← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

٥٥٥ وقد مضى يعبّ فى موطنه من جداول الفلسفة والمنطق، وأكبّ على العلوم الإسلامية وعلوم العربية يهل منها، وذاعت شهرته، فقصده الطلاب، وظل يعلّم ويلقى محاضراته إلى أن توفى سنة ٦٢٧. ويشتهر السكاكى بتأليفه فى البلاغة كتابه «المفتاح» وقد جعله فى ثلاثة أقسام (١): قسم لعلم الصرف، وقسم ثان لعلم النحو، أما القسم الثالث فقصره على علمى المعانى والبيان، وألحق بهما ذيلا تناول فيه مبحثا عن الفصاحة والبلاغة ومبحثا ثانيا لألوان البديع اللفظية والمعنوية. وقدّم لعلوم البلاغة بمبحث واسع فى علم المنطق، وتلاه بمبحث فى علمى العروض والقوافى، وبذلك تضمّن المفتاح علوم الصرف والنحو والمنطق والمعانى والبيان والبديع والعروض والقوافى، وشهرة الكتاب إنما ترجع إلى ما كتب فيه عن علوم البلاغة ملخّصا، إذ الكتاب أشبه بمنن فى كل ما خاض فيه من مباحث، وهو متن استضاء فيه بالفخر الرازى قبله، مع تفوقه عليه فى الدقة وضبط الأقسام، غير أنه يخلو خلوّا تاما من تحليلات عبد القاهر والزمخشرى، ويصبح الكتاب متنا لعلوم البلاغة يحصى قوانيها وقواعدها، مع خلوه من كل ما يؤنس النفس، إذ وضعت تلك القواعد والقوانين فى قوالب منطقية شديدة الجفاف، وهى قوالب يداخلها غير قليل من الالتواء بسبب كثرة التقسيمات، مما جعل الكتاب أو قل المتن فى حاجة إلى الشرح والتوضيح، وتوالت الشروح، فشرحه قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازى وقد تقدّم ذكره بين علماء الرياضيات والنجوم، وشرحه كثيرون من مواطنيه، من أشهرهم سعد (٢) الدين مسعود بن عمر التفتازانى المولود فى تفتازان شرقى إيران سنة ٧٢٢ وأبعده تيمور لنك إلى سمرقند، وبها توفى سنة ٧٩١ وله كتب كثيرة فى المنطق والنحو. وممن شرح «المفتاح» السيد الشريف (٣) الجرجانى المتوفى سنة ٨١٦ صاحب كتاب التعريفات الذى مر بنا ذكره، وله أيضا تأليفات كثيرة فى المنطق وقواعد البحث. وصنع الخطيب القزوينى خطيب جامع دمشق فى سنة ٧٣٩ تلخيصا لهذا المتن موجزا أشد الإيجاز. فتصدّى له سعد الدين مسعود التفتازانى بالشرح، وشرح شرحه تلميذه السيد الشريف الجرجانى بعمل حاشية عليه. ويتوقف عمل علماء البلاغة فى إيران عند صنع الشروح والمتون الموجزة التى يعودون إليها بالشرح وشرح الشرح أو وضع الحواشى عليه.

стр. 2662

وعلى نحو ما نشطت المباحث البلاغية فى إيران نشطت المباحث النقدية فى هذا العصر، وأول ما يلقانا منها رسالة الصاحب بن عباد فى الكشف عن مساوى المتنبى، وهو فيها ساخط عليه سخطا شديدا، وقد يردّ سخطه إلى عامل شخصى هو أن المتنبى أبى أن يمدحه، وأهم مساوى المتنبى فى رأيه الغموض فى أشعاره على طريقة الصوفيين فى عباراتهم الموهمة، وأنه استخدم الألفاظ الممعنة فى الغرابة، ورداءة المطالع كما يقول، والمبالغة المسرفة والاستعارة الذميمة، والنظم على القوافى الصعبة. ويلقانا فى خراسان لعصر نوح بن منصور السامانى (٣٦٦ - ٣٨٧ هـ.) راوية للمتنبى يسمى المتيم (١) وله فيه وفى شعره كتاب الانتصار المنبى عن فضل المتنبى وهو من الكتب المفقودة. وكان المتنبى قد شغل الناس فى إيران وغير إيران وأكثروا من التخاصم والجدل فى شعره، فألف على (٢) بن عبد العزيز الجرجانى المتوفى سنة ٣٩٢ كتابه الوساطة بين المتنبى وخصومه، وكان من قضاة الدولة البويهية فى إيران، فرأى أن يعرض شعر المتنبى على موازين القضاء العادل، وهدته هذه الموازين منذ الصفحات الأولى إلى أنه ينبغى أن لا يحكم على الشاعر بما أساء فيه، فلكل شاعر إساءاته وسقطاته، وإنما يحكم عليه بإحسانه وما جوّد فيه، ولذلك سارع إلى الحديث عن أغلاط الشعراء القدماء والمحدثين فى معانيهم وألفاظهم، ليبين أن شاعرا ممتازا من السابقين لم يخل شعره من هذه الأغلاط، وعرض لبعض ألوان البديع وصوره، ويفيض فى بيان الحسن والقبيح عند الشعراء وخاصة عند أبى نواس وأبى تمام. ويلمّ بطائفة من أبيات المتنبى التى أخذت عليه لبعد فى الاستعارة أو غرابة فى اللفظ أو تعقيد فى الكلام. ويوضح كيف أن ذلك عند المتنبى قليل. ويشيد بمطالعه الجيدة وحسن تخلصه ومعانيه الدقيقة، ويتحدث عن سرقاته حديثا مستفيضا مبينا أن السرقات شركة بين الشعراء جميعا. ولعلى بن عبد العزيز فى ثنايا كتابه نظرات نقدية تحليلية رائعة، منها ما يتصل بالغلو والمبالغة فى الشعر، ومنها ما يتصل بأثر البيئة فى الشعر والشعراء، ومنها ما يتصل بدقائق التشبيهات والاستعارات (٢). ويأتى بعده الثعالبى (٣) المتوفى سنة ٤٢٩ ويعقد فى كتابه اليتيمة فصلا طويلا عن المتنبى فيما له وما عليه، استغرق من الكتاب نحو مائة صفحة، وقد استهله بقوله عنه: «نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر فى صناعة

стр. 2663

الشعر» ويبدأ بنبذ عن ابتداء أمر المتنبى، ويورد بعض أخباره، ثم يعرض طائفة من معانيه التى استظهرها علية الكتاب فى عصره برسائلهم من أمثال الصاحب بن عباد وأبى إسحاق الصابئ وأبى العباس الضّبّى والخوارزمى، كما يعرض طائفة من المعانى التى سرقها الشعراء منه من أمثال أبى الفرج الببّغاء والمهلبى الوزير والصاحب بن عباد والسّرىّ الرفّاء ويقول عنه إنه كثير الأخذ من المتنبى، ويذكر معه أيضا أبا بكر الخوارزمى وأبا الفتح البستى وأبا الحسن السلامى وأبا القاسم الزعفرانى. ويعرض لبعض سرقات المتنبى من غيره وما تكرر من معانيه، ثم يسترسل فى بيان مساوى شعره مستضيئا فى ذلك بما كتبه الصاحب بن عباد فى رسالته آنفة الذكر، ثم يفيض فى بيان محاسن شعره، مشيدا بنسيبه بالأعرابيات، ومخاطبة الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب والصديق، واستعمال ألفاظ الغزل والنسيب فى أوصاف الحرب وما اشتهر به من الأمثال والحكم وطرائف المعانى. وكان يعاصر الثعالبى ناقد يسمى أبا القاسم (١) عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهانى عاش فى النصف الأخير من القرن الرابع والربع الأول من القرن الخامس، وقد ألف كتابا نشر أخيرا فى تونس سماه الواضح فى مشكلات شعر المتنبى، ذكر فى مقدمته نبذة عن المتنبى عرض فيها لنشأته فى الكوفة ولبعض أخباره عن معاصريه من البغداديين والشاميين والشيرازيين، ورماه فى هذه المقدمة بخبث الاعتقاد، وقال إنه وقع فى صغره إلى شخص يسمى أبا الفضل من الكوفة كان من المتفلسفة فهوّسه وأضلّه. ثم مصى يستدل بأبيات من شعره على أخذه بمذهب السوفسطائية وعقيدة التناسخ ورأى الفضائية والإسماعيلية، وعرض لوصف شعره وأن نعت الخيل والحرب من خصائصه، وأن له النادر البدع، وفى بعض ألفاظه تعقيد وتعويص. ثم أخذ يناقش ابن جنّى فى كثير من تفسير شعره مرتبا الأبيات التى ناقشها على الحروف الهجائية، وهو يدل فى نقاشه على قدرة فى فهم الشعر وتحليل معانيه. وقد بدأ تحليلاته بقول المتنبى: أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه وذكر أن اين جى زعم أنه ناقض بذلك أبا الشّيص فى قوله: أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم ويعلق على ذلك بقوله: معنى المتنبى بخلاف قول أبى الشيص، وإنما يريد المتنبى: إنى أحب حبيبى واللوّام ينهون عنه فكيف نأتلف، وأبو الشيص يريد بقوله: أحب اللوم لا لنهى عن هواك بل لتكرر ذكرك فى تضاعيف الكلام وأثناء الملام. ومضى الأصفهانى على هذا النحو يرد على ابن جنى بعض تفسيراته لشعر المتنبى حتى نهاية الكتاب. وعنى بالرد

стр. 2664

على تفسيرات ابن جى إيرانىّ ثان هو أبو على بن فورّجة (١) البروجردىّ المتوفى سنة ٤٣٧ وقد كتب فى ذلك كتابين: كتاب الفتح على فتح أبى الفتح لابن جنى يقصد كتابه الفتح الوهبى على مشكلات المتنبى وقد نشره الدكتور محسن غياض ببغداد نشرة علمية محققة. ولابن فورجه كتاب ثان فى الرد على ابن جنى سمّاه كتاب التجنى على ابن جنى، والأبيات فى كتاب الفتح مرتبة على الحروف الهجائية، وعماده الرد على ابن جنى، وفيه أيضا ردود على القاضى على بن عبد العزيز الجرجانى فى وساطته وأبى على الحاتمى فى رسالته الحاتمية والصاحب بن عباد فى كشفه عن مساوى المتنبى، وهو يغلط-كما لاحظ الدكتور غياض-فى ردوده على الصاحب إذ يراه متحاملا عليه متجنيا! وفيه يقول: «ما شهدت أحدا من الفضلاء وذوى العقول يذم المتنبى غير هذا الظالم». ويبدو من ملاحظات ابن فورجة فى الكتاب وسوقه لكلامه أنه من أنصار المتنبى وأنه درس شعره دراسة نقدية جيدة جعلته يطّلع على كثير من خصائصه، من ذلك ملاحظته على البيت: وإنى لمن قوم كأنّ نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللّحم والعظما فقد لاحظ أن المتنبى فى فخره قال كأن نفوسنا ولم يقل كأن نفوسهم بإعادة ضمير الغيبة على القوم، وهو ضرب من الالتفات، إذ يلتفتون من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم كما فى البيت أو ضمير المخاطب. ثم قال إن ابن جنى سأله عن ذلك فقال إنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ويعقب على ذلك ابن فورجة بقوله: «وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب فى كل ما مدح به، فإذا أورد ضميرا فى ذمّ ردّه إلى الكلام الأول تفاديا أن يخاطب به مواجها أو يرده إلى نفسه مخبرا (أى أنه يرد الضمير إلى الغيبة). ومع أنه يبدو دائما مدافعا عن المتنبى وخاصة أمام الصاحب كما قدمنا فإنه ينصّ على بعض سيئاته، فيقول فى قصيدته «ملتّ القطر أعطشها ربوعا» هذه القصيدة كلها من الشعر الّرذل الذى لا ينتفع به ولا بتفسيره. وحرى بنا أن نذكر تتمة لهذا النشاط النقدى الذى عقده النقاد الإيرانيون حول شعر المتنبى شرح على بن أحمد الواحدى الذى مرّ ذكره (٢) لديوان المتنبى، وقد ألّفت شروح كثيرة للديوان ولكن نخص هذا الشرح بالذكر هنا، لا لأنه أفاد من كل الشروح السابقة له، بل لأنه رتب أشعار الديوان ترتيبا تاريخيا على حياة المتنبى وأيامه، وهو ما لم يتح لديوان

стр. 2665

آخر من دواوين شعراء العرب قاطبة، بحيث أصبح الديوان معدّا لكى يستغله الباحثون فى كتابة ترجمة حياة المتنبى على نحو ما صنع بلا شيروطه حسين. وفى الشرح نظرات نقدية كثيرة، وخاصة فى الأبيات الغامضة التى يختلف فيها الشراح، فإن الواحدى يقارن بين أقوالهم وينفذ إلى الفكرة الصائبة دائما، مما يدل على قدرة نقدية حقيقية وذوق أدبى جيد. ٤ - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام نشط العلماء لهذا العصر بإيران فى تفسير القرآن الكريم، واتضحت فيه اتجاهات ثلاثة: اتجاه التفسير بالرأى، واتجاه شيعى، واتجاه صوفى، وأهم ما نصادفه من الاتجاه الأول تفسير الزمخشرى، وهو يذيع فيه أفكار مذهبه الاعتزالى فالآيات الكريمة توجّه مع فكرة الحرية والاختيار فى أفعال العباد ومع فكرة تنزيه الذات العلية عن كل تشبيه ومع إكبار العقل ورفض كل اعتقاد فى السحر والكهانة (١). ويقف الفخر الرازى المار ذكره آنفا بعده فى الصف المقابل فيدفع فى تفسيره العظيم للقرآن «مفاتيح الغيب» آراء المعتزلة بطريقة فلسفية، إذ كان عقله متفلسفا إلى أبعد حد، وهى فلسفة تظهر فى تفسيره بصور كثيرة، حين يخوض فى المباحث العقلية، وحين نرى المسألة عنده تتشعب شعبا كثيرة. وكان عقله من الخصب بحيث تغدو الفكرة كأنها شجرة كبيرة، تتفرع منها فروع، وتتفرع من الفروع غصون إلى غير نهاية. وكان أشعرى العقيدة، فأشاع مذهب الأشاعرة فى تفسيره، وتعقب المعتزلة كما قلنا معليا عليهم وعلى أفكارهم مذهبه الأشعرى السّنّى. ومن تفاسير هذا الاتجاه بعد الرازى تفسير البيضاوى (٢) عبد الله بن عمر المتوفى بتبريز سنة ٦٩١ وقد سماه «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» وهو يعتمد فيه على الزمخشرى وتفسيره، كما يعتمد على الرازى وغيره من المفسرين، وهو لا ينحى فى تفسيره باللائمة-كما يصنع الزمخشرى-على أهل السنة، وجاء بعده فى هذا الاتجاه أبو البركات النسفى (٣) المذكور بين فقهاء الأحناف فى قسم العراق وقد سمى تفسيره «مدارك التنزيل وحقائق التأويل».

стр. 2666

وهذا الاتجاه فى التفسير كان يرافقه اتجاه شيعى فى بيئات الشيعة المختلفة بإيران، وكانوا ينسبون من قديم إلى أئمتهم من مثل جعفر الصادق والحسن بن على العسكرى المتوفى سنة ٢٦٠ تفاسير بأسمائهم، ومن مفسريهم فى أواخر القرن الثالث محمد بن مسعود السّلمى رأس الإمامية بخراسان، ومن أشهر تفاسيرهم فى هذا العصر تفسير الطوسى أبى جعفر محمد بن الحسن المتوفى سنة ٤٦٠ وكان قد نشأ فى طوس، ثم رحل إلى العراق فى الثالثة والعشرين من عمره، وظل ببغداد إلى أن أصبح شيخ الطائفة ومرجع فتياها ومن أجل ذلك وضعناه فى القسم الخاص بالعراق. ونلتقى بتفسير الطبرسى (١) أبى على الفضل بن الحسن المتوفى بطوس سنة ٥٥٢ ولقبه الطبرسى نسبة إلى طبرستان، وقد سمى تفسيره مجمع البيان. وهو فى ثلاثين مجلدا. أما الاتجاه الصوفى فمن التفاسير فيه تفسير أبى عبد الرحمن السلمى المتوفى سنة ٤١٢ وسماه «حقائق التفسير» وأهم منه تفسير القشيرى الذى مر ذكره فى حديثنا عن التصوف، وهو فى تفسيره كعقيدته صوفى سنى، بعيد عن متاهات الاتحاد بالذات العلية ووحدة الوجود مما يلجّ فيه بعض متفلسفة الصوفية، وتغلب عليه روح الوعظ، ومثله فى هذا الاتجاه الغزالى فى بعض ما يعرض له من آى الذكر الحكيم، ولأخيه أبى الفتح أحمد بن محمد الغزّالى الواعظ المذكور بين المفسرين فى العراق، تفسير ينحو فيه نحو الوعظ والتصوف، لا يزال مخطوطا. ومن التفاسير العامة تفسير أبى الليث نصر بن محمد السمرقندى المتوفى سنة ٣٧٣ وسماه «بحر العلوم» وتفسير الثعلبى (٢) النيسابورى المتوفى سنة ٤٢٧ وتغلب عليه النزعة القصصية والنقل عن الإسرائيليات ولتلميذه الواحدى المذكور آنفا شراح ديوان المتنبى ثلاثة تفاسير: البسيط والوسيط والوجيز وله كتاب «أسباب النزول» واختصر الفرّاء البغوى الحسين بن مسعود المتوفى سنة ٥١٠ تفسير الثعلبى وسمّى مختصره «معالم التنزيل». ولنظام (٣) الدين بن الحسن النيسابورى المتوفى فى أواسط القرن التاسع الهجرى تفسير سماه «غرائب القرآن ورغائب الفرقان» ويعد مختصرا لتفسير الفخر الرازى ويهتم فيه بذكر القراءات. وظل علم الحديث ناهضا فى إيران لهذا العصر، ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى ما يصور مدى نهضته فى هذا الإقليم، فقد كان من إنتاجه صحيح البخارى وصحيح مسلم

стр. 2667

وسنن النسائى وابن ماجه القزوينى وجامع الترمذى، ويمكن أن نلحق بتلك الكتب سنن أبى داود السجستانى، وبذلك تكون كتب الصحيح الستة من الحديث النبوى من صنع إيرانيين. ومضى هذا النشاط يؤتى ثمارا جديدة فى القرون التالية. وأول من نلقاه من كبار المحدثين فى العصر محمد (١) بن أحمد بن حبّان البستى السجستانى قاضى سمرقند ومحدثها المتوفى بها سنة ٣٥٤ ويشتهر بكتابه «الجرح والتعديل» فى نقد حملة الحديث ورواته، وكان يملى مصنفاته فى الحديث وتقرأ عليه أو تؤخذ عنه. وكان يعاصره ابن القطان (٢) الجرجانى المتوفى سنة ٣٦٠ وله كتاب الكامل فى الجرح والتعديل أو كتاب الكامل فى معرفة ضعفاء المحدثين. وخلفهما ابن منده (٣) الأصبهانى محمد بن إسحق المتوفى سنة ٣٩٥ وقد رحل طويلا فى طلب الحديث وله مسند أبى حنيفة وكتب فى الحديث مختلفة. وكان يعاصره أبو سليمان حمد (٤) بن محمد الخطّابى البستى المتوفى سنة ٣٨٦ وألف فى نقد الحديث كتبا منها إصلاح غلط المحدثين، وله شرح على صحيح البخارى، وهو أول من رتب أقسام الحديث الثلاثة الكبرى وهى: الصحيح والحسن والضعيف. وعاصره الحاكم النيسابورى (٥) المعروف باسم ابن البيّع المتوفى سنة ٤٠٤ وهو الذى جعل أصول الحديث النبوى علما مستقلا، وكان بنو سامان أصحاب بخارى يوفدونه فى سفاراتهم إلى بنى بويه، وله كتاب المستدرك على الصحيحين: صحيح البخارى وصحيح مسلم، جمع فيه كثيرا من الأحاديث التى لم يدخلاها فى صحيحيهما مستدلا ببراهين قوية على أنها مستكملة لشروطهما، والكتاب مطبوع فى حيدر آباد، مع تعليقات فى الرد على مؤلفه للذهبى. وكان يعاصره ابن فورك (٦) محمد بن الحسن الأصبهانى محدث نيسابور ونزيل غزنه المتوفى بها

стр. 2668

سنة ٤٠٦ وكان شديد الرد على الكرامية وله كتب كثيرة فى الحديث والفقه الحنفى، منها بيان مشكل الحديث، ورد على الملحدة والمعطلة والمبتدعة من الجهمية والمعتزلة، وكتب مصنفات أخرى فى نفس الموضوع ردا على المشبهة والمجسّمة. ومن كبار المحدثين التالين أبو إسحق الإسفراينى المتوفى سنة ٤١٨ وأبو نعيم الأصفهانى المتوفى سنة ٤٣٠ ويشتهر بكتابة «حلى الأولياء» والبيهقى (١) أبوبكر احمد بن الحسين المتوفى سنة ٤٥٨ نيسابور، وبها كان يملى كتبه وتصانيفه ومن أهمها كتاب السنن الكبير، وكتاب معرفة الآثار. وازذهرت دراسات الحديث فى عصر السلاجقة ازدهارا عظيما، كان من ثمارها ظهور الفرّاء البغوى (٢) المار ذكره بين المفسرين وله مصنفات كثيرة فى الحديث والفقه الشافعى وتفسير القرآن الكريم، وأهمها كتابه المصابيح جمعه من كتب الصحاح الستة وبوّبه وقسم الأحاديث فى كل باب إلى صحيحة وتشمل كل ما أخذه من صحيحى البخارى ومسلم وإلى حسنة، وما رأى فيها من ضعف أشار إليه. وجاء بعده فى القرن الثامن الهجرى محمد بن عبد الله الخطيب التبريزى فرتبه ترتيبا جديدا وأتمه سنة ٧٣٧ وسماه مشكاة المصابيح، وألف بجانب المشكاة كتابا فى رجالها سماه أسماء المشكاة، وهو تراجم للرواة المذكورين فى المشكاة أتمه سنة ٧٤٠. وظلت دراسات الحديث وروايته ناشطة بإيران فى القرون التالية. ولم يكن النشاط فى علم الفقه أقل منه فى علم الحديث، بل ربما كان أوسع وأعظم، وقد استقرت منذ أوائل العصر المذاهب الفقهية الكبرى: مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك ومذهب الشافعى ومذهب ابن حنبل، ولم يكن المذهب الحنبلى شائعا فى إيران ولا فى أى إقليم من أقاليمها، ومع ذلك لا نعدم أن نجد فيها بعض الحنابلة فى هراة وهمذان (٣) من مثل أبى إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصارى صاحب كتاب ذم (علم) الكلام، وكان محدثا يتظاهر بالتجسيم والتشبيه، وينال من الأشاعرة (٤) وربما كان المذهب المالكى أقل أتباعا حتى ليروى أن أحمد بن فارس اللغوى الذى ذكرناه فى غير هذا الموضع وكان شافعيا كان ينزل الرّىّ، فصار مالكيا، كما يقول ياقوت فى ترجمته بمعجم الأدباء، فسئل فى

стр. 2669

ذلك، فقال: دخلتنى الحمية لهذه البلدة، يقصد مدينة الرى، كيف لا يكون فيها رجل على مذهب مالك الرجل المقبول القول على جميع الألسنة. وكان مذهب داود الظاهرى أكثر اتباعا فى إيران أثناء القرن الرابع، ولكن لم يلبث أن تراجع وخفت صوته أمام المذهبين الكبيرين. مذهب الشافعى ومذهب أبى حنيفة. وكان لمذهب الشافعى الغلبة وخاصة فى شرقى إيران وما وراء النهر، ويقال إن الفقيه أبا بكر (١) القفال المعروف بالشاشى والمتوفى سنة ٣٦٥ هو الذى نشر مذهب الشافعى فى تلك الأصقاع، ويذكر المقدسى أنه كان غالبا أيضا فى كرمان (٢)، وعملت مؤثرات سياسية فى نشره بل فى ازدهاره لعهد السلاجقة، فإن وزيرهم المشهور نظام الملك كان شافعيا أشعريّا عدوّا للحشاشين الإسماعيلية، فأسس، كما مر بنا، مدارس فى جميع المدن الإيرانية الكبيرة سنة ٤٥٧، ورصد لها مبالغ طائلة، لإلحاق مكتبات بها ولمساكن الأساتذة ورواتبهم، واختار لكل مدرسة صفوة من أئمة الشافعية والأشاعرة فى عصره، وظل ذلك من بعده. فكان طبيعيا أن يزدهر المذهب الشافعى فى إيران ازدهارا عظيما وأن يتألق فى دراساته الفقهية فقهاء كثيرون، يعدون فى الذروة من الإمامة والقدرة على الفتيا، ولولا أن الاجتهاد بالمعنى الواسع كان قد أغلقت أبوابه، ولم يبق لهم إلا الاجتهاد فى الفروع، لتطوروا بالفقه الشافعى تطورا عظيما. ومن أهم من نلقاه منهم لعصر السلاجقة أبو (٣) إسحق الشيرازى المتوفى سنة ٤٧٦ وقد عينه نظام الملك لتدريس فقه الشافعى بنظامية بغداد كما مرّ فى قسم العراق، وكان يقابله فى نظامية نيسابور إمام الحرمين الجوينىّ (٤) عبد الملك أبو المعالى إمام الأئمة لعصره على الإطلاق المتوفى سنة ٤٧٨. وقلنا فى غير هذا الموضع إنه كان يحضر دروسه أربعمائة تلميذ، ورزق من التوسع فى العبارة وعلوها ما لم يعهد من غيره، وله بنيت المدرسة النظامية بنيسابور، وظل فيها ثلاثين سنة يلقى محاضراته، وسلّم له المحراب والمنبر والخطابة ومجلس الوعظ يوم الجمعة وله تصانيف كثيرة منها النهاية فى الفقه الشافعى والشامل؛ والبرهان فى أصول الفقه. ومن تلاميذه الغزالى وأجل تلاميذه بعده إلكيا الهرّاسى (٥)

стр. 2670

على بن محمد المتوفى سنة ٥٠٤ بدأ حياته العلمية معيدا لإمام الحرمين، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق ودرس بها مدة، ثم تولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى وفاته. وكان يعاصره أبو المحاسن الرويانى (١) عبد الواحد بن إسماعيل المتوفى سنة ٥٠٢ بآمل شهيدا على أيدى الباطنية الملاحدة، وكان مدرس نظامية طبرستان وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له لكمال فضله وله كتاب البحر فى الفقه وهو من أطول كتب الشافعيين وكتاب الكافى، وصنف فى الأصول والخلاف. ومن كبار فقهاء الشافعية فى القرن السادس فخر الدين الرازى محمد بن عمر الطبرستانى الأصل الرازى المولد المتوفى سنة ٦٠٦ فريد عصره، ومر بنا الحديث عن تفسيره وعن كتاب له فى البلاغة، وله كتب كثيرة فى علم الكلام وفى الحكمة وفى الطب، يقول ابن خلكان: «انتشرت تصانيفه فى البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة، فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وله فى الفقه وأصوله كتب مختلفة، وكان يعظ مواطنيه باللسانين العربى والفارسى، ونزل بأخرة من عمره فى هراة. وبها توفى، وله مواعظ طريفة. وكان قريبا من عصره الرافعى (٢) المتوفى سنة ٦٢٣ وكان إماما كبيرا فى التفسير والحديث والأصول، أما الفقه فكان فيه-كما يقول السبكى-عمدة المحققين وأستاذ المصنفين، وهو قزوينى، وكان له مجلس للتفسير ولسماع الحديث والفقه، وله الشرح الصغير والمحرر وشرح مسند الشافعى والشرح الكبير المسمى بالعزيز فى شرح كتاب الوجيز للغزالى، واسمه يتردد فى كتب الفقه الشافعى وحواشيه التى ألّفت بعده فى مصر وغير مصر. وكان مركز المذهب الحنفى مدينة بخارى لعهد السامانيين وبعدهم، وكثيرون علماء هذا المذهب الذين ترجمت لهم كتب طبقات الحنفية مثل الفوائد البهية للكنوى والجواهر المضية لابن أبى الوفاء وتاج التراجم فى طبقات الحنفية لابن قطلوبغا، ومن مشاهيرهم فى القرن الرابع أبو بكر أحمد بن على الجصّاص الرازى الذى سبق ذكره فى قسم العراق ومثله مرّ هناك أبو زيد الدّبوسى البخارى المتوفى سنة ٤٣٠ وهو أول من أسس علم الخلاف بين المذاهب الفقهية، وله تقويم الأدلة فى أصول الفقه. ومنهم البزدوىّ (٣) على بن محمد بن عبد الكريم السّمرقندىّ المتوفى سنة ٤٨٢ وله المبسوط فى الفقه وكتب مختلفة فى علم

стр. 2671

الأصول والتفسير. ومنهم السرخسى (١) محمد بن أحمد المتوفى سنة ٤٩٠ وكان إماما علامة متكلما مناظرا أصوليا مجتهدا وله كتاب المبسوط فى أحد عشر مجلدا، وهو أشبه بدائرة معارف فى الفقه الحنفى، ومنهم برهان (٢) الدين أبو الحسن الفرغانىّ المتوفى سنة ٥٩٣ وله كتاب الهداية شرح البداية فى مجلدين وهو من أمهات كتب الفقه الحنفى، وعليه حواش عدة. ومنهم العميدى (٣) السّمرقندى أبو حامد محمد المتوفى سنة ٦١٥ كان إماما فى فن الخلاف، ويقول ابن خلكان له فيه طريقة مشهورة بأيدى الفقهاء، ومن مصنفاته الإرشاد، واعتنى بشرحه كثير من أرباب هذا الشأن. ومنهم حافظ الدين النسفى المذكور بين المفسرين والذى مر ذكره بين فقهاء الأحناف فى قسم العراق وقد ذكرنا هناك كتابه المشهور الذى يتداوله علماء المذهب الحنفى والذى سماه كنز الدقائق، وله طبعات كثيرة فى الهند ومصر، وعنى به كثيرون فشرحوه، ويكثر الشرّاح للكتب فى القرون التالية. ولابد أن نلاحظ أن كثيرين ممن مروا بنا فى علوم الأوائل وعلوم النحو والتفسير والبلاغة كانوا أحنافا ولهم مشاركة فى تأليف مصنفات الفقه الحنفى مثل الزمخشرى وناصر المطرزى ونصير الدين الطوسى. وكان للشيعة بإيران فقهاؤهم، ونذكر للزيدية منهم الإمام الهارونى (٤) أحمد بن الحسين البطحانى المتوفى سنة ٤١١ وكان إماما للزيدية بجيلان وبلاد الديلم. وقد أخذ المذهب الزيدى فى التضاؤل أمام المذهب الإمامى الاثنى عشرى حتى انحسر عن إيران، وتبعه المذهب الإسماعيلى، وخاصة بعد القضاء على فرقة الحشاشين الإسماعيلية فى منتصف القرن السابع الهجرى قضاء نهائيا، على أننا نلاحظ أن فقهاء المذهب الإسماعيلى كانوا يتركون-فى عهد الدولة الفاطمية-موطنهم فى إيران وينزلون القاهرة وتذيع منها مؤلفاتهم فهم أولى بأن ينسبوا إلى موطنهم الجديد، على نحو ما صنع حميد الدين الكرمانى المتوفى سنة ٤٠٨ والمؤيد فى الدين هبة الله الشيرازى المتوفى حوالى سنة ٤٧٠. أما المذهب الإمامى فهو الذى كتب له أن يذيع وينتشر فى إيران، حتى إذا كانت الدولة الصفوية جعلته المذهب الرسمى للدولة، ومن فقهائه المبكرين الذين عملوا على تأسيسه فى إيران أبو جعفر القمى المتوفى سنة ٢٩٠ والكلينى الرازى المتوفى سنة ٣٢٨ قبل هذا العصر بقليل ولكتابه الكافى

стр. 2672

أهمية كبيرة، ويعد-كما مرّ بنا فى قسم العراق-رابع أربعة من الكتب الكبرى للإمامية، وهو فيه يتناول العقيدة الإمامية بجميع فروعها ويشتمل على أكثر من ستة عشر ألف حديث، وشرحه كثيرون من علماء إيران الإمامية بعده. وأشهر فقهاء الإمامية فى أوائل هذا العصر: عصر الدول والإمارات ابن بابويه القمى نزيل بغداد المذكور فى قسم العراق والمتوفى بالرى سنة ٣٨١ وكان أبوه كما مر بنا رئيس الشيعة فى مدينة قم مركز المذهب الإمامى، وبابن بابويه استعان ركن الدولة بن بويه فى استخدام تعاليم الإمامية فى تدبير سياسته، وفى ذلك دليل يضمّ إلى ما قدمناه من أدلة فى غير هذا الموضوع على أن البويهيين كانوا إمامية. ومن أهم مصنفات ابن بابويه الأمالى واعتقادات الإمامية وكتاب من لا يحضره الفقيه، وهو أحد الكتب الأساسية عند الشيعة، وأكبر فقهاء الشيعة بعد ابن بابويه أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى وقد تحدثنا عنه فى القسم الثانى الخاص بالعراق. ونشط علم الكلام بجانب العلوم الإسلامية السابقة، وظل للمعتزلة طوال القرنين الرابع والخامس نشاطهم، ومن أهم رجالهم القاضى عبد الجبار قاضى قضاة البويهيين فى الرىّ المار ذكره فى المباحث البلاغية، وله كتاب المغنى فى أبواب التوحيد والعدل، وهو دائرة معارف واسعة فى الاعتزال وأصوله، وقد نشرت وزارة الثقافة بمصر أجزاء كثيرة منه. ومن أهم رجال الاعتزال بعده الزمخشرى ومر بنا أنه أخذ نفسه فى تفسيره بتوجيه آى الذكر الحكيم توجيها اعتزاليا، أساسه تأويل كل الآيات التى قد يفيد ظاهرها تشبيها، وكذلك توجيه الأخرى التى قد تدل على فكرة القدر والجبر نحو فكرة الإرادة الحرة فى أفعال العباد. وقد عنى الشيعة دائما بالاعتزال وعدّوه مؤيدا لهم فى دعواتهم الشيعية، ولعل ذلك ما ساعد على بقائه بعد القرن الخامس الهجرى، ولكن على كل حال ضعف شأنه. ومنذ أحمد ابن حنبل وفتنة القول بخلق القرآن وأهل السنة الحنابلة يحملون على المعتزلة حملات شديدة، حتى ليصمونهم بالإلحاد أحيانا. ولا نصل إلى أوائل القرن الرابع الهجرى حتى ينفصل-كما مر بنا فى العصر العباسى الثانى-أبو الحسن الأشعرى عن المعتزلة، وكان قد تتلمذ لهم، ويكوّن لنفسه مذهبا جديدا يسمى المذهب الأشعرى، وهو مذهب يقوم على التوسط بين آراء المعتزلة وآراء أهل السنة، وكان المعتزلة يقدّمون العقل فيجعل معه بل قبله الكتاب والحديث النبوى. وبذلك أصبحت كل مسألة تقرن فيها الأدلة العقلية بالأدلة السمعية من القرآن الكريم والسنة، ونضرب لذلك مثلا تنزيه الله عن التشبيه الذى كان يقول به المعتزلة كما أسلفنا أخذ به، كما أخذ يقول أهل السنة فى أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة، واستدل على ذلك بأدلة سمعية فى كتابه الإبانة وبأدلة عقلية فى كتابه اللمع. وكان

стр. 2673

المعتزلة يحتكمون دائما فى الإلهيات إلى العقل فاحتكم معه إلى الشرع والأدلة السمعية من القرآن والسنة. وتوسط بين المحدثين والمعتزلة فى فكرة خلق الإنسان لأفعاله، فقال إن هذه الأفعال لله صنعا وللإنسان كسبا وإرادة، فالإنسان يريدها والله يخلقها. وقال، فى مسألة خلق القرآن التى أحدثت فتنة بين المحدّثين والمعتزلة فى زمن المأمون والمعتصم والواثق، إن الألفاظ المنزلة بالوحى دلالات على الكلام الأزلى والدلالة مخلوقة محدثة، وقال إن صفات الله ليست هى عين الذات الإلهية كما قال المعتزلة ولا هى أحوال كما قال أبو هاشم الجبّائى المعتزلى وإنما هى زائدة على الذات قائمة بها. وإنما أطلنا فى الحديث عن مذهب الأشعرى لأنه المذهب الذى ساد طوال هذا العصر فى أغلب البيئات الإسلامية وخاصة بين الشافعية والمالكية، وكان المذهب الشافعى-كما مر بنا-منتشرا فى شرقى إيران، وكان أصحابه جميعا أشاعرة، ولم يلبث نظام الملك الوزير السلجوقى المشهور أن أسس لهذا المذهب الكلامى وبالمثل لقرينه المذهب الشافعى كراسى فى جميع المدارس التى أنشأها-كما مر بنا-فى إيران والعراق، فازدهر المذهب ازدهارا عظيما، وانتصر فعلا على المعتزلة والسلفيين من أهل السنة جميعا، إذ أصبح المذهب الرسمى آنذاك وكان من أهم رجاله إمام الحرمين الجوينى الذى ذكرناه بين الفقهاء، وكان أعلم أهل زمانه بعلمى الكلام والفقه الشافعى وبنيت له المدرسة النظامية بنيسابور كما أسلفنا، ونرى الشهرستانى يشرح على لسانه رأيه المتوسط فى أفعال العباد وأنها لله خلقا وللناس كسبا يقول: إن نفى هذه القدرة والاستطاعة (عن الإنسان) مما يأباه العقل والحس، وأيضا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه كنفى القدرة أصلا. . فلابد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهى إلى مسبب الأسباب، فهو الخالق للأسباب ومسبباتها المستغنى على الإطلاق، فإن كل سبب مهما استغنى من وجه محتاج من وجه، والبارئ تعالى هو الغنى المطلق الذى لا حاجة له (١). وخلف الجوينى تلميذه الغزالى، فقاد هذا المذهب إلى النصر الحاسم، وظل أعظم المذاهب الكلامية طوال العصر. وكان يعتنقه الشافعية كما أسلفنا فى إيران وغير إيران، أما الحنفية فكانوا يؤثرون على

стр. 2674

مذهب الأشعرى مذهبا متوسطا مثل مذهب الأشاعرة لعلم من أعلامهم، وهو مذهب الماتريدى (١) محمد بن محمد بن محمود المتوفى بسمرقند سنة ٣٣٣ وكان التنافس شديدا بين الماتريدية والأشعرية، وكانوا أقرب من الأشعرية إلى المعتزلة، ويمكن معرفة موقفهم هم والأشاعرة والمعتزلة جميعا من مسألة الإيمان بالله فالمعتزلة يقولون بأن الوسيلة إلى ذلك التى توجبه هى العقل، ويقول الأشاعرة بل الوسيلة الموجبة هى الشرع الذى يحتم علينا الإيمان بالله، ويتوسط الماتريدية بين الطرفين فيقولون إن أساس الإيمان بالله الشرع كما يقول الأشاعرة، ولكن هذا الإيمان يدركه العقل فالعقل وسيلة فيه. ومثلا فى مسألة الصفات الإلهية كان المعتزلة يقولون بأنها عين الذات الإلهية، وقال الأشعرى إنها زائدة على الذات قائمة بها، وتوسط الماتريدية فقالوا إن الله عالم وله علم أزلى. وبينما كان المذهب الأشعرى يسود فى نيسابور كان المذهب الماتريدى يسود فى بخارى وسمرقند وآسيا الوسطى حيث يسود المذهب الحنفى فى الفقه. وكان الكرامية من الصوفية خاصة يحملون على المذهب الأشعرى، ومعروف أنهم كانوا يغلون فى التشبيه. وعلى كل حال أخذت كفة المذهب الأشعرى تعلو حتى فى بيئات الماتريدية منذ اتخاذه عقيدة رسمية للسلاجقة فى عهد وزيرهم نظام الملك. وظل المعتزلة ينازعونهم طوال هذا العصر، حتى فى نيسابور نفسها وحتى منذ عهد نظام الملك أو قل قبله بقليل فإن الوزير السابق له أبا نصر منصور بن محمد الكندرى حسّن لسلطانه طغرلبك السلجوقى أن يمنع الأشاعرة من الوعظ والتدريس وأن يعزلهم عن الخطابة، ونشبت بذلك فتنة (٢) فى نيسابور بين الأشاعرة والمعتزلة، ولم يلبث الوزير أن قتل وخلفه نظام الملك فازدهر المذهب الأشعرى منذ هذا الحين كما ذكرنا. وكان أهل السنة الحنابلة يخالفون الأشعرية فى الأخذ بفكرة التأويل المجازى للآيات والأحاديث التى قد تدل على التشبيه والتجسيد للذات الإلهية، دون إثباتهما، ومعروف أن الأشعرى كان يقول إزاء مثل هذه الآيات كما فى قوله تعالى (بل يداه مبسوطتان) إن ذلك يفهم ولكن بلا كيف، حتى لا يأخذ بفكرة التشبيه، وكان أهل السنة الحنابلة يأخذون مثله بظاهر الآيات مع الإيمان بتنزيه الله عن التشبيه والتمثيل وكانوا يرون أن كلام الله قديم وأن القرآن لذلك غير مخلوق، بينما توسط الأشعرية، وقالوا إن كلام الله قديم ولكن

стр. 2675

ألفاظ القرآن الدالة عليه مخلوقة، فهى ليست كلام الله ولكنها تبليغ له. وأيضا توسط الأشاعرة كما أسلفنا بين أهل السنة الحنابلة وإيمانهم بالقدر وبين المعتزلة وإيمانهم بحرية الإرادة للإنسان. وكان ذلك كله مثار جدل عنيف طوال هذا العصر بين أهل السنة الحنابلة والأشاعرة، وبالمثل بين الأشاعرة والماتريدية، وكاد يختفى فى القرون المتأخرة أنصار الاعتزال، وألّفت فى ذلك كلّه كتب كثيرة، تنتصر تارة لهذا المذهب أو ذاك، وتارة تحكى جميع المذاهب والآراء ولا نقصد كتاب الملل والنحل للشهرستانى المؤلف فى القرن السادس فحسب بل نقصد أيضا كتاب المواقف لعضد الدين (١) الإيجى المتوفى سنة ٧٥٦ وله شروح نفيسة للسعد التفتازانى والسيد الشريف الجرجانى وغيرهما، وهو بشروحه موسوعة كبيرة لعلم الكلام ومذاهبه وأصحابه ٥ - التاريخ تنوعت الكتابة التاريخية فى إيران كما تنوعت فى كل بلد عربى، فكان هناك المؤرخون العامون للأمم والدول، وهناك المؤرخون للمدن، وهناك أصحاب التراجم العامة والخاصة. ومر بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى أن أكبر مؤرخى الأمم والدول فى الإسلام كان مؤرخا إيرانيا هو الطبرى المتوفى سنة ٣١٠. وأول من يلقانا فى هذا العصر من هؤلاء المؤرخين المطهر (٢) بن طاهر المقدسى المتوفى سنة ٣٥٥ وهو ليس إيرانيا كما يشهد اسمه، ولكنه كتب كتابه بدء الخلق والتاريخ فى مدينة بست شرقى إيران، وأهداه لبعض الوزراء السامانيين، وهو جمع لمعارف كثيرة عن الأديان. وبه كثير من الأخبار التاريخية. وكان يعاصره مؤرخ إيرانى هو حمزة الأصفهانى المتوفى سنة ٣٦٠ ومر بنا حديث عنه فى عرضنا لكتب الأمثال بين المصنفات اللغوية، وله تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء، وقد طبعت منه ونشرت بعض أقسام. وبلقانا بعده ابن مسكويه وكتابه «تجارب الأمم» وقد ترجمنا له فى القسم الثانى الخاص بالعراق. وكان فى عصره المرعشى المتوفى سنة ٤٢٠ وقد صنف باسم السلطان محمود الغزنوى كتاب الغرر فى سير الملوك وأخبارهم، عنى فيه بسير ملوك الفرس، ومضى فيه حتى عصره.

стр. 2676

ومن هذه الكتب التاريخية العامة كتاب «الآثار الباقية من القرون الخالية» للبيرونى كما مر بنا ويحمل تقاويم وجداول للشهور عند الأمم القديمة مع عرضه لأعيادها ولكثير من المشاكل الفلسفية والنزعات الدينية، وكان حرّ الفكر ومع أنه كانت فيه نزعة إلى الاعتداد بقوميته الفارسية فإنه لم يتحيّف العرب فى أحكامه، بل إنه نادى بأن العربية أكثر ملاءمة للغة العلم من الفارسية. وهو يدعو فى هذا الكتاب إلى نقد الأخبار التاريخية المغرقة فى القدم لما يشوبها من أساطير. ويفوق هذا الكتاب فى التاريخ العام أهمية كتابه تحقيق ما للهند من مقولة الذى سبق أن تحدثنا عنه والذى يضم تاريخ هذه الأمة وجغرافية بلادها وما يتصل بذلك من دراسة لأديانها وكل ما يتصل بحياة شعبها. وكان يعاصره العتبى (١) محمد بن عبد الجبار المتوفى سنة ٤٢٧ واشتهر بكتابه الذى ألفه فى الدولة الغزنوية لعهد مؤسسها السلطان محمود الغزنوى وقد فصّل القول فيه عن هذا السلطان وعن أبيه سبكتكين وحروبهما، وخاصة حروب محمود فى الهند، وسماه اليمينى نسبة إلى لقبه: يمين الدولة الذى منحه له الخليفة تكريما، وألفه فى لغة مسجوعة منمقة، حتى عدّه الفرس من روائع آثارهم الأدبية، ولذلك اعتنى به وبشرحه كثيرون منهم، ومن شروحه شرح مطبوع معه بمصر باسم «الفتح الوهبى على تاريخ أبى النصر العتبى». وعنى محمد بن حسين البيهقى المتوفى سنة ٤٧٠ بكتابه تاريخ السلاطين الغزنويين، غير أن الكتاب فقد ولم يبق منه إلا جزء خاص بحوادث السلطان مسعود بن محمود الغزنوى، ولهذا يطلق عليه اسم تاريخ مسعودى، وهو باللغة الفارسية وترجم حديثا إلى العربية وطبع فى مصر باسم تاريخ البيهقى. وألف بعد ذلك الوزير أنوشروان بن خالد المتوفى سنة ٥٣٢ كتابا فى تاريخ الدولة السلجوقية، وعليه اعتمد العماد (٢) الأصبهانى المتوفى سنة ٥٩٧ فى كتابه عن السلاجقة الذى سماه «نصرة الفطرة وعصرة القطرة». ويدخل فى هذه الكتب التاريخية الخاصة بالدول والسلاطين كتاب ابن عربشاه (٣) المتوفى سنة ٨٥٤: «عجائب المقدور فى نوائب تيمور» وهو تاريخ مفصل لتيمور لنك طبع مرارا بمصر وفى أوربا، وحقا ابن عربشاه ولد فى دمشق، غير أنه رحل عنها إلى بلاد الروم ثم إلى سمرقند وبلاد المغول فى التركستان، وتلقى العلم على الشيوخ هناك، فمرباه بإيران، وتولى ديوان الإنشاء هناك، وكانت تصدر

стр. 2677

عنه الرسائل بالعربية والفارسية والتركية. وللمؤرخين فى إيران كتب كثيرة خصّوا بها البلدان عارضين علماءها عرضا واسعا، فهى من جهة تاريخ علمى لبلدان إيران ومن جهة ثانية تاريخ علمى لعلمائها النابهين، ومن السابقين إلى صنع ذلك فى العصر العباسى الثانى ابن منده محمد (١) بن يحيى المتوفى سنة ٣٠١، فله تاريخ أصبهان، ومن أوائل ما يلقانا فى هذا الاتجاه لأوائل هذا العصر عصر الدول والإمارات كتاب تاريخ بخارى حتى سنة ٣٣١ لأبى بكر محمد بن جعفر النرشخى المتوفى سنة ٣٤٨ كتبه لنوح بن نصر السامانى، واختصره بعده محمد بن زفر بن عمر سنة ٥٧٤ وأكمله مؤلف مجهول إلى عهد المغول، ونشره شيفر فى باريس، وجاء بعد النرشخى الحاكم النيسابورى الذى مر بنا ذكره بين المحدّثين، فألف كتابه تاريخ نيسابور أو تاريخ علماء نيسابور، ويقول السبكى فى طبقاته إنه أكمل من تاريخ بغداد. ويؤلف الحسن (٢) بن محمد القمى المتوفى سنة ٤٠٦ تاريخ قم: مدينة الشيعة، باسم الصاحب بن عباد، وهو مطبوع فى طهران. ويؤلف أبو نعيم (٣) المتوفى سنة ٤٣٠ تاريخ أصبهان ويقول ابن خلكان فى ترجمته إنه نقل عن هذا الكتاب اسم أبيه ونسبه. ومن كتب القرن الخامس تاريخ الرىّ لأبى سعد الآبى صاحب نثر الدرر الذى عرضنا له فى غير هذا الموضع. ونلتقى فى القرن السادس بتاريخ مرو للسمعانى (٤) المتوفى سنة ٥٦٢ وتاريخ نسا وأبيورد للأبيوردى الشاعر المتوفى سنة ٥٧٥. وعنيت طائفة كبيرة من المؤرخين الإيرانيين بصنع كتب التراجم، ومنها العامة، ومنها الخاصة بطائفة معينة كالصوفية والفلاسفة أو الأطباء والشعراء والمغنين، ونذكر فى مقدمة تراجم الصوفية كتاب طبقات الصوفية لأبى عبد الرحمن (٥) السّلمى النيسابورى المذكور بين المفسرين المتوفى سنة ٤١٢ للهجرة وعادة يقدّم معلومات دقيقة فى عبارات موجزة عن الصوفى الذى يترجم له ويذكر بعض عباراته وبعض ما كان يردده من أشعار. وأوسع منه

стр. 2678

فى طبقات الصوفية كتاب حلية الأولياء لأبى نعيم صاحب تاريخ أصبهان الذى ذكرناه آنفا، وترجمانه أوسع وأخصب. ومن كتب تراجم الأطباء والفلاسفة كتاب تاريخ حكماء الإسلام لظهير الدين البيهقى (١) المتوفى سنة ٥٦٥ وقد يسمّى تتمة صوان الحكمة، ونشر فى مصر بالاسم الأول وفى لاهور بالاسم الثانى. واهم كتب التراجم التى عنيت بالشعراء كتاب الأغانى لأبى الفرج (٢) الأصبهانى المتوفى سنة ٣٥٦ ويقع فى نحو ٢٥ مجلدا، ترجم فيه أبو الفرج للنابهين من شعراء الجاهلية والقرون الثلاثة الأولى للإسلام، ولم يترجم لأنبه الشعراء فحسب، بل ترجم أيضا لأنبه المغنين والمغنيات حتى نهاية القرن الثالث الهجرى. وعادة يذكر صوتا أو كما نقول الآن أغنية، ولذلك سماه الأغانى، ويتلو الأغنية دائما برقيمها الموسيقى قائلا مثلا إنها من الثقيل الأول ونحو ذلك، ويذكر اسم شاعرها ومن تغنى بها، ويترجم إما للشاعر وإما للمغنى أو المغنية ترجمة مفصلة، قد تمتد أحيانا إلى مائة صفحة، وقد تزيد كثيرا، وبذلك يطلعنا على كل ما يتصل بالشاعر من نشأة ومن علاقات اجتماعية ومن آراء لمعاصريه أو للنقاد فيه، موردا ذلك كله بأسلوب ناصع شفاف، يعرف كيف يروى وكيف يقصّ وكيف يسوق الأخبار سوقا مشوّقا، وفى أثناء ذلك يعرض عليك صور الحياة العربية والحضارة العباسية كما يعرض بعض الخلفاء، ويخيل إليك أحيانا أنك تراهم فى قصورهم وفى مجالسهم ومع حواشيهم يلهون ويطربون، رؤية مجسمة، تجعل الماضى أمامك حاضرا بحذافيره. ويعنى الثعالبى بعده بعمل موسوعته الشعرية التى أشرنا إليها والتى سماها اليتيمة أو «يتيمة الدهر فى محاسن أهل العصر» وهى تراجم لجميع الأقاليم العربية ومن نبغ فيها من شعراء العروبة من الأندلس حتى أقصى الشرق من أقاليم إيران ولها النصيب الأوفر من الاهتمام فقد شغلت من الكتاب نحو نصفه، وبدأ الحديث فيها بذكر ابن العميد وبعض الوزراء الكتاب الأفذاذ ثم تحدث عن شعراء أصبهان فشعراء الجبل فشعراء فارس والأهواز فشعراء جرجان وطبرستان فشعراء خراسان وما وراء النهر، فبعض الشعراء النابهين المقيمين ببخارى وبغيرها من مدن أقصى الشرق فشعراء نيسابور. وجميعهم من شعراء القرن الرابع وأوائل الخامس، ويقول فى مقدمته إنه أورد فيه لبّ اللب، وحبّة القلب،

стр. 2679

وناظر العين، ونكتة الكلمة، وواسطة العقد، ونقش الفصّ، مع كلام فى الإشارة إلى النظائر والأحاسن والسرقات، غير أنه عنى بأشعار الشعراء، والاختيار منها، ولم يعن، مثل أبى الفرج فى كتابه الأغانى، عناية واسعة بأخبار الشعراء إلا قليلا جدا لا يكاد يشفى غلّة. وأتبع الثعالبى اليتيمة بذيل لها سماه «تتمة اليتيمة» وزع فيه الشعراء على نفس الأقسام التى ذكرها فى اليتيمة، وبينما تقع اليتيمة فى أربع مجلدات كبار تقع التتمة فى جزءين، وهى مطبوعة فى طهران. والتتمة واليتيمة تؤرخان لشعراء الدولتين البويهية والسامانية وكذلك لشعراء الزياريين فى طبرستان والغزنويين فى غزنة. ويليهما كتاب «دمية القصر وعصرة أهل العصر» للباخرزى على بن الحسن المتوفى سنة ٤٦٧ وهو يؤرخ لشعراء زمنه، ويجرى على نفس نظام اليتيمة، فيؤرخ لشعراء العالم العربى، ويعنى خاصة بشعراء إيران وأقاليمها كما عنى الثعالبى. وقد سار على غراره فى العناية بشعر الشعراء أكثر من أخبارهم، وكأن الثعالبى هو المسئول عن هذا الاتجاه فى الترجمة للشعراء، إذ عمّ وشاع لا فى إيران وحدها بل فى أقطار العالم العربى جميعها. ويأتى بعد الباخرزى فى الأهمية كتاب خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصبهانى الذى سبق أن ذكرناه بين المؤرخين وهو أيضا يترجم لشعراء الأقطار العربية لعصره أى فى القرن السادس الهجرى حتى نحو سنة ٥٧٠ للهجرة، وتراجمه أوسع، غير أنها تصطبغ بصبغة اليتيمة، وخصّ إيران بقسم كبير من كتابه لم ينشر حتى الآن، ونشرت منه الأجزاء الخاصة بمصر والشام والعراق والمغرب والأندلس. . ولعل أهم كتاب فى التراجم العامة هو كتاب الأنساب للسمعانى عبد الكريم بن محمد الذى ذكرناه بين المؤرخين للمدن وهو مطبوع فى مجلد ضخم بالزنكوغراف، وهو ليس فى الأنساب بمعنى نسب الشخص فى آبائه، بل هو أعم من ذلك، إذ يعنى بأنساب العلماء والأدباء إلى بلدانهم أو قبائلهم أو أسرهم أو صناعاتهم أو تجاراتهم. ويعرّف أولا بما ينسب إليه الشخص، وإذا كان بلدة ذكر مكانها، وكذلك الأنساب الأخرى ثم يترجم ترجمة دقيقة لصاحب النسبة، وقد يشترك فى النسب أو اللقب الواحد عدة أشخاص، فيتحدث عن كل منهم، أو قل يترجم لكل منهم ذاكرا مولده ووفاته. واختصر الكتاب عز الدين ابن الأثير فى مصنفه اللباب فى مختصر الأنساب، وإلى الكتابين نرجع فى كثير من التراجم، كما هو واضح فى الهوامش.

стр. 2680

الفصل الثالث نشاط الشعر والشعراء ١ - الشعر العربى على كل لسان رأينا فى حديثنا عن الحياة السياسية لإيران أنها أخذت تستشعر منذ القرن الثالث الهجرى نزعة قومية قوية كان من آثارها فى أوائل هذا العصر أن تقابلت دويلات وإمارت فارسية كثيرة على رقعة إيران الفسيحة، فكان البويهيون فى الوسط والجنوب ومدوا أجنحتهم حتى شملت بغداد والعراق. وكان الزياريون فى الشمال بطبرستان وجرجان، وكان السامانيون فى خراسان، وبذلك كانت إمارتهم أبعد الإمارات عن حاضرة اللغة العربية والخلافة الإسلامية: بغداد، وتليها إمارة الزياريين فى البعد. وهيأ ذلك للإمارتين جميعا أن تعملا على إحياء اللغة الفارسية الأدبية. وكان السامانيون أسبق إلى ذلك، لأن إمارتهم أسبق فى التاريخ، ولأنهم ورثوا إمارة الطاهريين التى سبقتهم منذ عصر المأمون، إذ منح طاهر بن الحسين قائده المشهور خراسان طعمة له ولبنيه، فاستقلوا بها مبكرين، وكانت أول الإمارات الفارسية فى الظهور والنشأة، فساعد ذلك أهلها على أن يكونوا السابقين فى استشعار القومية الفارسية والعمل على استظهار شعر فارسى لهم ينافسون به الشعر العربى. وكذلك الشأن فى إمارة الصفّاريين التى عاصرتها، ويذكر مؤرخو الشعر الإيرانى عادة بعض أسماء الشعراء الذين عرفهم القرن الثالث الهجرى، واتخذوا الفارسية لسانا لهم، يعبرون بها عن مشاعرهم، وغير قليل منهم يلفّه ضباب الأساطير، وأول شاعر معروف حقا هو الرودكى السمرقندى جعفر بن محمد المتوفى سنة ٣٢٩ للهجرة وكان يتغنى بمديح السامانيين ووزيرهم البلعمى مترجم تاريخ الطبرى إلى الفارسية، ويقال إن هذا الشاعر ترجم من العربية كليلة ودمنة شعرا فارسيا، غير أن ترجمته سقطت من يد الزمن. وخلفه الدقيقى الطوسى المتوفى سنة ٣٦٧ وهو بدوره من شعراء الدولة السامانية، واشتهر بأنه اعتزم نظم الشاهنامه فى تاريخ ملوك الفرس وأبطالهم وأساطيرهم القديمة وأنه نظم منها

стр. 2681

ألف بيت، ثم حال الموت بينه وبين إكمالها، فأكملها من بعده الفردوسى فى عهد محمود الغزنوى. ولم يهتم البويهيون أى اهتمام بهذا الاتجاه القومى فى إحياء الآداب الفارسية، فقد آثروا الانضواء تحت لواء الثقافة العربية الخالصة، وكثير منهم أتقنوا العربية، حتى اتخذوها لسانهم للتعبير عن عواطفهم وأهوائهم، مما جعل الثعالبى يترجم لطائفة كبيرة منهم بين شعراء العربية فى إيران. وكان وزراؤهم من كبار الأدباء وفى مقدمتهم ابن العميد والصاحب بن عباد المشهوران بأشعارهما وكتاباتهما فى العربية. ومع أنه يقال إنه وفد على الصاحب شاعران قدّما له مدائحهما بالفارسية، وهما منصور بن على الرازى الملقب بالمنطقى ومحمد بن على السّرخسى الملقب بالكسروى، غير أن ذلك يعدّ شذوذا فى بيئة البويهيين، فقد كانت بيئة عربية خالصة، وكان مثل هذين الشاعرين يعدّان طارئين عليها. وبالعكس عنيت الدولة الغزنوية، وخاصة فى عهد محمود الغزنوى (٣٨٨ - ٤٢١ هـ) بالعمل على إحياء الآداب الفارسية، مع أن هذه الدولة ترجع إلى أصول تركية. وفى عهد محمود أنجز الفردوسى نظم الشاهنامه فى نحو ستين ألف بيت من الشعر الفارسى (١)، وكان الفرّخى والعنصرى والعسجدى ومنوجهرى يتبارون فى تمجيد فتوحه ومديح أبنائه. وخلفت كل هذه الإمارات السالفة فى إيران الدولة السلجوقية، وفى عهدها أخذ الشعراء الإيرانيون من أمثال أبى سعيد بن أبى الخير وسنائى وفريد الدين العطار وعمر الخيام والأنورى يتجهون نحو التصوف. وتعم هذه الموجة شعراء إيران فى القرون التالية من أمثال الشيخ سعدى الشيرازى وجلال الدين الرومى وحافظ الشيرازى وعبد الرحمن الجامى. وينبغى أن نعرف أن نشاط هذا الشعر الفارسى وأصحابه لم يكن يقاس فى شئ إلى نشاط الشعر العربى فى إيران وأصحابه طوال القرون الهجرية: الرابع والخامس والسادس. وأكبر دليل على ذلك أنه بينما ألّفت المجلدات الضخام عن الشعر العربى فى تلك القرون على نحو ما تصوّر ذلك مجلدات اليتيمة ودمية القصر والخريدة لم يؤلف عن الشعر الفارسى كتاب يضم بين دفّنيه شعراؤه، وأول كتاب عنى بهم هو كتاب لباب الألباب لعوفى المؤلف فى أوائل القرن السابع الهجرى. ومعنى ذلك أنهم كانوا حتى هذا التاريخ قلة قليلة بالقياس إلى شعراء العربية، ولو أن الفتح المغولى لم يحدث فى هذا القرن لظل الشعر العربى هو المسيطر على روح الجماعة الإيرانية، ومع ذلك فقد ظل أشواطا من التاريخ والزمن، على الرغم

стр. 2682

من الخراب الذى رافق المغول والذى عمّ إيران، فقد حرقوا ودمّروا كل ما صادفهم من حضارة، وكانت الحضارة العربية هى التى تسود فى كل تلك الديار، وكان يسود معها الشعر والعلم العربيان، فتراجعت تلك الحضارة أمام السيول المغولية وأمام ما أنزل بها جنكز خان وهولاكو من تدمير، حتى لقد كانا يحرقان المكتبات. أما المدن فقد أنزلا بها خرابا لا مثيل له فى التاريخ، وما أنزل هولاكو ببغداد من دمار معروف مشهور. وكان ذلك كله ضربة قاصمة للحضارة العربية فى إيران وبالتالى للشعر والعلم العربيين، ومع ذلك فقد ظل العلم العربى حيا وبالمثل الشعر، وإن فقدا كثيرا من نشاطهما الهائل القديم. ولابد أن نعرف أن لغة العلم فى إيران ظلت حتى القرن العاشر الهجرى هى العربية، فبها كان يكتب علماؤهم وفلاسفتهم من أمثال ابن سينا والبيرونى فى القرن الخامس والزمخشرى والفخر الرازى فى القرن السادس ونصير الدين الطوسى والكاتبى القزوينى المعروف بدبيران فى القرن السابع. وسعد الدين التفتازانى وعضد الدين الإيجى فى القرن الثامن والسيد الشريف الجرجانى فى القرن التاسع. ففى كل هذه القرون-وخاصة حتى القرن السابع-لم تستطع الفارسية أن تستولى تماما على ألسنة العلماء الإيرانيين، حقا قد يكتب العالم بها رسالة أو يترجم بها عملا من أعماله، كما حدث أحيانا عند ابن سينا والبيرونى، ولكن تظل العربية لغته الأساسية التى يذيع بها كتبه ومعارفه، ومرجع ذلك إلى أن العربية كانت تفوق الفارسية فى القدرة على التعبير العلمى بفضل ما تتسم به من مرونة فى الاشتقاقات، وأيضا لأنها كانت قد أصبحت فعلا لغة علمية، تزخر بمصطلحات العلم، فكان من الصعب أن تحل الفارسية محلها، ويصوّر ذلك البيرونى قائلا: «إلى لسان العرب نقلت العلوم فى أقطار العالم، فازدانت وحلت إلى الأفئدة، وسرت محاسن اللغة منها فى الشرايين والأوردة. . والهجو بالعربية أحب إلىّ من المدح بالفارسية. ويعرف مصداق قولى من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسية. [فسيرى أنه] قد ذهب رونقه، وكسف باله، واسودّ وجهه، وزال الانتفاع به إذ لا تصلح هذه اللغة [الفارسية] إلا للأخبار الكسروية والأسحار الليلية (١)». وظل هذا الشعور ماثلا فى نفوس كثيرين من العلماء الإيرانيين حتى القرن العاشر الهجرى، فكانوا يشبّون فى مهاد العربية وينهلون من ينابيعها الأدبية، بل إننا نجد ذلك نفسه عاما بين الشعراء الذين اتخذوا الفارسية لسانا لهم منذ الرودكى، ولذلك مظهر عام

стр. 2683

عنده وعند غيره ممن جاءوا بعده من شعراء الفارسية، فإن الألفاظ العربية تكثر فى أشعارهم، بل لذلك مظهر أبعد عمقا وغورا، فإن ضروب النظم التى صاغوا فيها أشعارهم ضروب عربية، بل قل كل عروض الأشعار عندهم من نفس عروض الشعر العربى ومادة تفاعيله وأوزانه. وقد اشتهرت عندهم طائفة من ضروب النظم العربى وأنماطه أولها المثنوىّ، وهو نفس الضرب المعروف فى العربية باسم المزدوج الذى أخذ يشيع-كما مر بنا فى كتاب العصر العباسى الأول-منذ بشار، وأشاعه بعده أبان بن عبد الحميد فى ترجمة كليلة ودمنة وما نظم من الشعر التعليمى (١)، وفيه تختلف القافية من بيت إلى بيت فى حين تتحد فى الشطرين المتقابلين، وقد اختاره الفردوسى لشاهنامته والتزم فيه وزن المتقارب. والضرب الثانى القصيدة، وموضوعها ونسقها لا يختلف فى شئ عن موضوع القصيدة العربية، فقد يكون مديحا أو هجاء أو دينا أو فلسفة. والضرب الثالث الغزل، وموضوعه غزلى أو صوفى وأبياته لا تزيد عن اثنى عشر بيتا إلا فى النادر، وهو بذلك المعروف فى العربية باسم المقطعات الغزلية. والضرب الرابع الرباعيات، وهى تتألف من أربعة شطور، يتفق أولها وثانيها ورابعها فى قافية واحدة، أما الشطر الثالث فقد يختم بنفس القافية وقد لا يختم وهو بدوره نمط عربى ظهر عند بشار وأبى نواس وأبى العتاهية (٢)، وكل ما للفرس أنهم مع الزمن التزموا فيه وزنين خاصين سبق أن تحدثنا عنهما فى قسم العراق. والضرب الخامس المسمّط، وهو يتألف من أدوار وكل دور يتكوّن من أربعة شطور أو أكثر، وتتفق شطور كل دور فى قافية واحدة، ما عدا الشطر الأخير فإنه يستقل بقافية يتحد فيها مع الشطور الأخيرة فى الأدوار المختلفة، وقد أخذ هذا الضرب يشيع فى العربية منذ أبى نؤاس قبل نشأة الشعر الفارسى الحديث. ومعنى ذلك أن الشعر الفارسى الذى أخذ ينظمه شعراء الفرس بإيران منذ القرن الثالث الهجرى فصل عن الشعر العربى كما يفصل الرضيع عن أمه، بل لقد ظل الشعر العربى يغذّيه طوال القرون التالية، ولذلك مظاهر مختلفة فيه، فإن موضوعاته من مديح وغير مديح هى نفس موضوعات الشعر العربى، وإذا أخذنا موضوعا مثل المديح وجدناه ينظم بنفس الصورة العربية، فللمدحة مقدمة من النسيب ومن وصف الطبيعة، وكأننا نقرأ مدحة

стр. 2684

عربية مترجمة على نحو ما يتضح عند شعراء الدولة الغزنوية: منوجهرى والعسجدى والعنصرى والفرّخى. ونما عندهم-على نحو ما هو معروف-شعر التصوف، ولكنه يتغذى فى نشوئه ونموه جميعا بشعر التصوف العربى عند الحلاج وأضرابه من القدماء وعند ابن العربى وابن الفارض والسّهرورديّين. ولا يوجد شاعر صوفى من فريد الدين العطار إلى عبد الرحمن الجامى إلا وهو يحسن العربية ويتربى ثقافيا فى مهادها، ولذلك دائما نجد لشعرائهم الصوفيين شعرا عربيا، وهو يقل عند بعضهم حقا، ولكنه على كل حال يرمز فى قوة إلى هذا التواصل الوثيق (١) بين شعراء الفارسية وشعراء العربية. وشاعت بينهم طريقة هى أن يقتبسوا فى بعض منظوماتهم شطورا أو أبياتا عربية، ويسمون ذلك الملمّع، فالشطر أو البيت العربى يلمع فى المنظومة كما تلمع المنارة وتتألق. ويكثر عندهم وراء هذه الشطور والأبيات أن يضمنوا كثيرا من أبيات منظوماتهم معانى أبيات عربية، فضلا عما يضمنونها من الآيات القرآنية والأحادث النبوية. وللدكتور حسين محفوظ بحث طريف بعنوان «متنبّى وسعدى» طبعه فى طهران، وفيه يذكر آيات الذكر الحكيم فى شعر سعدى الشّيرازى، وتشغل من البحث نحو عشرين صحيفة، ويتلوها ما استظهره سعدى من الأحاديث النبوية فى نحو ثلاثين صحيفة، ويعرض تضمينه لمعانى أبيات الشعر العربى فى أشعاره فى نحو خمسين صحيفة، وهى أبيات تمتد من العصر الجاهلى إلى العصر العباسى مصوّرة بقوة ثقافة سعدى الشّيرازى بالشعر العربى على مر العصور، ويلى ذلك تضمين سعدى أشعاره معانى أبيات المتنبى فى نحو خمسين صحيفة. وبجانب ذلك يذكر أشعار سعدى العربية الخالصة. وسعدى أو الشيخ سعدى هو أحد ثلاثة يعدّون أنبه شعراء الفرس فى تلك الحقب، والاثنان الآخران جلال الدين الرومى وحافظ الشيرازى، بل ربما كان هو أكثر الثلاثة شعبية ومحبة بين أبناء قومه. فإذا قلنا إن الشعر الفارسى كان دائم الاتجاه إلى الشعر العربى، وكان هذا الشعر دائما يقع منه موقع البوصلة أو موقع الإبرة المغناطيسية يجذبه إليه فى قوة لم نكن مغالين. وليس هذا كل ما يلاحظ من ولاء الشعر الفارسى للشعر العربى فى تلك القرون، فإننا نجد أصحابه يعنون منذ نشأته بمصطلحات البديع التى أخذت تتزايد وتتراكم بين شعراء العربية فى إيران وغير إيران، وأكبر مثل يوضح ذلك «كتاب حدائق السحر فى دقائق الشعر» لرشيد الدين الوطواط المتوفى سنة ٥٧٣ للهجرة، وقد أورد فيه ستة وخمسين فنّا

стр. 2685

من فنون البديع، ونراه فى كل فن يذكر أمثلة من الشعر العربى وأمثلة أخرى من الشعر الفارسى تحاكيها جرت على ألسنة الرودكى والعنصرى والفرّخى والعسجدى ومنوجهرى والمنطقى وأضرابهم، وكان شعراء الفرس لم يتركوا لشعراء العربية فنا إلا حاكوه فيه، مهما يكن معقدا أو شديد التكلف، فمن ذلك تقليدهم «لزوم ما لا يلزم» فى القافية بحيث يلتزم فيها الشاعر حرفا قبل حرف الروى، وتقليدهم الأبيات التى يمكن بحذف أجزاء أخيرة منها أن تقرأ على وزنين، ومن ذلك المقطّع وهو أن يورد الشاعر بيتا لا تتصل حروف كلماته فى الكتابة، والموصّل وهو أن يقول الشاعر بيتا لا تقبل كلماته التقطيع فى الكتابة، والأرقط وهو البيت الذى يتوالى فيه حرف منقوط وحرف غير منقوط بالتعاقب، والأخيف وهو الذى تتوالى الكلمات فيه كلمة منقوطة وكلمة غير منقوطة. وقد أنشدنا أمثلة من هذه الصور المتكلفة فى قسم العراق ومن ذلك استخدامهم كثيرا اللغز، والتضمين، والتقسيم، وحسن التعليل، والمثل. ولعل فى هذا ما يوضح كيف أن الشعر الفارسى كان يتبع خطوات الشعر العربى الماضى والمعاصر له خطوة خطوة، يتبعه فى الصياغة والسمات ويحاكيه محاكاة دقيقة وكان الشعر العربى هو الأكثر شيوعا، وهو الذى يدور على كل لسان، أما فى القرون الرابع والخامس والسادس فليس فى ذلك شك، حتى لنرى كثيرين ممن كانوا ينظمون بالعربية والفارسية من الشعراء إنما يشتهرون بشعرهم العربى، مثل بديع الزمان الهمذانى إذ تروى له بعض أبيات فارسية بينما له ديوان بالعربية، وبالمثل أبو الفتح البستى، إذ يقول الرواة إنه كان ينظم بالفارسية. ولكن هذا النظم ضاع، وبقى له ديوانه العربى، ومثلهما الباخرزى ضاع شعره الفارسى إلا ما احتفظ به محمد عوفى فى كتابه اللباب، وظل ديوانه العربى تتناقله الأجيال حينا من الدهر. ومنذ حروب المغول وتخريبهم لإيران انعكست الحال، فكثر من ينظمون بالفارسية، وأصبح المعوّل فى شهرة الشاعر على ما ينظمه بتلك اللغة، كما هو الشأن فى سعدى الشيرازى الذى مرّ بنا حديث عنه، أما قبل ذلك فكان الشعر العربى هو الأكثر ذيوعا، وكأنه العملة الشعبية المتداولة فى بيئات المثقفين جميعا، فالفلاسفة والعلماء ينظمونه كما ينظمه الكتاب، غير من كان ينظمه من الشعراء، ويعدّون بالمئات.

стр. 2686

٢ - كثرة الشعراء راجت سوق الشعر العربى بإيران فى القرن الرابع الهجرى رواجا عظيما، وكان من العوامل التى أدت إلى هذا الرواج اهتمام ملوك البويهيين ووزرائهم بالشعر وأصحابه، وفى مقدمتهم عضد الدولة، وكان ينظم شعرا حسنا، كما كان يؤثر مجالسة الأدباء على منادمة الأمراء، كما يقول صاحب اليتيمة، وقد أنشد له أبياتا طريفة فى الشراب والطرب من مثل قوله (١): ليس شرب الكأس إلا فى المطر ... وغناء من جوار فى السّحر وكان الشعراء يفدون عليه ويجزل لهم فى صلاتهم ومكافآتهم، غير من كان يفرض لهم الرواتب الحسنة. وقد استحال مجلس وزيره ابن العميد إلى ما يشبه ندوة أدبية كبيرة، فكان الشعراء يروحون ويغدون على مجلسه، وكثيرا ما كان يطلب إليهم أن يعارضوا بيتا يلقيه، أو يصفوا شيئا عرض لهم، ونضرب لذلك مثالا: أن بعض الوافدين حيّاه بأترجّة حسنة، فطلب إلى من حضره من الشعراء أن يتجاذبوا وصفها (٢)، وابتدأ بقوله: «وأترجّة فيها طبائع أربع» فقال أبو محمد بن هندو: «وفيها فنون اللهو للشّرب أجمع» فقال أبو القاسم: «يشّبهها الرائى سبيكة عسجد» فقال أبو الحسين بن فارس: «على أنها من فأرة المسك أضوع» فقال أبو عبد الله الطبرى: «وما اصفّر منها اللون للعشق والهوى» فقال أبو الحسن البديهى: «ولكن أراها للمحبين تجمع». وبذلك تكوّنت ستة شطور أو بعبارة أدق ثلاثة أبيات على البديهة ارتجالا. وكانت تكثر هذه المقارضات فى مجالس الوزراء وغيرهم من المتأدّبين، ولعل مجلسا لم يبلغ منها ما بلغه مجلس الصاحب بن عباد إذ يقول الثعالبى فى كتابه اليتيمة: «احتفّ به من نجوم الأرض وأفراد العصر» وأبناء الفضل وفرسان الشعر، من يربى عددهم على شعراء الرشيد ولا يقصّرون عنهم فى الأخذ برقاب القوافى وملك رقّ المعانى، فإنه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء والملوك مثل ما اجتمع بباب الرشيد من فحولة الشعراء المذكورين كأبى نواس وأبى العتاهية والعتّابى والنّمرى ومسلم بن الوليد وأبى الشّيص ومروان بن أبى حفصة ومحمد بن

стр. 2687

مناذر، وجمعت حضرة الصاحب بأصبهان وبالرىّ وجرجان مثل أبى الحسين السّلامىّ وأبى بكر الخوارزمىّ وأبى طالب المأمونى وأبى الحسن البديهىّ وأبى سعيد الرّستمىّ وأبى القاسم الزّعفرانىّ وأبى العباس الضّبّىّ وأبى الحسن بن عبد العزيز الجرجانى وأبى القاسم بن أبى العلاء وأبى محمد الخازن وأبى هاشم العلوى وأبى الحسن الجوهرى وبنى المنجم وابن بابك وابن القاشانى وأبى الفضل الهمذانى وإسماعيل الشاشى وأبى العلاء الأسدى وأبى الحسن الغويرىّ وأبى دلف الخررجى وأبى حفص الشّهرزوزىّ وأبى معمر الإسماعيلى وأبى الفياض الطبرى وغيرهم ممن لم يبلغنى ذكرهم أو ذهب عنى اسمه. ولذكر كل من هؤلاء مكان من هذا الكتاب إما متقدم أو متأخر». ولكل منهم ولكثيرين وراءهم فيه مدائح لا تكاد تحصى، ومع كل مدحة كان يأمر بصلة. وكان يتبادل مع من يحضرون مجلسه مقارضات الشعر ومطارحاته وإجازاته، وكثيرا ما كان يعرض موضوع، فيتنافس فيه الشعراء، وكل يحاول أن يظهر براعته وتفوقه، من ذلك أنه بنى قصرا بأصبهان، فتبارى نحو عشرين شاعرا فى وصفه (١)»، منهم أبو سعيد الرّستمى، وفيه يقول (٢): وسامية الأعلام تلحظ دونها ... سنا النجم فى آفاقها متضائلا نسخت بها إيوان كسرى بن هرمز ... فأصبح فى أرض المدائن عاطلا متى ترها خلت السماء سراداقا ... عليها وأعلام النجوم مواثلا وماء على الرّضراض يجرى كأنه ... صفائح تبر قد سبكن جداولا (٣) ولما حصل الصاحب، وهو بجرجان، على فيل ضخم كان فى عسكر السامانيين أمر من بحضرته من الشعراء أن يصفوه فى تشبيب قصيدة على وزن قافية قول عمرو ابن معد يكرب الزّبيدى: أعددت للحدثان سا ... بغة وعدّاء علندى (٤) وأنشد أبو الحسن الجوهرى فى هذه المباراة قصيدة استهلّها بمديح الصاحب، ثم أخذ فى وصف الفيل وصفا مرحا بمثل قوله (٥): يزهى بخرطوم كمث ... ل الصّولجان يردّ ردّا أو كمّ راقصة تش ... ير به إلى النّدمان وجدا

стр. 2688

وكأنه بوق تح ... رّكه لتنفخ فيه جدّا أذناه مروحتان أس ... ندتا إلى الفودين عقدا ونفق برذون (بغل) أبى عيسى بن المنجم، بعد أن طالت صحبته له، فأوعز الصاحب إلى من حوله من الشعراء الندماء أن يعزّوا أبا عيسى فيه ويبكوه له، ونظم منهم عشرة قصائد فكاهية سميّت بالبرذونيات منها برذونية أبى القاسم ابن أبى العلاء وفيها يقول (١): لقد أنصفته الخيل ما ذقن بعده ... شعيرا ولا تبنا ومتن غليلا وفى كل إصطبل أنين وزفرة ... تردّد فيه بكرة وأصيلا ولو وفّت الجرد الجياد حقوقه ... لما رجّعت حتى الممات صهيلا وفى هذا كله ما يصور من بعض الوجوه حياة الشعر العربى فى أصبهان والرّى لعهد بنى بويه، وبالمثل كان الزّياريون وفى مقدمتهم قابوس بن وشمكير يشجعون الشعراء ويجزلون لهم فى العطاء، ويذكر الباخرزى فى دميته أبا بكر الخسروىّ الذى كان ينظم باللسانين العربى والفارسى، ويقول: «كانت له وظائف كل سنة من الأمير شمس المعالى قابوس بن وشمكير والصاحب أبى القاسم بن عباد تدرّ عليه، وتتسابق إليه (٢)». وكانت لكثيرين غيره هذه الوظائف أو الرواتب من الدولتين، وكذلك من الدولة السامانية، وفى عاصمتها بخارى يقول الثعالبى: «كانت بخارى فى الدولة السامانية مثابة المجد وكعبة الملك ومجمع أفراد الزمان ومطلع نجوم أدباء الأرض وموسم فضلاء الدهر (٣)» ويذكر مجلسا من مجالسها ضمّ أبا الحسن اللّحّام وأبا محمد بن مطران وأبا جعفر بن العباس بن الحسن وأبا محمد بن أبى الثياب وأبا النصر الهرثمى وأبا نصر الطريفى ورجاء بن الوليد الأصبهانى وعلى بن هرون الشيبانى وأبا إسحق الفارسى وأبا القاسم الدينورى وأبا على الزّوزنى إلى غيرهم ممن ينتظم فى سلكهم من الشعراء. وليست الحواضر وحدها هى التى اختصت بالنشاط الشعرى، فكثير من المدن شاركها هذا النشاط مثل بلاد الجبل وجرجان وطبرستان وخوارزم وفارس والأهواز ونيسابور وهراة. وقد بلغ عدد الشعراء الذين ترجم لهم الثعالبى فى يتيمته من الإيرانيين خاصة أكثر من مائة وثمانين شاعرا، وزادوا عن المائتين فى الدمية إلى من ترجم لهم العماد الأصفهانى فى الخريدة وترجمات ضافية،

стр. 2689

وكان بجانب أمراء الدويلات الإيرانية كثير من حماة الأدب والشعر فى كل بلدة كبيرة، منهم آل ميكال فى نيسابور، وفيهم يقول الثعالبى: «القول فى آل ميكال وقدم بيتهم وشرف أصلهم وتقدم أقرامهم (سادتهم) وكرم أسلافهم وأطرافهم وجمعهم بين أول المجد وآخره وقديم الفضل وحديثه وتليد الأدب وطريفه يستغرق الكتب ويملأ الأدراج ويحفى الأقلام، وما ظنك بقوم مدحهم البحترى وخدمهم ابن دريد وألّف لهم معجم الجمهرة وسيّر فيهم المقصورة التى لا يبليها الجديدان، وانخرط فى سلكهم أبو بكر الخوارزمى وغيره من أعيان الفضل وأفراد الدهر (١)». ويدل أكبر الدلالة على ما كان ببلدان إيران من نشاط أدبى وشعرى أن نجد هذه البلدان لا تكتظ بأدبائها وشعرائها وحدهم، بل يفد عليها كثيرون غيرهم من بلاد قريبة وبعيدة فى العراق وغير العراق، على نحو ما يلقانا فى نيسابور، فقد ترجم الثعالبى لطائفة من الشعراء الطارئين عليها من بلدان شتى، وبلغ عددهم ستة عشر شاعرا اختاروها مقاما لهم. ونيسابور من بلدان الدولة السامانية، وهى صالحة لأن تكتب فى شعرائها دراسة قيمة عن نشاط الشعر بها لا فى عهد السامانيين وحدهم بل أيضا فى الحقب التالية، وبالمثل بلدان إيران الكبيرة المختلفة مثل أصبهان والرىّ والجرجانية عاصمة الزياريين وخوارزم وهراة عاصمة خلف بن أحمد ممدوح بديع الزمان الهمذانى وغزنة عاصمة الغزنويين، فكل هذه البلدان وما يماثلها، وحتى بلاد الشاش فيما وراء النهر يمكن أن تفرد لها دراسة تضم شعراءها فى اليتيمة والدمية وغيرهما من كتب التراجم مثل طبقات الشافعية للسبكى ومعجم الأدباء لياقوت ووفيات الأعيان لابن خلكان. ومن يرجع إلى هذه الكتب يخيّل إليه أن الشعر بإيران إلى ما وراء النهر كان على كل لسان، وكان الأمراء ورعاته فى كل بلدة يقيمون له مواسم كالأعياد، وكان الوزراء والأمراء لا يزالون يهبون الشعراء آلاف الدراهم والدنانير، وكانوا يعيّنون لهم مرتبات، كما مر بنا ويغدقون عليهم إغداقا كثيرا، حتى ليقال إنه حصل للأبيوردىّ الشاعر السلجوقى من الملوك والأمراء ما لم يحصل للمتنبى فى عصره ولابن هانئ فى مصره. فلا عجب أن يتكاثر الشعراء، فقد كان الشعر وسيلة لحياة رغدة، ولذلك قلما ترى شاعرا من المئات التى ترجم لها الثعالبى فى اليتيمة والباخرزى فى الدّمية والعماد الأصبهانى فى الخريدة إلا وهو يتكسب بأشعار لعلها تفتح له أبواب النعيم.

стр. 2690

وليس هذا وحده كل ما دعا الشعر إلى النشاط فى إيران، فقد كان يعدّ جزءا لا يتجزّأ من الثقافة العربية التى كان الناس يعكفون عليها فى شغف، وهذا هو السر فى أنك قلما تجد فقيها أو فيلسوفا فى تلك البيئة إلا وهو ينظم الشعر، ويتخذه أداته فى التعبير عن مشاعره، تجد ذلك عند البيرونى فى ترجمته بمعجم الأدباء كما تجده عند ابن سينا، ويتسع ذلك عند الفقهاء، وكأنهم كانوا يعدّون الشعر من آلات عملهم، وارجع إلى السّبكى فى طبقاته فإنك تجده من وقت إلى آخر حين يترجم لفقيه يذكر له أشعارا مختلفة فى الغزل وغير الغزل، من ذلك أن نراه يترجم لمحمد بن عبد العزيز النّيلى أحد أئمة خراسان المتوفى سنة ٤٣٦ فيذكر له أشعارا منها هذه الأبيات الغزلية البديعة (١): ما حال من أسر الهوى ألبابه ... ما حال من كسر التصابى بابه نادى الهوى أسماعه فأجابه ... حتى إذا ما جاز أغلق بابه أهوى لتمزيق الفؤاد فلم يجد ... فى صدره قلبا فشقّ ثيابه ومن كبار أئمة الشافعية فى العصر القفّال الشاشى ناشر مذهب الشافعى فيما وراء النهر، وكان أكبر من صاح فى قومه لغزو الروم عام النّفير، وذلك أن نقفور إمبراطور الروم أرسل إلى الخليفة المطيع قصيدة يتوعده فيها ويتوعد المسلمين بمثل قوله (٢): ثغوركم لم يبق فيها لوهنكم ... وضعفكم إلا رسوم المعالم ومضى يفاخر بانتصاراته وانتصارات أسلافه فى كريت (إقريطش) وسروج وعلى أبواب سميساط والحدث ومرعش والمصّيصة وطرسوس. وردّ عليه فخره ونقضه نقضا الشيخ القفّال بقصيدة طنانة يذكر له فيها انتصارات المسلمين عليهم قرونا متطاولة وما قتلوا من مئات الألوف من رجالهم وما سبوا من آلاف الجوارى الروميات، بل ما قتلوا وسبوا من آلاف الآلاف على مر السنين، وإن صواعق الموت لتوشك أن تنزل به وبجنوده، ترسلها عليهم زحوف الخراسانيين جنود الملك السامانى منصور بن نوح (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) التى تزحف بقضّها وقضيضها ورعودها وبروقها المميتة، يقول: أنتك خراسان تجرّ خيولها ... مسوّمة مثل الجراد السّوائم

стр. 2691

كهول وشبان حماة أحامس ... ميامن فى الهيجاء غير مشائم (١) ونرجو بفضل الله فتحا معجّلا ... ننال بقسطنطين ذات المحارم هناك نرى نقفور والله قادر ... ينادى عليه قائما فى المقاسم ويجرى لنا فى الروم طرّا وأهلها ... وأموالها جمعا سهام المغانم فيضحك منا سنّ جذلان باسم ... ويقرع منه سنّ خزيان نادم ووراء القفال أئمة فى الفقه الشافعى كثيرون أنشد لهم السّبكى أشعارا فى الزهد، وسنترجم منهم للقشيرى بين شعراء الزهد والتصوف. وأنشد السبكى أيضا أشعارا للقاضيين هما على بن عبد العزيز الجرجانى والأرّجانى وسنترجم لهما بين شعراء المديح، كما أنشد أشعارا مختلفة للفقيه الأبيوردىّ وسنترجم له بين شعراء الفخر، وله ديوان كبير مثل الأرّجانى، وكان لعلى بن عبد العزيز ديوان سقط من يد الزمن. وعلى نحو ما كان الفقهاء ينظمون الشعر كان المحدّثون ينظمونه أيضا، مثل حمد بن محمد الخطابى البستى الذى مرّ حديثنا عنه بين المحدّثين، وقد ترجم له صاحب اليتيمة فى جزئها الرابع وأنشد له طائفة من شعره، وكان ينظمه أيضا المفسرون للقرآن الكريم من مثل الزمخشرى، وله ديوان شعر لما ينشر، وهو زاخر بالأدعية والابتهالات. وتروى كتب التراجم للفخر الرازى أشعارا مختلفة، وكان كثيرون من اللغويين والنحويين ينظمون الشعر، منهم الجوهرى إسماعيل بن حماد صاحب معجم الصحاح، وله ترجمة فى الجزء الرابع من اليتيمة أنشد فيها الثعالبى طائفة من أشعاره، ومنهم أبو الحسين أحمد بن فارس صاحب معجمى المجمل ومقاييس اللغة، وقد ترجم له الثعالبى فى الجزء الثالث من اليتيمة وأنشد طائفة من شعره من مثل قوله (٢): مرّت بنا هيفاء مقدودة ... تركيّة تنمى لتركىّ ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجّة نحوىّ ومنهم ابن فورّجة البروجردىّ، وله ترجمة فى الجزء الأول من تتمة اليتيمة وكذلك فى الجزء الأول من دمية القصر، وله أشعار بديعة من مثل قوله الذى أنشده الثعالبى (٣) ألم تطرب لهذا اليوم صاح ... إلى نغم وأوتار فصاح

стр. 2692

كأنّ الأيك يوسعنا نثارا ... من الورق المكسّر والصّحاح تميد كأنها علّت براح ... وما شربت سوى الماء القراح كأن غصونها شرب نشاوى ... تصفّق كلّها راحا براح ومرّ بنا أنه كان ناقدا بصيرا، كما كان شاعرا فذّا، وذكر له الثعالبى معنى نقله عن شاعر فارسى معاصر له يسمّى المعروقى على هذا النمط. يظنون ما تذرى جفونى أدمعا ... بل الدم منها يستحيل فيقطر تعيد بياضا حمرة الدم لوعتى ... كما ابيضّ ماء الورد والورد أحمر ومن أصحاب المباحث البلاغية والنقدية الذين اشتهروا بنظم الشعر أبو هلال العسكرى صاحب كتاب الصناعتين، وقد ضمّنه كما ضمّن كتابه ديوان المعانى طائفة من أشعاره، وأنشد من ترجموا له بعض أشعاره. ومثله الثعالبى صاحب اليتيمة ومرّ بنا حديث عن بعض نظرات نقدية له، وله أشعار مختلفة أنشد أطرافا منها فى كتاب لطائف المعارف وفى كتبه الأخرى. ومثلهما عبد القاهر الجرجانى صاحب دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وفى ترجمته بدمية القصر طائفة من أشعاره. وهو باب يطول إذا أخذنا نحصى شعراء العلماء من كل صنف، إنما هى أمثلة فحسب، أردنا بها أن نصوّر تفتح ينابيع الشعر العربى على ألسنة المثقفين من كل لون. وكان من أقربهم إلى هذه الينابيع كتّاب الدواوين، ولا تكاد تجد كاتبا كبيرا يترجم له الثعالبى فى اليتيمة والباخرزى فى الدمية والعماد فى الخريدة إلا وشعره يكاد يغلب نثره. بل إن كثيرين منهم تقتصر ترجمتهم على ما لهم من أشعار، حتى إنه يكاد يكون من العسير أن نتعقب دواوين الرسائل وكتّابها وآثارهم النثرية عند السامانيين والخوارزميين والغزنويين والسلاجقة إلا ما يأتى عفوا. وكثير من كتّاب هذه الدول والإمارات كانت لهم دواوين شعرية مثل أبى بكر الخوارزمى الكاتب المشهور ومثل بديع الزمان وأبى الفتح البستى والباخزرىّ وقد أشرنا فيما أسلفنا إلى دواوينهم، ومثلهم الصاحب بن عباد والعماد الأصبهانى، وكأنهم وأضرابهم كانوا يرون أن الشعر هو العملة العربية المتداولة التى تحوز لصاحبها الشهرة الأدبية.

стр. 2693

٣ - شعراء المديح يكثر شعر المديح فى هذا العصر كثرة مفرطة، إذ كان يطلبه الملوك والأمراء والوزراء والولاة والقضاة، ومن يقرأ اليتيمة وتتمتها والدمية والخريدة يرى الشعراء جميعا يمدحون معاصريهم، وكأن عمل الشاعر الأساسى أن ينظم فى المديح، وهو شئ طبيعى إذ كان أداة للكسب ورفاهة العيش، ومرّت بنا كثرة الأعطيات التى كان يأخذها الشعراء وأنهم كانوا-أو كان كثير منهم-يأخذ رواتب من الوزراء والحكام، وكان لكل إمارة شعراؤها الذين يقدّمون لأصحابها المدائح والتهانى فى المناسبات والأعياد المختلفة الإسلامية وغير الإسلامية، بل كان لكل أمير ولكل وزير شعراؤه الذين يروحون عليه ويغدون بالمدائح الرائعة، ونقف قليلا عند الدولة البويهية فإن ما نظم فى عضد الدولة يكاد يؤلف ديوانا مستقلا، إذ لم يكد ينبغ شاعر فى إيران إلا قصده، وقدّم له مدائحه، وقصده المتنبى بشيراز فى سنة ٣٥٤ ومدحه بعدة قصائد بديعة، كما قصده شعراء العراق وفى مقدمتهم السّلامىّ الشاعر، وفيه يقول مواطنه أبو بكر الخوارزمى (١): غريب على الأيام وجدان مثله ... وأغرب منه بعد رؤيته الفقر عجبت له لم يلبس الكبر حلّة ... وفينا لأن جزنا على بابه كبر وكانوا كثيرا ما يشيرون إلى النوال فى مدائحهم على نحو ما صنع الخوارزمى فى البيت الأول، ونظمت فى مؤيد الدولة وفخر الدولة مدائح كثيرة، ولأبى سعيد الرّستمى مدائح بديعة فى أولهما من مثل قوله (٢): بقيت مدى الدنيا وملكك راسخ ... وظلّك ممدود وبابك عامر يردّ سناك البدر والبدر زاهر ... ويقفو نداك البحر والبحر زاخر وبالمثل كان وزراء بنى بويه ممدّحين، وخاصة ابن العميد والصاحب بن عباد، أما ابن العميد فلم يقصده فقط شعراء إيران، بل قصده أيضا جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد البعيدة مثل المتنبى الذى وفد عليه بمدينة أرّجان ومدحه بقصائد

стр. 2694

رائعة، ومثل ابن نباتة السّعدى الشاعر العراقى، وله فيه مدائح جيدة، وكذلك للصاحب بن عباد من مثل قوله فى قدومه إلى أصبهان (١): قدم الرئيس مقدّما فى سبقه ... فكأنما الدنيا جرت فى طرقه وكأنما الأفلاك طوع يمينه ... كالعبد منقادا لمالك رقّه قد قاسمته نجومها فنحوسها ... لعدوّه وسعودها فى أفقه ولعل وزيرا بويهيّا لم ينل من المدائح ما ناله الصاحب بن عباد، ومرت بنا أسماء طائفة من الشعراء الذين كانوا يلزمون بابه. وكان وراءهم كثيرون يفدون عليه من شتى البلدان الإيرانية والعراقية، وعقد لهم الثعالبى فى يتيمته الباب السادس من جزئها الثالث، وذكر لكل منهم بعض مدائحه فيه، وكان من مادحيه أبو سعيد الرستمى، وله فيه مدائح كثيرة من مثل قوله (٢): ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد يروى عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عبّاد وهو يمدحه بأنه نشأ من الوزارة فى حجرها ودرج إلى الناس من وكرها إذ ورثها عن آبائه، وكان أبو سعيد ببالغ مبالغة مفرطة فى مديحه أحيانا على عادة الشعراء فى العصر، من مثل قوله فيه (٣): لو كان غير الله يعبد ما انثنت ... إلا إليك أعنّة العبّاد وهى مبالغة تمجّها الآذان. ونراه فى نفس القصيدة يذكر للصاحب أنه قمع أهل الجبر ومن يقولون بأن كل شئ قدر مقدور ملغين حرية الإرادة فى الإنسان، يقول: ونصبت للإسلام أكرم راية ... وقصمت أهل الجبر والإلحاد وكان الصاحب إماميا معتزليا، والصلة بين مذهب الإمامية والمعتزلة بل بين المعتزلة والشيعة عامة معروفة من قديم، وهو ما جعل الصاحب يتعقب أهل الجبر بالنكال إن صحّ ما يقول أبو سعيد الرستمى، ويقول له أبو بكر الخوارزمى من قصيدة فيه (٤): ومن نصر التوحيد والعدل فعله ... وأيقظ نوّام المعالى شمائله وإنما ذكرنا ذلك لندل على أن المدائح لم تكن ثناء فحسب، بل كانت أيضا تسجيلا لأعمال الأمراء والوزراء، وهى لذلك ذات قيمة تاريخية مهمة، وهى قيمة

стр. 2695

تغيب عن أذهان كثيرين فيظنون أن المديح كان فى العصور السابقة ملقا ونفاقا، متناسين أنه كان أيضا تسجيلا لأعمال الدولة واتجاهاتها المذهبية وما خاضت من حروب وكسبت من انتصارات. وعلى نحو ما نجد فى كتاب اليتيمة وتتمتها من مدائح بنى بويه ووزرائهم نجد أيضا مدائح السامانيين ووزرائهم من مثل البلعمى مترجم تاريخ الطبرى إلى الفارسية كما أسلفنا، وفيه يقول أبو محمد المطرانى الشاشىّ (١): بلوناك حين يرجّى الول ... ىّ عرفا ويخشى العدوّ النكيرا فلم تك إلا اختيارا نفوعا ... ولم تك إلا اضطرارا ضرورا وكان أبو الحسن بن سيمجور قائد السامانيين ممدّحا، وللمأمونى الشاعر فيه مدائح مختلفة. وبنفس الصورة يلقانا أمراء الدولة الزيارية وفى مقدمتهم قابوس بن وشمكير الذى لقبه الخليفة بلقبه: شمس المعالى، فقد مدحه كثير من الشعراء، وكان غيثا مدرارا، فأكثروا من مديحه. ولابد أن نشير إلى أن هذه المدائح التى عرضنا لها سريعا عند الزياريين والسامانيين والبويهيين تضمنت وصف ما بنى القوم من قصور مشيدة، وأشرنا فيما مضى إلى ما نظمه الشعراء فى دار بناها الصاحب بن عباد بأصفهان. وأيضا لابد أن نشير إلى أن الشعراء ضمنوا مقدمات مدائحهم النسيب القديم ووصف الأطلال من حين إلى حين. وأكثروا أيضا من تضمينها وصف الربيع وكانوا يقفون عنده طويلا فى مقدمات المدائح بعيد النيّروز. واطّرد ذلك فى مدائح سلاطين الدولة الغزنوية ووزرائها. وقصائد كثيرة نظمت باللغتين العربية والفارسية فى مديح محمود الغزنوى الملقب بيمين الدولة وأمين الملة والإشادة بفتوحه فى إيران وماوراء النهر وفى الهند، ومن رائع ما مدح به قصيدة لبديع الزمان الهمذانى يقول فيها (٢): تعالى الله ما شاء ... وزاد الله إيمانى أأفريدون فى التاج ... أم الإسكندر الثانى أم الرجعة قد عادت ... إلينا بسليمان أطلّت شمس محمود ... على أنجم سامان وأمسى آل بهرام ... عبيدا لابن خاقان إذا ما ركب الفيل ... لحرب أو لميدان رأت عيناك سلطانا ... على منكب شيطان

стр. 2696

فمن واسطة الهند ... إلى ساحة جرجان ومن قاصية السّند ... إلى أقصى خرّاسان وأفريدون من ملوك الفرس الأسطوريين، وآل بهرام هم السامانيون الذى قضى عليهم محمود وامتلك ديارهم، ويسميه ابن خاقان لأنه تركى، وقد ضم إيران جميعها إلى ملكه ما عدا إقليمى فارس وكرمان، كما مر بنا فى غير هذا الموضع. ويكثر بعده مديح السلاجقة ووزرائهم، وخاصة نظام الملك، ومدّاحه يتعاقبون فى كتاب دمية القصر بالعشرات، مع أن مؤلفها الباخرزىّ توفى قبله بنحو سبعة عشر عاما، وممن ذكرهم بين مدّاحه الفيّاض الهروىّ، وله فيه وفى فتوح سلطانه ألب أرسلان فى آسية الصغرى وأسره لإمبراطور بيزنطة قصيدة بديعة، يذكر فيها جيش رومانوس الجرّار ومناه فى احتلال ديار السلطان السلجوقى، وكيف ردّ الله كيده فى نحره، فسحق جيشه سحقا، وقتل منه ما لا يحصى، وأسر الإمبراطور ووقف بين يدى ألب أرسلان ذليلا خانعا، وأهوى على الأرض يلثم التراب بين يديه. ويصوّر ذلك كله الفياض الهروى مشيدا بنظام الملك وقيادته مع ألب أرسلان لجيش المسلمين قائلا (١): إذا ما ملوك الأرض عدّوا فإنما ... لكم كاهل المجد الأشمّ وغاربه أحاسده مهلا فهذى سيوفه ... وهاتيك يوم المكرمات مواهبه ويتوالى سلاطين الدولة السلجوقية ووزراؤهم ويتوالى مديحهم عند الطّغرائى والأرّجانى وغيرهما من معاصريهما. وكان وراء أمراء العصر ووزرائه كثيرون من علية القوم يخصّهم الشعراء بمدائحهم، وقد دّبّجت فيهم قصائد كثيرة. وكانوا يهنّئون كثيرا لا بالأعياد فحسب، بل أيضا بالمواليد، وفى اليتيمة والدّمية من ذلك قصائد ومقطوعات مختلفة. وكثر فى العصر مديح الفقهاء والعلماء يمدحهم تلاميذهم ومريدوهم والمعجبون بهم، من ذلك ما أنشده الباخرزى لأبى المطهّر الأصفهانى فى أستاذه الإمام الموفق محمد بن هبة الله وكان من أئمة الشافعية فى نيسابور، وله يقول تلميذه من قصيدة طويلة (٢): يا أيها المولى الأجلّ ومن به ... أصبحت آمن من تحصّن فى الذّرى أنبتّنى ورعيتنى وسموت بى ... غصنا بأبكار البيان منوّرا ولابن عنين قصيدة رائعة سيّرها من نيسابور إلى الفخر الرازى بهراة، وفيها يشيد بقضائه على البدع فى عصره، ويرفعه فوق ابن سينا وأرسطو وبطليموس درجات

стр. 2697

فى الفلسفة والطب، غير أن ابن عنين دمشقى. وعلى كل حال هو تكملة لهذه الظاهرة التى رآها فى إيران، ظاهرة مدائح التلاميذ والمريدين لشيوخهم وأساتذتهم من العلماء والفقهاء. وجدير بنا أن نقف عند ثلاثة من شعراء المديح فى تلك البيئة لتتضح لنا صورته، وهم على بن عبد العزيز الجرجانى والطّغرائى والأرّجانىّ. على (١) بن عبد العزيز الجرجانى من جرجان، وفد على نيسابور فى صباه، وسمع على شيوخها، وتخرّج بهم فقيها شافعيا نابها، وولى قضاء موطنه جرجان ثم ولاّه الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة وأخيه فخر الدولة قضاء الرّىّ، ثم جعله قاضى القضاة بها، وظل فى هذه الوظيفة إلى أن توفى سنة ٣٩٢ وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها، وترجم له الثّعالبى فى يتيمته فقال: «هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، ودرّة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحترى». ومرّ بنا حديث عن كتابه «الوساطة بين المتنبى وخصومه» وكيف أنه فيه يصدر عن ناقد ممتاز، بل لعله أهم ناقد ظهر فى عصره. وهو فى الكتاب يصور ثقافة واسعة بالشعر العربى قديمه وحديثه، كما يصور ذوقا شعريا مصفى. وبهذا الذوق كان ينظم أشعاره فى المديح وغير المديح، وقد روى له الثعالبى طائفة من مدائحه فى قوّاد عصره وولاة جرجان وفى شمس المعالى قابوس بن وشمكير صاحب طبرستان، وللصاحب بن عباد القدح المعلى من مدائحه من مثل قوله: يا أيها القرم الذى بعلوّه ... نال العلاء من الزمان السّولا قسمت يداك على الورى أرزاقها ... فكنوك قاسم رزقها المسئولا وهى مبالغة أن يجعل الصاحب يقسم على الناس أرزاقهم، ولكنها كانت تستحبّ فى عصره، وكان كل شاعر يحاول أن يأتى منها بمعنى طريف. وكان الصاحب بحرا فياضا أغدق الصلات على زوّاره وقاصديه، وله يصف بلاغته التى عرف بها فى النثر والشعر جميعا: سبقت بأفراد المعانى وألّفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها

стр. 2698

فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها وهو معنى طريف، وكانت له ملكة خصبة لا تزال تمده بالمعانى الغريبة النادرة، وكان يعرف كيف يقتنصها وكيف يوردها فى مدائحه من مثل قوله للصاحب: لا وجفون يغضّها العذل ... عن وجنات تذيبها القبل ما عاش من غاب عن ذراك وإن ... أخّر ميقات يومه الأجل (١) وله فى عياداته حين يمرض قصائد بديعة، وأخرى فى تهنئته حين يبلّ من مرض ألمّ به أو حمّى نزلت بجسده، وكان يتخيلها من تلهب ذهنه وتوقد ذكائه، ومن قوله فى تهنئة له بالشفاء: بك الدهر يندى ظلّه ويطيب ... ويقلع عما ساءنا ويتوب وأنشد له الثعالبى قصيدة طويلة فى وصف دار الصاحب التى بناها بأصبهان وتبارى الشعراء فى وصفها على نحو ما مر فى حديثنا، كما أنشد له أيضا قصيدة فكهة فى رثاء برذون أبى عيسى بن المنجم، استهلها بقوله: جلّ والله مادهاك وعزّا ... فعزاء إن الكريم معزّى هى ما قد علمت أحداث دهر ... لم تدع عدّة تصان وكنزا وكان يمزج بين الطبيعة والمديح مزجا بديعا لا يكتفى فيه بأن يجعل الطبيعة مقدّمة للمديح كما كان يصنع الشعراء كثيرا من حوله، بل يجعلها جزءا من الممدوح ومن عمله وشيمه وفكره، وكأنها صورة منه، أو كأنها مرآة له، يقول فى وصف بعض الرياض الجميلة الساحرة مادحا لأبى مضر محمد بن منصور والى جرجان: أباتت يد الأستاذ بين رياضها ... تدفّق أم أهدت إليها سحائبا أألبسها أخلاقه الغرّ فاغتدت ... كواكبها تجلو علينا كواكبا أوشّت حواشيها خواطر فكره ... فأبدت من الزّهر الأنيق غرائبا أخالته يصبو نحوها فتزيّنت ... تؤمّل أن يختار منها ملاعبا ولعل فى ذلك ما يدل على قدرة الشاعر التصويرية، وهى قدرة تلقانا فى غزله كما تلقانا فى مديحه، على نحو ما نقرأ فى قوله يصف بعض ليالى أنسه مع منى قلبه: وليال كأنهن أمان ... من زمان كأنه أحلام وكأن الأوقات فيها كئوس ... دائرات وأنسهنّ مدام

стр. 2699

زمن مسعد وإلف وصول ... ومنى تستلذّها الأوهام وواضح ما فى الأبيات من خيال دقيق، فكأنه كان يعيش فى حلم، يتعاطى خمر الأنس المسكرة، ومن قوله فى الغزل: قد برّح الشوق بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك لا تجفه وارع له حقّه ... فإنه آخر عشّاقك والبيتان يحملان شعورا مرهفا رقيقا، وكان إلى ذلك كله شغوفا بالعلم، يراه متعة لا تعد لها متعة، ولذلك كان يألف دائما الخلوة للقراءة فى منزله، وفى ذلك يقول: ما تطعمت لذّة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس شئ أعزّ عندى من العل ... م فما أبتغى سواه أنيسا فلذة القراءة لا تعدلها عنده لذة، وكانت نفسه أبيّة شديدة الإباء، لا يهينها ولا يذلها فدون الذل والهوان الموت، وفيم يذل الإنسان ويهون أفى سبيل المال والغنى؟ بؤسا لهما وله إن هو اقترف فى نفسه هذه الجناية الكبرى، وفى ذلك يقول: كأنى ألاقى كلّ يوم ينوبنى ... بذتب وما ذنبى سوى أننى حرّ وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبينى وبين المال شيئان حرّما ... علىّ الغنى: نفسى الأبيّة والدّهر إن مثل هذا الغنى الذى يكسبه صاحبه بالخضوع هو الفقر الحقيقى الذى يدمرّ حياة الإنسان، فتعسا لمن يطلبه عن هذه الطريق وتبّا له. وله أبيات رائعة فى عزة النفس، وخاصة عزة نفس العلماء، اشتهرت فى عصره وبعد عصره، وهو يمضى فيها على هذا النمط: يقولون لى: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما إذا قيل: هذا منهل قلت: قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما ولم أقض حقّ العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيّرته لى سلّما ولم أبتذل فى خدمة العلم مهجتى ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه فى النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتى تجهّما وهو يصور فى الأبيات نفس العالم الحر الذى يأبى الهوان مستشعرا كرامته إلى أقصى حد، وإنه ليأبى فى شمم ما بعده شمم أن يروى من منهل قد يصيبه منه ما يؤذى نفسه،

стр. 2700

وإنه ليزدرى الطمع فى الدنيا الذى يتحول بالعالم إلى ما يشبه دوّارة الريح فهو يدور مع نفعه المهين، ناسيا أن من شأن علمه أن يجعله مخدوما لا خادما وسيدا لا عبدا ذليلا، وإلا كان الجهل خيرا منه وأكثر عائدة على صاحبه. ويحمل حملة شعواء على من يراهم حوله من العلماء صغار النفوس الذين لم يصونوا حرمة العلم بل دنّسوه ولطخوه بهوان أليم. الطّغرائىّ (١) هو أبو إسماعيل مؤيد الدين الحسين بن على بن محمد، الكاتب الشاعر الذى غلب عليه لقب الطّغرائى لعمله فى دواوين الطّغراء، وهى الطّرّة التى يكتبها عادة رئيس ديوان الإنشاء فى أعلى الكتب فوق البسملة بالخط الغليظ متضمنة نعوت السلطان أو الحاكم الذى يصدر الكتاب باسمه. وقد ولد بأصفهان سنة ٤٥٣ لأسرة عربية تنتسب إلى أبى الأسود الدؤلى، ولا نعرف شيئا واضحا عن نشأته ولكن ثقافته الأدبية والعلمية العميقة تدل على أنه اختلف إلى دور العلم وحلقات العلماء منذ نعومة أظفاره وأنه تثقف على أيدى جهابذة موطنه من اللغويين والفقهاء والأدباء وأصحاب الصنعة (الكيمياء) وله فيها مصنفات مختلفة (٢) ويبدو أن ملكته الشعرية استيقظت فى نفسه مبكرة، فسال الشعر على نساء، ووفد به على الرؤساء، وكان من أوائل من وفد عليهم فضل الله بن محمد صاحب ديوان الإنشاء لألب أرسلان، وأعجب به وبشعره، فعينه كاتبا فى الديوان وأوصله إلى الوزير نظام الملك فاستمع إلى مدائحه فيه، ورحّب به. وحدث أن اشترك الفضل فى مؤامرة كبرى على نظام الملك وانكشفت المؤامرة، وألقى به فى غياهب السجون، وظل الطغرائى يحفظ له صنيعه معه ويواسيه فى محنته ببعض أشعار يدبّجها فى مديحه. وكان نظام الملك حصيفا. فلم يأخذ على الشاعر شيئا من وفائه لصاحبه، وظل الطغرائى يعمل فى دواويته. كما ظل على صلته به يمدحه فى المناسبات ومن مدائحه البديعة فيه بائيتان، يشيد فيهما به وبانتصارات جيوش الدولة فى الشرق وفى الغرب على شاكلة قوله:
следующие страницы →