فمن واسطة الهند ... إلى ساحة جرجان
ومن قاصية السّند ... إلى أقصى خرّاسان
وأفريدون من ملوك الفرس الأسطوريين، وآل بهرام هم السامانيون الذى قضى عليهم محمود وامتلك ديارهم، ويسميه ابن خاقان لأنه تركى، وقد ضم إيران جميعها إلى ملكه ما عدا إقليمى فارس وكرمان، كما مر بنا فى غير هذا الموضع. ويكثر بعده مديح السلاجقة ووزرائهم، وخاصة نظام الملك، ومدّاحه يتعاقبون فى كتاب دمية القصر بالعشرات، مع أن مؤلفها الباخرزىّ توفى قبله بنحو سبعة عشر عاما، وممن ذكرهم بين مدّاحه الفيّاض الهروىّ، وله فيه وفى فتوح سلطانه ألب أرسلان فى آسية الصغرى وأسره لإمبراطور بيزنطة قصيدة بديعة، يذكر فيها جيش رومانوس الجرّار ومناه فى احتلال ديار السلطان السلجوقى، وكيف ردّ الله كيده فى نحره، فسحق جيشه سحقا، وقتل منه ما لا يحصى، وأسر الإمبراطور ووقف بين يدى ألب أرسلان ذليلا خانعا، وأهوى على الأرض يلثم التراب بين يديه. ويصوّر ذلك كله الفياض الهروى مشيدا بنظام الملك وقيادته مع ألب أرسلان لجيش المسلمين قائلا (١):
إذا ما ملوك الأرض عدّوا فإنما ... لكم كاهل المجد الأشمّ وغاربه
أحاسده مهلا فهذى سيوفه ... وهاتيك يوم المكرمات مواهبه
ويتوالى سلاطين الدولة السلجوقية ووزراؤهم ويتوالى مديحهم عند الطّغرائى والأرّجانى وغيرهما من معاصريهما. وكان وراء أمراء العصر ووزرائه كثيرون من علية القوم يخصّهم الشعراء بمدائحهم، وقد دّبّجت فيهم قصائد كثيرة.
وكانوا يهنّئون كثيرا لا بالأعياد فحسب، بل أيضا بالمواليد، وفى اليتيمة والدّمية من ذلك قصائد ومقطوعات مختلفة. وكثر فى العصر مديح الفقهاء والعلماء يمدحهم تلاميذهم ومريدوهم والمعجبون بهم، من ذلك ما أنشده الباخرزى لأبى المطهّر الأصفهانى فى أستاذه الإمام الموفق محمد بن هبة الله وكان من أئمة الشافعية فى نيسابور، وله يقول تلميذه من قصيدة طويلة (٢):
يا أيها المولى الأجلّ ومن به ... أصبحت آمن من تحصّن فى الذّرى
أنبتّنى ورعيتنى وسموت بى ... غصنا بأبكار البيان منوّرا
ولابن عنين قصيدة رائعة سيّرها من نيسابور إلى الفخر الرازى بهراة، وفيها يشيد بقضائه على البدع فى عصره، ويرفعه فوق ابن سينا وأرسطو وبطليموس درجات
стр. 2697
فى الفلسفة والطب، غير أن ابن عنين دمشقى. وعلى كل حال هو تكملة لهذه الظاهرة التى رآها فى إيران، ظاهرة مدائح التلاميذ والمريدين لشيوخهم وأساتذتهم من العلماء والفقهاء. وجدير بنا أن نقف عند ثلاثة من شعراء المديح فى تلك البيئة لتتضح لنا صورته، وهم على بن عبد العزيز الجرجانى والطّغرائى والأرّجانىّ.
على (١) بن عبد العزيز الجرجانى
من جرجان، وفد على نيسابور فى صباه، وسمع على شيوخها، وتخرّج بهم فقيها شافعيا نابها، وولى قضاء موطنه جرجان ثم ولاّه الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة وأخيه فخر الدولة قضاء الرّىّ، ثم جعله قاضى القضاة بها، وظل فى هذه الوظيفة إلى أن توفى سنة ٣٩٢ وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها، وترجم له الثّعالبى فى يتيمته فقال: «هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، ودرّة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحترى». ومرّ بنا حديث عن كتابه «الوساطة بين المتنبى وخصومه» وكيف أنه فيه يصدر عن ناقد ممتاز، بل لعله أهم ناقد ظهر فى عصره. وهو فى الكتاب يصور ثقافة واسعة بالشعر العربى قديمه وحديثه، كما يصور ذوقا شعريا مصفى. وبهذا الذوق كان ينظم أشعاره فى المديح وغير المديح، وقد روى له الثعالبى طائفة من مدائحه فى قوّاد عصره وولاة جرجان وفى شمس المعالى قابوس بن وشمكير صاحب طبرستان، وللصاحب بن عباد القدح المعلى من مدائحه من مثل قوله:
يا أيها القرم الذى بعلوّه ... نال العلاء من الزمان السّولا
قسمت يداك على الورى أرزاقها ... فكنوك قاسم رزقها المسئولا
وهى مبالغة أن يجعل الصاحب يقسم على الناس أرزاقهم، ولكنها كانت تستحبّ فى عصره، وكان كل شاعر يحاول أن يأتى منها بمعنى طريف. وكان الصاحب بحرا فياضا أغدق الصلات على زوّاره وقاصديه، وله يصف بلاغته التى عرف بها فى النثر والشعر جميعا:
سبقت بأفراد المعانى وألّفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
стр. 2698
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
وهو معنى طريف، وكانت له ملكة خصبة لا تزال تمده بالمعانى الغريبة النادرة، وكان يعرف كيف يقتنصها وكيف يوردها فى مدائحه من مثل قوله للصاحب:
لا وجفون يغضّها العذل ... عن وجنات تذيبها القبل
ما عاش من غاب عن ذراك وإن ... أخّر ميقات يومه الأجل (١)
وله فى عياداته حين يمرض قصائد بديعة، وأخرى فى تهنئته حين يبلّ من مرض ألمّ به أو حمّى نزلت بجسده، وكان يتخيلها من تلهب ذهنه وتوقد ذكائه، ومن قوله فى تهنئة له بالشفاء:
بك الدهر يندى ظلّه ويطيب ... ويقلع عما ساءنا ويتوب
وأنشد له الثعالبى قصيدة طويلة فى وصف دار الصاحب التى بناها بأصبهان وتبارى الشعراء فى وصفها على نحو ما مر فى حديثنا، كما أنشد له أيضا قصيدة فكهة فى رثاء برذون أبى عيسى بن المنجم، استهلها بقوله:
جلّ والله مادهاك وعزّا ... فعزاء إن الكريم معزّى
هى ما قد علمت أحداث دهر ... لم تدع عدّة تصان وكنزا
وكان يمزج بين الطبيعة والمديح مزجا بديعا لا يكتفى فيه بأن يجعل الطبيعة مقدّمة للمديح كما كان يصنع الشعراء كثيرا من حوله، بل يجعلها جزءا من الممدوح ومن عمله وشيمه وفكره، وكأنها صورة منه، أو كأنها مرآة له، يقول فى وصف بعض الرياض الجميلة الساحرة مادحا لأبى مضر محمد بن منصور والى جرجان:
أباتت يد الأستاذ بين رياضها ... تدفّق أم أهدت إليها سحائبا
أألبسها أخلاقه الغرّ فاغتدت ... كواكبها تجلو علينا كواكبا
أوشّت حواشيها خواطر فكره ... فأبدت من الزّهر الأنيق غرائبا
أخالته يصبو نحوها فتزيّنت ... تؤمّل أن يختار منها ملاعبا
ولعل فى ذلك ما يدل على قدرة الشاعر التصويرية، وهى قدرة تلقانا فى غزله كما تلقانا فى مديحه، على نحو ما نقرأ فى قوله يصف بعض ليالى أنسه مع منى قلبه:
وليال كأنهن أمان ... من زمان كأنه أحلام
وكأن الأوقات فيها كئوس ... دائرات وأنسهنّ مدام
стр. 2699
زمن مسعد وإلف وصول ... ومنى تستلذّها الأوهام
وواضح ما فى الأبيات من خيال دقيق، فكأنه كان يعيش فى حلم، يتعاطى خمر الأنس المسكرة، ومن قوله فى الغزل:
قد برّح الشوق بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقّه ... فإنه آخر عشّاقك
والبيتان يحملان شعورا مرهفا رقيقا، وكان إلى ذلك كله شغوفا بالعلم، يراه متعة لا تعد لها متعة، ولذلك كان يألف دائما الخلوة للقراءة فى منزله، وفى ذلك يقول:
ما تطعمت لذّة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شئ أعزّ عندى من العل ... م فما أبتغى سواه أنيسا
فلذة القراءة لا تعدلها عنده لذة، وكانت نفسه أبيّة شديدة الإباء، لا يهينها ولا يذلها فدون الذل والهوان الموت، وفيم يذل الإنسان ويهون أفى سبيل المال والغنى؟ بؤسا لهما وله إن هو اقترف فى نفسه هذه الجناية الكبرى، وفى ذلك يقول:
كأنى ألاقى كلّ يوم ينوبنى ... بذتب وما ذنبى سوى أننى حرّ
وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبينى وبين المال شيئان حرّما ... علىّ الغنى: نفسى الأبيّة والدّهر
إن مثل هذا الغنى الذى يكسبه صاحبه بالخضوع هو الفقر الحقيقى الذى يدمرّ حياة الإنسان، فتعسا لمن يطلبه عن هذه الطريق وتبّا له. وله أبيات رائعة فى عزة النفس، وخاصة عزة نفس العلماء، اشتهرت فى عصره وبعد عصره، وهو يمضى فيها على هذا النمط:
يقولون لى: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما
إذا قيل: هذا منهل قلت: قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيّرته لى سلّما
ولم أبتذل فى خدمة العلم مهجتى ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه فى النفوس لعظّما
ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتى تجهّما
وهو يصور فى الأبيات نفس العالم الحر الذى يأبى الهوان مستشعرا كرامته إلى أقصى حد، وإنه ليأبى فى شمم ما بعده شمم أن يروى من منهل قد يصيبه منه ما يؤذى نفسه،
стр. 2700
وإنه ليزدرى الطمع فى الدنيا الذى يتحول بالعالم إلى ما يشبه دوّارة الريح فهو يدور مع نفعه المهين، ناسيا أن من شأن علمه أن يجعله مخدوما لا خادما وسيدا لا عبدا ذليلا، وإلا كان الجهل خيرا منه وأكثر عائدة على صاحبه. ويحمل حملة شعواء على من يراهم حوله من العلماء صغار النفوس الذين لم يصونوا حرمة العلم بل دنّسوه ولطخوه بهوان أليم.
الطّغرائىّ (١)
هو أبو إسماعيل مؤيد الدين الحسين بن على بن محمد، الكاتب الشاعر الذى غلب عليه لقب الطّغرائى لعمله فى دواوين الطّغراء، وهى الطّرّة التى يكتبها عادة رئيس ديوان الإنشاء فى أعلى الكتب فوق البسملة بالخط الغليظ متضمنة نعوت السلطان أو الحاكم الذى يصدر الكتاب باسمه. وقد ولد بأصفهان سنة ٤٥٣ لأسرة عربية تنتسب إلى أبى الأسود الدؤلى، ولا نعرف شيئا واضحا عن نشأته ولكن ثقافته الأدبية والعلمية العميقة تدل على أنه اختلف إلى دور العلم وحلقات العلماء منذ نعومة أظفاره وأنه تثقف على أيدى جهابذة موطنه من اللغويين والفقهاء والأدباء وأصحاب الصنعة (الكيمياء) وله فيها مصنفات مختلفة (٢) ويبدو أن ملكته الشعرية استيقظت فى نفسه مبكرة، فسال الشعر على نساء، ووفد به على الرؤساء، وكان من أوائل من وفد عليهم فضل الله بن محمد صاحب ديوان الإنشاء لألب أرسلان، وأعجب به وبشعره، فعينه كاتبا فى الديوان وأوصله إلى الوزير نظام الملك فاستمع إلى مدائحه فيه، ورحّب به. وحدث أن اشترك الفضل فى مؤامرة كبرى على نظام الملك وانكشفت المؤامرة، وألقى به فى غياهب السجون، وظل الطغرائى يحفظ له صنيعه معه ويواسيه فى محنته ببعض أشعار يدبّجها فى مديحه. وكان نظام الملك حصيفا. فلم يأخذ على الشاعر شيئا من وفائه لصاحبه، وظل الطغرائى يعمل فى دواويته. كما ظل على صلته به يمدحه فى المناسبات ومن مدائحه البديعة فيه بائيتان، يشيد فيهما به وبانتصارات جيوش الدولة فى الشرق وفى الغرب على شاكلة قوله:
стр. 2701
خميس أقاصى الشرق ترزم تحته ... وترتجّ منه أخريات المغارب (١)
يلفّهم بالرّعب قبل طرادهم ... ويهزمهم بالكتب قبل الكتائب
وفى هذه الأثناء يتزوج، وما تلبث زوجته أن تتوفّى وتترك له رضيعا لا يزال يجد فى نفسه منه شجى عميقا عليها، ومراثيه فيها تفيض بالحزن المرير على شاكلة قوله:
بنفسى من غاليت فيها بمهجتى ... وجاهى وما حازت يداى من الوفر
وفزت بها من بين يأس وخيبة ... كما استخرج الغوّاص لؤلؤة البحر
فجاءت كما جاء المنى واشتهى الهوى ... كمالا ونبلا فى عفاف وفى ستر
فيا موت ألحقنى بها غير غادر ... فإن بقائى بعدها غاية الغدر
وهى مرثية بديعة، فقد أظلمت الدنيا فى عينى الطغرائى بعد زوجته الشابة الجميلة.
ولم يعد له منها سوى الأنين والدموع والزفرات، وإنه ليشيح بوجهه عن الصبر وأجره وثوابه مفضيا إلى لوعات قلبه وحسرات نفسه، إذ تركت بين جوانحه نارا لا تنطفئ، ويتوجه إليها بالخطاب نادبا لحظه العاثر، منشدا:
لآنستنا حتى إذا ما يهرتنا ... سنا-وسناء غبت غيبوبة البدر
وقد كان ربعى آهلا بك مدّة ... أحنّ إليه حنّة الطّير للوكر
وآوى إليه وهو روضة جنّة ... بدائعها يختلن فى حلل حمر
فمذ بنت عنه صار أو حش من لظى ... وأضيق من قبر وأجدب من قفر
لقد غاب عنه بدره وانقضّ وكره ودمّرت جنته وعاد يتقلب بعد أعطاف النعيم فى لظى الجحيم، وحتى مسكنه أصبح قبرا مظلما وقفرا مجدبا. ويظل يبكيها وتمر به الأيام، فيسلو عنها ويتزوج ويرزق الولد، وهو فى أثناء ذلك يعمل فى دواوين السلاجقة، ويتوفّى نظام الملك، وتضطرب به الحياة، فيتعرض لبعض الوزراء بالهجاء ولبعضهم بالمدح والثناء، وتتوثق صلته بالسلطان محمد بن ملكشاه (٤٩٩ - ٥١٢ هـ) ويصبح فى عهده نائبا فى ديوان الطّغراء أو بعبارة أخرى وزيرا للقلم والإنشاء. ونراه فى مدحة له يتحدث عن جيوشه ووقائعها مع الروم وما تلقى فى قلوبهم من فزع بمثل قوله:
خيل بأرض الرّقّتين وراءها ... نقع كمرتكم الغمام مثار
ريع العدوّ وقد أحسّ بقربها ... فالجنب ناب والرقاد غرار (٢)
وعلى خليج الرّوم منك مهابة ... من خوفها يتطامن التيّار
ولقد درى الرومىّ أنّ وراءه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار
стр. 2702
ويتحدث فى نفس القصيدة عن مقاومة السلطان محمد للباطنية الحشاشين وقضائه المبرم على ابن عطاش فى حصن «شاه دز» بقرب أصفهان واستيلائه على قلعته، على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع. ويتولى السميرمى الوزارة ويتوفى السلطان محمد ويخلفه ابنه محمود وتفسد العلاقة بين الطغرائى والوزير، ويرحل إلى بغداد وينبو به المقام فيذم فى بائية مقامه فى العراق مستهلا ذمه بقوله:
مللت ثوائى بالعراق وملّنى ... رفاقى وكانوا بالعراق طرابا
وينظم حينئذ لاميته التى اشتهرت خطأ باسم لامية العجم، وقائلها عربى كما مر بنا فى نسبه، وليس فيها أى تعصب للعجم ضد العرب، ولعلها سمّيت بذلك لأن قائلها كان يعيش فى بلاد العجم وجعلها على روىّ لامية العرب للشنفرى وقد نالت شهرة واسعة منذ عصره وشرحها الأسلاف مرارا وأهم شروحها شرح الصفدى، وموضوعها الشكوى من الزمان وأهله، شكوى لا تنكسر فيها نفسه، بل يظل له طموحه وتظل له صلابته، وتظل له فضائله التى يفخر بها، وهو يستهلّها بقوله:
أصالة الرأى صانتنى عن الخطل ... وحلية الفضل زانتنى لدى العطل
وربما أشار بالعطل إلى تعطله من وظيفته الديوانية حنيئذ، أو ربما يشير إلى ما حدث له أحيانا من هذا العطل ويهتف:
فيم الإقامة بالزّوراء لا سكنى ... بها ولا ناقتى فيها ولا جملى
ويشكو طويلا الغربة بالزوراء (بغداد) وأن لا صديق له فيها ولا أنيس سوى الوحشة وبعد الوطن والدار، مع بوار الأمانى وانعكاس الآمال. ويرحل مع صديق، ويقتربان من حىّ إضم بالقرب من المدينة، حى الحبيبة التى ضرب إليها أكباد الإبل، ولكن دونها الحماة بالسهام والبيض والسّمر، أو السيوف والرماح، والأسد رابضة حول الكناس.
ويتمنى إلمامة بالحى تبرئه من علله، بل ليتمنى الموت فى سبيل نظرة، وكل هذا رمز عن مطامحه التى لا يستطيع تحقيقها، وإنه ليصرّح بأن طالب المجد لابد له أن يغامر وأن يركب الأخطار، فإن لم يتحقق له فى بلدة طلبه فى أخرى، ويصيح:
إن العلا حدّثتنى وهى صادقة ... فيما تحدّث أن العزّ فى النّقل
ويقول إنه لا يزال يعلل نفسه بالآمال فى أن تقبل عليه الأيام ثانية. ويشكو من الدهر ومن الناس، مع شعور غير قليل بالكرامة، ومع التحذير الشديد من الأصدقاء الأدعياء قبل الأعداء. ويختم القصيدة بالدعوة إلى القناعة ورفض المناصب فكل ما على الدنيا ظل
стр. 2703
زائل، وسننشد قطعة من هذه اللامية فى حديثنا عن شعراء الحكمة والفلسفة.
ولا ندرى كيف رغب ثانية فى العمل لدى السلاجقة، إذ نراه يقصد إمارة السلطان مسعود بالموصل سنة ٥١٣ ويعيّنه وزيرا له، وتنشب الحرب بين مسعود وأخيه السلطان محمود وتدور الدوائر فى سنة ٥١٥ على مسعود وجيشه ويؤسر الطّغرائى ويقتل بتهمة الزندقة. ويبدو أن خصومه استغلوا عكوفه على الكيمياء، فاتهموه بالسحر والإلحاد، واستمع السلطان محمود إلى اتهامهم له وأمر بقتله. والشكوى كثيرة فى أشعار الطّغرائى وتكفى منها لاميته السالفة. وفى ديوانه مقطوعات غزلية كثيرة يستوحى فيها حجازيات الشريف الرضى ومهيار، ومن طرائف غزله:
يا قلب مالك والهوى من بعد ما ... طاب السلّو وأقصر العشّاق
أو ما بدا لك فى الإفاقة والألى ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا
يا حبّذا نجد وأعراق الثّرى ... لدن وأنفاس النعيم رقاق
وكان يدعو إلى مجلس الشراب أحيانا وسماع المثالث والمثانى والانتشاء بالخمر فى مباهج الربيع. وطبيعى أن يتردّد الفخر فى أشعاره، على نحو ما ترددت منه رنات فى لاميته، وله يفتخر بثقافته الواسعة وإلمامه بشتى العلوم:
أما العلوم فقد ظفرت ببغيتى ... منها فما أحتاج أن أتعلّما
وعرقت أسرار الخليفة كلّها ... علما أنار لى البهيم المظلما
واشتهر كما قدمنا بمعرفته العميقة بالصنعة أو كما نقول الآن علم الكيمياء، وله فيها أشعار يضمها مخطوط تحتفظ به مكتبة جامعة القاهرة بعنوان مفتاح الرحمة ومصابيح الحكمة، ونقل منها الدكتور على جواد الطاهر طائفة (١) تصور هذا الضرب من شعره العلمى أو التعليمى. ويكثر عند الطغرائى ومعاصريه جميعا معارضته الشريف الرضى ومهيار فى بعض قصائدهما، بل أيضا معارضته من سبقهما من الشعراء، وربما كانت لاميته السالفة أروع قصائده من حيث السبك والصياغة، ومع ذلك حاول الصفدى فى شرحه لها جاهدا أن يرد معانى أبياتها بيتا بيتا إلى سابقيه. وكان الطغرائى كشعراء عصره يتصنع لفنون البديع ولكل ما أتوا به من فنون التكلف، وفى الحق أنه كان شاعرا بارعا، وبلغ من إعجاب السابقين به وبلاميته أن عارضها منهم كثيرون، كان آخرهم البارودى فى لامية له مشهورة.
стр. 2704
الأرّجانى (١)
هو ناصح الدين أبو بكر أحمد بن محمد الأرّجانى نسبة إلى أرّجان من كور الأهواز من بلاد إقليم خوزستان، ولد سنة ٤٦٠ ويقول العماد الأصفهانى فيه: «منبت شجرته أرّجان، وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان، وهو وإن كان فى العجم مولده فمن العرب محتده، سلفه القديم من الأنصار» فهو عربى النجار، فارسى الموطن. وقد أرسل به أهله إلى المدرسة النظامية بأصفهان حين شبّ عن الطوق، فظل بها، حتى تخرج فيها فقيها شافعيا، يحسن الحكم بين الخصوم والفتيا، وتفجر الشعر على لسانه، فقصد به الوزير السلجوقى المشهور نظام الملك، منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، وظل ينظمه إلى وفاته بتستر سنة ٥٤٤ وكأنه مات عن سن عالية، وكان يفتخر بأنه فقيه ويحسن الشعر وفى ذلك يقول:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع ... فى العصر، بل أنا أفقه الشعراء
وأعدّته معرفته العميقة بالفقه لكى يشتغل بالقضاء فى موطنه ببلاد خوزستان، تارة بتستر، وتارة بعسكر مكرم عن قاضيها ناصر الدين أبى محمد ومن بعده عن عماد الدين أبى العلاء، وفى ذلك يقول:
ومن النوائب أننى ... فى مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أنّ لى ... صبرا على هذى العجائب
وكان يحسن الفارسية وترجم منها عددا من الرّباعيات، وأكثر شعره فى المديح، ونراه كما مر بنا يمدح نظام الملك حتى إذا خلفه الوزير تاج الملك مدحه بلامية يقول فيها:
كم موقف دون العلاء وقفته ... والخيل بالأسل الطّوال تصول
ونراه يمدح وزراء بركياروق حين استولى على صولجان الحكم بعد أبيه ملكشاه، وفى مقدمتهم الوزير الدهقانى وفيه يقول:
فأتى به العصر الأخير وقصّرت ... عن شأوه وزراء كلّ الأعصر
ويظلّ على صلة وطيدة بسلاطين السلاجقة، يروح إليهم ويغدو بالمدائح، وله فى السلطان محمود مدائح مختلفة، من مثل قوله:
стр. 2705
أعلى السلاطين فى يومى ندى ووغى ... رأيا وأفضلهم سرّا لإعلان
ويمدح وزيره السميرمى الذى يقول فيه ابن الأثير كان ظالما كثير المصادرة للناس سيئ السيرة، ولعله اضطرّ إلى مديحه خوفا من بطشه به كما بطش بالطّغرائى، وله يقول فى بعض مديحه.
وأنقذت دين الله من شرّ مارق ... وكان كشلو بين نابيه ناشب
وخصّ معين الدين أحمد بن الفضل وزير السلطان سنجر بمدائح كثيرة، وصلته به قديمة منذ كان على ديوان الإنشاء للسلطان محمد، وله يقول:
أحلّك سلطان السلاطين رتبة ... يضيق بها ذرع الحسود المساجل
وكان يزور بغداد كثيرا ويمدح خلفاءها ووزراءها، وله فى الخليفة المستظهر (٤٨٥ - ٥١٢ هـ) غير مدحة، ونراه يلجج فيما لجج فيه قديما مروان بن أبى حفصة وغيره من شعراء العصر العباسى الأول حين كانوا يتحدثون عن شرعية الخلافة وأن العباسيين أولى بها من العلويين لأن العم يرث ابن أخيه ولا يرثه ابن العم، ويزعم الأرّجانى أن الرسول ﵇ بشّر بها عمه وأنها تكون فى أبنائه، يقول:
بكم قديما رسول الله بشّرنا ... كما به بشّرتنا سالف النّذر
وقال من بعد للعباس فى ملأ ... افخر فأنت أبو الأملاك فى مضر
وولى المسترشد (٥١٢ - ٥٢٩) فظل يقدم إليه مدائحه، واصفا له بالبأس والشجاعة والإقدام محذّرا أعداءه من جيوشه وما تدمّر وتحطم وتسحق كل من يقف فى طريقها سحقا. وبالمثل يمدح وزراء بغداد وفى مقدمتهم بنو جهير، وفيهم يقول:
لله درّ بنى جهير إنهم ... جهروا بدين المجد حتى أعلنا
ونوّه طويلا بجلال الدين بن صدقة وبأنوشروان بن خالد، وله فيه نحو عشرين مدحة يتحدث فيها عن كرمه وشجاعته وعلمه وعدله ومواكبه. كما نوه أيضا طويلا بالوزير سديد الدولة محمد بن عبد الكريم، وله يقول فى بعض مدائحه:
أمين أمير المؤمنين الذى اصطفى ... وسهم أمير المؤمنين المسدّدا
وله غزليات رقيقة، وهى مطبوعة مثل غزليات الطغرائى بطوابع الشريف الرضى ومهيار، ونقصد الطوابع البدوية ومن طريف غزلياته:
أأحبّتى الشاكين طول تغيّبى ... والذاهبين على الهوى فى مذهبى
ما جبت آفاق البلاد مطوّفا ... إلا وأنتم فى الورى متطلّبى
سعيى إليكم فى الحقيقة، والذى ... تجدون منى فهو سعى الدّهر بى
стр. 2706
أنحوكم ويردّ وجهى القهقرى ... سيرى، فسيرى مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى له ... والسير رأى العين نحو المغرب
تالله ما صدق الوشاة بما حكوا ... أنى نسيت العهد عند تغّربى
والأبيات تحمل معانى وصورا دقيقة تصور شاعرية الأرجانى وأنه كان يعرف كيف يطرف بصوره ومعانيه، مما جعل القدماء يشيدون به، ومن معانيه الغريبة:
رثى لى وقد ساويته فى نحوله ... خيالى لمّا لم يكن لى راحم
فدلّس بى حتى طرقت مكانه ... وأوهمت إلفى أنه بى حالم
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة ... أنا ساهر فى جفنه وهو نائم
وهو بعد فى الخيال والتصوير إلى درجة مفرطة من الوهم، وكان مثل الطغرائى يشكو من الزمن ومن الناس، وقلما نجد شاعرا فى هذا العصر لا يشكو، ومن شكواه قوله:
ولما بلوت الناس أطلب عندهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطلعت فى حالى رخاء وشدّة ... وناديت فى الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءنى غير شامت ... ولم أر فيما سرّنى غير حاسد
تمتعتما يا ناظرىّ بنظرة ... وأوردتما قلبى أمرّ الموارد
أعينىّ كفّا عن فؤادى فإنه ... من البغى سعى اثنين فى قتل واحد
فحتى عيناه لا ترحمانه بما تدلعان فى قلبه من جحيم الفتنة بالجمال. وله رباعيات كثيرة غير أنه فيها شديد التكلف، وقد نظم فى مديح أنوشراون قصيدة تشتمل على ثمانين رباعية. ومن باب هذا التكلف أو التصنع عنده إظهار قدرته فى نظم بيت يقرأ طردا وعكسا مثل قوله:
أحبّ المرء ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم
مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم
فالبيت الثانى يقرأ عكسا من آخره إلى أوله كما يقرأ من أوله إلى آخره، ونجد عند الأرجانى أرجوزة يمكن أن تقرأ لا على قافيتين فحسب، بل على أربع قواف، وهى تدل على مقدرة لغوية أكثر منها على مقدرة فنية خالصة. ولعل فى كل ما أسلفنا ما يوضح شخصية الأرجانى الشعرية.
стр. 2707
٤ - شعراء المراثى
نشط الرثاء طوال هذا العصر، فلم يمت سلطان ولا أمير ولا وزير ولا قائد إلا رثاه الشعراء، وخاصة إذا كان شخصا خطيرا له تاريخ مجيد أو أعمال مجيدة، وانضم إلى ذلك كرم فياض، على نحو ما هو معروف مثلا عن الصاحب بن عباد الذى كان غيثا مدرارا للشعر والشعراء، فأتوه من كل فجّ، حتى قيل إن من مدحوه بلغوا المئات، ونرى الثعالبى فى يتيمته يتوقف مرارا ليذكر لنا بعض الأشعار التى قيلت فى مديحه، وبالمثل الأخرى التى قيلت فى رثائه، من ذلك قول أبى سعيد الرستمى (١).
أبعد ابن عبّاد يهشّ إلى السّرى ... أخو أمل أو يستماح جواد
أبى الله إلا أن يموتا بموته ... فما لهما حتى المعاد معاد
وحمل تابوته من الرّىّ إلى أصفهان، ودفن فى محلة تعرف بباب دزيه، وتبارى الشعراء على قبره يرثونه، وتقدّم أبو منصور أحمد بن محمد اللّجيمىّ ينشد معبرا عنه بلقبه: «كافى الكفاة (٢)»:
ثوى الجود والكافى معا فى حفيرة ... ليأنس كلّ منهما بأخيه
هما اصطحبا حيّين ثم تعانقا ... ضجيعين فى قبر بباب دزيه
ومرّ بنا الحديث عن محمود الغزنوى وفتوحه فى إيران والهند وملازمته للجهاد ونشر الإسلام، وكان مثقفا وطلب-كما مر بنا-إلى بلاطه العلماء والأدباء، وأقبلوا عليه يصنّفون له كثيرا من الكتب فى فنون العلوم، وقصده الشعراء من جميع البلدان فى إيران، فكان يسبغ عليهم كثيرا من عطاياه، فلما توفى بكاه غير شاعر، وفى مقدمتهم أبو على الحسن بن محمد الدّامغانى، وفيه يقول (٣):
مضى الأفعوان الصّلّ والأسد الورد ... وتاج ملوك الأرض والفارس النّحد
ولم أدر أن الشمس يسترها ثرى ... ولا الفلك الأعلى يغيّبه لحد
وأحسّ الشعراء هذا الإحساس بالخسارة الكبيرة إزاء نظام الملك الوزير السلجوقى المشهور، الذى عمّ العلماء والشعراء ببرّه، وألّفت باسمه مصنفات كثيرة، وكان مجلسه
стр. 2708
يغصّ دائما بالفقهاء والقرّاء والأدباء، فلما توفى أكثر الشعراء من رثائه، ومن جيّد ما قيل فيه قول ختنه شبل الدولة مقاتل بن عطية (١):
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها، غيرة منه، إلى الصّدف
وظاهرة جديدة فى الرثاء لهذا العصر، قد تكون لها مقدمات فى العصر العباسى، ولكنها شاعت إلى أقصى حد حينئذ، ونقصد رثاء الفقهاء والعلماء فى كل فن، فلم يتوفّ عالم كبير إلا تبارى تلاميذه وغير تلاميذه فى رثائه، فمن ذلك رثاء أبى الحسن عبد الرحمن البوشنجىّ لأبى عثمان الصابونى شيخ الإسلام بخراسان، وفيه يقول (٢):
أودى الإمام الحبر إسماعيل ... لهفى عليه فليس منه بديل
بكت السما والأرض يوم وفاته ... وبكى عليه الوحى والتّنزيل
والشمس والقمر المنير تناوحا ... حزنا عليه وللنّجوم عويل
ومن يرجع إلى طبقات الشافعية للسبكى سيجد من هذا الرثاء للفقهاء والمحدّثين وأئمة الإسلام كثيرا، وبالمثل من يرجع إلى كتب الشعراء مثل اليتيمة ودمية القصر وكتب التراجم مثل وفيات الأعيان لابن خلّكان ومعجم الأدباء لياقوت، من ذلك قول أبى الفرج حمد بن محمد الهمذانى فى رثاء الشيخ الإمام أبى محمد الجوينىّ (٣):
علوم علت أعلامها غبراتها ... وأعين أعيان طغت عبراتها
وأفلاذ أكباد من الفضل فتّتت ... فدلّت على تفتيتها زفراتها
تداعت مبانى الدين وانهدّ ركنه ... وهدّم من أطواده صخراتها
وبلغ ابنه إمام الحرمين أبو المعالى عبد الملك الجوينى من الشهرة العلمية ما لعل أباه لم يبلغه غزارة مادة وتفننا فى العلوم من الأصول والفروع. ولما توفى أغلقت الأسواق فى نيسابور إجلالا له وتكرمة، وكسر منبره فى الجامع وقعد الناس لعزائه، كما يقول ابن خلكان، وأكثروا فيه من المراثى، كقول بعض تلاميذه (٤):
قلوب العالمين على المقالى ... وأيام الورى شبه الليالى
أيثمر غصن أهل العلم يوما ... وقد مات الإمام أبو المعالى
ونجد بين أساتذة الزمخشرى أستاذا مغمورا درس عليه النحو، يسمى أبا مضر
стр. 2709
منصورا، ومع ذلك نراه-حين يلبىّ نداء ربه-يتأثر عليه تلميذه تأثرا عميقا، فيرثيه بقوله (١):
وقائلة: ما هذه الدّرر التى ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت هو الدرّ الذى كان قد حشا ... أبو مضر أذنى تساقط من عينى
وهى صورة بديعة، فدرر دموعه ثمرة سماعه على أستاذه، أودعها الزمخشرى فى سمعه فجرت من مدمعه.
وعلى نحو ما تفجعوا على العلماء وبكوهم بدموع غزار تفجعوا على أبنائهم وأمهاتهم وآبائهم وللباخرزى رثاء لأبويه، ولأبى الحسن الحسينى البلخى رثاء جيد لأمه (٢).
ومرّ بنا عند الطغرائى رثاؤه لزوجته التى ماتت فى ريعان الشباب، وفى ديوانه مرثية لها قافيّة، يصور فيها الموت وهو يقبض كفها ويرسلها وعيناها ساهمتان مطرقتان، وقد أخذ الحزن منه كل مأخذ، يقول:
ولم أنسها والموت يقبض كفّها ... ويبسطها والعين ترنو وتطرق
هلال ثوى من قبل أن تمّ نوره ... وغصن ذوى فينانه وهو مورق
ويصف زيارته لقبرها وعناقه لأحجاره وترابه والأرض تدور به، وهو لا يكاد يصدّق أنها ماتت أو أن بينه وبينها حجابا صفيقا، والدموع تنهلّ على خديه، وكلّه حسرات ولوعات.
ومرّ بنا فى كتابى العصر العباسى الأول والثانى بكاء الشعراء للمدن، حين تنزل بها صواعق النهب والحريق، فقد بكوا بغداد لعهد الأمين والمأمون، وبكوا البصرة حين هجم عليها الزنج فى أواسط القرن الثالث ودمّروا مساكنها وفتكوا بأهلها. وكانت كارثة هذا العصر أعظم وأطمّ، ونقصد تدمير المغول لبغداد فى سنة ٦٥٦ إذ قتلوا من أهلها نحو مليون أو يزيدون، وأشعلوا بها الحرائق وأعملوا النهب حتى فى الكتب والمكتبات، وكان ذلك دمارا فظيعا لما كان بها من حضارة عربية وحركة علمية، أو قل كان ذلك أفولا لنجمها الذى طالما تألق فى سماء البلاد العربية جميعا، وطبيعى أن نجد من شعراء إيران من يبكون المدينة العظيمة، وفى مقدمة من بكاها منهم الشيخ سعدى الشيرازى المتصوف الفارسى المشهور المتوفى سنة ٦٩١ عن نحو مائة سنة، وهو يشتهر بكتاباته الصوفية الفارسية التى يمثلها كتاباه: جلستان وبوستان، غير أشعار فارسية وعربية
стр. 2710
كثيرة، وقصيدته (١) فى دمار بغداد أكثر من تسعين بيتا استهلّها بقوله:
حبست بجفنىّ المدامع لا تجرى ... فلما طغى الماء استطال على السّكر (٢)
ويتمنى لو مر به نسيم صبا بغداد فأحيا نفسه، ويصور حزن مدرسة المستنصرية على علمائها الراسخين فى العلم وكيف تبكى المحابر أئمتها وجهابذتها، وهو يندب ويبكى ويذرف الدموع، ولا يطيق صبرا ولا سلوانا قائلا:
أيا ناصحى بالصّبر دعنى وزفرتى ... أموضع صبر والكبود على الجمر
ويقول تحولت دجلة دما قانيا، ويرثى الخليفة الشهيد: المستعصم والشهداء الأبرار ويهنئهم بالفردوس، ويتحدث عن سبايا المسلمين، والمغول يسوقونهن فى الصحراء.
والقصيدة كلها تفجع وتحسر على مصير بغداد ذات التاريخ العربى المجيد وكيف وقعت فريسة لذئاب المغول الكاسرة.
ولم نتحدث حتى الآن عن مراثى الشيعة للإمام على بن أبى طالب والحسين، ولا ريب فى أنها كانت كثيرة، إذ انتشر التشيع فى إيران منذ عصر بنى بويه، واعتاد الشيعة أن يعقدوا سنويا مأتما كبيرا فى يوم عاشوراء حدادا على الحسين وذكرى حزينة لاستشهاده، وكان الشعراء يرثون الحسين فى تلك الذكرى القاتمة مراثى كلها أنين وزفرات. ونشر الشيخ محمد آل ياسين للصاحب ديوانا وفيه غير قصيدة فى رثاء الحسين، ونراه يألم ألما شديدا لهذه الجريمة البشعة، التى مثّل فيها بحفيد رسول الله ﷺ ، وهو يكرر فى مراثيه الأنين والبكاء والدمع المدرار. وله شعر كثير فى فضائل على بن أبى طالب يدخل فى الشعر الشيعى بعامة، وفيه يتحدث عن نظرية الوصية بالإمامة لعلى بن أبى طالب المعروفة عند الشيعة الإمامية وعن سابقته فى الإسلام وحروبه المظفرة وحقوقه فى الخلافة.
ويكثر الحديث عند الشيعة عن الإمام محمد المهدى المختفى ورجعته ليرد حق أسرته الضائع ويعيد سنن الشريعة. والأشعار المتصلة به تغرق لا فى الرثاء، بل فى المديح، مثل الأشعار المتصلة بالإمام على، ويسمونه صاحب الزمان أو قائم الزمان، وخير قصيدة تصوره قصيدة بهاء الدين العاملى المتوفى سنة ١٠٣٠ للهجرة، وهو فيها يسميه حجة الله وخليفته وظله (٣). ونتوقف قليلا عند شاعر شيعى من شعراء الرثاء.
стр. 2711
أبو الحسن (١) على بن أحمد الجوهرىّ الجرجانىّ
نشأ بجرجان، واجتذبه الصاحب بن عباد إلى حضرته فيمن اجتذبهم من أدباء عصره وشعرائه، ونراه يقرّبه منه ويرفع مكانته عنده. ويتخذه فى ندمائه. وتستهل ترجمته فى اليتيمة برسالة كتبها إلى أبى العباس الضبى نائب الصاحب فى أصبهان يشيد فيها به، ويقول إنه يحسن الشعر فى اللسانين العربى والفارسى كما يحسن النثر. ويترك أصبهان إلى جرجان فلا تطول به الأيام، كما يقول الثعالبى، حتى يلبّى نداء ربه، ويقول من ترجموا له إنه توفى سنة ٣٨٠. ولا يذكر له الثعالبى شيئا من شعره الشيعى ولا من رثائه للحسين، ومما يروى له فى بكاء الحسن قوله:
أهل الكساء صلاة الله نازلة ... عليكم الدهر من مثنى ووحدان
أنتم نجوم بنى حوّاء ما طلعت ... شمس النهار وما لاح السّماكان
ويشير الجوهرى بفكرة الكساء إلى ما يروى عند الشيعة من أن الرسول ألقى عليه وعلى السيدة فاطمة والإمام على والحسن والحسين كساء، وقال: نحن أهل البيت. . ويشير الجوهرى فى القصيدة إلى مقتل الحسين وسباء كل من كانوا معه من أهله، وله مرثية أخرى للحسين يبدؤها بالحديث عن يوم عاشوراء يوم مقتله باكيا نادبا قائلا:
يا أهل عاشور يالهفى على الدين ... خذوا حدادكم يا آل ياسين
اليوم قام بأعلى الطّفّ نادبهم ... يقول من ليتيم أو لمسكين
يا عين لا تدعى شيئا لغادية ... تهمى ولا تدعى دمعا لمحزون
يا آل أحمد إنّ الجوهرىّ لكم ... سيف يقطّع عنكم كلّ موضون (٢)
والأبيات تصور المأساة تصويرا محزنا ملتاعا. والطف هو الموضع الذى استشهد فيه الحسين، والجوهرى لا يرقأ دمعه، بل هو يتمنى أن تسيل من عينيه دموع لا تكفّ ولا تجفّ، لما نزل بآل أحمد أو آل ياسين أهل البيت النبوى الطاهر.
وينشد الثعالبى للجوهرى أشعارا كثيرة تتصل بمدحه للصاحب ولسلطانه فخر الدولة ولنائبه أبى العباس الضبى ولبعض الوجهاء، كما تتصل بالغزل وبتصوير بعض الأطعمة وبهجاء بعض الأشخاص، وله خمريات طريفة يمزجها بالحديث عن الطبيعة، كقوله فى
стр. 2712
دعوة بعض أصدقائه إلى الصّبوح:
شجر مدنف وجوّ عليل ... وصباح يميل كالنّشوان
صاح إن الزمان أقصر عمرا ... أن يراع المنى بصرف الزمان
رقّ عنى ملاحف الليل فانهض ... برقيق من صوب تلك الدّنان
كعصير الخدود فى يقق الأو ... جه أو كالدموع فى الأجفان (١)
ويبدو من هذه الخمرية ميله إلى الدقة فى التصوير، وأنه كان يحاول الإطراف بأخيلته، وأن يأتى بصور مبتكرة، على شاكلة قوله:
صكّ النسيم فراخ الغيث فانزعجت ... ينفضن أجنحة من عنبر الزّغب
ويقول الثعالبى: لو لم يقل إلا هذا البيت لكان أشعر الناس، وهو فيه يصور زغب الثلوج المتساقط كشعيرات الريش المتطايرة.
٥ - شعراء الهجاء والفخر والشكوى
ظل الشعراء يريشون سهام الهجاء فى هذا العصر كما كانوا يريشونها فى العصور السابقة، تارة يسدّدها بعضهم إلى صدور بعض، وتارة يسددونها إلى السلاطين والوزرا وعلية القوم، وقد تسدّد إلى أكثر هؤلاء جودا وكرما، لمجرد أنه تأخر فى جائزة شاعر، أو لأنه أعطى شاعرا جائزة دون جائزة شاعر آخر، أو لأنه أسخطه لأى سبب من الأسباب. ومرّ بنا أن الصاحب بن عباد وزير بنى بويه كان ينهال عليه المديح انهيالا لكثرة ما كان يغدقه على الشعراء، حتى يقال إنه وفد عليه منهم مئات، ومع ذلك كان لا يسلم من ألسنة بعضهم مثل أبى العلاء الأسدى، وكان كما يقول الثعالبى قديم الصحبة له، شديد الاختصاص به، ممتد الغرّة والتحجيل فى شعرائه وصنائعه وندمائه. وكان يودّه ويأنس به ويكاتبه نثرا ونظما. وإليه كتب: «أبا العلاء شيخى أين ذلك الميعاد؟ وأين تلك العهود سقتها العهاد (الأمطار). . وأين كتبك التى هى ألذ من انتهاء النفس إلى رجائها، وابتداء العين فى إغفائها». ويبدو أن أبا العلاء لم يرتض من الصاحب أمرا أو شيئا يوما، فأسرع يهجوه بقوله (٢):
стр. 2713
إذا رأيت مسجّى فى مرقّعة ... يأوى المساجد حرّا ضرّه بادى
فاعلم بأن الفتى المسكين قد قذفت ... به الخطوب إلى لؤم ابن عبّاد
وهو يصفه باللؤم، ويصغّر من جوده الذى شاع عنه فى سخرية مرة. وانتقم للصاحب من أبى العلاء الأسدى زميل له من الشعراء يسمّى عبدان الأصبهانى جعله عرضة وهدفا لأهاجيه، ومن قوله فيه (١):
أبا العلاء اسكت ولا تؤذنا ... بشين هذا النسب البارد
وتدّعى فى أسد نسبة ... لا تثبت الدعوى بلا شاهد
أقم لنا والدة أوّلا ... وأنت فى حلّ من الوالد
وهى سخرية لاذعة. ومن كبار الهجائين فى أوائل العصر الشاعر المسمى أبا الحسن اللّحام، وفيه يقول الثعالبى: لم يسلم أحد من الكبراء والوزراء والرؤساء من هجائه إياه، وكان لا يهجو إلا الصدور، وفى مقدمتهم البلعمى وزير السامانيين وفيه يقول (٢):
وزارة البلعمىّ منقلبه ... وهو كقفل غدا على خربه
لم يرع للأولياء حرمتهم ... فيها ولا للوجوه والكتبه
فهو أحقّ الورى بداهية ... تضحى لها رأسه على خشبه
وهو يريد له أن يصلب ويصبح مثلة للناظرين، وكان عبدان آنف الذكر يستثيره كثيرا فما زال يفكر فى أن يورد عليه هجاء شديد الإيلام، وهداه طول تفكيره إلى قوله فيه (٣):
عبدان هامته للصّفع معتاده ... لا سيّما من أكفّ السادة القاده
كأنّ أيدى النّدامى فى تناولها ... أيدى صيام إلى كيزان برّاده
والبرّادة: إناء يبرّد الماء. وكان السخط على السلاطين والملوك يبلغ أحيانا عند بعض الشعراء حدّا يجعلهم يعمّونهم به غير مفرقين بين مصلح وفاسد، فإذا هم يهجونهم جميعا على شاكلة يوسف بن محمد الجلودى الرازى فى قوله (٤):
لا يصحبنّ ملوكنا إلا امرؤ ... لصّ مغنّ مفلس قوّاد
فله لديهم زلفة ومنالة ... ولمن تحرّج واستعفّ كساد
والبيتان يمسخان الملوك حينئذ مسخا. وكانوا كثيرا ما يهجون البلدان وأهلها، ويخيل إلى الإنسان أنهم لم يتركوا بلدة إلا سلّطوا عليها سهام هجائهم، وقد يتعرضون لصفة فى
стр. 2714
الشخص ذميمة، فيهجونه بها، كصفة الحمق، ولابن حسول يهجو المتكبرين عليه (١):
دخلت على الشيخ فيمن دخل ... فغربل عصعصه وانتحل (٢)
وأظهر من نخوة الكبريا ... ء ما لم أقدّر وما لم أخل
فقلت له مؤثرا نصحه ... وقد يقبل النّصح ممن نخل
إذا كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخلّ
أخلّ بحقّ دهاة الرّجال ... فمازال يصفع حتى أخلّ
وهو يصور هذا الشيخ المتكبر المتعجرف، وقد دخل عليه فلم يقم له، وكأنما همّ أن يرفع نفسه وعصعصه أو مؤخرته، ثم تخلّى عن ذلك وتمكّن من مجلسه، فعرف أنه متكبر متعاظم، وهو ما لا يكاد يظنه، فحاول أن ينصحه نصيحة من نخل القول وعرف صوابه وخطأه، وتعرض له قائلا إن كنت سيدنا حقا سدتنا دون حاجة إلى كبرياء وإلا فخلّ عنك، غير أنه لم يستمع نصحه فمازال يصفع، حتى أصابه الخلل.
وكان الفخر فى هذا العصر يرافق الهجاء كما رافقه فى العصور السابقة، وقلما يحسن الشعر أمير أو وزير أو قائد إلا وهو يفتخر بنفسه، وفى كتاب اليتيمة فصل خاص بسلاطين بنى بويه، ونجد أشعارهم موزعة بين الفخر والغزل والخمر. ويلقانا فخر كثير للشعراء، وكثيرا ما يسوقون فخرا لهم بأشعارهم وجودتها وبلاغتها، من مثل قول على بن عبد العزيز الجرجانى الذى ترجمنا له بين شعراء المديح (٣):
ألا إننى أرمى بكلّ بديعة ... يبتن بألباب الرّجال لواعبا
تسير ولم ترحل، وتدنو وقد نأت ... وتكسب حفّاظ الرجال المراتبا
ترى الناس إما مستهاما بذكرها ... ولوعا وإما مستعيرا وغاصبا
فأشعاره كلها-فى رأيه-بدائع وطرائف، تنتشر فى الناس حتى أقاصى الأرض، لكثرة رواتها والمعجبين بها، ويتداولها الشعراء ويغيرون على معانيها المبتكرة. وكثر الفخر فى العصر عند العلماء بسعة المعرفة وغزارة المحصول والتعمق فى الأفكار والنفوذ إلى أغوارها البعيدة.
وشاعت مع الفخر الشكوى من الدهر ومن الناس، وهى شكوى قديمة، غير أنها اتسعت فى هذا العصر سعة شديدة، لما شاع فيه من كثرة البؤس والضنك فى حياة
стр. 2715
الشعب، فضلا عن الشعراء. ودائما يتضاعف إحساس الشاعر ببؤسه حين لا تصله الجوائز الكبيرة، وحين يجد من بعض الناس إعراضا عن شعره، فتظلم الدنيا فى عينيه، ويراها سوادا فى سواد وظلاما وحرمانا لا آخر له. ومثله العالم الفاضل الذى يرى علمه كاسدا، وأنه لن يروج إلا إذا لثم التراب وقبّل الأبواب، فبؤسا للعلم يكون هذا جزاءه، وبؤسا للشعر يكون هذا ثوابه. ويصور ذلك من بعض الوجوه عبد القاهر الجرجانى صاحب كتابى دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وهما أروع ما صنّف فى البيان العربى، وكان مقصد الطلاب فى عصره من كل فجّ، ومع ذلك يرى عشرات من دونه يعلونه فى نعيم الحياة مخلّفين له البؤس والشظف، مما جعله يهتف بمثل قوله (١):
هذا زمان ليس في ... هـ سوى النّذالة والجهاله
لم يرق فيه صاعد ... إلا وسلّمه النّذاله
واقرأ فى اليتيمة ودمية القصر والخريدة فستجد سيول هذه الشكوى تتدافع من كل جانب. وكثيرا ما كان يحدث لأمير أن يسلب سلطانه كما كان يحدث ذلك للوزراء، فكان منهم من ينظم الشعر يودعه شجونه، ومرت بنا مأساة قابوس بن وشمكير صاحب طبرستان إذ عزلته عن سلطانه حاشيته وألقت به فى غياهب السجون بإحدى القلاع حتى مات لوعة من شدة البرد وأسفا على ضياع سلطانه، وكان شاعرا كما كان كاتبا، فمضى يشكو شكوى مرة من الناس دون أن تنكسر نفسه، بل مع غير قليل من الصلابة، على شاكلة قوله (٢):
قل للذى بصروف الدّهر عيّرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقرّ بأقصى قعره الدّرر
فإن تكن عبثت أيدى الزمان بنا ... ومسّنا من تمادى بؤسه ضرر
ففى السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
وقد تتحول الشكوى من الزمان وأهله إلى ضرب من التشاؤم الشديد، فالزمان كله بؤس وتعاسة، والناس ليس فيهم فاضل ولا كريم، بل كلهم أخسّاء أنذال، حتى ليقول الفضل بن إسماعيل التميمى الجرجانى (٣):
ما فى زمانك ماجد ... لو قد تأمّلت الشواهد
فاشهد بصدق مقالتى ... أو لا فكذّبنى بواحد
стр. 2716
فهو لا يرى فى الدنيا ما جدا واحدا، وكأنما الناس كلهم أشرار، ليس فيهم من تجد عنده شيئا من العون يملأ القلب رضا وطمأنينة، بل جميعهم يملأون القلب حسرة ولوعة. ونقف عند شاعرين من شعراء العصر هما الخوارزمى والأبيوردى.
أبو بكر (١) الخوارزمىّ
أصله من طبرستان ومولده ومنشؤه خوارزم، وهو ابن أخت محمد بن جرير الطبرى صاحب التاريخ المعروف، وقد فارق موطنه فى ريعان شبابه، وأقام بالشام مدة. وهو أحد الشعراء والكتاب المجيدين فى عصره، وأيضا أحد أساتذة الأدب ورواته، رحل إلى الشام والعراق وبخارى ونيسابور وسجستان، ثم قصد الصاحب بن عباد، فأكرمه وأعلى منزلته، وغمره بما كان سببا لثرائه وارتياشه، فعاد إلى نيسابور واستوطنها واقتنى فيها عقارا وضياعا، وكان لا يزال يأتيه رسم أو راتب من قبل الصاحب منذ انصرافه عن حضرته.
وكان ذلك سببا فى أن يتعصب تعصبا شديدا للبويهيين ضد السامانيين أصحاب نيسابور وبخارى، وناله من ذلك بعض السوء، لولا توسط الصاحب بن عباد له عند بعض وزرائهم. وكان شيعيّا وكانت نيسابور سنية، فاستوحش منه كثيرون وانتهزوا فرصة وفود بديع الزمان الهمذانى على بلدتهم، فعقدوا مناظرة بينهما انتصروا فيها للبديع، وتصادف أن توفّى الخوارزمى عقبها سنة ٣٨٣ فصفا الجو لمنافسه. وقد خلّف الخوارزمى ديوان رسائل كبير وهو مطبوع، وخلف أيضا ديوان شعر سقط من يد الزمن، غير أن فى كتاب اليتيمة طائفة كبيرة من أشعاره فى النسيب والغزل والمديح والمراثى وفى فنون مختلفة فى مقدمتها الهجاء، وكان طبيعيا أن يصبّه سياطا على ظهور السامانيين حين استخرجوا منه، أو صادروا، بعض ماله وزجّوا به فى سجونهم، وأفرجوا عنه، غير أنه مضى ينتقم منهم بمثل قوله:
جزى الله عنى أهل سامان ما أتوا ... وفى الله للثأر المضيّع طالب
هم زوّجونى الهمّ بعد طلاقه ... وذلك عرس للمآتم جالب
وأنحوا لزرعى بالحصاد وأنضبوا ... مياها لها أيدى سواهم مذانب
أتحصد أيديكم ويزرع غيركم ... فأنتم جراد والملوك سحائب
فهم يحصدون ما زرعه آل بويه ووزراؤهم، ويأكلونه نارا، وكأنهم جراد منتشر
стр. 2717
يصيب البلاد بالخراب والوبال بينما البويهيون سحائب غيث منهلة. تروى من يعيشون فى بقاعهم القريبة وفى بقاع السامانيين البعيدة وغير السامانيين. وبحكم تشيعه كان غاضبا على الخلفاء العباسيين السنيين، غير أنه اكتفى فى هجائهم بالإشارة إلى صنيعهم السيئ فى توزيع الألقاب على السلاطين والوزراء والقواد ومن يستحق ومن لا يستحق، يقول:
مالى رأيت بنى العبّاس قد فتحوا ... من الكنى ومن الألقاب أبوابا
قلّ الدراهم فى كفّى خليفتنا ... هذا فأنفق فى الأقوام ألقابا
ولا شك فى أنها تدل على ما أصاب المجتمع فى إيران وغير إيران من تدهور، وكان يغيظ الخوارزمى الشيعى المتعصب لتشيعه الغالى فى تعصبه أن يرى أحيانا فقيها يلقن ابنه مبادئ أهل السنة الذين يسميهم المتشيعة ناصبية فيدّعى عليه أنه من القائلين بالجبر ويهتف.
مجبر صيّر ابنه ناصبيّا ... مجبرا مثله وتلك عجيبه
والمجبر الذى يقول بالجبر وأن الإنسان لا حرية له فى فعله ولا اختيار وأنه مسير كريشة فى يد القدر يوجهه كيف شاء. وأسخطه طاهر بن شار الطبرستانى، فتولاه بهجاء مقذع من مثل قوله:
لله فى كل ما قضاه ... لطائف تحتها بدائع
سبحان من يطعم ابن شار ... ويترك الكلب وهو جائع
وهو إقذاع مرير، فقد جعله دون الكلب وأقلّ منه، وحتى يد الصاحب بن عباد الذى طالما أسبغ عليه من نواله، بل لقد جعل له راتبا معلوما، كما قدمنا، يصله فى نيسابور، نجده يخدشها بل يعضّها ويسيل الدم منها بأظفار هجائه، ويبدو أنه لم يرض منه يوما لقاء له، فإذا هو يذمه ذمّا قبيحا قائلا:
لا تحمدنّ ابن عباد وإن هطلت ... يداه بالجود حتى أخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطى ويمنع لا بخلا ولا كرما
فعطاياه التى طبّقت الشعراء فى إيران وغير إيران إنما هى وساوس وهواجس تلمّ به أحيانا. وهو كفران شديد للمعروف، وكأنها طبيعة للخوارزمى أن لا يستطيع احتمال الصبر وأن يلجأ سريعا إلى قلمه وشعره، ويحيله سوط عذاب ينزل به حتى على ولىّ نعمته. ونراه يتابع سخطه على من يريد هجاءهم حتى بعد وفاتهم كقوله فى رثاء صديق، حدث بينهما ما يوجب شيئا من العتاب، فإذا هو يضخم عتابه ويحيله هجاء قائلا:
بكيت عليك بالعين التى لم ... تزل من سوء فعلك بى تجود
стр. 2718
فها أنا ذا المهنّا والمعزّى ... وها أنا ذا الشقىّ بك السعيد
وما أصبحت إلا مثل ضرس ... تآكل فهو موجود فقيد
ففى تركى له داء دوىّ ... وفى قلعى له ألم شديد
وطبيعى لمثل الخوارزمى الذى كان ينشب أظفاره فى الحكام والأصدقاء والناس أن يتبرم بهم جميعا وبدنياه وبالدهر، حتى ليقول:
لا تشكر الدهر لخير سبّبه ... فإنه لم يتعمّد فى الهبه
وإنما أخطأ فيك مذهبه ... كالسّيل إذ يسقى مكانا خرّبه
وله وراء ذلك كله مدائح فى البويهيين والصاحب وغيرهم وله غزليات وخمريات ووصف للطبيعة وورودها ورياحينها. وفتح الثعالبى له فصلا طويلا لبيان تضميناته أشعار غيره فى شعره، وهم يمتدّون على الحقب من العصر الجاهلى حتى عصره.
الأبيوردىّ (١)
هو أبو المظفر محمد بن أحمد، من أبناء معاوية بن محمد حفيد عنبسة بن أبى سفيان بن صخر بن حرب الأموى، مولده ومنشؤه بأبيورد فى خراسان، وقد تفقه على إمام الحرمين الجوينى بنيسابور، وله فيه مدائح بديعة. وسمع عبد القاهر الجرجانى، ولعل له أثرا فى رهافة ذوقه الأدبى. وأكبّ على المعارف يحصّلها، ولعل ذلك ما جعله فيما بعد يصنف كتبا مختلفة فى الأنساب وغيرها. وفتح له الشعر والأدب العمل فى دواوين السلاجقة فى بغداد وأصفهان وغيرهما من بلدانهم. ويبدو أنه ظل فى بغداد طويلا، إذ يروى عنه أنه قال: كنت ببغداد عشرين سنة حتى أمرّن طبعى على العربية، وبعد أنا أرتضخ لكنة أعجمية. وفى بغداد التحق بخدمة مؤيد الدولة بن نظام الملك، فلما عادى هذا الوزير عميد الدولة بن منوجهر هجاه الأبيوردى، فدسّ عليه عند الخليفة أنه هجاه ومدح صاحب مصر الفاطمى. وخشى الأبيوردى على نفسه فترك بغداد إلى همذان حتى سكن جأشه وهدأ روعه. وتدل على الحقبة التى أمضاها ببغداد قصائده فى الخليفة المقتدى (٤٦٧ - ٤٨٧ هـ) وله فيه إحدى عشرة قصيدة. ويقول بعض الرواة إنه إنما هجر بغداد
стр. 2719
لأنه كان يرشح من كلامه نوع تشبيب بالخلافة التى كانت لأسلافه الأمويين مدعيا استحقاقه الإمامة. فاضطرّ إلى مفارقته بغداد إلى همذان، وبقى فيها مدة يدرس ويفيد ويصنّف. وقال العماد فى الخريدة: تولى فى آخر عمره أشراف مملكة السلطان محمد بن ملكشاه (٤٩٨ - ٥١١ هـ)، وسقوه السم وهو واقف عند سريره لسنة ٥٠٧ فخانته قدماه وتوفى على الأثر، فحمل إلى منزله بأصفهان، ويقال: بل لم يسق السم، وكل ما فى الأمر أنه حين مثل أمام السلطان أصابه الفزع فارتعد وسقط ميتا.
ويعدّ الأبيوردى من أشهر شعراء هذا العصر، وديوانه كبير، وقد وزعه على أقسام، من أهمها العراقيات والنجديات والوجديات. وله شعر كثير فى الفخر بنسبه الأموى وبيان فضله وحقه فى الخلافة، ويقولون إنه كان إذا صلى قال: اللهم ملّكنى مشارق الأرض ومغاربها، ولعل لهذا الهوس فيه هو سبب حتفه على يد السلطان محمد، ومن شعره المعبر عن طموحه وقوة نفسه قوله:
يا من يساجلنى وليس بمدرك ... شأوى وأين له جلالة منصبى
لا تتعبنّ فدون ما أمّلته ... خرط القتادة وامتطاء الكوكب (١)
والمجد يعلم أيّنا خير أبا ... فاسأله تعلم أىّ ذى حسب أبى
جدّى معاوية الأغرّ سمت به ... جرثومة من طينها خلق النّبى
وورثته شرفا رفعت مناره ... فبنو أميّة يفخرون به وبى
وهى صورة جامحة من الاعتداد بالآباء، وأين بنو أمية فى القرن الأول الهجرى منه فى القرن الخامس؟ وهل جده معاوية أقرب رحما إلى الرسول ﷺ من بنى هاشم؟ إن هذا ومثله لغو وما يشبه اللغو. وهو لا يتوقف عند هذا الحد فى فخره العريض، إذ يسوقه فى شكل أحلام لا يمكن تحقيقها إذ يقول:
الناس من خولى والدهر من خدمى ... وقمّة المجد عندى موطئ القدم
والنّسر يتبع سيفى حين يلحظه ... والدهر ينشد ما يهمى به قلمى
لو صيغت الأرض لى دون الورى ذهبا ... لم ترضها لمرجّى نائلى هممى
وعن قليل أرى فى مأزق حرج ... به تشام السّريجيّات فى القمم (٢)
والبيض مردفة تبدو خلاخلها ... فى مسلك وحل من عبرة ودم
стр. 2720
فالمجد فى صهوات الخيل مطلبه ... والعزّ فى ظبة الصّمصامة الخذم (١)
وهو يحلم حلما غريبا بأنه سيقود معركة مظفرة تسبى فيها النساء النادبات لأزواجهن وأبنائهن وأهلهن، وتجول وتصول فيها الخيل مردية للأقران، ونسور الفلا تتبعه لتأكل من أشلاء قتلاه، والدهر ينشد مجده الحربى شعرا حماسيا ملتهبا. وطبيعى أن يقترن هذا الفخر العاصف عنده بالشكوى من الزمن الذى لا ينيله مطامحه، وهى شكوى تمتزج بغير قليل من القوة والجلد وتحمل الشدائد على شاكلة قوله:
تنكّر لى دهرى ولم يدر أننى ... أعزّ وأحداث الزمان تهون
فبات يرينى الخطب كيف اعتداؤه ... وبتّ أريه الصّبر كيف يكون
وهذا الجانب فى الأبيوردى واعتزازه بنفسه وقومه جعله يستشعر غضبا لا حد له على الصليبيين حين أغاروا لأول مرة سنة ٤٨٨ للهجرة على بيت المقدس، وهو استشعار يحمد له، فإنه أحسّ الكارثة التى نزلت بالإسلام وأهله، حين دنّس الصليبيون بأقدامهم الحرم القدسىّ، فصاح بأعلى صوته يهيب بالمسلمين أن يذودوا عن حماهم المستباح فى قصيدة طويلة يقول فيها:
مزجنا دماء بالدموع السّواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم (٢)
وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات أيقظت كلّ نائم
وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم ... ظهور المذاكى أو بطون القشاعم (٣)
وكم من دماء قد أبيحت ومن دمى ... توارى حياء حسنها بالمعاصم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... ويغضى على ذلّ كماة الأعاجم
فليتهم إذ لم يذودوا حميّة ... عن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم
والقصيدة استنفار قوى للمسلمين من العرب والأعاجم كى يقفوا سدّا منيعا دون حماهم وحمى الإسلام يذودون عنه بسلاحهم وأرواحهم حتى يذيقوا الصليبيين وبال حربهم ويردوا كيدهم إلى نحورهم، وهى أولى القصائد التى أخذت طوال قرن تصوّب أبياتها، بل سهامها، إلى صدور أعداء الإسلام، حتى استطاع صلاح الدين أن يستنقذ منهم بيت المقدس وغيره من ديار الشام، ويسفك دماء ملوكهم وقادتهم، وكان حقّا على الله نصر المؤمنين.
وللأبيوردى وراء ذلك مدائح كثيرة فى الخلفاء وسلاطين السلاجقة ووزرائهما،
стр. 2721
وله غزليات سنعرض لبعض أمثلة منها فى مطالع الفصل التالى، وكانت له مرثية بديعة للحسين تحدث عنها ياقوت، غير أن ديوانه خلا منها، كما خلا من مرثيته للغزالى، التى أشار إليها ابن خلكان فى كتابه وفيات الأعيان. وله بيتان طريفان فى هجاء أبى النجيب عبد الرحمن بن عبد الجبار المراغى، وكان شاعرا، ويستعمل فى شعره لزوم ما لا يلزم الذى اشتهر به أبو العلاء فى لزومياته، فقال فيه:
شعر المراغىّ-وحوشيتم- ... كعقله أسلمه أسقمه
يلزم ما ليس له لازما ... لكنّه يترك ما يلزمه
والسخرية واضحة، إذ يشير إلى أن شعره مغسول مما يلزم الشعر من المشاعر والأخيلة وفنون البديع، بينما يغرقه فيما لا يلزم من تعقيد الروى وعدم الاكتفاء فى الشعر بروىّ واحد، مما يصور تكلفا شديدا إن لم يكن الشاعر بارعا فى صنع الشعر ونظمه.
стр. 2722
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل
ظل تيار الغزل حارّا متدفقا طوال هذا العصر، حتى ليخيل إلى الإنسان أنه لم يشد شاعر بشعر إلا وجرى الغزل على لسانه، لا يشذّ عن ذلك سلطان ولا وزير ولا كاتب ولا قائد. وظل للغزل لوناه المتقابلان على مر العصور: الغزل المادى والغزل العذرى العفيف، وكان طبيعيا أن تظل للغزل سوقه الكبيرة لكثرة الإماء والجوارى وكان كثيرات منهن يحسنّ الغناء، فملأن قلوب الرجال شغفا وهياما. واقرأ فى تراجم الشعراء لهذا العصر فستجد دائما مقطوعات الغزل لتختار منها ما يطيب لك جمال معنى وجمال صورة وجمال صوت، على شاكلة قول ابن العميد (١).
ظلّت تظلّلنى من الشّمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى
فأقول وا عجبا ومن عجب ... شمس تظلّلنى من الشّمس
وهى صورة بديعة لما فيها من لفت قوى إلى جمال صاحبته، وكان خليفته فى وزارته الصاحب بن عباد أشعر منه، وله غزل كثير أنشد منه الثعالبى طائفة من المقطوعات، من ذلك قوله (٢):
قال لى إنّ رقيبى ... سيّئ الخلق فداره
قلت دعنى وجهك الجنّ ... ة حفّت بالمكاره
وواضح أنه عمد فى البيت الثانى إلى الاقتباس من الحديث النبوى: «حفّت الجنة بالمكاره» وهو اقتباس طريف لإحكام صلته بما قبله. وكثرة الاقتباس من الحديث والقرآن الكريم ظاهرة من ظواهر العصر الأدبية.
وكانوا يتورّطون أحيانا فى الغزل بالغلمان، وهو وصمة فى جبين العصر، تضاف إلى
стр. 2723
مثيلتها فى العصر العباسى، وربما كانوا ينظمونه تندرا ودعابة، أو تقليدا لأسلافهم، وهو تقليد بغيض. ومن الحق أن كثيرا من الشعراء نحّو هذا النوع المقيت عن غزلهم، مؤثرين أن يطبعوا أشعارهم بطوابع الغزل العفيف الطاهر الذى لا يعرف المتاع المادى للحب ولا اجتناء ثمراته من العناق وغير العناق، إنما يعرف نيرانه المحرقة كما يعرف الحب الظامئ الذى لا يروى صاحبه أبدا، فدائما فراق ودائما حنين واشتياق، ودعاء كما قال أبو العلاء الأسدى (١):
شتّتوا بالفراق شملى ولكن ... جمع الله شملهم أين كانوا
وكثير من هذا الغزل العذرىّ كان يصوغه العلماء والفقهاء صورة لطهارة نفوسهم ونقائها وما يتجشّمون فى الحب من آلام دون أن يشوب تفكيرهم شيئ من الغريزة النوعية، فقد تساموا عن الحسّ وكل ما يتصل بالحس. ويكثر فى هذا الغزل الحنين المستمد من حنين العذريين، الحنين إلى نجد وديار نجد مع الحسرات من الفراق والشوق إلى اللقاء. وربما لم يكثر من ذلك شاعر كما أكثر الأبيوردى، فقد جعل للنجديات أو الغزل النجدى العذرى قسما مستقلا من أقسام ديوانه الكبير، ومن نجدياته:
نزلنا بنعمان الأراك، وللنّدى ... سقيط به ابتلّت علينا المطارف (٢)
فبتّ أعانى الوجد والركب نوّم ... وقد أخذت منى السّرى والتّنائف (٣)
وأذكر خودا إن دعانى على النّوى ... هواها أجابته الدموع الذوارف
لها فى مغانى ذلك الشّعب منزل ... لئن أنكرته العين فالقلب عارف
وقفت به والدمع أكثره دم ... كأنى من جفنى بنعمان راعف (٤)
وعلى نحو ما يجعلون محبوبتهم نجدية يجعلونها ممنّعة، فحولها أسد يحمونها، بحيث لا يستطيع المحب الولهان أن يلقاها أو يقرب من حماها، فدونها الموت الزّؤام، وفى ذلك يقول الطّغرائى فى لا ميته (٥):
إنى أريد طروق الحىّ من إضم ... وقد حماه رماة الحىّ من ثعل
يحمون بالبيض والسّمر اللّدان به ... سود الغدائر حمر الحلى والحلل
فالحبّ حيث العدا والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل
فهو يريد الإلمام بحى معشوقته فى إضم، فيرى دون ذلك أهوالا، فقد حماه رماة من
стр. 2724
عشيرة ثعل المشهورون منذ امرئ القيس بحذقهم فى رمى السهام، وهم مسلحون بالسيوف والرماح، يحمون نساءهم الفاتنات، الرابضات فى الخدور وكأنهن ظباء فى كناس تحوطه غابة ضخمة من الرماح، والأسد جثوم، والموت الأحمر ينتظر كل من يدنو أو يقترب.
ونقف عند شاعرين من شعراء الغزل فى العصر.
أبو الفرج (١) بن هندو
هو على بن الحسين بن هندو، وسقطت كلمة على من اليتيمة وصحح الاسم الثعالبى فى تتمتها. وكان من النابهين فى الطب والفلسفة والأدب والشعر، وله من الكتب مفتاح الطب والمقالة المشوقة فى المدخل إلى علم الفلسفة وكتاب الكلم الروحانية من الحكم اليونانية وهو مطبوع ومنشور بالقاهرة. وقد تتلمذ فى الفلسفة والطب على يد أبى الخير بن الخمّار وكان من أجل تلاميذه، ووفد على الصاحب بن عباد، فقرّ به إليه، وكان أحد كتاب الإنشاء فى ديوان عضد الدولة البويهى، وعاش بعده طويلا إلى أن وافته المنية بجرجان سنة ٤٢٠. وكان له ديوان شعر لم يصل إلينا، ويقول الثعالبى: «هو مع ضربه فى الآداب والعلوم بالسهام الفائزة، وملكه رقّ البلاغة والبراعة، فرد الدهر فى الشعر وأوحد أهل الفضل فى صيد المعانى الشوارد، ونظم القلائد والفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة وتقريب الأغراض البعيدة وتذكير الذين يسمعون ويروون بقوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾. وينشد له كثيرا من غزلياته وخاصة فى التتمة، من ذلك قوله:
تقول: لو كان عاشقا دنفا ... إذن بدت صفرة بخدّيه
لا تنكريه فإن صفرته ... غطّت عليها دماء عينيه
وهو برهان بديع، وطبيعى لمن درس الفلسفة أن يحسن التعليل، فصفرته متوارية فى خدّيه، تواريها دماء عينيه. وتكثر هذه العلل الطريفة فى غزله على شاكله قوله:
عارض ورد الغصون وجنته ... فاتفّقا فى الجمال واختلفا
يزداد بالقطف ورد وجنته ... وينقص الورد كلما قطفا
فوجنة صاحبته وردها غريب، ورد يزيده القطف، إذ يزداد خدها به خجلا واحمرارا، فيزداد الورد ويكثر ولا ينقص أبدا ولا تغيض حمرته، بل لا يزال يولّد فيه
стр. 2725
القطف وردا لا ينتهى، ويتلطّف لصاحبة له قائلا:
أيا بدرا بلا كلف ... به دون الورى كلفى
أبن لى درّ ثغرك ما ... بهاء الدّرّ فى الصّدف
وواضح أنه يطلب إليها فى رقة أن تبتسم له، حتى تنفتح له أبواب النعيم على مصاريعها، وعلى مثال هذا التلطف قوله:
قولا لهذا القمر البادى ... مالك إصلاحى وإفسادى
زوّد فؤادا راحلا قبلة ... لابدّ للرّاحل من زاد
فكل مسافر لابد له من زاد، وهو يريد أن يأخذ زادا لروحه: قبلة من محبوبته، تظلّ تغذّى مشاعره، حتى يعود إليها من رحلته الطويلة. ويحاول فى غزله دائما أن يأتى بصور مبتكرة، فجلب كثيرا من الصور الغريبة كقوله:
ليس بى من أذى الفراق اكتئاب ... قد كفتنى عينى جميع اكتئابى
كلما شئت أسبلت دم قلبى ... فأرى فيه صورة الأحباب (١)
فهو لا يكتئب للفراق كغيره من العشاق الذين طالما شكوا منه واكتئبوا، إذ تردّ عينه عنه اكتئابه بدموعها التى تنزف فيها دماء قلبه، تلك التى يرى من خلالها صورة الأحباب، فصورتهم لا تغادر دموعه. وإذا كان المحبون طالما شكوا من طول الليل وظلامه الداجى فإنه يناقضهم قائلا:
ليت أن الليل دامت ظلمه ... فلقد جلّت لدينا نعمه
مثّلت صدغيك لى ظلمته ... وأرت خدّيك عينى أنجمه
فهو يتمثل فى الليل محبوبته، إذ يرى فى ظلمته خصل شعرها المنسدلة على خديها، ويرى خديها فى نجومه المتألقة، وهو بعد فى الوهم والتخيل، وله:
قالوا اشتغل عنهم يوما بغيرهم ... وخادع النفس إن النفس تنخدع
قد صيغ قلبى على مقدار حبّهم ... فما لحبّ سواهم فيه متّسع
وهو ردّ طريف على من يطلبون إليه السّلوى عن بعض أحبابه بحبّ سواهم، فقلبه مشغول دائما بهم وليس فيه مكان لغيرهم. وله معان طريفة كثيرة فى موضوعات الشعر المختلفة، من ذلك قوله فى بخيل:
لو مات لم يأكل الطعام إذا ... ما كان ذاك الطعام من كيسه
ان لم نشاهد دخان مطبخه ... فقد شهدنا دخان تعبيسه
стр. 2726
فهو لا يأكل من كيسه، بل يخزن المال ولا يرى سرورا إلا فى خزنه، ولم يشاهد أحد له دخانا يعلو مطبخه، فدخانه دائما يعلو وجهه، تعبيس ما بعده تعبيس. ويقول فى النهى عن اتخاذ الأولاد والاقتناع بالوحدة:
ما للمعيل وللمعالى إنما ... يسعى إليهنّ الوحيد الفارد
فالشمس تجتاب السماء وحيدة ... وأبو بنات النّعش فيها راكد
وبنات النعش نجوم معروفة فى السماء لا تكاد تريم، تشاهد بالقرب من القطب الشمالى ويدعوه أباها. وله فى الشكوى أشعار مختلفة منها قوله يشكو من مقامه بمدينة الرّىّ دون طائل:
ضعت بأرض الرّىّ فى أهلها ... ضياع حرف الراء فى اللّثغه
صرت بها بعد بلوغ المنى ... يعجبنى أن أبلغ البلغه (١)
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور شاعرية أبى الفرج بن هندو وبراعته فى نظم الشعر والإتيان فيه، وخاصة فى الغزل، بالصور والمعانى الطريفة المبتكرة.
أبو الفضل (٢) الميكالى
هو عبيد الله بن أحمد من آل ميكال وجهاء نيسابور، وطالما عملوا مع السامانيين فى دواوينهم وولاة لهم على بعض البلدان، ومرّ بنا تنويه الثعالبى بهم، وفى أبى الفضل يقول:
«الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحمد يزيد على الأسلاف والأخلاف من آل ميكال زيادة الشمس على البدر، ومكانه منهم مكان الواسطة من العقد وما على ظهرها اليوم أحسن منه كتابة وأتم بلاغة. ثم يورد الثعالبى قول بعض الشعراء فى وصف بلاغته وحسن بيانه على هذا النمط:
لك فى المحاسن معجزات جمّة ... أبدا لغيرك فى الورى لم تجمع
بحران: بحر فى البلاغة زانه ... شعر الوليد وحسن حفظ الأصمعى (٣)
وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان القريض ورضت أف ... رلس البديع وأنت أمجد مبدع (٤)
وليست عندنا معلومات واضحة عن حياة أبى الفضل، ويذكر ابن خلكان أنه دخل
стр. 2727
بغداد بعد صدوره من الحج سنة ٣٩٠ وأن له مصنفا يسمى المنتخل جمع فيه مختارات شعرية. ويروى الثعالبى له شعرا قاله فى نكبة، ويبدو أنه حبس فى عهد الغزنويين حين استولوا على إمارة السامانيين. وقد أنشد الثعالبى طائفة كبيرة من أشعاره منها نبذ فى الغزل من مثل قوله:
لقد راعنى بدر الدّجى بصدوده ... ووكّل أجفانى برعى كواكبه
فيا جزعى مهلا عساه يعود لى ... ويا كبدى صبرا على ما كواك به
وواضح أنه قصد إلى الجناس قصدا فى قافيتى البيتين، فكلمه «كواكبه» فى البيت الأول لا تنقص عنها شيئا كلمه «كواك به». وهذا هو البديع الذى يشير إليه مادحه. إذ شغف الإيرانيون أو قل كثير منهم بصنعة الجناس، حتى ليروى الثعالبى فى يتيمته أن شاعرا يسمى أبا حفص عمر بن على المطوّعى ألف فى أجناس التجنيس كتابا، ويقول الميكالى:
أنكرت من أدمعى ... تترى سواكبها
سلى جفونى هل ... أبكى سواك بها
والبيتان خفيفان فى موسيقاهما، ولكنه أثقلهما بهذا الجناس المتعمد فى القافيتين:
«سواكبها» و «سواك بها». وقد يجعل الجناس بين كلمتين فى البيت الواحد كقوله:
وأصداغه يلسعننى كالعقارب ... وألحاظه يفعلن فعل العقار بى
وقوله:
ألا ليت الجواب يكون خيرا ... فيشفى ما أحاط من الجوى بى
والعقارب الأولى فى البيت الأول: جمع عقرب، والعقار فى نهاية البيت: الخمر، والجوى فى نهاية البيت الثانى: حرقة الوجد ولوعته، وقد أضاف إليها كلمة «بى» ليتم له الجناس بين آخر البيت وكلمة الجواب فى أوائله، ويقول:
ظبى يحار البرق فى بريقه ... غنيت عن إبريقه بريقه
فلم أزل أرشف من رحيقه ... حتى شفيت القلب من حريقه
وقد أدخل على كلمة «ريقه» وهو رضاب الفم الباء ليتم له الجناس بين نهايتى الشطرين المتقابلين، والجناس فى البيت الثانى أكثر قبولا إذ جانس بين «رحيقه» و «حريقه» لتداخل الصورة معه ولأن الجناس ليس تاما، فالتكلف فيه يبدو أقل قليلا، ويقول:
شافه كفّى رشأ ... بقبلة ما شفت
فقلت إذ فبّلها ... يا ليت كفىّ شفتى
стр. 2728
والجناس مقبول فى البيت الثانى، وربما الذى جعله مقبولا أن كلمة «كفىّ» هّيأت له واستدعته، فخفّ التكلف فيه، ولم تمجّه النفس، ومثله قوله:
ماذا عليه لو أباح ريقه ... لقلب صبّ يشتكى حريقه
والجناس هنا بين «ريقه» و «حريقه» مقبول لأنه ليس جناسا تاما يبدو فيه القصد والتكلف، وكأنه جناس طبيعى استدعاه الكلام، وقارن ذلك بقوله:
صدف الحبيب بوصله ... فجفا رقادى إذ صدف
ونثرت لؤلؤ أدمع ... أضحى لها جفنى صدف
فقد جانس بين قافيتى البيتين باستخدامه كلمة «صدف» الأولى بمعنى أعرض، والثانية بمعنى غشاء اللؤلؤة، والتكلف شديد الوضوح. وكثيرون غيره من معاصريه كانوا يذهبون مذهبه فى هذا الجناس الثقيل الذى كثيرا ما تقابل فيه كلمتان كلمة واحدة، ويقرب منه فى هذا التصنع بل ربما زاد عليه وأربى أبو الحسن أحمد (١) بن المؤمل، وقد روى له منه الثعالبى أبياتا كثيرة فى الغزل وغير الغزل. وللميكالى وراء غزله أشعار فى وصف الطبيعة وفى الإخوان، وله مداعبات، ولا يخليها أيضا من تصنعه، كقوله:
فتى سخط النّصب فى قدره ... كما رضى الخفض فى قدره
وقد تصنع لذكر النصب والخفض المعروفين فى النحو، وأراد أنه لا ينصب قدره ولا يدع فيها شيئا يطبخ، كما رضى بالدون فى قدره فلا كرم له ولا همة. ومن طريف ما روى له الثعالبى قوله:
كم والد يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تبصر ما حولها ... ولحظها يدرك ما يبعد
ولعل فيما قدمنا ما يدل على شاعرية أبى الفضل الميكالى، ولو لم يثقلها بكلف الجناسات لبدا خصبها واضحا، إذ كان غزير المعانى والصور. وليس من ريب فى أن إعجاب الشعراء والأدباء من حوله بجناساته هو الذى جعله يبالغ فى ذلك ويغلو فيه.
٢ - شعراء اللهو والمجون
كان شعر اللهو والمجون منتشرا فى إيران طوال العصر، إذ كان هناك من ينغمسون فى الملاهى والخمور إما لتحلل الأخلاق وإما هروبا من مآسى الحياة وما فيها من اضطراب
стр. 2729
القيم، وكان يتورط فيها كثيرون من رجال الدولة: سلاطينها ووزرائها. ومرت بنا أبيات لعضد الدولة فى غير هذا الموضع يقول فيها إن متاع الحياة إنما هو الشرب فى المطر وغناء الجوارى فى السحر. وكان وزراؤه على شاكلته يعكفون على الخمر ويتغنون بها فى أشعارهم من مثل قول الصاحب بن عباد فى وصف كأس مملوءة بالخمر (١).
رقّ الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها، فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
وكان كثيرا ما يحاكى الصّنوبرى فى ثلجياته أو بعبارة أخرى فى ذكره الخمر مع الثلج ونزوله فى الشتاء القارس وفى ذلك يقول (٢):
أقبل الثلج فانبسط للسرور ... ولشرب الكبير بعد الصغير
أقبل الجوّ فى غلائل نور ... وتهادى بلؤلؤ منثور
فكأنّ السماء صاهرت الأر ... ض فصار النّثار من كافور
وكأنما يتصور الدنيا تجلو عروسا. وتتكاثر هذه الثلجيات عند غيره من شعراء العصر، فقد أكثروا من وصف شرب الخمر واحتسائها فى أيام الثلج وزمهريره، ومعروف أن العكوف على الخمر قديم فى إيران منذ أعتق عصورها، وظل ذلك طوال الحقب، ويقول أبو عبد الله الروزبارى (٣):
ما لابن همّ سوى شرب ابنة العنب ... فهاتها قهوة فرّاجة الكرب
أدهق كئوسك منها واسقنى طربا ... على الغيوم فقد جاءتك بالطّرب (٤)
نثار غيث حكى لون الجمان لنا ... فاشرب على منظر مستحسن عجب
جاد الغمام بدمع كالّلجين جرى ... فجد لنا بالتى فى اللون كالذهب
فهى فرحتهم ومسرتهم فى دنياهم، وهم يعبّون منها أرطالا تلو إرطال حين يكفهر الجو بالسحب، لما تبعث فى النفوس من طرب فى أيام الشتاء المفضّضة، التى تتناثر فيها الأمطار، وكأنها نثار عرس مفرح، نثار فضىّ مبهج، ويقول أبو المظفر ناصر بن منصور البستى المعروف بالغزّال (٥):
وإذا الهموم تطاولت فاطلب لها ... عيشا هنيئا بانتزاع مدام
صهباء تسطع فى الكئوس كأنها ... نار تجيش بوقدة وضرام
من كفّ ساق لو سقاك بكفّه ... سمّا لكان شفا لكل سقام
стр. 2730
وكأنها معصورة من خدّه ... إذ ظلت ترمقه بلحظ سام
وأبو المظفر يريد أن يعيش حياته لتناول الكئوس التى تلهب فؤاده، من كف ساق يقدم له بها ما يشفى سقامه، ويتخيلها كأنما عصرت من خدود جميلة، وهو يكبّ عليها غير محتشم ولا مفكر فى رشاد، فحسبه الخمر وحسبه احتساؤها، وليكن من الإثم ما يكون! ودائما تلقانا هذه الخمريات فى تراجم الشعراء، إذ كان يتورّط فيها كثيرون من مثل عمر الهرندى القائل (١):
لا أحبّ المدام إلا العتيقا ... ويكون المزاج من فيك ريقا
إنّ بين الضلوع منى نارا ... تتلظّى فكيف لى أن أطيقا
بحياتى عليك يا من سقانى ... أرحيقا سقيتنى أم حريقا
فبين ضلوعه نار متقدة لا يشفيها إلا الخمر وهو يعكف عليها، ولا يدرى أحريق هى أم رحيق لأنها تدفعه دائما إلى المزيد، بحيث لا يستطيع أن ينصرف عنها، إذ تأخذ عليه طريقه. وإنها لتظل تملؤه حبّا لها وشوقا لارتشافها، وهو يرتشف ولا يدرى أيرتشف رحيقا أو نارا أو قل أيرتشف شرابا هنيئا أو سمّا زعافا، وهو ممعن فى الشرب متعلق به، لا يستطيع فكاكا منه ولا خلاصا. وكانت للخمر مواسم عندهم هى الأعياد الفارسية والمسيحية، ففى عيد الشّعانين وفى أعياد النّيروز والمهرجان والسّذق أو النار المجوسية يشربون منها ويعبّون فى احتفالات صاخبة. وكانوا يشربونها كثيرا وسط الرياض، ولذلك يكثر عندهم معها وصف الطبيعة والربيع البهيج. وتلقانا فى أثناء ذلك أبيات طريفة من مثل قول أبى منصور قسيم بن إبراهيم، وكان ينظم باللسانين العربى والفارسى (٢):
وحجّب فى الثلج الربيع وحسنه ... كما اكتنّ فى بيض فراخ الطّواوس
وكانوا يخرجون أحيانا للصيد والطّرد. ولأحمد بن عضد الدولة طردية بديعة (٣).
ونعجب لألفاظ الفحش والمقاذر التى نجدها عند بعض الشعراء، وهو جانب أشاعه فى العصر ابن الحجاج الشاعر البغدادى المتوفى سنة ٣٩١ ومواطنه ابن سكرة. ويلاحظ ذلك صاحب الدمية حين يترجم للمشطّب الهمذانى، فيقول: «له أشعار سخيفة نسج فيها على منوال ابن الحجاج (٤)» ويذكر منها قصيدة مليئة بالفحش، وحتى الصاحب بن عباد الوزير الوقور تجرى أمثلة من هذا الفحش على لسانه فى أشعاره (٥)، وهى وصمة لها
стр. 2731
شك فيها. وحسبنا الآن أن نعرض شاعرين من شعراء الخمر والمجون فى العصر هما أبو بكر القهستانى وأبو الحسن الباخرزىّ.
أبو بكر (١) القهستانىّ
هو على بن الحسن القهستانى من قرية رخّج من قرى كابل، بزغ نجمه فى دولة السلطان محمود الغزنوى، إذ سلكه بين ندمائه ووظفه فى دواوينه، واتصل بابنه محمد، وأصبح رئيسا لديوانه فى أثناء ولايته لأبيه على خوزستان، وكان ممدّحا، مدحه كثيرون منهم الباخرزى والفرّخى السجستانى الشاعر الفارسى المشهور، وكان يمدح بدوره الأمير محمد الغزنوى، بمثل قوله:
محمد بن محمود أبو أح ... مد مولى أمير المؤمنينا
جلال الدولة العلياء دنيا ... جمال الملّة الغلباء دينا
ولىّ العهد عهد الملك طوبى ... لنا إذ ظلّ ظلّ الله فينا
وهو يشير إلى تولية السلطان محمود لابنه محمد ولاية العهد من بعده دون أخيه مسعود.
وتعدّ الفترة التى قضاها معه أزهى فترات حياته، فقد كان يحس بإقبال الدنيا عليه، وخاصه حين كان يتولى قيادة جيوشه. وقد تحول بمجلسه فى ديوانه إلى ندوة أدبية كبيرة كان ما ينى يمزح فيها وفى مجالس أميره بإنشاد بعض الألغاز المعمّاة وامتحان الأدباء والندماء فيها من مثل قوله:
دقيقة الساق لا عروق لها ... تدوس رزق الورى بهامتها
وهو لغز أراد به مغرفة الباقلاّنى يغرف بها الماء ويهشم برأسها الخبز والثريد وهو رزق الورى. وتكثر هذه الألغاز منذ فاتحة العصر، ونراها مبثوثة فى كتاب اليتيمة فى أشعار ابن العميد وغيره، وكأنها دعابات كانت تطفو فى مجالس الأدباء والوزراء. ويتولى محمد مقاليد الحكم بعد أبيه سنة ٤٢١ غير أن أخاه مسعودا يسلبه منه كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ونرى القهستانى يترك بلاط الغزنويين ودواوينهم إلى بغداد، فيمدح الخليفة القادر بالله (٣٨٢ - ٤٢٤ هـ) قائلا:
ولم يرنى ذو منّة غير خالقى ... وغير أمير المؤمنين ببابه
ويمدح وزيره وكاتبه أبا طالب بن أيوب، كما يمدح المرتضى نقيب الشيعة ويبدو أنه
стр. 2732
ظل ببغداد إلى نهاية العقد الثالث من القرن الرابع، حتى إذا استولى السلاجقة من السلطان مسعود الغزنوى على خراسان سنة ٤٣١ وضع يده فى أيديهم إلى أن توفى. ولا تعرف بالضبط سنة وفاته. وكان مثقفا ثقافة واسعة، إذ يقول القدماء إنه عنى بتحصيل علوم الأوائل حتى اتهمّه بعض معاصريه بالمروق من الدين. ويقول ياقوت إنه كان كثير المزاح، راغبا فى اللهو والمراح، وله فى ذلك خاطر وقّاد وحكايات متداولة. وله خمريات بديعة.، كان يتغنى فيها المغنون بحضره الأمير محمد الغزنوى من مثل قوله:
قم يا خليلى فاسقنى ... كشعاع خدّك من شراب
فلقد يمرّ العيش من ... قرضا ولا مرّ السّحاب
فانعم بعيشك ما استطع ... ت ولا تضع شرخ الشباب
فلكم أضعت من الشبا ... ب وما استفدت سوى اكتئاب
وهو يدعو صديقه دعوة حارة إلى الشراب، قبل أن يفنى عمره الذى يمر مسرعا مرّ السحاب، وقبل أن تذيل زهرة شبابه، وكم أضاع من أيام الشباب، ولم يفد-كما يقول-سوى الاكتئاب والغم والحسرات، ويهتف به ثانية:
تمتّع من الدنيا فأوقاتها خلس ... وعمر الفتى-ملّيت-أطوله نفس
وسارع إلى سهم من العيش فائز ... فما ارتدّ سهم قطّ يوما ولا احتبس
ولا تتقاض اليوم همّ غد ودع ... حديث غد فالإشتغال به هوس
هى الرّوح كالمصباح والرّاح زيتها ... فدونك عنّى إنما الرّأى يقتبس
وهى دعوة ملتهبة لانتهاز فرصة الشراب، فليس فى الدنيا وراءه-فى رأيه-نعيم ولا متاع، ودعك من الهموم كما يقول، ودع التفكير فى الغد. وهى نفس النغمة التى نجدها فى رباعيات الخيام الفارسية، فالحياة فانية، وهى سريعة الفناء، وعلى الإنسان أن يتدارك يومه، بل اللحظة التى هو فيها، ليشرب وينعم بالشراب، إذ هو زيت الروح، بدونه تنطفئ وتظلم، وبه تضيئ ضوء الفرح والبهجة والمرح. ودائما تلقانا هذه الخمريات البهيجة عند القهستانى وأنداده من شعراء إيران، وإنه ليعلن دائما أنه سيظل ما عاش يشرب الخمر صفوا. وله وراءها غزليات وأهاج فى الوزير الميمندى كاتب السلطان محمود الغزنوى وبعض معاصريه، وله بعض مقطوعات كان يتصنع فيها للجناس ما وسعه التصنع كمقطوعته:
تمتّع بيوم مسعد النّجح مسعف ... ودع قول لاح معنت النّصح معنف
وهى مليئة من بدايتها إلى نهايتها بمثل هذه الجناسات، وأيضا كان يقتبس كثيرا بعض
стр. 2733
الآيات القرآنية كقوله فى بعض مديحه:
سما بك من فوق السموات رتبة ... أب لك يدعو الله فى السّرّ والجهر
كما قد دعا موسى لهرون ربّه ... أن (اشدد به أزرى وأشركه فى أمرى)
ولا ريب فى أنه كان شاعرا بارعا، كما كان كاتبا نابها دوّنت رسائله كما دوّنت أشعاره، ويقول ياقوت: «له أشعار فائقة، ورسائل رائقة».
أبو الحسن (١) الباخرزىّ
له كنيتان أبو الحسن وأبو القاسم، واسمه على بن الحسن بن على بن أبى الطيب، من باخرز، من نواحى نيسابور، ونراه يعنى فى شبابه بالاختلاف إلى حلقات العلماء بنيسابور. ويكبّ على الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام الشافعى، ويختص بملازمة دروس الفقيه المشهور لعصره أبى محمد الجوينى والد إمام الحرمين. ويتجه إلى فن الكتابة. ويوظّف فى ديوان الرسائل لدى الغزنويين، وحين يرتفع نجم السلاجقة نراه يرحل إليهم ويشتغل فى دواوينهم، إذ يصبح كاتبا للسلطان «طغرل» وله فيه مدائح بديعة من مثل قوله:
سرنا ومرآة الزمان بحالها ... فالآن قد محقت وصارت منجلا
تخد الرّكاب فلا تعوج بنا على ... طلل الحبيب ولا تحيّى المنزلا (٢)
وتحرّك الأعطاف تشميرا بنا ... تتيمّم الملك المظفّر طغرلا
وقرّبه منه الوزير الكندرى، وكانا يتعارفان فى شبابهما، ويبدو أنه هو الذى وصله بطغرل، وكان يلازمه فى حله وترحاله، فلما ورد بغداد صحبه معه، وفيها مدح الخليفة القائم بأمر الله سنة ٤٥٥ بقصيدته التى صدّر بها ديوانه مفتتحا لها بقوله:
عشنا إلى أن رأينا فى الهوى عجبا ... كلّ الشهور وفى الأمثال عش رجبا
أليس من عجب أنى ضحى ارتحلوا ... أو قدت من ماء دمعى فى الحشا لهبا
وأنّ أجفان عينى أمطرت ورقا ... وأن ساحة خدّى أنبتت ذهبا
وإن تلهّب برق من جوانبهم ... توقّد الشوق فى جنبىّ والتهبا
ولما سمع البغداديون شعره استهجنوه وقالوا فيه برودة العجم، لما لاحظوا فيه من تكلف
стр. 2734
وتصنع، على نحو ما نرى فى البيت الأول إذ حاول أن يستغل المثل: «عش رجبا تر عجبا» فقال إن شهور الممدوح كلها عجيبة، ومضى فى تصنعه، فماء دموعه يوقد جحيما فى حشاه وأجفان عينه تمطر ورقا أو دموعا كالفضة الصافية، بينما تنبت ساحة خده حين الوداع ذهبا، وحين رأى البغداديين يستبردون أشعاره انتقل إلى الكرخ وسكنها وخالط فضلاءها وسوقتها مدة، واقتبس من لغتهم وظرفهم، ثم أنشأ قصيدة استهلها بقوله:
هبّت علىّ صبا تكاد تقول ... إنى إليك من الحبيب رسول
سكرى تجشّمت الرّبى لتزورنى ... من علّتى وهبوبها تعليل
فاستحسنها البغداديون، وقالوا تغير شعره ورقّ طبعه. وظلّ ملازما الكندرى فى مدينة الرّىّ عاصمة طغرل عاملا فى دواوين الدولة، ومقدما له مدائح كثيرة، إلى أن قبض السلطان ألب أرسلان على الكندرى وأمر بقتله، وله مرثية فيه غير أنه يشيد فيها بقاتله، مما جعل القدماء يأخذون عليه عدم الوفاء. ويبدو أنه أخذ يعنى منذ ذلك بتأليف كتابه دمية القصر الذى نرجع إليه كثيرا، مذيّلا به على يتيمة الدهر للثعالبى، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. واستقال من عمله فى دواوين السلاجقة وأخذ يعيش عيشة لاهية ماجنة انتهت بمقتله فى إحدى ليالى أنسه سنة ٤٦٨ للهجرة. وكان ينظم، باللسانين العربى والفارسى، وله فى الفارسية قصيدة طويلة جعل عنوانها «طرب نامه» أو رسالة الطرب، وهى مؤلفة من رباعيات فارسية تتوالى بحسب الترتيب الهجائى للحروف. وكان ما يزال يحاول النفوذ إلى معان وصور غريبة نادرة، من ذلك قوله يصف شدة البرد وزمهريره.
كم مؤمن قرصته أظفار الشّتا ... فغدا لسكّان الجحيم حسودا
وترى طيور الماء فى وكناتها ... تختار حرّ النار والسّفّودا
وإذا رميت بفضل كأسك فى الهوى ... عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرّق لنا عودا وحرّك عودا
والصور فى الأبيات تقوم على المبالغة الشديدة، فالمؤمن يحسد سكان الجحيم والطيور تؤثر لو تشوى على السفود. ولو رميت فى الهوى بفضل الكأس لتجمدت حبات الخمر وأصبحت عقودا. وينادى على المغنى أن يحرك عود طرب للغناء ويحرق عود حطب للصّلاء. وله غزليات رقيقة من مثل قوله:
قالت وقد ساءلت عنها كلّ من ... لاقيته من حاضر أو بادى
أنا فى فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترنى فقلت لها وأين فؤادى
ففؤاده ليس عنده، بل هو عندها، إذ ضاع منه، وهى التى تعرف مكانه، وماذا
стр. 2735
عليها لو ردته إليه، وله من جملة أبيات:
بصورة الوثن استعبدتنى وبها ... فنتنى وقديما هجت لى شجنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدى ... فالنار حقّ على من يعبد الوثنا
والصورة طريقة غير أنه يداخلها شيئ من التكلف، إذ حاول أن يعلل لحرق نار الهوى لكبده بأن صاحبته استعبدته بصورة الوثن، وكأنه عبد وثنا وحقّت عليه النار، ولم يكن فى حاجة إلى إيراد هذه العلة وتكلفها على هذا النحو، فنار الهوى تحرق أكباد الشعراء من قديم، ولعل الصورة التالية أكثر تكلفا إذ يقول فى غزله:
زكاة رءوس الناس فى عيد فطرهم ... يقول رسول الله-صاع من البرّ
ورأسك أغلى قيمة فتصدّقى ... بفيك علينا فهو صاع من الدّرّ
فقد وضع صورة الزكاة فى عيد الفطر وما يجب على كل مسلم من تصدقه بصاع من البرّ أو القمح فى هذا العيد، ليصل إلى أن صاحبته ينبغى أن تتصدق عن نفسها لا بصاع من البر وإنما بصاع من الدّرّ، يريد ثغرها وما فيه من درّ الأسنان. والصورة فى غاية التكلف.
وتكثر مثل هذه الصور منذ مطالع هذا العصر، وكأنما أخذ يعيى الشعراء أن يأتوا بصور طبيعية أو كأنما أحسّوا أن أسلافهم استنفدوها، فأخذوا يحاولون الإتيان بهذه الصور الغربية المبعدة فى الغرابة من مثل قول الباخرزى أيضا لبعض صواحبه:
وأبكى لدرّ الثّغر منك ولى أب ... فكيف يديم الضّحك وهو يتيم
فهو يبكى لأنها لا تنيله شيئا، ويعجب أن يبكى وله أب، بينما ثغرها يضحك، وهو يتيم. والتورية واضحة، فالمعنى المتبادر أنه لا أب لهذا الثغر، وهو يريد أنه منقطع النظير حسنا. والتكلف فى البيت أو قل فى الصورة شديد الوضوح.
٣ - شعراء الزهد والتصوف
لا شك فى أن موجة المجون وما اتصل بها من لهو وخمر كانت موجة محدودة، حتى لتكاد تكون قاصرة على البيئات المترفة، أما بيئات الشعب العامة فلم تكن تعرف الترف ولا ما يستتبعه من الخمر والمجون، إنما كانت تعرف قسوة الحياة وشظفها مستعينة عليها بتقوى الله والاستماع إلى الوعاظ فى المساجد بنيسابور وغير نيسابور وما يدعون إليه من الزهد فى الحياة ومتاعها الزائل وانتظار ما عند الله من ثواب ونعيم فى الدار الآخرة. وكان هؤلاء الوعاظ كثيرين كثرة مفرطة، وكانوا يسمّون مجالس وعظهم مجالس التذكير، يذكّرون