تلك القرون الكتابة الإخوانية مزدهرة، فالادباء يصوّرون فى رسائلهم الشخصية عواطفهم فى التهادى والاستمناح والثناء والذم والتهانى والعتاب والاستعطاف والتعزية، مظهرين فى هذا المجال براعة فى طرافة التفكير وجمال التعبير، وسنعنى فى الصحف التالية بالحديث عن كتاب الرسائل الديوانية والشخصية، ونقف قليلا عند قابوس بن وشمكير ومحمد بن عبد الجبار العتبى ورشيد الدين الوطواط من كتّاب الدول والإمارات ثم نلمّ بابن العميد واضع طريقة كتابة الرسائل فى العصر وتلميذه الصاحب بن عباد وبديع الزمان وما أنشأ من مقاماته الرائعة.
٢ - كتّاب الرسائل
من أهم ما يلاحظ فى مطالع هذا العصر بإيران ازدهار الحياة الأدبية، فإن أصحاب الدول والإمارات الإيرانية تنافسوا فى جمع الأدباء من حولهم، واتخذوا لذلك كل ما استطاعوا من تشجيع مادى مما جعل حواضرهم تتحول إلى مراكز أدبية كبيرة، ولعلنا لم ننس ما مرّ بنا من كثرة الإمارات الفارسية فى القرن الرابع الهجرى، فقد كان السامانيون فى بخارى بخراسان والبويهيون بالرّىّ والزياريون فى طبرستان وجرجان، ولم يلبث الغزنويون أن ظهروا فى هراة بأفغانستان. وكان كل حاكم يسعى إلى أن تحفل عاصمته بكبار الكتاب والشعراء، وكانوا دائما يختارون كاتبا كبيرا ليتولى شئون دواوينهم، وكان بدوره يختار طائفة من الكتاب البلغاء لمعاونته، فلا نعجب إذا نشطت الكتابة حينئذ وكثر الكتاب بإيران كثرة مفرطة. ولم يكن أصحاب الإمارة الكبيرة أو الدولة فقط هم الذين يجذبون الكتاب البلغاء إلى دواوينهم، بل كان أيضا يصنع صنيعهم حكام البلدان والإمارات الصغيرة، ولذلك تعددت مراكز الأدب فى الإمارة الواحدة على نحو ما يرى القارئ للثعالبى فى كتابه اليتيمة، فإنه عرض فى حديثه عن الدولة السامانية وحاضرتها بخارى بخراسان لنيسابور وما كان بها من نشاط أدبى واسع، وبالمثل عرض فى حديثه عن الدولة البويهية وحاضرتها الكبرى فى الرّىّ لأصبهان والجبل وفارس والأهواز.
ولن نستطيع أن نتعقب جميع كتاب الدول والإمارات الإيرانية فى القرن الرابع فضلا عما وراءه من قرون، ولذلك سنكتفى ببعض المشهورين متخذين منهم أمثلة لازدهار كتابة الرسائل الديوانية والإخوانية قبل الغزو المغولى أو التتارى فى القرن السابع الهجرى. وأول من نقف عندهم كتاب الدولة السامانية ومن كبار كتابها العميد والد أبى الفضل بن العميد
стр. 2767
كبير كتاب القرن الرابع وعلى بن محمد (١) الإسكافى النيسابورى وأسرة بنى ميكال من أهل نيسابور وفى مقدمتهم أبو الفضل الميكالى الذى ترجمنا له بين شعراء الغزل، ويقتطف الثعالبى فصولا طريفة من رسائله. وأكثر المجلد الرابع من اليتيمة إنما هو فى الترجمة لأدباء بخارى ونيسابور ومن طرأ عليهما من كبار الأدباء مثل بديع الزمان، وسنفرد له حديثا، ومثل أبى بكر الخوارزمى، وقد ترجمنا له فى شعراء الهجاء، وهو أكبر كتاب الرسائل الشخصية أو الإخوانية فى العصر ورسائله مطبوعة، وقد تحدثنا عن فنه الكتابى وبراعته الأدبية فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى النثر العربى».
ويفيض المجلد الثالث من كتاب اليتيمة فى ذكر كتّاب الدولة البويهية فى الرىّ وأصبهان والجبل وفارس والأهواز وفى مقدمتهم ابن العميد والصاحب بن عباد، وسنخص كلامنهما بحديث، ويشيد الثعالبى بأبى العباس (٢) الضبى المتوفى سنة ٣٩٩ ويقول إنه خليفة الصاحب وجذوة من ناره، ويجرى فى طريقه، ترسما وترسلا. وكان لجرجان وطبرستان حظهما من الكتاب والشعراء، ولعل كاتبا فيهما لم ينبغ نبوغ قابوس بن وشمكير فى الترسل والكتابة، وسنلم به وبكتابته عما قليل. ونلتقى فى الدولة الغزنوية بكثيرين من الكتاب وفى مقدمتهم أبو الفتح البستى، وقد ترجمنا له بين شعراء الحكمة والفلسفة، وكان يعاونه فى الكتابة أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبى، وسنقف عنده بعد قليل. ومن كتّاب الدولة الغزنوية أبو بكر القهستانى الذى ترجمنا له بين شعراء اللهو والمجون وكان على رأس كتّاب الأمير محمد بن محمود الغزنوى. ويذكر الثعالبى فى تتمة اليتيمة بعض أسجاعه فى رسائله.
ومن كتاب هذه الدولة أيضا القاضى أبو أحمد منصور (٣) بن محمد الأزدى الهروى المتوفى سنة ٤٤٠ وأشاد بكتاباته وأشعاره كل من ترجموا له من القدماء.
ونمضى إلى الدولة السلجوقية فى القرن الخامس الهجرى ونجد على رأس كتّابها أول وزير لها عميد الملك منصور بن محمد الكندرىّ المارّ ذكره المتوفى سنة ٤٥٦ للهجرة وفيه يقول صاحب الدمية: «لعميد الملك الكندرىّ طريقة فى الترسل محمودة، وموافقة فى البلاغة مشهودة» (٤) ويذكر نموذجا من كتاباته. ومن كتّاب هذه الدولة أبو الحسن (٥) الحسينى
стр. 2768
البلخى، وكان ألب أرسلان يرسله فى مهامّه إلى بغداد، ويسوق الباخرزى فى الدمية نموذجا من سلطانياته. ومن كتاب هذه الدولة أيضا الباخرزى صاحب الدمية، ومرت ترجمته بين شعراء اللهو والمجون، والطغرائى ومرت ترجمته بين شعراء المديح، والأبيوردى وعمل فى دواوين السلاجقة ببغداد وأصفهان وغيرهما من البلدان، ومرت ترجمته بين شعراء الفخر والهجاء والشكوى.
وكانت الدولة الخوارزمية تقود بدورها نشاطا أدبيا وعلميا عظيما استمر حتى قضاء التتار عليها سنة ٦٢٩ للهجرة، ويكفى أن هذا النشاط أنتج العالم المعتزلى الكبير الزمخشرى المتوفى سنة ٥٣٨ كما أنتج كاتبا كبيرا يعدّ آخر كتاب الدواوين النابهين فى إيران، وهو رشيد الدين الوطواط، وسنخصه بكلمة، بعد إلمامنا ب قابوس بن وشمكير وأبى النصر العتبىّ.
قابوس (١) بن وشمكير
هو أحد أمراء الدولة الزّيارية فى طبرستان وجرجان وبلاد الجبل، ويرجع نسبه هو وأسرته إلى «آل قارن» إحدى الأسر السبع الرفيعة-فيما يقال-لعهد الساسانيين. وينسبه البيرونى هو وأسرته إلى «قباذ» الملك الساسانى. ولى الحكم فى إمارته بعد أبيه وشمكير ابن زيار سنة ٣٦٧ ولقبه الخليفة العباسى بلقب «شمس المعالى» واشتبك مع البويهيين فى سلسلة حروب انتهت بفراره من إمارته إلى السامانيين سنة ٣٧١ وظل عندهم مكرّما، حتى استردّ ملكه سنة ٣٨٨. وكان أميرا جليل القدر بعيد الهمة، غير انه كان-كما يقول ابن خلكان-على ما خصّ به من المناقب، والرأى البصير بالعواقب، مرّ السياسة لا يساغ كأسه، ولا تؤمن بحال سطوته وبأسه، يقابل زلّة القدم، بإراقة الدم، لا يذكر العفو عند الغضب، فما زال على هذا الخلق، حتى استوحشت النفوس منه وانقلبت القلوب عليه، فأجمع أعيان دولته وعسكره على خلعه ونزع أيديهم من طاعته، وحاصروه بإحدى القلاع فى جرجان. وكان ابنه منوجهر بطبرستان فاستحثّوه على السير إليهم لعقد البيعة له، فأسرع فى الحضور وبايعوه على أن يخلع أباه، ونزل على إرادتهم، وألزم أباه المكث بإحدى القلاع، ولم يزل فى سجنه حتى توفى سنة ٤٠٣ على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.
стр. 2769
وكان قابوس مكرما للعلماء والشعراء يجزل الصلات لهم، وقدّم له البيرونى كتابه «الآثار الباقية» وقدم له الثعالبى كتابيه: «المبهج» و «التمثل والمحاضرة». وكان مثقفا ثقافة واسعة شملت علوم الأوائل، ويقال إنه كتب فى الإسطرلاب كتابا كان يعجب به الصاحب. وكان أديبا بارعا، وهو يعد من كبار الكتاب فى عصره، وفيه يقول الثعالبى:
«جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم بسطة القلم، وإلى فصل الحكمة نفاذ الحكم، وإنى أتوّج هذا الكتاب (اليتيمة) بلمع من ثمار بلاغته. . وأكتب فصولا من عالى نثره».
ويقول العتبى فى كتابه اليمينى: «إن رسائله موجودة فى البلاد عند الأفراد، لكنى أكتفى منها بلمعة من بوارق بيانه، وزهرة من حدائق إحسانه». ويعلق أبو هلال العسكرى على رسالة له اقتبسها فى كتابه «ديوان المعانى» بأنها لا نظير لها فى الافتخار والعتاب. وقد جمع رسائله فى عصر قريب منه عبد الرحمن بن على اليزدادى باسم «كمال البلاغة» ونشرت فى القاهرة، ونراه يحلل فى مقدمته لها بلاغته، وقد ردّها إلى أربعة عشر نوعا فى طريقة التسجيع واستخدام قابوس اللوازم المتصلة به، مما يصور بوضوح تعقد السجع عند قابوس تعقدا شديدا، وهو تعقد مرجعه فيما يظهر سعة وقته، وكأنه اتخذ منه أداة للهوه وتسليته على نحو ما يتضح فى المطلع التالى لإحدى رسائله:
«الإنسان خلق ألوفا، وطبع عطوفا، فما لسيدى لا يحنى عوده، ولا يرجى عوده، ولا يخال لفيئه مخيلة، ولا يحال تنكره بحيلة، أمن صخر تدمر قلبه، فليس يلينه العتاب، أم من الحديد جانبه فليس يميله الإعتاب».
وواضح تصنعه المعقد للجناس فى سجعانه إذ يجانس بين «عوده» و «عوده» ملتمسا جناسه فى اختلاف حركة العين فى الكلمتين، وقد يلتمس الجناس عن طريق الاشتقاق كما فى «يخال» و «مخيلة» وفى «يحال» و «بحيلة». وقد يلتمسه فى تغاير بعض الحروف فى الكلمة كما فى «مخيلة» و «بحيلة». وكل ذلك ليظهر مهارته فى تضييق ممراته إلى أسجاعه.
وفى كتابنا «الفن ومذاهبه فى النثر العربى» بيان واف لهذا الجانب عنده.
أبو النصر (١) العتبى
هو محمد بن عبد الجبار العتبى، مولده ومرباه فى الرّىّ، وقد فارقها فى شبابه، وقدم خراسان على خاله أبى نصر العتبى وكان من وجوه العمال بها، فلم يزل يرعاه كالولد العزيز
стр. 2770
عند الوالد الحانى إلى أن وافاه القدر. وتتقلب بمحمد أحوال وأسفار وأعمال فى الدواوين إلى أن استقر أمره فى العمل مع أبى الفتح البستى فى ديوان أبى منصور سبكتكين مؤسس الدولة الغزنوية، وظل يعمل بعد وفاة سبكتكين مع ابنه محمود حين استولى على صولجان الحكم، وكان محمود يعترف-كما مر بنا-بالسلطة الروحية للخليفة العباسى، فخلع عليه لقب يمين الدولة وأمين الملة. واتسع ملكه-كما أسلفنا-حتى شمل خوارزم وماوراء النهر وإيران الوسطى والشرقية وكشمير والبنجاب فى الهند. وعنى أبو النصر العتبى بكتابة تاريخ هذا الفاتح العظيم وسمى كتابه اليمينى نسبة إلى لقب محمود الذى خلعه عليه الخليفة: «يمين الدولة» وقد انتهى به عند سنة ٤٠٩ مع أنه عاش حتى سنة ٤٢٧. وربما كان فى ذلك ما يدل على أنه صنفه فى وقت متأخر، وأنه لم تتح له الفرصة لتكملته. ويقول السبكى:
«وأهل خوارزم وما والاها يعتنون بهذا الكتاب، ويضبطون ألفاظه أشد من اعتناء أهل بلادنا بمقامات الحريرى» وهو مطبوع فى القاهرة مع شرح المنينى له فى القرن الماضى، ونسوق القطعة التالية منه مع ما سجله من ألقاب محمود الغزنوى، يقول:
«الأمير السيد، الملك المؤيد، يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود بن ناصر الدين أبى منصور سبكتكين، ملك الشّرق بجنبيه، والصدر من العالم ويديه، لانتظام الإقليم الرابع بما يليه من الثالث والخامس فى حوزة ملكه، وحصول ممالكها الفسيحة وولاياتها العريضة فى قبضته، ومصير أمرائها وذوى الألقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته، وجبايته، واستدرائهم «دفعهم» من آفات الزمان بظل ولايته، ورعايته، وإذعان ملوك الأرض لعزته، وارتياعهم بفائض هيبته، واحتراسهم-على تقاذف الديار، وتحاجز الأنجاد والأغوار-من فاجئ ركضته».
والعتبى بكتابته تاريخ محمود الغزنوى بهذه اللغة المسجوعة يحاكى الصابئ فى كتابه «التاجى فى ملوك بنى بويه» الذى كتبه قبله بنفس اللغة، وقد سقط «التاجى» من يد الزمن بحيث لا نستطيع المقارنة بين العملين. ويبدو أن كتاب العتبى كان أخف، فتعلقت به القلوب والأفئدة، حتى قالوا إن من جاءوا بعده كانوا يتحفظونه ويتدارسونه ويتخذونه قدوة لهم فى البلاغة. وعلى شاكلته فى خفة السجع وعذوبته رسائله، فإن الفصول التى حكاها الثعالبى منها تتخذ نفس الأسلوب فلا تكلف ولا تصنع ولا تعمل من مثل قوله فى رقعة كتبها فى الإنكار على من يذم الدهر:
«عتبك على الدهر داع إلى العتب عليك، واستبطاؤك إياه صارف عنان اللّوم إليك، فالدّهر سهم من سهام الله منزعه عن مقابض أحكامه، ومطلعه من جانب
стр. 2771
ما حرّرته مجارى أقلامه، والوقيعة فيه، تمرد بحكم خالقه وباريه، ومجارى الأشياء على قدر طباعها، وبحسب ما فى قواها وأوضاعها، ومن ذا الذى يلوم الأراقم على النّهش بالأنياب، والعقارب على اللسع بالأذناب، وأنىّ لها أن تذمّ، وقد أشربت خلقتها السم وحكم الله فى كل حال مطاع، وبأمره رضا واقتناع».
ولغة العتبى سهلة ليس فيها ألفاظ غريبة، وسجعه ينزلق عن الألسنة فى يسر، وليس فى الكلام ما يعوق جريانه من عقد الجناس وما يتصل بالجناس، مما يتعثّر فى الأفواه.
رشيد الدين (١) الوطواط
هو محمد بن محمد بن عبد الجليل العمرى الملقب برشيد الدين المعروف بالوطواط لضآلة جسمه. من سلالة عمر بن الخطاب، ولد ببلخ وبها نشأ وتربى فى المدرسة النظامية، وكان شاعرا كما كان كاتبا، وله مصنفات عدة، منها: «غرر الخصائص الواضحة» وهو من كتب الأدب التهذيبى، ومنها: «حدائق السحر فى دقائق الشعر» وهو فى علم البديع والصناعة الشعرية، وضعه بالفارسية، وأمثلته فيه موزعة. بين الفارسية والعربية، وقد نقله إلى العربية الدكتور إبراهيم أمين. ونرى رشيد الدين يغادر موطنه ويلتحق فى سنة ٥٢٢ للهجرة بدواوين الدولة الخوارزمية فى عهد أميرها الطموح الباسل أتسز (٥٢١ - ٥٥١ هـ) ويظل بعد وفاته يعمل فى دواوين الدولة، إلى أن يبلغ من الكبر عتيّا ويهن عظمه، يدل على ذلك أن سلطان شاه محمود حفيد أتسز حين تولى مقاليد الأمور فى خوارزم سنة ٥٦٨ أراد أن يرى هذا الشاعر الهرم المريض فحملوه إليه فى محفّة، فلما مثل بين يديه نظم رباعية فى مديحه ومديح أبيه وجده باللغة الفارسية. وعاش الوطواط بعد ذلك سنوات، واختلف مؤرخوه، فقيل توفى سنة ٥٧٣ وقيل بل سنة ٥٧٨.
ويشيد ياقوت بأدبه وبلاغته قائلا: «كان من نوادر الزمان وعجائبه، وأفراد الدهر وغرائبه، أفضل زمانه فى النظم والنثر، وأعلم الناس بدقائق كلام العرب، وأسرار النحو والأدب، طار فى الآفاق صيته، وسار فى الأقاليم ذكره، وكان ينشئ فى حالة واحدة بيتا بالعربية من بحر وبيتا بالفارسية من بحر آخر ويمليهما معا» ويقول ياقوت: من مؤلفاته
стр. 2772
تحفة الصديق من كلام أبى بكر الصّدّيق، وفصل الخطاب من كلام عمر بن الخطاب، وأنس الّلهفان من كلام عثمان بن عفان، ومطلوب كل طالب من كلام على بن أبى طالب. ويقول أيضا: له ديوان شعر وديوان رسائل بالعربية وديوان رسائل بالفارسية، وشعره دون نثره جودة. ورسائله العربية مطبوعة بمصر فى جزءين، وهى موزّعة بين رسائل شخصية أو إخوانية ورسائل سلطانية أو ديوانية. ونسوق له قطعة من تقليد حسبة صدر عن ديوان خوارزم، وفيه يقول:
«أن أولى الأمور بأن تصرف أعنّة العناية إلى ترتيب نظامه، وتقصر الهمم على مهمّة إتمامه، أمر يتعلّق به ثبات الدين، ويتوقف عليه صلاح المسلمين، وهو أمر الاحتساب فإنّ فيه تثبيت الزائغين عن الحق، وتأديب المنهمكين فى الفسق، وتقوية أعضاد أرباب الشرع وسواعدها، وإجراء معاملات الدين على قوانينها وقواعدها. وينبغى أن يكون متقلد هذا الأمر موصوفا بالديانة، معروفا بالصيانة، معرضا عن مراصد (أماكن) الرّيب (التهمة) بعيدا عن مواقف التّهم والعيب، لابسا مدارع السّداد، سالكا مناهج الرشاد.
والشيخ الإمام-أدام الله فضله-متحلّ بهذه الخصائص المذكورة، والفضائل المشهورة، ومستظهر فى دولتنا للحقوق الفرضيّة، ومستشعر للصفات المرضيّة، فقلّدناه هذا الأمر. . وأمرناه أولا أن يجعل التقوى شعاره، والزّهد دثاره، والعلم معلمه والدين مناره. ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم حدود الشرع على وفق النصوص والأخبار، ومقتضى السنن والآثار. . وأمرناه أن يبالغ فى تعديل المكاييل والموازين، على وفق أحكام الشّرع والدين، فإن وجد تفاوتا فى شئ منها سوّاه وعدّله، وغيّره وبدّله، وأدّب صاحبه على رءوس الأشهاد، لينزجر عن مثله أهل الخيانة والفساد».
والتقليد مهم لأنه يطلعنا على وظيفة الحسبة، وأن الحاسب لم يكن فقط براقب الأسواق كما يراقبها الشّرطى، بل كان أيضا ينظر فى كل ما يقع بها من الجنايات والخصومات كما ينظر القاضى، وكأنه كان يقوم بوظيفة الشرطى والقاضى فى وقت معا، فهو ينظر فى الجرائم وما يقع من خصومات وفق ما جاءت به الشريعة من الحدود والأحكام. وهو لذلك كان يختار من الفقهاء أو من الشيوخ كما جاء فى التقليد، إذ لابد أن يكون عالما بالكتاب والسنة وما جاء عن الأئمة فى الحدود وغيرها من أحكام. وهو مع ذلك يقوم بأعمال الشرطى، فيراقب المكاييل والموازين، فإن وجد فى مكيال أو ميزان تفاوتا أو نقصا بدّله على رءوس الأشهاد، حتى يفتضح الخائنون فلا يعودوا إلى خيانة أبدا، وحتى ينزجر غيرهم فلا تحدثهم نفوسهم بخيانة فى ميزان أو مكيال أو ما يشبه الخيانة.
стр. 2773
والتقليد جميعه مسجوع، وليس فيه ألفاظ غريبة، فالوطواط ينطلق فى سجعه، وكأنه ينساب من معين زاخر دون أى عائق أو حائل. وبمثل هذه الصورة من السجع رسائله الإخوانية أو الشخصية فهى تجرى سائغة سهلة خفيفة على الأسماع والأفواه كقوله من رسالة وجه بها إلى الزمخشرى يستأذنه فى حضور دروسه ومجالسه:
«أنا منذ لفظتنى الأقدار من أوطانى، ومعاهد أهلى وجيرانى، إلى هذه الخطّة (خوارزم) التى هى اليوم بمكان جار الله-أدام الله دولته-جنّة للكرام، وجنّة (سترا) من نكبات الأيام، كانت قصوى منيتى، وقصارى بغيتى، أن أكون أحد الملازمين لسدّته الشريفة التى هى مخيمّ السيادة، ومقبّل أفواه السادة، من ألقى فيها عصاه، حاز فى الدارين مناه، ونال فى المحلّين مبتغاه، ولكن سوء التقصير، أو مانع التقدير، حرمنى تلك الخدمة، وحرّم علىّ هذه النعمة. والآن أظن-وظنّ المؤمن لا يخطئ-أن آفل جدّى (حظى) همّ بالإشراق، وذابل إقبالى أقبل على الإبراق، فقد أجد فى نفسى نورا مجدّدا يهدينى إلى جنّته، ومن شوقى داعيا موفّقا يدعونى إلى حضرته».
وتمضى الرسالة على هذا النمط من السجع الطبيعى. وكان يفسح فى شعره لكل صور البديع المتكلفة ولكل ضروب المحسنات من ترصيع وغير ترصيع. ونتركه للحديث عن ثلاثة هم فى الذروة من أدباء العصر فى مختلف حقبه الماضية: ابن العميد والصاحب بن عباد وبديع الزمان.
٣ - ابن العميد (١)
هو أبو الفضل محمد بن الحسين، فارسى الأصل، من مدينة قم الشيعية الإمامية، فيها منشؤه ومرياه، مما أعدّه ليكون شيعيا إماميّا مثل أمرائه البويهيين. وكان أبوه كاتبا فذّا، كتب لما كان بن كاكى ثم للسامانيين، وهم الذين لقبوه بلقبه العميد كعادتهم فيمن يتقلد لهم ديوان الرسائل. ولم يلحق ابنه معه بديوانهم، بل ألحقه بدواوين البويهيين.
وخدم ركن الدولة الحسن بن بويه صاحب الرّىّ، ولم يزل يترقى عنده، حتى أصبح وزيره منذ سنة ٣٢٨ حتى وفاته سنة ٣٦٠.
стр. 2774
وكان ابن العميد مثقفا ثقافة واسعة بجميع علوم عصره حتى ليقول ابن مسكويه مؤرخ البويهيين المشهور: «كان أجمع أهل عصره لآلات الكتابة، حفظا للغة والغريب، وتوسعا فى النحو والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارات، وحفظا للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام. فأما القرآن وحفظ مشكله ومتشابهه والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار، فكان منه فى أرفع درجة وأعلى رتبة. . أما المنطق وعلوم الفلسفة والإلهيات منها خاصة فما جسر أحد فى زمانه أن يدّعيها بحضرته إلا أن يكون مستفيدا أو قاصدا قصد التعلم». ويقول ابن الأثير: «كان عالما فى عدة فنون، منها الأدب، فإنه كان من العلماء به، ومنها حفظ أشعار العرب فإنه حفظ منها ما لم يحفظ غيره مثله، ومنها علوم الأوائل فإنه كان ماهرا فيها، مع سلامة اعتقاد إلى غير ذلك من الفضائل، ومع حسن خلق ولين عشرة مع أصحابه وجلسائه، وشجاعة تامة، ومعرفة بأمور الحرب والمحاصرات، وبه تخرّج عضد الدولة، ومنه تعلم سياسة الملك ومحبة العلم والعلماء». ويقول ابن خلكان:
«كان متوسعا فى علوم الفلسفة والنجوم».
وكان-كما لاحظ ابن الأثير-يحسن قيادة الجيوش، وحقق للدولة انتصارات عظيمة، من ذلك انتصاره على محمد بن ماكان قائد الجيش الخراسانى سنة ٣٤٤ بعد أخذه لأصبهان واستيلائه على خزائنها، فقد اعترضه فى طريقه إلى الرى وهزمه هزيمة ساحقة. ومن ذلك انتصاره على ابن بلكا بشيراز سنة ٣٤٥. وخرج فى سنة ٣٦٠ لقتال حسنويه الكردى، ولكن المنية أدركته دون غايته، وكان عمره يزيد قليلا على ستين عاما. وظل وزيرا ثلاثا وثلاثين سنة. وكان مقصد الشعراء والأدباء يجزل لهم الصلات، وقصده أبو الطيب المتنبى بأرّجان، فاستقبله استقبالا حافلا، وفيه يقول:
عربىّ لسانه فلسفىّ ... رأيه فارسيّة أعياده
ويشيد كل من ترجموا له ببلاغته، وفى ذلك يقول الثعالبى: «أوحد العصر فى الكتابة وجميع أدوات الرياسة وآلات الوزارة، والضارب فى الآداب بالسهام الفائزة، والآخذ من العلوم بالأطراف القوية، يدعى الجاحظ الأخير والأستاذ والرئيس، يضرب به المثل فى البلاغة، وينتهى إليه فى الإشارة بالفصاحة والبراعة، مع حسن الترسل وجزالة الألفاظ وسلاستها إلى براعة المعانى ونفاستها. وكان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد». ومن يقرأ ما اقتبسه الثعالبى من كتاباته يؤمن بأنه هو الذى أعطى الكتابة فى عصر الدول والإمارات صيغتها التى ظلت الأجيال المتوالية تستخدمها، وهى صيغة قامت على أساسين كبيرين: أولهما السجع، وكان السجع معروفا من قبله فى
стр. 2775
الدواوين العباسية منذ أول القرن الرابع الهجرى، على نحو ما مرّ بنا ذلك فى كتاب العصر العباسى الثانى، وسنراه يدخل عليه ضروبا من الموازنة فى السجعتين المتواليتين، بحيث تصبح هذه الضروب ضرورة أو لازمة فيه. والأساس الثانى لم يكن متبعا قبله، وهو استخدام المحسنات البديعية مع السجع، فالسجع وحده لا يكفى، بل لابد أن تضاف إليه الاستعارة أو الجناس أو الطباق وما إلى ذلك من محسنات البديع وتلاوينه. ونسوق مثالا لذلك من كتاب كتب به عن ركن الدولة بن بويه إلى ابن بلكا عند عصيانه عليه، مفتتحا كتابه بقوله:
«كتابى إليك، وأنا متأرجح بين طمع فيك، ويأس منك، وإقبال عليك، وإعراض عنك، فإنك تدلّ بسابق حرمه، وتمتّ بسالف خدمة، أيسرهما يوجب حقّا ورعاية، ويقتضى محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث غلول (١) وخيانة، وتتبعهما بآنف (٢) خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويسقط كلّ ما يرعى لك».
وهذه النغمات الأولى فى الكتاب ترينا بوضوح أساس المنهج الذى التزمه ابن العميد فى كتابته، فهو يلتزم السجع، وليس ذلك فحسب، بل هو يوازن بين السجعات، فيجعلها قصيرة تتكون من كلمتين، وإن طالت السجعة الأولى قليلا أطال السجعة الثانية وجعلها موازنة لها أدق موازنة، فسجعة «تدلّ بسابق حرمة» توازنها فى دقة السجعة التالية لها: «تمتّ بسالف خدمة». ومثلهما السجعتان: «ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية». وهو لا يلتزم السجع فحسب، بل يكثر من الطباق مثل «طمع ويأس» و «إقبال وإعراض» كما يكثر من الجناس مثل سابق وسالف، والكتاب زاخر به وبالطباق وبتصاوير كثيرة كقوله فيه معاتبا صاحبه:
«ألم تكن فى ظلّ ظليل، ونسيم عليل، وريح بليل، وهواء عذىّ (٣) وماء روىّ، ومهاد وطىّ (لين) وكنّ (٤) كنين (٥)، ومكان مكين، وحصن حصين».
وكل هذه كنايات واستعارات لما كان فيه هذا العاصى لركن الدولة حين كان يضع يده فى يده، فقد كان فى سعادة ما وراءها سعادة، فإذا كل نعيم كان فيه يتحول بؤسا وشقاء.
وله فصل من رسالة كتب بها إلى عضد الدولة يشيد فيها برعايته للعلم والعلماء قائلا:
«قد يعدّ أهل التحصيل فى أسباب انقراض العلوم وانقباض مددها، وانتقاض مررها
стр. 2776
(قواها). . الطوفان بالنار والماء، والموتان العارض من عموم الأوباء، وتسلط المخالفين فى المذاهب والآراء. . وليس عندى الخطب فى جميع ذلك يقارب ما يولّده تسلط ملك جاهل تطول مدته، وتتسع قدرته. وبحسب عظم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى بمن هذه صورته، تعظم النعمة فى تملك سلطان عالم عادل كالأمير الجليل الذى أحلّه الله من الفضائل بملتقى طرقها، ومجتمع فرقها، وهى نور (١) نوافر ممن لاقت حتى تصير إليه، وشرّد نوازع حيث حلّت حتى تقع عليه، تتلفّت إليه تلفّت الوامق، وتتشوّف نحوه تشوّف الصبّ العاشق».
والفصل طريف فى دلالته على عناية عضد الدولة بالعلم وأهله، وكان دائما يعقد لهم المناظرات بين يديه. والفصل صورة أخرى لعناية ابن العميد بالسجع وتقصيره، وإحداث الموازنات بين السجعات حين تطول، وفى أثناء كل ما قدمنا له تتضح عنايته بمحسنات البديع وسلاسة اللفظ وجمال السبك ووضوح المعنى. وهى كلها جوانب أساسية فى بلاغته وبيانه.
٤ - الصاحب (٢) بن عباد
هو كافى الكفاة إسماعيل بن عباد، من أهل الطّالقان: ولاية بين قزوين وأبهر، ولد عام ٣٢٦ لأبيه عباد بن العباس الطالقانى، وكان يعمل مع ابن العميد فى ديوان ركن الدولة بالرى، وعنى به، فوصله منذ نعومة أظفاره بأحمد بن فارس اللغوى، حتى إذا اتضحت فيه مخايل الأدب ألحقه بابن العميد، فكان يصحبه دائما، مما جعل الناس يطلقون عليه لقب صاحب ابن العميد، وظل هذا اللقب علما عليه، وقيل بل صحب مؤيد الدولة بن ركن الدولة منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه اللقب واشتهر به.
стр. 2777
ومنذ فتك مؤيد الدولة بأبى الفتح على بن أبى الفضل بن العميد سنة ٣٦٦ ولاه وزارته وظل وزيرا له حتى إذا توفى سنة ٣٧٣ وخلفه أخوه فخر الدولة أقرّهّ على وزارته، وكان مبجلا عندهما ومعظما نافذ الأمر. وكان حسن السياسة مدبرا للملك كما كان قائدا شجاعا مما رفع منزلته عندهما إلى أقصى حد، حتى قيل: كان «من يؤذن له فى الدخول عليه يظن أنه قد بلغ الآمال، ونال الفوز بالدنيا والآخرة، فرحا ومسرة، وشرفا وتعظيما، فإذا حصل فى الدار وأذن له فى الدخول إلى مجلسه قبّل الأرض عند وقوع بصره عليه. .
ولم يكن يقوم لأحد من الناس، ولا يشير إلى القيام، ولا يطمع أحد منه فى ذلك».
وما زال وزيرا لفخر الدولة حتى توفى سنة ٣٨٥ ويقال أنه لما توفى أغلقت له مدينة الرىّ، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر فخر الدولة وسائر القواد وقد غيّروا لباسهم. ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعد للعزاء أياما. وفيه يقول الثعالبى: «ليست تحضرنى عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله فى العلم والأدب وجلالة شأنه فى الجود والكرم، وتفّرده بغايات المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولى تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه؛ وجهد وصفى يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه ولكنى أقول: هو صدر المشرق، وتاريخ المجد، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان. . وكانت أيامه للعلوية والعلماء. والأدباء والشعراء، وحضرته محطّ رحالهم، وموسم فضلائهم، ومترع آمالهم، وأمواله مصروقة إليهم، وصنائعه مقصورة عليهم، وهمته فى مجد يشيده، وإنعام يجدده، وفاضل يصطنعه، وكلام حسن يصنعه أو يسمعه. . وكانت حضرته مشرعا لروائع الكلام، وبدائع الأفهام، وثمار الخواطر، ومجلسه مجمعا لصوب العقول وذوب العلوم ودرر القرائح. . واحتفّ به من نجوم الأرض وأفراد العصر، وأبناء الفضل، وفرسان الشعر، من يربى عددهم على شعراء الرشيد؛ ولا يقصّرون عنهم فى الأخذ برقاب القوافى، وملك رقّ المعانى». ويذكر ياقوت أن عطاياه للأدباء والشعراء والعلماء والأشراف كانت تزيد على مائة ألف دينار فى العام الواحد. وكان يقول: مدحت بمائة ألف قصيدة عربية وفارسية، وفى هذا ما يدل على أنه كان يعرف الفارسية، بل ربما كان يتقنها إذ روى أنه اختبر قدرة بديع الزمان الهمذانى، حين مرّ ببابه، فى الترجمة من الفارسية إلى العربية.
وكان شاعرا مجيدا، كما كان كاتبا مجيدا، وقد أنشد الثعالبى طائفة كبيرة من أشعاره أخلاها من شعره العقيدى الشيعى والمعتزلى، فقد كان شيعيا إماميا كما مر بنا فى حديثنا عن شعراء المديح وكان يدين بمذهب المعتزلة ومبادئهم المعروفة، وقد نشر محمد حسن آل ياسين
стр. 2778
ديوانه كما مرّ بنا، وهو يموج بأشعاره الشيعية وبتصويره لمبادئه الاعتزالية من مثل قوله:
قالت: فما اخترت من دين تفوز به ... فقلت إنى شيعىّ ومعتزلى
وقوله:
ومن كان بالتّشبيه والجبر دائنا ... فإنى فى التوحيد والعدل أوحد
وهو يحمل على المشبّهة والمجبرة حملات شعواء، كما يحمل نفس الحملات على من يقولون بأن القرآن قديم وغير مخلوق يقول:
وإن قال أقوام قديم لأنه ... كلام له فانظر إلى أين صعّدوا
وله وراء شيعياته واعتزالياته أشعار طريفة أنشدنا منها-فيما مرّ-أطرافا. وصنّف فى اللغة معجما سماه المحيط كما صنف كتبا ورسائل مختلفة فى الإمامة وفى فضائل على ابن أبى طالب وفى أسماء الله وصفاته وله رسالة فى الكشف عن مساوى المتنبى وكتاب فى المقصور والممدود. وكانت له مكتبة ضخمة ويقال إن فهرست كتبها كان يقع فى عشر مجلدات، وأنها كانت حمل أربعمائة بعير.
ورسائله منشورة، وهى فى عشرين بابا وكل باب يشتمل على عشر رسائل ما عدا البابين السابع عشر والثامن عشر، وأولهما فى الآداب والمواعظ وبه أربع رسائل، والثانى فصول قصيرة وتوقيعات موجزة. وقد ذكرت فى مدخل الرسائل القيمة التاريخية لها.
وجميعها ديوانية، أو الكثرة الكثيرة منها، ولذلك كانت تعدّ وثائق قيمة عن الدولة البويهية، وخاصة أن الصاحب يعرض فيها حروبهم وأسماء قوادهم وقضاتهم كما يعرض معاهداتهم وإدارتهم لشئون الرعية مما يجعل لها قيمة سياسية واجتماعية بعيدة. والباب الأول منها خاص بفتوح عضد الدولة وحروبه مع أخيه فخر الدولة وقابوس بن وشمكير ومع الروم ومع ابن حمدان ومع وهسوذان. وفى كل ذلك تفاصيل جديدة تضيفها الرسائل إلى ابن الأثير وغيره من المؤرخين. وبالمثل تضيف جديدا إلى ما تذكره كتب التاريخ عن معاهدات البويهيين على نحو ما جاء فى معاهدة لهم مع السامانيين من أنه «لا يقبل فى جهة من الجهتين أبّاق العساكر، ولا يمهّد فى جنبة من الجنبتين للخالع والنافر، ولا يحامى على من عصا فشرد، وشق العصا وانفرد». ومن الطريف أن نتعقب ما جاء فى الباب الثانى من العهود للقضاة والولاة والمحتسبين، وخاصة عهود القصاة، لنرى هل كانوا يرجعون إلى مصادر الفقه المعروفة العامة، وهى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكأن لا فرق بين الشيعة وأهل السنة حينئذ فى القضاء ومصادره؟ . وفعلا يؤكد ذلك ما جاء فى الرسالة الأولى من الباب الثانى الخاصة بعهد القاضى عبد الجبار.
стр. 2779
وفيها أيضا أن التركة لا تردّ إلى بيت المال بل يأخذها الأباعد من ذوى الأرحام، وهو ما أشار إليه المقدسى فى كتابه أحسن التقاسيم من أن البويهيين لم يكونوا يتعرضون للتركات.
ويلقانا عهد فى الحسبة نطلع منه على صفات المحتسب وواجباته ومسئولياته. وتلقانا عهود فى معاملة الرعية وفى قسمة الماء فى بعض الأودية، كما يلقانا باب عن الحجيج والمصالح والثغور. وفى الباب السادس رسالتان هما الخامسة والسادسة كتبتا بمناسبة نشوب ثورة فى قزوين بين الشيعة والسنة، ونرى الصاحب يدعو فيهما إلى أن تحل الألفة والوئام بين الطائفتين دون نصرة إحداهما على الأخرى. وفى ذلك ما يدل على أن البويهيين لم يتحيّزوا إلى مذهبهم الشيعى فى أنحاء دولتهم حفظا للأمن وصيانة له. وطبيعى أن نحسّ فى بعض الرسائل بأن كاتبها من المعتزلة، فقد كان الصاحب كما قدمنا معتزليّا، وفى الباب السابع عشر رسالتان صريحتان فى أن الصاحب كان يبعث دعاة له أحيانا يدعون الناس إلى الدخول فى نحلة الاعتزال. ومن قوله فى إحداهما: «كان هذا البلد من البلاد المستغلقة على أهل عدل الله وتوحيده، والتصديق بوعده ووعيده، هذا وفى فقهائه وفور، وفى الفضل به ظهور، وقد أعان الله على بثّ كلمة الحق، وسمع الأكثر على لين ورفق».
وربما رأى أن الاعتزال باب للتشيع، وكانا متآخيين حينئذ، فعمل على نشره لينتشر من ورائه التشيع مبتغاه. وفى الرسائل-من حين إلى آخر-ما يدل على نزعته الشيعية وخاصة حين يكتب برسائله إلى بعض الأشراف العلويين. وتلقانا فى الباب التاسع عشر رسالة هى عهد لعلوى ولى النقابة بين الذرية الطيبة، وفيها ما يدل على أن النقيب هو الذى كان يحكم بين العلويين، وأنه كان لهم قضاء مستقل فى الدولة، وأنه كان ينتسب إليهم دخلاء ينتحلون النسبة، ويأمر النقيب بتعقبهم وإشهار أمرهم، وفى الرسالة أيضا ما يدل على كثرة الأموال التى كان يقدمها البويهيون للعلويين.
وعلى هذا النحو لرسائل الصاحب المنشورة قيمة تاريخية كبيرة، وأيضا لها قيمة أدبية كبيرة، لأنها المجموعة الوحيدة التى وصلتنا عن كتّاب البويهيين فى القرن الرابع الهجرى، وهى دائما تبتدئ بالتحميد والتمجيد للنبى ﷺ أو بالدعاء. ويعقب الصاحب هذا البدء بذكر أميره الذى يكتب عنه مكتفيا بلقبه المشهور الذى خلعه عليه الخليفة، وقد يذكر كلمة الحضرة السامية أو الحضرة الشريفة. وإذا كانت الرسالة فى فتح عظيم أطال فى الدعاء تنويها بالفتح. والرسائل كلها مكتوبة بأسلوب ابن العميد الذى يقوم على السجع والبديع، ويروى معاصروه طرفا كثيرة عن ميله للسجع وإيثاره، حتى زعموا أن ابن العميد قال: خرج ابن عباد من عندنا من الرىّ متوجها إلى أصفهان وطريقه رامين:
стр. 2780
فجاوزها إلى قرية غامرة وماء ملح لا لشئ إلا ليكتب إلينا: «كتابى هذا من النّوبهار، يوم السبت فى نصف النهار». وقالوا إن سجعة اضطرته إلى عزل قاضى مدينة قم، فقد كان فى حضرته، فقال له: أيها القاضى بقم، وأراد أن يكمل السجعة، فأعياه إكمالها، فقال: قد عزلناك فقم. ولعل هاتين النادرتين جميعا من وضع خصمه أبى حيان، وفى تكلفه للسجع يقول: «كان كلفه بالسجع فى الكلام والقول عند الجد والهزل يزيد على كلف كل من رأيناه فى هذه البلاد. . قلت لابن المسيّبى: أين يبلغ ابن عباد فى عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة تنحلّ بموقعها عروة الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل، وكلفة صعبة، وتجشّم أمور، وركوب أهوال، لما كان يخفّ عليه أن يفرج عنها ويخليها، بل يأتى بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها». وكل هذه مبالغات فإن من يرجع إلى الرسائل المنشورة يجد الصاحب يترك نفسه على سجيتها، فإن واتاه السجع مضى فيه، وإن لم يواته استخدم أسلوب الازدواج، وإن كان ذلك لا يأتى إلا نادرا، فالصورة العامة لرسائله هى السجع والبديع والتفنن فى استخدامهما تفننا يدل على مهارة واسعة، حتى غدا ذلك كأنه طبع من طباعه وسجية من سجاياه. وأول ما يلقانا فى رسائله رسالته التى وصف فيها انتصار جيوش مؤيد الدولة على جيوش أخيه فخر الدولة وحليفه قابوس بن وشمكير، ومقطعها الأول يجرى على هذا النمط:
«أحسن نعم الله تعالى غررا وأوضاحا، وأبينها فلقا وصباحا، وأولاها إذا تصفّحت المواهب أخذا بحظ السابق، وأولاها إذا اتتبّعت المنائح فوزا بالعز الشاهق، وأحراها بأن تثنى عليها ألسنة الأيام والليالى، وتثنى إليها أعناق المحامد والمعالى، نعمة صادفت حمدا وشكرا. وجمعت فتحا ونصرا، ونظمت نجحا وقهرا، واستذلّت ممتطيا للجحود لاهيا عن غوره، مستشريا فى الغموط عاديا لطوره. وتلك النعمة عند مولانا الملك السيد إذ عضد الدولة، وتوّج الملّة، وحرس الأمّة، وزحزح الغمّة، ورفد الخلافة، وبسط العدل والرّأفة، وطهّر البلاد، وعمر الحج والجهاد، وساس الجمهور، وسدّ الثغور، فشهدت فتوحه بأنه مؤيّد من عند الله، ومحوط الملك بيد الله، لا ينازع رأيه منازع إلا تلّ لجبينه (١)، وعوجل بقطع وتينه (٢)، ولا يمانع رايته ممانع إلا غلّت يده دون مطلبه، واقتطع أمده عن مهربه، ولم يعزّ بالتحصن عليه مارق، والتمنّع دونه مشاقّ مفارق،
стр. 2781
إلا استولى عفوا على غايات احتياله وأقاصيه، ومكّن منه القضاء سمحا فاستنزل عن معاقله وصياصيه (١)».
وواضح أنه تمثّل طريقة أستاذه ابن العميد، فهو يعنى أشد العناية بانتخاب ألفاظه، حتى يكون بناء رسالته فى هذا الفتح قويا سامقا. ويعنى بأسجاعه، فهى تتقابل وتتوازن مهما طالت، كقوله: «وأولاها إذا تصفّحت المواهب أخذا بحظ السابق، وأولاها إذا تتبّعت المنائح فوزا بالعز الشاهق» وكل كلمة فى العبارة الثانية تكاد تتشابك بالأيدى مع قرينتها فى العبارة الأولى. ومثلها السجعة التالية: «وأحراها بأن تثنى عليها ألسنة الأيام والليالى، وتثنى إليها أعناق المحامد والمعالى» وكأن الكلمات فى العبارتين تتعانق. واستمر فى قراءة الأسجاع الطويلة فى هذا الفصل وفى رسائل الصاحب، فستجد دائما هذا التعانق والتشابك بين كلمات السجعات، وحقّا ابن العميد بدأ ذلك ولكن الصاحب اتسع فيه سعة شديدة. ولابد أن القارئ لاحظ كثرة استخدامه للتصوير منذ فاتحة المطلع، فالنعم ذات غرر وأوضاح كخيل الحرب الظافرة، بل هى كالصباح الجميل البهيج، وتتوالى الأخيلة والصور فى المقطع. ويكثر فيه الجناس مثل غوره وطوره، والأمّة والغمّة، وينازع ومنازع، ويمانع وممانع، ويحاول أن يأتى بغرائب فى الجناس تخلب ألباب السامعين، فيعمد إلى المغايرة بين كلمتين لا فى بعض الحروف ولكن فى بعض الحركات كما فى «أولاها، وأولاها» و «تثنى وتثنى». وجعلته قدرته على حشد السجعات يكثر من الجمل الاعتراضية فى رسائله على نحو ما يتضح فى مطلع هذا المقطع، فقد بدأه بمبتدأ هو «أحسن نعم الله» وفصل بينه وبين خبره، وهو «نعمة صادفت حمدا وشكرا» بنحو ثلاثة أسطر، ونقده أبو حيان، وقال إن هذا يحدث تعاظلا فى أساليبه (٢). وفى رأينا أنه مقبول ما لم يطل الاعتراض طولا شديدا، وهو نادر عنده. على أن هذا الجانب فى أساليبه شاع فيما بعد بين كتّاب العصور التالية وخاصة عند العماد الأصفهانى والقاضى الفاضل. وليس معنى ذلك أن الصاحب وضع مبدأ طول عبارات السجع، بل هى تطول أحيانا، وأحيانا تقصر كما فى هذا المقطع نفسه إذ يقول: «نعمة السجع، بل هى تطول أحيانا، وأحيانا تقصر كما فى هذا المقطع نفسه إذ يقول: «نعمة صادفت حمدا وشكرا، وجمعت فتحا ونصرا، ونظمت نجحا وقهرا». وتكثر هذه السجعات القصيرة فى رسائله الإخوانية، كقوله فى عزاء ابن عن أبيه، وكان عالما نحريرا:
«للفجائع اختلاف مواقع، وللمصائب تباين مراتب، ومن أشدها لذعا، وأعظمها
стр. 2782
وقعا، فجيعة أحرجت صدور قوم مؤمنين، ومصيبة خصّت العلم والدين، لفقد الشيخ المنقطع القرين، أبى عثمان-﵀، وأكرم مأواه، ومثواه فقد كان للإسلام جمالا ممتداّ، وللدين ركنا مشتداّ، وللعلم شهابا لا يخبو، وللأدب سهما لا ينبو، يذبّ عن حق الله القائم، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، عاش عظيم الخطر، ومات جميل الأثر، التقوى شعاره، واليقين دثاره، وحجج الله مفزعه، وآيات الله مرجعه، فياله مصابا ما أعظمه على الموحّدين، وأسرّه إلى الملحدين، أذكرنا فقد الأئمة الأبرار، وأعلام الأمة الأخيار».
ويمضى فى مثل هذا السجع القصير موشّيا له بالجناس، أهم لون من ألوان البديع كان يستخدمه، كما نرى فى مثل «مأواه ومثواه»، و «ممتدا ومشتدا» و «لا يخبو ولا ينبو» و «لومة لائم». وكان يستخدم معه الطباق من حين إلى حين كما نرى فى مثل «الموحدين والملحدين». وله تهنئة طريفة ببنت ولدت لبعض أصحابه تمضى على هذه الشاكلة:
«أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأمّ الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشّرة بإخوة يتناسقون، نجباء يتلاحقون:
فلو كان النساء كمثل هذى ... لفضّلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال (١)
فادّرع يا سيدى اغتباطا، واستأنف نشاطا، فالدنيا مؤنثة والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البريّة، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زيّنت بالكواكب، وحلّيت بالنجم الثاقب. والنفس مؤنثة وبها قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة وبها وعد المتقون، ولها بعث المرسلون، فهنيئا هنيئا ما أوليت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت، وأطال بقاءك ما عرف النسل والولد، وما بقى الأمد، وكما عمّر لبد» (٢).
والرسالة مؤلفة من السجع القصير، ويحلّيها الصاحب بالجناس من مثل «الأصهار والأطهار» وهو قليل فيها، وكأنه لم يكن يتأنق فى الرسائل الإخوانية تأنقه فى الرسائل الديوانية الطويلة. وفى الرسالة ظاهرة ينبغى الالتفات إليها، ونقصد ظاهرة الاحتجاج، فقد احتج للتهنئة بالبنت-وكان الأسلاف يفضلون الابن عليها-بست
стр. 2783
حجج أو ستة أدلة، وكل دليل لا يقل قوة عن سابقه، فالدنيا مؤنثة والناس يخدمونها والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية كما جاء فى القرآن «ومنها خلقناكم» والسماء مؤنثة وروعتها فى كواكبها ونجومها فوق التصوير، والنفس مؤنثة وهى قوام الإنسان، والحياة مؤنثة وبدونها يموت الإنسان وتبطل حركته، والجنة مؤنثة ولها بعث المرسلون وبها وعد المتقون. أدلة لا تنقض. وكأننا بإزاء مناظرة كلامية فى تفضيل البنت الأنثى على الابن الذكر. يستعين فيها على رأيه بكل ما يستطيع من أدلة وبراهين، ولا شك أن ذلك جاءه من اعتزاله وعكوفه على كتب المعتزلة يقرأ فى أدلتهم وحوارهم وكيف ينفذون إلى البراهين الساطعة، مما جعل كتابته تتشح بطرائقهم وجدالهم وتفننهم فى التعليل والتدليل. وهى تتضح فى جدال المنحرفين عن الدولة وفى تعليله العام لأفكاره وتدليله عليها بالأدلة البينة. ومن قوله فى إهداء أترجّة:
«ما زلت يا سيدى أفكر فى تحفة تجمع أوصاف معشوق وعاشق، وتنظم نعوت مشوق وشائق، حتى ظفرت بأترجّة كأن لونها لونى وقد منيت ببعدك، وبليت بصدّك، وكأن عرفها (١) مستعار من عرفك، وظرفها مشتق من ظرفك، فكأنها بعض من لا أسميّه، وأنا أفديه، فأنفذتها وقلت:
مولاى قد جاءتك أترجّة ... من بعض أخلاقك مخلوقه
ألبسها صانعها حلّة ... من سرق أصفر مسروقه (٢)
والرسالة تصور أناقته فى اختيار سجعاته وتوشيتها بالجناس والطباق مجتمعين فى قوله:
«معشوق وعاشق» و «مشوق وشائق». وهى تصور ظرفه ورقة مشاعره. ولم نتوقف عند تصاويره وهى كثيرة فى رسائله الإخوانية والديوانية كقوله فى وصف الورود السوداء فى احمرار، المعروفة باسم الشقائق، ووصف الأشجار الخضراء والنارتجات الصفراء:
«قابلتنى شقائق كالزنوج تجارحت فسالت دماؤها، وضعفت فبقى ذماؤها (٣)، وسامتنى أشجار كأن الحور أعارتها أثوابها، وكستها أبرادها، وحضرتنى نارنجات ككرات دهّبت أو ثدىّ أبكار خلّقت (٤)».
وله رسالة لم يعن فيها بالسجع، وإنما عنى بالتصوير وحده، وهى فى استدعاء صديق لبعض مجالس أنسه، وتطّرد على هذا النمط:
«نحن يا سيدى فى مجلس غنىّ إلا عنك، شاكر إلا منك، قد تفتحت فيه عيون
стр. 2784
النرجس، وتوردت فيه خدود البنفسج، وفاحت مجامر الأترجّ، وفتقت فأرات (١) النارنج، وأنطقت ألسنة العيدان، وقام خطباء الأوتار، وهبّت رياح الأقداح، ونفقت (٢) سوق الأنس، وقام منادى الطرب، وطلعت كواكب الندماء، وامتدت سماء النّدّ (٣) فبحياتى لما حضرت لنحصل بك فى جنة الخلد، وتتصل الواسطة بالعقد».
والرسالة مغموسة غمسا فى صور وأخيلة متعاقبة، وكأنما ترك الصاحب نفسه على سجيتها، فلم يعمد فيها إلى سجع، ولعل فى ذلك ما يرد على من اتهموه بتكلفه للسجع وغرامه به، حتى لو كلفه ذلك خللا فى الملك والدولة أو لو كلفه أهوالا ثقالا ما بعدها أهوال، فقد كان يلجأ إلى الازدواج أحيانا، بل ربما تخفف من الازدواج والسجع جميعا كما فى هذه الرسالة. وله رسائل ملؤها المزاح والدعابة. وكانت بديهته حاضرة، مما جعله يمتاز بحسن الأجوبة وسرعتها فمن ذلك أن ضرّابين للنقود من دار الضّرب رفعوا إليه رقعة فى مظلمة ووقعوا عليها باسمهم: الضّرّابين، فوقّع تحتها «فى حديد بارد». واستمع إلى ابن سمعون الواعظ ببغداد فى أثناء درس له فسأله متخابثا عن قد سكونيات العلم إذا وقعت قبل التوهم، يظن أنه بذلك يقطعه عن الكلام، ولم ينقطع فلما سكت قال له الصاحب: «هذا الذى تقوله بعد التوهم، وإنما سألتك قبله»! .
٥ - بديع (٤) الزمان ومقاماته
هو أحمد بن الحسين ولد سنة ٣٥٨ بهمذان، ولذلك يقال له الهمذانى، ولقّبه معاصروه باسم بديع الزمان إعجابا بأدبه. وهو من أسرة عربية، نزلت مسقط رأسه، وهى أسرة تغلبية مضرية، ومن قوله فى بعض رسائله: «همذان المولد، وتغلب المورد، ومضر المحتد» فهو ليس فارسى الأصل، بل هو عربى مضرى تغلبى. وعنى به أبوه، فأخذه بالعلم والتعلم منذ نعومة أظفاره، وألحقه بحلقات العلماء، وخاصة حلقة أبى الحسين أحمد بن فارس اللغوى المشهور صاحب كتاب المجمل، وله يقول فى بعض رسائله متلطفا:
стр. 2785
لا تلمنى على ركاكة عقلى ... أن تيقّنت أننى همذانى
وكان محبّا للرحلة، فلم يكد يبلغ الثانية والعشرين من عمره، حتى فارق موطنه إلى حضرة الصاحب بن عباد، وكان-كما مرّ بنا فى ترجمته-راعيا كبيرا من رعاة الأدب فى عصره، بل كان أكبر رعاته، فانتجعه الشاب بديع الزمان سنة ٣٨٠ ومدحه ببعض أشعاره، وأعجب به الصاحب لبراعته الأدبية، وأحضره مجالسه، ويقال إنه كان يلقى عليه بعض الأبيات الفارسية ويطلب إليه نقلها إلى العربية، فينقلها فى سرعة عجيبة.
ويرحل عن حضرة الصاحب مولّيا وجهه شطر جرجان، وينزل بأسرة معروفة بالثراء وتشجيع العلماء والأدباء، وهى أسرة الإسماعيلية، ويرعاه منها خاصة أبو سعيد ابن منصور الإسماعيلى، وظن بعض المعاصرين أنها كانت تعتنق المذهب الإسماعيلى الشيعى، وهو اتفاق فى الاسم جرّ إلى هذا الخطأ (١). ويؤكد ذلك أن ياقوت فى ترجمته له يقول: «إنه كان شديد التعصب لأهل الحديث والسنة» فلم يكن إسماعيليّا، ولا كان أيضا إماميّا شيعيّا، بل كان سنّياّ أشعرياّ.
ولا يمكث فى جرجان طويلا، بل يتركها إلى نيسابور موطن أهل السنة عام ٣٨٢ وهناك يصطدم بأبى بكر الخوارزمى، وهو اصطدام طبيعى، فقد كان الخوارزمى شيعيّا إماميّا، وكان يدعو لبنى بويه الشيعة الإماميين فى نيسابور معقل الدولة السامانية السنية، فانتهز الأدباء فيها فرصة نزول بديع الزمان ببلدتهم، وعقدوا مناظرة بينه وبين الخوارزمى انتصروا فيها للبديع. فعلا صيته، وتألق نجمه، إذ كان الخوارزمى يعدّ فى الذروة من الكتاب والشعراء لعصره. وتصادف أن توفى سريعا، فخلا الجو للبديع، وطارت شهرته، ورعاه حينئذ بنو ميكال أعيان نيسابور وأدباؤها النابهون. وسرعان ما فارقها سنة ٣٨٣ راحلا من بلد إلى بلد فى خراسان بينما الجوائز والمكافآت تغدق عليه، حتى إذا بدأت المعارك بين الغزنويين والسامانيين ولّى وجهه نحو سجستان وأميرها خلف بن أحمد (٣٤٤ - ٣٩٩ هـ.) وكان أديبا فأعجب ببديع الزمان، ويقول الباخرزى إنه وصله بألف دينار. وذكر ذلك فى إحدى رسائله، وله فيه خمس مقامات أنشأها فى مديحه وقصائد ورسائل مختلفة.
ويترك سجستان إلى هراة بأفغانستان، ممنّيا نفسه أن يصبح من حاشية محمود الغزنوى ويلقاه، وقد أنشدنا له قصيدة فى مديحه على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع،
стр. 2786
ويصهر إلى سرىّ من سراة هراة يسمّى الخشنامى، وينجب أولادا، ويقتنى عقارا وضياعا. ويكتب إلى أبيه رسالة يستدعيه فيها هو وإخوته وعمه مما يدل على ما صار إليه من ثراء. ويبدو أنه غدت له مكانة كبيرة، فكان الكبراء يقصدونه لطلب شفاعته عند أولى الأمر، يقول فى بعض رسائله: «وهؤلاء الصدور، يرون أن الشمس من قبلى تدور» غير أنه لم يلبث أن توفى وهو لا يزال فى الأربعين من عمره سنة ٣٩٨ للهجرة.
وللبديع رسائل كثيرة، وهى رسائل إخوانية تتناول المديح والاستعطاف والشكر والاعتذار والعزاء والاستمناح وطلب الشراب والهجاء والتقريع، ومنها ما هو موجّه إلى الأمراء أو الوزراء أو كبار الموظفين أو شيوخه أو إلى نظرائه من الأدباء أو إلى أهله أو إلى ذوى الوجاهة واليسار. وله من كتاب إلى الأمير أبى نصر الميكالى النيسابورى:
«كتابى-أطال الله بقاء الأمير-وبودّى أن أكونه، فأسعد به دونه، ولكن الحريص محروم لو بلغ الرزق فاه. لولاّه قفاه، وبعد فإنى فى مفاتحته بين ثقة تعد، ويد ترتعد، ولم لا يكون ذلك والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره؟ ومن رأى من السيف أثره؛ فقد رأى أكثره، وإذ لم ألقه، فلم أجهل إلا خلقه، وما وراء ذلك من تالد أصل ونشب، وطارف فضل وأدب، فمعلوم تشيد به الدّفاتر، والخبر المتواتر، وتنطق به الأشعار، كما تختلف عليه الآثار، والعين أقل الحواسّ إدراكا، والآذان أكثرها استمساكا».
وفى هذه الرسالة القصيرة ما يوضح بعض خصائص سجعه، وأنه يعنى فيه بتقصير العبارات، تواتيه فى ذلك ملكة فياضة، فلا يكاد يمسك بالقلم ويكتب، حتى تنثال عليه العبارات، وحتى يخيل إلى الإنسان كأن سيلا متصلا من الكلام يجرى ولا ينقطع إلا أن يتوقّف البديع عامدا لينهى الكلام. وتأمّل فى سجع هذه الرسالة فستجده موشى بالجناس الناقص فى مثل: «تعد وترتعد» و «أره وخبره» و «أثره وأكثره» و «ألقه وخلقه». وهو دائما يغمس رسائله فى الجناس غمسا، تارة يأتى به كاملا، وتارة يأتى به ناقصا، وهو الأغلب الأكثر، كقوله فى الأمير خلف بن أحمد فى إحدى رسائله: «لو أن البحر عدده، والسحاب يده، والجبال ذهبه، لقصرت عما يهبه. بينما المرء فى سنة من نومه، وقصاراه قوت يومه، إذ يقرع الباب عليه قرعا حفيّا، ويسأل به سؤالا خفيّا، ويعطى ألفا خلفيّا». والجناس الناقص واضح فى هذه العبارات المتعاقبة، وهو يشفعه بكثير من التشبيهات والاستعارات، ضامّا دائما النظير فى الألفاظ إلى نظيره، وهو ما يسميه البلاغيون بمراعاة النظير كقوله من فصل فى إحدى رسائله:
«أرانى أذكر الشيخ كلما طلعت الشمس أوهبت الريح أو نجم النجم أو لمع البرق
стр. 2787
أو عرض الغيث أو ضحك الروض. إن للشمس محيّاه، وللريح ريّاه، وللنجم حلاه وعلاه، وللبرق سناؤه وسناه، وللغيث يداه ونداه، وللروض سجاياه».
وواضح أنه لما ذكر عنصرا من الطبيعة وهو الشمس أردفه بالريح والنجم والبرق والغيث والروض. والجناسات كثيرة فى القطعة. وبجانب ذلك نراه يكثر من الاقتباس من القرآن، كما يكثر من نسج الأبيات والشطور فى تضاعيف رسائله. ونراه يجنح كثيرا إلى سرد بعض القصص والحكايات القصيرة ضربا للأمثال كقوله من رسالة:
«فيما يقول الناس من حكاياتهم أن أعرابيا نام ليلا عن جمله ففقده، فلما طلع القمر وجده، فرفع إلى الله يده، فقال: أشهد لقد أعليته، وجعلت السماء بيته. ثم نظر إلى القمر فقال: إن الله صوّرك ونوّرك، وعلى البروج دوّرك، . . ولئن أهديت إلى قلبى سرورا، لقد أهدى إليك نورا. والشيخ ذلك القمر المنير لقد أعلى الله قدره، وأنفذ بين الجلود واللحوم أمره، ونظر إليه وإلى الذين يحسدونه، فجعله فوقهم وجعلهم دونه».
ويضرب مثلا لمن يذهب فى البحث بعيدا عن أمنيته، وهى مدّ يده، بالبخارى الذى ضاع حماره فذهب يبحث عنه فى البلاد النائية، بينما هو فى مربضه، يقول:
«لم يكن مثلى معه إلا مثل البخارى الذى ضاع حماره وخرج فى طلبه، حتى عبر نهر جيحون بسببه، يطلبه فى كل منهلة، وينشده فى كل مرحلة، وهو لا يجده حتى جاوز خراسان، وانتهى إلى طبرستان، وأتى العراق، وطاف الأسواق، فلما لم يجده وأيس عاد وقد طالت أسفاره، ولم يحصّل حماره، حتى إذا وصل إلى بلده، بين أهله وولده، أحب الله أن يلطف به لطفا ليعتبر به، فنظر ذات يوم إلى إصطبله، فإذا الحمار بسرجه ولجامه، وحزامه، قائما على المعلف ينشّ».
ورسائل البديع خفيفة ورشيقة، بل لعلها أخف وأرشق رسائل وصلتنا عن عصره وبعد عصره. وجعلته موهبته القصصية التى رأيناها فى رسائله يبتدع فنّا جديدا، هو فن المقامة، وهى حكاية قصيرة تقوم على الحوار بين بطل مقاماته: أبى الفتح الإسكندرى وراوية حكاياته وأقاصيصه عيسى بن هشام. والمعروف أنه أملى أربعين مقامة فى أثناء مقامه بنيسابور، وأضاف إليها خمسا، كما أسلفنا، عند نز وله بخلف بن أحمد أمير سجستان، ثم أضاف إليها ستا أخرى. والمظنون أنه عرض بنيسابور على طلابه أولا أحاديث ابن دريد الأربعين التى احتفظ بها كتاب الأمالى لأبى على القالى، وهى حكايات قصيرة مليئة بالسجع والغريب، وبعد أن أنهاها رأى أن يعرض على طلابه ثانيا أربعين مقامة له. ومعنى كلمة مقامة حديث. ولم يجعل مقاماته حكايات متنوعة
стр. 2788
الموضوعات، بل جعلها تدور على موضوع واحد، هو الكدية أو الشحاذة الأدبية، وكأنه استلهم فيها حديث الجاحظ عن المكدين فى أوائل كتابه «البخلاء» وكذلك حديث البيهقى عنهم فى كتابه «المحاسن والمساوى» ويعرض الجاحظ والبيهقى لأساليبهم وحيلهم فى استخلاص الطعام والدراهم والدنانير من الناس. وكان هؤلاء الأدباء الشحاذون قد لمعت أسماؤهم فى عصر بديع الزمان، ومرّ بنا حديث مفصل عنهم وعن شعرائهم فى هذا القسم الخاص بإيران وأيضا فى القسم الخاص بالعراق. وكل ذلك ألهم بديع الزمان صنع مقاماته، ونراه فى أولاها يتمثل بأبيات كبير المكدين أبى دلف الخزرجى، وقد أنشدناها فى حديثنا السابق عنه، إذ يقول:
ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرنّك الغرور
ويسمى إحدى مقاماته المقامة الساسانية نسبة إلى هذه الطائفة من المكدين أو الأدباء الشحاذين، إذ كانوا يسمون بالساسانيين نسبة إلى ساسان، وهو-كما أسلفنا-أمير فارسى هجر إمارته وهام على وجهه محترفا للكدية.
وتنقّل بديع الزمان بأبى الفتح الإسكندرى بطل مقاماته فى بلدان مختلفة مما دفعه إلى أن يسمى أكثر المقامات بأسماء البلدان التى ألمّ بها وأكثرها بلدان فارسية. وفى أحوال قليلة تسمى باسم الحيوان الذى وصفه فيها مثل المقامة الأسدية نسبة إلى الأسد، أو باسم الأكلة التى طعمها أبو الفتح مثل المقامة المضيرية نسبة إلى طعام المضيرة، وهى لحم يطبخ باللبن المضير أى الحامض. وتسمى باسم موضوعها مثل الوعظية نسبة إلى الوعظ والإبليسية نسبة إلى إبليس والقريضية نسبة إلى ما فيها من أحكام أدبية على الشعر والشعراء. وسمى مقامة باسم المقامة الجاحظية نسبة إلى الجاحظ، وهو يقول عنه إنه قليل الاستعارات وينفر من الغريب والكلام المصنوع، ولعله يقصد الكلام المسجوع الملئ بالجناس وما إليه من المحسنات البديعية. وتخلو المقامات الخمس المتصلة بخلف بن أحمد من الكدية، إذ هى مديح خالص له. أما بقية المقامات فكما قدمنا تدور على الكدية أو الشحاذة الأدبية عن طريق التفاصح البيانى وما ينصبه أبو الفتح من حيل وشباك لسلب أموال الناس. وفى تضاعيف ذلك يعرض البديع مجتمعه بكل ما فيه من مساجد وحمامات ومارستانات وحوانيت ومطاعم وحانات وموائد وما يتصل بها من الأوانى فى بيوت الأغنياء والفقراء.
ويعرض فى المقامة النيسابورية صورة لفساد القضاة والقضاء فى بعض البلدان. وقد حمل فى المقامة المارستانية حملة عنيفة على المعتزلة، لأنه كما قدمنا كان أشعريّا، وكانت
стр. 2789
الخصومة مستعرة فى زمنه بين الأشعرية والمعتزلة. ونحن نسوق له إحدى مقاماته، ولتكن المقامة البصرية نسبة إلى البصرة فى العراق، وهى تجرى على هذا النمط:
«حدّثنا عيسى بن هشام قال: دخلت البصرة وأنا من سنّى فى فتاء (شباب) ومن الزّى فى حبر ووشاء (ثوب مطرز) ومن الغنى فى بقر وشاء (غنم) فأتيت المربد (سوق البصرة) فى رفقة تأخذهم العيون ومشينا غير بعيد إلى بعض تلك المتنزّهات، فى تلك المتوجّهات، وملكتنا أرض فحللناها، وعمدنا لقداح اللهو فأجلناها، مطّرحين للحشمة إذ لم يكن فينا، إلا منّا، فما كان بأسرع من ارتداد الطّرف، حتى عنّ (ظهر) لنا سواد (رجل) تخفضه وهاد، وترفعه نجاد (مرتفعات) وعلمنا أنه يهمّ بنا، فأتلعنا (مددنا أعناقنا) له حتى أدّاه إلينا سيره ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام، ثم أجال طرفه فينا وقال: يا قوم ما منكم إلا من يلحظنى شزرا (بمؤخر عينه) ويوسعنى حزرا (تخمينا) وما ينبئكم عنى، أصدق منى. أنا رجل من أهل الإسكندرية، من الثغور الأموية، قد وطّأ (مهد) لى الفضل كنفه، ورحّب بى عيش، ونمانى بيت ثم جعجع بى (أهاننى) الدهر، وأتلانى (أتبعنى) زغاليل حمر الحواصل. . . ونشزت علينا البيض (الدراهم) وشمست (نفرت) منا الصّفر (الدنانير) وأكلتنا السود (الليالى) وحطّمتنا الحمر (السنوات المجدبة). . وهذه البصرة ماؤها هضوم (مهضم) وفقيرها مهضوم:
فكيف بمن:
يطوّف ما يطوّف ثم يأوى ... إلى زغب محدّدة العيون (١)
كساهنّ البلى شعثا فتمسى ... جياع النّاب ضامرة البطون (٢)
ولقد أصبحن اليوم وسرّحن (أجلن) الطّرف فى حىّ كميت (يقصد نفسه) وبيت كلا بيت، وقلّبن الأكفّ على ليت، ففضضن عقد الضلوع، وأفضن ماء الدموع، وتداعين باسم الجوع:
والفقر فى زمن اللئا ... م لكل ذى كرم علامه
رغب الكرام إلى الّلئا ... م وتلك أشراط القيامه (٣)
ولقد اخترتكم يا سادة، ودلّتنى عليكم السعادة، وقلت: قسما، إن فيهم لدسما، فهل من فتى يعشّيهن، أو يغشّيهن (يكسوهن) وهل من حرّ يغدّيهن أو يردّيهن (يلبسهن
стр. 2790
ثيابا). قال عيسى بن هشام: فوالله ما استأذن على حجاب سمعى كلام رائع أبرع؛ وأرفع، وأبدع، مما سمعت منه. لا جرم أنا استمحنا الأوساط (يريد الأحزمة وما فيها من نقد) ونفضنا الأكمام، ونحّينا الجيوب ونلته (أعطيته) أنا مطر فى (ثوبى) وأخذت الجماعة إخذى، وقلنا له: الحق بأطفالك، فأعرض عنا بعد شكر وفّاه، ونشر (ثناء) ملأ به فاه».
وواضح ما يمتاز به البديع فى مقاماته من خفة روح وميل إلى الدعابة، حتى يدخل السرور على سامعيه وترتسم البسمات على شفاههم. ويكثر من إنشاد الشعر فى المقامات، ومن حلّ بعض الأبيات المشهورة، على نحو ما صنع بقوله: «وأتلانى زغاليل حمر الحواصل» يريد أولاده وأنهم مثل زغاليل قريبة عهد بالولادة، فحواصلها لا تزال حمراء خالية من الريش، والصورة استعارها من الحطيئة حين حبسه عمر بن الخطاب، فتوجه إليه يستعطفه لأولاده قائلا:
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (١)
وكانت للبديع موهبة قصصية رائعة، غير أنه لم يستغلها فى مقاماته بالمقدار الذى كان يظنّ، إذ لم يضع فى ذهنه صنع قصص وحكايات، إنما الذى وضعه وجعله نصب عينيه أن يتخذ من حوار المقامة القصير بين عيسى بن هشام وأبى الفتح وسيلة لحشد عبارات مسجوعة طريفة تتحفظها الناشئة. وجاراه الحريرى وغيره فى صنع هذه الأقاصيص القصيرة البلاغية، وعدّوها أروع صور النثر وأبلغه، غير حافلين بعمل قصص طويلة أو حتى قصص قصيرة متنوعة. وبدأ البديع فوضع هذه الأقاصيص القصيرة أو هذه المقامات فى إطار السجع، وتبعه خالفوه. وهو يضيف إلى السجع-كما رأينا فى رسائله- ألوان البديع من الأخيلة والتصاوير ومن الجناس ومراعاة النظير، وألهاه الحوار القصصى عن المبالغة فى ذلك. ولا ريب فى أن سجعه فى مقاماته-كرسائله-سجع رشيق، لما يمتاز به من قصر ومن حسن انتخاب لألفاظه. وقد يتخلل بعض مقاماته بالشعر، كما قد يحشد فيها ببعض ألفاظ غريبة، على نحو ما نقرأ فى المقامات: الحمدانية والموصلية والقردية.
وربما دفعه إلى ذلك مقصد تعليمى، وهو مقصد تأثر فيه بأحاديث ابن دريد المفرطة فى الغرابة. غير أن ذلك إنما يأتى فى المقامات التى سميناها وفى الحين البعيد بعد الحين، بحيث لا تعدّ عيبا فى أساليبه التى تطبعها-كما قلنا-الرشاقة، وأيضا الخفة والعذوبة وروح الفكاهة المرحة المحببة لكل إنسان.
стр. 2791
وحرى بنا أن نشير إلى ما ذكرناه فى كتابنا المقامة من أن المقامة الإبليسية لبديع الزمان هى التى أوحت لابن شهيد الأندلسى وأبى العلاء المعرى رحلتهما فيما وراء الطبيعة، فإن بديع الزمان تصور فى مقامته عيسى بن هشام يلتقى بإبليس فى واد من وديان الجن، إذ ضلّت منه إبل فخرج يطلبها، حتى نزل فى واد حافل بالأشجار والأنهار. وبينما هو ينظر من حواليه إذ رأى شيخا جالسا فسلّم عليه وردّ السلام، وسأله ابن هشام هل تروى من أشعار العرب شيئا؟ قال نعم وأنشده بعض أشعارهم، وعرض عليه أن ينشده من شعره وهشّ له ابن هشام، فأنشده قصيدة لجرير، وعجب ابن هشام من انتحاله لها، ويدور بينهما حوار يقول له فيه إبليس «ما أحد من الشعراء إلا ومعه معين منا، وأنا أمليت على جرير هذه القصيدة، وأنا الشيخ أبو مرّة». ويغيب عنه، ويجد عيسى بن هشام نفسه وحيدا. وقد استوحى ابن شهيد هذه المقامة فى رسالته «التوابع والزوابع» أى الجن والشياطين، وهو فيها يلقى شياطين الشعراء فى وادى الجن، وكلما لقى شيطانا لشاعر أنشده من شعر صاحبه، ثم أنشده من شعره، فيبدى إعجابه به ويجيزه اعترافا بروعة شعره، ولقى شياطين الكتاب كما لقى شياطين الشعراء، وعرض عليهم بعض رسائله، ولقى شيطان بديع الزمان الذى سمّاه «زبدة الحقب»، ويحاول أن يعرض عليه بعض عباراته النثرية التى يحاكيه فيها، ويعترف له زبدة الحقب بحسن بلاغته، ويجيزه على إبداعه. والصلة قوية بين هذا العمل لابن شهيد وبين المقامة الإبليسية، فهما جميعا يتخذان لقاء شياطين الشعراء فى وادى الجن موضوعا لهما، ويلقى ابن شهيد شيطان بديع الزمان مما يؤكد صلته بآثاره، وأنه يعارض مقامته الإبليسية بتوابعه وزوابعه. وتجادل الباحثون طويلا هل ابن شهيد هو الذى ألهم أبا العلاء رسالة الغفران وما صوّر فيها من رحلة وراء الطبيعة يوم البعث وعلى الصراط وفى الجنة، أو أن أبا العلاء هو الذى ألهم ابن شهيد رحلته وراء الطبيعة فى وادى الجن؟ . ولعل فيما ذكرناه ما يبطل هذا النزاع والجدال، فإن بديع الزمان هو الذى استغلّ لأول مرة الحديث عن وديان الجن وشياطين الشعراء فى مقامته الإبليسية، ثم جاء بعده ابن شهيد وأبو العلاء المعرى فى القرن الخامس الهجرى، فألف كل منهما رحلة فيما وراء الطبيعة، ويتضح أثر البديع بقوة فى ابن شهيد لأنه التقى مباشرة مع البديع فى وادى الجن، أما أبو العلاء فاستقل برحلته عن هذا الوادى، واتخذ لها مضمونا أشمل وأبعد وأوسع.
стр. 2792
خاتمة
١
تحدثنا عن الجزيرة العربية فى القسم الأول من هذا الجزء الخاص بتاريخ الأدب العربى فيها وفى العراق وإيران فى عصر الدول والإمارات الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث، وبدأنا حديثنا عن الجزيرة العربية بعرض التاريخ السياسى لأقاليمها حينئذ، وهى الحجاز ونجد واليمن وحضرموت وظفار وعمان والبحرين، وفصلنا القول فى إمارتى مكة والمدينة وما كان من دخول الحجاز فى حكم الدولة العثمانية. وصورنا تحركات القبائل فى نجد وتكوينها لإمارات متعددة فى شرقى الجزيرة وظهور آل فضل وآل مرا فى بوادى الشام ثم ظهور آل سعود فى نجد. وعرضنا دول اليمن المتعاصرة فى زبيد وصنعاء وصعدة وعدن ودخولها فى حكم الأيوبيين ثم الرسوليين فالطاهريين، فغلبة الدولة الزيدية عليها.
وتتداول الدول اليمنية حضرموت، وكذلك ظفار إلى أن تبعت عمان نهائيا. وكان الخوارج فى عمان يتخذون «نزوى» فى الداخل حاضرة لهم بينما استقلت عنهم عمان والثغور على الخليج العربى قرونا متطاولة حتى غلبوا عليها فى القرن العاشر الهجرى. وسيطر القرامطة على البحرين فى أوائل العصر، وخلفتهم عليها دول متعاقبة أهمها الدولتان العيونية ودولة بنى عصفور، واستقلت عن البحرين قطر وجزيرة أوال (البحرين الحالية) وضمت الدولة السعودية إليها الأحساء والقطيف منذ أكثر من قرن.
وكان مجتمع الجزيرة طوال العصر يتألف من بدو وحضر، وظلت نجد بدوية إلا قليلا فى بعض القرى وبعض العواصم التى اتخذتها إماراتهم. وكان ينزل اليمن أحباش كثيرون، بينما نزل فى مدن الخليج وثغوره كثير من أهل إيران والهند وسواحل إفريقيا. وعرفت اليمن وعمان والبحرين الزراعة واعتمدت عليها مما أهّل لشئ بها من الحضارة، واشتهرت اليمن بكثرة الجوارى والغناء. وعرفت الجزيرة بجانب المذاهب السنية الأربعة المشهورة: مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل مذاهب الشيعة: الزيدية والإسماعيلية والإمامية والكيسانية وكانت «نزوى» بعمان مركزا للخوارج الإباضية من قديم ومنها شاع مذهبهم فى حضرموت. وما ينتصف القرن الثانى عشر الهجرى حتى يعتنق محمد بن سعود أمير الدّرعية
стр. 2793
الدعوة الوهابية السلفية ويضع يده فى يد محمد ابن عبد الوهاب لنشرها فى الجزيرة، وهى نداء يدعو إلى اتباع الحنابلة من أهل السنة. ويلقانا كثير من كبار المتصوفة فى مكة واليمن وحضرموت، وكان النساك متشردين فى كل مكان.
وكان يجرى فى كل بلاد الجزيرة جدول كبير من جداول الثقافة العربية بجميع علومها وفنونها، حتى فى قرى نجد وقد تحولت-منذ ظهور محمد بن عبد الوهاب-إلى دار كبيرة لدراسة كتبه وكتب إماميه: أحمد بن حنبل وابن تيمية. وكانت مكة والمدينة أشبه بجامعتين كبيرتين، بما كان فيهما من العلماء والأدباء، وبما كان يفد عليهما سنويا من أدباء العالم العربى وعلمائه، وخاصة من كان يقيم بهما منهم مجاورا سنوات طوالا. وكانت الحركة العلمية والأدبية ناشطة طوال العصر فى اليمن وحضرموت وعمان والبحرين، ونشط معها البحث فى علوم الأوائل وعلم الملاحة البحرية خاصة على نحو ما هو معروف عن ابن ماجد العمانى. وفى كل أقاليم الجزيرة ومدنها نشطت علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد، وكثر تأليف المعاجم والكتب والدراسات البلاغية والنقدية، وبالمثل نشطت علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات وعلم الكلام وكثر العلماء فى كل الأقاليم، وكثر ما أنتجوه من الكتب والمصنفات.
وكان الشعر يجرى على كل لسان فى أقاليم الجزيرة، وأخذت العامية تزاحم الفصحى فى نجد واليمن وحضرموت وعمان والبحرين منذ القرن السادس الهجرى، ومع مرور الزمن شاع معها شعر حمينى فى اليمن وحضرموت وشعر نبطى فى بقية الأقاليم، غير أن سيل الشعر الفصيح ظل قويا فيها جميعا، وقد ترجم الباخرزى لمجموعة كبيرة من شعراء نجد والحجاز واليمن فى القرن الخامس الهجرى وترجم العماد الأصبهانى لطائفة من شعراء بنى عقيل فى الموصل وشعراء بنى مزيد فى الحلّة وأيضا لطائفة من شعراء الحجاز واليمن فى القرن السادس. وتلقانا بعده فى كتب مختلفة تراجم لشعر الجزيرة فى حقب العصر التالية، غير ما طبع ونشر من دواوين النابهين من الشعراء. ويكثر شعراء المديح وفى مقدمتهم القاسم بن هتيمل اليمنى وأحمد بن سعيد الخروصى السّتالى العمانى وعلى بن مقرّب العيونى البحرانى وعبد الصمد بن عبد الله با كثير الحضرمى، كما يكثر شعراء المراثى من أمثال التهامى المكى وجعفر الخطى البحرانى، وشعراء الفخر والهجاء من أمثال نشوان بن سعيد الحميرى اليمنى وسليمان النبهانى العمانى.
وتتكاثر فى الجزيرة طوائف الشعراء، ونلتقى منهم بشعراء الدعوة الإسماعيلية وفى طليعتهم ابن القمّ والسلطان الخطّاب وعماره اليمنى، وبشعراء الدعوة الزيدية من أمثال يحيى
стр. 2794
ابن يوسف النشو بمكة وموسى بن يحيى بهران وعلى بن محمد العنسى فى اليمن، وبشعراء الخوارج من أمثال أبى إسحق الحضرمى الإباضى وابن الهبينى اليمنى. ونلتقى بشعراء الدعوة الوهابية السلفية، وفى مقدمتهم محمد بن إسماعيل الحسنى الصّنعانى اليمنى وابن مشرف الأحسائى، وبشعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية من أمثال عبد الرحيم البرعى اليمنى وعبد الرحمن العيدروس الحضرمى. وجميعهم رسمت شخصياتهم واتجاهاتهم الشعرية.
ولم تكن نجد تعنى بالكتابة قبل ظهور محمد بن عبد الوهاب، أما بعد ظهوره فقد أخذت الكتابة تنمو مع الدعوة نموا واسعا. وكان فى مكة والمدينة كتّاب إنشاء من قديم، وكثرت بهما الإجازات العلمية وتقاريظ الكتب. وكانت الكتابة مزدهرة فى اليمن طوال العصر، وظلت ناشطة فى حضرموت وعمان والبحرين. وتحتفظ الكتب برسائل متبادلة بين أمراء مكة وسلاطين مصر المماليك. وكانت الرسائل الديوانية ناشطة فى اليمن منذ زمن الدولة الصليحية فى القرن الخامس. وتحتفظ الكتب التاريخية ببعض رسائل متبادلة بين الدولة الرسولية وسلاطين المماليك فى مصر، وكذلك برسائل متبادلة بين الأئمة الزيديين المتأخرين وبين أئمة الخوارج فى عمان، وبالمثل بين الأئمة الأخيرين وعمالهم. وتكثر الرسائل الشخصية ويتحول بعضها إلى رسائل أدبية جيدة. ويكثر الوعظ. وتلقانا محاورات ورسائل فكاهية ومقامات أدبية متنوعة.
٢
وفى القسم الثانى من هذا الجزء تحدثنا عن العراق، وبدأنا حديثنا عنه بتاريخه السياسى وبيان الدول التى تعاقبت على حكمه، وهى الدولة البويهية، ويليها الدولة السلجوقية، ويسترد الخلفاء منها فى منتصف القرن السادس الهجرى صولجان الحكم، ويقضى التتار بقيادة هولاكو على حكمهم وخلافتهم فى منتصف القرن السابع. وتتعاقب على العراق وبغداد دولتان تتاريتان: دولة الإيلخانيين ودولة التيموريين ثم دولة التركمان، ويظل العراق فى قبضتها إلى أن استولت عليه الدولة الصفوية الإيرانية، وسرعان ما استخلصته منها الدولة العثمانية. وكان المجتمع فى بغداد يتألف من ثلاث طبقات: طبقة أرستقراطية مترفة. وطبقة وسطى تحظى بشئ من سعة العيش، وطبقة دنيا هى طبقة العامة، وكانت تتجرّع الضنك والبؤس، فتحوّل كثيرون منها إلى عيّارين ولصوص ينهبون بغداد من سنة إلى أخرى مستشعرين-فيما يبدو-فكرة العدالة الاجتماعية. وشاع فى العراق المذهب الشيعى الإمامى الاثنا عشرى، وكان بجواره مذهب شيعى مارق هو مذهب النّصيرية،
стр. 2795
ومذهب شيعى معتدل هو مذهب الزيدية. وكانت موجة الزهد والتصوف حادّة طوال العصر، وتزخر كتب التراجم بأسماء الزهاد والمتصوفة وطرقهم وخاصة طريقتى الجيلانى والرفاعى وما شاع بعدهما من طريقتى النقشبندية والبكطاشية.
وظلت الحركة العلمية فى بغداد ناشطة وكذلك الشأن فى العراق عامة إذ عنى بها البويهيون والسلاجقة، وخاصة وزيرهم نظام الملك مؤسس جامعة النظامية ببغداد، وتتكاثر المدارس، ويؤسس الخليفة المستنصر ببغداد جامعته المستنصرية. وكانت المساجد مدارس كبرى يستمع فيها الناس للعلماء فى كل فن بحيث تصبح الثقافة غذاء شعبيا عاما، مما أحدث رواجا هائلا فى الوراقة ونشر الكتب على نحو ما يصور ذلك ابن النديم فى كتابه «الفهرست». وتظل هناك بقية لحركة الترجمة، وتنشط الحركتان الفلسفية والعلمية حتى لتصبح الفلسفة وما يتصل بها من علوم الأوائل من مدارك العامة، كما تدل على ذلك رسائل إخوان الصفا. وتتكاثر الندوات الفكرية فى بغداد ويتكاثر المتفلسفة، وخاصة قبل الغزو التتارى، وتظل منهم بقية فى الحقب التالية. وتنشط فى العصر الكتابات الفلسفية والطبية والعلمية والجغرافية، كما تنشط البحوث اللغوية وشروح الشعر، وتنفذ بغداد فى النحو إلى مدرسة جديدة هى المدرسة البغدادية. ويتسع النشاط فى الدراسات البلاغية وما يتصل بها من البديعيات، وبالمثل فى الدراسات النقدية وخاصة حول المتنبى وشعره.
ويعنى صفى الدين الحلّى بدراسة الموشحات والأشكال الشعرية المستحدثة والشعر العامى.
وتنشط بغداد والعراق فى دراسات القراءات والتفسير والحديث النبوى والفقه وعلم الكلام، كما تنشط الكتابة فى التاريخ العام والخاص وفى تراجم العلماء من كل صنف.
ويتكاثر الشعراء فى العراق وتتوالى موجاتهم على نحو ما يلقانا فى اليتيمة وتتمتها والدمية والخريدة وما تلاها من كتب التراجم، وينظمون فى الرباعيات والموشحات، ويفسحون فى أشعارهم لصور كثيرة من التعقيدات حتى فى المحسنات البديعية. ويلقانا مع كل دولة بل فى كل مكان شعراء المديح ومن أعلامهم الأفذاذ المتنبى أكبر شعراء العصر، وسبط ابن التعاويذى، وصفى الدين الحلّى. ونلتقى بكثيرين من شعراء المراثى والهجاء والشكوى من أمثال السّرىّ الّرفاء، وابن القطان. ويكثر شعراء الشيعة، وفى مقدمتهم الشريف الرضى، ومهيار، وابن أبى الحديد.
ونلتقى بطوائف كثيرة من الشعراء، وأول من نلتقى بهم شعراء الغزل، وقد أذاعوا فيه حنينا وشوقا وظمأ للقاء محبوباتهم لا ينتهى، مما أعدّ لظهور ضرب من الشعر الوجدانى عند ابن المعلم والحاجرى والتّلعفرىّ. ويتغنّى للطبقة المترفة شعراء اللهو والمجون من أمثال
стр. 2796
ابن سكّرة، وابن الحجاج، بينما يتغنى للشعب ومشاعره الدينية شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية من أمثال ابن السراج البغدادى، والمرتضى الشّهرزورىّ، والصّرصرىّ.
ويلقانا أصحاب الشعر الفلسفى والتعليمى من أمثال ابن الشّبل البغدادى وابن الهبّارية، كما يلقانا شعر شعبى عامى كثير وقفنا عند فنونه، وأيضا شعراء شعبيون من أمثال أبى الأحنف العكبرى.
ويتنوع النثر فى العصر، فكان هناك النثر الفلسفى والنثر العلمى والمناظرات وخطابة الوعظ والقصص وكتب الأدب التهذيبى والرسائل الشخصية. وتكثر الكتابات الديوانية ونلتقى بأبى إسحاق الصابئ والعلاء بن الموصلايا وضياء الدين بن الأثير. ويلقانا من أعلام النثر أبو حيان التوحيدى بأسلوبه المتموج بطرائف الفكر، وابن مسكويه بنظرياته الأخلاقية الملتحم فيها الفكر الأجنبى بالفكر الإسلامى العربى مع حسن الأداء، والحريرى بمقاماته الرائعة التى خلبت ألباب معاصريه وخالفيه حتى العصر الحديث.
٣
وفى القسم الثالث من هذا الجزء تحدثنا عن إيران، وبدأنا حديثنا ببيان الدول المتقابلة بها، وهى الدولة السامانية، والدولة البويهية، والدولة الزيارية، والدولة الغزنوية، ثم تحدثنا عن الدول التى تعاقبت عليها منذ أواسط القرن الخامس الهجرى، وهى دولة السلاجقة، والدولة الخوارزمية، والدولة التتارية الإيلخانية، والدولة التيمورية، والدولة الصفوية، وما تلاها من الدول. وكان مجتمع إيران يتكون من ثلاث طبقات:
طبقة أرستقراطية مترفة، وطبقة متوسطة تعيش فى غير قليل من اليسار، وطبقة دنيا هى طبقة العامة. ونشط الشيعة فى نشر عقيدتهم، وفى مقدمتهم الزيدية الذين أقاموا لهم فى القرن الثالث دولة فى طبرستان غير أنها لم تمكث طويلا. ومنذ قبض البويهيون على زمام الأمور بإيران نشط الإماميون فى نشر عقيدتهم، وما زالوا ناشطين حتى تولى الصفويون مقاليد الحكم فى أواخر القرن التاسع الهجرى فجعلوا المذهب الإمامى المذهب الرسمى لإيران.
وكان نشاط الإسماعيليين كبيرا طوال القرنين الخامس والسادس الهجريين إلى أن قضى عليهم التتار نهائيا فى منتصف القرن السابع الهجرى. وكانت تعم فى إيران موجة زهد وتصوف، وحدث انفصام بين الصوفية والفقهاء، وسرعان ما رأب الصدع أبو نصر السراج، والقشيرى، والغزالى.
стр. 2797
وظلت الحركة العلمية طوال العصر ناشطة، وخاصة فى القرون الأولى، بفضل رعاية الحكام والأمراء لها، فكانوا يبنون المدارس ويرصدون الرواتب للعلماء والطلاب، وعنوا بالمكتبات. وأقبل جميع أفراد الشعب على العلوم، حتى النساء، وأخذوا يفردون كتبا لشرح المصطلحات فى العلوم والفنون. ونشطت نشاطا عظيما دراسة الفلسفة وعلوم الأوائل، ويكفى مثلا لهذا النشاط جهود ابن سينا والبيرونى، مما أهل لنهضة العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والجغرافية. وتكاثر وضع المعاجم، وازدهرت المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية والنقدية. ونشط التأليف فى التفسير كما نشط التأليف فى الحديث النبوى، وفى الفقه، وفى علم الكلام وخاصة فى المذهبين: الأشعرى والماتريدى. وتنوعت الكتابة التاريخية بين كتب تتناول التاريخ العام أو تاريخ بعض البلدان وكتب تتناول التراجم: تراجم الشعراء والعلماء فى كل فن.
ويزدهر الشعر العربى بإيران فى القرون الرابع والخامس والسادس للهجرة، بدليل المجلدات الضخمة التى شغلها فى اليتيمة وتتمتها وفى الدمية والخريدة. ومعروف أن أول كتاب صنف عن الشعر الفارسى وشعرائه كتاب عوفى فى القرن السابع الهجرى. ونفس الشعر الإيرانى صيغ صياغة على أنماط الشعر العربى، وتناول نفس موضوعاته، وشاع فيه مثله زخرف البديع ومحسناته. وقد ظل الشعر العربى حيّا فى إيران حتى القرن التاسع على الأقل. ويتكاثر شعراء المديح وفى مقدمتهم على بن عبد العزيز الجرجانى والطغرائى والأرّجانى، وبالمثل شعراء المراثى من أمثال أبى الحسن على بن أحمد الجوهرى الجرجانى، وشعراء الفخر والهجاء والشكوى من أمثال أبى بكر الخوارزمى، والأبيوردىّ.
وتلقانا بإيران طوائف كثيرة من الشعراء، وأول من نلقاهم شعراء الغزل وفى مقدمتهم أبو الفرج بن هندو، وأبو الفضل الميكالى. ويليهم شعراء اللهو والمجون من أمثال أبى بكر القهستانى، وأبى الحسن الباخرزى، وشعراء الزهد والتصوف من أمثال القشيرى، ويحيى السّهروردىّ، وشعراء الفلسفة والحكمة والأمثال وفى مقدمتهم أبو الفضل السكرى المروزىّ، وأبو الفتح البستى، وشعراء شعبيون مختلفون من أمثال أبى دلف الخزرجى.
وينشط النثر، ويظهر فيه قصص صوفى كثير وقصص فلسفى بديع، ويتكاثر كتاب الرسائل إذ تكثر الدول والإمارات ويصبح لكل إمارة ولكل دولة ديوان، ويشتهر فى كل دولة كاتب مجيد من أمثال قابوس بن وشمكير والعتبىّ ورشيد الدين الوطواط، ومن أنبه كتاب إيران فى العصر على توالى حقبه ابن العميد الذى أرسى قواعد الكتابة على ركنين
стр. 2798
أساسيين من السجع والمحسنات البديعية، وأوفى الصاحب بن عباد بالكتابة بعده على الغاية التى كانت تنتظرها من التجويد والتنميق. وينشئ بديع الزمان الهمذانى لأول مرة فى تاريخ الأدب العربى مقاماته المشهورة. وهو بحق يعدّ أبرع كتّاب إيران الذين ظهروا فى عصر الدول والإمارات غير منازع ولا مدافع.
стр. 2799
فهرس الموضوعات
صفحة مقدمة ٥ - ٨
القسم الأول: الجزيرة العربية ٩ - ٢٣٠
الفصل الأول: السياسة والمجتمع ١١ - ٥١
١ - أقاليم ودول وإمارات: الحجاز، نجد، اليمن، حضرموت وظفار، عمان، البحرين ١١ ٢ - المجتمع ٣٤
٣ - التشيع ٤٠
٤ - الخوارج: الإباضية ٤٤
٥ - الدعوة الوهابية السلفية ٤٦
٦ - الزهد والتصوف ٤٨
الفصل الثانى: الثقافة ٥٢ - ٨٧
١ - الحركة العلمية ٥٢
٢ - علوم الأوائل، علم الملاحة البحرية ٥٧
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد ٦٢
٤ - علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات وعلم الكلام ٧٢
٥ - التاريخ ٨٤
الفصل الثالث: نشاط الشعر والشعراء ٨٨ - ١٤٣
١ - الشعر على كل لسان ٨٨
٢ - كثرة الشعراء ٩٢
٣ - شعراء المديح: القاسم بن هتيمل أحمد بن سعيد الخروصى
الستالى، على بن المقرب العيونى، عبد الصمد بن عبد الله باكثير ١١٠ ٤ - شعراء المراثى: التهامى، جعفر الخطى ١٢٦
٥ - شعراء الفخر والهجاء: نشوان بن سعيد الحميرى، سليمان النبهانى ١٣٥
стр. 2800
الفصل الرابع: ١٤٤ - ٢٠٠
١ - شعراء الدعوة الإسماعيلية:
ابن القمّ، السلطان الخطاب، عمارة اليمنى ١٤٤
٢ - شعراء الدعوة الزيدية:
يحيى بن يوسف النّشو، موسى بن يحيى بهران، على بن محمد العنسى ١٥٧
٣ - شعراء الخوارج: أبو إسحق الحضرمى، ابن الهبينى ١٧١
٤ - شعراء الدعوة الوهابية السلفية:
محمد بن إسماعيل الحسنى الصنعانى، ابن مشرف الأحسائى ١٨٠
٥ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية:
عبد الرحيم البرعى، عبد الرحمن العيدروس ١٨٧
الفصل الخامس: النثر وأنواعه ٢٠١ - ٢٣٠
١ - تنوع الكتابة ٢٠١
٢ - رسائل ديوانية ٢٠٦
٣ - رسائل شخصية ٢١٤
٤ - مواعظ وخطب دينية ٢٢١
٥ - محاورات ورسائل فكاهية ومقامات ٢٢٦
القم الثانى: العراق ٢٣١ - ٤٧٨
الفصل الأول: السياسة والمجتمع ٢٣٣ - ٢٧٥
١ - البويهيون والسلاجقة والخلفاء العباسيون ٢٣٣
٢ - الدول: المغولية، والتركمانية، والصفوية، والعثمانية ٢٤١
٣ - المجتمع ٢٥١
٤ - التشيع ٢٦٣
٥ - الزهد والتصوف ٢٦٩
الفصل الثانى: الثقافة ٢٧٦ - ٣٢٢
١ - الحركة العلمية ٢٧٦
٢ - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة ٢٨٢
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد ٢٩٢
٤ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام ٣٠٥
стр. 2801
٥ - التاريخ ٣١٨
الفصل الثالث: نشاط الشعر والشعراء ٣٢٣ - ٣٨١
١ - كثرة الشعراء ٣٢٣
٢ - رباعيات وتقيدات وموشحات ٣٢٦
٣ - شعراء المديح: المتنبى، سبط ابن التعاويذى، صفى الدين الحلى ٣٣٦
٤ - شعراء المراثى والهجاء والشكوى: السرى الرفاء، ابن القطان البغدادى ٣٥٩
٥ - شعراء التشيع: الشريف الرضى، مهيار، ابن أبى الحديد ٣٦٨
الفصل الرابع: طوائف من الشعراء ٣٨٢ - ٤٢٩
١ - شعراء الغزل: ابن المعلم، الحاجرى، التلعفرى ٣٨٢
٢ - شعراء اللهو والمجون: ابن سكرة، ابن الحجاج ٣٩٦
٣ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية: ابن السراج البغدادى، المرتضى الشهرزورى، الصّرصرى ٤٠٥
٤ - شعراء الفلسفة والشعر التعليمى: ابن الشبل البغدادى، ابن الهّباريّة ٤١٦
٥ - شعراء شعبيون: الأحنف العكبرى ٤٢٣
الفصل الخامس: النثر وكتّابه ٤٣٠ - ٤٧٨
١ - تنوع النثر ٤٣٠
٢ - كتاب الرسائل الديوانية: أبو إسحاق الصابئ، العلاء بن الموصلايا ضياء الدين بن الأثير ٤٤٠
٣ - أبو حيان التوحيدى ٤٥٣
٤ - ابن مسكويه ٤٦٥
٥ - الحريرى ٤٧٢
القسم الثالث: إيران ٤٧٩ - ٦٧٣
١ - دول: متقابلة: الدولة السامانية، الدولة البويهية، الدولة الزيارية، الدولة الغزنوية ٤٨١
٢ - دول متعاقبة: دولة السلاجقة، الدولة الخوارزمية، الدولة المغولية الإيلخانية، الدولة المغولية التيمورية وما تلاها من الدول ٤٩١
٣ - المجتمع ٤٩٨
٤ - التشيع ٥٠٧
стр. 2802
٥ - الزهد والتصوف ٥١٤
الفصل الثانى: الثقافة ٥٢١ - ٥٦١
١ - الحركة العلمية ٥٢١
٢ - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة ٥٢٦
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد ٥٣٤
٤ - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام ٥٤٧
٥ - التاريخ ٥٥٧
الفصل الثالث: نشاط الشعر والشعراء ٥٦٢ - ٦٠٣
١ - الشعر العربى على كل لسان ٥٦٢
٢ - كثرة الشعراء ٥٦٨
٣ - شعراء المديح: على بن عبد العزيز الجرجانى، الطغرائى، الأرجانى ٥٧٥
٤ - شعراء المراثى، أبو الحسن على بن أحمد الجوهرى الجرجانى ٥٨٩
٥ - شعراء الهجاء والفخر والشكوى: أبوبكر الخوارزمى، الأبيوردى ٥٩٤
الفصل الرابع: طوائف من الشعراء ٦٠٤ - ٦٤٠
١ - شعراء الغزل: أبو الفرج بن هندو، أبو الفضل الميكالى ٦٠٤
٢ - شعراء اللهو والمجون: أبوبكر القهستانى، أبو الحسن الباخرزى ٦١٠
٣ - شعراء الزهد والتصوف، عبد الكريم القشيرى، يحيى السهروردى ٦١٧
٤ - شعراء الحكمة والفلسفة: أبو الفضل السكرى المروزى، أبو الفتح البستى ٦٢٧
٥ - شعراء شعبيون: أبو دلف الخزرجى: مسعر بن مهلهل ٦٣٥
الفصل الخامس: النثر وكتابه ٦٤١ - ٦٧٣
١ - تنوع الكتابة ٦٤١
٢ - كتاب الرسائل: قابوس بن وشمكير، أبو النصر العبى، رشيد الدين الوطواط ٦٤٨
٣ - ابن العميد ٦٥٥
٤ - الصاحب بن عباد ٦٥٨
٥ - بديع الزمان ومقاماته ٦٦٦
خاتمة ٦٧٤ - ٦٨٠
стр. 2803
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
تحدّثت فى هذا الجزء عن تاريخ الأدب العربي بالشام فى عصر الدول والإمارات الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث، ورأيت أن أرجع بالحديث عن الشام إلى تاريخها منذ الفتح العربى، وبالمثل عن مجتمعها والحركة العلمية والأدبية فيها، وكنت ترجمت فى الجزء الخاص بالعصر الإسلامى لشعرائها المبكرين: عدىّ بن الرّقاع العاملىّ والطّرمّاح الطائى والوليد بن يزيد، وترجمت فى الجزء الخاص بالعصر العباسى الأول لشعرائها الأفذاذ:
منصور النّمرىّ والعتّابى وأبى تمام، كما ترجمت فى الجزء الخاص بالعصر العباسى الثانى لشاعريها البارعين: البحترى والصّنوبرىّ. ومنعا للتكرار لم أر العودة إلى تراجمهم جميعا فى هذا الجزء وقصره فى تراجم الشعراء على حملة لواء الشعر بالشام بعد العصر العباسى الثانى.
وقد بدأت الجزء ببيان مجمل لتاريخ الشام القديم، وتحدثت عن الفتح العربى لها وقيام الخلافة الأموية بدمشق، وكان سلطانها يظلّ العالم الإسلامى من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلسى، ثم ما كان من تحوّل الشام زمن الخلافة العباسية إلى ولاية تابعة لبغداد، وتبعيّتها للدولتين: الطولونية والإخشيدية حين تأسّستا بمصر، واستيلاء الدولة الفاطمية بالقاهرة على الشطر الأكبر منها، وتأسيس إمارة الحمدانيين فى شماليها بحلب ثم إمارة بنى مرداس، وما حدث من نزول حملة الصليب بها فى أواخر القرن الخامس الهجرى، وجهاد عماد الدين زنكى فى القرن السادس وابنه نور الدين أمير حلب-لهم-جهادا عظيما، وضربات صلاح الدين الأيوبى لجموعهم ضربات قاصمة وسحقه لهم فى حطّين وغير حطين. وتدين الشام لخلفائه الأيوبيين، ثم تدين للمماليك، ويمزقون المغول في عين جالوت شرّ ممزّق، ويطردونهم من الشام كما يطردون منها بقايا حملة الصليب نهائيا. ويدور الزمن دورات، فتنزلها -مع مصر-جحافل العثمانيين وتظل ولاية عثمانية إلى أن تشرق عليها أضواء العصر الحديث.
وكان المجتمع الشامى-حين الفتح العربى-يضمّ أخلاطا من أمم شتى آسيوية وأوربية، وأخذ الإسلام يمزج بين هذه الأخلاط مكوّنا منها أمة شامية عربية واحدة. وصبّت
стр. 2804
فيها-زمن الدولة الأموية-كنوز العالم الإسلامى، مما أتاح لها فى تلك الدولة رخاء غير قليل، وظلت-بعدها-تنعم بعيش رغد لما فيها من أنهار وعيون وزروع وفاكهة متنوعة ونقل من فستق وغير فستق. وكان أهلها يتقنون-من قديم-صناعات الخزف والأثاث والمعادن والزجاج الملوّن والنسيج. وظلت التجارة منتعشة بها إلى نهاية أيام المماليك، إذ كانت بوّابة كبرى لتجارات آسيا وأوربا. وعرفت-مثل شقيقاتها العربيات-كثيرا من فنون اللهو والغناء. وشاع التشيع فى جوانب من ديارها وتعدّدت بها فرقه المتطرفة من إسماعيلية ونصيريّة ودروز وفداويّة، وشاع فيها الزهد والتصوف وطرقه وما يتصل به من الخانقاهات.
وكانت الحركة العلمية فى الشام نشيطة، وألممت بما كان بها-قديما-من تراث يونانى علمى وفلسفى، وتحدّثت عن رعاية حكامها-منذ الفتح العربى-لحركتها العلمية، ثم ما كان من تأسيسهم للمدارس فيها منذ القرن الخامس الهجرى وكثرتها كثرة مفرطة فى القرون التالية. وألممت بحركة الترجمة فى القرون الأولى للهجرة بها وكبار مترجميها وازدهار علوم الأوائل فيها من طب وفلسفة وفلك وهندسة ورياضيات وجغرافيا. وأوضحت ازدهار علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة مع عرض أعلامها جميعا عرضا تاريخيّا دقيقا، وبالمثل أوضحت ازدهار علوم القراءات والتفسير والحديث النبوى والفقه ومذاهبه وعلم الكلام مع التتبع الدقيق لأعلام كل منها تاريخيّا، وعرضت الكتابات التاريخية ومؤلفيها النابهين فى السيرة وتاريخ المدن والتاريخ العام وتاريخ الدول وكتب التراجم، وبذلك كله اتضحت الحركة العلمية فى الشام على مر الزمن، واتضح معها التاريخ الدقيق لجميع العلوم وأعلامها المجلّين.
وتحدثت عن اللغات فى الشام قبل الفتح العربى وكيف أنها كانت قد أخذت فى التعرب قبله بقرون، وتمّ لها هذا التعرب سريعا بحيث أصبحت العربية لسان سكانها جميعا. ولم يكن لها فى الشعر العربى نشاط يذكر قبل الإسلام، حتى إذا دخلت فى الدين الحنيف وهاجرت إليها جموع من القبائل القيسية النجدية المشهورة بنظم الشعر أخذ الشعر يكثر فى ألسنة أهلها من البدو والحضر، وأخذ يظهر فيها شعراء نابهون. وطوال أيام الأمويين كان شعراء الحجاز ونجد والعراق يفدون على دمشق لمديح الخلفاء، ونبغ فى البيت الأموى وبين خلفائه غير شاعر.
وتشارك الشام بقوة فى ازدهار الشعر العربى فى العصرين العباسيين: الأول والثانى.
стр. 2805
ويتكاثر شعراء الشام فى القرن الرابع الهجرى وتموج بهم حلب فى عهد سيف الدولة الحمدانى، ويترجم الثعالبى فى كتابه «اليتيمة» لكثيرين منهم، كما يترجم الباخرزى فى كتابه «دمية القصر» لطائفة من مشهوريهم فى القرن الخامس الهجرى، ويترجم العماد الأصبهانى وزير صلاح الدين الأيوبى فى القرن السادس لنحو مائة وثلاثين من شعراء الشام، وتحفل كتب التاريخ والتراجم-بعده-بالشعراء الشاميين فى أزمنة الأيوبيين والمماليك والعثمانيين.
وتشارك الشام-منذ القرن السادس-مشاركة خصبة فى الأشكال الجديدة من الشعر الدورى فتكثر بها المسمّطات والرباعيات والموشحات، ويشتهر فيها غير وشّاح. ومنذ أبى تمام يكثر شعراؤها من البديعيات، ويدخل الشعراء عليها صورا مختلفة من التعقيدات.
وأخذت أحلل شخصيات شعراء الشام فى عصر الدول والإمارات منذ القرن الرابع الهجرى، فللمديح أعلامه يتقدمهم ابن الخياط بملكته الشعرية الخصبة، وللفلسفة والحكمة أعلامهما يتقدمهم أبو العلاء المعرى مفخرة الشام الذى لا يماثله أديب سابق ولا لاحق فى الأدب العربى شعرا ونثرا، وللتشيع أعلامه يتقدمهم كشاجم بلوعاته وأنّاته لفاجعة الحسين، وللغزل أعلامه يتقدمهم عبد المحسن الصورى الذى نوّه به ابن خفاجة درّة الأندلس طويلا فى ديوانه، وللفخر أعلامه يتقدمهم أبو فراس الحمدانى بروميّاته التى جسّد فيها الفروسية العربية بكل ما لها من فتوة وصلابة عاتية. ويتوالى أعلام في شعر الطبيعة والزهد والتصوف والمدائح النبوية. ومع كل علم من الشعراء جميعا ما يتميز به من الخصائص وروائع الأشعار. وبلغ عدد من ترجمت لهم من أعلام الشعراء فى الشام خمسة وثلاثين شاعرا فذّا وذكرت بينهم فى كل غرض من أغراض الشعر شاعرا مجيدا من الشعراء فى أيام العثمانيين، ولم أترجم لعشرات من شعرائها ترجمت لهم كتب الطبقات لأنه لم يكن لأحدهم دور واضح فى تطور الشعر بالشام، وأنا لا أكتب دائرة معارف لشعرائها، وإنما أكتب تاريخ شعرها ومن تطوروا به وتركوا فيه بصمات واضحة جعلت لهم حظا كثيرا أو قليلا من الشهرة والمجد الأدبى. وفسحت لدراسة الشعر الشعبى وترجمت لأهم أعلام الزجالين بالشام: أبى العلاء بن مقاتل مع عرض أروع أزجاله.
وترقى الرسائل الديوانية بالشام فى عهد الدولة الأموية وتوضع رسومها وتقاليدها، حتى إذا انتهى عهدهم ولم يعد لديوان الإنشاء عمل بعدهم تراجعت هذه الرسائل وما طوى فيها من رقىّ إلى أن أخذت الدول منذ القرن السادس تتعاقب فى الشام وأخذت تعنى بهذا