← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رقاق النّعال طيب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب (١) تحيّيهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب (٢) يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب (٣) ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب (٤) حبوت بها غسّان إذ كنت لاحقا ... بقومى وإذ أعيت علىّ مذاهبى (٥) وهو فى أول الأبيات يصفهم بالجود ورجاحة الأحلام والعقول، ثم يأخذ فى وصفهم بأنهم متدينون بدين قويم، وكان الغساسنة نصارى كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ويقول إن منازلهم تحل بأمكنة مقدسة، ولعله يريد كنائسهم، ولا يلبث أن يقول إنهم يخشون العواقب، وكأنه يستحثهم على أن يفكوا أسرى قبيلته من أغلالهم. وتحوّل يصفهم بالترف وما كانوا فيه من رفاهة العيش، فهم رقاق النعال، وهم أعفاء، يحيّون بالأزهار فى عيد السّباسب أو يوم الشّعانين، وهو من أعياد النصارى، وهم منعمون يلبسون ثيابا بيض المناكب خضر الأكمام. وعاد يستعطفهم على قومه وأنهم إذا كانوا أهاجوهم واستتبع ذلك شرّا وبلاء فإن فى الغساسنة خيرا كثيرا. ولم يلبث أن صرح بما جاء من أجله، فهو إنما يمدح الغساسنة باسم قومه، وقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت بسبب من أسر منهم عند ممدوحيه، وكأنه يهيب بهم أن يردوا إليهم حريتهم، وردوها فعلا لما بهرهم به النابغة من هذا المديح الرائع. وواضح أن روعة هذا المديح ترجع إلى استيفاء النابغة لمعانيه وعرضها فى معارض بديعة من اللفظ الواضح الجزل ومن الصور المونقة الدقيقة. وقد نفذ فى أثناء ذلك إلى معان حضرية جديدة، إذ صور دينهم وترفهم وما هم فيه من نعيم. وهو فى ذلك يختلف عن شعراء البادية أمثال زهير فى مديحه، إذ كانوا لا يعرفون هذه المعانى ولا تلم بخواطرهم، أما هو فعاش أغلب أيامه فى الحيرة وفى بلاط الغساسنة،

стр. 282

فكان طبيعيّا أن يختلف ذوقه عن ذوق البدو وأن يأتى بمثل هذه المعانى التى تروق ممدوحيه من الأمراء. وإذا كان النابغة يتفوق فى المديح تفوقا ظاهرا فإنه كذلك يتفوق فى الاعتذار، وكأن ذوقه الحضرى هو الذى أعدّه لهذا التفوق، إذ نحس فيه رقة فى اللهجة وإلحاحا فى التلطف محاولا أن يزيل من نفس النعمان بن المنذر ظنه السيئ فيه. وقد استعان بموهبته فى اختراع الصور والمعانى والتدقيق فيها، مدبجا فى ذلك قصائد طوالا تعدّ من أروع ما خلّفه العصر الجاهلى لا لطولها فحسب، بل لما فيها من صدق اللهجة وسهولة اللفظ وحسن ديباجته. وقد أسعفه فى ذلك ذوقه الحضرى الذى خلصه من خشونة البدو ومن الأنفة الجامحة، فإذا ذنبه يكبر فى نفسه، وإذا هو يحس كأنه أتى جريرة لا تغتفر، فماينى يقدّم للنعمان المعاذير متخذا إليه كل ما يستطيع من البراهين ومن سبل التلطف والملاينة وقد يؤديه ذلك إلى غير قليل من التذلل والاسترحام، حفاظا على صداقته القديمة له واستبقاء لوده، وهو حسن تأتّ لا صغار نفس ولا مهانة، ولا طلبا لعصافير النعمان كما قال أبو عمرو بن العلاء، وإنما هو الذوق الحضارى الذى اكتسبه النابغة والذى جعله يختلف عن معاصريه ويقترب من ذوق العباسيين المتحضرين، حين يشعرون بضخم ذنبهم لدى الممدوحين ويأخذون فى التنصل منه، وتقديم شتى المعاذير. وهو يخلط اعتذاره بمديح النعمان والثناء عليه، وارجع إلى المعلقة فتراه يستهلها بوصف أطلال دار مية، ثم وصف ناقته التى قطع بها الصحراء إلى مقصده مفتنّا فى تصويرها، ومشبها لها بثور تناضله كلاب الصيد، حتى إذا انتهت به إلى النعمان أخذ يمدحه بكرمه الفياض وما وهبه من قطعان الإبل والخيل ومن الجوارى المنعّمات، ثم مضى يستعطفه قائلا: فلا لعمر الذى مسّحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من حسد (١) والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكّة بين الغيل والسّعد (٢)

стр. 283

ما قلت من سيّئ مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطى إلىّ يدى إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعا على الكبد (١) إذن فعاقبنى ربى معاقبة ... قرّت بها عين من يأتيك بالفند (٢) أنبئت أن أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد (٣) مهلا فداء لك الأقوام كلّهم ... وما أثمّر من مال ومن ولد (٤) لا تقذفنّى بركن لا كفاء له ... وإن تأثّفك الأعداء بالرّفد (٥) وواضح أنه يقسم له بأيمانه الوثنية المغلظة أنه برئ مما يتّهم به من غدر، ويستنزل غضب ربه عليه إن كان غير صادق، ولتشلّ يده إن كان ما يقول الوشاة صحيحا. ولا يلبث أن يصور نفسه ضعيفا أمام النعمان وقوته وبطشه، ويمثله أسدا جائعا يزأر، وقد وقع منه موقع الفريسة. وسرعان ما يعود إلى الاستعطاف، فالناس جميعا من غساسنة وغير غساسنة فداء النعمان، بل إنه ليفديه بماله وولده، ويقول له لا ترمنى بما لا أطيق منك، وأنت الذى لا يستطيع الأعداء مهما تآزروا أن يثبتوا له. ويخرج من ذلك إلى مديحه، ثم يعود إلى استعطافه فيقول: فما الفرات إذا هبّ الرياح له ... ترمى أواذيّه العبرين بالزّبد (٦) يمدّه كلّ واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد (٧) يظلّ من خوفه الملاّح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنّجد (٨) يوما بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد (٩)

стр. 284

هذا الثناء فإن تسمع به حسنا ... فلم أعرّض-أبيت-اللّعن-بالصّفد (١) ها إنّ ذى عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النّكد (٢) وقد بدأ فشبهه بالفرات فى كرمه، ثم أخذ يصف الفرات فى ارتفاع فيضانه، وعمد إلى تفصيل الصورة، حتى يبرزها وحتى يظهر مقدرته الفنية فى دقة التصوير، فهو قد علت أمواجه ورمت شاطئيه بالزبد، وهو ينساب حاملا ما يقتلعه من الأشجار والنباتات، وإنه ليعصف بكل ما عليه حتى لنرى الملاح معتصما فى مركبه بسكّانها يخشى الغرق. وقد نفى أن يكون الفرات فى فيضانه أكرم من النعمان وأكثر سيبا. ودائما يحاول النابغة أن يخترع مثل هذه الصورة، ليدل على براعته. ونراه يعود إلى استعطاف النعمان، وأنه قدم له هذا الثناء لا يبغى به نواله، وإنما يبغى رضاه، وأنه إن لم يقبل اعتذاره ألقى به فى مهاوى النكد والهم. ومن بديع اعتذاراته قصيدته العينية، وفيها يقول: وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس فالضواجع (٣) فبتّ كأنى ساورتنى ضئيلة ... من الرّقش فى أنيابها السمّ ناقع (٤) يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلى النساء فى يديه قعاقع (٥) تناذرها الرّاقون من سوء سمّها ... تطلّقه طورا، وطورا تراجع (٦) أتانى-أبيت اللّعن-أنك لمتنى ... وتلك التى تستكّ منها المسامع (٧)

стр. 285

مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع (١) بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالا، سيرهنّ التّدافع (٢) سماما تبارى الرّيح خوصا عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع (٣) عليهنّ شعث عامدون لحجّهم ... فهنّ كأطراف الحنىّ خواضع (٤) لكلّفتنى ذنب امرئ وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع (٥) فإن كنت لاذو الضّغن عنى مكذّب ... ولا حلفى على البراءة نافع ولا أنا مأمون بشئ أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (٦) خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع (٧) أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ضالع (٨) وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع (٩) أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع (١٠)

стр. 286

وتسقى إذا ما شئت غير مصرد ... بزوراء فى حافاتها المسك كانع (١) وهو فى أول هذه الأبيات يقول له: إن وعيدك أتانى وأنا آمن فى قومى وبينى وبينك منازل بنى أسد ومن وراءهم، فألمت حفظا للعهد وبت مسهدا، كأنما لدغتنى أفعى، وهى صورة بارعة، وقد أخذ يدقق فيها حتى يجسم ألمه، فهى أفعى من الرقش تستودع السم فى أنيابها الحادة، فمن عضّته لم يطف به النوم من شدة الألم، وعلق عليه أهله الحلى والخلاخيل حتى يفيق ويبرأ. وهى من الأفاعى الخبيثة التى قلما أجابت الرقى، وإن الرقاة والحاوين ليرهبونها ويتخوفون من أن يطأوا حماها. ويصور النابغة للنعمان فزعه حين أتاه أنه يلومه، ويحلف له بأيمانه الوثنية، ويختار هنا الحلف بالإبل التى كانوا ينذرونها لآلهتهم، ويقف ليعطينا صورة عن هذه الإبل، فهى تقبل على مكة مسرعة سرعة السمام، حتى لكأنها تبارى الريح، وقد أجهدت من السير وطول السفر، حتى إن بعضها سقط فى الطريق إعياء، فلم ينبعث ولم يستطع براحا. وقد بقيت بقية عليها شعث مغبرون يقصدون الحج، وقد أخذها النحول حتى لكأنها القسى الضامرة. وهذا اليمين العظيم يقسم به متنصلا مما سمع عنه من بعض الوشاة أنه انصرف إلى الغساسنة يمدحهم ويهجوه، وكان حريا به أن ينزل سخطه لا عليه، وإنما على هذا الواشى وإلا فمثله ومثل من وسوس للنعمان مثل البعير السليم يكوى من الجرب، والأجرب راتع بجانبه لا يصيبه كى ولا أذى. وهى صورة أخرى بارعة، ويقول إن كنت لا تكذب من يضطغن علىّ ولا تصدق يمينى ولا حلفى فما أحرانى بالرهبة منك والخوف من بطشك، ويودع ذلك صورة رائعة، إذ يتخيل النعمان كالليل، لا مفر لشخص من أن يطبق عليه. وعاد إلى الاستعطاف فصور قصائده التى يرسل بها إليه ليلين قلبه عليه كأنها خطاطيف معوجة ثبّتت فى حبال متينة، وأيدى النابغة تمد بها إليه، تريد أن تظفر بعطفه ورضاه. ويصور له أمانته وأنه لا يخون عهده، بينما من يختانون هذا العهد يقربهم ويرعاهم، ويختم اعتذاره إليه

стр. 287

بمديحه والثناء عليه، فهو غيث منعش لأوليائه وسيف مصلت على أعدائه، وقد براه الله لرعيته عادلا وفيا، لا يلقى المنكر بالمعروف ولا المعروف بالمنكر، يجزى على الإساءة إساءة وعلى الإحسان إحسانا. وانتهى بتمثيل ما هو فيه من نعيم، فهو يشرب فى كأس مفضضة مزج ما فيها بالمسك والطيب. ومن رائع اعتذاراته إليه قوله: أتانى-أبيت اللّعن-أنك لمتنى ... وتلك التى أهتمّ منها وأنصب (١) فبتّ كأن العائدات فرشننى ... هراسا به يعلى فراشى ويقشب (٢) حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلّغت عنى خيانة ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب ولكننى كنت امرأ لى جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب (٣) ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم فى شكر ذلك أذنبوا وإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فلا تتركنّى بالوعيد كأننى ... إلى الناس مطلىّ به القارّ أجرب (٤) ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب (٥) ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب (٦) فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب (٧) وواضح أنه يصور نفسه فى أول هذه الأبيات حين بلغه لوم النعمان بمريض،

стр. 288

قد أخذته آلام المرض وأهله يسوون له فراشه رحمة به وعطفا عليه. ويحلف له بأنه برئ مما اتهمه به الواشى، إذ لا يزال يرعى أمانة عهده، وكل ما هناك أنه ألم بديار الغساسنة، فأكرموه وحكموه فى أموالهم، فوجب عليه أن يشكر لهم يدهم وصنيعهم كما يشكر النعمان من يرعاهم من الشعراء ويغدق عليهم من نواله. وهو بذلك يقيم الحجة على النعمان، فليس هناك كفران لنعمته عليه ولا جحود لولائه، وما يلبث أن يرفعه على جميع الملوك من غساسنة وغير غساسنة، فهو كالشمس الساطعة وغيره من الملوك كالنجوم، يتوارون فى ضيائه ومجده، وهى صورة باهرة لا شك أنها تركت أثرا بليغا فى نفس النعمان. وقد تلاها باستعطافه، فصور له ما صبّه عليه من غضب بالقار يصبّ على الأجرب فيتحاماه الناس. ويعود إلى بيان منزلة صاحبه وأن غيره من الملوك لا يرتقون إلى مكانته، بل يضطربون دون سمائه. ويقول له: هب أن مديحى للغساسنة هفوة واعف عنى، فإن لكل شخص هفوة، وأين الأخ الذى لا يهفو ولا يعثر؟ ومثلك حرى بأن لا يظلم أصفياءه ومن يخلصون له الولاء، فإن ظلمتنى قبلت ظلمك، وإن أسدلت علىّ عفوك ورضاك فليس غريبا منك، فمثلك يعتب ويصفح الصفح الجميل. ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل دلالة بينة على براعة النابغة فى اعتذاره ومديحه جميعا، فقد كان يعرف كيف ينوّع معانيه وكيف يسلك إليها شعابا لم يسلكها أحد من قبله. والذى لا ريب فيه أن باب الاعتذار والاستعطاف ضيق، ولكنه عرف بمقدرته الخيالية كيف ينفذ منه إلى صور طريفة ومعان دقيقة، يقوده فى ذلك ذوقه الحضرى الذى نصب أمام عينه اتصاله بالغساسنة ذنبا كبيرا وجرما لا يغتفر فى حق النعمان بن المنذر، وقد أخذ يتنصل من هذا الجرم تارة ويعظم فضيلة العفو عن المذنب تارة ثانية. وبذلك كان فاتحا لباب الاعتذار على مصراعيه، وعلى هديه تبعه الشعراء فى العصور الإسلامية متخذين منه قدوتهم. وإذا كنا أعجبنا باعتذارات النابغة ومديحه فإننا نعجب أيضا برثائه للنعمان بن الحارث الأصغر الغسانى، وهو يستهله بالنسيب ثم يصف ناقته مشبها لها بحمار وحشى، ويخرج من ذلك إلى الرثاء، فيقول إنه أحزنه نعى النعمان وإن كان سرّ قيسا لما أثخن فيها بحروبه. وهو يعبّر بذلك عن وفائه واعترافه بالجميل،

стр. 289

ومن ثمّ لا يشمت بموت النعمان كما شمتت ذبيان وغيرها من قبائل قيس، بل إنه ليدعو على أعدائه أن لا يهنئوا بمصرعه، ويحدثنا عن جيوشه وانتصاراتها فى القبائل. ويقف ليرد على من جهلوا شيمته من الحفاظ على العهد والضن بسابق الود، فقد ظنوا أنه لن يرثى النعمان ولن يذكره، ويقول كيف لا يذكره، وقد حرك موته ما يشبه الداء العضال فى فؤاده، ونحس أنه سعر قلبه وأشعل صدره بشعلة من الحزن لا تخبو. وما زال يبكيه متعزيا بأن الموت سنة الأحياء وأنه كأس دائر على الجميع، حتى قال داعيا له ومترحما عليه: سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم ... بغيث من الوسمىّ قطر ووابل (١) ولا زال ريحان ومسك وعنبر ... على منتهاه ديمة ثم هاطل (٢) وينبت حوذانا وعوفا منوّرا ... سأتبعه من خير ما قال قائل (٣) وهو يستمطر على قبره شآبيب الغيث، ولا يكتفى بذلك بل يدعو له أن يظل قبره معطرا بالريحان والمسك والعنبر، ولا تزال تمده الأمطار بما ينبت عنده النباتات العاطرة من مثل الحوذان والعرف. وحقّا كان الشعراء حوله ومن قبله يستسقون السحاب لقبور من يفقدونهم، ولكنه مدّ أطناب الصورة بذوقه الحضرى وأضاف إليها الريحان والمسك والعنبر، ودعا للأرض أن تنبت من حول النعمان الأزهار والرياض. وهى صورة حضارية تقابل أختها التى مرت فى مديحه لأخيه عمرو. وقد قدّم لهذه المرثية كما قلنا بالنسيب، وهو يقدم به لبعض اعتذاراته مؤتسيا بمن حوله من شعراء الجاهلية إذ كانوا يضعونه غالبا فى مقدمات قصائدهم، وكأنهم يريدون أن يستوحوا المرأة شعرهم وقصيدهم. ومن نسيبه قوله فى فاتحة معلقته التى أودعها إحدى اعتذاراته: يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد (٤) وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد (٥)

стр. 290

إلا الأوارىّ لأيا ما أبيّنها ... والنّؤى كالحوض بالمظلومة الجلد (١) ردّت عليه أقاصيه ولبّده ... ضرب الوليدة بالمسحاة فى الثّأد (٢) خلّت سبيل أتىّ كان يحبسه ... ورفّعته إلى السّجفين فالنّضد (٣) أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذى أخنى على لبد (٤) وهو يستهلها بنداء دار مية ولا يسمع رجعا لندائه ولا ردّا عليه، فقد خلت من سكانها وبارحوها منذ أمد طويل. ويقول إنه وقف بها وقت الأصيل يسائلها ولا من مجيب، ويصف آثارها وما أبقى الزمن منها، ويقول لم يبق منها إلا الأوتاد وإلا النؤى. ويطيل فى وصفه ليظهر قدرته الخيالية، فقد حفرته جارية فى أرض صلبة، وما زالت ترد أتربته على حوافيه، باسطة طريقه إلى الخيام ليرد عنها سيول المطر. وقد أبدع فى تسمية الأرض التى لم تحفر بالمظلومة، وهو أول من أعطاها هذا الاسم، كأنه أحس إزاء الصخر الذى لا يحرث ولا يزرع بضرب من الظلم. وقد ختم نسيبه بإظهار هذه الدار التى رحل عنها أهلها بمظهر بال، فقد جرّت الأيام عليها أذيال البلى والعفاء، كما جرّتها من قبل على لبد نسر لقمان المشهور بطول عمره وطول سلامته. وواضح أن هذا النسيب فيه قدرة بارعة على الوصف، ولكن ليس فيه عاطفة قوية، وربما رجع ذلك إلى وقار النابغة، فهو ينسب بالمرأة لا ليصور حبّا، وإنما ليتمسك بهذا التفليد الثابت عند الجاهليين من افتتاح قصائدهم بوصف آثار الديار وما صنعت بها الأحداث. وقد أوشك فى مقدمته لاعتذاريته العينية أن يصور عواطفه وحبه ولكنه لم يكد يقول: فكفكفت منى عبرة فرددتها ... على النّحر منها مستهلّ ودامع (٥)

стр. 291

حتى أمسك نفسه، وعاتبها على الصبوة وقد علا رأسه الشيب. ونراه فى معلقته يخرج من الغزل إلى وصف ناقته على عادة الشعراء من حوله، فصوّر قوة متنها وسرعة سيرها ومضائها، ثم أخذ فى تشبيهها بثور وحشى، ودفعه ذلك إلى وصف صائد وأكلبه وما نشب بينها وبين هذا الثور من عراك، يقول: من وحش وجرة موشىّ أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد (١) أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشمال عليه جامد البرد (٢) فارتاع من صوت كلاّب فبات، له ... طوع الشّوامت من خوف ومن صرد (٣) فبثّهنّ عليه واستمرّ به ... صمع الكعوب بريّات من الحرد (٤) وكان ضمران منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المحجر النّجد (٥) شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذها ... طعن المبيطر إذ يشفى من العضد (٦) كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عند مفتأد (٧) فظلّ يعجم أعلى الرّوق منقبضا ... فى حالك اللّون صدق غير ذى أود (٨) لما رأى واشق إقعاص صاحبه ... ولا سبيل إلى عقل ولا قود (٩) قالت له النفس إنى لا أرى طمعا ... وإنّ مولاك لم يسلم ولم يصد (١٠)

стр. 292

وهو يبدأ برسم صورة هذا الثور، فقوائمه مزينة بما فيها من نقط، وهو ضيامر كالسيف المسلول، يجرى فى الصحراء خائفا متوجسا لما تسقط عليه السماء من برد لا ينقطع. ولم يلبث أن ذعر ذعرا شديدا إذ سمع صوت قانص يهتف بكلابه، فأسرع فى جريه، ولمحه القانص فبعث عليه كلابه، فاشتدت قوائمه وكعوبه مستخرجا منها كل ما يبتغى من سرعة، ولكن الكلاب لحقت به، وكان أول ما لقيه منها ضمران، ونشب بينهما صراع عنيف، أهوى فيه الثور على خصمه بقرنيه، ولم يلبث أن طعنه بأحدهما طعنة نجلاء، نفذت إلى ظاهر صدره، فكنت ترى الكلب من وهلته يعلك أعلى القرن وما خرج منه متقبضا متألما إلى أن لفظ أنفاسه. ولما رأى واشق ما أصاب أخاه وأنه لن يستطيع أن يعينه ولا أن يدرك بثأره أحجم عن لقاء الثور إبقاء على نفسه، وقد أخذه اليأس من أن يصيد صاحبه كما كان يبغى، فدون بغيته الموت والهلاك. وهذا الوصف أكثر حيوية من النسيب السابق، لما بثّ النابغة فى الحيوان من حياة الإنسان وعواطفه وقلقه وطمعه ويأسه، فالثور خائف يترقب، والكلاب طامعة تتربص. وتنشب المعركة وكأنها معركة آدمية، فالثور يطعن طعن الرجل المدافع عن عرينه وحماه. ويقتل ضمران. وينظر أخوه واشق فيرى أن القصاص غير ممكن، وتحدثه نفسه بأنه يطمع فى غير طائل، وما يلبث أن ينصرف عن المعركة، وقد قذفت به فى مهاوى اليأس والقنوط. ولا ينسى النابغة مهارته فى التصوير سواء من حيث تمثيل المنظر وتجسيمه أو من حيث التشبيهات وإدخالها فى نسيج الأبيات. وفى ديوانه فخر وهجاء يتصل بشئون قبيلته البدوية وما كان بينها وبين بنى أسد من حلف وبينها وبين بنى عامر من حرب، وهو فى هذا القسم من شعره لا يتوفر على إحكامه وإظهار مهارته فيه شأنه فى المديح والاعتذار والرثاء، وكأنه كان يمنعه وقاره أن يتمادى فيه، وخاصة فى الهجاء، واقرأ له هذه الأبيات فى عامر بن الطفيل وقد بلغه أنه يهجوه: فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإن مطبّة الجهل السّباب

стр. 293

فكن كأبيك أو كأبى براء ... توافقك الحكومة والصواب (١) ولا تذهب بحلمك طاميات ... من الخيلاء ليس لهنّ باب (٢) وإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب (٣) وهى أبيات تخلو من الإقذاع فى الهجاء المعروف عند الجاهليين، وهو يعمد فيها بذوقه الحضرى إلى التهكم به والسخرية منه، فيصفه بالحمق، ويصغّر إليه نفسه بتفضيل أبيه وعمه عليه، وينهاه عن الخيلاء، ويؤمله فى أنه سوف يحلم حين تتقدم به السن أو لعله لا يحلم أبدا. وواضح أن الشطر الثانى فى البيت الأول حكمة سائرة، وتكثر هذه الحكم عند النابغة يأتى بها فى ثنايا شعره وقصيده، فتكون شطرا كهذا الشطر، وقد تكون بيتا كالبيت الأخير من هذه الابيات، وفيما تمثلنا من شعره كثير منها، ومن رائعها قوله: ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب ومما لا شك فيه أنه يدل بهذه الحكم على صدق نظرته ودقة حسّه. وجوانب كثيرة فى شعر النابغة تفصح عن مهارته فى صوغ القصيدة ونظمها، سواء من حيث ألفاظه أو من حيث صوره ومعانيه، أما من حيث الألفاظ فإنك لا تقع منها على لفظة نابية، إنما تقع على الألفاظ المحكمة المستخدمة فى دلالالتها الدقيقة، ولعل ذلك ما جعله يلتزم الألفاظ البدوية الغريبة حين يصف الديار والصحراء والحيوان الوحشى، أما حين يمدح الملوك أو يرثيهم أو يعتذر إليهم فإنه يستخدم الألفاظ المأنوسة الجزلة الناعمة. وهذه البراعة عنده جعلت نقاد العصر العباسى يقولون: إنه «كان أحسن الجاهليين ديباجة شعر وأكثرهم رونق كلام وأجزلهم بيتا (٤)». على أنهم لم يلبثوا أن ادعوا عليه أنه كان يقوى فى شعره محتجين على ذلك ببيت فى قصيدة المتجردة التى وضعت عليه، فقد جاء فيها بيت مرفوع الروى، بينما رويها المطّرد مكسور، ورووا فى ذلك قصة، هى أن النابغة قدم

стр. 294

يثرب، فعاب عليه أهلها ذلك فى قصيدته المذكورة، فلم يأبه لهم حتى أسمعوه إياه فى غناء، ففطن إلى ما قالوا ولم يعد إلى ذلك (١). ولكن القصيدة كما قدمنا مما نحل على النابغة، فحرى أن تكون القصة مثلها منحولة. وإذا كان النابغة يعنى بألفاظه عناية راعت السابقين فإنه يعنى كذلك بمعانيه، وهى عناية أتاحت له كثرة الخواطر فى اعتذارياته على الرغم من ضيق هذا الموضوع، وأيضا فإنها أتاحت له ضربا من ترتيب أفكاره، ويتضح ذلك فى تنسيقه لموضوعات بعض قصائده، إذ نراه يحسن التخلص من موضوع إلى موضوع، وارجع إلى معلقته فإنك تراه يخرج من النسيب إلى وصف ناقته خروجا تسنده المناسبة، حتى إذا أتم هذا الوصف قال: فتلك تبلغنى النعمان إن له ... فضلا على الناس فى الأدنى وفى البعد وكذلك صنع فى اعتذاريته العينية فإنه خرج من النسيب إلى الاعتذار خروجا متصلا، إذ قال إنه كفّ عن التشبيب والحب لشيبه ولما يشغله من هم، هو غضب النعمان، على هذه الشاكلة: وقد حال همّ دون ذلك شاغل ... مكان الشّغاف تبتغيه الأصابع (٢) وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس فالضّواجع وهذه العناية البالغة بالمعانى والألفاظ كان يؤازرها عنده عنايته بالصور وما يطوى فيها من تشبيهات واستعارات؛ ولا نلاحظ عنده الكثرة من الصور فحسب، بل نلاحظ أيضا القدرة على الابتكار ومفاجأة السامع بالأخيلة التى تخلب لبّه، وخاصة حين يتنصّل للنعمان بن المنذر من ذنبه، وحين يصور بطشه بمن يغضب عليهم مستعطفا مسترحما. وكان له ذوق جيد فى اختيار صوره ومعانيه جميعا، وهو ذوق هذبته الحضارة التى نعم بها فى الحيرة وبلاط الغساسنة، فإذا هو رقيق الحس رقة شديدة، وإذا هو يأتى فى مديحه ورثائه بمعان حضارية غير مألوفة للجاهليين. وليس ذلك فحسب، فإنه يفتح صفحة جديدة هى صفحة

стр. 295

الاعتذاريات والاستعطافات وما يجرى فيها من الحس المرهف والشعور الدقيق، وتسربت من ذلك أسراب فى جميع موضوعات شعره، حتى الهجاء. وإذا أضفنا إلى كل ذلك عند النابغة أخلاقه الرفيعة التى تتمثل فى وقاره وارتفاعه عن الدنيات ووفائه للأصدقاء والأحلاف وحفاظه الشديد على العهد وسابق الود أمكننا أن نفهم منزلته التى احتلها فى العصر الجاهلى وأسبابها، إذ جعلوه محكّما بين الشعراء فى عكاظ كما قدمنا، وكأنه فى رأيهم الشاعر الفذّ الذى لا يشقّ غباره والذى لا ينطق عن هوى أو عصبية، ومن ثمّ كان حكمه قاطعا لا يقبل طعنا ولا نقضا.

стр. 296

الفصل التاسع زهير بن أبى سلمى ١ - قبيلته هو زهير بن أبى سلمى ربيعة بن رياح المزنىّ، فأبوه من قبيلة مزينة، وكانت تجاور فى الجاهلية بنى عبد الله بن غطفان حيث كانوا ينزلون فى الحاجر بنجد شرقى المدينة وينزل معهم بنو مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان أخوال أبيه ربيعة. ويحدثنا الرواة أنه أقام فيهم زمنا مع أمه، وحدث أن أغار مع قوم منهم على طيئ وأصابوا نعما كثيرا وأموالا، ولما رجعوا لم يفردوا له سهما فى غنائمهم، فغاضبهم وانطلق بأمه إلى قبيلته مزينة، ثم لم يلبث أن أقبل فى جماعة منها مغيرا على عشيرة أخواله، ولم يكادوا يتوسطون ديارها حتى تطايروا راجعين وتركوه وحده، فأقبل حتى دخل فى أخواله، ولم يزل فيهم حتى توفّى ومن ثمّ ولد له زهير وأولاده فى منازل بنى مرة وبنى عبد الله بن غطفان (١). وكان ذلك سببا فى أن يضطرب الرواة وأن يظن بعضهم أن زهيرا غطفانى القبيلة (٢)، وهو فى الحقيقة مزنى النسب غطفانى النشأة والمربى، وقد صرّح ابنه كعب بهذا النسب إذ يقول فى بعض شعره ردّا على مزرّد بن ضرار وقد عزاه إلى مزينة (٣): هم الأصل منى حيث كنت وإننى ... من المزنيّين المصفّين بالكرم ويظهر أن ربيعة لم يعش طويلا فى عشيرة أخواله، ويقول الرواة إن امرأته تزوجت من بعده أوس بن حجر الشاعر التميمى المشهور. وهنا يلمع فى حياة زهير اسم خاله بشامة بن الغدير، فقد كفله هو وإخوته، ونعرف منهم سلمى كما نعرف أخرى تسمى الخنساء.

стр. 297

وقد عاش زهير فى خلال هذه الحروب التى نشبت بين عبس وذبيان، حروب داحس والغبراء التى سبق أن تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع، وقد أسهمت عشيرة أخواله، فى تلك الحروب وصليت نارها. وأيضا فإنها صليت نيران حروب أخرى كانت تنشب بينها وبين بعض العشائر الذبيانية، وفى شعر خاله بشامة ما يصور تلك الحروب الأخيرة، فقد روى له صاحب المفضليات قصيدتين يحرض فيهما عشيرته أن لا يخذلوا حلفاءهم «الحرقة» وأن يقفوا معهم ضد بعض العشائر من بنى سعد بن ذبيان. ومعنى ذلك أن الأيام التى عاشها زهير فى عشيرة أخواله الذبيانيين لم تكن أيام استقرار وأمن، إنما كانت أيام حروب وسفك للدماء، فدائما تشنّ الغارات، ودائما تجيش القلوب بالأضغان، فتسلّ السيوف وتقطع الرقاب. ويعودون من حروبهم دائما إلى رعى الإبل والأغنام، وإلى صيد بعض الحيوان، شأن القبائل النجدية فى العصر الجاهلى. وكانت ذبيان وغيرها من قبائل غطفان تتعبّد فى الجاهلية العزّى، ويقال إنها كانت شجرة أقامت حولها كعبة كانت تحج إليها، وتهدى القرابين، وقد هدمها خالد بن الوليد بأمر الرسول ﷺ ، وربما قال الرواة إنها شجرات ثلاث، وقد يقولون إنه كان فى الكعبة وثن. وأكبر الظن أن هذا هو الصحيح فقد كان فيها وثن العزّى، وكان من حوله شجرات يقدسونها (١). ومهما يكن فقد كانوا وثنيين، وظلوا على وثنيتهم إلى ظهور الدين الحنيف. ٢ - حياته ليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأة زهير سوى أنه عاش فى منازل بنى عبد الله ابن غطفان وأخواله من بنى مرة الذبيانيين، وفى كنف خاله بشامة بن الغدير، وكان شاعرا مجيدا كما كان سيدا شريفا ثريّا، يقول ابن سلام: «وكان كثير المال، وكان

стр. 298

ممن فقأ عين بعير فى الجاهلية، وكان الرجل إذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها (١)». وكان بشامة من أحزم الناس رأيا فكان قومه يستشيرونه ويصدرون عن رأيه، ولم يكن له ولد، فلما حضرته الوفاة جعل يقسم ماله فى أهل بيته وأعطى زهيرا نصيبا منه، ويروى أنه قال له إنى أعطيتك ما هو أفضل من المال، فقال زهير: ما هو؟ فقال له: شعرى (٢)، وهو لم يرث عنه شعره وماله فقط، بل ورث عنه أيضا خلقه الكريم. وفى أخباره أنه تزوج من امرأتين: أم أوفى وهى التى يذكرها كثيرا فى شعره، ويظهر أن المعيشة لم تستقم بينهما، فطلقها بعد أن ولدت منه أولادا ماتوا جميعا. والثانية التى تزوجها من بعدها هى كبشة بنت عمار الغطفانية، وهى أم أولاده: كعب وبجير وسالم، ومات سالم فى حياته ورثاه ببعض شعره (٣). وهو يتحدث فى شعره طويلا عن حروب داحس والغبراء مشيدا بهرم بن سنان والحارث بن عوف سيدى بنى مرة اللذين حقنا دماء عبس وذبيان بعد أن طال عليهما الأمد فى تلك الحروب، إذ تحمّلا ديات القتلى، ويقال إنها كانت ثلاثة آلاف بعير أدّياها فى ثلاث سنين (٤). واعتدّ زهير بهذه المنة الجليلة فأشاد بها فى معلقته، وظل طوال حياته يمدح هرما ويمجده، وهرم يغدق عليه (٥). وبذلك أعطى كل منهما صاحبه خير ما يملك، وقد ذهب ما أعطاه هرم لزهير مع الزمن، أما ما أعطاه زهير هرما فخلد على الأيام. ومن طريف ما يروى فى هذا الصدد أن هرما «حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبدا أو وليدة أو فرسا، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه فى ملأ قال: عموا صباحا غير هرم، وخيركم استثنيت (٦)». ونراه يشيد بحصن بن حذيفة سيد بنى فزارة الغطفانيين، وخاصة بحروبه مع أحلافه بنى أسد ضد النعمان بن الحارث الغسانى وما أنزلوا بجيوشه من هزائم منكرة (٧). وليس فى ديوانه وراء حروب حصن وحروب داحس والغبراء إشارة إلى غارات سوى ما كان من غارة الحارث بن ورقاء الأسدى فى جماعة من قومه على عشيرته، وقد أخذ فيما أخذ

стр. 299

إبلا وغلاما لزهير يسمى يسارا. وغضب زهير غضبا شديدا، وهدده إن لم يردّ عليه إبله أن يهجوه هجاء مقذعا، مذكرا له بما بين عشيرتيهما من مواثيق وعهود نقضها نقضا، وخشى الحارث معرة لسانه وما يصبّ عليه من لعنات فرد عليه ماله وغلامه (١) وتدل الدلائل على أنه عاش فى سعة من المال مما ورثه عن خاله وما كان يقدّم له هرم وغيره من أشراف قبيلته من أموال، وكان فيه توقر ونبل، ولعل ذلك ما جعل شعره يخلو من الفحش والعهر، فهو من ذوق آخر غير ذوق امرئ القيس المفتون بالنساء وتصوير مغامراته القصصية معهن. ومن غير شك كان وثنيّا، مثله مثل قومه، وإن كنا نلاحظ عنده بعض أبيات يؤمن فيها باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب، يقول فى معلقته: فلا تكتمنّ الله ما فى نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخّر فيوضع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم وإذا صحت نسبة البيتين إليه كان ذلك دليلا على أنه أحد من تحنفوا فى الجاهلية وشكوا فى دينهم الوثنى (٢) وأغلب الظن أنه لم يفارق دين قومه، إنما هى خطرات كانت تمر به. وحياة زهير من الوجهة الأدبية طريفة، فقد كان أبوه شاعرا، وكذلك كان خاله كما قدمنا، وأختاه سلمى والخنساء، وورث عنه الشعر ابناه كعب وبجير، واستمر الشعر فى بيته أجيالا، فقد كان عقبة بن كعب شاعرا، وكان العوام ابن عقبة شاعرا أيضا (٣) ويقولون إنه رحل عن البادية وأقام فى البصرة. فنحن بإزاء شاعر اتصل الشعر فى بيته اتصالا لم يعرف لشاعر جاهلى ممن عاصروه، وليس هذا فحسب، فإنه عاش الشعر يعلمه ابناه بجير وكعب من جهة، وأناسا آخرين من غير بيته أشهرهم الحطيئة، فهو تلميذه وخريجه.

стр. 300

وفى أخباره مع ابنه كعب ما يدل على الطريقة التى كان يخرج بها الشعراء، فقد كان يلقّنهم شعره ويروونه عنه، وما يزالون يتلقنونه، حتى تنطبع فى أنفسهم طريقة نظم الشعر وصوغه، وهو فى أثناء ذلك يمتحن قدرتهم، بما يلقى عليهم من أبيات يطلب إليهم أن يجيزوها، بنظم بيت على غرار البيت الذى ينشده فى الوزن والقافية (١). ويظهر أنه عمّر طويلا، إذ يقال فى بعض الروايات إنه أدرك الإسلام وله مائة سنة ولم يسلم (٢)، ولكن إدراكه الإسلام غير صحيح، إنما الصحيح أنه مات قبيل الإسلام بمدة قليلة، والذى أدرك الإسلام حقا ابناه بجير وكعب، وقد أسلما وحسن إسلامهما. ولكعب قصيدة معروفة فى مديح الرسول ﷺ ، وهى ذائعة مشهورة. ٣ - ديوانه طبع ديوان زهير طبعات مختلفة، لعل آقدمها طبعة ألوارد فى مجموعة العقد الثمين فى دواوين الشعراء الستة الجاهليين ومرّ بنا-فى حديثنا عن ديوان امرئ القيس-أنه استخرجها من شرح الشنتمرى للدواوين الستة: دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعلقمة وعنترة، وهى برواية الأصمعى غير أنه جردها من الشرح وأضاف إلى تلك الدواوين أشعارا أخرى مما وجدها فى كتب الأدب والتاريخ. ونشر الديوان لندبرج السويدى بشرح الشنتمرى سنة ١٨٨٩ فى سلسلته التى سماها «طرفا عربية»، ومكانه فيها الطرفة الثانية، وطبع بعد ذلك فى مصر وغيرها طبعات تعتمد على نشرة لندبرج، ونشره مصطفى السقا فى مجموعته مختار الشعر الجاهلى، وهى تتضمن كما مرّ بنا نفس الدواوين الستة التى شرحها الشنتمرى، وقد أضاف إليها شرحا مختصرا من شرح الشنتمرى. ونشرت هذه الدواوين برواية الأعلم البطليوسى، وهى تلتقى برواية الشنتمرى عنده، وكأنه هو الآخر عنى فى عمله برواية الأصمعى.

стр. 301

وواضح أن هذه الطبعات تعتمد على رواية الأصمعى البصرية، وكانت هناك مخطوطات عدة لرواية ثعلب الكوفية بدار الكتب المصرية، ورأى القائمون فيها أن ينشروا هذه الرواية، مستعينين بنسخة منها قديمة تملكها مكتبة الجمعية الألمانية الشرقية فى هلة، وظهر الديوان بهذه الرواية فى سنة ١٩٤٤ للميلاد. وإذن فعندنا لديوان زهير روايتان مطبوعتان: رواية الأصمعى البصرية ورواية ثعلب الكوفية، وتمتاز الأولى بالتشدد، فهى لا تروى سوى ثمانى عشرة قصيدة ومقطوعة ينهيها الشنتمرى بقوله: «كمل جميع ما رواه الأصمعى من شعر زهير ونصل به بعض الروايات» ويضيف من رواية الكوفيين قصيدتين شك الرواة فى ثانيتهما (١). وإذا نظرنا فى رواية ثعلب الكوفية وجدناها تضيف عشرات القصائد والمقطوعات، ومن حين إلى حين تنص على أن هذه القصيدة وتلك المقطوعة من رواية حماد أو ابن الكلبى المعروفين بكثرة الوضع. ومن ثمّ كنا لا نستطيع أن نتخذ من الرواية الكوفية أساسا وثيقا لدراسة زهير، فنحن نرفضها رفضا، متخذين من رواية الشنتمرى أو بعبارة أخرى رواية الأصمعى أساسا لبحثنا فى زهير وشعره، وإذا كان هناك قصيدة يمكن أن تضاف إلى هذه المجموعة فهى القصيدة التى تليها فى رواية الشنتمرى، إذ يظهر أنها صحيحة النسب إلى زهير (٢). وقد يكون مما يؤكد صحة شعر زهير برواية الأصمعى أن الشعر كما قدمنا اتصل فى ولده أجيالا، وأن آخرهم العوّام نزل البصرة وأقام فيها، وأكبر الظن أن أبناءه ظلوا يروون شعره حتى أسلموه أو أسلمه العوام إلى رواة البصرة وعلمائها. وإذا أخذنا نفحص رواية الأصمعى التى تحتفظ بثمانى عشرة قصيدة ومقطوعة وجدنا الشنتمرى (٣) ينقل عنه أنه كان ينكر ثلاثا منها، هى: (أبلغ بنى نوفل عنى وقد بلغوا) و (أبلغ لديك بنى الصّيداء كلهم) و (ألا ليت شعرى هل يرى الناس ما أرى) وكان أبو عبيدة ينكر مقطوعته: (إن الرزيّة لا رزية مثلها)

стр. 302

ويقول إنها لقراد بن حنش من شعراء غطفان (١). ولا يبقى لزهير بعد ذلك من رواية الأصمعى سوى أربع عشرة قصيدة ومقطوعة، تضاف إليها القصيدة التى رواها المفضل واحتفظ بها الشنتمرى، وهى: (غشيت ديارا بالبقيع وثهمد). على أنه ينبغى أن نسقط من قصيدته (لمن الديار بقنّة الحجر) الأبيات الثلاثة الأولى لأن حمادا زادها فيها كما مر بنا فى حديثنا عن الانتحال. وقد شك الأصمعى فى الحكم الملحقة بالمعلقة وقال إنها لصرمة بن أبى أنس (٢) الأنصارى، ويمكن أن يكون لزهير طائفة منها اختلطت على الرواة بطائفة أخرى تماثلها نظمها صرمة، وسنرى أن زهيرا كان يكثر من الحكم فى شعره. ٤ - شعره لعل الشعر الجاهلى لم يعرف شاعرا عنى بتنقيحه عناية زهير، وقد ذهب القدماء يقولون إنه كان يروى شعر زوج أمه أوس بن حجر الشاعر التميمى المشهور، كما كان يروى شعر طفيل الغنوى (٣) المعروف ببراعته فى وصف الخيل والصيد، وأيضا فإنه كان يروى شعر خاله بشامة بن الغدير (٤). وهم لا يقفون بملاحظاتهم عند ذلك، إذ يقولون إنه خرّج ابنه كعبا فى الشعر كما خرج الخطيئة (٥). فنحن إذن بإزاء شاعر ممتاز، عاش للشعر يرويه ويعلّمه، أو بعبارة أخرى نحن بإزاء مدرسة يتضح فيها زهير وتلميذاه كعب والحطيئة، وإذا أردنا أن نبحث لزهير عن أستاذ حقيقى تأثره فى شعره من بين الثلاثة الذين ذكروهم وجدنا أقربهم إلى شعره أوس بن حجر زوج أمه، فإنه يتأثره فى جميع جوانب فنّه، يتأثره فى الموضوعات التى عالجها وفى طريقة معالجته لها، وفيما يصوغه من معان

стр. 303

وصور، وسنشير إلى مواضع ذلك عما قليل. وإذا أخذنا نستعرض شعر زهير وجدناه ينظم فى المديح والغزل ووصف الصيد والهجاء، وفى تضاعيف ذلك يجنح إلى الحكمة ووصف مكارم الأخلاق. وإذا أبدلنا المديح بالتأبين كانت هذه الموضوعات هى نفسها التى يدور فيها شعر أوس، فإنه لم يؤثر عنه مديح إلا أبياتا متفرقة، وإذا كان مديحه فقد فإن تأبينه خلد على الزمن، وقد أنشدنا منه قطعة فى غير هذا الموضع، وهو يلتقى فيه بزهير حين يشيد بفضائل فضالة بن كلدة ومناقبه، التى يعود بها إلى المثل العربى الكريم للمروءة. وتلمع بين مدائح زهير معلقته، وقد نظمها مشيدا بهرم بن سنان والحارث بن عوف حين سعيا بالصلح بين ذبيان وعبس فأعلنا أنهما يتحملان ديات القتلى حتى تضع الحرب أوزارها بين القبيلتين المتناحرتين، وتصادف فى أثناء ذلك أن قتل الحصين بن ضمضم عبسيّا ثأرا لأخيه هرم بن ضمضم، وكان قتله ورد بن حابس العبسى، فثارت عبس وشهرت سيوفها تريد أن تعيد الحرب جذعة، وسرعان ما تقدم الحارث لهم بمائة من الإبل وبابنه ليختاروا إما الدية وإما قتل فلذة كبده، فقبلوا الدية ودخلوا فى الصلح، وانتهت الحرب الدامية. وهنا نرى زهيرا يشيد بهذه المكرمة الجليلة ناعيا على حصين فعلته التى كادت تودى بفكرة الصلح، لاهجا بالثناء على السيدين وما قدما للقبيلتين من ديات حقنت الدماء، يقول: يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم (١) تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم (٢) وقد قلتما إن ندرك السّلم واسعا ... بمال ومعروف من الأمر نسلم فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأثم (٣) عظيمين فى عليا معدّ وغيرها ... ومن يستبح كنزا من المجد يعظم (٤)

стр. 304

وجعلته هذه المأثرة يشيد بالسلم والسلام، فكان بذلك شذوذا على ذوق الجاهليين وأشعارهم التى تدوّى بفكرة الأخذ بالثأر والترامى على الحرب ترامى الفراش على النار. وقد مضى يصور الحرب فى صورة بشعة، يقول: وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم (١) متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضريتموها فتضرم (٢) فتعر ككم عرك الرّحى بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم (٣) فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (٤) فتغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم (٥) وأنت تراه يصور الحرب فى صور مخيفة قبيحة، فهى تارة أسد ضار، وتارة ثانية نار مشتعلة، وتارة ثالثة رحى تطحن الناس، وتارة رابعة تلد، ولكنها لا تلد إلا ذرارى شؤم. ووسع التهكم، فقال إنهم يربحون منها ما لا يربحه أهل العراق من الغلال والدراهم. وهو بذلك يدعو إلى السلام وأن يتحول العرب من هذه الحروب والمعارك الطاحنة إلى حياة السلم الوادعة الآمنة التى تنتشر فيها الأخوة والمحبة والرحمة. ونراه يصور ما هم فيه من بوار تصويرا بديعا، فيقول: رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا ... غمارا تسيل بالرّماح وبالدّم (٦) فقضّوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخّم (٧) فهم بحروبهم المستعرة كأنهم يرعون مراعى وخيمة وبيلة فى سلمهم. وسرعان

стр. 305

ما يردون موارد لا تشفى غليلهم، موارد تزخر بالرماح والدماء نحن إذن بإزاء شخصية ممتازة من شخصيات الشعر الجاهلى شخصية فيها بر ورحمة وفيها نزعة قوية إلى الخير. وليس معنى ذلك أنه تخلص فى مديحه لهرم بن سنان وابن عمه الحارث بن عوف من الصورة الجاهلية التى تشيد بالشجاعة والكرم المتهور، فنحن نراه فى قصيدة ثانية يتحدث عنهما وعن عشيرتهما على هذه الشاكلة: إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طوال الرّماح لا ضعاف ولا عزل (١) بخيل عليها جنّة عبقريّة ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل عليها أسود ضاريات لبوسهم ... سوابغ بيض لا تخرّقها النّبل (٢) إذا لقحت حرب عوان مضرّة ... ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل (٣) قضاعيّة أو أختها مضريّة ... يحرّق فى حافاتها الحطب الجزال (٤) هم خير حىّ من معدّ علمتهم ... لهم نائل فى قومهم ولهم فضل (٥) وهو يصف سيدى بنى مرة وعشيرتيهما بالشجاعة ونجدة من يستغيث بهم، حتى ليكادون يطيرون إليه طيرانا بسوابقهم وخيلهم وكأنهم جنة. وانظر إليهم حين تدور المعارك فستراهم أسودا ضارية، لا يرهبون الموت، حين تشتد الحرب وتعض الناس بأنيابها وتحرقهم بنيرانها. وهم يحاربون فى كل مكان، لا يخشون أحدا، يحاربون قضاعة ومضرا. وهم يضيفون إلى هذه الشجاعة كرما مفرطا. وفى كل قبيل منهم ثأر، ومن ثم كانوا يشتفى بدمائهم، إنهم خير معد شجاعة وكرما فياضا. ولا يلبث زهير أن يقول:

стр. 306

إذا السّنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال فى الحجرة الأكل (١) رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم ... قطينا بها حتى إذا نبت البقل (٢) هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا (٣) وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل (٤) على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل (٥) وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل (٦) وإن قام فيهم حامل قال قاعد ... رشدت، فلا غرم عليك ولا خذل (٧) وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطّىّ إلاّ وشيجه ... وتغرس إلاّ فى منابتها النّخل (٨) وهو يستمر هنا فى مديحه لهم بالكرم فى السنين المجدبة، حتى إن الناس ليرحلون إليهم ويقطنون حول خيامهم، وكلما سألوهم شيئا وهبوه لهم. وهم فى أثناء ذلك يقامرون بخير إبلهم، حتى يطعموها السائلين والمحتاجين. ولما استتم هذه الصورة وصفهم بجمال الوجوه وجمال الكلام فى مجالسهم، ولم يخل مكثرا ولا مقلا منهم من سماحة وفضل وبر. وأشاد بمجالسهم، وأنهم عقلاء حلماء يشفون بآرائهم الصائبة جهل الجهلاء. وهم متعاونون، إن حمل منهم أحد حمالة لم يخذلوه، بل أعانوه. وذكر فضل آبائهم وأحسابهم، فقال إنهم ورثة مجد قديم توارثه الأبناء عن الآباء، وساق دليلا على ذكاء الفروع بذكاء الأصول من الرماح والنخيل، فلا يولد الكريم إلا فى البيت الكريم. وقد ظل زهير على شاكلة هذه القصيدة وسابقتها يدبج مدائحه فى هرم بن سنان،

стр. 307

ومن أروعها داليته التى رواها المفضل الضبى والتى يقول فيها مصورا كرمه وشجاعته وفصاحته وسبقه إلى المآثر المحمودة: سواء عليه أىّ حين أتيته ... أساعة نحس تتّقى أم بأسعد (١) ومدره حرب حميها يتّقى به ... شديد الرّجام باللسان وباليد (٢) إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسودّ سبقت إليها كل طلق مبرّز ... سبوق إلى الغايات غير مجلّد (٣) فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكنّ حمد الناس ليس بمخلد فهو يعطى فى السعة وفى القلة، ويدفع عن قومه بلسانه وبيده وسلاحه، وإذا تسابق الناس إلى غاية من غايات المجد كان السابق المجلى، ولو أن حمدا يخلد به مستحقه لكان هرم أول خالد لكثرة مناقبه ومكارمه. وله فيه قصيدة رائية بديعة يقول فى تضاعيفها: دع ذا وعدّ القول فى هرم ... خير البداة وسيّد الحضر ولنعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجّ فى الذّعر (٤) حدب على المولى الضّريك إذا ... نابت عليه نوائب الدّهر (٥) ويقيك ما وقّى الأكارم من ... حوب تسبّ به ومن غدر (٦) ولأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى (٧) والسّتر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر أثنى عليك بما علمت وما ... سلّفت فى النّجدات والذّكر

стр. 308

وعلى هذا النحو يبدئ ويعيد فى هرم، وقد تراءى له فى الصورة المثالية للسيد البدوى الجاهلى، فهو شجاع فى معترك الحرب وهو كريم فى معترك المسغبة والجوع، وليس بفحّاش ولا غادر، وإذا صم اندفع يمضى ما صمم عليه، لا يستره عن الخير ستر، بينما تقوم الأستار بينه وبين كل فاحشة. وشاعرنا يثنى عليه بما عرف من فضله وبما قدم من مآثر النجدة وإغاثة الضعفاء واحتمال كل بلاء. ودائما تلقانا فى مدائحه لهرم هذه المثالية الرائعة، بل هذه القطع المتوهجة، ومن رائع ما قاله فيه: قد جعل المبتغون الخير فى هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا إن تلق يوما على علاّته هرما ... تلق السماحة منه والنّدى خلقا ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما كذّب الليث عن أقرانه صدقا (١) يطعنهنم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (٢) هذا وليس كمن يعيا بخطّته ... وسط النّدىّ إذا ما ناطق نطقا فهو لكرمه الفياض يسعى إليه الناس من كل حدب، ويسلكون إلى أبوابه كل طريق، حتى لقد أصبحت الطرق إليه مذللة ممهدة، وهو يجزل لهم فى العطاء حتى حين تضيق ذات يده. وهو يجمع إلى الكرم المفرط الشجاعة المفرطة، حتى ليتفوق على الليث فى جرأته وطلبه لفريسته، إنه يطعن الطعنات النجلاء، وما يزال على ذلك حتى تنحسر غمرة الحرب، فإذا كان السلم رأيته وسط الندىّ يبهرك بمقوله كما يبهرك بيده وسلاحه وطعانه ونزاله وقد أضفى حللا من هذا المديح الرائع على سيد بنى فزارة حصن بن حذيفة، وكانت له مواقع مأثورة فى حروب قومه مع عبس وغيرها من القبائل، وفيه يقول:

стр. 309

وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ فواضله (١) بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله (٢) فأقصرن منه عن كريم مرزّأ ... عزوم على الأمر الذى هو فاعله (٣) أخى ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله (٤) تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله (٥) وهو يمدحه بنقائه من العيوب وأنه كريم مفرط فى كرمه حتى لتشبه يداه سحابة، فما تزالان تهطلان على قاصديه بالعطايا، وعبثا يهتف به العواذل أن يكف عن كثرة نواله. إنه مثال للرجل الفاضل الذى لا ينفق أمواله فى لهو إنما ينفقها فى الصنيع الجميل. وإنه ليقبل على معتفيه بالبشر والطلاقة، حتى ليكادون يظنون أنهم المسئولون لا السائلون. وظل بعد ذلك يمدحه بحسن جداله للخصوم ومنطقه الصائب وكياسته وحلمه، وأشار إلى وراثته الطيبة عن آبائه فهو شريف حسيب، كما أشار إلى بلائه فى حروبه مع الغساسنة. وهذه القطع المختلفة التى أنشدناها من مديحه تدل على براعة واضحة، فقد كان يحسن التعبير عما فى نفسه، وكان يحرص على الاقتصاد فى القول فلا يسرف ولا يغلو، بل يمثل ممدوحه بخصاله التى كان يشغف بها الجاهليون ويرونها أمارة السيادة والشرف. ولا حظ ذلك قديما عمر بن الخطاب، فقال: «كان لا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه (٦)» فهو يعتدل فى الثناء، وهو يمثل شخصية البدوى الحقيقى الذى يحيط كلامه بالصدق والبساطة. وكان إذا أحس إزاء صفة من الصفات أو معنى من المعانى بأنه يكاد يخرج عن حدّه أحاطه بما يجعل قوله مقبولا فيقدم لفظة «لو» ونحوها حتى لا يتجاوز القصد، كما نرى فى قوله يصف هرما وأمجاده:

стр. 310

لو نال حىّ من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفّه الأفقا وقوله: لو كنت من شئ سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر فهو لا يطلق القول فى مثل هذين المعنيين إطلاقا، بل يجعلهما فى حيز «لو»، حتى يخرج من باب المبالغة الذى أو شك على الدخول فيه. وكان يقدم لقصائده بالغزل والتشبيب، متبعا سنة الجاهليين فى الوقوف بالأطلال وذكر الديار، ونحس عنده إحساسا واضحا بأنه لم يكن ممن شغف الحبّ قلوبهم، فهو يتغزل، كى يرضى سامعيه، لا لكى يرضى نفسه، وبعبارة أخرى هو يتغزل أخذا بتقليد متبع، ولذلك نراه يختم غزله أحيانا بقوله: «فعد عما ترى» أو «دعّ ذا» كأنه يريد أن يكف قلبه عن مثل هذا الحب الذى لا يتلاءم مع وقاره. وقد يعلن فى أول قصيدته إعلانا أن قلبه قد انصرف عن صاحبته على شاكلة قوله: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل (١) ولعل من الطريف أن أستاذه أوس بن حجر كان يشركه فى هذا الجانب، فهما جميعا لا يتغزلان للغزل، وإنما يتغزلان جريا على التقاليد. وقد يلم زهير بأثر الحب فى النفس فيبدع فى تصويره، وهو فى هذا التصوير لا يمثل عاطفة ولا مشاعر حقيقية، وإنما يمثل قدرته الفنية كقوله فى وصف دموعه: كأنّ عينى وقد سال السّليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم (٢) غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق ... فى السّلك خان به ربّاته النّظم (٣) فهم قد ساروا سيرا سريعا، فأبعدوا ولو كانوا جيرة لقصدهم بالزيارة، وإن دموعه لتتساقط من عينه تساقط الماء من الغرب أو الدلو، أو تساقط اللؤلؤ من

стр. 311

عقد انقطع سلكه. وبهاتين الصورتين البديعتين صور زهير الدموع، وهى ليست دموع حب، وإنما كل ما فى الأمر أنه شاعر يعرف كيف يصور دموع الحب. وبهذا القياس نفسه تصويره لأسماء فى قوله: قامت تراءى بذى ضال لتحزننى ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا (١) بجيد مغزلة أدماء خاذلة ... من الظباء تراعى شادنا خرقا (٢) كأن ريقتها بعد الكرمى اغتبقت ... من طيّب الرّاح لما يعد أن عتقا (٣) شجّ السّقاة على ناجودها شبما ... من ماء لينة لا طرقا ولا رنقا (٤) فهو يصور جيدها بجيد ظبية بيضاء، امتلأ قلبها بحب ابنها، فهى عاكفة عليه، كما يصور ريقها بخمر معتقة مزجت بالماء لشدتها وحدتها. وهما صورتان أريدتا لأنفسهما، أو بعبارة أخرى رسمهما زهير ليدل سامعيه على قدرته فى التصوير، أما بعد ذلك فلا عاطفة ولا حبّ حقيقىّ، ولذلك يكرر دائما أن قلبه صحا عن حبه، وأنه راجع نفسه فكفت عن الهوى وما يتبع الهوى، على شاكلة قوله: لقد طالبتها ولكل شئ ... وإن طالت لجاجته انتهاء فهو ليس من العشاق ولا ممن يشغلون أنفسهم بالغزل وبيان لوعة الحب، وإنما هو يتحدث فى ذلك مترسما سننا موضوعة كى يظهر قدرته على التصوير الفنى. ولعله من أجل ذلك ملأ مقدماته الغزلية بوصف الظعن، وكأنه يريد بها أن يتلافى ما يفوته من وصف الحب والصبابة على نحو ما رأينا عند امرئ القيس، وفى الوقت نفسه يريد أن يدل على براعته فى الوصف الدقيق، فهو يستقصى ويدقق، إذ ما يزال يتبع صاحبته وصواحبها وهن راحلات فى نجد مع عشيرتهن من واد إلى

стр. 312

واد، محاولا أن يحفر الصورة فى أذهاننا حفرا على نحو ما نجد فى معلقته إذ يقول: تبصّر خليلى هل ترى من ظعائن ... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم (١) علون بأنماط عتاق وكلّة ... وراد حواشيها مشاكهة الدّم (٢) وورّكن فى السّوبان يعلون متنه ... عليهن دلّ الناعم المتنعّم (٣) وفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسّم (٤) بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهنّ لوادى الرّسّ كاليد للفم (٥) جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محلّ ومحرم (٦) ظهرن من السّوبان ثم جزعنه ... على كل قينىّ قشيب ومفأم (٧) كأن فتات العهن فى كل منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم (٨) فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصىّ الحاضر المتخيّم (٩) وواضح أنه يصور الرحلة التى سلكتها ظعن صاحبته، وهن يعلون الروابى ويهبطن الوديان، وعلى هوادجهن الكلل والستائر الحمراء وعلى وجوهن دلال النعمة، والأصدقاء من الشباب يطلبونهن ليملئوا النظر بحسنهن ويتمتعوا برؤيتهن، وهن يقطعن واديا إثر واد، ويمررن على منازل الأحلاف والأعداء، يأخذن فى طريق ويعدلن عن طريق، وفى أثناء ذلك ينزلن ثم يرحلن وقد خلفن وراءهن فتات

стр. 313

الصوف المتساقط من هوادجهن ورحالهن كأنه حبّ الفنا، حتى إذا انتهين إلى الماء الذى يطلبنه والمرعى الذى يلتمسنه ألقين مع عشائرهن عصا الترحال. وكان زهير يبدع فى مثل هذا التصوير الذى يعرض به عرضا حيّا مليئا بالحركة ظعن صواحبه، وهى ترحل فى الصحراء تلك الرحلة الدائبة، ومعها العشائر، طلبا للآبار ومساقط الغيث والكلأ. وهو تصوير للتصوير فحسب، فليس فيه وصف حب، إلا ما قد يأتى عفوا أو عرضا كالبيت الرابع من هذه القطعة، وكان حريّا به أن يقف ليصور جمال هؤلاء النساء وأثره فى نفسه وفى الشباب من حوله غير أن ذلك لم يكن يعنيه، إنما كان يعنيه الوصف للوصف، فهو يصور قدرته الفنية لا عواطفه ولا مشاعره. ومن غير شك كان يحسن الوصف والتصوير لا بما يسوقه من صور بيانية فحسب، بل بما يعمد إليه من رسم دقائق المنظر الذى يصفه وبما يبث فيه من حياة وحركة ولزهير هجاء فى بعض القبائل التى كانت تغير على عشيرته، وخاصة فى الحارث بن ورقاء أحد بنى أسد الذى أغار على قبيلته ونهب غلامه يسارا وبعض أمواله، وهو فيما صح من هذا الهجاء لا يوغل فى الاقذاع وهتك الأعراض إيغال أستاذه أوس والجاهليين من حوله، بل يبقى على مهجوه وعلى نفسه، عامدا إلى السخرية كقوله فى عشيرة حصن من بنى عليم الكلبيين: وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء فإن قالوا: النساء مخبّآت ... فحقّ لكل محصنة هداء (١) فهن نساء خبّئن فى الخدور، وينبغى أن يزوّجن. وهى سخرية مرة، تحمل كل ما يريد من وصفهم بالجبن. وكان يجد فى مثلها ما يكفيه عن الإقذاع المفحش. وكأنما كان الإقذاع لا يتفق ووقاره، فتحاشاه، بينما كان أستاذه أوس من جهة وتلميذه الحطيئة من جهة ثانية يقذعان فيه، وقد استعار منه تلميذه هذه الأداة أداة السخرية فأشاعها فى أهاجيه على شاكلة قوله المشهور فى الزبرقان ابن بدر:

стр. 314

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقد فإنك أنت الطاعم الكاسى فجعل مروءته لا تبلغ به إلا أن يأكل ويلبس. وليس بين أيدينا رثاء مأثور صحيح لزهير. ولم نتحدث حتى الآن عن أهم الموضوعات التى تتجلّى فيها براعة زهير ودقة فنه فى التصوير، ونقصد وصف الوحش والصيد، وقد أشاد القدماء كثيرا ببراعة أستاذه أوس فى هذا الباب (١)، ووقفوا عند معان وصور اقتبسها منه زهير، ولكن من الحق أنه نمّى هذا الموضوع، بحيث يعد فى الطليعة من شعراء الجاهلية فى وصف الوحش والصيد. وكأنى به كان يخبر اللغة خبرة أوسع من خبرة أستاذه، وكان له خيال دقيق ساعده على تجسيم الصور وتمثيل الحيوان بكل ما يتصل به من منظر وهيئة وحركة، وهو يعرض علينا ذلك تارة فى بيت أو أبيات قليلة، وتارة فى قطع كبيرة، وكأننا إزاء شريط يعرض فى دار من دور الخيالة، واقرأ له هذا البيت فى معلقته يصف رسوم دار صاحبته، وقد ألم بها بعد عشرين عاما، فلم يجد بها إلا بقر الوحش والظباء، يقول: بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم (٢) وهو بيت واحد، ولكنه عرف كيف يعرض علينا منظر البقر والظباء فى بعض مواضع البادية عرضا كاملا إذ نتمثلها وهى تمشى فى جهات متضادة، وأطلاؤها أو أولادها تنتثر هنا وهناك، ناهضة من كل موضع. وانظر إليه يصور ناقته بظليم فى بيتين، يودعهما وصفا دقيقا له إذ يعرض هيئته وسرعة حركته وذعره الدائم وانطلاقه المستمر فى الصحراء كأنه مجنون لا يلوى على شئ، يقول: كأن الرّحل منها فوق صعل ... من الظّلمان جؤجؤه هواء (٣) أصكّ مصلّم الأذنين أجنى ... له بالسّىّ تنوّم وآء (٤)

стр. 315

وتلك صورة كاملة للظليم أو ذكر النعام فهو صغير الرأس متقارب العرقوبين ليس لأذنيه حجم، وهو ليس ظليما صغيرا فقد أدرك، وهو هناك يرعى فى السّىّ بعض أشجار البادية. وماذا بقى من هيئة الظليم؟ إنه لم يبق شئ إلا سرعته وحركته الدائبة، وهو يصورهما تصويرا دقيقا فى قوله «جؤجؤه هواء» فصدره فارغ كأنما لا قلب أو لا عقل له، فهو يعتسف الصحراء اعتساف مجنون يسرع فى العدو هربا من كل شبح، فلا يكاد يقف. ولما تمت له هذه الصورة بتفاصيلها الدقيقة الجسمية والنفسية انتقل يصور ناقته فى سرعتها بحمار وحش يسوق أتنه سوقا عنيفا ليرد بها ماء، وهو لا يغفل عنها، وهى خاضعة لمشيئته، يدعوها فى كل فجر فتجيب، وصوّر هذا الدعاء تصويرا بديعا، فقال: كأنّ سحيله فى كلّ فجر ... على أحساء يمئود دعاء (١) فهو ينادى أتنه كل صباح كى يرد بها الحياض والمناهل، وهى تلبيه. وكأنه يرسم بذلك صورة عشيرة تتبع شيخها حين يدعوها. واقرأ له هذه القطعة الطويلة فى وصف النبات والمطر والفرس والصيد فستلقاك خصائصه فى التصوير مجتمعة: وغيث من الوسمىّ حوّ تلاعه ... أجابت روابيه النّجاء هواطله (٢) هبطت بممسود النواشر سابح ... ممرّ أسيل الخدّ نهد مرا كله (٣) تميم فلوناه فأكمل صنعه ... فتمّ وعزّته يداه وكاهله (٤) أمين شظاه لم يخرّق صفاقه ... بمنقبة ولم تقطّع أباجله (٥) إذا ما غدونا نبتغى الصيد مرّة ... متى نره فإننا لا نخاتله (٦)

стр. 316

فبينا نبغّى الصّيد جاء غلامنا ... يدبّ ويخفى شخصه ويضائله (١) فقال: شياه راتعات بقفرة ... بمستأسد القريان حوّ مسايله (٢) ثلاث كأقواس السّراء ومسحل ... قد اخضرّ من لسّ الغمير جحافله (٣) وقد خرّم الطّرّاد عنه جحاشه ... فلم تبق إلاّ نفسه وحلائله (٤) فقال: أميرى ما ترى رأى ما نرى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله (٥) فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله (٦) ونضربه حتى اطمأنّ قذاله ... ولم يطمئنّ قلبه وخصائله (٧) وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلاّ أنامله فلا يا بلأى ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله (٨) فقلت له: سدّد وأبصر طريقه ... وما هو فيه عن وصاتى شاغله وقلت: تعلّم أن للصيد غرّة ... وإلاّ تضيّعها فإنك قاتله (٩) فتّبع آثار الشياه وليدنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله (١٠) نظرت إليه نظرة فرأيته ... على كل حال مرة هو حامله (١١) يثرن الحصا فى وجهه وهو لا حق ... سراع تواليه صياب أوائله (١٢)

стр. 317

فردّ علينا العير من دون إلفه ... على رغمه يدمى نساه وفائله (١) وهو فى مستهل هذه الأبيات يصف مطرا يتساقط على بعض المرتفعات والوهاد، وقد انتشر فيها النبات الضارب إلى السواد، وهو يقبل مع بعض رفاقه على فرس محكم الخلق، فطم منذ عهد قريب، فهو أشد ما يكون قوة، لم يصبه مرض ولا علة. ويعرض علينا هيئته وخلقته كاملة. وسنراه بعد قليل يصور أحاسيسه وهواجسه، فتكتمل صورتيه الجسدية والنفسية. ويستطرد إلى وصف الصيد فيذكر أن غلامه الذى ذهب يستطلع الحيوانات الوحشية فى الصحراء جاء يدبّ ويخفى شخصه ويضائله. وبهذه العبارة الموجزة رسمه لنا رسما دقيقا، رسم حركته وسيره وأنه كان يحاول أن يخفى شخصه حتى لا تفزع الوحوش. وأخبرهم أنه رأى غير بعيد ثلاث أتن وحشية، وهى ضامرة كأقواس السّراء، ومعها حمارها وقد أقبل على الطعام من النبات حتى اخضرت مشافره. واخضرار المشافر لمسة من لمسات زهير الذى كان يبتغى الدقة فى التصوير بما يعطى من ألوان الأشياء وما يذكر من تفاصيلها. وينتقل فيحدثنا أنهم باتوا يروضون الجواد، حتى كان الصباح، فألجمه الغلام، وهو لا يكاد يطوله لضخامته. وزهير يوصيه كيف يتبع فريسته. ويبدع زهير فى هذا الجزء من وصفه، فهم منذ أخبرهم الغلام بخبر الصيد مفزّعون لشدة ما هم فيه من حرص على طلب الصيد والحصول عليه، وقد أحسّ الجواد ما هم فيه وما ينتظره فى الصباح الباكر، فأخذه الخوف من جميع أطرافه، فهو يجاهدهم وهم يجاهدونه ويضربونه، حتى اطمأن وأمكنهم منه، غير أن قلبه وأعصابه لم تطمئن، فلا يزال يستحوذ عليه الفزع والخوف الشديد. ولم يكن الغلام من هذه الحالة النفسية غير بعيد، فقد كان زهير يوصيه كيف يطارد الصيد وهو فى شغل عنه بمخاوفه وما ينتظره فى تلك المعركة. وزهير بهذا كله يعد مصوّرا بارعا، إذ يصور الهيئات الجسدية والأحوال النفسية فيما يصفه، وكأنما كانت له عين كبيرة تعرف كيف تلتقط قسمات الجسد وسرائر النفس، لا نفس الإنسان وحده بل أيضا نفس الحيوان وما يلم بهما جميعا من وساوس وهواجس. وقد مضى يصور مطاردة الغلام-ولعله غلامه يسار-للأتن وحمارها وكيف انصبّ عليها كأنه شؤبوب

стр. 318

أو صاعقة من السماء، وهى تثير الحصى فى وجه فرسه، والفرس لا ينثنى عنها حتى أفرد الحمار من دون صواحبه وصاده الغلام، وجاء به جريحا تنزف دماؤه. وواضح أن زهيرا استتم فى هذا الوصف الدقيق كل براعته سواء من حيث توشيته بالتشبيهات، أو من حيث ملؤه بالحياة والحركة الجسدية والنفسية. وله قطعة لا تقل عن هذه القطعة جمالا وروعة فى قصيدته الدالية التى رواها المفضل الضبى، وفيها يصف بقرة وحشية شبه بها ناقته فى سرعتها، ومضى يستكمل وصفها مستطردا إلى مطارة الصائد لها بينما تفترس السباع أحد أفلاذ كبدها، يقول: كخنساء سفعاء الملاطم حرّة ... مسافرة مزءودة أمّ فرقد (١) غدت بسلاح مثله يتّقى به ... ويؤمن جأش الخائف المتوحّد (٢) وسامعتين تعرف العتق فيهما ... إلى جذر مدلوك الكعوب محدّد (٣) وناظرتين تطحران قذاهما ... كأنهما مكحولتان بإثمد (٤) طباها ضحاء أو خلاء فخالفت ... إليه السّباع فى كناس ومرقد (٥) أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد (٦) دما عند شلو تحجل الطير حوله ... وبضع لحام فى إهاب مقدّد (٧)

стр. 319

وتنفض عنها غيب كلّ خميلة ... وتخشى رماة الغوث من كل مرصد (١) فجالت على وحشيّها وكأنها ... مسربلة فى رازقىّ معضّد (٢) ولم تدر وشك البين حتى رأتهم ... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد (٣) وثاروا بها من جانبيها كليهما ... وجالت وإن يجشمنها الشّدّ تجهد (٤) تبذّ الألى يأتينها من ورائها ... وإن تتقدّمها السّوابق تصطد (٥) فأنقذها من غمرة الموت أنها ... رأت أنها إن تنظر النّبل تقصد (٦) نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة ... وتذبيبها عنها بأسحم مذود (٧) وجدّت فألقت بينهنّ وبينها ... غبارا كما فارت دواخن غرقد (٨) بملتئمات كالخذاريف قوبلت ... إلى جوشن خاظى الطريقة مسند (٩) وزهير يستهل حديثه عن البقرة بوصفها الجسدى والنفسى فهى خنساء فى خدودها حمرة مشربة بسواد، وهى طليقة فى الصحراء ترحل من موضع إلى موضع مذعورة فقد خلفت ولدا لها فى كناس، وهى تخشى عليه من السبع والإنسان. وإنها لشاكية السلاح، كأنها معدّة خلقة لكفاح أعدائها ونزالهم، فقد برزلها قرنان وإنهما حريان بأن يقياها الخطر ويؤمنّا وحدتها وخوفها، إذ هما محددان أملسان كأنهما السيوف القاطعة، ومن ورائهما أذنان ترهف بهما السمع خشية العدو المفاجئ وباصرتان

стр. 320

سوداوان كأنهما مكحولتان تحدّ بهما النظر إلى ما حولها. وعلى هذا النحو يعرض علينا زهير تلك البقرة بهيئة جسدها وهيئة نفسها، لنستعد إلى ما سيفجؤها من كوارث. وهو يثبت هيئتها فى نفوسنا بما يصوره من تفاصيل جسدها ولون خديها وعينيها. ولا يلبث أن يصور لنا فاجعتها فى ولدها، وقد أعدنا لذلك منذ البيت الأول، فهى مسافرة، مسرعة فى العودة، وقد أخذها الذعر. لقد خرجت تطلب الرى والرعى، وعاودها الحنين إلى ولدها، بل عاودها الخوف الشديد، وكانها تعرف أنها تركته وراءها للسباع. وعادت ويا لهول ما رأت، لقد رأت بقايا ابنها من أشلاء وجلود ودماء، والطير تحجل حوله، فأخذها الحزن الشديد. إن أملها فى الحياة فقدته. وقد عادت تجرى فى الصحراء مذعورة تتلفت يمينا وشمالا تنظر هل هناك ما تخشاه، وإنها لتخشى رماة عشيرة الغوث الذين تعودوا أن يطاردوها بسهامهم وكلابهم من كل مرصد. ومرت على جانبها الأيمن، كأنها تظنه أكثر أمنا، وهى تتراءى فى لونها الأبيض وقوائمها المخططة كأنها الثوب الناصع الجميل، ولم تكن تدرى أن الموت يرصدها، حتى رأت رأى العين رماة الغوث، وقد أخذوا عليها جميع الطرق والمسالك، وأرسلوا عليها كلاب الصيد، فولت مسرعة، والكلاب تلاحقها وهى تارة تسبق أوائلها، وتارة تلحقها الكلاب فتنوشها بقرنيها. وما زالت تعدو حتى أفلتت من غمرة الموت يسعفها قرنها الأسود وما أثارته بينها وبين الكلاب من غبار كأنه الدخان. ويصور زهير سرعة قوائمها وخفة حركتها بخذاريف الصبيان التى يديرونها دورانا سريعا بخيوط يشدونها إلى أيديهم، وقد سبقه امرء القيس إلى هذه الصورة فى وصف سرعة فرسه، إذ قال فيه كما مر فى غير هذا الموضع: درير كخذروف الوليد أمرّه ... تقلّب كفّيه بخيط موصّل وقد حاول زهير أن يضيف زيادة جديدة فجعل القوائم ملتئمات أى متناسقات كما جعلها متقابلات، فهى كخذاريف لا كخذروف واحد، يقابل بعضها بعضا. والحق أننا نحس إزاء زهير أنه استوفى كل ما كان ينتظر الشاعر الجاهلى من براعة فى التصوير. وقد كان يحف هذه البراعة بضروب من الوقار تتضح فى مدائحه وأهاجيه وغزلياته جميعا، فهو يحتفظ بكرامته دائما، ولعل ذلك ما جعله ينفر من
следующие страницы →