حاجة إلى التعقيد فى الشعر وتصعيب ممراته التى يسلكها الشاعر إلى صناعته.
وإذا رجعنا إلى البديعيات من بديعية صفى الدين الحلى وجدنا الشعراء دائما يعقّدون فيها، وقد يضيفون ألوانا جديدة ولكن ينقصها الحسن والرونق والبهاء. وقد أكثروا من الاقتباس، وحسن أن يقتبس الشاعر بعض ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف فإنها تلذ النفس، غير أن الشعراء أكثروا من اقتباس أشعار الأسلاف يضمنونها قصائدهم، مما يعطل الحركة الوجدانية فى أشعارهم، وبلغ من تكلفهم فى هذا اللون أن نجد شاعرا يسمى الشيخ أحمد النجفى الحلّىّ المتوفى سنة ١١٨٣ هـ/١٧٦٩ م يضمن إحدى مدائحه شطورا من ألفية ابن مالك المشهورة فى النحو، فله شطر ولابن مالك شطر (١).
ودفع المتنبى الشعراء منذ أوائل هذا العصر إلى التصنع للثقافات المختلفة، وقد أوضحنا ذلك فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» فصورنا تصنعه لبعض مصطلحات التصوف وسمات العبارة الصوفية وللأفكار والصيغ الفلسفية ولألفاظ اللغة الغريبة وبعض اشتقاقاتها النادرة وأساليبها النحوية الكوفية الشاذة. وتبعه أبو العلاء يكثر فى لزومياته من التصنع لألفاظ العلوم اللغوية والإسلامية. ومضى الشعراء فى العراق وغير العراق بعد الشاعرين الكبيرين يلتمسون أحيانا التجديد فى الأساليب بما يطوى فيها من مصطلحات علمية. وكل ذلك كان تعقيدا وقيودا، حتى يصعّب الشعراء عملهم، وحتى يظهروا مهارتهم فى السلوك إليه من أضيق الممرات والدروب.
وأخذت تظهر سريعا صور من التمارين الهندسية فى الشعر، وكأن الشاعرية لم تعد تقاس بالأثر الوجدانى الذى يحدثه الكلام فى نفوس الناس، بل غدت تقاس بما يمكن أن يستحدثه الشاعر من عقد، وربما كان الحريرى أهم من فتح هذه الأبواب، إذ نراه فى مقاماته لا يزال يغرب بأفانين لفظية كثيرة، فمن ذلك أن تقرأ الأبيات طردا وعكسا كما جاء فى المقامة المغربية من مثل قوله:
اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
فإن البيت يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله دون أى اختلاف فى لفظ أو حرف، ومن الغريب أن من جاءوا ابعده جعلوا ذلك لونا من المحسنات البديعية وسموه «ما لا يستحيل بالانعكاس». وتمرين هندسى ثان عرضه فى المقامة الشعرية، وهى أبيات التزم فى داخلها قافية غير قافيتها الخارجية على هذه الصورة:
يا خاطب الدنيا الدنيّة إنها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
стр. 2452
دار متى ما أضحكت فى يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار
فإننا إذ اوقفنا عند الكلمة الدالية فى الشطر الثانى أصبح البيتان من مجزوء الكامل على هذا النحو:
يا خاطب الدنيا الّدنيّ ... ة إنها شرك الرّدى
دار متى ما أضحكت ... فى يومها أبكت غدا
وبجانب هذا التمرين الهندسى الذى لا يضيف معنى نجده فى مقامته التى سماها بالرّقطاء يبتكر تمرينا أحد حروف كلماته منقوط وتاليه غير منقوط من مثل قوله:
مخلف متلف أغرّ فريد ... نابه فاضل ذكىّ أنوف
ويتلو هذا التمرين بتمرين مماثل فى نفس المقامة، وكرر ذلك فى المقامتين المرويّة والبكرية. ونراه فى المقامة الحلبية يبتدع تمرينا شعريا من طراز خطّىّ آخر هو طراز الحروف الخالية من النقط فى مثل قوله:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
ولا يكتفى بهذا التمرين، بل يضيف إليه تمرينا شعريا خطّيّا ثانيا، كل كلماته مؤلفة من حروف معجمة أو منقوطة من مثل قوله:
فتنتنى فجنّنتنى (تجنّى) ... بتجنّ يفتنّ غبّ تجنّى
وكأن هذين التمرينين الهندسيين فى تلك المقامة لم يقنعاه، أو كأنه أحسّ أنه من الممكن محاكاتهما فجاء بتمرين خطى ثالث، لا يتعلق هذه المرة بالنقط وعدمه، بل يتعلق بشكل الحروف، إذ يظن من ينظر إلى كلماتها نظرة سريعة أنها متماثلة مثل:
زيّنت زينب بقدّ يقدّ ... وتلاه-ويلاه-نهد يهدّ
وواضح أن بين كل لفظين متواليين تجنيسا خطيّا واضحا. وكل ذلك ليس شعرا وإنما هو تمارين أو لعب هندسية (١)، غير أنهم كانوا يعجبون بها، ولذلك نرى الشعراء-وخاصة المتأخرين-ينظمون منها كثيرا. ومن تتمة هذه التمارين الهندسية فى العصر كثرة الألغاز والأحاجى فى الشعر وقد خصوها بالتأليف اهتماما بها، من ذلك كتاب الإعجاز فى الأحاجى والألغاز للحظيرى وعنه ينقل العماد فى الخريدة (٢)، ولا يلبث أن يترجم لشاعر شغف بها هو الحكيم (٣) النيلى الطبيب، ويذكر له طائفة من
стр. 2453
ألغازه الشعرية فى العقل والرمّانة وكيزان الفخّار والنّاى وفيه يقول:
له رأس يخالف منه جسما ... بلا رجل فقس فيما تقيس
يئنّ أنين صبّ مستهام ... مشوق قد نأى عنه أنيس
وليس بذى صبابات فيهوى ... ولكنّ الهوى فيه حبيس
غير ألغاز أخرى ذكرها العماد، وألغازه طريفة، غير أن من جاء وابعده حشدوا فيها شعرا رديئا معقدا. وقد أكثر الشعراء فى الحقب المتأخرة من التواريخ فى الشعر، إذ يحسبون بيتا أو نصف بيت بحساب الجمّل مؤرخين للسنة التى نظموا فيها قصائدهم أو لسنة العرس الذى هنّأوا به أو للسنة التى ولد فيها غلام إلى غير ذلك مما لا يفيد معنى.
ومع ذلك فقد كان هناك شعراء مجيدون دائما، كانوا أعلاما نابهين، وسنفرد لهم بعض الصحف التالية.
ومن أهم ما تمتاز به أقاليمنا فى العصور الوسطى أنه كانت تسود بينها فى الأدب وفى العلم وحدة، جعلت كل شاعر نابه فى إقليم كأنه شاعر البلاد العربية جميعها، كما جعلت كل لون جديد يظهر فى إقليم لا يلبث أن تنظم فيه الأقاليم الأخرى، ومن خير الأمثلة الدالة على ذلك الموشحات، إذ نجدها تظهر فى الأندلس ويضع لها قوانينها فى القرن السادس شاعر مصرى هو ابن سناء الملك، ونراها على ألسنة الشعراء فى الشام والعراق وغيرهما من البلدان العربية، ومن أمثلتها فى الخريدة موشحة (١) لشاعر موصلى هو التاج البلطى المتوفى سنة ٥٩٩. ويلقانا فى القرن السابع وشاح عراقى كبير ترجم له ابن تغرى بردى فى المنهل الصافى باسم شهاب الدين الموصلى (٢) أحمد بن الحسن صاحب الموشحات، وكان يستخدمها فى المديح وغير المديح، وينشد ابن تغرى بردى موشحة له عارض بها موشحة للقاضى الفاضل عبد الرحيم، تجرى على هذا النحو:
بى من حوى الحسن كلّه ... وفاق غيد الأكلّه (٣)
بدر تمام مصوّر ... ما فيه نقص الأهلّه
فشعره لليالى ... وفرقه للصباح
وجفنه للنّصال ... وقدّه للرّماح
وريقه للزّلال ... وثغره للأقاح
стр. 2454
وقد بدأ موشحته بالقفل وتلاه بالدور، ثم تتابعت الأقفال والأدوار، وكان يعرف كيف ينتخب كلماته عذبة رشيقة، كما كان يعرف أنه لكى تتكامل رشاقة الموشح يحسن أن تكون الشطور فى الأدوار قصيرة وأن يسرى فيها صفاء موسيقى بديع. وأنشد له ابن تغرى بردى موشحة يعارض بها موشحة مظّفر الأعمى المصرى:
كلّلى يا سحب تيجان الرّبى بالحلى
وظن بعض الأسلاف أن هذا الموشح لابن سناء الملك، لروعة موسيقاه، وهو ظن مخطئ وكان مظفر يعاصره تقريبا، فقد توفى بعده بنحو خمس عشرة سنة. وتمضى موشحة الموصلى فى هذه الصورة:
جلّلى ... يا راح كأسى ولها كلّلى
بالحلى ... سوارها ثم لها خلخلى
من غرر ... حبابك المنظوم مثل الدّرّ
بالخمر ... كأنه الياقوت فوق الجمر
والزّهر ... فى الرّوض أمثال النجوم الزّهر
ومهارته واضحة فى انتخاب الألفاظ والملاءمة بينها فى الجرس والنغمة، وبحق يصف ابن تغرى بردى موشحاته بأنها بديعة وأنها ذات نظم رائق. ويقول إن له موشحات كثيرة. وربما كان أهم الوشاحين العراقيين بعده صفى الدين الحلى، ونلتقى فى ديوانه باثنتى عشرة موشحة منها ست فى مديح الملوك والأمراء وخمس فى الغزل وموشحة صوفية. ومع أنه أجمل صوت يلقانا بعد القرن السابع فإنه يهبط فى موشحاته درجة أو درجات عن الموصلى وربما كان أخف مطلع لموشحاته قوله فى فاتحة موشحة عارض بها أبا بكر بن بقى الأندلسى المشهور فى موشحة بديعة له:
صاحب السيف الصقيل المحلّى ... جرّد اللّحظ وألق السّلاحا
لك يا ربّ العيون ... القواتل
ما كفى عن حمل سيف ... وذابل (١)
أعين تبدو لديها ... المقاتل
ما سرى فى جفنها الحسن إلا ... أوثقت منا قلوبا جراحا
وربما كانت المعارضة هى التى جعلته يتفوق فى هذه المرشحة، كما جعلته يصفّى لفظه تصفية، شديدة بحيث أصبح يشبه الماء العذب السلسبيل، وخاصة فى هذا المطلع البديع.
стр. 2455
٣ - شعراء المديح
لا نبالغ إذا قلنا إن كل من نلقاهم من عشرات الشعراء-إلا من ندر-عند أصحاب اليتيمة والدمية والخريدة ومن جاءوا بعدهم كانوا شعراء مديح، وينبغى أن لا نقلل من أهميتهم وأهمية شعرهم ذاهبين مع من يذهبون إلى أن هذا الشعر كان فى مجموعه نفاقا وملقا، وهى فكرة مخطئة، فقد ظهر العرب على مسرح التاريخ منذ العصر الجاهلى وهم يتغنون بمديح شيوخهم وأبطالهم راسمين فيهم الأمجاد الحربية لقبائلهم ومثاليتهم الخلقية الكريمة، مذكين بذلك الحماسة فى نفوس الشباب. وبذلك كان الشعر ديوان مفاخرهم أو بعبارة أدق كان المديح هو هذا الديوان، وأيضا كان ديوان مثلهم الخلقية من الجود وعزة النفس والكرامة. وانضمت إلى ذلك إشعاعات إسلامية منذ ظهر الدين الحنيف، إذ مضى شعراء المديح حين يمدحون خليفة أو واليا يتحدّثون عن العدل أو العدالة التى لا تصلح حياة الناس بدونها، كما يتحدثون عن تقواهم وصدورهم فى الحكم عن روح الإسلام وتعاليمه. ولم يتركوا معركة بينهم وبين أعدائهم من الأجانب إلا سجّلوا مجدنا الحربى فيها ليدفعوا الشباب إلى سلّ السيوف وقطع رقاب الأعداء ومحقهم محقا. وبذلك كله كان المديح طوال العصور السابقة لهذا العصر صحيفة تربية، يجد فيها الشباب القدوة الحسنة فى العمل المجيد وفى الخلق الحميد. وظلت لها هذه الغاية طوال عصر الدول والإمارات، فالشعراء يصوّرون فيها رجال الأمة العربية وكل ما يتحلّون به من خصال رفيعة وكل ما يحققونه لدولهم وإماراتهم من أعمال حربية، وكأنهم يريدون أن يرفعوهم نصب عيون الشباب شعارات تعبّر عن آمال الأمة التى حققوها والأخرى التى تأمل منهم أن يحققوها، مما جعلهم أحيانا يبالغون فى تصويرهم كأنما يريدون أن يحملوهم على النهج الصحيح الذى تريده الأمة، ولذلك يكثر أن لا يكتفوا بتصويرهم فى صورهم الحقيقية، بل يصوروهم كما تريد لهم ومنهم الأمة أو الإمارة.
وأول موجة تلقانا من شعراء المديح فى العصر شعراء اليتيمة وتتمتها الذين عاصروا الدولة البويهية، وفى الحق أن البويهيين ووزاءهم-كما مرّ بنا-بعثوا فى هذا العصر نهضة شعرية قوية، بما أسبغوا على الشعراء من عطايا وما فتحوا لهم من مجالسهم، ولن نستطيع أن نعرضهم جميعا، غير أننا سنقف قليلا عند ثلاثة من أفذاذهم، هم أبو الحسن محمد
стр. 2456
ابن عبد الله السّلامى وأبو الفرج عبد الواحد بن نصر المعروف باسم الببّغاء وأبو نصر عبد العزيز بن محمد بن نباتة المعروف باسم ابن نباتة السعدى. والثلاثة من مداح سيف الدولة بحلب وحكام العراق جميعا. وقد ولد السّلامى بكرخ بغداد (١) وتوفى سنة ٣٩٣ وله مديح رائع فى عضد الدولة البويهى يقول فيه من قصيدة طويلة:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمى فى الظلام وصارمى ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النّسر
وبشّرت آمالى بملك هو الورى ... ودار هى الدنيا ويوم هو الدهر
وأبو الفرج الببّغاء (٢) من نصيبين فى الموصل، توفى سنة ٣٩٨ وذكر له الثعالبى طائفة من أشعاره كان يتغنّى بها فى عصره، وله مدائح مختلفة فى سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهى، ومن مدحه لسعيد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان:
لا غيث نعماه فى الورى خلّب ال ... برق ولا ورد جوده وشل (٣)
جاد إلى أن لم يبق نائله ... مالا ولم يبق للورى أمل
وابن نباتة السّعدى (٤) من شعراء بغداد وأفرادهم المبدعين، توفى سنة ٤٠٥ وهو من مدّاح عضد الدولة، وله فيه قصائد مختلفة يصف فى إحداها نار السّذق، وكان عيدا مشهورا للنار عند الفرس فى الإسلام كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وله فى سيف الدولة قصائد بديعة، منها قصيدة فى وصف فرس أغر محجل أهداه إليه، وفيها يقول:
نختال منه على أغرّ محجّل ... ماء الدياجى قطرة من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
وهو تعليل بديع لبياض الغرّة والساقين معا، وكنى عن شدة سواده كناية رائعة إذ جعل الدياجى قطرة من سواده، وله فى سيف الدولة بيته المشهور:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل
وكان يحذو حذو المتنبى فى كثرة الفخر والحماسة والشكوى من الدهر والزمن، وايضا كان يحاكيه فى نثر الحكم بشعره من مثل قوله:
стр. 2457
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوّعت الأسباب والموت واحد
وسنعرض لشاعرين كبيرين من شعراء العصر البويهى بين شعراء التشيع هما الشريف الرضى ومهيار. ولا يلقانا فى الدمية شاعر كبير ولعل من الغريب أنها لم تترجم لأكبر شعراء القرن الخامس: على (١) بن الحسن الرئيس أبى منصور المشهور بلقبه صرّدرّ المتوفى سنة ٤٦٥ وديوانه مطبوع بدار الكتب المصرية، ويقول ابن خلكان: جمع شعره بين جودة السبك وحسن المعنى، وعليه طلاوة رائعة وبهجة فائقة. وديوانه يموج بالمدائح البديعة، ومن قوله فى الخليفة القائم:
كأنّ رسول الله ألقى رداءه ... من «القائم» الهادى على جبل راسى
زمان الورى فى ظلّه وجنابه ... كأيام تشريق وليلات أعراس
هو المصطفى التّقوى متاعا لنفسه ... بجوهرها حال بسندسها كاس
من الخلفاء الرافعين بناءهم ... بأطول أعمار وأثبت آساس
وواضح أن لغته رصينة وصوره بديعة، وقد جعل زمان الناس فى أيام القائم أعراسا وأيام تشريق وهى أيام عيد الأضحى بعد يوم النحر، فأيامه أعياد وأعراس وأفراح لما أشاع فيها من عدل وأمن. وله فى فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير حين تولى الوزارة سنة ٤٥٥ قصيدة من مشاهير القصائد كما يقول ابن خلكان فى ترجمة ابن جهير، وسننشد بعض غزلها فى حديثنا عن شعراء الغزل، وفيها يقول له:
أعدت إلى جسم الوزارة روحه ... ومما كان يرجى بعثها ونشورها
وهى قصيدة بديعة، ولا يقل عنها إبداعا قصيدة ثانية للشاعر مدح بها ابن جهير حين أعاده الخليفة القائم إلى الوزارة سنة ٤٦١ بعد عزله، وفيها يقول:
قد رجع الحقّ إلى نصابه ... وأنت من كل الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلّته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
أكرم بها وزارة ما سلّمت ... ما استودعت إلا إلى أربابه
مشوقة إليك مذ فارقتها ... شوق أخى الشيب إلى شبابه
وقراب السيف: غمده. والقصيدة كأختها رائعة. ويموج كتاب الخريدة بشعراء كثيرين ومدائحهم، نذكر من بينهم الحيص (٢) بيص أبا الفوارس سعد بن محمد التميمى
стр. 2458
المتوفى ببغداد سنة ٥٧٤ عرف باسم الحيص بيص لأنه رأى الناس يوما فى حركة شديدة فقال: ما للناس فى حيص بيص، فلصقت به الكلمة لقبا له، وهو يشغل فى المجلد الأول من القسم العراقى فى الخريدة نحو مائة وستين صحيفة، استهلها العماد بأنه من سلالة أكثم ابن صيفى الحكيم الجاهلى، وذكر أنه قرأ عليه ديوانه واقتطف قطعة من خطبته للديوان يفضل فيها الشعر على النثر، وقطعة أخرى يتحدث فيها عن اشتغاله فى أول شبابه بالفقه ومسائل الخلاف فيه، ثم اتجه إلى الشعر فبرع فى نظمه. ويستعرض العماد ديوانه على ترتيب الحروف فى الافتخار والمديح، ويذكر له ثلاثة أبيات هنأ بها الخليفة المستضئ بأمر الله حين اعتلى عرش الخلافة سنة ٥٦٦ تجرى على هذا النمط:
سألنا الله أن نعطى إماما ... نعيش به فأعطانا نجيّا
بلغنا فوق ما كنا نرجّى ... هنيّا يا بنى الدنيا هنيّا
وقد كشف الظلام بمستضئ ... غدا بالناس كلّهم حفيّا
وسرّ المستضئ حين سمع منه ذلك فأعطاه ثلاثمائة دينار وخلعة ودارا، وأقطعه ضيعة كبيرة. ولعل فى ذلك ما يدل على أن سوق المديح ظلت رائجة طوال أزمنة الخلافة العباسية ببغداد. وخلف المستضئ الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) فعمل على رواج سوق المديح بكل ما وسعه، حتى لقد أنشأله ديوانا خاصا وسمى الشعراء المدونة أسماؤهم فيه باسم شعراء الديوان (١)، وأكبر الظن أنه كان يجرى عليهم رواتب، وكانت لهم مواسم كثيرة يلقون فيها الشعر حين يتولىّ خليفة وحين يقبل عيد أو يولد ولد أو يختن، وكذلك حين يسترد الخليفة صحته من مرض ألمّ به. وبالمثل كان للوزراء وذوى البيوتات شعراؤهم، وشاعر الناصر الفذ سبط ابن التّعاويذى، وسنترجم له. ويقال إن محيى الدين بن الجوزى كان ينظم فى كل أسبوع قصيدة يمدح بها الناصر (٢)، فما بالنا بغيره من شعراء الديوان الذين كانوا يلتمسون المناسبات لنظم مدائحهم. ومنذ احتدمت الحروب بين صلاح الدين والصليبيين وأخذت انتصاراته تتوالى أخذ كثيرون من شعراء العراق ينظمون مدائحهم فيه، من مثل العلم الشاتانى (٣) الموصلى المتوفى سنة ٥٧٩ وله فيه مدحة استهلها بقوله:
стр. 2459
أرى النّصر معقودا برايتك الصّفرا ... فسر وافتح الدنيا فأنت بها أحرى
ونوّه صاحب النجوم الزاهرة بابن الشّحنة الموصلى أبى حفص عمر بن محمد لمدحة قافية له فى صلاح الدين (١). ومن مداحه بالموصل أيضا ابن الدهان (٢) أبو الفرج عبد الله ابن أسعد المتوفى سنة ٥٨١، وقد نشر ديوانه ببغداد أخيرا، وقصد مصر زمن الوزير الفاطمى طلائع بن رزّيك وأنشده فى مديحه قصيدة كافية بديعة، ويقال: بل أرسلها إليه فكافأه عليها بجائزة سنيّة وفى تخلصه بها من الغزل إلى المديح يقول:
لا نلت وصلك إن كان الذى زعموا ... ولا سقى ظمئى جود ابن رزّيكا
القاتل الألف يلقاهم فيغلبهم ... والواهب الألف تلقاه فيغنيكا
ونمضى فى القرن السابع الهجرى، فتلتقى براجح (٣) الحلّى المتوفى سنة ٦٢٧ وتهنئة أنشدها الكامل سلطان مصر حين استخلص دمياط من الصليبيين سنة ٦١٨ وردّهم مدحورين إلى البحر المتوسط وما وراءه، وكان قد عاونه فى دحرهم أخواه المعظم عيسى والأشرف موسى، وإلى ذلك يشير راجح فى قصيدته مستخدما للتورية إذ يقول:
تهلّل وجه الدهر بعد قطوبه ... وأصبح وجه الشّرك بالظلم أسودا
أعبّاد عيسى إنّ عيسى وحزبه ... وموسى جميعا يخدمون محمدا
وواضح أنه قصد إلى التورية حين جعل المعظم عيسى والأشرف موسى يقفان فى خدمة أخيهما الكامل محمد، وهى تورية بديعة. ويتوفّى الخليفة الناصر، ويخلفه ابنه الظاهر لنحو سنة، ويتوفى، فيخلفه ابنه المستنصر (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ) ومن أهم شعرائه ابن أبى الحديد المتوفى سنة ٦٥٦ وقد نظم فيه مجموعة من المدائح طبعت باسم المستنصريات، وسنعرض له بين شعراء الشيعة، ومن شعرائه أيضا مجد الدين النشابى (٤) أسعد بن إبراهيم الإربلى المتوفى سنة ٦٥٧ وكان يكثر من مديحه بمثل قوله:
ورث النبوة طاهرا عن طاهر ... إرثا ينزّه عن مقالة مفترى
وإذا رأى الراءون نور جلاله ... لم تلق غير مهلّل ومكبّر
стр. 2460
ويكثر مثل هذا الغلو فى المديح منذ أوائل العصر، وأكبر الظن أنه من أصداء مدائح الشيعة لأئمتهم وما أحاطوهم به من هالة قدسية ومن مبالغات مفرطة. وطبعا ألغى ديوان الشعراء بعد الغزو التتارى وركدت سوق الشعر. ونمضى فى القرن السابع فنلتقى بفخر الدين مظفر بن الطرّاح المتوفى سنة ٦٩٤ وله مدائح كثيرة فى علاء الدين عطا ملك الجوينى صاحب ديوان بغداد (١). وكان يعاصره ابن نعيم الحلى، وله ديوان (٢) سماه «شرف المزية فى المدائح العزّية» مدح به صدر الحلّة عز الدين أبا محمد حسن بن الحسين الأسدى الحلى، ويكفى القرن الثامن فخرا ظهور صفى الدين الحلى فيه. ومر بنا فى فواتح الفصل اسم شهاب الدين الموسوى فى العصر العثمانى الأول واسم محمد كاظم الأزرى فى العهد العثمانى الأوسط أو عهد المماليك، ولهما ديوانان يطفحان بالمديح، ولعل من الخير أن نخص بالحديث كبار شعراء المديح فى العصر: المتنبى ، وسبط ابن التعاويذى، وصفى الدين الحلى.
المتنبى (٣)
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين من عشيرة جعفىّ المذحجية اليمنية، ولد سنة ٣٠٣ بحى كندة فى الكوفة، ولذلك قد يقال له الكندى. أما أمه فكانت همدانية، فهو يمنى أبا وأما. وذكر بعض خصومه وهجّائيه أن أباه كان سقّاء، وأضاف بعضهم أن اسمه
стр. 2461
«عبدان». ولم يعر ابن خلكان هذه الدعوى اهتماما، وهى دعوى ملفقة كيدا للشاعر الفذّ وحسدا. وكل شئ فى سيرة الشاعر يؤكد بطلانها، فقد ذكروا أن أباه ألحقه بكتّاب أبناء الأشراف، ويبعد أن ينتظم فى سلك هؤلاء الأبناء وأبوه سقّاء يحمل الماء لأهل الحى القاطن به. وقد تفتحت موهبته الشعرية مبكّرة، وهو فى نحو الثامنة من عمره، واتفق أن قال له بعض رفاقه من الصّبية: ما أحسن وفرتك وشعرك، وفوجئ الصّبىّ بردّه:
لا تحسن الوفرة حتى ترى ... منشورة الضّفرين يوم القتال
على فتى معتقل صعدة ... يعلّها من كل وافى السّبال
فالوفرة-أو الشعر المجتمع على الرأس-لايحسن منظره إلا يوم القتال حين تشعّث ذوائبه على رأس فتى باسل يعتقل صعدة أو رمحا يعلّها أو يرويها من دماء الرجال، فتى لا يبرح ميادين النضال والقتال. وفى ذلك ما يدل على أنه كان يستشعر منذ نعومة أظفاره نفسا كبيرة بين جنبيه، نفسا ستعيش للفتوة والإقدام، ولن يجذبها أى جمال حسى أو متاع مادى فى الحياة، مما جعله ينصرف عن الخمر بل ينهى عن احتسائها، أما ما قيل من حبه للعبة الشطرنج فلأنها تمثل مواقع الحرب والعراك. وما يكاد الفتى يبلغ التاسعة من عمره، حتى يغزو القرامطة الكوفة ويسفكوا الدماء ويسبوا النساء، ويفرّ الناس منها جزعا وفزعا، ويفر به أبوه إلى بادية السماوة بين العراق والشام ويظل المتنبى نحو عامين أو ثلاثة يتردد فى القبائل ويتغذّى بلغتها، وتتغذّى فتوته الجاثمة بين ضلوعه. ويعود إلى الكوفة فى مستهل سنته الثانية عشرة، ولا ندرى هل كان أبوه لايزال حيا أو أنه توفّى قبيل عودته أو بعد عودته بقليل، ونظن ظنا أن أمه فارقت الحياة قبل أبيه، بل لعلها فارقتها وهو لا يزال رضيعا. وإنما يحملنا على ذلك أننا لا نجد لأمه ولا لأبيه ذكرا فى ديوانه، بينما نجده يرثى جدته وهو فى نحو الثلاثين من عمره رثاء حارا قائلا:
ولو لم تكونى بنت أكرم والد ... لكان أباك الضّخم كونك لى أمّا
وفى تسميته لها بأنها أمه ما قد يشهد بوفاة أمه فى باكورة حياته وأن جدته هى التى قامت على تربيته. وحاول بعض المعاصرين أن يلقى شيئا من ظلال الشك على نسبه، لأنه لم يذكر فى شعره أباه ولا أمه مما قد يؤكد أنه كان يشعر بشعور الضعة من ناحية أسرته وأهله الأدنين، وجعله ذلك يبغض الناس. والنتيجة ومقدمتها غير صحيحتين، فإن كثيرا من شعراء العرب لم يذكروا فى أشعارهم آباءهم ولا أمهاتهم، وليس فى ذلك أى دليل على
стр. 2462
أن أسرهم كانت وضيعة، بل إننا نجد سيد بنى عامر وفارسهم فى الجاهلية عامر ابن الطفيل يقول:
وما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
فهو يفخر بأن سيادته لقومه ليست وراثة عن آبائه، مع أنهم كانوا سادة بنى عامر فعلا، ويريد أن يقول إنه ساد بنى عامر ببأسه وأعماله المجيدة، بالضبط كما قال المتنبى:
لا بقومى شرفت بل شرفوا بى ... وبنفسى فخرت لا بجدودى
وبهم فخر كلّ من نطق الضّا ... د وعوذ الجانى وغوث الطّريد
على أن المتنبى يعود فيفخر بقومه، أما عامر فيطلق فخره بنفسه إطلاقا. ولعل فى ذلك ما يدل على أن كل ما رتبه بعض المعاصرين على هذين البيتين للمتنبى وما حاولوا أن يسوقوا من شك فى نسبه غير صحيح. ومن المؤكد الذى لا يرقى إليه شك أن المتنبى كان عربيا صميما وأن العرب لم ينبت بينهم شاعر قبله ولا بعده استشعر العروبة استشعاره حتى لو أردنا أن نقيم للعروبة والعرب تمثالا لكان المتنبى هو الشاعر الخليق بأن يقام له هذا التمثال، وقد لبس درعا، وشدّ فى وسطه منطقة وسيفا، وفى إحدى يديه رمح مصوّب وفى الأخرى ريشة الشاعر، وهو يمتطى حصانا وكأنه يطلب القتال والنزال. فهو هذا التمثال الذى يرمز أروع رمز إلى العرب واستصغارهم لذوى الحكم والسلطان وصياحهم فى وجوه أعدائهم، وإنه ليصيح بكل قوته هادرا عاصفا، يريد أن يوقظ من حوله من العرب ويستنقذهم مما تورطوا فيه من هوان وتواكل واستسلام لحكامهم العاتين، ومن أجل ذلك يصور نقائصهم بمثل قوله:
ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام
وليس ذلك عن بغض للناس كما قال بعض المعاصرين وإنما محاولة صارمة لتخليصهم من أخلاقهم الذميمة التى جعلتهم يخنعون لحكامهم الأعاجم الذين كانوا يرهقونهم من أمرهم عسرا.
وستتضح شخصية المتنبى حين نتابعه فى حياته، وقد رأيناه يخرج إلى البادية فى سن التاسعة ويعود فى الثانية عشرة من سنّه، ويكبّ على كل ما كان فى الكوفة من ثقافات، فإذا هو يلتهم كتب اللغة التهاما ويلتهم أيضا كتب النحو. ويتعرف على كتب الفلسفة عن طريق ممدوح كوفى له يسمى أبا الفضل وعن طريقه يتعرف على التصوف. وبكل ما قدمنا نستطيع أن نعرف العناصر التى أسهمت فى تكوين شخصيته، فهو عربى لحما ودما، وتستأثر
стр. 2463
به العروبة إلى أقصى حد حتى لتجعله لسانها الناطق بها طوال حياته. وهو قد تغذى بلبان البادية، وأفادته صقلا فى لغته ووقوفا على الغريب والشواذ اللغوية، كما أفادته صقلا فى فتوته وإحساسه بعروبته، ثم هو قد ثقف كل أنواع الثقافات فى عصره، واقترض منها فى شعره صيغا من النحو الكوفى الشاذ ومن الغرائب اللغوية ومن الأفكار والألفاظ والعبارات الفلسفية، ومن مصطلحات التصوف وشارات عباراته. وكل ذلك فصّلنا الحديث عنه فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى».
وكان أبواه قد توفيا، وأكثر القرامطة من غاراتهم على الكوفة فى سنوات ٣١٥ و ٣١٦ و ٣١٩ فرأى الفتى أن يبرح مسقط رأسه إلى بغداد، ومدح بها أحد العلويين ومتصوفا يسمى هرون بن على الأوراجىّ، ولا نراه يمدح خليفتها ولا حاكمها الأعجمى ولا أحدا من ذوى السلطان، وكأنما وقف حائلا بينه وبينهم ما رآه بأم عينه من فساد الحكم وتسلط الحكام الأعاجم على العرب، ويتألم لما أصابهم من ذلك وهوان، ويفعم صدره بمشاعر العروبة، وتثور نفسه ثورة عاصفة ويصيح من أعماقه:
إلى أى حين أنت فى زى محرم ... وحتى متى فى شقوة وإلى كم؟
وإلا تمت تحت السيوف مكرّما ... تمت وتقاس الذلّ غير مكرّم
فثب واثقا فى الله وثبة ماجد ... يرى الموت فى الهيجا جنى النّحل فى الفم
وهو يستحثّ نفسه والعرب من حوله أن يخلعوا زىّ المحرمين بالحج، يريد زىّ الاستسلام إزاء حكام بغداد الأعاجم الفاسدين، ويلبسوا مكانه دروع الحرب لمنازلتهم منازلة لا تبقى منهم ولا تذر. وييئس ممن حوله أن يثوروا معه ضد الفساد والظلم والطغيان ويولّى وجهه نحو بوادى الشام وحواضرها ويمدح شيوخ البدو وبعض رعاة الأدب فى طرابلس واللاذقية، وهو لا يكفّ عن المجاهرة بالثورة على الحكام الأعاجم الجائرين الذين لا يرعون للعرب حرمة ولا عهدا ولا ذمة، ويصيح فى قومه:
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عرب ملوكها عجم
لا أدب عندهم ولا حسب ... ولا عهود لهم ولا ذمم
وهو يقول إنه لن يكتب للعرب فلاح طالما كانوا مستذلّين للحكام الأعاجم راضخين لسلطانهم مع ما يسومونهم به من العسف والقهر. ويمضى فى دعوته وثورته فى بوادى الشام من اللاذقية إلى بعلبك، ويحسّ فى أهل «نخلة» بالقرب من بعلبك تواكلا وتخاذلا وأنهم لا يسارعون معه إلى الثأر لكرامتهم المهدرة، فيستثيرهم بقصيدة ملتهبة يقول فيها:
стр. 2464
ما مقامى بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود
عش عزيزا أومت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
واطلب العزّ فى لظى ودع الذ ... لّ ولو كان فى جنان الخلود
أنا ترب النّدا وربّ القوافى ... وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا فى أمة تداركها اللّ ... هـ غريب كصالح فى ثمود
وكان تشبيهه لنفسه فى القصيدة بالمسيح وبالنبى صالح سببا فى أن يتهمه بعض معاصريه بادعائه النبوة، وبالغوا فزعموا أنه ادّعى لنفسه قرآنا ذكروا بعض فقر منه، وكل ذلك غير صحيح، فقد كانت ثورته سياسية قومية لا دينية ولا قرمطية كما توهم بعض الباحثين. أما لقبه المتنبى فهو الذى لقب نفسه به، أو لعل بعض المعجبين بشعره هم الذين لقبوه به، رمزا لعبقريته الشعرية وأنه يأتى فى أشعاره بالمعجز الذى ليس له سابقة. وهو يضع فى البيتين الثانى والثالث دستور العرب على مرّ التاريخ فإما العيش العزيز وإما الموت الكريم فى ساحة الشرف والنضال، ولا حياة بدون العزة والكرامة. وإن العربى الحرّ ليفضّل العز فى الجحيم على الذل فى الفراديس. ويترك قرية نخلة إلى بادية اللاذقية ويتبعه كثيرون لأواخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ويقود ثورة ضارية، وكان لا يزال فى العشرين من عمره.
ويقضى لؤلؤ والى حمص من قبل الإخشيد على ثورته ويزجّ به فى غياهب السجن. ويظل به نحو سنتين، وتردّ إليه حريته، ويعود إلى توقيع أشعاره على قيثارته فى مديح ولاة البلدان الشامية، وخاصة بدر بن عمار الأسدى صاحب دمشق من قبل بغداد، ووجد فيه المتنبى أمنيته فى فارس عربى، فمدحه ونوّه بفروسيته فى تصويره الرائع لفتكه بأسد، مستهلا له بقوله:
أمعفّر اللّيث الهزبر بسوطه ... لمن ادّخرت الصّارم المصقولا
يقول له إنك صرعت الأسد بسوطك فلمن أبقيت سيفك، ومضى يشيد ببأسه ومضائه. وظل لا ينسى دعوته إلى الثورة مستنهضا همم قومه ضد حكامهم الأعاجم بمثل قوله:
لا يعجبنّ مضيما حسن بزّته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن
وقوله:
ذلّ من يغبط الذّليل بعيش ... ربّ عيش أخفّ منه الحمام
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميّت إيلام
وفى أواخر هذا الاضطراب بين ولاة الشام التابعين لبغداد والآخرين التابعين لمصر جاءه
стр. 2465
نعى جدته، فحزن عليها حزنا شديدا ورثاها رثاء حارا بميميته التى يقول فيها مفاخرا بقومه وأهله:
وإنى لمن قوم كأن نفوسهم ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
فلا عبرت بى ساعة لا تعزّنى ... ولا صحبتنى مهجة تقبل الظّلما
وهما بيتان رائعان يصوران الأنفة والعزة إلى أبعد حد، وهو جانب فى شعر المتنبى جعله محبّبا لكل عربى، إذ تتوهج أشعاره بخصال العربى الكريم وما يشعر به من العزة والأنفة والإباء والشعور بالكرامة والترفع عن الدنايا إلى أقصى حد، وكأنه ترجمان العرب عن فضائلهم العليا الوطيدة كالصخر. وبهذه النفس العاتية كان المتنبى ينظم شعره منذ سال على لسانه فى الكتّاب معبرا عن الروح العربية التى لا تقهر، مهما نزل بها من الكوارث والخطوب. وهو نفسه قد نزلت به كارثة أو محنة إخفاق ثورته، ومع ذلك لا يزال يهدر ويزمجر ويزأر، ولا يجد سميعا ولا مجيبا. وتحدّثه نفسه فى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة أن يقدّم مدائحه لولاة سيف الدولة الحمدانى، وكان أميرا لحلب واتسع بإمارته إلى حمص وأنطاكية منتزعا لهما من يد الإخشيديين، فقّدم المتنبى مدائحه إلى واليه على أنطاكية أبى العشائر الحمدانى ابن عمه، فأجزل له فى العطاء. ومضى فى مديحه، ويقدم سيف الدولة إلى أنطاكية فى جمادى الأولى من سنة سبع وثلاثين، فيمدحه المتنبى، ويعجب كل منهما بصاحبه، ويطلب سيف الدولة منه أن يصطحبه إلى حلب وينزل عنده، ويقول الرواة إن المتنبى اشترط عليه أن لا يقبّل الأرض بين يديه وأن لا ينشده مدائحه إلا قاعدا، ويجيبه سيف الدولة إلى شرطيه، ولعل فيهما ما يشير إلى شعور المتنبى بالعزة والكرامة شأن العربى الأصيل. ويظل المتنبى عنده تسع سنوات، ينظم فيها مدائح وأشعارا فى أميره، تؤلف ديوانا، وهو ديوان من أنفس دواوين الشعر العربى، لا من حيث كثرة قصائده فحسب، بل أيضا من حيث روعتها، وقد بلغت نحو أربعين قصيدة وإحدى وثلاثين مقطوعة، واستقرّ حينئذ فى نفسه أنه لقى أمل العرب وحاميهم وفارسهم الذى يمزّق جموع الروم شرّ ممزّق فى الشمال، وغدا يمزّق جموع الحكام الأعاجم من البويهيين فى بغداد، ويردّ للعرب دولتهم المفقودة. وكان سيف الدولة بحق بطلا مغوارا وشجاعا مقداما، حطم جيوش الروم مرارا واستنقذ منهم غير ثغر وحصن، وكان المتنبى يصحبه فى غزواته، حتى إذا عاد معه أنشده بحلب ما نظمه فى بطولته وبطولة جنوده. وكانت أول موقعة حضرها الشاعر مع البطل موقعة الحدث سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. وكان الروم قد استولوا على هذا الحصن، فرأى سيف الدولة أن يستردّه ويعيد بناءه، وأعدّ جيشا جرّارا
стр. 2466
زحف به من حلب، ولقيه الروم وهزموا هزيمة ساحقة، قتل منهم فيها ثلاثة آلاف من بينهم ابن القائد برداس فوكاس وصهره، وأسر منهم آلاف، وضعت فى أرجلهم الأغلال والسلاسل، وبنى سيف الدولة الحصن بين تكبير المسلمين وتهليلهم، وسجل المتنبى الموقعة فى ميمية رائعة خاطبه فيها مبتهجا بقوله:
وقفت وما فى الموت شكّ لواقف ... كأنك فى جفن الرّدى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
ضممت جناحيهم على القلب ضمّة ... تموت الخوافى تحتها والقوادم
بضرب أتى الهامات والنصر غائب ... وصار إلى اللّبّات والنصر قادم
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
وهو يصور سيف الدولة فى المعركة رابط الجأش ثابت الجنان والرءوس تتطاير والأشلاء تتناثر، والموت يحدق من كل جانب، وكأنه فى جفنه وهو نائم عنه، مهابة ليس وراءها مهابة. وتمر به جنود الروم جرحى مهزومة هولا ورعبا، ولم يلبث أن لفّ جناحى جيشهم على القلب لفّة سريعة وحطم رءوسهم حطما إلى اللبّات والنحور. وولوا الأدبار مندحرين وسيف الدولة وجنوده ينثرونهم على جبل الأحيدب كما تنثر الدراهم على العروس ابتهاجا، وكأنه لم يكن يوم حرب، إنما كان يوم زفاف لنصر عظيم. والمتنبى لا يبارى فى وصفه لوقائع سيف الدولة مع الروم، حتى لكأنما نسمع فى قصائده السيفية قعقعة السلاح، وهى لا شك القطع الأرجوانية الرائعة فى ديوانه، وبحق قال ابن الأثير: «اختص المتنبى بالإبداع فى مواقع القتال. . وذلك أنه إذا خاض فى وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظنّ أن الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا». وتوفّيت فى نفس هذا العام عام سبعة وثلاثين أمّ سيف الدولة فرثاها بقصيدة بديعة، وفيها يقول بيتيه المشهورين:
رمانى الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادى فى غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتنى سهام ... تكسّرت النّصال على النصال
ونفس عليه كثيرون من حاشية سيف الدولة-وفى مقدمتهم أبو فراس الحمدانى الشاعر-منزلته، فأخذوا يكيدون له عنده، وأحسّ المتنبى بكيدهم، وأن سيف الدولة يرهف سمعه إليهم، فأنشده قصيدة ميمية يعاتبه فيها عتابا مرّا بمثل قوله:
يا أعدل الناس إلا فى معاملتى ... فيم الخصام وأنت الخصم والحكم
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم
стр. 2467
ويحاول سيف الدولة مرضاته ولكن حاشيته تظل تكيد له، وعجيب أمر الناس فإنهم يظلون يحسدون الأديب، حتى لو كانت ملكاته من الخصب مثل المتنبى، بل هم يحسدونه لهذه الملكات ويحاولون أن يفسدوا بينه وبين راعيه. ومن عجب أن يسمع سيف الدولة لحساد المتنبى، وهو لم يكن يقدم له مدائح المعجب فحسب، بل مدائح المحب المفتون، وإنه ليعلن ذلك فى غير قصيدة من مثل قوله:
مالى أكتّم حبّا قد برى جسدى ... وتدّعى حبّ سيف الدولة الأمم
ولعله أول من خلط المديح بالحب بل إنه ليخلط به وصف المعامع، إذ يسوق فيه ألفاظ النسيب والتشبيب والغزل كقوله:
أعلى الممالك ما ينبى على الأسل ... والطّعن عند محبّيهنّ كالقبل
ويصمم على الرحيل، ويرحل إلى دمشق، ويلتقى فيها بأصحاب كافور وأوليائه، فيغرونه بلقائه فى الفسطاط وأنه لابد أن سيقيمه واليا على «صيداء» أو ما يماثلها من بلدان الشام، وكأنما زيّنت نفسه له حين يوليه ولاية من الولايات أن يستبد بالأمر دونه ويحقق أمانيه القديمة فى إقامة الدولة العربية المنشودة. وينزل بساحته على ضفاف النيل سنة ٣٤٦ وينثر عليه كافور أمواله، فيصارحه بمثل قوله:
وما رغبتى فى عسجد أستفيده ... ولكنها فى مفخر أستجدّه
ويلوّح فى غير قصيدة بوعد أصحابه له بأنه سيمنحه ولاية، ولكن دون جدوى، فينتقم منه شر انتقام إذ استطاع بخبرته فى الصياغة الشعرية أن يوجه له مدائح هى فى ظاهرها ثناء ولكنها فى باطنها هجاء مرّ من مثل قوله:
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات فى نعمائه يتقلّب
والبيت يمكن أن يحمل على من يسبغ عليه العطاء فلا يعترف بالجميل، وبذلك يكون من الظلم بمكان. ويمكن أن يحمل على كافور وأنه يحسد من يسدى إليه العطاء، وبذلك يصفه بدناءة لا تدانيها دناءة. ويقول بعض الباحثين إن المتنبى استذلّ نفسه حين رضى بمدح كافور الأعجمى الحبشى، وهو الذى طالما هجا الأعاجم، ويستطردون فيقولون إنه تخلّى عن مسئوليته الأدبية. وليس هناك تخل من المتنبى ولا ما يشبه التخلى، فقد مدح كافورا فى سبيل أن يصبح صاحب ولاية وسلطان، فلما ماطله، سلّ عليه لسانه، وظل له عنده شعوره الجامح بكرامته وفتوة نفسه، حتى كأن نفسه من طبيعة فوق طبيعة نفوس الناس، فهى لا تضعف ولا تهرم، مهما تقدمت بالمتنبى السن ومهما اشتعل عذاره شيبا، بل لكأن شعرات شيبه البيضاء حراب مشرعة لنزال أعدائه، حراب من
стр. 2468
ورائها نفس تزمجر، لها أنياب الأسد ومخالبه، ويصور ذلك تصويرا رائعا فى قصيدة مدح بها كافورا سنة تسع وأربعين إذ يقول:
وفى الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أنّ ما فى الوجه منه حراب
لها ظفر إن كلّ ظفر أعدّه ... وناب إذا لم يبق فى الفم ناب
فاليأس المرير الذى ذاقه طوال أربع سنوات مجدبة لم يمس نفسه، بل ظلت فتية فتوة خليقة بكل إكبار. وفى أواخر مقامه بمصر ألمّت به حمّى، فوصف نزولها به فى الظلام ومبيتها فى عظامه وأثرها فى جسمه وصفا رائعا، ولها يقول بيته البديع:
أبنت الدّهر عندى كلّ بنت ... فكيف وصلت أنت من الزّحام
وعرّض فى القصيدة برحيله، فقد أحسّ بإخفاق رحلته إلى مصر وارتحل بليل، وهو يرمى كافورا بشواظ من هجائه على نحو ما نرى فى داليته، وقد مزّق فيها أديمه تمزيقا بمثل قوله:
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد
وسقط بعض شرر من هجائه على مصر، ولكنه لم يكن يقصدها لنفسها، إنما كان يقصد كافورا بهجائه وذمه. وقد بارحها فى أواخر سنة ثلاثمائة وخمسين، واتجه إلى الكوفة مسقط رأسه، واشترك مع أهلها فى الدفاع عنها حين هاجمها القرامطة، ولعل فى ذلك ما يقطع بأنه لم يكن قرمطيا يوما. ويرسل إليه سيف الدولة بهدية ومعها كتاب بخطه ويرد عليه بلامية بديعة يستحثه على منازلة البويهيين الأعاجم ببغداد وينزلها فى سنة إحدى وخمسين، وفيها يجتمع له كثيرون يأخذون عنه ديوانه، ويتعرض له الحاتمى-بإيعاز من الوزير المهلبى- ينقد بعض أشعاره، وتكون فى ذلك قطيعة بينه وبين الوزير فلا يمدحه، ويعود إلى الكوفة بعد أشهر، ويكاتبه ابن العميد فى سنة ثلاث وخمسين متوددا إليه آملا فى زيارته ويقدم عليه فى «أرّجان» سنة أربع وخمسين ويمدحه بقصيدة يشيد فيها بالضاد قائلا فى وصفه:
عربىّ لسانه فلسفىّ ... رأيه فارسيّة أعياده
فمفخرة ابن العميد الكبرى فصاحة لسانه وعروبة بيانه، ويستقدمه عضد الدولة إلى «شيراز» ويمرّ ببستان يسمى «شعب بوّان» ويروعه جماله، غير أنه مع روعته كدّر نفسه أن لا يرى أثرا للعروبة فيه وفيما حوله من ديار، مما جعله يفتتح قصيدته بقوله:
مغانى الشّعب طيبا فى المغانى ... بمنزلة الرّبيع من الزمان
ولكنّ الفتى العربىّ فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
стр. 2469
وأروع مدائحه فى عضد الدولة هائيته، وهو يستهلها بتصوير حنينه إلى منازل حبيباته العربيات فى الشام، وتطغى عليه حرارة هذا الحنين وما يلبث أن يجسّمه فى فتاة عربية شامية خلبت لبه، ويصور جمالها وعفتها بمثل قوله:
كلّ جريح ترجى سلامته ... إلا فؤادا دهته عيناها
فى بلد تضرب الحجال به ... على حسان ولسن أشباها
فيهنّ من تقطر السيوف دما ... إذا لسان المحبّ سمّاها
إنهن عربيات دونهن الموت الزّؤام. وعلى هذا النحو ظلت العروبة تختلط بدمائه، حتى أنفاسه الأخيرة فقد بارح شيراز سريعا، وفى طريقه بالقرب من بغداد خرج عليه فى أواخر شهر رمضان من سنة ٣٥٤ فاتك بن أبى جهل فى بعض الشذاذ من قطاع الطرق، وصرعه هو وابنه وغلمانه، وبذلك أحال أعراس الشعر مآتم على شاعر العروبة العبقرى: مآتم حداد وسواد. وقد بكاه كثير من معاصريه بكاء حارا.
ولعل فيما قدمنا ما يصور الموضوعات الاساسية التى تغنى بها المتنبى، وهى المديح والهجاء والفخر والرثاء، وأروع مدائحه كما قدمنا ما نظمه فى سيف الدولة وتصوير معاركه، وهجاؤه ينبثّ فى مدائحه ونقصد هجاءه لأعاجم بغداد، وفيهم يقول:
فى كل أرض وطئتها أمم ... ترعى بعبد كأنهم غنم
يستخشن الخزّ حين يلبسه ... وكان يبرى بظفره القلم
والبيت الثانى يحمل سخرية قاتلة فقد كانوا-كما يقول-عبيدا غلاظا لا يعرفون إلا الملابس الخشنة، وقد طالت أظفارهم، وإذا هم يعيشون فى النعيم، يلبسون الإستبرق بل يستخشنونه، ويملئون ديار العرب بغيا وظلما، ومرت بنا أبيات أخرى فى هجائهم، وأشرنا إلى هجائه لكافور وهو هجاء مرير. ويكثر الفخر فى شعر المتنبى، وهو طبيعى لمن يتصف بالبأس والشجاعة واحتمال المكاره والطموح والثقة بالنفس ثقة تدفعه إلى مغالبة الزمن حتى ليقول:
أمثلى تأخذ النكبات منه ... ويجزع من ملاقاة الحمام
ولو برز الزمان إلىّ شخصا ... لخضّب شعر مفرقه حسامى
وفى ديوانه مراث مختلفة، ولكن أهمها مرثيته فى جدته والأخرى التى نظمها فى أم سيف الدولة، وقد مرت الإشارة إليهما، والمرثية الأولى تطفح بالفخر بينما تطفح الثانية بالتفكير فى الحياة والموت، وفيها يقول:
يدفّن بعضنا بعضا وتمشى ... أواخرنا على هام الأوالى
стр. 2470
وفى رأينا أن هذا البيت هو الذى ألهم أبا العلاء قصيدته: «غير مجد فى ملتى واعتقادى». وتسرى فيه روح تشاؤم جعلته ثائرا على الزمن والدهر والناس، وهى روح تحبّب أشعاره إلى قارئه، من مثل قوله:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولّوا بغصّة كلّهم من ... هـ وإن سرّ بعضهم أحيانا
وتكثر فى شعره الحكم والأمثال، حتى ليصبح جلّ ما يدور من خواطر فى أذهان الناس أمثالا أو حكما ينطق بها فى شعره، ولفت ذلك القدماء وحاولوا أن يصلوا بينه وبين أرسطو فيه، ولكن من المؤكد أن حكمه وليدة عقله الكبير وخبرته الواسعة بالحياة والناس، وقد أنشدنا منها أطرافا فيما مرّ من الحديث. وله غزل طريف، وهو فيه مفتون دائما بالبدويات لجمالهن الفطرى وفى ذلك يقول:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفى البداوة حسن غير مجلوب
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
وأكبر الظن أن فيما قدمت ما يجلو بعض الجلاء شخصية المتنبى الفذة ويرد عنها جملة التّهم التى نسجها بعض الباحثين المعاصرين من العرب والمستشرقين حول نسبه وصحته وحول قرمطيته وعقيدته، وهو قد فرّ مع أبيه من وجه القرامطة حدثا ورحل بسببهم عن الكوفة فى باكورة شبابه، وحاربهم بأخرة من عمره، ومع ذلك يقال إنه قرمطى، ويلقى ظل من الشك على عروبته، مع أن العروبة لم تجد من يفضله لتختاره ترجمانا لها أروع ما يكون الترجمان.
سبط (١) ابن التعاويذى
هو أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله، كان أبوه مولى لبنى المظفّر واسمه نشتكين، فسماه ابنه عبيد الله وسمى جده عبد الله، وقد ولد لأبيه ببغداد سنة ٥١٩ ويبدو أنه توفى وابنه لا يزال صغيرا، فكفله جده لأمه أبو محمد المبارك الزاهد المعروف بابن التعاويذى وكان صالحا، فقام على تربيته خير قيام، إذ ألحقه بكتّاب، ثم بحلقات العلماء
стр. 2471
فى المساجد، ولم يلبث أن استيقظت موهبته الشعرية، ولم تشمله عناية جده فحسب، فقد عنى به أيضا بنو المظفر مواليه، إذ أسبغوا عليه وعلى جده من أفضالهم الكثير، وكان لهم شأن كبير فى الدولة، إذ كان منهم وزراء وكتاب مختلفون، فألحقوه بدواوين الخلافة، واختاروا له الكتابة بديوان الإقطاع، وجعلته وظيفته فى هذا الديوان يتصل بكبار رجال الدولة وموظفيها المختلفين من غير بنى المظفر، وله مدائح فى الخلفاء وفى غير وزير، وخاصة ابن هبيرة. ويظهر أنه كان من جملة من فصلهم وزير الديوان أبو جعفر أحمد بن محمد التميمى المعروف بابن البلدى لعهد الخليفة المستنجد (٥٥٥ - ٥٦٦ هـ) إذ نراه يهجوه هجاء مرا، وكان هذا الوزير قد عزل أرباب الدواوين وحبسهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم ونكّل بهم، وفيه يقول:
يا قاصدا بغداد حد عن بلدة ... للجور فيها زخرة وعباب
إن كنت طالب حاجة فارجع فقد ... سدّت على الرّاجى بها الأبواب
بادت وأهلوها معا فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب
وارتهم الأجداث أحياء تها ... ل جنادل من فوقهم وتراب
ونراه فى قصيدة أخرى يشكو من ابن البلدى ومن ضائقته وعطلته مما يدل دلالة قاطعة على أنه كان قد فصل مع من فصلهم. ولم يلبث أن عاد إلى وظيفته، وأكبر الظن أن الخليفة المستنجد هو الذى أعاده، وكان جده لأمه ابن التعاويذى قد توفى ورثاه مرثية جيدة، استهلها بقوله:
لكلّ ما طال به الدهر أمد ... لا والدا يبقى الرّدى ولا ولد
وليس فى الديوان بعد ذلك ما يدل على أن أحداثا خطيرة مرت به. وقد ظل فى ديوان الإقطاع حتى سنة ٥٧٩ إذ كفّ بصره، ولم يعد يستطيع العمل فيه، ويلتمس حينئذ من الخليفة الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) أن ينقل راتبه فى الديوان إلى أبنائه، وكانوا كثيرين كما يبدو من إحدى قصائده، ويجيبه إلى ملتمسه، غير أنه يعود فيطلب إليه أن يجدّد له راتبا خاصّا به مدة حياته، ويحقق له طلبه، ويكثر حينئذ من ندب بصره بمثل قوله:
ألا من لمسجون بغير جناية ... يعدّ من الموتى وما حان يومه
يروّعه عند الصباح انتباهه ... فطوبى له لو طال وامتدّ نومه
ولم يعش طويلا وهو مكفوف، فقد توفى بعد نحو أربع سنوات سنة ٥٨٣ وقيل بل سنة ٥٨٤. وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل كفّ بصره، وعمل له خطبة طريفة، كما يقول ابن خلكان، ورتبه فى أربعة فصول، وكل ما نظمه بعد هذا الترتيب سماه الزيادات،
стр. 2472
والفصل الأول فى مدائح الخلفاء، والفصل الثانى فى مدائح جماعة من الوزراء والأكابر كما يقول فى مقدمته، والفصل الثالث فى مدائح بنى المظفر، يقول: «لأننى نشأت فيهم، وصحبتهم أنا وجدى لأمى، وكنت منقطعا إليهم لا أشيم (أنظر) غير سمائهم، فنظمت فيهم جلّ شعرى، وأنفقت معهم طائفة من عمرى» والفصل الرابع متنوعات من مراث وزهد وغزل وعتاب وهجاء. والزهد عنده قليل مما يدل على أن أثر جده لأمه الورع فيه كان ضعيفا. وواضح أن جمهور الشعر فى الديوان مدائح، ومع ذلك نرى له قصيدة ينصح فيها الشعراء أن يهجروا المديح إلى الهجاء، ويبدو أنه قالها فى لحظة عارضة فى حياته. وقد نوّه به وبشاعريته ابن خلكان تنويها عظيما قائلا: «كان شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها ورقة المعانى ودقتها، وهو فى غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقده لم يكن قبله بمائتى سنة من يضاهيه».
وأول خليفة مدحه سبط ابن التعاويذى الخليفة المستنجد (٥٥٥ - ٥٦٦ هـ) وليس لأبيه المقتفى ذكر فى الديوان، وليس له فى المستنجد نفسه سوى قصيدة، وكأنه كان بعيدا عنه لعهد وزير الديوان ابن البلدى. حتى إذا ولى المستضئ (٥٦٦ - ٥٧٥ هـ) رأيناه يكثر من مدائحه، كما أكثر من مدائح ابنه الناصر، وظاهرة مهمة تلاحظ فى هذه المدائح، هى أن الشاعر يقترض من بيئة الإمامية الشيعية وغيرها من الغلاة بعض الأوصاف التى يصفون بها أئمتهم، ويصف بها المستضئ وابنه الناصر، وكأنه لم يعد هناك فرق بين مدح الشيعة لأئمتهم ومدح الشعراء لخلفاء بنى العباس، واقرأ هذا الاستهلال لمدحة لسبط ابن التعاويذى فى المستضئ:
لك النّهى بعد الله فى الخلق والأمر ... وفى يدك المبسوطة النفع والضّرّ
وطاعتك الإيمان بالله والهدى ... وعصيانك الإلحاد فى الدين والكفر
ولولاك ما صحّت عقيدة مؤمن ... تقىّ ولم يقبل دعاة ولا نذر
مر الدهر يفعل ما تشاء فإنه ... بأمرك يجرى فى تصرّفه الدهر
والغلوّ واضح فى البيتين الأخيرين، بل فى الأبيات كلها، حتى ليجعله يصرّف الدهر كما يشاء. ويمضى فى القصيدة فيصفه بأنه أمين الله ووارث النبى وإمام هدى عمّ عدله الرعية، وقد نطقت بفضله آى الذكر الحكيم يقصد قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). ودائما يردّد فى مدائحه له أنه جار على سنن الرسول ﷺ ، وأن مديحه له سيعدّ يوم القيامة من حسناته. ويخطو الشاعر فى مديحه لنناصر خطوات أكثر غلوّا على شاكلة قوله:
стр. 2473
أنت الإمام المهدىّ ليس لنا ... إمام حقّ سواك ينتظر
يا صاحب العصر والزمان ومن ... فى يده النّفع بعد والضّرر
ومن له الليل والنهار وما ... كرّا عليه والشمس والقمر
والبرّ والبحر والشواهق وال ... غرّ الغوادى والنّجم والشّجر
ولو لم نعرف اسم الممدوح لظنناه إماما شيعيا فهو المهدى الذى تنتظره الشيعة لينقذ العالم من مفاسده وشروره، وهو صاحب العصر والزمان الذى يختفى عن الأعين ومع ذلك يرعى أمور رعيته ويدّبر شئونها، بل إنه ليدبر الكون كله بليله ونهاره وأفلاكه وكواكبه وأرضه وسمائه وبره وبحره. وعلى نحو ما يضيف الشيعة إلى أئمتهم العلم وأنهم خزنته وذخائره كذلك يكرر الشاعر بأن العباسيين علماء الدين الحنيف وأعلام الهدى، ولا يملّ من تكرار نشرهم للعدل. وكان الشيعة يرددون أن أئمتهم حجج الله فى أرضه على عباده، ويقتبس الشاعر هذه الفكرة فى مدحه للناصر قائلا:
حجّة الله أنت والسّبب المم ... دود ما بينه وبين الناس
ولعل فى ذلك كله ما يدل على أن من الخطأ أن يسلك سبط ابن التعاويذى بين شعراء الشيعة كما ظن بعض المعاصرين، فهو شاعر عباسى، متعصب لخلفاء بنى العباس أشد التعصب، ولذلك أمثلة كثيرة فى شعره، وهو يقرر دائما أنهم أصحاب الحق الشرعى فى الخلافة، ولذلك كنت أشك فى أنه نظم مرثية الحسين.
أرقت للمع برق حاجرىّ ... تألّق كاليمانى المشرفىّ
ويغلب أن تكون المرثية أضيفت إلى الديوان فى زمن مبكر.
وحين كاد العماد الأصبهانى يعمل فى دواوين الخلافة ببغداد انعقدت بينه وبين الشاعر صلة مودة، فلما بارح العماد العراق إلى الشام واتصل بصلاح الدين كان الشاعر يراسله، ويقول ياقوت إن العماد ذكر فى ترجمته بعض ما كان بينهما من مراسلات، وفى ابن خلكان رسالة بديعة للشاعر أرسل بها إلى العماد يطلب منه فروة. ويبدو أن العماد عمل على أن يصل بينه وبين صلاح الدين من جهة ووزيره القاضى من جهة ثانية، وفى ديوانه أربعة مدائح وجه بها إلى صلاح الدين بين سنتى ٦٧٠ و ٦٨٠ كافأه عليها مكافآت سنية، لعل أهمها النونية، وفيها يقول:
قاد الجياد معاقلا وإن اكتفى ... بمعاقل من رأيه وحصون
سهرت جفون عداه خيفة ماجد ... خلقت صوارمه بغير جفون
стр. 2474
لو أن للّيث الهزبر سطاه لم ... يلجأ إلى غاب له وعرين
وغزله فى مفتتح هذه المدحة رائع، وله فى القاضى الفاضل ثلاث مدائح أروعها رائية يشكو فيها فقد بصره شكوى مرة، إذ يقول:
ناء عن الأحياء فى برزخ ... منقطع من بينهم ذكرى
ليل حجاب لا أرى فجره ... يا من رأى ليلا بلا فجر
وفى الحق أنه كان شاعرا بارعا، وقد وفّاه ابن خلكان حقه من الثناء، ونحس عنده كأن نبعا سائغا شرابه يتدفق عذبا عذوبة حلوة.
صفىّ (١) الدّين الحلّى
هو عبد العزيز بن سرايا الحلّى الطائى، ولد بالحلّة القريبة من الكوفة سنة ٦٧٧ لأسرة على شئ من اليسار وسعة الحال، فكان طبيعيا أن تلحقه بكتّاب يتعلم فيه القراءة وحفظ القرآن الكريم وبعض الأشعار. وكان الغلمان من لداته يتدرّبون على ركوب الخيل فحاكاهم فى هذا التدرب. وأحسّ فى نفسه ميلا شديدا إلى الشعر، فأكبّ على حفظ نصوصه العباسية والإسلامية والجاهلية، مما جعله فيما بعد يعنى بتضمين كثير من هذه النصوص فى شعره وبعض موشحاته. ويبدو أن موهبته الشعرية استيقظت فيه مبكرة، إذ يقول فى المقدمة التى صنعها لديوانه: «إنى كنت قبل أن أشبّ عن الطوق، وأعلم ما دواعى الشوق، لهجا بالشعر نظما وحفظا، متقنا علومه معنى ولفظا». وهو يقصد بالعلوم علوم العربية وعلوم البيان والمعانى والبديع، ونراه فيما بعد يؤلف فى الجناس كتابا سماه «الدر النفيس فى أجناس التجنيس». ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه ألّف قصيدة بديعية هى مدحة نبوية تضم أبياتها نحو مائة وخمسين محسّنا من محسنات البديع. ومن مؤلفاته كتاب الأوزان المستحدثة مثل الدوبيت وغيره، وأيضا كتاب العاطل الحالى، وهو-كما مرّ بنا-فى فنون الأشعار العامية. ويصرح فى مقدمة ديوانه بأنه لم يفكر فى بدء حياته أن يمدح أحدا أو يهجو أحدا، بل لقد كان يرى أن يبتعد بأشعاره عن هذين الجدولين، وجعله ذلك لا ينظم إلا فى موضوعين هما مدح الرسول ﷺ وآله، والفخر بآبائه. ولم يكد
стр. 2475
يتجاوز العشرين من عمره حتى تعاظمت الحزازات والثارات بين عشيرته أو أسرته وبعض الأسر أو العشائر فى الحلّة، وقتل خاله، وبكاه فى غير قصيدة وأخذ يدعو للثأر له، فنشبت معارك وسفكت دماء، وهاله أن يرى ذلك تحت بصره، فلم تدخل سنة سبعمائة حتى خرج عن الحلّة، ولم يكتف بالبعد عنها فى بغداد، فقد أبعد فى ارتحاله حتى نزل عند ملوك ماردين فى الموصل من آل أرتق أصحابها وأحسن لقاءه واستقباله ملكها المنصور نجم الدين غازى بن أرتق، وهو يشيد به وبعطاياه وعطايا ابنه الملك الصالح فى مقدمته للديوان، وفى استقبال المنصور له يقول:
لاقيتنا ملقى الكريم لضيفه ... وضممتنا ضمّ الكمىّ لسيفه
وقد أنزله فى دار فخمة نوّه بها فى شعره، وظل يصحبه فى حلّه وترحاله ونزهاته، وفيه نظم مدائح كثيرة فى الأعياد وفى بعض انتصاراته. ولم يكتف بذلك فقد رأى أن ينظم فيه ديوانا مستقلا سماه «درر النّحور فى مدائح الملك المنصور» وهو ملحق بديوانه المطبوع فى دمشق، ويحتوى على تسع وعشرين قصيدة اشترط فيها على نفسه أن تكون كل قصيدة منها على حرف من حروف المعجم التسعة والعشرين، وأن يكون عدد أبيات كل منها تسعة وعشرين، وأن يبدأ فى كل بيت منها، ويختتمه بنفس الحرف، وفى إحداها يقول:
ربّ النّوال ومحمود الخصال ومق ... دام النّزال وأمن الخائف الحذر
راعى الأنام بعين غير راقدة ... قد وكّلت فى أمور الملك بالسّهر
راض مع السخط يبدى عزم منتقم ... للمذنبين ويعفو عفو مقتدر
راحاته مذ نشا فى الملك قد عاهدت ... يوم النّدى والرّدى بالنفع والضّرر
ولا ريب فى أن هذا الصنيع ضرب من التكلف الشديد، ولذلك حين نقرأ قصائد هذا الديوان نشعر كأننا بإزاء لون من الشعر التعليمى الذى يراد به إظهار المهارة اللغوية.
ويتوفّى الملك المنصور سنة ٧١٢ ويخلفه ابنه الملك الصالح وتظل له منزلته، ويظل له راتبه الذى كان يأخذه فى عهد أبيه، ويصحبه فى نزهاته وخروجه للصيد، ويتخذه أنيسا له فى مجالس شرابه. ونراه فى أواخر العقد الثانى من هذا القرن الثامن وقد مرّ به نحو عشرين عاما فى ظلال الدولة الأرتقية يفكر فى زيارة الشام بحجة رغبته فى التجارة، وكانت تجارته الدارّة شعره، فنزل بحماة ومدح سلطانها المؤيد وابنه الأفضل، وفى أثناء مقامه عندهما يرسل بمدائحه إلى الملك الصالح، ويفكر فى قضاء فريضة الحج، ويحج إلى بيت الله الحرم فى سنة ٧٢٣ ويزور قبر الرسول ﷺ ، ويفكر فى العودة ولا يعود إلى الموصل ولا إلى الشام ولا إلى بغداد، إذ يتجه إلى القاهرة وينزل بساحة سلطانها الناصر محمد بن قلاوون،
стр. 2476
ويستقبله أدباء مصر استقبالا حافلا، ويمدح الناصر بقصيدتين، ربما كانا أروع مدائحه جميعا، أما أولاهما فعارض بها قصيدة المتنبى:
بأبى الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
واختياره لمعارضة المتنبى شاعر العربية الفذ دليل قوى على ثقته بنفسه، وقد أظهر فى معارضته براعة فائقة، وهو يستهل معارضته بقوله:
أسبلن من فوق النّهود ذوائبا ... فجعلن حبّات القلوب ذوائبا
والجناس فى كلمتى ذوائب بديع، فالأولى بمعنى الضفائر، والثانية من الذوبان، والجناس كثير فى شعره، وكان يعرف بمقدرته الشعرية كيف يجعله سائغا. ويمضى فى مديح الناصر قائلا:
الناصر الملك الذى خضعت له ... صيد الملوك مشارقا ومغاربا
لم تخل أرض من ثناه وإن خلت ... من ذكره ملئت قنا وقواضبا
ترجى مواهبه ويرهب بطشه ... مثل الزمان مسالما ومحاربا
فإذا سطا ملأ القلوب مهابة ... وإذا سخا ملأ العيون مواهبا
ولم يفتتح القصيدة الثانية بالنسيب أو الغزل. وكأنما سحر الطبيعة المصرية وجمال رياضها وبساتينها ملأ عينيه وقلبه، فرأى أن يعدل عن النسيب إلى وصف الجمال الهاجع على ضفاف النيل وجداوله من مثل قوله:
خلع الربيع على غصون البان ... حللا فواضلها على الكثبان
والظّلّ يسرق فى الخمائل خطوه ... والغصن يخطر خطرة النّشوان
وكأنما الأغصان سوق رواقص ... قد قيّدت بسلاسل الرّيحان
والشمس تنظر من خلال فروعها ... نحو الحدائق نظرة الغيران
والطّلع فى خلل الكمام كأنّه ... حلل تفتّق عن نحور غوانى
وصفىّ الدين يحيل الطبيعة المصرية نشوى بما يتراءى له فيها من غناء ورقص وغوان وجمال فاتن يأخذ بالألباب. ويمضى محفوفا بهذا الجمال من كل جانب، مادحا للناصر محمد بن قلاوون بمثل قوله:
ملك إذا اكتحل الملوك بنوره ... خرّوا لهيبته إلى الأذقان
شاهدته فشهدت لقمان الحجى ... ونظرت كسرى العدل فى الإيوان
وافى وقد عاد السماح وأهله ... موتى فكان له المسيح الثانى
لا عيب فى نعماه إلا أنّها ... يسلو الغريب بها عن الأوطان
стр. 2477
ويشيد بإنعام الناصر عليه فى مقدمة ديوانه، وأن رئيس وزرائه أبلغه رغبته فى أن يجمع شعره فى ديوان ويبوبه ويرتبه. ولبىّ صفى الدين رغبة الناصر، فجمع ديوانه، وجعله فى اثنى عشر بابا تشتمل على ثلاثين فصلا، والأبواب فى الفخر والحماسة والمدح والطرديات والإخوانيات والمراثى والغزل والخمريات والشكوى والهدايا والألغاز والزهد والهجاء ومعه الملح والأحماض. وكأنما أريد لديوان صفىّ الدين أن يشيع من مصر، على نحو ما تطبع فى عصرنا بمصر دواوين كثيرة لشعراء البلاد العربية. وفى الديوان مدائح مختلفة للرسول ﵇ ولعلى بن أبى طالب رضوان الله عليه، وقد درسها الدكتور جواد علوش وانتهى من درسها إلى أنه كان شيعيا إماميا، وكل ما جاء به من أدلة على ذلك إشارته فى بعض تلك المدائح إلى أن الرسول جعله وصيا له وأنه عهد له بهذه الوصاية حين نزل بغدير خمّ بين مكة والمدينة، يقول فى مديح على:
إمام له عقد يوم الغدير ... بنصّ النبىّ وأقواله
وذكر صفىّ الدين لهذا العهد لايثبت أنه شيعى إمامى، إذ لا نجد فى شعره شيئا من عقيدة الإمامية، ومعروف أن الزيدية مثل الإمامية يؤمنون بهذا العهد، ونجده فى نفس باب مديحه للرسول ولعلى يبرئ نفسه من تفضيل بعض الصحابة على بعض، يقول:
ولائى لآل المصطفى عقد مذهبى ... وقلبى من حبّ الصّبابة مفعم
وما أنا ممن يستجيز بحبّهم ... مسبّة أقوام عليهم تقدّموا
ولكننى أعطى الفريقين حقّهم ... وربّى بحال الأفضليّة أعلم
والبيتان الثانى والثالث يخرجانه من العقيدة الإمامية التى تضفى على علىّ وأبنائه من الأئمة صفات روحية قدسية لا توجد فى غيرهم من أفراد الأمة، والبيت الثالث يخرجه من الزيدية، هم حقا يصححون خلافة أبى بكر وعمر ولكن مع الإيمان بأن عليّا أفضل منهما وأنه تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. وإذن فصفى الدين لا إمامى ولا زيدى، ومن قوله:
قيل لى: تعشق الصحابة طرّا ... أم تفّردت منهم بفريق
فإلى من تميل؟ قلت إلى الأر ... بع لا سيّما إلى الفاروق
ويكفى أن يقول إنه يميل إلى الفاروق عمر أكثر من على، ليخرج من كل أبواب التشيع، أما ورود عهد الغدير فى بعض شعره فلعله قال ذلك عفوا فى حداثته، وخاصة أنه نشأ فى الحلّة، وهى بيئة قديمة من بيئات التشيع، وهو نفسه يقول فى مقدمة الديوان إن شعره فى الرسول وآله نظمه فى باكورة حياته.
стр. 2478
وفى الديوان ظواهر مهمة يحسن أن نشير إليها، ففيه اثنتا عشرة موشّحة وفيه ثلاثة مسمّطات وسبعة مخمّسات وبعض رباعيات كقوله:
لا تحسب زورة الكرى أجفانى ... من بعدك من شواهد السّلوان
ما أرسلت الرّقاد إلا شركا ... تصطاد به شوارد الغزلان
وتكثر فى شعره المحسنات البديعية، وخاصة الجناس بجميع صوره الممكنة، ومر بنا أن له كتابا مستقلا فيه، وفى شعره كل ألوانه: التام والناقص والمقلوب والملفق، وله قصيدة بنى كل شطر من شطورها على ثلاثة جناسات مثل:
سل سلسل الريق لم لم يرو حرّ ظما ... بل بلبل القلب لما زاد آلاما
وواضح أن حرفى «سل» كرّرا ثلاث مرات فى الشطر الأول وكرّر حرفا «بل» فى الشطر الثانى ثلاث مرات. وقد يلجأ إلى جناس آخر لا يقل تعقيدا إذ يجانس بين ختامى الشطرين فى قصيدة على هذه الصورة:
شديد البأس ذو أمر مطاع ... مضارب كلّ قرم أو مطاعن
ومضى فى القصيدة يضيف نونا إلى الكلمة المنونة فى آخر الشطر الأول ليحدث هذا الجناس المتكلف. وأكثر من التضمين فى قصائده، بحيث يصبح له فى القصيدة شطر ولبعض السابقين من مثل امرئ القيس والمتنبى وغيرهما شطرثان. وليس هذا فحسب فقد تبع الحريرى فى نظم قصائد مهملة غير منقوطة وأخرى معجمة منقوطة أو يستقل فيها بيت أو شطر بالإعجام وبيت أو شطر بالإهمال أو تتوالى الكلمات فيها كلمة معجمة وكلمة مهملة. وقد تتكون الأبيات من حروف مقطعة غير موصولة أو من حروف موصولة بحيث لا يكون فيها حرف مفصول، وله قصيدة كل كلماتها مصغّرة، إلى غير ذلك من هذه التمرينات الهندسية التى لا تحوى شعرا، وإنما تحوى مهارات لغوية. وصفىّ الدين بذلك وباستخدامه الواسع للتضمينات والجناسات يفتح الأبواب على مصاريعها لشعراء العراق بعده كى تخمد شاعريتهم وتجف ينابيعها، مع أن ملكاته الشعرية كانت من الخصب بحيث لو اتجه بها نحو وصف الطبيعة وكان يجيده لأضاف إضافات رائعة إلى الشعر العربى.
٤ - شعراء المراثى والهجاء والشكوى
لا نبالغ إذا قلنا إنه قلما وجد شاعر من الشعراء، وخاصة شعراء المديح، إلا وقد نظم مراثى مختلفة فيمن سبق إليه الموت من كبار ممدوحيه أو من أهله أو من أصدقائه، ونكتفى
стр. 2479
بالإشارة إلى بعض المراثى البديعة، فمن ذلك مرثية أبى الحسن محمد بن عمر الأنبارى الصوفى الواعظ لصديقه الوزير ابن بقية حين قتله عضد الدولة البويهى وصلبه فى بغداد لسنة ٣٦٧ وقد استهلها بقوله (١):
علوّ فى الحياة وفى الممات ... لحقّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وقود نداك أيام الصّلات
كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة
مددت يديك نحوهم اختفاء ... كمدّهما إليهم بالهبات
ويشبّه صلبه بصلب زيد بن على زين العابدين فى أواخر العصر الأموى، ويتصور الجذع المصلوب إليه كأنه يعانق المكرمات، ويظن كأن الكوارث التى طالما ردّها عن الناس ثأرت لنفسها منه، ويقول إن باطن الأرض حين ضاق عن أن يضم علاه جعلوا الجّوقبره كما جعلوا أكفانه غبار الرياح، ويستنزل عليه أو يستمطر شآبيب الرحمة والرضوان.
ويكثر فى العصر رثاء الشعراء، وفى مقدمتهم المتنبى، وفى كتاب الدمية للباخرزى مراث مختلفة له، وممن رثاه أبو القاسم المظفّر بن على الطّبسى، وفيه يقول (٢):
لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا فى مثل ذاك اللّسان
ما رأى الناس ثانى المتنبّى ... أىّ ثان يرى لبكر الزمان
كان من نفسه الكبيرة فى جي ... ش وفى كبرياء ذى سلطان
هو فى شعره نبىّ ولكن ... ظهرت معجزاته فى المعانى
وكان الشريف الرضى يكثر من رثاء أصدقائه من الكتاب والشعراء، وقد رثى أبا إسحق الصابئ بقصيدته الدالية مفتتحا لها بقوله:
أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النّادى
وعاتبه الناس فى ذلك لكونه شريفا من سلالة الرسول ورثى صابئا، فقال: إنما رثيت فضله. وتوفى الرضى فرثاه مهيار بلامية تأثر فى مطلعها بمطلع داليته آنفة الذكر إذ يقول:
حملوك لو علموا من المحمول ... فارتاض معتاص وخفّ ثقيل
وهذا باب يطول. ونكتفى بأن نقول إنه لم يمت خليفة ولا وزير ولا حاكم إلا وأكثر الشعراء من رثائه. وأهم من هذه المراثى لأشخاص رثاء بغداد حين اكتسحها التتار وخربوها ودمروها تدميرا فقد بكاها الشعراء بكاء حارّا، بكوا أهلها الذين سفكت
стр. 2480
دماؤهم وقتّلوا تقتيلا، وبكوا تاريخها ومدنيتها وما كان بها من علوم وعلماء، وقد أشرنا فى الفصل الأول إلى مرثية الشيخ تقى الدين التنوخى لها، وقد أكثر من رثائها شمس الدين الكوفى الواعظ المتوفى سنة ٦٧٥ واحتفظ ابن شاكر فى كتابه فوات الوفيات بطائفة من مراثيه فى ترجمته للخليفة المستعصم، وفى إحداها يقول (١):
أين الذين عهدتهم ولعزّهم ... ذلاّ تخرّ معاقد التّيجان
كانوا نجوم من اقتدى فعليهم ... يبكى الهدى وشعائر الإيمان
لما رأيت الدار بعد فراقهم ... أضحت معطّلة من السكّان
ما زلت أبكيهم وألثم وحشة ... لجمالهم مستهدم الأركان
وكان لهذه النكبة صداها المدوى فى جميع البلدان العربية وفى إيران، حتى لنرى الشيخ سعدى الشيرازى وغيره من شعرائها يندبونها ندبا كله لوعة وحسرة على ما أصابها من دمار ونكال.
ولعل الهجاء كان أكثر ذيوعا وانتشارا من الرثاء، ومرّ بنا أن المتنبى هجا كثيرا الأعاجم كما هجا كافورا الإخشيدى، وتلقانا فى اليتيمة والدمية والخريدة أهاج كثيرة، بل يلقانا شعراء وقفوا حياتهم أو كادوا على الهجاء مثل محمد بن محمد بن جعفر البصرى المعروف باسم ابن (٢) لنكك المتوفى سنة ٣٦٠ وكان قد قصّر به جهده عن بلوغ الغاية أو المنزلة التى يأملها لنفسه، فسلّ لسانه على معاصريه من الشعراء حتى المتنبى فإنه هجاه، وهو الذى زعم أنه ابن سقّاء بالكوفة، كما لاحظ ياقوت فى ترجمته له. وكان يتهاجى مع شاعر معاصر له يسمى أبا رياش، وفيه يقول:
على القبح الفظيع أبو رياش ... يعاشرنا بأخلاق ملاح
يبيح أكفّنا أبدا قفاه ... فنصفعه على جهة المزاح
وهما من أنظف ما قال فيه، وكأنه كان يريد أن يتشفّى من الزمن بهجوه وهجو غيره من الشعراء لكساد شعره وهوان شأنه على الناس. ومن كبار الهجائين فى العصر ابن الهبّارية المتوفى سنة ٥٠٤ وسنترجم له فى غير هذا الموضع، وقد ذكر العماد فى الخريدة أن له قصيدة (٣) فى هجو أرباب الدولة فى عهد ملكشاه السلجوقى (٤٦٥ - ٤٨٥) وساق منها قطعتين طويلتين، وفيهم يقول:
стр. 2481
لى مأتم من سوء فعلهم ... ولهم بحسن مدائحى عرس
ولقد غرست المدح عندهم ... طمعا فحنظل ذلك الغرس
ويمضى فى ثلبهم واحدا واحدا أقبح ثلب وأشنعه. وعلى شاكلة هذه القصيدة سينية (١) للشريف أبى نزار عبد الله بن محمد الكوفى ذمّ فيها سادات بنى عمه من الكوفة والحلّة. ومرّ بنا تعرض سبط ابن التعاويذى للوزير ابن البلدى، وفيه يقول ابن لنكك:
يبدو لراجيه على وجهه ... غلظة ليث بالشّرى مخدر (٢)
لو أنها بالأرض ما أخصبت ... أو بالسّحاب الجون لم يمطر
وفى ديوان صفى الدين الحلى باب للهجاء كما أسلفنا، وإنما نمثل فقط ببعض النصوص.
وطبيعى أن تكثر فى العصر الشكوى من الزمان، ونكاد نتلقى بها بعد المتنبى على لسان كل شاعر، ولا يختلف اثنان فى أن أروع قصيدة فى الشكوى من الدهر وتصاريفه قيلت فى العصر قصيدة أبى محمد (٣) على بن زريق الكاتب الكوفى وهو من شعراء اليتيمة، ويقال إنه ألمت به أيام عسرة، فرأى الارتحال إلى الغرب، وارتحل تاركا وراءه فى بغداد زوجة كان صبّا بها مغرما، غير أن الأيام لم تسعفه، ويبالغ بعض الرواة فيزعمون أنه ظل راحلا حتى وصل إلى الأندلس وامتدح أحد أمرائها، فلم يعطه ما كان يتمناه، فبكى أمله الضائع فى هذه القصيدة، وفيها يقول مخاطبا زوجه وباكيا نفسه:
لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقّا ولكن ليس يسمعه
فاستعملى الرّفق فى تأنيبه بدلا ... من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
تأبى المطالب إلا أن تكلّفه ... للرّزق سعيا ولكن ليس يجمعه
والحرص فى المرء-والأرزاق قد قسمت- ... بغى ألا إن بغى المرء يصرعه
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته ... وكلّ من لا يسوس الملك يخلعه
ويصوّر فى القصيدة لوعة الفراق وسوء الحظ وأنه لا يزال فى حل وترحال وراء الرزق، وهو يلمع له كسراب يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا انتهى إليه لم يجده شيئا.
والقصيدة كلها شكوى وأنين ولوعة ممضة. وسنقف قليلا عند شاعرين من شعراء الهجاء، أحدهما من شعراء اليتيمة والثانى من شعراء الخريدة، وهما السرى الرفّاء الموصلى وابن القطّان البغدادى.
стр. 2482
السّرىّ (١) الرّفّاء
هو أبو الحسن السرىّ بن أحمد الكندى الموصلى، ولد لأسرة متواضعة، يدل على ذلك أننا نجد أباه يسلمه صبيا للرّفّائين، فكان يرفو ويطرّز، ويبدو أنه تعلم القراءة والكتابة فى صباه وحفظ القرآن أو بعضا منه واستظهر بعض الشعر، إذ يقول مترجموه عنه إنه بينما كان يعمل رفّاء فى باكورة شبابه كان ينظم الشعر ويجيده. ويبدو أنه أخذ يكبّ على دواوين الشعراء، وخاصة شعراء العصر العباسى المشهورين من أمثال أبى تمام والبحترى وابن المعتز وابن الرومى والمتنبى، يدل على ذلك بوضوح الفصل الذى عقده الثعالبى لسرقاته. وكأنه أحسّ أنه إنما خلق لكى يكون شاعرا لا لكى يكون رفّاء، ولم تكن حرفته تدرّ عليه إلا كفافا من العيش يسدّ به رمقه، وإلى ذلك يشير قائلا:
قد كانت الإبرة فيما مضى ... صائنة وجهى وأشعارى
فأصبح الرّزق بها ضيّقا ... كأنه من ثقبها جارى
واجتمع عزمه على أن يهجر حرفة الرّفو والتطريز إلى حرفة الأدب والشعر، واشتغل بالوراقة فكان ينسخ ديوان شعر كشاجم، إذ كان معاصروه يقبلون عليه إقبالا شديدا، ويعيش بما يأخذ من أجرة نسخه.
وكان معه فى الموصل فتيان أخوان ينظمان الشعر ويجيدانه، هما أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد الخالديان فحدثت بينه وبينهما منافسة، وكانا يحسنان الشعر، فرأى أن يكيد لهما بإضافة أجود ما ينظمانه إلى ديوان كشاجم، ليزيد حجمه وينفق سوقه من جهة، وليشنّع عليهما بأنهما يسرقان شعره كما يسرقان شعر غيره من جهة ثانية، مما أشعل نار الهجاء بينه وبينهما، وظلت لا تخمد أبدا. ويسمع بما ينثره سيف الدولة الحمدانى فى حلب من عطايا وأموال على الشعراء، فيشدّ رحاله إليه، وقد أكرم وفادته عليه، فأقام بحضرته، فاشتهر وطلع سعده بعد الأفول، وبعد صيته بعد الخمول، وله فيه مدائح بديعة كقوله فى تصوير فرار الروم بين يديه ومقتلته فيهم مقتلة عظيمة:
تركتهم بين مصبوغ ترائبه ... من الدماء ومخضوب ذوائبه
فحائد وشهاب الرّمح لاحقه ... وهارب وذباب السيف طالبه
ذباب السيف: طرفه الحاد. ولما توفى سيف الدولة انتقل السّرىّ إلى بغداد ومدح
стр. 2483
الوزراء وغيرهم من الرؤساء وحسنت حاله، إذ نفق شعره وراج وسار فى الآفاق، وتهاداه الأدباء فى خراسان وسائر البلدان. ويقول ابن خلكان إنه جمع شعره قبل وفاته فى نحو ثلاثمائة ورقة ثم زاد فيه، ويذكر من تصانيفه كتاب الدّيرة وكتاب المحب والمحبوب والمشموم والمشروب. وقد أنشد الثعالبى من شعره فى اليتيمة نحو ستين صحيفة وزعها على سرقاته وما تكرر من معانيه وأهاجيه ومديحه ولهوه ومجونه وربيعياته وأوصافه وغزلياته وما يتغنّى به من أشعاره. ويسوق له الثعالبى طائفة من أهاجيه فى الخالديين مدعيا عليهما أنهما يسرقان أشعاره، من ذلك قوله:
أفى كلّ يوم للغبيّين غارة ... تروّع ألفاظى المحجّلة الغرّا
فمهلا أبا عثمان مهلا فإنما ... يغار على الأشعار من عشق الشّعرا
لأطفأتما تلك النجوم بأسرها ... ودنّستما تلك المطارف والأزرا
فويحكما هلاّ بشطر قنعتما ... وأبقيتما لى من محاسنه شطرا
ويكثر من اتهام الخالديين بتلك السرقة، ويردد ذلك فى مدائحه وأنهما يبيعان أشعاره فى العراق، وليتهما يبيعانها لمن يستحقها، فإنهما يبيعانها بثمن بخس لكل من لقياه، غير مقدرين لقيمتها، ولا واعيين لقدرها، ويزعم أن غارتهما على شعره غارة عامة للمديح وغير المديح، يقول:
ذئبان لو ظفرا بالشّعر فى حرم ... لمزّقاه بأنياب وأظفار
باعا عرائس شعرى بالعراق فلا ... تبعد سباياه من عون وأبكار
وما رأى الناس سبيا مثل سبيهما ... بيعت نفيسته ظلما بدينار
والله ما مدحا حيّا ولا رثيا ... ميتا ولا افتخرا إلا بأشعارى
ولا يزال يصف هذا السّبى الشعرى من عون أو ثيبات وأبكار، وكيف أن من هذا السبى جرحى لم تضرب بحد سيف، وأسرى لم تحمل على ظهور خيل. ويبكى تعبه فى نظم أشعاره ويشبهها بالرياض ويصور إشفاقها على أنفسها من هذين اللصين وسيوفهما التى تفتك بها فتكا ذريعا. ويعقد الثعالبى فصلا لأهاجيه لابن العصب الملحى الشاعر وكان يتعصب للخالديين عليه، وهو فى هجائه له يقذع إقذاعا شديدا زاعما مشاهدة أهل الرّيب فى منزله بين اللهو والخمر والقصف، وكأنه لا يعيش فى منزل إنما يعيش فى حانة، يقول فى وصف دعوة دعاه فيها ساخرا:
وطاف الشّيخ بالدّنّ ... إلى أن نزف الدّنّا
فأدنى كدر العيش ... بها لا كان ما أدنى
стр. 2484
مدام تجلب الهمّ ... ولا تطرده عنّا
فلا النفس بها سرّت ... ولا القلب لها حنّا
وهى سخرية قاتلة من الشيخ، ولم نسق ما أضافه إلى الخمر من التبذل والتهتك واطراح الحشمة فى صراحة، لأن الهجاء بذلك يتحول سبّا يؤذى النفوس. وفى رأينا أن هجاءه ينزل درجات عن بقية فنونه الشعرية، وخاصة فى فنى المديح والغزل، وكان يتغنّى بشعره فى بغداد لعصره وبعد عصره بمثل قوله متغزلا:
بنفسى من أجود له بنفسى ... ويبخل بالتحية والسلام
وحتفى كامن فى مقلتيه ... كمون الموت فى حدّ الحسام
والصورة فى البيت الثانى بديعة. ولا يعرف تاريخ مولده، أما وفاته فكانت فى بغداد سنة ٣٦٠ وقبل سنة ٣٦٢ وقيل بل سنة ٣٦٦ إذ اتخذها دار مقام له فى أخريات حياته.
ابن القطّان (١) البغدادى
هو أبو القاسم هبة الله بن الفضل بن القطان، ولد ببغداد سنة ٤٧٨ وأكب على دراسة الحديث النبوى فى نشأته، ثم اتجه إلى دراسة الطب فأتقنها، حتى عدّ من أطباء بغداد، وكان كثير النوادر، وغلب عليه الشعر، وكان خبيث اللسان هجاء، كما كان غاية فى المجون والخلاعة وكثرة المزاح والدعابة، وقد هجا جماعة من الأعيان وكبار رجال الدولة، وكاد لا يسلم منه أحد لا خليفة ولا غيره، وعوقب مرة على هجائه إذ هجا قاضى القضاة الزينبى بقصيدة كافية أولها:
يا أخى الشّرط أملك ... لست للثّلب أترك
وهى طويلة عدد أبياتها مائة وثمانية عشر بيتا، وتناقلتها الرواة واشتهرت ولاكتها الألسنة، فبلغ ذلك القاضى الزينبى، فأحضر ابن القطان وصفعه وحبسه مدة، ثم ردّ إليه حريته. وكان يعرف كيف يخز فى هجائه وخز الإبر، من مثل قوله فى الوزير أنوشروان ذامّا له بالتواضع:
هذا تواضعك المشهور عن ضعة ... فصرت من أجله بالكبر تتّهم
قعدت عن أمل الرّاجى وقمت له ... فذا وثوب على الطلاّب لا لهم
стр. 2485
ويكثر مثل هذا الوخز وما يحمل من سخرية فى هجوه، مما يدل على قدرة حقيقية فى الهجاء، إذ لم يكن يعمد إلى السب والشتم، إنما يعمد إلى سموم تفتك بمن تسلّط عليه كقوله فى ابن المرخّم قاضى القضاة ببغداد:
يا ابن المرخّم صرت فينا قاضيا ... خرف الزمان تراه أم جنّ الفلك
إن كنت تحكم بالنجوم فربما ... أمّا بشرع محمد من أين لك
وهو بعد فى الهجاء وهزء ما بعده هزء بقاضى القضاة فى عصره. وله قصيدة طويلة فى هجاء كتّاب الديوان لزمنه، وكان بينهم عباسيون، فتعرض لأحدهم يغمزه فى نسبه إلى العباس بن عبد المطلب جدّه، قائلا:
نسب إلى العباس ليس نظيره ... فى الضّعف غير الباقلاء الأخضر
وضعف عود الباقلاء الأخضر معروف. وله قصيدة طويلة يسخر فيها من واعظ ووعظه وأنه يعظ الناس بما لا ينهى عنه نفسه، وله يقول:
وأنت تنهى الناس عن غيبة ... فى مثلها تامر بالرّدّ
إما بتخويف من النار أو ... بنوع تشويق إلى الخلد
وبعد ذا تفعل بى هكذا ... زنهار من سالوسك السّرد
وهذه العجمة من عندك اق ... تبستها ما هى من عندى
ارجع إلى الله ودعنى ولا ... ترم بسهم الطّيش من بعد
فهو ينهى الناس عن الغيبة ويغتابه، مع أنه كثيرا ما يلوّح للناس بأنها قد تدخلهم النار وأن تركهم لها قد يدخلهم الفردوس، والشطر الثانى فى البيت الثالث عبارة فارسية يشير بها إلى أصل هذا الواعظ الأعجمى، وكلمة زنهار كلمة استغاثة بالفارسية. والسالوس السرد: الكلام المعسول البارد. وهو يستغيث بذلك من وعظه، ويقول له ساخرا إنما اقتبست هذه الصيغة الأعجمية من عندك فأنت أعجمى اللسان لا تكاد تفصح فى البيان، ويناديه هازئا به ارجع إلى ربك واستغفر لذنبك. وتكثر فى القصيدة الألفاظ والعبارات الفارسية، مما يدل على معرفته التامة لتلك اللغة. وعلى هذا النحو كان ابن القطان لا يزال يسخر سخريات لاذعة بمن حوله، كقوله فى وزير كان يستثقل وزارته وظلّه:
يا معشر الناس النفير النفير ... قد جلس الهردبّ فوق السّرير
وصار فينا آمرا ناهيا ... وكنت أرجو أنه لا يصير
فكلما قلت قذى ينجلى ... وظلمة عما قليل تنير
стр. 2486
فتحت عينى فإذا الدولة ال ... دولة والشيخ الوزير الوزير
والهردب: العجوز الغليظ، يريد أنه لا يستطيع حراكا فكيف يحرك دواليب دولة، وإنه ليطلب إلى الناس أن تنفر للقاء هذا الأمر الخطير، ويراها غمّة على صدر الأمة لا تنجلى، ويفتح عينه فى كل يوم أو فى كل صباح فيراها جاثمة لا تريم. ولعله كان يريد القاضى الزينبى الذى زجّ به فى السجن كما مر بنا، فإنه تولى الوزارة، ويقال إنه لما وليها دخل عليه ابن القطان والمجلس غاص بأعيان الرؤساء وقد اجتمعوا لتهنئته، فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح والسرور، ورقص. فلما رآه الزينبى يرقص أسرّ إلى بعض خواصه: قبّح الله هذا الشيخ، فإنه يشير برقصه إلى ما تقول العامة فى أمثالها: «ارقص للقرد فى زمانه». وبحق ما قاله الزينبى إذ نراه يقول فى هجائه لبعض الرؤساء:
كلّ من صفّق الزما ... ن له قمت أرقص
وكان بينه وبين الحيص بيص الشاعر بغض ومهاترة، وكانا يصطلحان وقتا ثم يعودان إلى ما كانا فيه من التنابذ والتهاجى تماجنا وتظرفا ودعابة، فمن ذلك أن الحيص بيص خرج ليلة من دار الوزير الزينبى، فنبح عليه جرو كلبة، وكان متقلدا سيفا، فوكزه بعقب السيف، فمات. وعلم بذلك ابن القطان، فنظم أبياتا، وأضاف إليها بيتين من أبيات ديوان الحماسة لأعرابى قتل أخوه ابنا له، فقدّم إليه ليثأر منه وكان بيده سيف، فألقاه من يده وأنشد البيتين. وكتب ابن القطان الأبيات فى ورقة وعلّقها فى عنق كلبة لها جراء، ورتّب معها من طردها هى وجراءها أو أولادها إلى باب دار الوزير كالمستغيثة، فأخذت الورقة من عنقها، وعرضت على الوزير، فإذا فيها:
يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بفعلة أكسبته الخزى فى البلد
هو الجبان الذى أبدى شجاعته ... على جرىّ ضعيف البطش والجلد
فأنشدت أمّه من بعد ما احتسبت: ... دم الأبيلق عند الواحد الصّمد
«أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخى حين أدعوه وذا ولدى»
وجلب ابن القطان البيتين الأخيرين من ديوان الحماسة من أروع أمثلة التضمين، فقد بلغ بهما كل ما أراد من سخرية بالحيص بيص، إذ جعل الكلبة تقول بلسان حالها إن أخى الحيص بيص الذى موقعه منى موقع إحدى يدى جنى علىّ سهوا وخطأ لا عمدا ولا قصدا لسوء، وإن كلا من الأخ القاتل سهوا والابن المفقود يعوّض عن
стр. 2487
فقدان صاحبه، وبذلك جعله من فصيلة الكلاب، متسلسلا إليه من تضمين البيتين فى مقطوعته، فضلا عما صوّره به من الجبن والهلع إزاء جرو مستضعف لا حول له ولا قوة. وكانت فى ابن القطان دعابة وميل شديد إلى النادرة، وروى ابن خلكان طائفة من نوادره، من ذلك أنه دخل على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب للأشراف يشتهر ببخله وكان دخوله عليه فى يوم حر شديد فى شهر رمضان، فقال له الوزير: أين كنت؟ فقال على البديهة: فى مطبخ سيدى النقيب أتبرد، يريد أنه ليس فيه نار ولا طبيخ فى رمضان، فضحك الحاضرون وخجل النقيب. ومازال يطرف البغداديين بنوادره حتى توفّى عن سن عالية ببغداد فى عيد الفطر سنة ٥٥٨
٥ - شعراء التشيع
مر بنا فى الفصل الأول كيف أن مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية أخذ يعم فى العراق منذ فواتح هذا العصر إذ كان البويهيون شيعة إمامية، فأخذ المذهب ينتشر فى عصرهم، وأخذ أتباعه يتكاثرون، وتكاثر معهم الشعراء، ومضوا ينظمون فى موضوعين أساسيين هما: مناقب على بن أبى طالب رضوان الله عليه، متحدثين عن سيرته وانتصاراته على مشركى قريش وغيرهم وما فتح الله عليه، متحدثين عن سيرته وانتصاراته على مشركى قريش وغيرهم وما فتح الله على يديه من حصون خيبر، مضيفين إلى ذلك كلّ ما يروى له من فضائل منذ اعتنق الدين الحنيف وجاهد فى سبيله إلى وفاته. أما الموضوع الثانى فهو بكاء الحسين وندبه، واتسع ذلك حتى أصبح يوم مصرعه مأتما عامّا فى كربلاء وبغداد، وهيأ لذلك أن حاكم بغداد البويهى معز الدولة ألزم الناس-كما أسلفنا-فى سنة ٣٥٢ بغلق الأسواق فى يوم عاشوراء، يوم مقتل الحسين، وأن ينصبوا القباب ويرفعوا فوقها المسوح السوداء، كما ألزمهم بأن تخرج النساء منشورات الشعور يندبن ويلطمن على الحسين. وأقيم مأتم مماثل فى كربلاء. ومنذ هذا التاريخ يتكرر هذا المأتم كل عام. وكان الإمامية لا يكتفون بهذا اليوم فكانوا يندبون الحسين فى أيام أخرى طوال العام، وإن لم يأخذ ندبهم فيها شكل هذا المأتم الكبير. على كل حال أعدّت هذه المآتم لأن يصبح بكاء الحسين وندبه موضوعا أساسيا فى شعر الشيعة الإمامية، وكثيرا ما تبارى الشعراء فيه يوم الاحتفال الكبير بذكرى مصرعه، ولا يزال هذا شأنهم إلى اليوم. ولن نستطيع أن نتحدث بالتفصيل عن شعراء الشيعة الإمامية فى العصر،
стр. 2488
إنما حسبنا أن نشير إلى بعض مشاهيرهم، ويمكن القارئ أن يعود إلى كتاب أدب الطّفّ (كربلاء) لجواد شبّر المطبوع فى بيروت، ويقرأ فيه الجزء الثانى الخاص بشعراء القرنين الرابع والخامس فسيرى كثيرين من شعراء الشيعة الإمامية، وفى مقدمتهم الزاهى (١) الشاعر البغدادى المتوفى سنة ٣٦١ وقد أنشد له المؤلف مجموعة من القصائد فى بيان مناقب الإمام على بن أبى طالب، واستهل إحدى قصائده بقوله:
تولّيت خير الخلق بدءا وآخرا ... وألقيت رحلى فى حماهم مجاورا
أئمة حقّ خاتم الرّسل جدّهم ... ووالدهم من كان للحقّ ناصرا
ومضى يذكر الأئمة الاثنى عشر واحدا واحدا مشيدا بهم إلى أن انتهى إلى مهديّهم، ويبكيهم، ويمنى نفسه بظهور المهدى قائم الزمان، حتى ينشر بين الناس العدل الذى لا تصلح حياتهم بدونه. ويبدو أنه كانت فى السّرىّ الرفاء نزعة شيعية، وقد أنشد له صاحب أدب الطفّ قصيدة موجودة فى ديوانه يمدح فيها آل البيت ويبكى الحسين قائلا:
كأنّ أحشاءنا من ذكره أبدا ... تطوى على الجمر أو تحشى السّكاكينا
ومثله أبو بكر محمد الخالدى الموصلى، ومرّ بنا أنه كانت بينه وبين السّرىّ منازعة فى الشعر ومهاجاة وأكبر الظن أنه كان شيعيا إماميا مثله، فقد ترجم له صاحب أدب الطف، ونرى الثعالبى فى اليتيمة ينشد له قطعة فى ندب الحسين يقول فيها (٢):
عفّرتم بالثّرى جبين فتى ... جبريل بعد النبىّ ماسحه
سيّان عند الأنام كلّهم ... خاذله منكم وذابحه
وهو يسوّى فى الإثم بين من خذلوه من أهل الكوفة ومن ذبحوه، فجنايتهم واحدة فى رأيه. وكان طبيعيا أن تتكون مع هذا الندب والنواح فى بغداد والكوفة وكربلاء طائفة من النّاحة، ينوحون على الحسين فى يوم عاشوراء وغيره من الأيام (٣)، واشتهر من بينهم ببغداد حوالى منتصف القرن الرابع الهجرى أحمد المزوّق، وكان يجد أكبر
стр. 2489
مدد لنواحه فى شعر الناشئ (١) الأصغر على بن عبد الله بن وصيف المتوفى سنة ٣٦٦ ويقول ابن خلكان: هو من الشعراء المحسنين، وكان متكلما بارعا وله فى أهل البيت قصائد كثيرة، ويقول ياقوت: «كان يعتقد الإمامية ويناظر عليها بأجود عبارة واستنفد عمره فى مديح أهل البيت حتى عرف بهم» وأشعاره فيهم لا تحصى كثرة. وكثير من هذه الأشعار كان يناح بها فى مساجد بغداد، ينوح بها أحمد المزوّق وغيره، ويروى أنه ناح يوما فى أحد هذه المساجد بقصيدة ملتاعة للناشئ الأصغر، وفيها يقول:
بنى أحمد قلبى لكم يتقطّع ... بمثل مصابى فيكم ليس يسمع
عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم ... ويسطو عليكم من لكم كان يخضع
كأنّ رسول الله أوصى بقتلكم ... فأجسامكم فى كل أرض توزّع
فما بقعة فى الأرض شرقا ومغربا ... وليس لكم فيها قتيل ومصرع
وكان الشاعر حاضرا، فظل يلطم وجهه، وتبعه النائح والحاضرون يلطمون وجوههم وينوحون بأبيات القصيدة من الضحى حتى صلاة الظهر. وللناشئ قصيدة بائية يدعو فيها للأخذ بثأر الحسين كان الناس ينوحون بها فى أيامه ببغداد وفى مشهد الحسين بكربلاء، وفيها يقول:
متى تأخذون الثأر ممن تألّبوا ... عليكم وشبّوا الحرب وهى ضروب
شهيد توزّعن الصوارم جسمه ... فخرّ بأرض الطّفّ وهو تريب
قتيل على نهر الفرات على ظما ... تطوف به الأعداء وهو غريب
وأرض الطف: كربلاء. وتريب: معفّر بالتراب. والناشئ الأصغر يشير إلى سفك دم الحسين بكربلاء، ويمضى فيشيد بالأئمة الأولين: على والحسن والحسين الذين حووا-فى رأيه-علم كل ما قد كان أو هو كائن أو يكون ويقول:
حووا علم ما قد كان أو هو كائن ... وكلّ رشاد يبتغيه طلوب
وقد حفظت غيب العلوم صدورهم ... فما الغيب عن تلك الصدور يغيب
ولابد أن نلاحظ أن كثيرين من الشعراء بكوا الحسين، ولم يكونوا شيعة مثل سبط ابن التعاويذى، وهو أكبر مداح للخلفاء العباسيين فى القرن السادس، حتى إنه ليخلع عليهم صفات أئمة الشيعة كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ومع ذلك رأينا له مرثية يائية للحسين، إن صح أنها له كما مرّ بنا. وكأنما أصبح رثاؤه موضوعا عاما يشترك فيه الشيعة وغير الشيعة،
стр. 2490
لعظم المحنة فيه. ولعل فيما قدمنا ما يصور من بعض الوجوه نشاط الشعر الشيعى فى فواتح العصر، وظل ذلك ساريا طوال حقبه، وهو جانب يطول عرضه، ولذلك نكتفى بالحديث عن ثلاثة، لعل أولهم وثانيهم يعدان أنبه شعراء العراق بعد المتنبى، وهم الشريف الرضى ومهيار وابن أبى الحديد.
الشريف الرضى (١)
هو أبو الحسن محمد بن الطاهر أبى أحمد الحسين من سلالة جعفر الصادق المعروف بالموسوى، كان أبوه أبو أحمد عظيم المنزلة عند خلفاء بنى العباس والبويهيين، وتولى نقابة الطالبيين مرات، وتولى المظالم والحج بالناس دفعات، وقد ولد له أولا الشريف المرتضى سنة ٣٥٥ ثم ولد له الشريف الرضى سنة ٣٥٩ ولما شبّا كانا ينوبان عن أبيهما فى النقابة، منذ سنة ٣٨٠ وخلع عليهما من دار الخلافة واختص أبوهما بالنظر فى المظالم وأمور المساجد والحج بالناس، وكتب أبو إسحق الصابئ عهدا بذلك. وكانت تربط الشريف الرضى بالخليفة الطائع مودة وثيقة. ويقبض على الخليفة فى سنة ٣٨١ ويتولى الخلافة القادر، ويعفى والد الشريف الرضى من وظائفه فى سنة ٣٨٤ وترد إلى الشريف الرضى تلك الوظائف جميعا سنة ٣٨٨ وأبوه حى.
وقد تتلمذ الشريف لعلماء عصره فى بغداد من رجال الشيعة وغيرهم، مثل أبى على الفارسى وابن جنى والمرزبانى فى اللغة والنحو، والقاضى عبد الجبار فى الاعتزال، والشيخ المفيد فى الفقه وأصول العقيدة الإمامية. وأكبر الظن أنه لم يترك مفسرا لعصره إلا اختلف إلى دروسه، بل لقد أقبل على كتب التفسير السابقة يعبّ منها، يدل على ذلك كتابه فى التفسير الذى ذكرناه فى غير هذا الموضع والذى سماه حقائق التأويل فى متشابه التنزيل، وبالمثل أقبل على كتب الحديث النبوى ينهل منها، على نحو ما يتضح فى كتابه المجازات النبوية. ومعروف أنه هو الذى جمع خطب الإمام على فى الكتاب المعروف باسم نهج البلاغة، وعرضنا فى كتابنا «العصر الإسلامى» لما داخله من وضع.