شك فيها. وحسبنا الآن أن نعرض شاعرين من شعراء الخمر والمجون فى العصر هما أبو بكر القهستانى وأبو الحسن الباخرزىّ.
أبو بكر (١) القهستانىّ
هو على بن الحسن القهستانى من قرية رخّج من قرى كابل، بزغ نجمه فى دولة السلطان محمود الغزنوى، إذ سلكه بين ندمائه ووظفه فى دواوينه، واتصل بابنه محمد، وأصبح رئيسا لديوانه فى أثناء ولايته لأبيه على خوزستان، وكان ممدّحا، مدحه كثيرون منهم الباخرزى والفرّخى السجستانى الشاعر الفارسى المشهور، وكان يمدح بدوره الأمير محمد الغزنوى، بمثل قوله:
محمد بن محمود أبو أح ... مد مولى أمير المؤمنينا
جلال الدولة العلياء دنيا ... جمال الملّة الغلباء دينا
ولىّ العهد عهد الملك طوبى ... لنا إذ ظلّ ظلّ الله فينا
وهو يشير إلى تولية السلطان محمود لابنه محمد ولاية العهد من بعده دون أخيه مسعود.
وتعدّ الفترة التى قضاها معه أزهى فترات حياته، فقد كان يحس بإقبال الدنيا عليه، وخاصه حين كان يتولى قيادة جيوشه. وقد تحول بمجلسه فى ديوانه إلى ندوة أدبية كبيرة كان ما ينى يمزح فيها وفى مجالس أميره بإنشاد بعض الألغاز المعمّاة وامتحان الأدباء والندماء فيها من مثل قوله:
دقيقة الساق لا عروق لها ... تدوس رزق الورى بهامتها
وهو لغز أراد به مغرفة الباقلاّنى يغرف بها الماء ويهشم برأسها الخبز والثريد وهو رزق الورى. وتكثر هذه الألغاز منذ فاتحة العصر، ونراها مبثوثة فى كتاب اليتيمة فى أشعار ابن العميد وغيره، وكأنها دعابات كانت تطفو فى مجالس الأدباء والوزراء. ويتولى محمد مقاليد الحكم بعد أبيه سنة ٤٢١ غير أن أخاه مسعودا يسلبه منه كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ونرى القهستانى يترك بلاط الغزنويين ودواوينهم إلى بغداد، فيمدح الخليفة القادر بالله (٣٨٢ - ٤٢٤ هـ) قائلا:
ولم يرنى ذو منّة غير خالقى ... وغير أمير المؤمنين ببابه
ويمدح وزيره وكاتبه أبا طالب بن أيوب، كما يمدح المرتضى نقيب الشيعة ويبدو أنه
стр. 2732
ظل ببغداد إلى نهاية العقد الثالث من القرن الرابع، حتى إذا استولى السلاجقة من السلطان مسعود الغزنوى على خراسان سنة ٤٣١ وضع يده فى أيديهم إلى أن توفى. ولا تعرف بالضبط سنة وفاته. وكان مثقفا ثقافة واسعة، إذ يقول القدماء إنه عنى بتحصيل علوم الأوائل حتى اتهمّه بعض معاصريه بالمروق من الدين. ويقول ياقوت إنه كان كثير المزاح، راغبا فى اللهو والمراح، وله فى ذلك خاطر وقّاد وحكايات متداولة. وله خمريات بديعة.، كان يتغنى فيها المغنون بحضره الأمير محمد الغزنوى من مثل قوله:
قم يا خليلى فاسقنى ... كشعاع خدّك من شراب
فلقد يمرّ العيش من ... قرضا ولا مرّ السّحاب
فانعم بعيشك ما استطع ... ت ولا تضع شرخ الشباب
فلكم أضعت من الشبا ... ب وما استفدت سوى اكتئاب
وهو يدعو صديقه دعوة حارة إلى الشراب، قبل أن يفنى عمره الذى يمر مسرعا مرّ السحاب، وقبل أن تذيل زهرة شبابه، وكم أضاع من أيام الشباب، ولم يفد-كما يقول-سوى الاكتئاب والغم والحسرات، ويهتف به ثانية:
تمتّع من الدنيا فأوقاتها خلس ... وعمر الفتى-ملّيت-أطوله نفس
وسارع إلى سهم من العيش فائز ... فما ارتدّ سهم قطّ يوما ولا احتبس
ولا تتقاض اليوم همّ غد ودع ... حديث غد فالإشتغال به هوس
هى الرّوح كالمصباح والرّاح زيتها ... فدونك عنّى إنما الرّأى يقتبس
وهى دعوة ملتهبة لانتهاز فرصة الشراب، فليس فى الدنيا وراءه-فى رأيه-نعيم ولا متاع، ودعك من الهموم كما يقول، ودع التفكير فى الغد. وهى نفس النغمة التى نجدها فى رباعيات الخيام الفارسية، فالحياة فانية، وهى سريعة الفناء، وعلى الإنسان أن يتدارك يومه، بل اللحظة التى هو فيها، ليشرب وينعم بالشراب، إذ هو زيت الروح، بدونه تنطفئ وتظلم، وبه تضيئ ضوء الفرح والبهجة والمرح. ودائما تلقانا هذه الخمريات البهيجة عند القهستانى وأنداده من شعراء إيران، وإنه ليعلن دائما أنه سيظل ما عاش يشرب الخمر صفوا. وله وراءها غزليات وأهاج فى الوزير الميمندى كاتب السلطان محمود الغزنوى وبعض معاصريه، وله بعض مقطوعات كان يتصنع فيها للجناس ما وسعه التصنع كمقطوعته:
تمتّع بيوم مسعد النّجح مسعف ... ودع قول لاح معنت النّصح معنف
وهى مليئة من بدايتها إلى نهايتها بمثل هذه الجناسات، وأيضا كان يقتبس كثيرا بعض
стр. 2733
الآيات القرآنية كقوله فى بعض مديحه:
سما بك من فوق السموات رتبة ... أب لك يدعو الله فى السّرّ والجهر
كما قد دعا موسى لهرون ربّه ... أن (اشدد به أزرى وأشركه فى أمرى)
ولا ريب فى أنه كان شاعرا بارعا، كما كان كاتبا نابها دوّنت رسائله كما دوّنت أشعاره، ويقول ياقوت: «له أشعار فائقة، ورسائل رائقة».
أبو الحسن (١) الباخرزىّ
له كنيتان أبو الحسن وأبو القاسم، واسمه على بن الحسن بن على بن أبى الطيب، من باخرز، من نواحى نيسابور، ونراه يعنى فى شبابه بالاختلاف إلى حلقات العلماء بنيسابور. ويكبّ على الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام الشافعى، ويختص بملازمة دروس الفقيه المشهور لعصره أبى محمد الجوينى والد إمام الحرمين. ويتجه إلى فن الكتابة. ويوظّف فى ديوان الرسائل لدى الغزنويين، وحين يرتفع نجم السلاجقة نراه يرحل إليهم ويشتغل فى دواوينهم، إذ يصبح كاتبا للسلطان «طغرل» وله فيه مدائح بديعة من مثل قوله:
سرنا ومرآة الزمان بحالها ... فالآن قد محقت وصارت منجلا
تخد الرّكاب فلا تعوج بنا على ... طلل الحبيب ولا تحيّى المنزلا (٢)
وتحرّك الأعطاف تشميرا بنا ... تتيمّم الملك المظفّر طغرلا
وقرّبه منه الوزير الكندرى، وكانا يتعارفان فى شبابهما، ويبدو أنه هو الذى وصله بطغرل، وكان يلازمه فى حله وترحاله، فلما ورد بغداد صحبه معه، وفيها مدح الخليفة القائم بأمر الله سنة ٤٥٥ بقصيدته التى صدّر بها ديوانه مفتتحا لها بقوله:
عشنا إلى أن رأينا فى الهوى عجبا ... كلّ الشهور وفى الأمثال عش رجبا
أليس من عجب أنى ضحى ارتحلوا ... أو قدت من ماء دمعى فى الحشا لهبا
وأنّ أجفان عينى أمطرت ورقا ... وأن ساحة خدّى أنبتت ذهبا
وإن تلهّب برق من جوانبهم ... توقّد الشوق فى جنبىّ والتهبا
ولما سمع البغداديون شعره استهجنوه وقالوا فيه برودة العجم، لما لاحظوا فيه من تكلف
стр. 2734
وتصنع، على نحو ما نرى فى البيت الأول إذ حاول أن يستغل المثل: «عش رجبا تر عجبا» فقال إن شهور الممدوح كلها عجيبة، ومضى فى تصنعه، فماء دموعه يوقد جحيما فى حشاه وأجفان عينه تمطر ورقا أو دموعا كالفضة الصافية، بينما تنبت ساحة خده حين الوداع ذهبا، وحين رأى البغداديين يستبردون أشعاره انتقل إلى الكرخ وسكنها وخالط فضلاءها وسوقتها مدة، واقتبس من لغتهم وظرفهم، ثم أنشأ قصيدة استهلها بقوله:
هبّت علىّ صبا تكاد تقول ... إنى إليك من الحبيب رسول
سكرى تجشّمت الرّبى لتزورنى ... من علّتى وهبوبها تعليل
فاستحسنها البغداديون، وقالوا تغير شعره ورقّ طبعه. وظلّ ملازما الكندرى فى مدينة الرّىّ عاصمة طغرل عاملا فى دواوين الدولة، ومقدما له مدائح كثيرة، إلى أن قبض السلطان ألب أرسلان على الكندرى وأمر بقتله، وله مرثية فيه غير أنه يشيد فيها بقاتله، مما جعل القدماء يأخذون عليه عدم الوفاء. ويبدو أنه أخذ يعنى منذ ذلك بتأليف كتابه دمية القصر الذى نرجع إليه كثيرا، مذيّلا به على يتيمة الدهر للثعالبى، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. واستقال من عمله فى دواوين السلاجقة وأخذ يعيش عيشة لاهية ماجنة انتهت بمقتله فى إحدى ليالى أنسه سنة ٤٦٨ للهجرة. وكان ينظم، باللسانين العربى والفارسى، وله فى الفارسية قصيدة طويلة جعل عنوانها «طرب نامه» أو رسالة الطرب، وهى مؤلفة من رباعيات فارسية تتوالى بحسب الترتيب الهجائى للحروف. وكان ما يزال يحاول النفوذ إلى معان وصور غريبة نادرة، من ذلك قوله يصف شدة البرد وزمهريره.
كم مؤمن قرصته أظفار الشّتا ... فغدا لسكّان الجحيم حسودا
وترى طيور الماء فى وكناتها ... تختار حرّ النار والسّفّودا
وإذا رميت بفضل كأسك فى الهوى ... عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرّق لنا عودا وحرّك عودا
والصور فى الأبيات تقوم على المبالغة الشديدة، فالمؤمن يحسد سكان الجحيم والطيور تؤثر لو تشوى على السفود. ولو رميت فى الهوى بفضل الكأس لتجمدت حبات الخمر وأصبحت عقودا. وينادى على المغنى أن يحرك عود طرب للغناء ويحرق عود حطب للصّلاء. وله غزليات رقيقة من مثل قوله:
قالت وقد ساءلت عنها كلّ من ... لاقيته من حاضر أو بادى
أنا فى فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترنى فقلت لها وأين فؤادى
ففؤاده ليس عنده، بل هو عندها، إذ ضاع منه، وهى التى تعرف مكانه، وماذا
стр. 2735
عليها لو ردته إليه، وله من جملة أبيات:
بصورة الوثن استعبدتنى وبها ... فنتنى وقديما هجت لى شجنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدى ... فالنار حقّ على من يعبد الوثنا
والصورة طريقة غير أنه يداخلها شيئ من التكلف، إذ حاول أن يعلل لحرق نار الهوى لكبده بأن صاحبته استعبدته بصورة الوثن، وكأنه عبد وثنا وحقّت عليه النار، ولم يكن فى حاجة إلى إيراد هذه العلة وتكلفها على هذا النحو، فنار الهوى تحرق أكباد الشعراء من قديم، ولعل الصورة التالية أكثر تكلفا إذ يقول فى غزله:
زكاة رءوس الناس فى عيد فطرهم ... يقول رسول الله-صاع من البرّ
ورأسك أغلى قيمة فتصدّقى ... بفيك علينا فهو صاع من الدّرّ
فقد وضع صورة الزكاة فى عيد الفطر وما يجب على كل مسلم من تصدقه بصاع من البرّ أو القمح فى هذا العيد، ليصل إلى أن صاحبته ينبغى أن تتصدق عن نفسها لا بصاع من البر وإنما بصاع من الدّرّ، يريد ثغرها وما فيه من درّ الأسنان. والصورة فى غاية التكلف.
وتكثر مثل هذه الصور منذ مطالع هذا العصر، وكأنما أخذ يعيى الشعراء أن يأتوا بصور طبيعية أو كأنما أحسّوا أن أسلافهم استنفدوها، فأخذوا يحاولون الإتيان بهذه الصور الغربية المبعدة فى الغرابة من مثل قول الباخرزى أيضا لبعض صواحبه:
وأبكى لدرّ الثّغر منك ولى أب ... فكيف يديم الضّحك وهو يتيم
فهو يبكى لأنها لا تنيله شيئا، ويعجب أن يبكى وله أب، بينما ثغرها يضحك، وهو يتيم. والتورية واضحة، فالمعنى المتبادر أنه لا أب لهذا الثغر، وهو يريد أنه منقطع النظير حسنا. والتكلف فى البيت أو قل فى الصورة شديد الوضوح.
٣ - شعراء الزهد والتصوف
لا شك فى أن موجة المجون وما اتصل بها من لهو وخمر كانت موجة محدودة، حتى لتكاد تكون قاصرة على البيئات المترفة، أما بيئات الشعب العامة فلم تكن تعرف الترف ولا ما يستتبعه من الخمر والمجون، إنما كانت تعرف قسوة الحياة وشظفها مستعينة عليها بتقوى الله والاستماع إلى الوعاظ فى المساجد بنيسابور وغير نيسابور وما يدعون إليه من الزهد فى الحياة ومتاعها الزائل وانتظار ما عند الله من ثواب ونعيم فى الدار الآخرة. وكان هؤلاء الوعاظ كثيرين كثرة مفرطة، وكانوا يسمّون مجالس وعظهم مجالس التذكير، يذكّرون
стр. 2736
الناس بالمحشر وما فيه من أهوال وبعذاب النار ونعيم الجنان، موردين عليهم من قصص الأنبياء والأمم السالفة ما يملأ قلوبهم إيمانا وتقوى وورعا. وكانت العامة تشغف بهم، وتستدير حول مجالسهم منيبة إلى الله مغذّية مشاعرها وعواطفها بما تسمعه من مواعظهم.
وكان نفر من كبارهم مثل أبى عثمان الصابونى شيخ الإسلام بنيسابور المتوفى سنة ٤٤٩، وكان يعظ الناس بالعربية والفارسية لمدة ستين سنة متوالية (١)، وطبيعى أن يشعر مع هذا الوعظ شعر الزهد على ألسنة الوعاظ والفقهاء والنسّاك، فهو الشعر الذى تهوى إليه أفئدة الشعب، ولذلك مضى ينظمه غير شاعر حتى يستولى على ألباب سامعيه، وتلقانا فى العصر مواعظ كثيرة، من مثل موعظة أبى الفرج الساوى حين توفى السلطان فخر الدولة البويهى، فقد نفذ من موته إلى صنع موعظة طريفة استهلها بقوله (٢):
هى الدّنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشى وفتكى
فلا يغرركم حسن ابتسامى ... فقولى مضحك والفعل مبكى
بفخر الدولة اعتبروا فإنى ... أخذت الملك منه بسيف هلك
وقد كان استطال على البرايا ... ونظّم جمعهم فى سلك ملك
فلو شمس الضّحى جاءته يوما ... لقال لها عتوّا: أفّ منك
ولو زهر النّجوم أبت رضاه ... تأبّى أن يقول: رضيت عنك
فأمسى بعد ما قرع البرايا ... أسير القبر فى ضيق وضنك
وظنّى أنه لو عاد يوما ... إلى الدّنيا تسربل ثوب نسك
ومضى يتخذ من موت هذا السلطان الباغى عبرة وعظة، فلو أنه عاد إلى الدنيا لطأطأ من كبريائه وعتوّه وظلمه بل لرفض الدنيا زاهدا فيها مؤثرا أن يعيش عيشة النّسّاك. وفى كتاب اليتيمة شاعر يسمى أبا محمد إسماعيل بن محمد الدهان، كان يشغل نفسه حقبة بمديح الأعيان والوجهاء، ثم آثر الزهد والإعراض عن الدنيا، ويورد الثعالبى أطرافا من شعره الزاهد (٣) من مثل قوله:
عبد عصى ربّه ولكن ... ليس سوى واحد يقول
إن لم يكن فعله جميلا ... فإنما ظنّه جميل
стр. 2737
وهو يصوّر فناء الإنسان السريع وخوفه من ربه ورجاءه فى لطفه، ويذكر الثعالبى أنه لما أزمع الحج وزيارة قبر الرسول ﷺ ظل ينشد:
أتيتك راجلا ووددت أنى ... ملكت سواد عينى أمتطيه
ومالى لا أسير على المآقى ... إلى قبر رسول الله فيه
ومن شعراء كتاب اليتيمة الذين شاركوا فى هذا الشعر الزاهد الذى يفوح بالتقوى أبو جعفر البحّاث الزّوزنى أحد القضاة بخراسان، وله موعظة طويلة يتحدث فيها عن الشباب ورحيله والمشيب ونزوله، ويقف بإزاء الزمان وما يدير على الناس من كئوس شراب هنئ وشراب بغيض مرير، ويفيض فى الحديث عن الحياة والموت وكيف أتى على الملوك والحشم والجيوش وربات الخدور والحسان، ويسخر من الأغنياء حين يموتون فإن ورثتهم يستبشرون بموتهم، وكل منهم يصبح فى شغل بميراثه، يقول (١):
سباع حواليه زرق العيون ... كلاب وأسد وذئب أزلّ (٢)
فهذا يجاذب ما قد حواه ... وهذا يخالسه ما فضل
إذا وضعوه على نعشه ... أشاعوا البكا وأسرّوا الجذل (٣)
وإن دفنوه نسوه معا ... وكلّ بميراثه مشتغل
ويبكى أبو جعفر بدموع غزار على شبابه وما صار إليه من وهن العظم واشتعال الشيب فى رأسه، ويتوب إلى ربه منيبا مستغفرا. ويلقانا هذا الشعر الزاهد على ألسنة كثير من الشعراء فى كتاب دمية القصر، وخاصة منهم القصّاص الوعاظ، وكان طبيعيا أن يفسح هؤلاء الشعراء لمديح الرسول ﵇، وعم هذا الشعر الزاهد بين شعراء المحدّثين والفقهاء. وللزمخشرى ديوان لا يزال محفوظا بدار الكتب المصرية وهو ملئ بالأدعية والابتهالات وطلب الشفاعة من الرسول ﵇. وللغزالى بدوره أشعار زهدية كثيرة وقد ينزع بها منزع المتصوفة السنيين على شاكلة قوله (٤):
سقمى فى الحبّ عافيتى ... ووجودى فى الهوى عدمى
وعذاب يرتضون به ... فى فمى أحلى من النّغم
ما لضرّ فى محبتكم ... عندنا والله من ألم
стр. 2738
وللفخر الرازى المار ذكره أشعار زهدية طريفة، وكان علامة فى علم الكلام والتفسير والحديث والشرعيات وعلوم الأوائل، وله فى جميعها مؤلفات كثيرة. وكان فى الوعظ آية، وكان يحضر مجالسه أرباب المذاهب والمقالات فى هراة، وكان يعظ باللسانين العربى والعجمى وكان يلحقه الوجد فى الوعظ ويكثر من البكاء، ويشتهر له قوله (١):
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعى العالمين ضلال
وأرواحنا فى وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
فكل ما فى الحياة حتى العلوم عبث وضلال، وما الدنيا؟ إننا لا نجنى منها سوى الأذى والوبال، وسوى العدم والفناء الذى يحيط بالناس جميعا وبالدول مهما عظم سلطانها، فمآلها إلى زوال. ومن كبار الشعراء الفقهاء الزهاد الإمام الرافعى القزوينى الفقيه الشافعى المشهور المار ذكره المتوفى سنة ٦٢٣ وكان له مجلس فى قزوين لسماع الفقة والتفسير والحديث النبوى، ومن قوله فى الدعوة إلى الرضا بالحظ المقسوم وحمد الله فى اليسر والعسر دائما أبدا (٢):
إن كنت فى اليسر فاحمد من حباك به ... فليس حقّا قضى لكنّه الجود
أو كنت فى العسر فاحمده كذلك إذ ... ما فوق ذلك مصروف ومردود
وكيفما دارت الأيام مقبلة ... وغير مقبلة فالحمد محمود
وكان يقول: «اعلم أن الناس فى الرضا ثلاثة أقسام: قوم يحسّون البلاء ويكرهونه ولكن يصبرون على حكمه ويتركون تدبيرهم ونظرهم حبا لله تعالى، لأن تدبير العقل لا ينطبق على رسوم المحبة والهوى، وقوم يضمون إلى سكون الظاهر سكون القلب بالاجتهاد والرياضة، وإن أتى البلاء على أنفسهم:
يستعذبون بلاياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
تسّرهم البلية كما تسرهم النعمة، وقوم يتركون الاختيار، ويوافقون الأقدار، فلا يبقى لهم تلذذ ولا استعذاب ولا راحة ولا عذاب». وفى ذكر الرافعى لكلمة المحبة ما يدل على أنه كان ينزع بزهده نزعة صوفية. والتصوف كثير فى العصر ولم يكن النظم فيه يقتصر على
стр. 2739
شعراء اللسان العربى، بل كان يشمل المتصوفة الذين ينظمون باللسان الفارسى، على شاكلة الشيخ سعدى الشيرازى، وله أشعار صوفية عربية من مثل قوله (١).
يا نديمى قم بليل ... واسقنى واسق النّدامى
خلّنى أسهر ليلى ... ودع الناس نياما
فى أوان كشف الور ... د عن الوجه اللّثاما
قل لمن عيّر أهل ال ... حبّ بالحبّ ولا ما
لا عرفت الحبّ هيها ... ت ولا ذقت الغراما
وهى خمرية صوفية طريفة. ومرّ بنا فى الفصل الأول أن المتصوفة فى إيران كانوا يمثلون اتجاهين: اتجاها سنيّا واتجاها فلسفيا، ولعل من الخير أن نقف قليلا عند شاعرين يمثلان النزعتين، هما عبد الكريم القشيرى ويحيى السّهروردىّ.
عبد الكريم (٢) القشيرىّ
ولد فى قرية أستوا بخراسان سنة ٣٧٦ وفيها بدأ تعليمه، ثم انتقل إلى نيسابور حاضرة خراسان العلمية لعصره، واتفق أن حضر مجلس الصوفى الكبير أبى على الدقّاق، فأعجب به وسلكه بين مريديه، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم والفقه، فأقبل على دروس أبى بكر الطّوسى الفقيه الشافعى، ثم اختلف إلى دروس ابن فورك حتى أتقن علم الأصول، كما اختلف إلى دروس أبى إسحق الإسفراينى الفقيه الشافعى المتكلم الأصولى، ونظر فى كتب القاضى الأشعرى أبى بكر بن الطيب الباقلانى. وسرعان ما أصبح علامة فى الفقه الشافعى وفى التفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم التصوف وعلم الكلام على مذهب الأشعرى. وزوّجه الدقاق ابنته حبّا له، حتى إذا توفى خلفه فى مجالسه سالكا مسالك المجاهدة والتجريد، وأخذ فى التصنيف، فصنف التفسير الكبير قبل سنة عشر وأربعمائة وسماه «التيسير فى علم التفسير» وهو-كما يقول ابن خلكان-من أجود التفاسير.
وخرج إلى الحج فى رفقة، فيها الشيخ أبو محمد الجوينى والد إمام الحرمين وأحمد
стр. 2740
ابن الحسين البيهقى وجماعة من المشاهير، فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز. وعقد لنفسه فى نيسابور مجلس الإملاء فى الحديث ومجالس الوعظ منذ سنة ٤٣٧ وقصده الطلاب من كل صوب. وذكره الخطيب البغدادى، فقال: «قدم علينا بغداد فى سنة ٤٤٨ وحدّث ببغداد وكتبنا عنه، وكان ثقة، وكان يقصّ، وكان حسن الوعظ مليح الإشارة» ويقول الباخرزى واصفا وعظه: «لو قرع الصّخر بصوت تحذيره لذاب، ولو ربط إبليس فى مجلسه لتاب».
وكان يعتنق مذهب الشافعى فى الفقه والفروع ومذهب الأشعرى فى علم الكلام والأصول. وكان يجمع بين الشريعة والحقيقة، وهو-كما مر بنا فى الفصل الأول-من أوائل من رأبوا الصدع الذى كان قد تفاقم بين المتصوفة وأهل السنة، وذلك فى رسالته المشهورة التى نقلنا عنها فقرة طويلة فى الفصل المذكور، والتى وجّهها إلى الصوفية وأهل السنة، وخلفه فى هذا الصنيع الغزالى السنى. ولا ريب فى أن له فضلا كبيرا فى الجمع بين الطرفين المتعارضين وإزالة ما بينهما من خلاف، بحيث أصبح أداء الفروض الدينية جزء لا يتجزأ من التصوف، كما أصبح التصوف نتيجة طبيعية للتمسك بتلك الفروض تمسكا ينتهى إلى النسك والمحبة الإلهية، دون مغالاة من شأنها أن تدفع بالمتصوف إلى منازع فلسفية تتصل بالحلول وما إلى الحلول من اتحاد بالذات الإلهية. وتلك هى صورة التصوف السنى الذى رفع عماده القشيرى، وكان شاعرا وله أشعار كثيرة، تصور تصوفه وزهده من مثل قوله:
وإذا سقيت من المحبّة جرعة ... ألقيت من فرط الخمار خمارى
كم تبت قصدا ثم لاح عذاره ... فخلعت-من ذاك العذار-عذارى
والخمار بضم الخاء بقية السكر والخمار بكسر الخاء الحجاب. يقول إنه يسكر بنشوة الحب الإلهى، وإنه إذا أخذ يتناول جرعات تلك الخمر الإلهية رفعت الحجاب بينه وبين محبوبه. وإنه ليتوب ثم تتراءى له شواهده. فيعود ثانية إلى سكره والنشوة بحبه، أو كما يقول يخلع عذاره كناية عن أنه يتهمك فيه ويقول:
ومن كان فى طول الهوى ذاق سلوة ... فإنّى من ليلى لها غير دائق
وأكثر شئ نلته من وصالها ... أمانىّ لم تصدق كخطفة بارق
فهو لا يسلو هواه ولا يكفّ عنه، لأنه هوى يتعمق شغاف قلبه فلا يستطع انفكاكا عنه ولا خلاصا منه، هوى لا يزال يتعثر فى شباكه، ومع ذلك لا ينال من وصال المحبوب شيئا إلا أمانى تبدو له كما يبدو البرق الخاطف فى السحاب. ويقول:
стр. 2741
سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهوى فى روضة الأنس ضاحك
أقمنا زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك
وهو يتحدث عن الوصال الذى يذكره المتصوفة هذا الحديث الرمزى. فقد كان ينعم به زمانا أو قل كان يخيّل إليه أنه ينعم به، وكانت تمتلئ نفسه بهجة وفرحة، غير أنه أصبح يوما، فإذا الوصال كان حلما، وإنه ليطلبه باكيا بكاء لا ينقطع، بكاء كله جزع، وكله لوعة وحسرة. وله وراء ذلك تبتلات طريفة من مثل قوله:
يا من تقاصر شكرى عن أياديه ... وكلّ كلّ لسان عن معاليه
وجوده لم يزل فردا بلا شبه ... علا عن الوقت ماضيه وآتيه
لا دهر يخلقه لا قهر يلحقه ... لا كشف يظهره لا ستر يخفيه
لا عدّ يجمعه لا ضدّ يمنعه ... لا حدّ يقطعه لا قطر يحويه
لا كون يحصره لا عون ينصره ... وليس فى الوهم معلوم يضاهيه
جلاله أزلىّ لا زوال له ... وملكه دائم لا شئ يفنيه
والتبتّل يقوم على التنزيه الشديد للذات العلية، وأنه فرد لا شبيه له، سما عن كل زمن ماض وحاضر، فلا زمن يحصره ولا دهر ينال منه، وهو القاهر فوق عباده، موجود فى كل زمان ومكان، دون انكشاف ودون حجاب، ودون حصر، ودون حدّ يطيف به أو مكان يحتويه، ليس كمثله شئ، أزلى لا زوال لجلاله ولا فناء لملكه. وهو تجريد قوىّ للذات العلية ينفصل به القشيرى وأصحاب التصوف السنى عن أصحاب التصوف الفلسفى وما آمنوا به من الحلول والاتحاد بالذات الإلهية. ويقول:
جنّبانى المجون يا صاحبيّا ... واتلوا سورة الصّلاح عليّا
قد أجبنا لزاجر العقل طوعا ... وتركنا حديث سلمى وميّا
ومنحنا لموجب الشّرع نشرا ... وشرعنا لموجب اللهو طيّا
ووجدنا إلى القناعة بابا ... فوضعنا على المطامع كيّا
كنت فى حرّ وحشتى لاختيارى ... فتعوّضت بالرّضا منه فيّا (١)
والذين ارتووا بكأس مناهم ... فعلى الصّدّ سوف يلقون غيّا
وهو يعلن فى الابيات سلوكه فى الطريق، وكأن الانحراف عن هذا السلوك مجونا أو يشبه المجون، وقد لبى عقله ودواعيه وترك اللهو وبواعثه، فهو يعيش للشريعة المحمدية قانعا، زاجرا مطامعه فى متاع الحياة. ويتصور كأنه كان يقضى أيامه قبل تصوفه فى فيافى
стр. 2742
وحشة شديدة الحرارة، حتى أفاء عليه التصوف بظلاله الوارفة، ظلال نهل فيها كئوس المنى. ومن ينهل منها لا يستطيع أن يفارق مواردها وينابيعها الثرّة أو يصدّ عنها، لأنها ينابيع الصلاح والرشاد. ومازال القشيرى غارقا فى هذه المشاعر الصوفية ناعما بها حتى توفى سنة ٤٦٥ بنيسابور ودفن بجوار شيخه أبى على الدقّاق.
يحيى (١) السّهروردىّ
ولد يحيى بن حبش حوالى سنة ٥٤٥ للهجرة بسهرورد فى الإقليم الإيرانى المعروف باسم إقليم الجبال، وبموطنه تلقى ثقافته الأولى، وتركه مبكرا إلى مدينة المراغة، ثم إلى أصفهان حيث درس الفقه وأكبّ فى أثناء ذلك على كتب التصوف والفلسفة. وأعجب بالصوفية فصحبهم وأخذ نفسه بطرقهم فى الرياضة والمجاهدة. وأكثر من الرحيل للقاء العلماء والمتفلسفة والمتصوفة. ومدّ تجواله وترحاله إلى ديار الشام. وكان قد أصبح شيخا من شيوخ التصوف الفلسفى، فكان يجادل الفقهاء. واستوت له فلسفة تصوفية إشراقية تعتمد- كما يقول دارسوه-على غنوصية آسيوية، وخير ما يصور ذلك من كتبه الكثيرة التى بلغت أكثر من أربعين كتابا مصنّفه: «حكمة الإشراق» وهو قسمان: قسم خصّ به المنطق الذى يضبط الفكر ضبطا دقيقا، وقسم ثان قصره على الأنوار الإلهية، عرض فيه لنور الأنوار وحقيقته وما يصدر عنه، كما عرض فيه للمعاد والنبوات والمنامات. وهو ينقد المنطق والفلسفة نقدا واسعا، غير أنه يراهما ضروريين للمتصوف، حتى يتعانق فى داخله العقل والقلب أو الذوق. ولجّ السهروردى فى نظرية النور وما يقابلها من الظلمة، وكأنه يتأثر النحل الفارسية من زرادشتية وغيرها فى ثنائية النور والظلمة وتقسيم العالم إلى عالم ظلمة وعالم نور. وفى رأيه أن الموجودات انبثقت عن نور الأنوار بطريق الفيض إلى ما لا نهاية، ومن ثمّ كان يقول بوحدة الوجود وبالحلول الإلهى فى الكون والكائنات. وذهب إلى النبوات لا تنقطع وأن الحكيم الصوفى المتوغل فى تصوفه أفضل وأسمى من الأنبياء. وكان طبيعيا أن يكفّره الفقهاء فى «حلب» وأن يحملوا الملك الظاهر ابن صلاح الدين على قتله سنة ٥٨٧ للهجرة. ولما تحقق القتل كان ينشد:
стр. 2743
أرى قدمى أراق دمى ... وهان دمى فها ندمى
ولكنه ندم ولات حين مندم. ومن كلامه: حرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السموات، فوحّد الله وأنت بتعظيمه ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو كان فى الوجود شمسان لانطمست الأركان، فأبى النظام أن يكون غير ما كان:
وخفيت حتى قلت لست بظاهر ... وظهرت من سعتى على الأكوان
والبيت يشير بقوة إلى فكرتى الحلول والاتحاد فى الذات العلية وكان يكثر من ترداد قوله:
لو علمنا أننا ما نلتقى ... ما قضينا من سليمى وطرا
والسّهروردى يشير فى وضوح إلى فكرة الشهود المعروفة عند المتصوفة وله شعر صوفى كثير من مثل قوله:
أقول لجارتى والدمع جارى ... ولى عزم الرحيل عن الديار
ذرينى أن أسير ولا تنوحى ... فإن الشّهب أشرفها السّوارى
وإنى فى الظلام رأيت ضوءا ... كأن الليل بدّل بالنهار
ويبدو لى من الزّوراء برق ... يذكّرنى بها قرب المزار
إذا أبصرت ذاك النور أفنى ... فما أدرى يمينى من يسارى
وهو يذكر فى الأبيات فكرة نور الأنوار إزاء عالم الظلمة الكثيف، كما يذكر فكرة الفناء الصوفية وكيف أنه يفنى عن كل ما حوله فلا يعود يشعر إلا بنور الأنوار أو بإلهه وما أنعم عليه-كما يتصور-بنعمة الوصال، بل بنعمة الاتحاد والاندماج بنوره. وله حائية رائعة يستهلها بقوله:
أبدا تحنّ إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والرّاح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
وا رحمتا للعاشقين تكلّفوا ... ستر المحبة والهوى فضّاح
وهو يخاطب الذات الإلهية قائلا إن كل الأرواح معلقة بها هائمة تتمنى وصالها لتجد فيه ريحانها وراحها ونشوتها التى لا تماثلها نشوة، وإن القلوب لتحن إليها دائما مشتاقة مولعة شاعرة بنعيم ما بعده نعيم، ويأسى لعاشقى الذات الإلهية، فهم لا يستطيعون إخفاء عشقهم ولا كتمانه، لدموعهم التى تقطر دائما على خدودهم سحّا وتسكابا، ويتضرّع إلى المحبوب قائلا:
стр. 2744
عودوا بنور الوصل من غسق الجفا ... فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له فقلوبهم ... فى نورها المشكاة والمصباح
وتمتعّوا فالوقت طاب بقربكم ... راق الشراب ودارت الأقداح
وهو يعود إلى فكرة النور ويصلها بفكرة الظلمة فالوصل نور مشرق والهجر ظلام داج، وهو يشير بالمشكاة والمصباح إلى الآية الكريمة: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درّىّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم) وكأن فى قلوب الصوفية نور الله، وهو يريد بذلك الاتحاد بالذات الإلهية النورانية، وهو اتحاد يعنى السكر والنعيم بنشوة هذه الخمر الربانية التى راقت وأخذت كئوسها وأقداحها تدور على المحبين كما يقول، أقداح من شراب روحىّ مصفىّ، ويقول مصورا لهم فى حال سكرهم:
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ... أبدا فكلّ زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتّكوا لمّا رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح
فهم سكارى فرحون بذكر حبيبهم، وهم حاضرون غائبون، وكأنما يفنون عن ذواتهم وأجسادهم بل هم فانون فعلا، لا يدركون حسّا منهم ولا ما يشبه الحس، إذ أصبحوا فى الحضرة الإلهية، وأصبحوا لا يحسّون ولا يبصرون سواها، وإنهم ليصيحون ويعلو صياحهم فرحا وابتهاجا بما صاروا إليه من الفناء والاتحاد بالله، وبما كشف عنهم من الحجب والأستار. وواضح ما يداخل هذه الأبيات من أفكار صوفية فلسفية كان ينكرها-كما قدمنا-أصحاب التصوف السنى، فهم لا يعرفون فناء ولا اتحادا، ولا يدّعون غيبة وهم حضور، كما لا يدعون رؤية الله بأبصارهم فإنه كما قال القشيرى آنفا لا يحده زمان ولا مكان ولا تبصره العيون ولا ينكشف لأحد، ليس كمثله شئ، ولا كم له ولا كيف (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) وليحيى السهروردى قصيدة فى النفس حاكى فيها قصيدة ابن سينا العينية المشهورة التى صور فيها النفس سابقة للجسد، وهى تحل فيه ودائما متشوقة إلى عالمها المثالى الأول، وفى ذلك يقول السّهروردىّ:
خلعت هياكلها بجرعاء الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوّقا
стр. 2745
فهى تشتاق عالمها القديم، ولذلك تفارق الجسد الذى حلت فيه راضية مرضية، ولعل فى هذه القصيدة ما يؤكد صلة السهروردى بابن سينا وفلسفته الإشراقية فضلا عن صلته بالفلسفة عامة.
٤ - شعراء الحكمة والفلسفة
الحكمة قديمة فى الشعر العربى منذ العصر الجاهلى، ونجدها متراصّة فى مطوّلة زهير وكانت تجرى على ألسنة كثيرين يقطّرون خبراتهم شعرا، لينتفع بها أبناء قبائلهم ومن حولهم، وتظل مبثوثة فى الشعر العربى طوال العصر الإسلامى، وتكثر فى العصر العباسى وتتعدد روافدها الأجنبية بتعدد الثقافات التى عرفها العرب والتى نقلت عنها لهم الحكم والأمثال. ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن أبان بن عبد الحميد نقل من الفارسية إلى العربية كتاب كليلة ودمنة وما فيه من أمثال، وحكم فى نحو أربعة عشر ألف بيت، وأن أبا العتاهية نظم مزدوجة طويلة سماها ذات الأمثال، وكلها حكم، ويقال إنها كانت تبلغ أربعة آلاف بيت، وروى أبو الفرج فى ترجمته بكتابه الأغانى منها قطعة طويلة، وأكبر الظن أن كثيرا من هذه الحكم نقلها أبو العتاهية عن الفارسية ولعله أخذها من بعض كتب الأدب الفارسى التى ترجمها ابن المقفع وغيره، وفى شعر أبى نواس بعض أمثال فارسية نصّ عليها القدماء. وقد مضى شعراء العصرين العباسى الأول والعباسى الثانى يسلكون فى أشعارهم بعض الأمثال الفارسية والعربية، حتى إذا كنا فى هذا العصر بإيران وجدنا الشعراء الإيرانيين ينقلون كثيرا من الأمثال المعروفة فى لغتهم إلى أشعارهم العربية، بل لقد تصّدى نفر منهم إلى صنع قصائد حكمية، هى ترجمات لبعض الأمثال الفارسية على نحو ما نجد عند أبى عبد الله الضرير الأبيوردىّ، فقد ذكر له الثعالبى قصيدة ترجم فيها أمثال الفرس، أنشد منها بعض الأبيات من مثل قوله (١):
صيامى إذا أفطرت بالسّحت ضلّة ... وعلمى إذا لم يجد ضرب من الجهل (٢)
وتزكيتى مالا جمعت من الرّبا ... رياء وبعض الجود أخزى من البخل
كسارقة الرّمّان من كرم جارها ... تعود به المرضى وتطمع فى الفضل
ألا ربّ ذئب مرّ بالقوم خاويا ... فقالوا علاه البهر من كثرة الأكل (٣)
стр. 2746
وكان الشعراء يضمّنون قصائدهم وأشعارهم كثيرا من الحكم، ومن خير من يمثل ذلك الطّغرائى فى لاميته المسماة لامية العجم، وهى تغصّ بالحكم والأمثال منذ مطالعها، ونكتفى بسرد طائفة من طرائفها على هذا النمط:
حبّ السلامة يثنى همّ صاحبه ... عن المعالى ويغرى المرء بالكسل
أعلّل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
تقدّمتنى أناس كان شوطهم ... وراء خطوى إذ أمشى على مهل
وإن علانى من دونى فلا عجب ... لى أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
أعدى عدوّك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل (١)
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعوّل فى الدنيا على رجل
وأكبر الظن أن الطغرائى لم ينقل شيئا من هذه الحكم عن الفرس إنما هى ثمرة تجاربه وخبرته بالدنيا وبالناس من حوله.
ونمت الفلسفة فى هذا العصر نمواّ واسعا، ونمت معها علوم الأوائل على نحو ما مرّ بنا فى الفصل الثانى، وظهر كثير من المتفلسفة أمثال ابن سينا وله أشعار تتّشح بشئ من تفلسفه قليلا أو كثيرا وأثرت له رباعيات فارسية وأشعار عربية فى الزهد والحكمة وبعض مسائل طبية وفلسفية، وأهم تلك الأشعار وأشهرها قصيدته العينية عن النفس، وهى تصوّرها فى عالمها العلوى الذى كانت تحيى فيه قبل اتصالها بالبدن حين يتخلّق فى الرحم، وفى عالمها السّفلى حين تمّ هذا الاتصال بالجسد. وهو اتصال تقدم عليه وهى كارهة، وتظل فى أثنائه متشوقة إلى عالمها العلوى، مع ما حدث لها فيه من ألفة، ولذلك تنفصل عنه كارهة كما اتصلت به كارهة، يقول (٢):
هبطت إليك من المحلّ الأرفع ... ورقاء ذات تعزّز وتمنّع
محجوبة عن كلّ مقلة ناظر ... وهى التى سفرت فلم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهى ذات تفجّع
أنفت وما ألفت فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنّها نسيت عهودا بالحمى ... ومنازلا بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثّقيل فأصبحت ... بين المعالم والطّلول الخضّع
стр. 2747
والورقاء: الحمامة كنى بها عن النفس. وهو يصوّرها تهبط من عالمها الرفيع أو الأرفع، عالم العقول المجردة أو العقول الكلية، الذى نجد فيه سعادتها وكمالها، ولذلك هى تهبط منه شاعرة بغير قليل من العزة والشرف، محجوبة عن كل حسّ، ومع ذلك تسفر للعقول فتدركها دون أن تبصرها، وتنزل فى البدن كارهة لأنه ليس من جنسها، غير أنها تأنس له مع الأيام، حتى إذا فارقته توجعت له وتفجعت عليه، مع أنه بدونها خراب بلقع مقفر. وكأنما نسيت عهودها بعالمها العلوى لأنسها لهذا الجسد الفانى الذى هبطت إليه من مركزها الرفيع وعشقته، عشقت مشخصّاته الأرضية التى عبر عنها بالثقل وبذات الأجرع، وغدت تحنّ إلى دياره ومعالمه وطلوله حنين الشعراء لمعشوقاتهم، ويمضى قائلا:
تبكى وقد نسيت عهودا بالحمى ... بمدامع تهمى ولما تقلع
وتظل ساجعة على الدّمن التى ... درست بتكرار الرياح الأربع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكلّ مخلّف ... عنها حليف التّرب غير مشيّع
هجعت وقد كشف الغطاء وأبصرت ... ما ليس يدرك بالعيون الهجّع
وغدت تغرّد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كلّ من لم يرفع
فهى تحنّ الى عهودها القديمة وتبكى بدموع غزار الدّمن أو أجزاء البدن التى توشك على الفساد والانحلال، حتى إذا أوشكت أن تفارق جسدها إلى عالمها الأعلى، بل حتى فارقته فعلا، فارقت البدن الفانى، عادت إليها سكينتها واستراحت، إذ كشف لها الغطاء وأبصرت ما لا تدركه العيون التى ألمّ بها النوم، وغدت تغرّد فرحة، فقد عادت إلى عالمها وعاد لها علمها بالأشياء، العلم الكلى الشامل الذى كانت قد نسيته فى سكناها البدن، ويستمر سائلا متحيرا:
فلأىّ شئ أهبطت من شاهق ... سام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أهبطها إلاله لحكمة ... طويت عن الفطن اللبيب الّلوذعى
إذ عاقها الشّرك الكثيف فصدّها ... قفص عن الأوج الفسيح الأربع
فهبوطها-لا شكّ-ضربة لازب ... لتكون سامعة لما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفيّة ... فى العالمين فخرقها لم يرقع
وهى التى قطع الزمان طريقها ... حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألّق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع
стр. 2748
وهو يعجب من هبوط النفس من العالم العلوى إلى العالم السّفلى ثم رجوعها إلى العالم الأول ويسأل فيم هبطت وفيم عادت؟ ويجيب إن كان فى ذلك حكمة لله جلّ شأنه تغيب عن العقول الذكية فأكبر الظن أنها هبطت لتسمع ما لم تكن تسمع ولتعلم ما لم تكن تعلم من العالم الأرضى وتقف على أسراره، بجانب ما كانت تعالم من العالم العلوى، وكأنها لم تبلغ من ذلك كل ما أرادت، فعادت وقد انقطع بها الزمان الدنيوى. عادت وقد تّمّت رحلتها فى الدنيا من شروق وما تلا الشروق من العلم بخفايا الأرض وعالمها وما انتهى إليه هذا الشروق من غروب، وكأنها فى هذه الرحلة القصيرة برق لمع، ثم طوته السحب طيا. وواضح ما تحمل القصيدة من فكرة وجود النفس قبل البدن وخلودها، متصلة فى الحالين بالعقل الكلى إلا ما كان من رحلتها القصيرة فى الأرض وخلال البدن، ومع ذلك فهى فى هذه الرحلة تحاول أن تعلم من أسرار عالمنا ما تضيفه إلى علمها بأسرار العالم العلوى.
وسرعان ما تنفك عن البدن ويصيبه الانحلال والفساد. ولعل من الخير أن نقف عند شاعرين من شعراء الحكم والأمثال، كان أحدهما يعنى بنقلها عن الفارسية وكان الثانى يعنى بوضعها ونظمها فى أشعاره، وهما أبو الفضل السكرى المروزى وأبو الفتح البستى.
أبو الفضل (١) السكرى المروزىّ
هو أحمد بن محمد بن زيد، يقول فيه الثعالبى: «شاعر مرو وظريفها، وله شعر مليح خفيف الروح كثير الملح والأمثال» ويورد بعض أشعاره، ثم يذكر أن له مزدوجة ترجم فيها أمثالا للفرس، وكأنه اختار أن ينظمها من وزن الرجز الذى خصّ به العباسيون منذ عصرهم الأول الشعر التعليمى لوفرة ألحانه وأنغامه، حتى يتلافوا ما فى هذا الشعر من نقص الأحاسيس والمشاعر، وظل ذلك ثاتبا طوال العصور التالية إلا ما ندر. فقد تعارف الشعراء على اختيار الرجز لنظم المعلومات والمعارف والحكم والخبرات، واتبعوا ما أحدث العباسيون الأول فى الرجز من تغيير القافية فيه من بيت إلى بيت، مع الاحتفاظ بها فى كل شطرين متقابلين بحيث يصبح الشطر فى واقع الأمر وحدة الأرجوزة المزدوجة، فهى تتألف من شطرين شطرين، وكل شطرين يتحدان فى قافيتهما. ويقف الثعالبى عند مزدوجة لأبى الفضل ترجم فيها طائفة كبيرة من أمثال الفرس، ويورد منها ثلاثة عشر بيتا من مثل قوله:
стр. 2749
من مثل الفرس ذوى الأبصار ... الثوب رهن فى يد القصّار (١)
نال الحمار بالسقوط فى الوحل ... ما كان يهوى ونجا من العمل
والعنز لا يسمن إلا بالعلف ... لا يسمن العنز بقول ذى لطف (٢)
البحر غمر الماء فى العيان ... والكلب يروى منه باللسان (٣)
من لم يكن فى بيته طعام ... فماله فى محفل مقام
كان يقال: من أتى خوانا ... من غير أن يدعى إليه هانا (٤)
ويعلّق الثعالبى بعد ذكره لبعض أمثال المزدوجة بقوله: «وكان أبو الفضل السكرى مولعا بنقل الأمثال الفارسية إلى العربية» وينشد طائفة كبيرة من الأبيات اختارها من نقله وترجماته الأخرى غير مزدوجة، من ذلك قوله:
إذا لم تطق أن ترتقى ذروة الجبل ... لعجز فقف فى سفحه هكذا المثل
وقوله:
فى كلّ مستحسن عيب بلا ريب ... ما يسلم الذهب الإبريز من عيب
وقوله:
ادّعى الثّعلب شيئا وطلب ... قيل هل من شاهد؟ قال: الذّنب
وقوله:
تبختر إخفاء لما فيه من عرج ... وليس له فيما تكلّفه فرج
وأبو الفضل إنما هو رمز لتعلق الناس بالأمثال، وهو تعلق مرجعه إلى أنها تحمل خبرات الإنسان فى عصور طويلة، ولذلك كان لكل أمة أمثالها التى تحفظها الأجيال من جيل إلى جيل، وهى لذلك تدخل فى باب الآداب الشعبية، لأنها تتداول على ألسنة الشعب، وكأنها عملات لغوية عامة، كلّ يستخدمها، وكل يلفظ بها عند مناسبتها، وكأنما يلقى بها الكلمة التى لا ترد، ولذلك سميت حكمة، فهى حكمة الشعوب وخبرتها مركزة فى قطرات أو كلمات.
стр. 2750
أبو الفتح (١) البستىّ
هو على بن محمد، ويعدّ من كبار الأدباء الإيرانيين فى زمنه، وكان يحسن الكتابة والشعر ياللسانين العربى والفارسى وعرف له أمير بست مكانته، فاتخذه كاتبا له، حتى إذا فتح بلدته الأمير سبكتكين قرّبه منه وقلّده الكتابة فى ديوانه، وحلّ عنده محل الثقة الأمين فى مهمات شئونه. ونعم بجواره، واشتهر بما صوّر فى كتبه وأشعاره من فتوحه، وظلت له نفس المكانة عند ابنه الأمير محمود الغزنوى، إلى أن غضب عليه ونفاه إلى بخارى وسرعان ما وافته المنية بها سنة ٤٠٠ للهجرة وقيل بل سنة ٤٠١ وكان شافعى المذهب معتزلىّ العقيدة.
ويعرّف به الثعالبى فيقول: «صاحب الطريقة الأنيقة فى التجنيس الأنيس، البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه ويأتى فيه بكل طريفة لطيفة». ولم يكن يستخدم الجناس استخداما واسعا فى أشعاره فحسب، بل كان أيضا يستخدمه فى كتاباته ونثره. ويورد الثعالبى طائفة من جناساته وسجعاته فى رسائله، يدل بها على قدرته فى التجنيس البديع الصيغة، فمن ذلك قوله:
«من أصلح فاسده، أرغم حاسده. من أطاع غضبه، أضاع أدبه. عادات السادات، سادات العادات. من سعادة جدّك، وقوفك عند حدّك. الخيبة، تهتك الهيبة. الدّعة، رائدة الضّعة. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلاّ. إذا بقى ما قاتك، فلا تأس على ما فاتك. المنيّة، تضحك من الأمنيّة. حدّ العفاف، الرضا بالكفاف. ظلّ الجفاء، يكسف شمس الصفاء».
ويأخذ الثعالبى فى عرض أغراض شعره بادئا بملحه فى الغزل والخمر، وهى ملح لا تقوم على الاهتمام بالمعانى بقدر ما تقوم على الاهتمام بالجناس، وكأنما أصبح الجناس وما قد يجلبه من تشبيه أو استعارة أو طباق غايته أو هدفه من صنع أشعاره، على نحو ما نجد فى قوله متغزلا:
وغزال كلّ من شبّهه ... بهلال أو ببدر ظلمه
قال إذ قبّلت بالوهم فمه ... قد تعدّيت وأسرفت فمه
стр. 2751
ومه فى آخر البيت الثانى اسم فعل أمر بمعنى اكفف. وواضح أنه جلبها ليصنع منها جناسا تاما بينها ومعها الفاء وبين كلمة «فمه» فى آخر الشطر الأول. وعلى نفس الشاكلة قوله فى الخمر لصاحبه:
أوان أنت فى هذا الأوان ... عن الرّاح المروّق فى الأوانى
فقد جانس بين «وان» فى أول البيت بعد إدخاله عليها همزة الاستفهام ليتم له جناس كامل بينها وبين كلمة «الأوان» فى آخر الشطر الأول بمعنى الزمان، ثم بينهما وبين كلمة «الأوانى» فى آخر البيت جمعا لإناء. وبالمثل معاتباته وأهاجيه ومدائحه كقوله فى مديح كاتب وكتابته:
لم تر عينى مثله كاتبا ... لكل شئ شاء وشّاء
يبدع فى الكتب وفى غيرها ... بدائعا إن شاء إنشاء
والجناس الناقص واضح بين «شئ» و «شاء» و «وشّاء» أو منمق، وأتى بجناس تام فى البيت الثانى بين كلمتى «إن شاء» و «إنشاء». ويعترف بأنه سمع وهو صبى شاعرا من موطنه «بست» يستخدم الجناس فاستحسنه وأخذ نفسه بسلوك طريقته (١). وكان هو نفسه عاملا مهما فى إشاعة هذه الطريقة بين الشعراء الإيرانيين فى زمنه (٢) وبعد زمنه. وعنى غير أديب بإفراد كتب خاصة بها مثل المطوعى الذى مرّ بنا ذكره. وكان أبو الفتح يتصنع كثيرا فى شعره لاستخدام المصطلحات الفقهية والطبية والفلسفية والفلكية والنحوية كقوله مستظهرا مصطلح اللازم والمتعدى:
قال لى لما رآنى ... طالبا مالا ورفدا
إن مالى يا حبيبى ... لازم لا يتعدّى
وكان هذا التصنع وما يماثله قد أخذ يشيع فى زمنه، ومما لا شك فيه أن البستى كان من عوامل إذاعته وانتشاره فى الأوساط الأدبية الإيرانية. على أنه ينبغى أن لا نحمل على تصنع أبى الفتح لهذه المصطلحات ولأنواع الجناس بصوره التامة والناقصة، فقد كان ينفذ فى أحيان كثيرة إلى استخدام رشيق للمصطلحات والجناسات كقوله يهجو بعض خصومه، وكان يدّعى سعة الفكر والمنطق العميق:
يبنى على الفكرة أعماله ... وذاك فى التحقيق أعمى له
فقيّض الرّحمن أفعى له ... تريه فى الخلوة أفعاله
стр. 2752
وواضح جناسه التام بين «أعماله» و «أعمى له» فى البيت الأول، وبين «أفعى له» و «أفعاله» فى البيت الثانى. ولم نتحدث حتى الآن عن الحكم والأمثال فى أشعاره، وكان يعرف كيف يصوغها صياغة محكمة، ومن أروع ما له فى هذا الجانب نونيته، وهى طويلة، وفيها يقول:
زيادة المرء فى دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران
يا عامرا لخراب الدّار مجتهدا ... بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصا على الأموال يجمعها ... أقصر فإنّ سرور المال أحزان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
وكن على الدهر معوانا لذى أمل ... يرجو نداك فإن الحرّ معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصما ... فإنه الرّكن إن خانتك أركان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتّان
والناس أعوان من واتته دولته ... وهم عليه إذا عادته أعوان
واشتهرت له هذه القصيدة الحكمية منذ حياته وانتشرت فى العالم العربى، وأخذت الاجيال العربية تردّدها فى كل بلد، حتى لتصبح قصيدة شعبية، ينشدها الناس فى كل مكان، وإلى زمن قريب كان المنشدون ينشدونها فى مقامى القاهرة. ولعل فى هذا ما يدل-من بعض الوجوه-على ما يمتاز به الشعر العربى الفصيح من شعبيته، فقصيدة تنظم فى أقصى بيئاته فى الشرق فى «بست» بأفغانستان الحالية تنشد فى قلب العالم العربى بالقاهرة، ويحفظها الشباب ويستظهرونها فى المغرب كما يستظهرونها فى المشرق. ويعقد الثعالبى فصلا طويلا لحكم البستى، ووراءها حكم وأمثال كثيرة فى ديوانه، ومن طرائفه الحكمية قوله:
لا تحقر المرء إن رأيت به ... دمامة أو رثاثة الحلل
فالنّحل شئ على ضؤولته ... يشتار منه الفتى جنا العسل (١)
وقوله:
لا يستخفّنّ الفتى بعدوّه ... أبدا وإن كان العدوّ ضئيلا
إن القذى يؤذى العيون قليله ... ولربما جرح البعوض الفيلا
وقوله:
ألم تر أنّ المرء طول حياته ... معنّى بأمر لا يزال يعالجه
стр. 2753
يدور كدود القزّ ينسج دائما ... ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه
وعلى هذا النحو لا نزال نقرأ عند أبى الفتح البستى حكما طريفة. مما يدل على بعد نظره واتساع خبرته. وكان يخليها من الجناس عادة، حتى تخفّ على ألسنة الناس وتدور فى أفواههم، ومن الحق أنه كان شاعرا خصب القريحة، مما جعل شعره يحفل بمعان وصيغ بديعة.
٥ - شعراء شعبيون
لا يستطيع أحد أن يزعم أن الشعر العربى انفصل فى عصر من عصوره عن شعوبه، إذ كان دائما ترجمانا عن عواطفها ومشاعرها، حتى فى المديح، فإن الشعراء كانوا يمدحون الحكام بالمثل العليا التى تتطلبها شعوبهم فيهم، ولم يتركوا لهم عملا قدّموه لشعوبهم دون أن يحمدوه لهم حمدا كثير، سواء أكان فى الداخل مما يتصل بنشر الأمن والعدل أم فى الخارج مما يتصل بانتصاراتهم على أعداء شعوبهم وخصومها. وكثرة الشعراء كانت من عامة الشعوب العربية، فكان طبيعيا أن تتضح فى أشعارهم روحها ومشاعرها وكل ما يجرى فى خواطرها. وقد تحدثنا عن أغراض تتضح صلتها القوية بالشعوب مثل الزهد الذى يلتحم مباشرة بالجماعة الكبيرة فيها، وكانت تعيش كادحة كدحا مريرا، لكى تثرى وتنعم بثمار عملها جماعة محدودة من الحكام وكبار التجار والإقطاعيين. ولم يكن أمام هذه الجماعة الكبيرة إلا الانصراف عن متاع الحياة وطيّباتها، وهى لذلك تقبل على شعر الزهد، ويصبح هذا الشعر غذاءها. ولا شك فى أن شعبية هذا الشعر هى التى جعلته يسهل فى لغته سهولة شديدة، لأن العامة لا تحب الإغراب اللغوى، بل تحب الأساليب السهلة المبسّطة الخفيفة التى تفهمها بمجرد أن تقرع أسماعها. وبذلك كان الزهد طوال هذا العصر شعبيا فى لغته الشعرية، وكان مما أكد شعبيته ذيوعه على ألسنة الزهاد والعباد والمتصوفة والقصّاص والفقهاء وأصحاب الحديث، فكان الناس يسمعونه فى كل مكان بالإضافة إلى ما كانوا يسمعون منه على ألسنة الشعراء، وحتى شعر المجون مع أنه خاص بطبقة معينة من الشعب ونقصد أصحاب الثراء واللهو نجد فيه أو بعبارة أدق فى بعض منه آثار الشعبية، غير أنها هذه المرة لا تأتى من سهولة الألفاظ وإنما تأتى مما كان يقترن به أحيانا من دعابة، مما يجعله أقرب إلى النوادر المضحكة، وتأتى أيضا من استظهار طائفة من أصحابه للكلمات الفارسية التى تشيع على ألسنة العامة، ويلقانا منهم كثيرون فى اليتيمة وتتمتها وفى دمية القصر
стр. 2754
والخريدة. وطبيعى أن يشيع شعر شيعى كثير على ألسنة الشيعية، يرويه خالف لهم عن سالف وخاصة ما يتصل بمراثى الحسين، وبالمثل كان يشيع لأهل السنة كثير من الأشعار المصورة لعقيدتهم السنية، مما تزخر به كتب الطبقات.
ونجد فى اليتيمة شاعرا من الأهواز يسمى محمد (١) بن عبد العزيز السوسى، يقول فيه الثعالبى إنه كان أحد شياطين الإنس، ويذكر أن له قصيدة كانت تربى على أربعمائة بيت فى وصف حاله وتنقله فى الأديان والمذاهب والصناعات، أولها:
الحمد لله ليس لى بخت ... ولا ثياب يضمّها تخت (٢)
سيّان بيتى لمن تأمّله ... والمهمه الصّحصحان والمرت (٣)
أمنت فى بيتى اللصوص فما ... للصّ فيه فوق ولا تحت
فهو عديم الحظ وليس له ثياب يضمها صوان، فكل ما يملكه فوق جلده، وبيته فارغ من الأثاث ومن أى شئ يكون فى البيوت عادة، وكأنه فلاة مقفرة، وطبيعى أن يأمن اللصوص، فليس فى بيته ما يسرقونه، وكأنه سجن ولا حرس له. ويمضى فيما رواه الثعالبى من القصيدة، فيذكر أنه اضطرّ إلى أن يتخذ مظهر متسوّلة الصوفية فقصّر ثيابه، وأحفى شاربه مستقصيا، وحمل سجّادة، وذهب إلى الحج دون أن ينويه، ودخل المسجد الحرام وصلّى فى مقام الخليل ليوهم الناس أنه صوفىّ حقا. حتى يعطفوا عليه ويحسنوا إليه. والقصيدة كانت كلها هزلا على هذا النمط.
واشتهرت منذ أوائل العصر جماعة من الشعراء الرحالة المتسولين المعروفين باسم شعراء الكدية أو التسول الأدبى، ويعرفون أيضا باسم الساسانيين نسبة إلى أمير فارسى يسمى ساسان حرمه أبوه من الملك، فهام على وجهه محترفا للكدية، وتشبه هذه الجماعة طائفة الأدباتية التى كانت معروفة بمصر فى أواخر القرن الماضى والتى كانت تظهر فى موالد الأولياء متخذة من أشعارها وسيلة لاكتساب المال وابتزازه. ونجد مقدمات هذه الجماعة الساسانية فى أوائل كتاب البخلاء للجاحظ إذ يعرض طائفة من حيلها وخدعها، ويتلوه البيهقى فيصور فى كتابه المحاسن والمساوى ألوانا من هذه الخدع والحيل. وحرى بنا أن نقف عند أهم شعرائها فى العصر: أبى دلف الخزرجى.
стр. 2755
أبو دلف الخزرجى: مسعر بن مهلهل (١)
شيخ هذه الجماعة بإيران فى العصر ومقدّمها وزعيمها من شعراء القرن الرابع الهجرى وقد عاش فى بلاط نصر بن أحمد السامانى (٣٠١ - ٣٣١ هـ) ورافق بناء على أمره مجموعة صينية فى عودتها إلى الصين، وفى عودته طاف بالهند. وعاش حتى اتصل بالصاحب بن عباد الوزير البويهى كما يوضح ذلك الثعالبى ونراه يعقد له ترجمة طويلة فى اليتيمة، ويعرّف به على هذا النحو: «شاعر كثير الملح والطرف، مشحوذ المدية فى الكدية، خنق التسعين فى الإطراب والاغتراب وركوب الأسفار الصعاب، وضرب صفحة المحراب بالجراب، فى خدمة العلوم والآداب. . وكان ينتاب حضرة الصاحب [بن عباد] ويكثر المقام عنده، ويكثر سواد غاشيته وحاشيته، ويرتفق بخدمته، ويرتزق فى جملته، ويتزود كتبه (رسائله إلى الولاة برعايته) فى أسفاره فتجرى مجرى السّفاتج (الحوالات المالية) فى قضاء أوطاره. وكان الصاحب يحفظ مناكاة (كلام ومصطلحات) بنى ساسان حفظا عجيبا، ويعجبه من أبى دلف وفور حظه منها، وكانا يتجاذبان أهدابها، ومن قول أبى دلف:
ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرّنّك الغرور (٢)
زوّق ومخرق وكل وأطبق ... واسرق وطلبق لمن يزور
لا تلتزم حالة ولكن ... در بالليالى كما تدور
والأبيات تصور حياة أبى دلف وأنها تقوم على المخرقة والتحامق والخطف والسلب والنهب. وله قصيدة طويلة سماها القصيدة الساسانية، أو هكذا أسماها الثعالبى، وهى فى ذكر المكدين وبيان فنون حرفهم وأنواع رسومهم، استهلها بالتعريف ببنى ساسان الأدباتية وكيف يعيشون على الغربة والترحال واليسر تارة والعسر وربط البطون على الجوع والمسغبة تارات، ثم يقول:
فنحن الناس كلّ النا ... س فى البرّ وفى البحر
أخذنا جزية الخلق ... من الصّين إلى مصر
стр. 2756
إلى طنجة بل فى ك ... لّ أرض خيلنا تسرى
إذا ضاق بنا قطر ... نزل عنه إلى قطر
لنا الدنيا بما فيها ... من الإسلام والكفر
فنصطاف على الثّلج ... ونشتو بلد التّمر
وطريف أن يعدّ أبو دلف ما يأخذه الساسانيون من الناس بتفاصحهم وخدعهم وحيلهم الأدبية جزية، ويصوّر الأرض كلها من مشارقها إلى مغاربها دارا لهم من الصين على المحيط الهادى إلى طنجة والمحيط الأطلسى، وكأن الدنيا كلها ملكهم ولا حواجز تحجزهم من نهر أو جبل أو بلد مسلم أو بلد كافر، فالدنيا كلها مسرح لأقدامهم، يصطافون فى أقاليمها الباردة، ويشتون فى أقاليمها الحارة الدافئة. ثم يأخذ أبو دلف فى وصف حيلهم وصفا مسهبا، وكيف أنهم كانوا يحتالون على النساء بما يكتبون لهم من تعاويذ وأحراز، وكيف أن القاصّ منهم كان يتفق مع صاحب له، ليفد على مجلس قصصه، فيأمر السامعين بإعطائه ما يجودون به، ثم إذا تفرّقوا عنه تقاسما ما أعطوه. ويصورهم يتباكون فى البرد القارس خداعا للناس، حتى تلين لهم قلوبهم ويعطوهم دراهمهم وكيف أنهم حين يلمّون بحوانيت الباعة يخطفون جوزة من هنا وتمرة أو تينة من هناك، وكيف يدهنون وجوههم بماء البيض الأصفر، لتبدو شديدة الصفرة، وكيف يعصبون جباههم ليوهموا الناس أنهم مرضى، وكيف يعقرون أو يجرحون أنفسهم بالأمواس، وكيف يطلون أجسادهم بالزيت حتى تسوّد جلودهم، وكيف يدارون ألسنتهم موهمين الناس أن الروم قطعوها فى جهادهم، محاولين أن يبتزّوا منهم الثياب والسلاح للغزو، وكيف يحملون البخور وأدواته للسؤال به، وكيف يحتالون على مرضى الأسنان بوضع دود الجبن بين أسنانهم ثم استخراجه، وكيف يروون للناس كذبا الحديث عن الأنبياء والحكايات القصار، وكيف يلبسون ثياب المتصوفة والرهبان احتيالا، وكيف يوهمون الناس أنهم يجمعون الأموال لأقربائهم الأسرى فى ديار الروم فداء لهم، وكيف يخفون إحدى أيديهم إيهاما بأنها مقطوعة، وكيف يخيّلون للناس أنهم كانوا يهودا أو نصارى وأسلموا، وكيف يوهمونهم بأنهم عمى لا يبصرون، وكيف يدورون بين العشائين منادين: رحم الله من عشىّ الغريب الجائع، آخذين من كل دار كسرة، وكيف يحتالون على الناس بمعرفة طوالعهم ونجومهم، وكيف يحتالون على الشيعة خاضبين لحاهم بالحنّاء مع حملهم الألواح والسّبح من الطين زاعمين أنها من قبر الحسين، مع نواحهم عليه ورواية الأشعار فى فضائله ومقتله، وكيف أنهم يحتالون لذرف الدموع بغمس قطنة فى الزيت وإمرارها على عيونهم، وكيف يستأجرون
стр. 2757
الصبيان والنساء ويكدون أو يشحذون عليهم، وكيف يطرحون على أبواب الحوانيت السّبحات وأقراص الحلوى، وكيف يرقون المجانين وأصحاب العاهات، وكيف يموّهون بأنهم صائمون وأنهم سيحجوّن عن الناس، وكيف يعبّرون للناس رؤاهم، وكيف يستأجرون الصبيان، وكيف يحملون السّلال فيها الحيّات وقد قلعوا أنيابها، وكيف يدّعون الطبّ ومداواة المرضى، وكيف يشحذون أو يكدون على الدّببة والسباع والقردة، وكيف يرعدون رعدات شديدة تهتز لها مفاصلهم وتصطكّ أسنانهم، وكيف أنهم يشدّون أيديهم مجموعة الأصابع حتى يظنّ أنها مقطوعة، وكيف يأوون إلى المساجد عليهم المرقعّات حتى يظن أنهم من الصوفية. وما يزال أبو دلف فى وصف خدع القوم وحيلهم، حتى يوفى على نهاية القصيدة قائلا:
ألا إنى حلبت الدّه ... ر من شطر إلى شطر
وجبت الأرض حتى صر ... ت فى التّطواف كالخضر
فإن أظفر بآمالى ... تشفّت غلّة الصّدر
وألممت بأوطانى ... قوىّ النّهى والأمر
وقد تخفق فوقى ع ... زّة ألوية النّصر
وإما تكن الأخرى ... وعزّ جائز الكسر
فلا أبت مع السّفر ... غدا فى أوبة السّفر
ولا عدت متى عدت ... بلا عزّ ولا وفر
ويقول إن له أسوة فى غربته بالسادة الطّهر آل البيت كما تشهد قبورهم فى الكوفة وكربلاء وبغداد وسامرّا وطوس وباخمرا بالقرب من الكوفة. وفى ذلك ما يدل على أنه كان شيعيا، وأكبر الظن أنه كان إماميا مثل الصاحب بن عباد. وقد صوّر فى قصيدته كل أفانين المكدين وحيلهم مستخدما مصطلحاتهم فى هذه الحيل، مما جعله يعنى بشرح القصيدة بيتا بيتا، وعنه نقل الثعالبى الشرح، ولخصناه فى إيجاز. والمصطلحات كلها شعبية، ومن المؤكد أن جماعة الكدية كلها كانت جماعة شعبية، ولا شك فى أن أبادلف بعدّ خير شاعر فى عصره عبّر عن نفسه وعن هذه الجماعة.
ولأبى دلف رحلات إلى الصين وأواسط آسيا دوّن اقتباسات كثيرة منها ياقوت فى «معجم البلدان» والقزوينى فى كتابه «آثار البلاد» ووجدت له رسالتان حلل أولاهما المستشرق الألمانى رور صوير موضحا أنه يتحدث فيها عن رحلته إلى الصين، ونشر الرسالة الثانية المستشرق مينورسكى (طبع وزارة التربية والتعليم بالقاهرة) كما نشرها مستشرقان
стр. 2758
روسيان وعنى الدكتور محمد منير مرسى بترجمة ما بذلاه فى نشرتهما والتعليق على الرسالة تعليفات علمية نافعة، تذلل صعوباتها وتجعلها ميسرة للقارئ. وفيها يصف أبو دلف رحلته فى أواسط آسيا من جنوبى أذربيجان إلى مدينة باكو فتفليس فأردبيل فهمذان فالرىّ فطبرستان فقومس فطوس فنيسابور، فهراة، فأصفهان، فمدن خوزستان. ويعنى بوصف المدن والقلاع التى شاهدها وصفا دقيقا ذاكرا معادنها وثمارها وأسواقها وأسوارها وسكانها من الشيعة وغيرهم وآثارها القديمة.
стр. 2759
الفصل الخامس
النثر وكتّابه
١ - تنوع الكتابة
رأينا فى العصرين: العباسى الأول والعباسى الثانى كيف تطور النثر العربى حتى وعى الثقافات الأجنبية العلمية والفلسفية، وكيف تحول العرب من دور النقل والترجمة إلى دور التصنيف والمشاركة العقلية الخصبة المثمرة فى ميادين العلم والفلسفة. ونحن لا نصل إلى هذا العصر: عصر الدول والإمارات، حتى يصبح فى أغلب الأمر عصر تصنيف ومشاركة حية فى الفلسفة وعلوم الأوائل، على نحو ما صوّرنا ذلك فى غير هذا الموضع.
وقد أصبح للعرب نوعان متكاملان من النثر: نوع علمى ونوع فلسفى، ونفذوا خلال ذلك إلى وضع كتب فى مصطلحات العلوم، كما أسلفنا، وكل ذلك أحدثوه بدون ضجة. ولم يتركوا علما دون أن يتعمقوا فيه ودون أن يكتبوا فيه المجلدات الضخام، ويحدثنا المطهر المقدس المتوفى سنة ٣٥٥ عن سلوك معاصريه العلمى وما يبذلون من عناء ليس وراءه عناء قائلا (١):
* «يأبى العلم أن يضع كنفه أو يخفض جناحه أو يسفر عن وجهه إلا لتمجرّد له بكلّيته، ومتوّفر عليه بأنّيّه، معان له بالقريحة الثاقبة، والرّويّة الصافية، مقترن به التأييد والتسديد، قد شمّر ذيله، وأسهر ليله، حليف النّصب، ضجيع التعب، يأخذ مأخذه متدرّجا، ويتلقّاه متطرّفا، لا يظلم العلم بالتعسف والاقتحام، ولا يخبط فيه خبط العشواء فى الظلام، ومع هجران عادة الشر، والنزوع عن نزاع الطبع، ومجانبة الإلف، ونبذ المماحكة واللّجاجة، وإجالة الرأى عند غموض الحق، والتأتى بلطيف المأتى، وتوفية النظر حقه من التمييز بين المشتبه والمتضح، والتفريق بين التمويه والتحقيق، والوقوف عند مبلغ العقول، فعند ذلك إصابة المراد، ومصادفة المرتاد».
وبهذا العناء البالغ والجهد الشاق تمثل المثقفون العلوم والفلسفة تمثلا رائعا، وكان
стр. 2760
لذلك آثار كثيرة فى تنوع فنون الكتابة والنثر، مما نراه واضحا لا فى الكتابات العلمية والفلسفية فحسب، بل أيضا فى الكتابات الأدبية، ولنأخذ جانبا واحدا هو جانب القصص، فقد أخذ يوجد بجانب القصص الأدبى الخالص قصص صوفى وقصص فلسفى. ومعروف أن المترجمين عنوا فى القرنين الثانى والثالث للهجرة بنقل كثير من القصص الفارسى والهندى وكان بين ما نقلوه كتاب ألف ليلة وليلة. ومحاكاة له ألّف محمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة ٣٣١ للهجرة كتابا قصصيا مماثلا يشتمل على ألف حكاية من حكايات العرب وغيرهم. ومنذ هذا الحين يكثر تأليف كتب السمر حتى ليذكر حمزة الأصفهانى المتوفى قبل سنة ٣٦٠ أن كتب السمر المتداولة فى أيامه بلغت سبعين كتابا (١)، وكانت العامة تتلهف منها على ما يدور حول الحب وحكاياته أو حول الجن.
وطبيعى أن تكثر كتب النوادر، وخاصة ما اتصل منها بالحمقى أو بالمغفلين، وتكثر أيضا كتب الندماء وأخبارهم.
ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى أنه أخذت تتكوّن منذ القرن الثالث حول المتصوفة حكايات كثيرة، تصوّر جهادهم فى نسكهم جهادا مضنيا، وحكايات أخرى بجانبها تصور كراماتهم. وكانت العامة تقبل على هذه الحكايات الصوفية، مما جعلها تطبع بطوابع الأدب الشعبى وألفاظه ولغته (٢). وكلما مضينا فى عصر الدول والإمارات كثرت الحكايات والأقاصيص عن المتصوفة، لما كانت تلقى من رواج عند العامة، ويكفى أن نعرض أطرافا من هذه الحكايات عند القشيرى مؤسس التصوف السنى، فقد فتح فى رسالته بابا لكرامات الأولياء، وقصّ حكايات منها تنسب إلى الصحابة والتابعين وكبار المتصوفة فى إيران والعراق ومصر والخضر ﵇. ومما حكاه أنه كان فى قصر سهل التسترى المتصوف بيت يسمى بيت السباع، يقول: فسألنا عن ذلك؟ فقالوا كانت السباع تجئ إلى سهل، وكان يدخلهم هذا البيت ويضيفهم ويطعمهم اللحم ثم يخليهم! وحكى عمن يسمى ابن سالم أنه لما مات إسحق بن أحمد دخل سهل التسترى صومعته، فوجد فيها سفطا (وعاء) فيه قارورتان، فى واحدة منهما شئ أحمر، وفى الأخرى شئ أبيض، ووجد شوشقة (قطعة) ذهب وشوشقة فضة، فرمى بالشوشقتين فى دجلة، وخلط ما فى القارورتين بالتراب! وكان على إسحق دين، قال ابن سالم: قلت لسهل إيش كان فى القارورتين، قال: إحداهما لو طرح منها وزن درهم على مثاقيل من النحاس
стр. 2761
صارت ذهبا، والأخرى لو طرح منها مثقال على مثاقيل من الرصاص صارت فضة. فقال سامع لابن سالم: وإيش عليه لو قضى منه دين إسحق؟ فقال له: إى دوست (يا صاحبى) خاف على إيمانه. وحكى عن الخوّاص أنه قال: كنت فى البادية مرة، فسرت فى وسط النهار، فوصلت إلى شجرة وبالقرب منها ماء، فنزلت، فإذا أنا بسبع عظيم أقبل، فاستسلمت، فلما قرب منى، إذا هو يعرج، فحمحم وبرك بين يدى، ووضع يده فى حجرى، فنظرت، فإذا يده منتفخة، فيها قيح ودم، فأخذت خشبة وشققت الموضع الذى فيه القيح، وشددت على يده خرقة، ومضى، وإذا أنا به بعد ساعة ومعه شبلان يبصبصان لى وحملا إلىّ رغيفا! . وحكى عن ذى النون فى رواية أبى بكر بن عبد الرحمن قال: كنا مع ذى النون المصرى فى البادية، فنزلنا تحت شجرة أم غيلان، فقلنا: ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب، فتبسم ذو النون، وقال:
أتشتهون الرطب، وحرّك الشجرة، وقال: أقسمت عليك بالذى ابتدأك وخلقك شجرة إلا نثرت علينا رطبا جنيّا، ثم حرّكها، فنثرت رطبا جنيّا، فأكلنا وشبعنا. ثم نمنا، وانتبهنا وحركنا الشجرة، فنثرت علينا شوكا! . ومما حكاه عن الخضر فى رواية أبى عمران الواسطى قال: انكسرت السفينة، وبقيت أنا وامرأتى على لوح وقد ولدت فى تلك الحالة صبية، فصاحت بى، وقالت لى: يقتلنى العطش، فقلت: هو ذا يرى حالنا، ورفعت رأسى، فإذا رجل فى الهواء ومعه كوز، فأخذت الكوز وشربنا منه، وإذا هو أطيب من المسك وأبرد من الثلج وأحلى من العسل، فقلت: من أنت؟ رحمك الله، فقال:
عبد لمولاك، فقلت: بم وصلت إلى هذا؟ فقال: تركت عوارى الدنيا لمرضاته، فأجلسنى فى الهواء، ثم غاب عنى ولم أره:
وتكثر أمثال هذه الحكايات فى كتب المتصوفة، وواضح ما فيها من إبطال قانون السببية، وإنما رويناها لندل على ذيوع حكايات وأقاصيص صوفية شعبية بين العامة، وكانت تروى بلغة وسطى بين الفصحى والعامية أو قل بلغة فصحى قريبة من أفهام العامة، وبذلك كانوا يتداولونها وكانت تشيع فى أوساطهم وتنتشر، عاملة-إلى حد- فى الإبقاء على الفصحى، لغة متداولة على ألسنة الإيرانيين فى ذلك العصر، خاصة أنهم كانوا يشغفون بالتصوف وكل ما يتصل به من أقاصيص، لا تتناول الكرامات فحسب، بل أيضا تتناول جوانب أخرى كرؤيا الرسول ﷺ فى الحلم ورؤيا الصحابة والصوفية ورؤيا الحور العين. وفى رسالة القشيرى من ذلك حكايات مختلفة، وبالمثل فى كتب المتصوفة ككتاب قرة العيون ومفرح القلب المحزون لأبى الليث السمرقندى المطبوع على هامش
стр. 2762
الروض الفائق فى المواعظ والرقائق.
ويلقانا بجانب القصص الصوفى قصص فلسفى رمزى عند ابن سينا ويحيى السّهروردىّ، أما ابن سينا فله ثلاث أقاصيص، هى حىّ بن يقطان وسلامان وأبسال، ورسالة الطير. وتستهل أقصوصة حىّ بن يقظان بأن رفقاء (هى شهوات الإنسان وغرائزه) خرجوا يتنزهون، فبينما هم يطوفون إذ رأوا شيخا بهيّا هو حى بن يقظان وقد رمز به ابن سينا إلى العقل الفعال. ويدور حوار بين حى بن يقظان والرفقاء نعرف منه خطورة علم المنطق ويسميه علم الفراسة، كما نعرف أن الرفقاء رفقاء سوء وأن هناك شاهد زور هو قوة التخيل التى توقع الإنسان فى الشر، وأن الإنسان تحفّه من يمين القوة الغضبية ومن يسار القوة الشهوانية القذرة ولا نجاة منها إلا بالموت، مثلها فى ذلك مثل الرفقاء السوء من الغرائز، وأن على الإنسان أن يقمعها بالمجاهدة. ويقول حى بن يقظان إن حدود الأرض ثلاثة، حد يحوزه الخافقان، ويقصد به المركبات المحسوسة، وحد المغرب ويقصد به الهيولى، وحد المشرق ويقصد به الصورة. وبين هذين الحدين وبين عالم البشر سور مضروب لن يتجاوزه إلا الخواص المغتسلون فى عين فوّارة لعلها علم المنطق تطهرهم وتزكيهم، إذ تضيئ لهم الحقائق. ويشير إلى المملكة المعدنية والنباتية والحيوانية ويقول إن إقليم الإنسان تقابله أقاليم المملكة السماوية وما بها من الأفلاك التسعة أو العقول التسعة التى تتسلط على الأرض والكون، ثم العلة الأولى أو علة العلل وهى الذات الإلهية. ويتحدث عن عالم الأرض ويقول إنه رتّب على سكك خمس كسكك البريد، ويريد بها الحواس الخمس، ويقول إن فى الأرض أمة بررة رامزا بها إلى القوى العاقلة. وبذلك تنتهى الأقصوصة.
وأقصوصة سلامان وأبسال لها أصول يونانية، وهما أخوان كان أبسال أصغرهما سنّا وتربىّ فى كنف أخيه، ونشأ جميلا عفيفا، شجاعا عالما أديبا. وسلامان فى الأقصوصة هو النفس الناطقة، وأبسال هو العقل أو درجة العرفان، وكانت لسلامان زوجة رمزت بها الأقصوصة إلى القوة البدنية الأمارة بالشهوة، عشقت أبسال، فقالت لزوجها أخلطه بأسرتك، ولما خلت به أظهرت له عشقها، فأبى الانصياع لها أو قل أبى العقل الانصياع إلى القوة البدنية. ومكرت به فزوجته بأختها، وقالت لها إننى لم أزوجك بأبسال ليكون لك وحدك، وإنما ليكون لنا معا. وفى ليلة الزفاف جاءته بدلا من أختها وأخذت تعانقه وتضمه إلى صدرها، فلاح برق فى السماء أبصر على ضوئه وجه زوجة أخيه فتخلص منها. ويرمز البرق إلى جذبة من جذبات الحق، وينكشف الشّرك لعين أبسال، ويتخلص
стр. 2763
من عالم الشهوات الحسية إلى عالم العقل المحض. وينتظم جنديا فى الجيش ويفتح كثيرا من البلاد رمزا إلى الاطلاع على الملكوت الأعلى. وتتفق زوجة سلامان مع الطابخ والطاعم فيدسّان لأبسال السم ويموت، ويثأر الأخ لأخيه، فيقتل الزوجة والطاعم (رمزى القوة الشهوانية) والطابخ (رمز القوة الغضبية). وسلامان نفسه فى قتله الثلاثة رمز لغلبة العقل على القوى البدنية.
وأقصوصة الطير يتخذ ابن سينا الطير فيها رمزا للحرية، ويستهلّها بدعوة إخوانه الفلاسفة الى الصفاء والإخلاص والسمو إلى الكمال، ويتصور نفسه طائرا مع طائفة من الطير تنبه لها الصيادون، فنصبوا لها الشّباك، وسرعان ما وقع فيها الطير وتشبثت بأجنحته وأرجله، فاستسلم للهلاك، وشغل كل طائر عن أخيه بأمره وكربه ناسيا حريته الضائعة كما نسيت الأرواح الإنسانية عالمها الذى هبطت منه، وأصبحت سجينة البدن. وتخلّص بعض الطيور روءسها وأجنحتها من الشباك، ولكن تظل أرجلها متعثرة فيها، ويجمع الطير قوته والشباك عالقة به، وييمّم جبل الملك رجاء أن يفكها عنه، ويرى من دونه سبعة جبال ما يزال يقطع وديانها حتى يصل إلى الجبل الثامن ويعرف أن الملك فى مدينة وراءه فينفذ إليه ويبهره جماله، ويتضرع إليه أن يفك عنه الشباك، ويقول له لا يستطيع فكها إلا عاقدوها، ويرسل إليهم رسولا معه ليفكوها عنه، وانصرف الطير مسرورا. وواضح أن كل هذا الجهاد من جبل إلى جبل إنما كان فى سبيل تخلص الأرواح من أجسادها، وترمز الجبال إلى مقامات السلوك إلى محبة الله المعروفة فى بيئات المتصوفة، بينما يرمز الرسول الذى يفكّ الشباك عن الطير إلى ملك الموت.
ويعيد يحيى بن حبش السهروردى كتابة أقصوصة حى بن يقظان متخذا لها اسما جديدا هو الغريبة الغربية، وحى بن يقظان فيها لا يرمز إلى العقل الفعال أو العقل الإنسانى كما رأينا عند ابن سينا، وإنما يرمز إلى المتصوف وجهاده ومقاماته حتى يتصل بربه محبوبه، ويستهل الأقصوصة السهروردى بأنه سافر مع أخيه عاصم من ديار ماوراء النهر إلى مدينة القيروان حيث أسرا وقيّدا فى السلاسل وألقى بهم فى بئر عميقة. ويبدو أنه يرمز بالمغرب والبئر إلى الشهوات التى تحول بين الإنسان وبين حياة الإشراق. ورأى هو وأخوه (رمز العقل كما يتضح من اسمه عاصم) هدهدا فى ليلة قمراء فى منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادى الأيمن من البقعة المباركة. وهو كتاب حمل إليهما من الذات العلية يدعوهما إلى السفر (رمز الجهاد الصوفى) بغية الوصول، ويأمرهما بركوب سفينة تجرى بهما فى موج كالجبال صاعدة بهما إلى طور سيناء، ليريا صومعة (الله). ولعله رمز بالموج إلى
стр. 2764
الشهوات. ورأيا فى الطريق جماجم عاد وثمود (رمز الضالين) وصعدا الجبل ورأيا أباهما شيخا كبيرا تكاد السموات والأرض تنشق لجماله وجلاله. وكأنه يرمز بذلك إلى وصوله.
ويطلب إلى ربه أن يخلّصه من سجن القيروان غير أنه يأمره بالعودة إليه قائلا إنه يمكنه المجئ إليه كلما شاء. وهو بالعودة إلى سجن القيروان يرمز إلى أن الصوفى لا يستطيع التخلص نهائيا من علائق الأرض. ويقول الله إنك ستتخلص يوما (يوم الموت) من سجن القيروان ولا تعود إليه. ويلقاه فى الرحلة أسد هو رمز القوة الغضبية وحيتان ربما كانت رمزا للشهوات. وكانت الرحلة شاقة. واتخذ السهروردى من مشاقها رمزا للعناء الصوفى فى الوصول إلى المعرفة الإلهية والمحبة الربانية، وقد ختمها بقوله «نجّانا الله من قيد الهيولى والطبيعة».
وإذا كان القصص نما فى العصر هذا النمو على أيدى الفلاسفة والمتصوفة فإن ضروب النثر الأخرى نمت بدورها، وفى مقدمتها المناظرات وخطابة الوعظ. أما المناظرات فكثرت كثرة مفرطة بين أصحاب المذاهب الفقهية، وكذلك بين أصحاب المذاهب الكلامية، وهى أكثر وأوسع من أن نقف عندها، وخاصة أنها كانت علمية الطابع. وأما خطابة الوعظ فتجرد لها كثيرون من الفقهاء والمحدثين والمتصوفة والزهاد وكانوا يعظون الناس فى المساجد بعد صلاة الجمعة وطوال شهر رمضان. ويصور السمرقندى المتوفى سنة ٣٧٣ ما ينبغى أن يكون عليه الواعظ والمستمعون إليه، فيقول (١): إن أول ما يحتاج إليه الواعظ أن يكون صالحا فى نفسه ورعا متواضعا، وأن لا يكون متكبرا ولا فظا غليظا، وأن يكون عالما بتفسير القرآن والأحاديث وأقاويل الفقهاء، وأن لا يحدّث الناس إلا بما صحّ عنده من الأحاديث النبوية والأخبار، وأن لا يسأل إنسانا هدية، أما إذا أهدى إليه إنسان من غير مسألة فلا بأس من أن يقبل هديته، وينبغى أن يمزج فى مجلسه بين الخوف والرجاء، فلا يجعله كله خوفا ولا كله رجاء، وإن كان الواعظ محتاجا إلى تطويل مجلسه تخلله بكلام يستظرفه السامعون حتى يزيدهم نشاطا وإقبالا على سماعه. ومن آداب المستمعين أن يصلّوا على الرسول ﷺ عند سماع اسمه وأن لا يناموا فى أثناء الوعظ، بل يظلوا ناشطين متنبهين.
ونلمّ على سبيل المثال بطائفة من كبار الوعاظ، فمنهم أبو عثمان الصابونى شيخ الإسلام بخراسان ويقال إنه ظل-كما مرّ بنا-يعظ الناس فى مجالس تذكيره ستين سنة، وإنه كان
стр. 2765
يعظهم بالعربية والفارسية (١)، ومنهم إمام الحرمين الجوينى المتوفى سنة ٤٧٨ ومن أجله بنيت المدرسة النظامية بنيسابور-كما أسلفنا-وكان يجلس للوعظ والمناظرة ورزق من التوسع فى العبارة ما لم يعهد من غيره، وكان لا يتلعثم فى كلمة (٢). ومنهم القشيرى الإمام الصوفى الكبير المتوفى بنيسابور سنة ٤٦٥ ومرّ بنا ما قيل فى وعظه من أنه «لو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب، ولو ربط إبليس فى مجلسه لتاب». ومنهم الغزالى الإمام المشهور وأخوه أحمد الذى قيل فيه: «كان واعظا تنفلق الصخور الصمّ عند سماع تحذيره، وترعد فرائص الحاضرين فى مجالس تذكيره (٣)». ومنهم فخر الدين الرازى المتوفى سنة ٦٠٦ وكان واعظا كبيرا وكان يعظ باللسانين العربى والعجمى وكان يلحقه الوجد فى حال الوعظ ويكثر البكاء. وحضر مجلس وعظه ذات يوم السلطان أبو المظفر الغزنوى، فصاح به وهو على المنبر، يا سلطان العالم! لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازى يبقى، وإن مردّنا إلى الله (٤).
وكانت كثرة الدول والإمارات الفارسية فى العصر عاملا مهما فى كثرة الرسائل الديوانية، فقد كان لكل دولة ولكل إمارة ديوان رسائل تصدّره كتّاب اشتهروا بحسن البيان، وليس ذلك فحسب فإنهم مضوا يتأنقون فى كتاباتهم صورا من التأنق حتى يرضوا أمراءهم، وكانت كتبهم لا تخلو من حلية السجع، فهى حلية مشتركة فى الرسائل جميعها وتضاف لها حلىّ مختلفة من الجناس والطباق والأخيلة، حتى لتغدو بعض الرسائل طائفة من الحليات والتنميقات. وكان الشبان يغدون على هذه الدواوين ابتغاء العمل فيختبرون، ومن تتضح عنده الملكة الأدبية يوظف فيها، وحينئذ يلزم كاتبا من كتابها، يعمل بين يديه، حتى يخرّجه كاتبا ماهرا. وكان بعضهم يظل فى حضرة الدولة أو عاصمتها، وبعضهم يرسل إلى الولايات للعمل بين أيدى الولاة. وكل ذلك كان يدفع شباب الكتاب إلى التنافس بينهم، تنافسا أداهم إلى التثقف الواسع بألوان الثقافات المختلفة من لغوية وغير لغوية. وكان من يظهر منهم نبوغا يرتقى سريعا وقد يصبح رئيسا للديوان، وقد يصبح وزيرا يدبر أمور الدولة كلها، وربما أصبح واليا لمدينة كبيرة. وكل ذلك دفع إلى النهوض بالكتابة الديوانية، وخاصة فى القرون الرابع والخامس والسادس للهجرة، حين كانت العربية لا تزال عالبة ولا يزال سلطانها نافذا فى الأعمال الرسمية. وبالمثل ظلت فى
стр. 2766
تلك القرون الكتابة الإخوانية مزدهرة، فالادباء يصوّرون فى رسائلهم الشخصية عواطفهم فى التهادى والاستمناح والثناء والذم والتهانى والعتاب والاستعطاف والتعزية، مظهرين فى هذا المجال براعة فى طرافة التفكير وجمال التعبير، وسنعنى فى الصحف التالية بالحديث عن كتاب الرسائل الديوانية والشخصية، ونقف قليلا عند قابوس بن وشمكير ومحمد بن عبد الجبار العتبى ورشيد الدين الوطواط من كتّاب الدول والإمارات ثم نلمّ بابن العميد واضع طريقة كتابة الرسائل فى العصر وتلميذه الصاحب بن عباد وبديع الزمان وما أنشأ من مقاماته الرائعة.
٢ - كتّاب الرسائل
من أهم ما يلاحظ فى مطالع هذا العصر بإيران ازدهار الحياة الأدبية، فإن أصحاب الدول والإمارات الإيرانية تنافسوا فى جمع الأدباء من حولهم، واتخذوا لذلك كل ما استطاعوا من تشجيع مادى مما جعل حواضرهم تتحول إلى مراكز أدبية كبيرة، ولعلنا لم ننس ما مرّ بنا من كثرة الإمارات الفارسية فى القرن الرابع الهجرى، فقد كان السامانيون فى بخارى بخراسان والبويهيون بالرّىّ والزياريون فى طبرستان وجرجان، ولم يلبث الغزنويون أن ظهروا فى هراة بأفغانستان. وكان كل حاكم يسعى إلى أن تحفل عاصمته بكبار الكتاب والشعراء، وكانوا دائما يختارون كاتبا كبيرا ليتولى شئون دواوينهم، وكان بدوره يختار طائفة من الكتاب البلغاء لمعاونته، فلا نعجب إذا نشطت الكتابة حينئذ وكثر الكتاب بإيران كثرة مفرطة. ولم يكن أصحاب الإمارة الكبيرة أو الدولة فقط هم الذين يجذبون الكتاب البلغاء إلى دواوينهم، بل كان أيضا يصنع صنيعهم حكام البلدان والإمارات الصغيرة، ولذلك تعددت مراكز الأدب فى الإمارة الواحدة على نحو ما يرى القارئ للثعالبى فى كتابه اليتيمة، فإنه عرض فى حديثه عن الدولة السامانية وحاضرتها بخارى بخراسان لنيسابور وما كان بها من نشاط أدبى واسع، وبالمثل عرض فى حديثه عن الدولة البويهية وحاضرتها الكبرى فى الرّىّ لأصبهان والجبل وفارس والأهواز.
ولن نستطيع أن نتعقب جميع كتاب الدول والإمارات الإيرانية فى القرن الرابع فضلا عما وراءه من قرون، ولذلك سنكتفى ببعض المشهورين متخذين منهم أمثلة لازدهار كتابة الرسائل الديوانية والإخوانية قبل الغزو المغولى أو التتارى فى القرن السابع الهجرى. وأول من نقف عندهم كتاب الدولة السامانية ومن كبار كتابها العميد والد أبى الفضل بن العميد
стр. 2767
كبير كتاب القرن الرابع وعلى بن محمد (١) الإسكافى النيسابورى وأسرة بنى ميكال من أهل نيسابور وفى مقدمتهم أبو الفضل الميكالى الذى ترجمنا له بين شعراء الغزل، ويقتطف الثعالبى فصولا طريفة من رسائله. وأكثر المجلد الرابع من اليتيمة إنما هو فى الترجمة لأدباء بخارى ونيسابور ومن طرأ عليهما من كبار الأدباء مثل بديع الزمان، وسنفرد له حديثا، ومثل أبى بكر الخوارزمى، وقد ترجمنا له فى شعراء الهجاء، وهو أكبر كتاب الرسائل الشخصية أو الإخوانية فى العصر ورسائله مطبوعة، وقد تحدثنا عن فنه الكتابى وبراعته الأدبية فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى النثر العربى».
ويفيض المجلد الثالث من كتاب اليتيمة فى ذكر كتّاب الدولة البويهية فى الرىّ وأصبهان والجبل وفارس والأهواز وفى مقدمتهم ابن العميد والصاحب بن عباد، وسنخص كلامنهما بحديث، ويشيد الثعالبى بأبى العباس (٢) الضبى المتوفى سنة ٣٩٩ ويقول إنه خليفة الصاحب وجذوة من ناره، ويجرى فى طريقه، ترسما وترسلا. وكان لجرجان وطبرستان حظهما من الكتاب والشعراء، ولعل كاتبا فيهما لم ينبغ نبوغ قابوس بن وشمكير فى الترسل والكتابة، وسنلم به وبكتابته عما قليل. ونلتقى فى الدولة الغزنوية بكثيرين من الكتاب وفى مقدمتهم أبو الفتح البستى، وقد ترجمنا له بين شعراء الحكمة والفلسفة، وكان يعاونه فى الكتابة أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبى، وسنقف عنده بعد قليل. ومن كتّاب الدولة الغزنوية أبو بكر القهستانى الذى ترجمنا له بين شعراء اللهو والمجون وكان على رأس كتّاب الأمير محمد بن محمود الغزنوى. ويذكر الثعالبى فى تتمة اليتيمة بعض أسجاعه فى رسائله.
ومن كتاب هذه الدولة أيضا القاضى أبو أحمد منصور (٣) بن محمد الأزدى الهروى المتوفى سنة ٤٤٠ وأشاد بكتاباته وأشعاره كل من ترجموا له من القدماء.
ونمضى إلى الدولة السلجوقية فى القرن الخامس الهجرى ونجد على رأس كتّابها أول وزير لها عميد الملك منصور بن محمد الكندرىّ المارّ ذكره المتوفى سنة ٤٥٦ للهجرة وفيه يقول صاحب الدمية: «لعميد الملك الكندرىّ طريقة فى الترسل محمودة، وموافقة فى البلاغة مشهودة» (٤) ويذكر نموذجا من كتاباته. ومن كتّاب هذه الدولة أبو الحسن (٥) الحسينى
стр. 2768
البلخى، وكان ألب أرسلان يرسله فى مهامّه إلى بغداد، ويسوق الباخرزى فى الدمية نموذجا من سلطانياته. ومن كتاب هذه الدولة أيضا الباخرزى صاحب الدمية، ومرت ترجمته بين شعراء اللهو والمجون، والطغرائى ومرت ترجمته بين شعراء المديح، والأبيوردى وعمل فى دواوين السلاجقة ببغداد وأصفهان وغيرهما من البلدان، ومرت ترجمته بين شعراء الفخر والهجاء والشكوى.
وكانت الدولة الخوارزمية تقود بدورها نشاطا أدبيا وعلميا عظيما استمر حتى قضاء التتار عليها سنة ٦٢٩ للهجرة، ويكفى أن هذا النشاط أنتج العالم المعتزلى الكبير الزمخشرى المتوفى سنة ٥٣٨ كما أنتج كاتبا كبيرا يعدّ آخر كتاب الدواوين النابهين فى إيران، وهو رشيد الدين الوطواط، وسنخصه بكلمة، بعد إلمامنا ب قابوس بن وشمكير وأبى النصر العتبىّ.
قابوس (١) بن وشمكير
هو أحد أمراء الدولة الزّيارية فى طبرستان وجرجان وبلاد الجبل، ويرجع نسبه هو وأسرته إلى «آل قارن» إحدى الأسر السبع الرفيعة-فيما يقال-لعهد الساسانيين. وينسبه البيرونى هو وأسرته إلى «قباذ» الملك الساسانى. ولى الحكم فى إمارته بعد أبيه وشمكير ابن زيار سنة ٣٦٧ ولقبه الخليفة العباسى بلقب «شمس المعالى» واشتبك مع البويهيين فى سلسلة حروب انتهت بفراره من إمارته إلى السامانيين سنة ٣٧١ وظل عندهم مكرّما، حتى استردّ ملكه سنة ٣٨٨. وكان أميرا جليل القدر بعيد الهمة، غير انه كان-كما يقول ابن خلكان-على ما خصّ به من المناقب، والرأى البصير بالعواقب، مرّ السياسة لا يساغ كأسه، ولا تؤمن بحال سطوته وبأسه، يقابل زلّة القدم، بإراقة الدم، لا يذكر العفو عند الغضب، فما زال على هذا الخلق، حتى استوحشت النفوس منه وانقلبت القلوب عليه، فأجمع أعيان دولته وعسكره على خلعه ونزع أيديهم من طاعته، وحاصروه بإحدى القلاع فى جرجان. وكان ابنه منوجهر بطبرستان فاستحثّوه على السير إليهم لعقد البيعة له، فأسرع فى الحضور وبايعوه على أن يخلع أباه، ونزل على إرادتهم، وألزم أباه المكث بإحدى القلاع، ولم يزل فى سجنه حتى توفى سنة ٤٠٣ على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.
стр. 2769
وكان قابوس مكرما للعلماء والشعراء يجزل الصلات لهم، وقدّم له البيرونى كتابه «الآثار الباقية» وقدم له الثعالبى كتابيه: «المبهج» و «التمثل والمحاضرة». وكان مثقفا ثقافة واسعة شملت علوم الأوائل، ويقال إنه كتب فى الإسطرلاب كتابا كان يعجب به الصاحب. وكان أديبا بارعا، وهو يعد من كبار الكتاب فى عصره، وفيه يقول الثعالبى:
«جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم بسطة القلم، وإلى فصل الحكمة نفاذ الحكم، وإنى أتوّج هذا الكتاب (اليتيمة) بلمع من ثمار بلاغته. . وأكتب فصولا من عالى نثره».
ويقول العتبى فى كتابه اليمينى: «إن رسائله موجودة فى البلاد عند الأفراد، لكنى أكتفى منها بلمعة من بوارق بيانه، وزهرة من حدائق إحسانه». ويعلق أبو هلال العسكرى على رسالة له اقتبسها فى كتابه «ديوان المعانى» بأنها لا نظير لها فى الافتخار والعتاب. وقد جمع رسائله فى عصر قريب منه عبد الرحمن بن على اليزدادى باسم «كمال البلاغة» ونشرت فى القاهرة، ونراه يحلل فى مقدمته لها بلاغته، وقد ردّها إلى أربعة عشر نوعا فى طريقة التسجيع واستخدام قابوس اللوازم المتصلة به، مما يصور بوضوح تعقد السجع عند قابوس تعقدا شديدا، وهو تعقد مرجعه فيما يظهر سعة وقته، وكأنه اتخذ منه أداة للهوه وتسليته على نحو ما يتضح فى المطلع التالى لإحدى رسائله:
«الإنسان خلق ألوفا، وطبع عطوفا، فما لسيدى لا يحنى عوده، ولا يرجى عوده، ولا يخال لفيئه مخيلة، ولا يحال تنكره بحيلة، أمن صخر تدمر قلبه، فليس يلينه العتاب، أم من الحديد جانبه فليس يميله الإعتاب».
وواضح تصنعه المعقد للجناس فى سجعانه إذ يجانس بين «عوده» و «عوده» ملتمسا جناسه فى اختلاف حركة العين فى الكلمتين، وقد يلتمس الجناس عن طريق الاشتقاق كما فى «يخال» و «مخيلة» وفى «يحال» و «بحيلة». وقد يلتمسه فى تغاير بعض الحروف فى الكلمة كما فى «مخيلة» و «بحيلة». وكل ذلك ليظهر مهارته فى تضييق ممراته إلى أسجاعه.
وفى كتابنا «الفن ومذاهبه فى النثر العربى» بيان واف لهذا الجانب عنده.
أبو النصر (١) العتبى
هو محمد بن عبد الجبار العتبى، مولده ومرباه فى الرّىّ، وقد فارقها فى شبابه، وقدم خراسان على خاله أبى نصر العتبى وكان من وجوه العمال بها، فلم يزل يرعاه كالولد العزيز
стр. 2770
عند الوالد الحانى إلى أن وافاه القدر. وتتقلب بمحمد أحوال وأسفار وأعمال فى الدواوين إلى أن استقر أمره فى العمل مع أبى الفتح البستى فى ديوان أبى منصور سبكتكين مؤسس الدولة الغزنوية، وظل يعمل بعد وفاة سبكتكين مع ابنه محمود حين استولى على صولجان الحكم، وكان محمود يعترف-كما مر بنا-بالسلطة الروحية للخليفة العباسى، فخلع عليه لقب يمين الدولة وأمين الملة. واتسع ملكه-كما أسلفنا-حتى شمل خوارزم وماوراء النهر وإيران الوسطى والشرقية وكشمير والبنجاب فى الهند. وعنى أبو النصر العتبى بكتابة تاريخ هذا الفاتح العظيم وسمى كتابه اليمينى نسبة إلى لقب محمود الذى خلعه عليه الخليفة: «يمين الدولة» وقد انتهى به عند سنة ٤٠٩ مع أنه عاش حتى سنة ٤٢٧. وربما كان فى ذلك ما يدل على أنه صنفه فى وقت متأخر، وأنه لم تتح له الفرصة لتكملته. ويقول السبكى:
«وأهل خوارزم وما والاها يعتنون بهذا الكتاب، ويضبطون ألفاظه أشد من اعتناء أهل بلادنا بمقامات الحريرى» وهو مطبوع فى القاهرة مع شرح المنينى له فى القرن الماضى، ونسوق القطعة التالية منه مع ما سجله من ألقاب محمود الغزنوى، يقول:
«الأمير السيد، الملك المؤيد، يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود بن ناصر الدين أبى منصور سبكتكين، ملك الشّرق بجنبيه، والصدر من العالم ويديه، لانتظام الإقليم الرابع بما يليه من الثالث والخامس فى حوزة ملكه، وحصول ممالكها الفسيحة وولاياتها العريضة فى قبضته، ومصير أمرائها وذوى الألقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته، وجبايته، واستدرائهم «دفعهم» من آفات الزمان بظل ولايته، ورعايته، وإذعان ملوك الأرض لعزته، وارتياعهم بفائض هيبته، واحتراسهم-على تقاذف الديار، وتحاجز الأنجاد والأغوار-من فاجئ ركضته».
والعتبى بكتابته تاريخ محمود الغزنوى بهذه اللغة المسجوعة يحاكى الصابئ فى كتابه «التاجى فى ملوك بنى بويه» الذى كتبه قبله بنفس اللغة، وقد سقط «التاجى» من يد الزمن بحيث لا نستطيع المقارنة بين العملين. ويبدو أن كتاب العتبى كان أخف، فتعلقت به القلوب والأفئدة، حتى قالوا إن من جاءوا بعده كانوا يتحفظونه ويتدارسونه ويتخذونه قدوة لهم فى البلاغة. وعلى شاكلته فى خفة السجع وعذوبته رسائله، فإن الفصول التى حكاها الثعالبى منها تتخذ نفس الأسلوب فلا تكلف ولا تصنع ولا تعمل من مثل قوله فى رقعة كتبها فى الإنكار على من يذم الدهر:
«عتبك على الدهر داع إلى العتب عليك، واستبطاؤك إياه صارف عنان اللّوم إليك، فالدّهر سهم من سهام الله منزعه عن مقابض أحكامه، ومطلعه من جانب