كتاب العاطل الحالى، فقد انصرف الباحثون إلى الدراسات البلاغية بين شروح وتلخيصات كثيرة.
٤ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام
مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى نشاط العراق فى روايته لقراءات الذكر الحكيم وكيف أن ابن مجاهد استخلص منها سبعا، هى قراءات الأئمة: نافع فى المدينة وعبد الله ابن كثير فى مكة وعاصم وحمزة والكسائى فى الكوفة وأبى عمرو بن العلاء فى البصرة وعبد الله بن عامر فى دمشق، وشاعت فى العالم الإسلامى إلى اليوم مدوّنة بكتابه السبعة الذى مضى العلماء منذ عصره يتدارسونه (١) وألّف كتابا ثانيا فى شواذ القراءات عنى بالتعليق عليه ابن جنى مسميا تعليقه المحتسب، وهو محقق ومنشور بالقاهرة. وذهب كثيرون بعد ابن مجاهد إلى أنه لا تقل عن القراءات السبع التى دوّنها بكتابه قراءة أبى جعفر يزيد ابن القعقاع شيخ نافع المتوفى سنة ١٣٠ للهجرة ويعقوب بن إسحق الحضرمى البصرى المتوفى سنة ٢٠٥ وخلف بن هشام البغدادى المتوفى سنة ٢٢٩. وبضم هذه القراءات إلى قراءات ابن مجاهد تصبح القراءات عشرا وتؤلف فيها الكتب. ويضم إليها كثيرون أربع قراءات هى قراءة ابن محيصن المكى معاصر ابن كثير وقراءة الأعمش الكوفى وقراءة اليزيدى البصرى تلميذ أبى عمرو بن العلاء وقراءة الحسن البصرى. وبذلك تصبح القراءات أربع عشرة. وتنشط العراق فى التأليف فيها، تارة يؤلف العلماء فى السبع وتارة يؤلفون فى العشر أو فى الأربع عشرة. فمن ذلك كتاب الجامع فى القراءات العشر لعلى بن محمد الخياط المتوفى سنة ٤٠٥ وكتاب الروضة للحسن البغدادى فى إحدى عشرة قراءة وقد توفى
стр. 2425
سنة ٤٣٨ وكتاب المفيد فى القراءات العشر لأبى نصر البغدادى المتوفى سنة ٤٤٢ وكتاب التذكار فى القراءات العشر لابن شيطا البغدادى المتوفى سنة ٤٤٥ وكتاب المستنير لأحمد ابن على بن سوار البغدادى المتوفى سنة ٤٩٦ وهو أيضا فى القراءات العشر وكتاب المهذب فى القراءات العشر لمحمد بن أحمد بن الخياط البغدادى المتوفى سنة ٤٩٩ وكتاب الإرشاد فى العشر للواسطى المتوفى سنة ٥٢١ وكتاب الموضح والمفتاح فى القراءات العشر لابن خيرون البغدادى المتوفى سنة ٥٣٩ وكتاب المبهج فى القراءات الثمان لسبط الخياط البغدادى المتوفى سنة ٥٤١ وله كتاب الكفاية فى القراءات الست، وكتاب المصباح فى القراءات العشر لأبى الكرم البغدادى المتوفى سنة ٥٥١ وكتاب الكنز فى القراءات العشر لأبى محمد عبد الله الواسطى المتوفى سنة ٧٤٠ وله كتاب الكفاية وهى قصيدة فى القراءات العشر على وزن القصيدة المشهورة باسم الشاطبية ورويها، وكذلك لمعاصره أبى الحسن على الديوانى الواسطى المتوفى سنة ٧٤٣ قصيدة مماثلة للشاطبية. وكل هذه الكتب عرّف بها ابن الجزرى فى كتابه «النشر (١) فى القراءات العشر» وترجم لأصحابها فى كتابه غاية النهاية فى طبقات القراء.
وإذا انتقلنا إلى التفسير والمفسرين وجدنا العراق تنشط فى التفسير الفقهى والاعتزالى والسنى والشيعى، وقلما عنيت بالتفسير الصوفى، وكأنما تركته لمتصوفة خراسان وإيران من أمثال أبى عبد الرحمن السلمى والقشيرى ومتصوفة الأندلس من أمثال ابن عربى. وقد عنيت مبكرة بالتفسير الفقهى، على نحو ما نرى عند ابن الجصاص (٢) أحمد بن على المتوفى سنة ٣٧٠ فى كتابه أحكام القرآن، وهو مطبوع فى ثلاثة أجزاء بالقاهرة، ومثله كتاب أحكام القرآن للكيا (٣) الهرّاسى المتوفى سنة ٤٥٤ وأصله مثل ابن الجصاص إيرانى، ولكنهما نزلا بغداد، واستقرا فيها أما ابن الجصاص فقد نزلها سنة ٣٢٥ وتلقى بها العلم، ثم أصبح مدرسا للفقه الحنفى وتركها بأخرة إلى نيسابور حيث توفى فيها، وأما الكيا الهراسى فقد درس فى نيسابور وعلم فى إحدى قراها المسماة بيهق، ثم خرج إلى العراق وتولى التدريس فى المدرسة النظامية ببغداد حتى توفى، وكان فى خدمته بها الشاعر الغزّى المشهور. وألفت فى أحكام القرآن كتب أخرى ليس لها شهرة الكتابين السابقين. وقد ذكرنا فى العصر
стр. 2426
العباسى الثانى تفسيرات المعتزلة فى القرن الثالث الهجرى، ويستمر نشاط المعتزلة فى تفسير الذكر الحكيم لهذا العصر وخاصة فى أوائله، ويلقانا فيه تفسير لعلى بن عيسى الرمانى المعتزلى، ومر بنا أنه توفى سنة ٣٨٤ وكان يقول: تفسيرى بستان يجتنى منه ما يشتهى، وقيل للصاحب بن عباد معاصره هلا تصنف تفسيرا؟ فقال: وهل ترك لنا على بن عيسى شيئا (١)، ويقول صاحب النجوم الزاهرة: «له كتاب التفسير الكبير وهو كثير الفوائد إلا أنه صرح فيه بالاعتزال، وسلك الزمخشرى سبيله وزاد عليه» (٢). ومن هذا الاتجاه الاعتزالى كتاب التفسير الكبير لعبد السلام (٣) بن محمد القزوينى نزيل بغداد وشيخ المعتزلة المتوفى سنة ٤٨٨ ويقول السمعانى إنه مزج تفسيره بكلام المعتزلة وبث فيه معتقده وهو فى ثلاثمائة مجلد، منها سبع مجلدات فى سورة الفاتحة، ويقول صاحب النجوم الزاهرة إن الكتاب كان وقفا فى مشهد أبى حنيفة ببغداد. ويبدو أن المعتزلة اكتفوا فيما بعد بتفسير الزمخشرى المسمى بالكشاف، إذ لم ينشطوا بعده للتأليف فى تفسير القرآن.
ويظل التفسير السنى مزدهرا بعد تفسير الطبرى الذى عرضنا له فى العصر العباسى الثانى، ومن التفسيرات السنية المهمة فى العصر تفسير النقاش (٤) البغدادى محمد بن الحسن المتوفى سنة ٣٥٠ كان إمام أهل العراق فى القراءات والتفسير، وقد سمى تفسيره شفاء الصدور، وطوّف من مصر إلى ما وراء النهر فى لقاء المشايخ ولكنهم ضعّفوا أحاديثه، وقالوا إنه ليس بثقة على جلالته ونبله. ولأبى الحسن الماوردى إمام الشافعية فى عصره المتوفى كما مر بنا سنة ٤٥٠ تفسير من أجل التفاسير. ويلقانا تفسير سنى لا يزال مخطوطا بدار الكتب المصرية وهو لأحمد (٥) بن محمد الغزالى أخى الإمام الغزالى مدرس النظامية ببغداد المتوفى سنة ٥٢٠. واشتهر ابن الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ بتفسيره الذى سماه «زاد المسير فى علم التفسير». ومن أصحاب التفاسير السنية الرّسعنى (٦) عبد الرزاق المتوفى سنة ٦٦١ وفيه يقول السيوطى: «صنف تفسيرا حسنا يروى فيه بأسانيده». ومنهم علاء الدين على بن محمد البغدادى صاحب التفسير المعروف بتفسير الخازن (٧) المتوفى سنة ٧٤١، وهو ملئ
стр. 2427
بالإسرائيليات. ومن خير التفاسير السنية تفسير ذاع وشاع منذ تأليفه فى القرن الماضى، وهو كتاب «روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى» لشهاب الدين محمود الألوسى الذى مر ذكره والمتوفى سنة ١٢٧٠ هـ/١٨٥٣ م، وهو يعنى فى تفسيره ببيان أسباب النزول وبتفسير آى القرآن بعضها ببعض، وتفسيرها بالحديث النبوى، ويعنى باللغة ومسائل النحو والبلاغة، وقد اعتمد على كثير من مصادر التفسير فى القديم، وخاصة على الكشاف والبيضاوى والفخر الرازى، وهو يخوض مثل الفخر فى مباحث فلسفية ورياضية وطبيعية كثيرة. وقد عنى عناية واسعة بالرد على الطبرسى الشيعى فى تفسيره، وخاصة فى مسائل الإمامية الاعتقادية. ونراه يعنى بالرد فى مسائل كثيرة على حجج الشافعية، وخاصة تلك التى يثيرها المفسر الشافعى الكبير الفخر الرازى فى تفسيره. ومع أنه كان حنفياّ، والحنفية غالبا كانوا معتزلة أو ماتريدية، نراه فى تفسيره أشعريا، وهو بذلك يلتقى مع الفخر الرازى فى نصرته للمذهب الأشعرى. ويذكر ابن عربى مرارا فى تفسيره، ويتضح تأثره به وبتفاسير الصوفية عامة حين نراه فى كثير من الآيات بعد أن يوضح المراد منها يتغلغل فى معان باطنة لا يدل عليها ظاهرها أى دلالة، ومن الغريب أنه يذكر مرارا أن قصر مراد الله على التأويلات البعيدة كفر صريح ومع ذلك نراه أحيانا يتمادى فيها، وكان حريا أن يخلى تفسيره منها ومن شوائبها إخلاء تامّا.
وقد ذكرنا فى العصر العباسى الثانى للتفسير الشيعى بعض التفاسير التى نسبها الشيعة إلى أئمتهم، مثل تفسير الإمام الحسن العسكرى المتوفى سنة ٢٦٠ وهو الإمام الحادى عشر فى ترتيب الإمامية، وبمجرد اطلاعنا عليه نستبعد أن يكون من صنعه حقا لركاكة أساليبه ولما فيه من تأويلات باطنية بعيدة. ويأتى بعده تفسير القمى (١) على بن إبراهيم المتوفى لأوائل القرن الرابع الهجرى، وهو فى جملته نقول عن أئمة الإمامية وكثير منها يبعد عن ظاهر النص القرآنى ومراده، مما يدل على أن نسبتها إليهم غير صحيحة. وما نصل إلى أواخر القرن الرابع حتى نلتقى بالشريف الرضى المتوفى سنة ٤٠٦ وبتفسيره الذى سماه «حقائق التأويل فى متشابه التنزيل» وقد نشر منه فى بيروت الجزء الخامس، ومن يطلع عليه يجد له فيه عملين كبيرين: أولهما البعد عن التفسير الباطنى الشيعى لآيات الذكر الحكيم، وثانيهما ترك الروايات عن الأئمة والاحتكام إلى العقل، وهو احتكام وصل تفسيره بتفاسير المعتزلة،
стр. 2428
والصلة بين المعتزلة والشيعة الإمامية قديمة ومعروفة، وتتردد فى التفسير أسماء بعض أعلامهم مثل أبى على الجبّائى وعلى بن عيسى الرمّانى والقاضى عبد الجبار. واتجه نفس الوجهة أخوه الشريف المرتضى (١) فى كتابه «الأمالى» إذ نراه فيه يقف إزاء الآيات التى قد يفيد ظاهرها التشبيه على الذات العلية أو الجبر ليؤولها على طريقة المعتزلة، وفى الوقت نفسه لا يروى فيها نقولا عن الأئمة. وبذلك يعدّان للتفسير بالرأى والعقل فى بيئة الإمامية، واستضاء بعملهما فى هذا الاتجاه الطوسى (٢) أبو جعفر محمد بن الحسن تلميذ الشريف المرتضى، وقد توفى سنة ٤٦٠ واشتهر بتفسير للذكر الحكيم سماه «التبيان فى تفسير القرآن» وهو مطبوع بالنجف فى عشرة أجزاء، وقد عنى فى تفسيره بالتقريب بين تفسيرات الشيعة وتفسيرات أهل السنة. إذ روى فى تفسيره عن الصحابة من أمثال أبى بكر الصديق وعمر، وكذلك عن التابعين دون تعصب مذهبى، ووضع بجانبهم ما نقله عن الأئمة فى عقيدته الإمامية، واتخذ تفسير الطبرى السنى هاديا له فى تفسيره، وكما نقل عن كتب الحديث الشيعية مثل الأمالى لابن بابويه القمى وأمالى ابن النعمان المفيد نقل عن كتب الحديث المشهورة لأهل السنة مثل مسند ابن حنبل وكتب الصحاح الستة. وعلى ضوء دراسات الشريفين المرتضى والرضى عنى بالتفسير العقلى وفسح للتأثر بالمعتزلة فى نفى التشبيه عن الذات العلية. وليس معنى ذلك كله أنه تخلص فى تفسيره من عقيدته الإمامية، بل لقد نصرها فى مواطن كثيرة وخاصة عقيدتهم فى الإمام وأنه معصوم وحجة الله فى أرضه وصاحب علم باطنى متوارث إلى غير ذلك من أصول العقيدة الإمامية، وقد تأثر به الطّبرسى فى تفسيره تأثرا واسعا.
وكانت بغداد دارا قديمة للحديث، وظلت شديدة العناية به وبحفّاظه طوال هذا العصر، وأول من نلقاه من أعلامه البزاز محمد (٣) بن عبد الله المتوفى سنة ٣٥٤ وله كتاب العوالى فى الحديث وهى مجموعة يمتاز سندها بقلة رواته، وكان يعاصره الآجرى (٤) أبو بكر محمد بن الحسين المتوفى سنة ٣٦٠ وله كتاب يضم أربعين حديثا مختارة،
стр. 2429
ويخلفهما الدارقطنى (١) على بن عمر المتوفى سنة ٣٨٥ وهو منسوب إلى محلة ببغداد تسمى دار قطن. وله كتاب السنن» وقد نشر قديما فى دلهى، واشتهر الدارقطنى بأنه تعقب فى كتابه الاستدراكات وجوه الضعف فى بعض أحاديث رواها الشيخان: البخارى ومسلم، وله كتاب فى الضعفاء والمتروكين من الرواة «وكتاب فى العلل، وآخر فى غريب الحديث.
وكان يعاصره الكلاباذى (٢) أحمد بن محمد المتوفى سنة ٣٩٨ وله كتاب فى رجال البخارى، وجاء بعده اللالكائى (٣) هبة الله بن الحسن محدث بغداد المتوفى سنة ٤١٨ وله كتاب فى رجال الصحيحين وكتاب فى السنن، وكان يعاصره البرقانى (٤) أحمد بن محمد شيخ بغداد المتوفى سنة ٤٢٥ وله مصنفات مختلفة فى الحديث، منها مسند ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخارى ومسلم. ثم يلقانا الخطيب (٥) البغدادى أحمد بن على بن ثابت المتوفى سنة ٤٦٣ وكان فى وقته حافظ المشرق الذى لا يدافع، وله مصنفات كثيرة فى الحديث ورجاله، ومن أطرف ما له كتاب تقييد العلم، وفيه يتحدث عن تدوين الحديث وأوائل من دونوه. وكان يعاصره ابن ماكولا (٦) المتوفى سنة ٤٧٥ وهو صاحب الإكمال تتبع فيه الألفاظ المشتبهة فى أسماء رواة الحديث، يقول ابن خلكان: هو فى غاية الإفادة فى رفع الالتباس والضبط والتقييد وعليه اعتماد المحدثين وأرباب هذا الشأن فإنه لم يوضع مثله ولقد أحسن فيه غاية الإحسان. ومن محدّثى القرن السادس ابن الجوزى عبد الرحمن ابن على المتوفى سنة ٥٩٧، وله عدة مصنفات فى الحديث من أهمها كتابه «الموضوعات» فى أربعة أجزاء ذكر فيه الأحاديث الموضوعة. وكان يعاصره مجد الدين المبارك بن محمد المعروف بابن (٧) الأثير الجزرى الموصلى المتوفى سنة ٦٠٦ وله جامع الأصول فى أحاديث الرسول جمع فيه بين الصحاح الستة، وله أيضا كتاب النهاية فى
стр. 2430
غريب الحديث. وجاء بعده ابن نقطة (١) محمد بن عبد الغنى الحنبلى المتوفى سنة ٦٢٩ وله ذيل على الإكمال لابن ماكولا فى مجلدين، وله كتاب التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد.
وكان يعاصره ابن الدّبيثى وابن النجار وسنعرض لهما فى حديثنا عن علم التاريخ. وجاء بعدهما من كبار الحفاظ ابن الفوطىّ المتوفى سنة ٧٢٣ وسنذكره معهما. وجاء بعده صفى الدين الحسين (٢) بن بدران مدرس الحديث بالمستنصرية المتوفى سنة ٧٤٩ وخلفه الكرمانى شمس الدين محمد بن يوسف المتوفى سنة ٧٨٦ وله الكواكب الدرارى فى شرح صحيح البخارى، وهو مطبوع بالقاهرة. وتلاه ابنه تقى الدين (٣) يحيى البغدادى المتوفى سنة ٨٣٣ وله شرح على صحيحى البخارى ومسلم.
وحتى الآن لم نعرض لكتب الحديث عند الشيعة الإمامية، ومن أهمها عندهم كتاب الأمالى لابن بابويه القمى المتوفى سنة ٣٨١ ولا يقل عنه أهمية كتاب الأمالى للمفيد (٤) محمد بن محمد بن النعمان المتوفى سنة ٤١٣ وهو أستاذ الطوسى المفسر الذى مر ذكره، وأماليه مطبوعة بالنجف، وهى تشتمل على اثنين وأربعين مجلسا تقتصر على أحاديث مروية عن الرسول ﷺ وآل بيته. وللطوسى كتب مختلفة فى الحديث مطبوعة بالنجف وأهمها الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، وهو من الكتب الأربعة الأساسية فى العقيدة الإمامية. ودائما كتب الشيعة الإمامية فى العقيدة مشحونة بالأحاديث، وظل ذلك طوال هذا العصر على نحو ما نجد عند المطهر (٥) الحلى الحسين بن يوسف المتوفى سنة ٧٢٦ وكان رأس الشيعة الإمامية الاثنى عشرية بالحلّة، ولازم النصير الطوسى مدة واشتغل فى العلوم العقلية-كما يقول ابن حجر-فمهر فيها، وله مصنفات كثيرة فى الإمامة والشريعة، ردّ عليه فيها ابن تيمية وأظهر-كما يقول ابن حجر-أن كثيرا من الأحاديث عنده غير صحيحة.
وكما كانت بغداد دارا للحديث وحفاظه كانت أيضا دارا للفقه والفقهاء، وأول مذهب فقهى نقف عنده مذهب أبى حنيفة، ولعل أول فقيه حنفى جدير بالوقوف عنده فى هذا العصر القدورى (٦) أحمد بن محمد المتوفى سنة ٤٢٨ وله مختصر مشهور فى الفقه الحنفى لا يزال
стр. 2431
يدرس إلى اليوم وقد طبع طبقات مختلفة واهتم به العلماء الأحناف بعده وصنعوا له شروحا مطولة وموجزة. وكان يعاصره أبو زيد الدبوسى (١) عبد الله بن عمر المتوفى سنة:
٤٣٠ وله تأسيس النظر فى الخلاف، وهو مطبوع فى القاهرة، ويقال إنه أول من أسس علم الخلاف بين الفقهاء ومذاهبهم المتقابلة. ومنذ أبى يوسف فى عهد الرشيد وعنايته بأن يجعل على القضاء فقهاء الأحناف فى بغداد وغيرها نشط الفقه الحنفى فى العراق، وكان مما ساعد على ذلك المدرسة التى بناها المستوفى الخوارزمى فى عهد السلطان ملكشاه السلجوقى للحنفية (٢) عند مشهد الإمام أبى حنيفة. وحين بنى المستنصر مدرسته المستنصرية-كما مر بنا-جعل لكل مذهب من المذاهب الأربعة: الحنفى والمالكى والشافعى والحنبلى إيوانا فيه المسجد وموضع التدريس. وبذلك ظل لفقهاء الحنفية نشاطهم. ومنهم مظفر (٣) الدين بن الساعاتى المدرس بالمستنصرية المتوفى ببغداد سنة ٦٩٦ وله كتاب مجمع البحرين شرحه فى مجلدين. ومنهم أبو البركات (٤) النسفى، المتوفى سنة ٧٠١ وله مصفات مختلفة فى الفقه الحنفى، من أهمها الكنز وله شهرة كبيرة فى تدريس المذهب، وعليه شروح كثيرة ونلتقى منذ هذا التاريخ بشروح ومتون مختلفة فى الفقه الحنفى.
وكان البغداديون أقل عناية بالفقه المالكى، وأكثر من كانوا يعتنقون هذا المذهب وفدوا على بغداد، ومع ذلك نجد من حين إلى حين فقيها مالكيا كبيرا بغداديا أو عراقيا مثل الباقلانى المتوفى سنة ٤٠٣ وكان شيخه ابن مجاهد محمد بن أحمد الطائى مالكيا مثله (٥).
وممن وفدوا على العراق أبو العباس المالكى أحمد (٦) بن محمد المتوفى سنة ٥٠٧. وكانت حلقة المذهب فى المدرسة المستنصرية كما ذكرنا آنفا سببا فى أن يظل حيّا بالعراق، ويظل له شيوخه وفقهاؤه.
وكان الفقه الشافعى أكثر نشاطا من فقه المذهبين المالكى والحنفى، ومن أهم فقهائه أبو (٧) حامد المرورّوذى أستاذ أبى حيان التوحيدى، وعنه حمل المذهب فقهاء البصرة، وقد توفى سنة ٣٦٢ ويلقانا بعده فى بغداد أبو حامد الإسفراينى (٨) المتوفى سنة ٤٠٦ وله فى
стр. 2432
المذهب التعليقة الكبرى، وكان يحضر مجلسه ثلاثمائة فقيه. ومن نابهى فقهاء المذهب ببغداد المحاملى (١) الضّبّى المتوفى سنة ٤١٥ وله كتاب اللباب فى الفقه الشافعى واختصره أبو زرعة العراقى المتوفى سنة ٨٢٦ واختصر هذا المختصر شيخ الإسلام المصرى زكريا الأنصارى المتوفى سنة ٩٢٦. ومر بنا حديث عن الماوردى المتوفى سنة ٤٥٠ وكتابه الأحكام السلطانية، وقد درّس المذهب فى البصرة وبغداد، وله فى الفقه كتابان هما الحاوى والإقناع ونشر له فى العراق كتاب أدب القاضى فى مجلدين، وقد ذكرنا له كتابا فى التفسير. ويزدهر المذهب الشافعى فى العراق منذ تأسيس نظام الملك لمدرسته النظامية ببغداد سنة ٤٥٨ وأسس لها أختين فى البصرة والموصل، ووقف عليها جميعا أوقافا كثيرة، وجعل التدريس فيها خاصا بفقهاء الشافعية لا فى الفقه وحده بل فى مختلف العلوم، وقد أسند تدريس المذهب فى نظامية بغداد لأبى إسحق الشيرازى أحد أئمته المشهورين، ويظل يتداول وظائفها كبار الفقهاء فى المذهب، مما أحدث فيه ازدهارا حقيقيا لا فى بغداد وحدها بل أيضا فى البصرة والموصل، ويعنى السبكى فى طبقاته بالترجمة لأعلام الشافعية فى العراق وإحصاء مصنفاتهم ولن نستطيع أن نتابعه، ونكتفى بأن نذكر من بين من ترجم لهم الشّهرزورى (٢) قاضى القضاة محمد بن محمد المدرس بنظامية الموصل المتوفى سنة ٥٨٦ وابن فضلان (٣) محمد بن واثق مدرس المستنصرية المتوفى سنة ٦٣١ وابن يونس (٤) الموصلى عبد الرحيم ابن محمد المتوفى سنة ٦٧١، وله التعجيز: مختصر الوجيز والنبيه فى اختصار التنبيه ومختصر المحصول فى أصول الفقه، ويقول السبكى: «كان آية فى القدرة على الاختصار، ومن أحسن مختصراته فى الفقه كتاب سماه «نهاية النفاسة» قلّ أن رأيت مثله فى عذوبة منطقه وكثرة المعنى وصغر الحجم، وسأله الحنفية أن يختصر لهم مختصر القدورى» أو موجزه فاختصره اختصارا حسنا. وعلى هذا النحو ظل الفقه الشافعى ناشطا فى العراق بفضل مدارسه وفقهائه. وكان للمدرستين النظامية والمستنصرية فى ذلك حظ موفور.
ولعل المذهب الحنبلى كان أكثر المذاهب الفقهية أشياعا وأنصارا فى بغداد، منذ التف الناس حول مؤسسه أحمد بن حنبل، وقد جعل موقفه من الدولة فى إنكار الفكرة القائلة
стр. 2433
بأن القرآن مخلوق زعيما شعبيا، وكان ذلك من أسباب ازدهار مذهبه طوال هذا العصر، ويكفى أن نمثّل بطائفة من فقهائه، وممن يلقانا منهم فى مطالع العصر ابن (١) بطة عبيد الله بن محمد العكبرى المتوفى سنة ٣٨٧ وله كتاب الإبانة بأصول الديانة، وهو شرح لعقيدة ابن حنبل السنية. ومن نابهيهم فى القرن الخامس الشريف أبو (٢) جعفر المتوفى سنة ٤٧٠ كان إمام الحنابلة فى عصره، وله رءوس المسائل وشرح المذهب، وجزء فى أدب الفقه. ومنهم فى القرن السادس أبو الخطاب محفوظ (٣) الكلواذانى المتوفى سنة ٥١٠ أحد أئمة المذهب ومن تصانيفه الهداية فى الفقه والخلاف الكبير المسمى بالانتصار فى المسائل الكبار، والخلاف الصغير المسمى برءوس المسائل، وكان يعاصره يحيى (٤) بن منده المتوفى سنة ٥١٢ صنّف مناقب الإمام أحمد بن حنبل فى مجلد كبير، وكان يعاصرهما أبو (٥) الوفاء ابن عقيل، المتوفى أيضا سنة ٥١٢، وله فى الفقه الحنبلى كتاب الفصول ويسمى كفاية المفتى، فى عشرة مجلدات وكتاب عمدة الأدلة، وأكبر كتبه كتاب الفنون وهو كبير جدّا، يقال إنه كان فى مائتى مجلد، وهو فى الوعظ والتفسير والفقه والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه، وقال الحافظ الذهبى فى تاريخه: لم يصنّف فى الدنيا أكبر من هذا الكتاب. وكان يعاصره ابن أبى يعلى الفرّاء (٦) المتوفى سنة ٥٢٦ وله تصانيف كثيرة فى الفقه والأصول، منها المجموع فى الفقه، ورءوس المسائل، والمفردات فى الفقه، وأيضا المفردات والأصول، منها المجموع فى الفقه، ورءوس المسائل، والمفردات فى الفقه، وأيضا المفردات فى أصول الفقه. ونلتقى فى أواخر القرن السادس بعلم حنبلى كبير هو ابن الجوزى. وظل الفقه الحنبلى مزدهرا فى العراق طوال العصر، ومن فقهائه ابن (٧) البرزالى الحنبلى المدرس بالمستنصرية المتوفى سنة ٧٣٤ وكان يعاصره صفى (٨) الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادى المتوفى سنة ٧٣٩ ودرس معه فى المستنصرية، وممن درسوا فيها ابن العاقولى (٩) محمد بن محمد المتوفى سنة ٧٩٧. وبجانب هذه المدرسة كان
стр. 2434
كثير من الحنابلة يدرسون فى جامع المنصور وفى بعض مدارس بغداد المتفرقة.
وكان مذهب داود الظاهرى فى الفقه الذى تحدثنا عنه فى العصر العباسى الثانى لا يزال له أنصار فى القرنين الأولين من هذا العصر، وهو مذهب كان ينكر القياس والرأى فى الفقه، وتبعه كثيرون فى المائتين الرابعة والخامسة فى الأندلس، إذ عمل هناك ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ على إذاعته، وألف كتبا كثيرة لنصرته، ونجد أحد تلاميذه وهو الحميدى (١) محمد بن فتوح المتوفى سنة ٤٩١ يستوطن بغداد منذ أواسط القرن الخامس وفيها أذاع كثيرا مما كان يحمله عن أستاذه ابن حزم. ولا نزال نسمع فى العراق وبغداد عن أتباع المذهب الظاهرى حتى أوائل القرن السابع الهجرى، إذ نجد من معتنقيه أبا سليمان (٢) الداودى الضرير المتوفى سنة ٦١٥. وكان الطبرى مفسر القرآن العظيم قد اتخذ لنفسه مذهبا فقهيا يقوم على الاجتهاد، ولكن مذهبه لم ينجح نجاح المذهب الظاهرى، ومع ذلك نجد من أتباعه فى أواخر القرن الرابع الهجرى المعافى (٣) بن زكريا النهروانى المتوفى سنة ٣٩٠ وهو من قضاة بغداد، ويقول ابن خلكان فى ترجمته: إنه كان للطبرى أتباع وأخذ بمذهبه جماعة، منهم المعافى المذكور. وعلى كل حال لم يعش هذا المذهب الفقهى طويلا، وعاش مدة أطول منه المذهب الظاهرى فى بغداد، غير أننا لا نعود نسمع به بعد إنشاء المدرسة المستنصرية، إذ كانت العناية فيها فقط بالمذاهب الفقهية الأربعة: مذاهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل.
وكان الفقه الشيعى يقابل كل هذه المذاهب، وكان هناك فقهان: فقه الزيدية وفقه الإمامية، وكانت الكوفة مركز الفقه الأول فى القرن الرابع الهجرى، وانقسم فقهاؤها إلى أربعة مذاهب على نحو ما يوضح ذلك كتاب الجامع (٤) الكافى فى فقه الزيدية لأبى عبد الله محمد بن على الحسنى المتوفى سنة ٤٤٥. ويبدو أن نشاط الفقه الزيدى هناك توقف منذ القرن الخامس، إذ استغرق الكوفة وبغداد المذهب الإمامى عند الشيعة، وكأن نشاط الفقه الزيدى انسحب إلى اليمن: أما الفقه الإمامى فيأخذ فى النشاط طوال العصر، منذ ألف الكلينى (٥) الرازى محمد بن يعقوب كتابه الكافى فى علم الدين، وقد توفى ببغداد
стр. 2435
سنة ٣٢٨ وكتابه أحد الكتب الأربعة الأساسية عند الشيعة الإمامية. وهو يتناول فيه عقيدة الإمامية وأسسها وبه أكثر من ستة عشر ألف حديث. وجاء بعده ابن (١) بابويه القمى نزيل بغداد الذى ذكرناه فى غير هذا الموضع وله كتاب من لا يحضره الفقيه فى تطبيق أحكام الفقه، وهو من الكتب الأربعة الأساسية عند الشيعة الإمامية، وهو مطبوع، وللشيخ المفيد الرسالة المقنعة فى أسس التشريع، وهى مطبوعة مع شرح لتلميذه الطوسى فى تبريز، وللطوسى كما مر بنا فى الحديث كتاب الاستبصار، وهو كتاب فقهى ويعتمدون عليه اعتمادا كليا فى استنباط الأحكام الشرعية، وله أيضا كتاب تهذيب الأحكام، وهو أيضا من المصادر الأربعة الأساسية عند الإمامية، وأحاديثه مرتبة على أبواب الفقه الأساسية. ومن كتبه فى الفقه «المبسوط» وهو مطبوع بإيران، وكتاب النهاية فى مجرد الفقه والفتاوى، وهو مطبوع، وقد اتخذه الشيعة الإمامية محورا لدراساتهم الفقهية منذ عصره، وله فى العبادات كتاب مصباح المتهجد جعله فى عشرة أبواب، وزاد عليه فى القرن الثامن المطهر الحلى المار ذكره بابا سماه الباب الحادى عشر، جعله مكملا له، والكتاب مطبوع ومعه شرح للمقداد بن عبد الله الحلبى.
ومرّ بنا فى العصر العباسى الثانى حديث مفصل عن الاعتزال وأئمته وانبثاق مذهب الأشعرى منه مع بيان وجوه الخلاف بينه وبين المعتزلة ووجوه الصلة بينه وبين أهل السنة، وقد طار مذهبه فى هذا العصر كل مطار، فكان الشافعية فى خراسان وبغداد وأكثر بلدان العالم الإسلامى يعتنقونه طوال العصر. وبالمثل اعتنقه المالكية حتى قيل إنهم أخص الفقهاء به. واعتنقه أكثر الحنفية فى بغداد، أما فى خراسان فقد اعتنقت كثرتهم العقيدة الماتريدية لمحمد بن محمد الماتريدى السمرقندى المتوفى سنة ٣٣٣ وهو يقترب فى عقيدته اقترابا شديدا من الأشعرى معاصره، وكل ما يمكن أن يقال إنه أخذ بفكرة الاختيار فى خلق الناس لأفعالهم، بينما كان الأشعرى يقول-كما مر بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى-إن أفعال الإنسان لله خلقا وصنعا وللإنسان كسبا وإرادة، فهو يريدها والله يختلقها فيه. ولم يكن ذلك معارضة شديدة لمذهب الأشعرى فإن بعض الأشاعرة ممن جاءوا بعد أوشكوا أن يأخذوا برأى الماتريدى، ومن المؤكد أن عقيدته سنية كعقيدة الأشعرى. ويروى السبكى أن فضلاء الحنابلة كانوا أشاعرة، إلا من جنح منهم إلى تشبيه (٢) أخذا
стр. 2436
بظاهر القرآن. ومعنى ذلك أن مذهب الاعتزال أخذ يتضاءل خاصة بعد القرن الرابع الهجرى، حقا نسمع من حين إلى حين ببعض المعتزلة مثل الزمخشرى ولكن كثرة الفقهاء والعلماء انضوت تحت راية الأشعرى. ومن كبار الأشعرية فى القرن الرابع أبو بكر الباقلانى (١) محمد بن الطيب البصرى المتوفى سنة ٤٠٣ يقول ابن خلكان: كان على مذهب أبى الحسن الأشعرى ومؤيدا اعتقاده وناصرا طريقته سكن بغداد وتولى بها القضاء وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة فى علم الكلام، انتهت إليه الرياسة فى مذهبه، وكان كثير التطويل فى المناظرة والجدل قوى الحجة والبرهنة على آرائه (٢)، ومن مصنفاته فى عقيدته البيان والتمهيد فى الرد على الملحدين وأضرابهم، وهو منشور ومثله كتابه الاستبصار، وخالف الأشعرى فى مسائل، منها ما ذهب إليه الأشعرى من أن الكافر لا تسبغ عليه نعمة، إذ كل ما يتقلب فيه استدراج، وكان أبو حنيفة يذهب إلى أن النعمة تسبغ عليه ووافقه الباقلانى (٣). وكان الأشعرى كما مر بنا آنفا ينفى الاختيار عن أعمال الإنسان ويجعله كسبا، بينما كان الماتريدى يجعله اختيارا، ويفهم من كلام الباقلانى أنه يأخذ برأى الماتريدى أو يتقدم نحوه خطوة، ويقول السبكى: «ولإمام الحرمين والغزالى فى ذلك مذهب يزيد على مذهب الباقلانى والأشعرى ويدنو كل الدنو من الاعتزال» أو بعبارة أدق من رأى الماتريدى (٤). وعلى ضوء ما ذهب إليه أبو الحسن الأشعرى من أنه لابد من اقتران الأدلة العقلية بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة كان الباقلانى ينكر على بعض الفقهاء الشافعية من الأشعرية قولهم بأنه: «يجب شكر المنعم عقلا» (٥) إذ كان ينبغى أن يقولوا: يجب شكر المنعم عقلا وشرعا. ويكثر علماء العقيدة الأشعرية فى القرن الخامس وما بعده، ويكفى أن نعد منهم أبا حامد الإسفراينى وإمام الحرمين الجوينى والقشيرى والغزالى، وعدّ منهم السبكى فى ترجمته للأشعرى خمس طبقات، وكل طبقة تكتظ بأئمة العقيدة وأعلامها فى الوطن الإسلامى (٦). وألف أهل السنة من الحنابلة كتبا كثيرة فى
стр. 2437
عقيدتهم السنية، وهى منبثة فى تراجم فقهائهم مثل كتاب عمدة الأدلة لأبى الوفاء بن عقيل وله أيضا كتاب الإرشاد فى أصول الدين والانتصار لأهل الحديث ونفى التشبيه، ومرّ بنا بين فقهاء الحنابلة ابن أبى يعلى الفراء، وله إيضاح الأدلة فى الرد على الفرق الضالة المضلة، وشرف الاتباع وسرف الابتداع.
وكان للشيعة مباحثهم فى العقيدة وعلم الكلام، وكتبهم الأساسية التى يعدونها أصول عقيدتهم الإمامية هى-كما أسلفنا-كتاب الكافى فى علم الدين للكلينى وكتاب من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمى وكتابا الاستبصار وتهذيب الأحكام للطوسى.
٥ - التاريخ
ظلت كتابة التاريخ ناشطة فى بغداد على نحو ما رأينا فى العصرين: العباسى الأول والعباسى الثانى، وقد مضت تتناول التاريخ العام أو التاريخ الخاص أو تاريخ المدن أو تاريخ الرجال فى الحديث أو الأعيان عامة أو العلماء من كل صنف أو الشعراء أو الأدباء أو سير رجال بذاتهم. وكتب التاريخ العام منها ما هو ذيل على كتب سابقة، ومنها ما هو مستقل ويشتهر فى أوائل العصر كتاب تجارب الأمم لابن مسكويه وهو تاريخ عام، وسنقف عنده فى حديثنا فى الفصل الأخير من هذا القسم ويشتهر أبو (١) شجاع وزير الخليفة المقتدى المتوفى سنة ٤٨٨ بذيل له على هذا الكتاب وهو مطبوع. ويلقانا فى القرن السادس كتاب المنتظم فى تاريخ الأمم لابن (٢) الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ وهو تاريخ عام يبتدئ بأول الخليقة حتى آخر أيام المستضئ بالله العباسى، وهو مرتب على السنوات مثل الطبرى، وعادة يذكر فى كل سنة أحداثها ثم من قضى نحبه فيها مرتبين على حروف الهجاء، وهو يعنى خاصة ببغداد وأخبارها، مما يتيح لتصور تاريخها السياسى والاجتماعى تصورا بيّنا. وجاء بعده كتاب الكامل فى التاريخ لعز (٣) الدين بن الأثير على
стр. 2438
ابن محمد المتوفى سنة ٦٣٠ وهو أنفس كتاب فى التاريخ الإسلامى حتى سنة ٦٢٨ وهو مرتب على السنوات، وقدم له بتمهيد طويل عن تاريخ الفرس والروم وعرب الجاهلية، وتحدث حديثا مسهبا عن أيام العرب القديمة ووقائعهم قبل الإسلام. وجرّده من السند، ودعاه ذلك إلى أن يقرأ روايات الخبر الواحد فى تاريخ الطبرى ويقارن بينها ويستخلص الحقيقة التاريخية منها استخلاصا رائعا. ومضى بحسّه التاريخى الدقيق يعرض أحداث التاريخ إلى منتهى الكتاب، وبذلك أدّى خدمة جليلة للتاريخ الإسلامى، بل خدمة رائعة.
وله كتاب تاريخ دولة أتابكة الموصل وهو مطبوع. وخلفه سبط (١) ابن الجوزى المتوفى سنة ٦٥٤ صاحب كتاب «مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان» وهو كتاب ضخم كان يقع فى أربعين مجلدا، واشتهر بذكره لمناكير الأخبار، ويقول الذهبى إنه يترفض فى تاريخه وقد نشر منه بحيدر آباد قسمان من الجزء الثامن طبعا بمطبعة دائرة المعارف العثمانية.
ومن كتب التاريخ العام تاريخ مختصر الدول لابن العبرى (٢) المتوفى سنة ٦٨٥ كتبه بالسريانية ثم ترجمه إلى العربية وهو مطبوع بالمطبعة الكاثوليكية ببيروت. ومن هذه الكتب كتاب الفخرى فى الآداب السلطانية والدول الإسلامية لابن الطقطقى (٣) المتوفى سنة ٧٠٩ وقد سماه الفخرى نسبة إلى لقبه، جعل له مقدمة فى السياسة والسلطان، ثم أخذ يتابع تاريخ الدولة الإسلامية حتى غزو التتار لبغداد، ويعنى فيه عناية خاصة بوزراء كل خليفة وهو مطبوع مرارا.
وبجانب هذه الكتب التاريخية العامة نلتقى فى أواسط القرن الرابع الهجرى بكتاب التاجى فى تاريخ الدولة البويهية، وقد بنى على السجع، وبذلك سنّ مؤلفه أبو إسحق الصابئ المتوفى سنة ٣٨٤ لبعض المؤرخين سنة سيئة أن يهتموا بتنميق العبارات لا بالتحليل التاريخى كما صنع معاصره ابن مسكويه. ويصنف بعده العماد الأصبهانى كتابا فى تاريخ السلاجقة يسميه نصرة الفطرة وسنترجم له فى مصر. ويعنى ابن الساعى المار ذكره المتوفى سنة ٦٧٤ بكتابة تاريخ الدولة العباسية ويؤلف فى ذلك تاريخا جامعا ثم يجعل له ملخصا باسم الجامع المختصر وقد نشر له الدكتور مصطفى جواد ببغداد الجزء التاسع من هذا الجامع المختصر، ونشر له بدار المعارف بالقاهرة كتابه «نساء الخلفاء» ويمكن أن نلحق بهذه
стр. 2439
الكتب الخاصة بالتاريخ السياسى كتاب الوزراء لهلال (١) بن المحسن الصابئ المتوفى سنة ٤٤٨ وقد طبعت منه قطعة فى مجلد كبير خاصة بوزارة المقتدر، وهى حافلة بالأخبار السياسية والأجتماعية والاقتصادية. وأيضا يمكن أن نلحق بكتب التاريخ السياسى ترجمة بهاء (٢) الدين ابن شداد لصلاح الدين بطل حطّين وقد سماها النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، وهو موصلى تعلم فى بغداد وعين معيدا بها فى المدرسة النظامية، ثم تركها إلى نظامية الموصل، والتحق بخدمة صلاح الدين، وظل يتولى القضاء فى بعض مدن الشام حتى توفى سنة ٦٣٢. وعلى غرار سيرته صنع بعض المؤرخين العراقيين سيرة للخليفة الناصر معاصر صلاح الدين.
وعنى بعض المؤرخين بتاريخ المدن، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادى السابق ذكره والمتوفى سنة ٤٦٣ تحفة نفيسة، وقد جعل مقدمتها فى مجلد يشتمل على اسم بغداد وتاريخ بنائها وأحيائها الغربية والشرقية وقصورها ومساجدها وكل ما يتصل بها وأفرد بعد ذلك ثلاثة عشر جزءا لكل من عاش فيها من الأعيان والعلماء والأدباء. كتاب لا نظير له بين كتب التاريخ الخاصة بالمدن. ولابن النجار (٣) المؤرخ المتوفى سنة ٦٤٣ ذيل عليه فى ٣٠ مجلدا واختصره ابن الدمياطى باسم المستفاد من ذيل تاريخ بغداد وفى دار الكتب المصرية نسخة من هذا الذيل بخط مؤلفه. ويذكر ابن خلكان أن لابن (٤) الدّبيثى المتوفى سنة ٦٣٧ تاريخا لمدينة واسط، وأهم من ذلك أن له ذيلا على تاريخ بغداد للسمعانى ترجم فيه للمتوفّين ببغداد بعد سنة ٥٥٠ إلى أيامه. وللذهبى انتقاء من هذا الذيل باسم المختصر المحتاج إليه من تاريخ الحافظ ابن الدبيثى نشر منه الدكتور مصطفى جواد جزءين ببغداد. ولابن المستوفى المبارك بن أحمد المار ذكره بين شراح المتنبى تاريخ إربل.
وتلقانا كتب مختلفة للصحابة ورجال الحديث، من أهمها أسد الغابة فى معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير الجزرى المار ذكّره، وهو معجم أبجدى لتراجمهم، وهو مطبوع فى خمسة مجلدات. وله كتاب اللباب مختصر كتاب الأنساب للسمعانى وهو مطبوع. وألف الدارقطنى كتابا سماه «المختلف والمؤتلف» وقد جمع بينه الخطيب البغدادى
стр. 2440
وبين مشتبه النسبة لعبد الغنى بن سعيد، وزاد عليهما وسمى كتابه «المؤتنف تكملة المختلف».
ثم جاء بعده أبو نصر بن ماكولا-كما مر بنا-وزاد على هذا الكتاب زيادات فى كتاب مستقل سماه الإكمال، ومر بنا مديح ابن خلكان له وثناؤه عليه وأن ابن نقطة جعل له ذيلا لم يقصّر فيه. ولابن النجار كتب مختلفة فى الرجال، منها: المؤتلف والمختلف؛ والمتفق والمفترق فى نسبة المحدثين إلى الآباء والبلدان وكتاب جنّة الناظرين فى معرفة التابعين.
وللزين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ ذيل طويل على الذهبى فى الرجال.
وهناك كتب كثيرة وضعت فى تراجم العلماء والأدباء من كل صنف. ومن الكتب الجامعة لكل فروع الحركة العلمية والأدبية والفلسفية والمأثورات المترجمة عن الهند والفرس واليونان كتاب الفهرست لابن النديم وسبق أن تحدثنا عنه فى غير هذا الموضع، ونتحدث الآن عن كتب التراجم العلمية والأدبية ونبدأ بما وضع فى الفقهاء بعامة مثل كتاب أبى إسحق الشيرازى أول المدرسين فى نظامية بغداد المتوفى سنة ٤٧٦ وقد ضم فى كتابه إلى فقهاء المذاهب الأربعة فقهاء المذهب الظاهرى. وأول من وضع كتابا فى طبقات الشافعية أبو حفص عمر المطوعى المتوفى سنة ٤٤٠ سماه «المذهب فى فقهاء المذهب»، ووضع فيهم أبو النجيب السهروردى البغدادى المتوفى سنة ٦٣٢ مختصرا، ثم ألف فيهم إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن باطيش (١) الموصلى المتوفى سنة ٦٥٥ وهو أحد مصادر السبكى فى طبقات الشافعية. واهتم الحنابلة بالكتابة فى تراجم فقهائهم، من ذلك كتاب طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى الفراء الذى مرّ ذكره، ووضع له ابن رجب (٢) البغدادى ذيلا طويلا فى مجلدين، وقد توفى سنة ٧٩٥. وعنى الشيعة بالكتابة فى رجالهم، وكتاب الرجال للنجاشى أحمد بن على المتوفى سنة ٤٥٠ مشهور وهو مطبوع.
ووضع أحمد بن بختيار الواسطى المتوفى سنة ٥٥٢ كتابا (٣) فى القضاة. ومما وضع فى اللغويين والنحاة كتاب أخبار النحويين البصريين للسيرافى وكتاب نزهة الألباء لابن الأنبارى وهما منشوران. ومن كتب التراجم المبكرة كتاب صوان الحكمة لأبى سلمان المنطقى السجستانى المار ذكره وهو فى تاريخ الأطباء والفلاسفة وقد نشر منتخب له فى طهران حققه الدكتور عبد الرحمن بدوى، وهو موزع على قسمين: قسم خاص بفلاسفة اليونان وأطبائهم وقسم خاص بالمشتغلين بالفلسفة فى الإسلام، وهو كتاب نفيس.
ووضعت فى الشعر والشعراء كتب كثيرة منها كتاب المختلف والمؤتلف فى أسماء الشعراء
стр. 2441
للآمدى المارّ ذكره، وكتاب معجم الشعراء للمرزبانى معاصره صاحب كتاب الموشح، وقد نشرت منه قطعة، ووضع أبو المعالى (١) الحظيرى المتوفى سنة ٥٦٨ كتابا فى الشعراء على غرار دمية القصر للباخرزى ويتيمة الدهر للثعالبى سماه زينة الدهر وعصرة أهل العصر فى ذكر لطائف الشعراء، ووضع بعده العماد الأصبهانى دائرة معارف كبرى فى شعراء العالم العربى سماها خريدة القصر وجريدة العصر». ويشتهر ابن الجوزى بكتابه فى الصوفية «صفة الصفوة» وهو مطبوع فى أربع مجلدات وله كتاب فى الأذكياء وكتاب فى الظرفاء وكتاب فى أخبار المغفلين. ولياقوت الحموى البغدادى المار ذكره كتاب معجم الأدباء وهو مطبوع فى عشرين جزءا ذكر فيه أخبار اللغويين والنحويين والقراء والمؤرخين والكتاب والمؤلفين ولابن الشعار (٢) الموصلى المتوفى سنة ٦٥٤ كتاب فى شعراء القرن السابع سماه «عقود الجمان فى شعراء الزمان. ولابن الفوطىّ المار ذكره (٣) المتوفى سنة ٧٢٣ كتاب الدرر الناصعة فى شعراء المائة السابعة، وله معجم رتّبه حسب الألقاب، نشر منه مصطفى جواد الجزء الرابع الأقسام (١ - ٤) ونشر القاسمى فى لاهور الجزء الخامس. واشتهر ابن (٤) خلكان الموصلى المتوفى سنة ٦٨١ بكتابه «وفيات الأعيان» وهو غاية فى الدقة والتحرى.
стр. 2442
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
١ - كثرة الشعراء
ظلت موجة الشعر التى مرت بنا فى العصرين العباسى الأول والثانى حادة طوال القرن الرابع الهجرى، بل لعلها ازدادت حدة، ويكفى للدلالة على ذلك أن يبزغ فى مستهله المتنبى وفى أواخره الشريف الرضى ومهيار، غير شعراء كثيرين، فتح لهم الثعالبى فى كتابه اليتيمة ثم فى تتمة اليتيمة الفصول تلو الفصول، وقد بلغ عددهم فى العراق عنده أكثر من سبعين شاعرا مما يصور ازدهار الشعر حينئذ، وهو ازدهار هيأت له عوامل مختلفة، من رعاية الخلفاء وأمراء بنى بويه ولاتهم ووزرائهم للشعراء، فقد أغدقوا عليهم المكافآت والجوائز، وليس ذلك فحسب. فقد استقبلوهم فى مجالسهم وحولوها أو حولها بعضهم مثل عضد الدولة البويهى إلى نواد أدبية.
وربما كان الجيل الأول من البويهيين لا يحسن العربية، فقد روى أن معزّ الدولة أول حاكم منهم لبغداد حين دخلها احتاج إلى من يترجم له كلام الوزير على بن عيسى (١)، غير أن الجيل التالى له أكبّ على الثقافة العربية والتمرين على نظم الشعر، حتى لنجد صاحب اليتيمة يسلك فى الشعراء ابنه بختيار، غير أمراء آخرين من بيته (٢). وكان وزراء بنى بويه يتنافسون فى جذب الأدباء والشعراء إليهم، حتى غدت مجالسهم نوادى شعرية حقيقية، وأول من اشتهر بذلك من وزرائهم فى العراق المهلبى وزير معز الدولة، وكان غيثا مدرارا للشعراء، فأكبّوا على مجالسه يمدحونه، ويفيض كتاب اليتيمة بمدائحه. وكان لا يقل عنه رعاية للشعراء سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، وقد عقد صاحب اليتيمة لمدّاحه بابا مستقلا عرض فيه خمس عشرة مدحة لنابهيهم (٣). وكان يرعى
стр. 2443
الشعراء بجانب ذلك كثير من ذوى البيوتات، وفى مقدمتهم الشريف الرضى ورعايته لمهيار مشهورة. ولابد أن نلاحظ أن الثعالبى فاته الوقوف عند بعض الشعراء، فى عصر البويهيين مثل مدرك بن محمد الشيبانى، وهو بدوى قدم بغداد فى شبابه وتولى بها القضاء وتوفى سنة ٣٩٠ واشتهر بأرجوزة ماجنة نظمها فى غلام نصرانى فى نحو خمسين دورا ذكر فيها شعائر الديانة المسيحية وطقوسها وحوارييها ذكرا مفصلا (١)، ومثل أبى الحسن محمد بن عمر الأنبارى، وكان صديقا للوزير ابن بقية، فلما صلبه عضد الدولة البويهى رثاه بمرثية رائعة. وتلقانا بعد اليتيمة وتتمتها موجه ثانية من الشعراء فى كتاب دمية القصر للباخرزى، وقد توفى بعد الثعالبى بنحو ثلاثين عاما سنة ٤٦٧ للهجرة، مما جعلهما يتواردان أحيانا فى الحديث عن بعض الشعراء. وفى الحق أن شعراء الدمية مخضرمون لحقوا عصر بنى بويه وامتد بهم الأجل فى عصر السلاجقة.
وبذلك كانت الدمية لا تصور تماما الحركة الشعرية فى العصر السلجوقى، لسبب طبيعى، وهو أنها إنما ألمّت بأوائله. ومرّ بنا فى الفصل الثانى ما دفع إليه وزير ألب أرسلان نظام الملك (٤٦٥ - ٤٨٥ هـ) من نهضة علمية وأدبية مباركة، فقد فتح أبوابه للشعراء وأغدق عليهم نوالا غمرا، فجاءوه يمدحونه من كل أنحاء العراق، وينشد الباخرزى فى مواضع كثيرة بعض مدائحه. وتلقانا بعد الباخرزى ثغرة أو فجوة نحو خمسين عاما، لو أن ذيل الدمية المسمى كتاب زينة الدهر وعصرة أهل العصر للحظيرى نشر لسدّ هذه الثغرة، فإن الحظيرى توفى سنة ٥٦٧ وكان قد جمع طائفة كبيرة من شعراء أهل عصره ومن تقدمهم، وذكر لكل شاعر طرفا من أحواله وشيئا من أشعاره. وحرى بنا أن نذكر صرّدرّ (على بن الحسن) الشاعر المشهور ببغداد فى أواسط القرن الخامس، وقد توفى سنة ٤٦٥ وله ترجمة فى ابن خلكان، وبالمثل ابن السّراج البغدادى (جعفر بن أحمد) صاحب مصارع العشاق المتوفى سنة ٥٠٠ وله ترجمة فى ابن خلكان وغيره. وقد تلا الحظيرى مباشرة العماد الأصبهانى بكتابه الخريدة التى ترجم فيها لشعراء العالم العربى على طريقة الدمية واليتيمة، غير أن ترجماته مستفيضة، وهو ينقل فيها مرارا عن الحظيرى، مما يدل على أنه يتلافى كثيرين ممن سقطوا فى الثغرة التى تحدثنا عنها آنفا. والمنشور حتى الآن من قسم العراق فى الخريدة أربعة مجلدات ضخمة. وهى تتناول فى العراق، كما فى الأقاليم الأخرى، شعراء القرن السادس الهجرى حتى نحو سنة ٥٧٠، وقد تعرضت لبعض شعراء
стр. 2444
القرن الخامس. والعماد فيها يجمع بين فترتين: فترة سلجوقية تبتدئ من القرن السادس حتى سنة ٥٥١ ثم فترة الخلافة العباسية إذ ردّ إلى الخلفاء صولجان الحكم منذ هذا التاريخ، وانتهى بذلك عهد السلاجقة فى بغداد والعراق. والعماد يفتتح المجلد الأول من الخريدة بعرض تراجم للخلفاء العباسيين منذ القائم بأمر الله (٤٢٢ - ٤٦٧ هـ) حتى المستضئ بأمر الله (٥٦٦ - ٥٧٥ هـ) ومع كل خليفة ماله من أشعار. ثم يفتح بابا يذكر فيه محاسن الوزراء والكتاب منذ أواسط القرن الخامس حتى زمن المستضئ، منشدا ما عرفه من أشعارهم، وقد يذكر بعض ما قيل من مدائح، ويمضى فى ذلك كله نحو مائتى صفحة من القطع الكبير من المجلد الأول، ويترجم للشاعر المعروف باسم الحيص بيص ترجمة ضافية، يعرض فيها أشعارا كثيرة من ديوانه مرتبة على الحروف فى نحو مائة وخمسين صحيفة، ويتبعه فى المجلد الثانى بالترجمة لستة وثلاثين شاعرا، لعل أهمهم على بن أفلح وابن الهبّارية وابن جلّينا. ونلتقى فى المجلد الثالث بجماعة من أعمال سواد بغداد شرقا وغربا، لعل أهمهم الحظيرى والبندنيجى، ثم يذكر جماعة من شعراء الحلّة والكوفة وهيت والأنبار.
وقد عرضنا لشعراء الحلة عند العماد فى القسم الأول من هذا الكتاب فى تضاعيف حديثنا عن شعراء البدو، وينتهى المجلد الثالث بالحديث عن شعراء واسط، وربما كان أهمهم ابن السوادى، وهو ماجن من طراز ابن سكّرة وابن حجاج. ويستمر المجلد الرابع فى عرض شعراء من واسط أهمهم ابن المعلم، ثم يذكر طائفة من شعراء البصرة وأدبائها، أهمهم الحريرى ويحيى بن سعيد بن مارى النصرانى، وله ستون مقامة حاكى فيها الحريرى ولكنها دون مقاماته. ونظل بعد سنة ٥٧٠ دون مرشد هاد، إلا ما اشتمل عليه كتابا معجم الأدباء لياقوت ووفيات الأعيان لابن خلكان من شعراء بغداد، مما يكاد يشغل المائة التالية للخريدة. ولو أن كتاب عقود الجمان فى شعراء هذا الزمان لابن الشعّار الموصلى المتوفى سنة ٦٥٤ نشر لسدّ الفراغ الشاغر من شعراء النصف الأول من القرن السابع الهجرى فى العراق وغير العراق، ولكنه لما ينشر. وفى معهد المخطوطات بالجامعة العربية مصوّرة منه، والأعلام فيه ليست مرتبة على الأقاليم والبلدان مثل الخريدة والدمية واليتيمة، وإنما على حروف المعجم، كترتيب المعاجم، وهو كتاب نفيس، على كل حال يسدّ ابن خلكان وياقوت وأيضا فوات الوفيات هذه الثغرة التى تمتد حتى اكتساح التتار لبغداد سنة ٦٥٦.
ونستطيع أن نتعرّف على بعض الشعراء النابهين فى تلك الحقبة مثل ابن التلميذ هبة الله بن صاعد المتوفى سنة ٥٦٠ وسبط ابن التعاويذى المتوفى سنة ٥٨٣ ولعل العماد الأصبهانى ترجم لهما فى المجلدين اللذين لما ينشرا من القسم العراقى بالخريدة، ومثلهما الأبله الشاعر المتوفى سنة
стр. 2445
٥٧٩. وتلقانا فى النصف الأول من القرن السابع طائفة من الشعراء، من أهمهم أبو حفص عمر السّهروردىّ البغدادى الصوفى والحاجرى المتوفيان سنة ٦٣٢ والصّرصرىّ وابن أبى الحديد المتوفيان سنة ٦٥٦.
ويكتسح التتار بغداد والعراق، ويجف كثير من ينابيع الفكر والحضارة والعلم والأدب، ويظل للشعر شئ من نشاطه فى زمن المغول الإيلخانيين، ويلقانا ابن رشيد البغدادى المتوفى سنة ٦٦٢ والشهاب التّلعفرى والواعظ الكوفى البغدادى المتوفيان سنة ٦٧٥. ونمضى إلى القرن الثامن ونلتقى بشعراء عراقيين مختلفين ترجم لهم ابن حجر فى الّدرر الكامنة، ويظهر كوكب شعرى كبير وسط الدياجى التى أخذت تطبق على الحياة الأدبية فى العراق ونقصد صفى الدين الحلّىّ المتوفى سنة ٧٥٠ وهو خاتمة شعراء العراق العظام قبل العصر الحديث. وكان يعاصره محمد بن القاسم الملقب بالمليحى الواسطى المتوفى سنة ٧٤٤ وله ترجمة فى الدرر الكامنة، ومثله على بن الثّردة المتوفى سنة ٧٥٠. ولا نكاد نلتقى بشاعر مهم فى زمن التركمان، بين من ترجم لهم السخاوى فى كتابة «الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع» وبالمثل لا يلقانا شاعر نابه فى زمن العثمانيين سواء فى دورة حكمهم الأولى أو فى دورة المماليك. وحقا يوجد بعض شعراء عراقيين فى كتب التراجم مثل «سلافة العصر فى محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم و «خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر» للمحيى وكتابة «نفحة الريحانة» ومثل «سلك الدرر فى أعيان القرن الثانى عشر» للمرادى. وممن لمع اسمه فى الدورتين المذكورتين شهاب الدين الموسوى المتوفى سنة ١٠٨٧ هـ/١٦٧٦ م وديوانه مطبوع وشعره فيه متوسط، ومثله الشيخ محمد كاظم الأزرى المتوفى سنة ١٢١١ هـ/١٧٩٦ م وقد طبع ديوانه فى بومباى. وقد يكون من الطريف أن نفرا من الشعراء كانوا يقدّمون لدواوينهم (١)، ولكن على كل حال كانوا جميعا نظامين أكثر منهم شعراء بالمعنى الحقيقى لكلمة شعراء.
٢ - رباعيّات وتعقيدات وموشحات
مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول ما نهض به الشعراء من تجديد فى الأوزان وكيف أن هذا التجديد رافقه تجديد آخر فى القوافى (٢)، ولعل أول ما شاع من صوره اللون
стр. 2446
المسمى بالمزدوج، إذ استخدمه الوليد بن يزيد وأخذ استخدامه بعده يتّسع فى الشعر التعليمى منذ أبان بن عبد الحميد، وتبعه الشعراء ينظمون فيه التاريخ والعلوم والفلسفة.
وهو الذى سماه الفرس فيما بعد باسم المثنوى مختارين له وزنا معينا وفيه تتحد القافية بين شطرى كل بيت مع تغيرها من بيت إلى بيت. وبذلك لم تعد الوحدة فيه البيت، وإنما الشطر، وأكبر الظن أن ذلك هو الذى ألهم الوشاحين فيما بعد أن تقوم الوحدة فى موشحاتهم على الشطر لا على البيت. وقد اتسع استخدام هذا اللون المزدوج فى هذا العصر: عصر الدول والإمارات، إذ لم يترك العلماء علما دون أن يودعوه فى أرجوزة مزدوجة، وتموج المكتبات العربية بهذه المزدوجات فى كل علم وكل فن.
وقد ظهرت المسمطات منذ فواتح العصر العباسى الأول، وهى قصائد تتألف من أدوار، وكل دور يتألف من أربعة شطور أو أكثر، وتتفق شطور كل دور فى قافيتها ما عدا الشطر الأخير فإنه ينفرد بقافية مغايرة يلتزمها الشاعر فى جميع الشطور الأخيرة من الأدوار. والمسّمّط مشتق من السّمط، وهو قلادة تنتظم فيها عدة سلوك تلتقى عند جوهرة كبيرة، وكأن كل دور فى المسمّط الشعرى سلك يلتقى مع الأدوار أو الأسلاك الشعرية الأخرى فى قافية الشطر الأخير. وقد مثّلنا فى كتاب العصر العباسى الأول بمسمّطين لأبى نواس يتألف الدور فى أحدهما من أربعة شطور وفى الثانى من خمسة. وتظل المسمطات طوال عصر الدول والإمارات قائمة بجوار القصيدة، وينظم الشعراء فيها من حين إلى حين إظهارا للبراعة، وعنى كثير منهم أشد العناية بتصفية ألفاظه وخفتها على اللسان ورشاقتها على نحو ما نجد فى هذه الأدوار من مسمّط (١) أنشده العماد الأصبهانى فى الخريدة لأبى المعالى بن مسلم:
ياريم كم تجنّى؟ ... لم قد صددت عنّا صل عاشقا معنّى
بالوصل ما تهنّا ... السّلسبيل ريق
والشّهد والرّحيق والورد والشّقيق
من وجنتيه يجنا ... قد غيّروا ولاموا
من شفّه السّقام ما ينفع الملام
من فى هواك جنّا
والدور فى هذا المسمط يتألف من أربعة شطور، والرابع قطبها الذى تدور عليه، ومثله المسمّطات ذات الشطور الخمسة وتسمى المخمسات، ومثلها ذات الشطور الستة
стр. 2447
والسبعة وتسمّى المسدّسات والمسبّعات. وشاع فى الحقب المتأخرة تخميس بعض القصائد المشهورة مثل همزية البوصيرى وبردته
وتظهر الرّباعيّات مع المسمّطات والشعر المزدوج، وقد ذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول أنها بدأت مع بشار وحماد عجرد وأنها كثرت عند أبى نواس وأبى العتاهية، وضربنا لها بعض الأمثلة، والرباعية أربعة شطور من الشعر تؤلّف بيتين، ولأنها تتكوّن من أربعة شطور سميت رباعية، وعادة يتحد الشطر الأول والثانى والرابع فى القافية، أما الشطر الثالث فقد يتحد مع تلك الشطور فى قافيته وقد يختلف. وتلقانا هذه الرباعيات كثيرا فى اليتيمة والدمية والخريدة، وفى كتب الأدب مثل معجم الأدباء، ومرّ بنا أنه ترجم لشاعر يسمى مدرك بن على الشيبانى، وذكر له أرجوزة تشتمل على خمسين دورا كل دور رباعية منفردة. وبذلك أعد نمط الرباعية من قديم لظهور الشعر الدورى فى العربية.
ولم يكن شعراء العصرين: العباسى الأول والثانى يخصّون الرباعية بوزن معين، بل كانوا ينظمونها فى جميع أوزان الشعر حتى إذا كان هذا العصر: عصر الدول والإمارات وجدنا الفرس يشركون العرب فى استخدامها متخذين لها اسم «دو بيت» و «دو» عندهم اثنان. وأيضا فإن الفرس والعرب جميعا أخذوا يستخدمون فيها وزنا جديدا هو: «فعلن متفاعلن فعولن فعلن» وهو الذى ضبطه العروضيون، وأهم منه وزن ثان هو «فعلن فعلن مستفعلن مستفعلن». وتصور ذلك رسالتان (١) فريدتان فى عروض الدوبيت» نشرهما هلال ناجى ببغداد، وهما لمالك بن المرحّل المتوفى سنة ٦٩٩ وأولاهما تعنى بالوزن الأول للدوبيت، والثانية تعنى بالوزن الثانى، ومن أجل ذلك رجح هلال ناجى أن لا تكون الرسالة الثانية من صنع مالك. ويبدو أن الفرس فى القرن الخامس كانوا أكثر شغفا بالرباعيات من العرب على نحو ما هو معروف عن الخيام فى رباعياته، وتلقانا فى الخريدة رباعيات كثيرة، ويترجم العماد فيها لشاعر من موظفى الخلافة العباسية وعمالها فى الستينيات من القرن السادس الهجرى، يسمى أبا المحاسن (٢) بن البوشنجى، ويقول إنه كان لهجا بنظم الرباعيات، ويسوق له طائفة منها فى الغزليات والخمريات من مثل قوله متغزلا:
ما أطيب ما زار بلا ميعاد ... يختال كغصن بانة ميّاد
стр. 2448
ما طلّ، ولا بلّ غليل الصّادى ... حتى قرب البين ونادى الحادى
فصاحبته زارته دون موعد، مختالة بجمالها كغصن متمايل، ويقول إنها ما طلّت وزارت، ولا بلّت غليله المتقد الظامئ للقاء، حتى كان الفراق ونادى حادى الركب، فجاءت تودعه من وقوف أو كما يقال: ما سلّمت حتى ودّعت. ومن رباعياته الخمرية قوله:
رقّت وصفت واسترقت ألبابا ... راح لبست من الضّنا جلبابا
يا بدر أدر وعدّ عمّن يابى ... كأسا، طرد الهمّ بها فانجابا
والرّباعية فيها شئ من روح رباعيات الخيام وما فيها من دعوة إلى العكوف على شرب الخمر، أو بعبارة أدق الفرار إليها من الهم والغم، حتى تنتعش النفس، كما يقول، وتطرح عنها بؤس الحياة بما تعبّ من دنان الخمر وما تجد فى مجلسها من أنس وطرب. ويسوق صاحب رسالة الدوبيت الثانية تسع رباعيات قائلا إنه مما أنشده أبو عبد الله محمد بن حامد الأصبهانى صاحب الخريدة، ويستهلها بالرباعية التالية:
الورد على خدّك من أنبته ... والمسك على وردك من فتّته
والقلب على نأيك من ثبته ... اجمع شملا هواك قد شتّته
وهى رباعية بديعة بما اشتملت عليه من تصوير يحمل غير قليل من المفاجأة، حين يجعل صاحبها الخد وردا حقيقيا، ويعود فيجعله ناشرا لأريج عطر حوله، وكأن مسكا ذرّ عليه ونثر، ويعجب أن تنأى صاحبته وقلبه لا يزال فى صدره. وإن فؤاده ليتوزع فرقا، ويضرع لصاحبته أن تجمع شمله المشتت، لعل صوابه يردّ إليه. ويسوق صاحب رسالة الدوبيت الثانية أيضا طائفة من رباعيات أنشدها ابن الجوزى نيّفت على عشر، وموضوعها غزل ولكنه غزل صوفى، فقد كان ابن الجوزى من كبار الوعاظ وكان سنى التصوف، ومما أنشده:
الحبّ يقول لا تشع أسرارى ... والدمع يسيل هاتكا أستارى
والشوق يزيد، لا على المقدار ... وا نارى! من هذا الهوى وا نارى
فحبيبه يطلب إليه أن يكتم حبه، وهو لا يستطيع له كتمانا، إذ دائما يبكى طالبا الوصال، ملحا فى طلبه وفى بكائه، والدموع تسيل مدرارا كسحب منهلة، والشوق يلذعه ويكويه وهو يتوجع من نيرانه. إنه حب الذات العلية الذى يضنى ويسقم والمحب يتألم آلاما لا يطيقها إلا الصابرون المولعون بوصال الذات الربانية. ومما أنشده
стр. 2449
ابن الجوزى فى تلك الرباعيات:
ما أصنع؟ هكذا جرى المقدور ... الجبر لغيرى وأنا المكسور
مأسور هوى متيّم مهجور ... هل يمكن أن يغيّر المسطور
والرباعية تفيض بيأس محب مهجور، يقول ما أصنع والحجاب يقوم بينى وبين محبوبى، هكذا جرى القلم ولا يسعه إلا أن يمتثل ويذعن، وإنه ليأسى أسى عميقا لنفسه، فغيره يجبر ويوصل وهو يحرم ويبعد ويكسر كزجاج مصدوع لا يشعب، وإنه لأسير هذا الهوى الذى يبرّح به والذى يتعثّر فى شباكه، قدر أزلى كتب عليه، لا مفرّ منه ولا مهرب. وابن الجوزى توفّى سنة ٥٩٧ وتوفى العماد فى نفس السنة، وفى كثرة إنشادهما للرباعيات ما يدل على أنها قد شاعت فى عصرهما وانتشرت انتشارا واسعا. وهى تلقانا عند الحاجرى وغيره من شعراء القرن السابع. ويقول مالك بن المرحلّ إنها تستعذب فى الغناء، وأكبر الظن أنها لم تكن تستعذب فى الغناء فحسب بل كانت تستعذب أيضا فى أناشيد المتصوفة بحلقات الذكر، وقد جمع كامل الشيبى طائفة كبيرة منها على مر العصور ونشرها باسم ديوان الدوبيت.
وأخذ يعم منذ أوائل هذا العصر مذهب التصنع والتعقيد الذى صورناه بالتفصيل فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» وقد أوضحنا كيف أن المحسنات البديعية فى مذهب التصنيع والتنميق السابق له كأنما أخذت تزايلها أو تفارقها بعض أصباغها عند العراقيين وغيرهم من شعراء العصر، ومثلنا لذلك باستخدام المتنبى للطباق والاستعارة واستخدام غيره للجناس. وقد أولع الشعراء فى هذا العصر باللون الأخير، وأخذوا يطلبون فيه صعوبات مختلفة، ومن أخف صورها قول أبى الجوائز الواسطى (١) المتوفى سنة ٤٦٢:
وا حزنى من قولها ... خان عهودى ولها
وحقّ من صيّرنى ... وقفا عليها ولها
ما خطرت بخاطرى ... إلا كستنى ولها
ولها فى نهاية البيت الأول من اللهو، وقد جانس بينها وبين الجار والمجرور فى نهاية البيت الثانى ثم جانس بينهما وبين كلمة «وله» أى شدة الوجد فى نهاية البيت الثالث.
وقد يقبل هذا الجناس المعقد فى تلك الأبيات لخفته، غير أننا لا نكاد نمضى بعد
стр. 2450
صاحبه حتى نلتقى بالحسن (١) بن أسد الفارقى المتوفى سنة ٤٨٧ وكان يكثر من التجنيس، كما لاحظ العماد الأصبهانى وياقوت، وله قصيدة تجمع خمسة عشر بيتا، وكل بيت فيها مختوم بكلمة «عين» طلبا للجناس الكامل، فهى تتوالى بمعنى عين الإنسان وبمعنى رقيب وبمعنى عين الماء إلى غير ذلك من معانيها. وهو تكلف شديد.
ونظن ظنا أنه أحد من أشاعوا فكرة تكوّن الجناس بين كلمة وكلمتين يؤديانها لفظا فى مثل قوله:
تراك يا متلف جسمى ويا ... مكثر إعلالى وأمراضى
من بعد ما أضنيتنى ساخطا ... علىّ فى حبك أم راضى
وواضح أن كلمتى «أم راضى» فى البيت الثانى تقابلان أو تجانسان كلمة «أمراضى» فى البيت الأول. ويلاحظ أن مثل هذه الجناسات فى نهايات الأبيات لم تكن تحقق فكرة الجناس فحسب، بل كانت تحقق أيضا فكرة لزوم ما لا يلزم فى القوافى إذ تصبح القافية أكثر من حرف أو روى، ولذلك يقول العماد إنه كان يلتزم ما لا يلزم فى قوافيه. وفى الحق أن أبا العلاء هو الذى فتح فى لزومياته لمثل هذه الكلف فى الجناس على نحو ما يوضح ذلك كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» وكان يطلبه أحيانا بين أول كلمة أو كلمتين فى البيت وآخر كلمة، مما جعل الحريرى يستلهم صنيعه فى المقامة الحلبية قائلا:
سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه
والمكر مهما اسطعت لا تأته ... لتقتنى السّؤدد والمكرمه
والجناس واضح بين أول البيتين وآخرهما وهو فى البيت الثانى جانس بين اللفظة الأولى وجزء من تاليتها وبين اللفظة الأخيرة. وكل ذلك تصعيب وتعقيد فى التماس الجناس. ويخلف الحريرى يحيى بن سلامة الحصكفى نزيل ميّافارقين المتوفى سنة ٥٥٣ فنراه ينظم بعض قصائد قاصدا بها إلى التجنيس منها قصيدة بناها على التجنيس الناقص افتتحها بقوله (٢):
أطع الهوى فالعقل خاز خازم ... والجهل يغرى وهو هاز هازم
وخاز: قاهر. وهاز: ساخر. ويمضى فى القصيدة مجانسا بين كلمتين متواليتين على هذه الصورة المتكلفة وكأنه لم تعد هناك حاجة وجدانية لنظم الشعر، إذ حلت محلها
стр. 2451
حاجة إلى التعقيد فى الشعر وتصعيب ممراته التى يسلكها الشاعر إلى صناعته.
وإذا رجعنا إلى البديعيات من بديعية صفى الدين الحلى وجدنا الشعراء دائما يعقّدون فيها، وقد يضيفون ألوانا جديدة ولكن ينقصها الحسن والرونق والبهاء. وقد أكثروا من الاقتباس، وحسن أن يقتبس الشاعر بعض ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف فإنها تلذ النفس، غير أن الشعراء أكثروا من اقتباس أشعار الأسلاف يضمنونها قصائدهم، مما يعطل الحركة الوجدانية فى أشعارهم، وبلغ من تكلفهم فى هذا اللون أن نجد شاعرا يسمى الشيخ أحمد النجفى الحلّىّ المتوفى سنة ١١٨٣ هـ/١٧٦٩ م يضمن إحدى مدائحه شطورا من ألفية ابن مالك المشهورة فى النحو، فله شطر ولابن مالك شطر (١).
ودفع المتنبى الشعراء منذ أوائل هذا العصر إلى التصنع للثقافات المختلفة، وقد أوضحنا ذلك فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» فصورنا تصنعه لبعض مصطلحات التصوف وسمات العبارة الصوفية وللأفكار والصيغ الفلسفية ولألفاظ اللغة الغريبة وبعض اشتقاقاتها النادرة وأساليبها النحوية الكوفية الشاذة. وتبعه أبو العلاء يكثر فى لزومياته من التصنع لألفاظ العلوم اللغوية والإسلامية. ومضى الشعراء فى العراق وغير العراق بعد الشاعرين الكبيرين يلتمسون أحيانا التجديد فى الأساليب بما يطوى فيها من مصطلحات علمية. وكل ذلك كان تعقيدا وقيودا، حتى يصعّب الشعراء عملهم، وحتى يظهروا مهارتهم فى السلوك إليه من أضيق الممرات والدروب.
وأخذت تظهر سريعا صور من التمارين الهندسية فى الشعر، وكأن الشاعرية لم تعد تقاس بالأثر الوجدانى الذى يحدثه الكلام فى نفوس الناس، بل غدت تقاس بما يمكن أن يستحدثه الشاعر من عقد، وربما كان الحريرى أهم من فتح هذه الأبواب، إذ نراه فى مقاماته لا يزال يغرب بأفانين لفظية كثيرة، فمن ذلك أن تقرأ الأبيات طردا وعكسا كما جاء فى المقامة المغربية من مثل قوله:
اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
فإن البيت يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله دون أى اختلاف فى لفظ أو حرف، ومن الغريب أن من جاءوا ابعده جعلوا ذلك لونا من المحسنات البديعية وسموه «ما لا يستحيل بالانعكاس». وتمرين هندسى ثان عرضه فى المقامة الشعرية، وهى أبيات التزم فى داخلها قافية غير قافيتها الخارجية على هذه الصورة:
يا خاطب الدنيا الدنيّة إنها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
стр. 2452
دار متى ما أضحكت فى يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار
فإننا إذ اوقفنا عند الكلمة الدالية فى الشطر الثانى أصبح البيتان من مجزوء الكامل على هذا النحو:
يا خاطب الدنيا الّدنيّ ... ة إنها شرك الرّدى
دار متى ما أضحكت ... فى يومها أبكت غدا
وبجانب هذا التمرين الهندسى الذى لا يضيف معنى نجده فى مقامته التى سماها بالرّقطاء يبتكر تمرينا أحد حروف كلماته منقوط وتاليه غير منقوط من مثل قوله:
مخلف متلف أغرّ فريد ... نابه فاضل ذكىّ أنوف
ويتلو هذا التمرين بتمرين مماثل فى نفس المقامة، وكرر ذلك فى المقامتين المرويّة والبكرية. ونراه فى المقامة الحلبية يبتدع تمرينا شعريا من طراز خطّىّ آخر هو طراز الحروف الخالية من النقط فى مثل قوله:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
ولا يكتفى بهذا التمرين، بل يضيف إليه تمرينا شعريا خطّيّا ثانيا، كل كلماته مؤلفة من حروف معجمة أو منقوطة من مثل قوله:
فتنتنى فجنّنتنى (تجنّى) ... بتجنّ يفتنّ غبّ تجنّى
وكأن هذين التمرينين الهندسيين فى تلك المقامة لم يقنعاه، أو كأنه أحسّ أنه من الممكن محاكاتهما فجاء بتمرين خطى ثالث، لا يتعلق هذه المرة بالنقط وعدمه، بل يتعلق بشكل الحروف، إذ يظن من ينظر إلى كلماتها نظرة سريعة أنها متماثلة مثل:
زيّنت زينب بقدّ يقدّ ... وتلاه-ويلاه-نهد يهدّ
وواضح أن بين كل لفظين متواليين تجنيسا خطيّا واضحا. وكل ذلك ليس شعرا وإنما هو تمارين أو لعب هندسية (١)، غير أنهم كانوا يعجبون بها، ولذلك نرى الشعراء-وخاصة المتأخرين-ينظمون منها كثيرا. ومن تتمة هذه التمارين الهندسية فى العصر كثرة الألغاز والأحاجى فى الشعر وقد خصوها بالتأليف اهتماما بها، من ذلك كتاب الإعجاز فى الأحاجى والألغاز للحظيرى وعنه ينقل العماد فى الخريدة (٢)، ولا يلبث أن يترجم لشاعر شغف بها هو الحكيم (٣) النيلى الطبيب، ويذكر له طائفة من
стр. 2453
ألغازه الشعرية فى العقل والرمّانة وكيزان الفخّار والنّاى وفيه يقول:
له رأس يخالف منه جسما ... بلا رجل فقس فيما تقيس
يئنّ أنين صبّ مستهام ... مشوق قد نأى عنه أنيس
وليس بذى صبابات فيهوى ... ولكنّ الهوى فيه حبيس
غير ألغاز أخرى ذكرها العماد، وألغازه طريفة، غير أن من جاء وابعده حشدوا فيها شعرا رديئا معقدا. وقد أكثر الشعراء فى الحقب المتأخرة من التواريخ فى الشعر، إذ يحسبون بيتا أو نصف بيت بحساب الجمّل مؤرخين للسنة التى نظموا فيها قصائدهم أو لسنة العرس الذى هنّأوا به أو للسنة التى ولد فيها غلام إلى غير ذلك مما لا يفيد معنى.
ومع ذلك فقد كان هناك شعراء مجيدون دائما، كانوا أعلاما نابهين، وسنفرد لهم بعض الصحف التالية.
ومن أهم ما تمتاز به أقاليمنا فى العصور الوسطى أنه كانت تسود بينها فى الأدب وفى العلم وحدة، جعلت كل شاعر نابه فى إقليم كأنه شاعر البلاد العربية جميعها، كما جعلت كل لون جديد يظهر فى إقليم لا يلبث أن تنظم فيه الأقاليم الأخرى، ومن خير الأمثلة الدالة على ذلك الموشحات، إذ نجدها تظهر فى الأندلس ويضع لها قوانينها فى القرن السادس شاعر مصرى هو ابن سناء الملك، ونراها على ألسنة الشعراء فى الشام والعراق وغيرهما من البلدان العربية، ومن أمثلتها فى الخريدة موشحة (١) لشاعر موصلى هو التاج البلطى المتوفى سنة ٥٩٩. ويلقانا فى القرن السابع وشاح عراقى كبير ترجم له ابن تغرى بردى فى المنهل الصافى باسم شهاب الدين الموصلى (٢) أحمد بن الحسن صاحب الموشحات، وكان يستخدمها فى المديح وغير المديح، وينشد ابن تغرى بردى موشحة له عارض بها موشحة للقاضى الفاضل عبد الرحيم، تجرى على هذا النحو:
بى من حوى الحسن كلّه ... وفاق غيد الأكلّه (٣)
بدر تمام مصوّر ... ما فيه نقص الأهلّه
فشعره لليالى ... وفرقه للصباح
وجفنه للنّصال ... وقدّه للرّماح
وريقه للزّلال ... وثغره للأقاح
стр. 2454
وقد بدأ موشحته بالقفل وتلاه بالدور، ثم تتابعت الأقفال والأدوار، وكان يعرف كيف ينتخب كلماته عذبة رشيقة، كما كان يعرف أنه لكى تتكامل رشاقة الموشح يحسن أن تكون الشطور فى الأدوار قصيرة وأن يسرى فيها صفاء موسيقى بديع. وأنشد له ابن تغرى بردى موشحة يعارض بها موشحة مظّفر الأعمى المصرى:
كلّلى يا سحب تيجان الرّبى بالحلى
وظن بعض الأسلاف أن هذا الموشح لابن سناء الملك، لروعة موسيقاه، وهو ظن مخطئ وكان مظفر يعاصره تقريبا، فقد توفى بعده بنحو خمس عشرة سنة. وتمضى موشحة الموصلى فى هذه الصورة:
جلّلى ... يا راح كأسى ولها كلّلى
بالحلى ... سوارها ثم لها خلخلى
من غرر ... حبابك المنظوم مثل الدّرّ
بالخمر ... كأنه الياقوت فوق الجمر
والزّهر ... فى الرّوض أمثال النجوم الزّهر
ومهارته واضحة فى انتخاب الألفاظ والملاءمة بينها فى الجرس والنغمة، وبحق يصف ابن تغرى بردى موشحاته بأنها بديعة وأنها ذات نظم رائق. ويقول إن له موشحات كثيرة. وربما كان أهم الوشاحين العراقيين بعده صفى الدين الحلى، ونلتقى فى ديوانه باثنتى عشرة موشحة منها ست فى مديح الملوك والأمراء وخمس فى الغزل وموشحة صوفية. ومع أنه أجمل صوت يلقانا بعد القرن السابع فإنه يهبط فى موشحاته درجة أو درجات عن الموصلى وربما كان أخف مطلع لموشحاته قوله فى فاتحة موشحة عارض بها أبا بكر بن بقى الأندلسى المشهور فى موشحة بديعة له:
صاحب السيف الصقيل المحلّى ... جرّد اللّحظ وألق السّلاحا
لك يا ربّ العيون ... القواتل
ما كفى عن حمل سيف ... وذابل (١)
أعين تبدو لديها ... المقاتل
ما سرى فى جفنها الحسن إلا ... أوثقت منا قلوبا جراحا
وربما كانت المعارضة هى التى جعلته يتفوق فى هذه المرشحة، كما جعلته يصفّى لفظه تصفية، شديدة بحيث أصبح يشبه الماء العذب السلسبيل، وخاصة فى هذا المطلع البديع.
стр. 2455
٣ - شعراء المديح
لا نبالغ إذا قلنا إن كل من نلقاهم من عشرات الشعراء-إلا من ندر-عند أصحاب اليتيمة والدمية والخريدة ومن جاءوا بعدهم كانوا شعراء مديح، وينبغى أن لا نقلل من أهميتهم وأهمية شعرهم ذاهبين مع من يذهبون إلى أن هذا الشعر كان فى مجموعه نفاقا وملقا، وهى فكرة مخطئة، فقد ظهر العرب على مسرح التاريخ منذ العصر الجاهلى وهم يتغنون بمديح شيوخهم وأبطالهم راسمين فيهم الأمجاد الحربية لقبائلهم ومثاليتهم الخلقية الكريمة، مذكين بذلك الحماسة فى نفوس الشباب. وبذلك كان الشعر ديوان مفاخرهم أو بعبارة أدق كان المديح هو هذا الديوان، وأيضا كان ديوان مثلهم الخلقية من الجود وعزة النفس والكرامة. وانضمت إلى ذلك إشعاعات إسلامية منذ ظهر الدين الحنيف، إذ مضى شعراء المديح حين يمدحون خليفة أو واليا يتحدّثون عن العدل أو العدالة التى لا تصلح حياة الناس بدونها، كما يتحدثون عن تقواهم وصدورهم فى الحكم عن روح الإسلام وتعاليمه. ولم يتركوا معركة بينهم وبين أعدائهم من الأجانب إلا سجّلوا مجدنا الحربى فيها ليدفعوا الشباب إلى سلّ السيوف وقطع رقاب الأعداء ومحقهم محقا. وبذلك كله كان المديح طوال العصور السابقة لهذا العصر صحيفة تربية، يجد فيها الشباب القدوة الحسنة فى العمل المجيد وفى الخلق الحميد. وظلت لها هذه الغاية طوال عصر الدول والإمارات، فالشعراء يصوّرون فيها رجال الأمة العربية وكل ما يتحلّون به من خصال رفيعة وكل ما يحققونه لدولهم وإماراتهم من أعمال حربية، وكأنهم يريدون أن يرفعوهم نصب عيون الشباب شعارات تعبّر عن آمال الأمة التى حققوها والأخرى التى تأمل منهم أن يحققوها، مما جعلهم أحيانا يبالغون فى تصويرهم كأنما يريدون أن يحملوهم على النهج الصحيح الذى تريده الأمة، ولذلك يكثر أن لا يكتفوا بتصويرهم فى صورهم الحقيقية، بل يصوروهم كما تريد لهم ومنهم الأمة أو الإمارة.
وأول موجة تلقانا من شعراء المديح فى العصر شعراء اليتيمة وتتمتها الذين عاصروا الدولة البويهية، وفى الحق أن البويهيين ووزاءهم-كما مرّ بنا-بعثوا فى هذا العصر نهضة شعرية قوية، بما أسبغوا على الشعراء من عطايا وما فتحوا لهم من مجالسهم، ولن نستطيع أن نعرضهم جميعا، غير أننا سنقف قليلا عند ثلاثة من أفذاذهم، هم أبو الحسن محمد