٥ - التاريخ ٣١٨
الفصل الثالث: نشاط الشعر والشعراء ٣٢٣ - ٣٨١
١ - كثرة الشعراء ٣٢٣
٢ - رباعيات وتقيدات وموشحات ٣٢٦
٣ - شعراء المديح: المتنبى، سبط ابن التعاويذى، صفى الدين الحلى ٣٣٦
٤ - شعراء المراثى والهجاء والشكوى: السرى الرفاء، ابن القطان البغدادى ٣٥٩
٥ - شعراء التشيع: الشريف الرضى، مهيار، ابن أبى الحديد ٣٦٨
الفصل الرابع: طوائف من الشعراء ٣٨٢ - ٤٢٩
١ - شعراء الغزل: ابن المعلم، الحاجرى، التلعفرى ٣٨٢
٢ - شعراء اللهو والمجون: ابن سكرة، ابن الحجاج ٣٩٦
٣ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية: ابن السراج البغدادى، المرتضى الشهرزورى، الصّرصرى ٤٠٥
٤ - شعراء الفلسفة والشعر التعليمى: ابن الشبل البغدادى، ابن الهّباريّة ٤١٦
٥ - شعراء شعبيون: الأحنف العكبرى ٤٢٣
الفصل الخامس: النثر وكتّابه ٤٣٠ - ٤٧٨
١ - تنوع النثر ٤٣٠
٢ - كتاب الرسائل الديوانية: أبو إسحاق الصابئ، العلاء بن الموصلايا ضياء الدين بن الأثير ٤٤٠
٣ - أبو حيان التوحيدى ٤٥٣
٤ - ابن مسكويه ٤٦٥
٥ - الحريرى ٤٧٢
القسم الثالث: إيران ٤٧٩ - ٦٧٣
١ - دول: متقابلة: الدولة السامانية، الدولة البويهية، الدولة الزيارية، الدولة الغزنوية ٤٨١
٢ - دول متعاقبة: دولة السلاجقة، الدولة الخوارزمية، الدولة المغولية الإيلخانية، الدولة المغولية التيمورية وما تلاها من الدول ٤٩١
٣ - المجتمع ٤٩٨
٤ - التشيع ٥٠٧
стр. 2802
٥ - الزهد والتصوف ٥١٤
الفصل الثانى: الثقافة ٥٢١ - ٥٦١
١ - الحركة العلمية ٥٢١
٢ - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة ٥٢٦
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد ٥٣٤
٤ - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام ٥٤٧
٥ - التاريخ ٥٥٧
الفصل الثالث: نشاط الشعر والشعراء ٥٦٢ - ٦٠٣
١ - الشعر العربى على كل لسان ٥٦٢
٢ - كثرة الشعراء ٥٦٨
٣ - شعراء المديح: على بن عبد العزيز الجرجانى، الطغرائى، الأرجانى ٥٧٥
٤ - شعراء المراثى، أبو الحسن على بن أحمد الجوهرى الجرجانى ٥٨٩
٥ - شعراء الهجاء والفخر والشكوى: أبوبكر الخوارزمى، الأبيوردى ٥٩٤
الفصل الرابع: طوائف من الشعراء ٦٠٤ - ٦٤٠
١ - شعراء الغزل: أبو الفرج بن هندو، أبو الفضل الميكالى ٦٠٤
٢ - شعراء اللهو والمجون: أبوبكر القهستانى، أبو الحسن الباخرزى ٦١٠
٣ - شعراء الزهد والتصوف، عبد الكريم القشيرى، يحيى السهروردى ٦١٧
٤ - شعراء الحكمة والفلسفة: أبو الفضل السكرى المروزى، أبو الفتح البستى ٦٢٧
٥ - شعراء شعبيون: أبو دلف الخزرجى: مسعر بن مهلهل ٦٣٥
الفصل الخامس: النثر وكتابه ٦٤١ - ٦٧٣
١ - تنوع الكتابة ٦٤١
٢ - كتاب الرسائل: قابوس بن وشمكير، أبو النصر العبى، رشيد الدين الوطواط ٦٤٨
٣ - ابن العميد ٦٥٥
٤ - الصاحب بن عباد ٦٥٨
٥ - بديع الزمان ومقاماته ٦٦٦
خاتمة ٦٧٤ - ٦٨٠
стр. 2803
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
تحدّثت فى هذا الجزء عن تاريخ الأدب العربي بالشام فى عصر الدول والإمارات الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث، ورأيت أن أرجع بالحديث عن الشام إلى تاريخها منذ الفتح العربى، وبالمثل عن مجتمعها والحركة العلمية والأدبية فيها، وكنت ترجمت فى الجزء الخاص بالعصر الإسلامى لشعرائها المبكرين: عدىّ بن الرّقاع العاملىّ والطّرمّاح الطائى والوليد بن يزيد، وترجمت فى الجزء الخاص بالعصر العباسى الأول لشعرائها الأفذاذ:
منصور النّمرىّ والعتّابى وأبى تمام، كما ترجمت فى الجزء الخاص بالعصر العباسى الثانى لشاعريها البارعين: البحترى والصّنوبرىّ. ومنعا للتكرار لم أر العودة إلى تراجمهم جميعا فى هذا الجزء وقصره فى تراجم الشعراء على حملة لواء الشعر بالشام بعد العصر العباسى الثانى.
وقد بدأت الجزء ببيان مجمل لتاريخ الشام القديم، وتحدثت عن الفتح العربى لها وقيام الخلافة الأموية بدمشق، وكان سلطانها يظلّ العالم الإسلامى من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلسى، ثم ما كان من تحوّل الشام زمن الخلافة العباسية إلى ولاية تابعة لبغداد، وتبعيّتها للدولتين: الطولونية والإخشيدية حين تأسّستا بمصر، واستيلاء الدولة الفاطمية بالقاهرة على الشطر الأكبر منها، وتأسيس إمارة الحمدانيين فى شماليها بحلب ثم إمارة بنى مرداس، وما حدث من نزول حملة الصليب بها فى أواخر القرن الخامس الهجرى، وجهاد عماد الدين زنكى فى القرن السادس وابنه نور الدين أمير حلب-لهم-جهادا عظيما، وضربات صلاح الدين الأيوبى لجموعهم ضربات قاصمة وسحقه لهم فى حطّين وغير حطين. وتدين الشام لخلفائه الأيوبيين، ثم تدين للمماليك، ويمزقون المغول في عين جالوت شرّ ممزّق، ويطردونهم من الشام كما يطردون منها بقايا حملة الصليب نهائيا. ويدور الزمن دورات، فتنزلها -مع مصر-جحافل العثمانيين وتظل ولاية عثمانية إلى أن تشرق عليها أضواء العصر الحديث.
وكان المجتمع الشامى-حين الفتح العربى-يضمّ أخلاطا من أمم شتى آسيوية وأوربية، وأخذ الإسلام يمزج بين هذه الأخلاط مكوّنا منها أمة شامية عربية واحدة. وصبّت
стр. 2804
فيها-زمن الدولة الأموية-كنوز العالم الإسلامى، مما أتاح لها فى تلك الدولة رخاء غير قليل، وظلت-بعدها-تنعم بعيش رغد لما فيها من أنهار وعيون وزروع وفاكهة متنوعة ونقل من فستق وغير فستق. وكان أهلها يتقنون-من قديم-صناعات الخزف والأثاث والمعادن والزجاج الملوّن والنسيج. وظلت التجارة منتعشة بها إلى نهاية أيام المماليك، إذ كانت بوّابة كبرى لتجارات آسيا وأوربا. وعرفت-مثل شقيقاتها العربيات-كثيرا من فنون اللهو والغناء. وشاع التشيع فى جوانب من ديارها وتعدّدت بها فرقه المتطرفة من إسماعيلية ونصيريّة ودروز وفداويّة، وشاع فيها الزهد والتصوف وطرقه وما يتصل به من الخانقاهات.
وكانت الحركة العلمية فى الشام نشيطة، وألممت بما كان بها-قديما-من تراث يونانى علمى وفلسفى، وتحدّثت عن رعاية حكامها-منذ الفتح العربى-لحركتها العلمية، ثم ما كان من تأسيسهم للمدارس فيها منذ القرن الخامس الهجرى وكثرتها كثرة مفرطة فى القرون التالية. وألممت بحركة الترجمة فى القرون الأولى للهجرة بها وكبار مترجميها وازدهار علوم الأوائل فيها من طب وفلسفة وفلك وهندسة ورياضيات وجغرافيا. وأوضحت ازدهار علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة مع عرض أعلامها جميعا عرضا تاريخيّا دقيقا، وبالمثل أوضحت ازدهار علوم القراءات والتفسير والحديث النبوى والفقه ومذاهبه وعلم الكلام مع التتبع الدقيق لأعلام كل منها تاريخيّا، وعرضت الكتابات التاريخية ومؤلفيها النابهين فى السيرة وتاريخ المدن والتاريخ العام وتاريخ الدول وكتب التراجم، وبذلك كله اتضحت الحركة العلمية فى الشام على مر الزمن، واتضح معها التاريخ الدقيق لجميع العلوم وأعلامها المجلّين.
وتحدثت عن اللغات فى الشام قبل الفتح العربى وكيف أنها كانت قد أخذت فى التعرب قبله بقرون، وتمّ لها هذا التعرب سريعا بحيث أصبحت العربية لسان سكانها جميعا. ولم يكن لها فى الشعر العربى نشاط يذكر قبل الإسلام، حتى إذا دخلت فى الدين الحنيف وهاجرت إليها جموع من القبائل القيسية النجدية المشهورة بنظم الشعر أخذ الشعر يكثر فى ألسنة أهلها من البدو والحضر، وأخذ يظهر فيها شعراء نابهون. وطوال أيام الأمويين كان شعراء الحجاز ونجد والعراق يفدون على دمشق لمديح الخلفاء، ونبغ فى البيت الأموى وبين خلفائه غير شاعر.
وتشارك الشام بقوة فى ازدهار الشعر العربى فى العصرين العباسيين: الأول والثانى.
стр. 2805
ويتكاثر شعراء الشام فى القرن الرابع الهجرى وتموج بهم حلب فى عهد سيف الدولة الحمدانى، ويترجم الثعالبى فى كتابه «اليتيمة» لكثيرين منهم، كما يترجم الباخرزى فى كتابه «دمية القصر» لطائفة من مشهوريهم فى القرن الخامس الهجرى، ويترجم العماد الأصبهانى وزير صلاح الدين الأيوبى فى القرن السادس لنحو مائة وثلاثين من شعراء الشام، وتحفل كتب التاريخ والتراجم-بعده-بالشعراء الشاميين فى أزمنة الأيوبيين والمماليك والعثمانيين.
وتشارك الشام-منذ القرن السادس-مشاركة خصبة فى الأشكال الجديدة من الشعر الدورى فتكثر بها المسمّطات والرباعيات والموشحات، ويشتهر فيها غير وشّاح. ومنذ أبى تمام يكثر شعراؤها من البديعيات، ويدخل الشعراء عليها صورا مختلفة من التعقيدات.
وأخذت أحلل شخصيات شعراء الشام فى عصر الدول والإمارات منذ القرن الرابع الهجرى، فللمديح أعلامه يتقدمهم ابن الخياط بملكته الشعرية الخصبة، وللفلسفة والحكمة أعلامهما يتقدمهم أبو العلاء المعرى مفخرة الشام الذى لا يماثله أديب سابق ولا لاحق فى الأدب العربى شعرا ونثرا، وللتشيع أعلامه يتقدمهم كشاجم بلوعاته وأنّاته لفاجعة الحسين، وللغزل أعلامه يتقدمهم عبد المحسن الصورى الذى نوّه به ابن خفاجة درّة الأندلس طويلا فى ديوانه، وللفخر أعلامه يتقدمهم أبو فراس الحمدانى بروميّاته التى جسّد فيها الفروسية العربية بكل ما لها من فتوة وصلابة عاتية. ويتوالى أعلام في شعر الطبيعة والزهد والتصوف والمدائح النبوية. ومع كل علم من الشعراء جميعا ما يتميز به من الخصائص وروائع الأشعار. وبلغ عدد من ترجمت لهم من أعلام الشعراء فى الشام خمسة وثلاثين شاعرا فذّا وذكرت بينهم فى كل غرض من أغراض الشعر شاعرا مجيدا من الشعراء فى أيام العثمانيين، ولم أترجم لعشرات من شعرائها ترجمت لهم كتب الطبقات لأنه لم يكن لأحدهم دور واضح فى تطور الشعر بالشام، وأنا لا أكتب دائرة معارف لشعرائها، وإنما أكتب تاريخ شعرها ومن تطوروا به وتركوا فيه بصمات واضحة جعلت لهم حظا كثيرا أو قليلا من الشهرة والمجد الأدبى. وفسحت لدراسة الشعر الشعبى وترجمت لأهم أعلام الزجالين بالشام: أبى العلاء بن مقاتل مع عرض أروع أزجاله.
وترقى الرسائل الديوانية بالشام فى عهد الدولة الأموية وتوضع رسومها وتقاليدها، حتى إذا انتهى عهدهم ولم يعد لديوان الإنشاء عمل بعدهم تراجعت هذه الرسائل وما طوى فيها من رقىّ إلى أن أخذت الدول منذ القرن السادس تتعاقب فى الشام وأخذت تعنى بهذا
стр. 2806
الديوان وتختار له كتّابا بلغاء، حينئذ ازدهرت كتابة الرسائل الديوانية فى زمن الدولتين الأيوبية والمملوكية. ومنذ العتّابى فى أوائل القرن الثالث تنشط كتابة الرسائل الشخصية، وللببّغاء كاتب سيف الدولة فيها رسائل بديعة، وما يلبث أبو العلاء أن يهدى إلى قراء العربية رسائله الشخصية الفذة، وتكثر تلك الرسائل بعده-طوال العصر-شاكرة أو مهنئة أو معاتبة أو معزّية، وهى-مثل الرسائل الديوانية تعتمد دائما على السجع والمحسنات البديعية. ويكثر الكتاب من صنع المقامات غير أنها لا تعتمد على أديب متسول وحيله الكثيرة وما يطوى فيها من حركة درامية كما كان الشأن عند الحريرى فى مقاماته، وإنما تعتمد غالبا على الوصف أو المناظرة بين أشخاص أو بين أزهار أو ثمار، وهى بذلك أشبه برسائل مطولة. وتتكاثر كتب المواعظ، ومن أروعها كتاب الفصول والغايات لأبى العلاء، وجميعه تسبيح وتحميد وتمجيد فى الله العلىّ العظيم، ويجرى ابن غانم على لسان الطيور والأزهار حكما بديعة.
ولأدباء الشام أعمال نثرية رائعة، فى مقدمتها رسالة الغفران لأبى العلاء، وقسمها الأول يصور أهوال المحشر والصراط ونعيم الجنة وعذاب النار، وقد ألهم هذا القسم-بشهادة المستشرقين-دانتى الشاعر الإيطالى كتابه «الكوميديا الإلهية». ومن الأعمال النثرية القيمة رسالة النسر والبلبل لابن حسان الدمشقى وفيها يسأل النسر البلبل عن السر فى جمال صوته وسحره، ويدور بينهما حوار بديع. ومن تلك الأعمال كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ وهو أشبه بترجمة شخصية يصف فيها زيارته لمصر أيام الفاطميين وتنقلاته بين حملة الصليب لزمنه، ومنها كتاب نسيم الصّبا لابن حبيب فى وصف الطبيعية والأخلاق الاجتماعية، وكتاب فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء لابن عربشاه، وفيه يتناول كثيرا من شئون الحياة والسياسة والتربية.
وواضح أننى عرضت فى صحف هذا الجزء تاريخ الأدب العربى فى الشام طوال عصر الدول والإمارات مع بيان تاريخها منذ الفتح العربى وبالمثل صورة مجتمعها والنشاط الثقافى والعلمى بها مسترشدا بمصادر ومراجع كثيرة، ولا أزعم أننى صوّرت ذلك كله تصويرا تاما، وإنما حاولت بقدر ما استطعت. والله ولىّ الهدى والتوفيق.
القاهرة فى ٢٠ من مارس سنة ١٩٩٠ م
شوقى ضيف
стр. 2807
الفصل الأوّل
السياسة والمجتمع
١ - فتح العرب للشام والحقب (١) الأولى
(ا) فتح العرب للشام
تقع الشام فى قلب الشرق الأوسط وسط العالم القديم على أبواب آسيا الغربية وشواطئ البحر المتوسط، وهى سهل ساحلى يمتد من خليج إسكندرونة فى تركيا شمالا إلى طور سيناء جنوبا، ومن البحر المتوسط غربا إلى بادية الشام شرقا، والشام بذلك تشمل سوريا الحالية ولبنان وفلسطين وشرقى الأردن. وتجرى فيها أنهار صغيرة أهمها العاصى المتجه إلى الشمال فى سوريا، والليطانى المتجه إلى الجنوب، وبردى المتجه إلى الشرق مكونا بساتين دمشق المسماة بالغوطة، ونهر الأردن الذى يصب فى البحر الميت، وفى أطراف الأردن الشمالية بحيرة طبريّة. وبجنوبى دمشق هضبة حوران. وفى شمالى الهضبة الشرقى منطقة اللجأ وفى جنوبيها الشرقى جبل الدروز. وتنساب الشام شرقى حوران والأردن فى بادية الشام المتممة لصحراء العرب. ومن قديم يزرع بها القمح والزيتون والتين والفواكه، وبها فى الشمال أشجار النّقل المختلفة وهيأ ذلك أهلها لكى يعرفوا الاستقرار من أعتق الأزمنة، كما هيأ البلاد لاندفاع بدو الجزيرة العربية إليها، إذ تفيض عسلا ولبنا. وقد اندفعوا إليها فى شكل هجرات كبيرة، لعل أقدمها هجرة الأموريين إلى شماليها حوالى منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، وتلتها-وربما صحبتها-هجرة الكنعانيين أو الفينيقيين إلى السهل الساحلى. وقد استولى تحوتمس فرعون مصر حوالى سنة ١٤٤٠ ق. م على جزء كبير من الشام، وظل الأموريون والفينيقيون خاضعين لمصر نحو قرن إلى أن شغلت عن ممتلكاتها فى الشام لعهد
стр. 2808
إخناتون بسبب ثورته الدينية المعروفة. وتفد على الشام هجرة كبيرة من الجزيرة العربية هى هجرة الآراميين إلى الشام الأوسط ومنطقة دمشق وهجرة العبرانيين إلى فلسطين.
ولم يكوّن الفينيقيون لأنفسهم دولة فى السهل الساحلى بل ظلوا جماعات صغيرة لكل جماعة أميرها فى طرابلس وجبيل وبيروت وصيداء وصور وعسقلان وغزة، وكانوا شعبا بحريا تجاريا، وازدهرت تجارتهم بين القرنين العاشر والثامن قبل الميلاد، وكوّنوا لهم مستعمرات فى إسبانيا ومراكز تجارية فى كورسيكا وسردينيا وصقلية وكريت وساموس فى اليونان. وقضى على النشاط التجارى لهذا الشعب الفتح الأشورى فى القرن الثامن قبل الميلاد. وكون العبرانيون لأنفسهم مملكة أورشليم فى القرن العاشر ق. م. وفيه بلغت ذروتها لعهد داود وسليمان، ثم أخذت فى الضعف حتى قضى عليها الأشوريون فى القرن الثامن ق. م. ودمر بختنصر أورشليم فى القرن السادس ق. م. وجلاهم عنها إلى بابل، حتى إذا سقطت دولة بابل سنة ٥٣٩ ق م. أذن كورش لمن يريد منهم العودة إلى أورشليم أن يعود. وظل الشام منذ هذا التاريخ تابعا للدولة الفارسية إلى أن فتحه الإسكندر المقدونى سنة ٣٣٤ ق. م. وتولّت بعده شئونه دولة السلوقيين اليونانية حتى انتزعه منها الرومان فى القرن الأول ق. م. ولما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى غربية وشرقية كان الشام من نصيب الامبراطورية الشرقية وظل تابعا لبيزنطة حتى استخلصه العرب منها.
وقد استطاع العرب الشماليون أن يقيموا مملكتين أو إمارتين لهم فى أطراف الشام: إمارة النبط فى شرقى الأردن أقاموها منذ القرن الثالث ق. م وكان لها عاصمتان: بطرا فى الجنوب بشرقى الأردنّ وبصرى فى الشمال بالقرب من دمشق، وكانت تتكلم العربية فى أحاديثها اليومية بينما كانت تكتب نقوشها بالخط الآرامى، وقضى الرومان على استقلالها سنة ١٠٦ للميلاد وضموها إلى دولتهم الرومانية. والمملكة الثانية مملكة تدمر شمالى بادية الشام، وبلغت أوجها فى القرنين الثانى والثالث للميلاد وخاصة فى عهد أميرها أذينة، وقد نصبه الرومان ملكا على سوريا جميعها وعادوا فى عهد زوجته الزباء، فقضوا عليها وعلى الإمارة فى سنة ٢٧٣ للميلاد. ولم تلبث قبيلة عربية أن شقّت طريقها إلى منطقة حوران جنوبى دمشق، وهى قبيلة الغساسنة واستطاعت أن تقيم لها إمارة، ولم تكن لها عاصمة مستقرة، فقد كانت تنتقل من مكان إلى آخر، فمرة تتخذ عاصمتها فى الجولان ومرة فى جلّق أو الجابية، وكانت موالية لبيزنطة وتحارب فى صفوفها ضد إيران وعرب الحيرة. ومن أهم أمرائها الحارث بن جبلة وهزيمته للمنذر صاحب الحيرة يوم حليمة بالقرب من قنّسرين سنة ٥٥٤ مشهورة وفيها خرّ المنذر صريعا. وما نصل إلى أواخر القرن السادس الميلادى
стр. 2809
حتى تتمزق وحدة هذه الإمارة، ويتوزع أجزاءها غير أمير. ونستطيع أن نميز بينهم النعمان بن الحارث ممدوح النابغة وأخاه عمرو ممدوح حسان، ولحق منهم الفتوح الإسلامية جبلة بن الأيهم وأسلم، ثم تنصر ولحق ببيزنطه.
وحين دخلت الجزيرة العربية جميعها فى دين الله الحنيف وانضوت تحت لوائه أحست دولة بيزنطة فى الشام ودولة الفرس فى العراق بأنها قوة ينبغى أن يدرأ خطرها. وهو ما جعل أبا بكر الصديق يبادر بتجهيز الجيوش لتجاهد فى سبيل الله ونشر دعوة الإسلام الدولتين الكبيرتين قبل أن تتآزرا على حرب الإسلام والمسلمين فى الجزيرة شرقا وشمالا. وكان الفساد قد استشرى فى حكم الدولتين واستشرى معه ظلم الرعية والبغى الأثيم. واستولى المسلمون من الفرس سريعا على جنوبى العراق، وتوالت انتصاراتهم عليهم، وبادر الصديق فسيّر فى سنة اثنتى عشرة للهجرة جيشين لحرب البيزنطيين أو الروم فى الشام: جيشا بقيادة يزيد بن أبى سفيان إلى البلقاء فى شرقى الأردن، وجيشا بقيادة عمرو بن العاص إلى الجنوب الشرقى من فلسطين، وكتب إلى خالد بن الوليد فى العراق أن يلحق بجيشى الشام، فلحق بهما وتولى قيادتهما، وفتح بصرى شمالى البلقاء. ونازل الروم فى أجنادين بفلسطين بين بلدتى الرملة وبيت جبرين الحاليتين، وهى أول معركة كبرى بين العرب والروم، وفيها سحقهم سحقا ذريعا، وتقدم إلى الشمال حتى دمشق وظل محاصرا لها حتى استسلمت. وجمع الروم صفوفهم فى اليرموك أحد روافد نهر الأردن فدمرهم خالد وجنوده ولم تقم لهم بعد ذلك فى الشام قائمة وفتحت بلدانها جميعا أبوابها للعرب المنتصرين. وبذلك استولى العرب على الشام فى نحو سنتين.
وخرج عمر بن الخطاب فى سنة ١٦ إلى الجابية-جنوبى دمشق على مسيرة يوم منها-وهى إحدى عواصم الغساسنة كما مر آنفا، وبها عقد مؤتمرا ضمّ ولاة الشام وقوادها لتنظيم الإدارة فى ديارها، وفتحت له القدس أبوابها، وأمّن عمر النصارى بها ورهبانها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وحريتهم الدينية، والتمسوا منه أن يخلى القدس من اليهود وأجاب ملتمسهم ولم يبق بها يهودى. وقسّم الشام إلى أربعة أجناد: جند الأردن وجند فلسطين وجند دمشق وجند حمص، وزيد فيما بعد لعهد الأمويين جند قنسّرين والعواصم والثغور. واشتهرت سنة ١٨ للهجرة باسم سنة طاعون عمواس، وكانت بلدة بين نابلس والرّملة الحاليتين، وفيه توفى أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ ابن جبل ويزيد بن أبى سفيان والى دمشق، وولاها عمر بن الخطاب بعده أخاه معاوية. وامتد لواء ولايته لها فى عهد عثمان حتى شمل الشام، وعمل على الاستعانة ببدو الشام فى
стр. 2810
شئون الإدارة مما جعلهم يلتفّون حوله، وظهر ذلك سريعا حين تولى الخلافة على بن أبى طالب، وعزله، . فإنه سرعان ما طالب بدم عثمان وناصره بدو الشام.
وتطورت الظروف سريعا إلى أن نشبت حرب صفّين بين معاوية وبين على بن أبى طالب كما هو معروف، حتى إذا أيقن معاوية بالهزيمة أمر جنده-استجابة لمشورة عمرو بن العاص-أن يرفعوا المصاحف على أسنة رماحهم داعين إلى الاحتكام إلى كتاب الله. ورضى على وأقيم حكمان للفصل بين الطرفين: أما جند على العراقيون، فاختاروا أبا موسى الأشعرى، واختار معاوية وجند الشام عمرو بن العاص، ويروى الجاحظ أن معاوية قال له: «يا عمرو إن أهل العراق قد أكرهوا عليا على أبى موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضمّ إليك رجل طويل اللسان قصير الرأى فأجد الحزّ وطبّق المفصل، ولا تلقه برأيك كله». وصدق حدس معاوية فقد استطاع عمرو أن يقنع أبا موسى بعزل على عن الخلافة لوقف الحرب وحقن دماء المسلمين. وأعلن الحكم، وانقسم جيش على: فرقة معه وفرقة سمّت أنفسها الخوارج، وهو أول ظهورهم فى التاريخ الإسلامى وحاربهم ونكّل بهم، ولم يلبث أن اغتاله خارجى أثيم. وبذلك خلا الجو لمعاوية وخاصة حين أعلن الحسن بن على تنازله عن الخلافة له. وقد بايعه جنده وأمراؤه بالخلافة فى بيت المقدس واتخذ دمشق حاضرة لخلافته.
(ب) زمن الدولة الأموية
أسس معاوية فى الشام الدولة الأموية وتوزعها فرعان: فرع سفيانى نسبة إلى أبى سفيان، معاوية على رأسه وابنه يزيد، وفرع مروانى من البيت الأموى نسبة إلى مروان بن الحكم ومن خلفه من أبنائه وأحفاده. وكان معاوية بعيد النظر سيوسا حازما، وكان له بصر بالشخصيات من حوله، فاستعان بطائفة من صفوة الحكام فى مقدمتهم عمرو بن العاص فى مصر، والمغيرة بن شعبة الذى ولاه الكوفة، وزياد بن أبيه الذى اختاره للبصرة وإيران حتى إذا توفى المغيرة ضم إليه الكوفة وقد استطاع زياد أن يقضى على معارضة على فى شرقىّ الدولة وأن ينشر فى ربوعه الأمن.
ووجه معاوية حملات مختلفة إلى بيزنطة واستطاع حصار القسطنطينية مرتين ووجه حملة بحرية إلى قبرس، وكانت دمشق قاعدة الخلافة فى زمنه وكان يستعين بأهل الشام فى شئون الحكم وعمها الرخاء. وشمل المسيحيين بتسامح واسع واتخذ لنفسه مستشارا ماليا منهم هو سرجيوس، إذ وكل إليه فيما يقال الشئون المالية. ويبدو أنه كان حاكما لدمشق قبل فتحها. على كل حال استعان به
стр. 2811
معاوية فى الشئون المالية لدمشق، وظلت أسرته بعده فى خدمة الأمويين فكان ابنه يشرف على الخراج لعهد عبد الملك، وبالمثل استعان الأمويون بحفيده، وفى عهده توغل عقبة بن نافع-ابن خالة عمرو بن العاص-فى البلاد المغربية، وأسس فى وسطها القيروان بتونس، وواصل فتوحه فى عهد معاوية وابنه يزيد حتى أشرف على المحيط الأطلسى.
ولما خلف معاوية ابنه يزيد أبى البيعة له عبد الله بن الزبير ولاذ بالحرم المكى، كما أباها الحسين ابن على واتجه إلى العراق، فلقيته طلائع جيش لعبيد الله بن زياد والى العراق قبيل دخوله الكوفة فى «كربلاء» غربى الفرات ولما أبى الاستسلام نازلوه واستشهد الحسين ومن كان معه من أهله وأنصاره مما كان له أكبر الأثر فى التطور السريع للشيعة، ولا يخلو ضريحه طوال العام من حجّاجهم إليه حتى اليوم. وكانت المدينة قد انضمت إلى ابن الزبير فأرسل يزيد إليها جيشا بقيادة مسلم بن عقبة فنكل. بها وفى طريقه إلى مكة لحرب ابن الزبير توفى وخلفه حصين بن نمير السّكونى، فمضى حتى حاصر ابن الزبير بمكة وجاءه نعى يزيد بن معاوية، ففكّ عنها الحصار وعاد بجنده إلى الشام. وخلف يزيد ابنه معاوية وتوفى بعد أربعين يوما من خلافته. واضطربت العراق، واضطر واليها عبيد الله بن زياد إلى مبارحتها، وانتهز الفرصة مروان بن الحكم واعتلى عرش الخلافة يؤيده بدو الشام من اليمنية وأبى بدوها من القيسية مبايعته وهزمهم فى موقعة مرج راهط، وتبعته مصر، أما العراق فظل الاضطراب سائدا فيها، وبايع قسم منها ابن الزبير وقسم تحرك للطلب بدم الحسين وكان عبيد الله بن زياد فكر فى العودة إلى العراق على رأس جيش فقضى عليه هذا القسم، وحاول المختار الثقفى والى الكوفة أن يجمعه تحت لوائه وقضى عليه مصعب بن الزبير والى أخيه عبد الله على البصرة.
وكان مروان بن الحكم قد توفى وخلفه ابنه عبد الملك وسر سرورا عظيما لما حاق بالمختار الثقفى وجنوده على يد مصعب، وأخذ يتحين الفرص للقضاء عليه فى العراق وعلى أخيه عبد الله بن الزبير فى مكة والحجاز، أما مصعب فذهب إليه عبد الملك فى سنة ٧١ للهجرة على رأس جيش ضخم، وقضى عليه، وبايعه العراقيون. وأما عبد الله بن الزبير فأرسل إليه الحجاج فى جيش كثيف، ومازال به حتى تفرق عنه أصحابه، وظل يستبسل فى قتال القوم حتى خرّ صريعا. وقد عنى ببناء المسجد الأقصى وتعريب إدارة الدولة واستطاع أخوه عبد العزيز واليه على مصر أن يقضى نهائيا على المعارضة فى المغرب.
ويعدّ زمن الوليد بن عبد الملك أزهى أيام المروانيين لفتوحاته العظيمة شرقا وغربا، أما فى
стр. 2812
الشرق فاستطاع محمد بن القاسم فتح السند واستطاع قتيبة بن مسلم أن يمتد بانتصاراته إلى الإقليم المسمى الآن باسم أوزبكستان وعاصمته حينذاك سمرقند. وأما فى الغرب فقد استطاع موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد أن يقضيا على الدولة القوطية فى إسبانيا، وأن يبلغا بفتوحهما هناك أصى الشما. وهذه الفتوح كانت تعود على الدولة بأموال عظيمة مم هيأ لرخاء واسع فى ديار الشام، كما هيأ للوليد نفسه أن يهتم فى دمشق بالعمران وأن يقيم بها الجامع الأموى العظيم ويقال إنه عمل به من البيزنطينيين وحدهم ألف ومائتا عامل سوى من عمل به من الفرس وأهل الشام وقد زيّنت جدرانه وسقوفه بالرخام المطعم والفسيفساء التى كانت تمثل مدنا وأشجارا من كل نوع سوى ما كان فيه من أعمدة وتزاويق عجيبة.
وخلف الوليد أخوه سليمان واتخذ بلدة الرملة بفلسطين حاضرة له. وكان من سوء تدبيره أن نكّل بقواد الوليد العظام، فقتل قتيبة ولم يعرف مصير موسى بن نصير ولا محمد بن القاسم، وحسنته الوحيدة انه استخلف بعده ابن عمه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وقد ألغى سبّ على بن أبى طالب على المنابر وعمل على استمالة الشيعة والخوارج والنصارى وخفّف من ضرائب الجزية المفروضة على الأخيرين فى قبرس وأيلة (العقبة) ونجران ومصر، وسوّى بين العرب والموالى فى الضرائب وأعفى منها المشتركين منهم فى حرب خراسان مع فرض أعطيات لهم، غير أن حكمه كان قصيرا من سنة ٩٩ إلى ١٠١. ولم يأخذ خلفاؤه بإصلاحاته، وعجّل ذلك باضمحلال الدولة. وأولهم بعده يزيد بن عبد الملك الذى لم يأخذ بسيرته وإصلاحاته وانغمس فى الملاهى، وتلاه بعد نحو أربع سنوات أخوه هشام الذى اتخذ مقره فى الرّصافة على الفرات، وفى عهده ثار زيد بن على بن الحسين فى الكوفة سنة ١٢١ وقتل وصلب، واستغلّ ذلك دعاة العباسيين مما مهد السبيل لقيام خلافتهم بعد نحو عشر سنوات. ومنى عرب الأندلس بهزيمتهم جنوبى فرنسا سنة ١١٤ للهجرة أمام شارل مارتل.
وتوفّى هشام سنة ١٢٤ وخلفه عهد تضعضعت فيه الدولة الأموية وآذنت شمسها بالمغيب، فقد خلفه ابن أخيه الوليد بن يزيد وكان شاعرا ماجنا فلقى مصرعه سريعا، وجاء بعده يزيد بن الوليد وسرعان ما توفى بعد خلافته بنحو خمسة أشهر وتلاه أخوه إبراهيم ولم يرضه الناس ولا الأسرة الأموية، وتحولت مقاليد الخلافة إلى مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وكأنه لم يعد فى أسرة عبد الملك من يصلح لها. وكان محاربا عالى الهمة، وأخطأ بنقله عاصمة الخلافة إلى حرّان، فانفضّ عنه بدو الشام، ونشبت فتن كثيرة أضعفت قواه، بعضها فى الشام وبعضها فى
стр. 2813
العراق حيث الخوارج والشيعة. ولم تكد هذه الفتن تهدأ حتى تحرك العباسيون براياتهم السود من خراسان، وأخذت المدن الإيرانية تسقط فى أيديهم ودخلوا العراق واستولوا على الكوفة ومضوا إلى شمالى العراق وهزموا مروان عند الزاب الأكبر، فأخلى الجزيرة واتجه إلى الشام وتخلى عنه أهلها، فالتجأ إلى مصر، ولقى مصرعه بها فى بوصير. وكان السفاح قد أعلن الخلافة العباسية فى الكوفة وطورد الأمويون فى كل مكان وأبيدوا بوحشية، ونبشت قبور خلفائهم-عدا معاوية وعمر بن عبد العزيز-وأذريت عظامهم ورفاتهم فى الهواء، ونجا من هذا البطش والنكال عبد الرحمن الداخل أحد حفدة هشام بن عبد الملك، إذ فرّ إلى الأندلس وأسس بها دولة أموية جديدة ظلت نحو ثلاثة قرون.
(ج) زمن الولاة العباسيين
فقدت الشام-بسقوط الدولة الأموية-السيادة المطلقة فى الإسلام وفقدها العرب معهم تدريجا. إذ أخذ الاعاجم يشغلون المناصب العليا فى الدولة العباسية، وكان العباسيون يعرفون أن دولتهم إنما قامت على أسنة رماحهم، فقربوهم منهم وفسحوا لهم فى الوزارة وغير الوزارة. وكان لذلك صداه السيئ فى نفوس أهل الشام، مما هيّأ بعد نحو عشرين عاما لثورة القيسية فى قنّسربن بزعامة أموى هو أبو محمد السفيانى، وسرعان ما قضى عليها العباسيون وفرّ السفيانى إلى الحجاز ولقى حتفه هناك، ولم يصدق أتباعه وفاته فظلوا يترقبون عودته ليجدد للشام مجده الغابر.
ونمضى إلى سنة ١٩٥ فى عهد الخليفة الأمين فيظهر فى دمشق سفيانى جديد هو على بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، ويطرد عامل الأمين عن دمشق، ويبايعه الدمشقيون بالخلافة. وشغل عنه الأمين بحرب أخيه المأمون مدة. ولم يلبث أن قضى على ثورته أعوان الأمين واختفى بالمزّة بالقرب من دمشق وأقام بها أياما ومات. وفى سنة ٢٢٧ لعهد المعتصم ثار بفلسطين المبرقع أبو حرب اليمانى وزعم أنه السفيانى المنتظر ودعا أولا إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى أن قويت شوكته فادّعى النبوة، وتبعه قوم من فلاحى القرى وقوى أمره وسار إليه أحد قواد المعتصم فى ألف فارس وأسره وحبسه ومات فى حبسه.
وكان أول من تولى الشام للسفاح عمه عبد الله بن على بعد قضائه على مروان بن محمد فى موقعة الزاب حتى إذا فرّ مروان إلى الشام مضى يتبعه إلى دمشق ففتحها وهدم سورها وقتل من الأمويين ثمانين رجلا فى مذبحة مشهورة ببلدة الرّملة. وولاه السفاح دمشق، ولما ولى الخلافة بعده
стр. 2814
أبو جعفر المنصور، خرج عليه عبد الله ودعا لنفسه فهزمه أبو مسلم الخراسانى، وحبسه المنصور ومات فى حبسه. وتولى أمر الشام ودمشق بعد عبد الله كثير من الولاة وكان بعضهم من الأعاجم مؤيدى الدولة. واتبع العباسيون سياسة غير حكيمة أن لا يبقوا واليا لهم فى بلد إلا مدة قصيرة.
وكان هذا سببا فى أن لا يعنى الولاة بالنهوض ببلدانهم من جهة، كما كان سببا فى أن يحاولوا الإثراء سريعا قبل أن يعزلوا من مناصبهم، مما كان يدفعهم فى كثير من الأحيان إلى الزيادة فى الضرائب، كما كان يدفع الناس إلى الثورة عليهم، وسرعان ما كان يقضى على ثوراتهم كما حدث فى حلب سنة ١٦٢ وفى حمص سنة ١٩٤.
ويبدو أن القبائل القيسية واليمنية لم تتعظ بما أصابها من فقدان موطنها لاستقلاله الذاتى، فقد اندلعت بينهما نار العصبية القديمة وأخذوا يمدونها بحطب جزل طوال العقد الثامن من القرن الثانى، واغتنمت السوقة بدمشق الفرصة فنهبت ما استطاعت أيديها نهبه، وتطاحن الفريقان وسفكت دماء المئات منهما. وأخيرا أرسل اليهما هرون الرشيد وزيره جعفرا البرمكى، فأطفأ نار العصبية المحتدمة بين الطرفين بتجريدهما من السلاح وعاد إلى دمشق الهدوء والسلام. وفى سنة ٢٢٧ يولى المعتصم موسى بن إبراهيم الرافقى دمشق فتثور عليه القيسية ويقتل منها خمسة عشر نفسا، فتشتد ثورتها وتحاصر دمشق، ويتوفى المعتصم فيرسل الواثق خلفا له أحد قواده فيهزم القيسية ويقتل منها ألفا وخمسمائة، وتهدأ الثورة، ويعود الأمن إلى دمشق.
وكان الخلفاء العباسيون يرحلون إلى الشام أحيانا، لزيارة بيت المقدس أو للحج منه، وأكثر رحلاتهم إنما كانت لحرب البيزنطيين، والسقوط عليهم من ثغوره. ومما يذكر لهم أنهم أقاموا فى حدوده الشمالية كثيرا من الثغور للاندفاع منها إلى آسيا الصغرى. وكانت جيوشهم ماتنى ذاهبة إلى شمالى الشام آيبة منه، مما عاد عليه بكثير من الرخاء وانتعاش التجارة. واشتهر المهدى والرشيد بنضالهما لبيزنطة وما كان من فتح هرقلة وضرب البيزنطيين ضربات قاصمة. وأخذ المأمون منذ سنة ٢١٥ يقود حملات عنيفة لمدة ثلاث سنوات متوالية استولى فى أثنائها على لؤلؤة أقوى وأمنع الحصون البيزنطية بالقرب من طرسوس، مما اضطر تيوفيل إمبراطور بيزنطة إلى التماس الصلح.
وفى سنة ٢٢٣ دق المعتصم وقواده أعناق البيزنطيين دقّا وأوطئوهم ذلاّ وصغارا إذ هدموا أنقرة وحرقوا عمّورية أمنع بلادهم فى آسيا الصغرى. وظل قواده من أمثال محمد بن يوسف الثغرى وابنه يوسف يكيلون لهم ضربات ساحقة. ويظل غزو البيزنطيين صيفا فى أيام الخليفة المتوكل، ويغيرون على بعض الثغور فى شمالى الشام. وينكل بهم على بن يحيى الأرمنى والفارس المغوار عمر
стр. 2815
ابن عبد الله الأقطع، ويتم فتح صقلّية، ويدمر أسطول المتوكل بقيادة أحمد بن دينار أسطول البيزنطيين. وزار المتوكل الشام فى آخر سنة ٢٤٣ ودخل دمشق وأعجبته، وبنى له قصرا بالغوطة وعزم على المقام بها ونقل دواوين الخلافة إليها. ويفطن قواده من الترك إلى مأربه، وأنه يريد التخلص منهم، فطالبوا برواتبهم حتى يضطروه إلى العودة إلى سامّراء عاصمته فى العراق. ونزل على إرادتهم، وبارح دمشق سريعا. وربما كان من أهم ما خلفه عصر الولاة العباسيين بالشام كثرة العناصر الفارسية التى دخلته بين ولاة وقضاة وعلماء وفقهاء مختلفين.
(د) الطولونيون-القرامطة
١ - الطولونيون (١)
كان أحمد بن طولون تركى الأصل خدم العباسيين وولى مصر فأنشأ بها الدولة الطولونية محققا لها نوعا من الاستقلال الذاتى، وكان قد ولى إمرة الثغور وجاهد فى سبيل الله.
ويقول مؤرخوه إنه نشأ يعنى بالفقه مع كثرة الدرس وطلب العلم، وكان يقول: ينبغى للرئيس أن يجعل اقتصاده على نفسه وسماحته على من يقصده ويشتمل عليه، فإنه يملكهم ملكا لا يزول به عن قلوبهم، وقد غم الرخاء مصر منذ وليها فى سنة ٢٥٤ ويقال إنه كان يتصدق فى كل يوم بمائة دينار غير ما كان يرسله إلى الشام والعراق والحجاز. ومنذ توليه مصر وضع نصب عينيه الاستيلاء على الشام، ولم يكن ذلك غائبا عن فكر الموفق القائم على تدبير دولة أخيه المعتمد، غير أنه كان مشغولا بثورة الزنج والقضاء عليها، وانتهز ابن طولون الفرصة بعد موت والى دمشق سنة ٢٦٤ وأناب عنه بها مولاه لؤلؤا ولم يلبث فى سنة ٢٦٨ أن أظهر الخلاف عليه وضرب نقودا باسمه وكاتب الموفق ليرسل إليه جيشا يفتح به مصر. وخشى ابن طولون أن يهم الموفق بتلبيته، فأرسل إلى الخليفة المعتمد وكان كالمحجور عليه يرغبه فى الرحيل إليه بمصر، وتوجه إلى سوريا كى يكون فى استقباله. وعزم المعتمد على اللحاق به وتنبه الموفق، فحال بينه وبين الرحيل عن العراق. ومضى ابن طولون يغاضب الموفق فقطع اسمه من الخطبة يوم الجمعة بمصر والشام إذ كان يذكر فيها وليا
стр. 2816
للعهد، ولم يردّ على ذلك الموفق إذ كان يميل معه إلى السلام، ولذلك لم يرسل إلى لؤلؤ جيشا لغزو مصر. وعادت الشام إلى ابن طولون سريعا.
وكان عهد ابن طولون فى الشام عهد رخاء وأمن، ويقال إنه أول دخول له فى دمشق وقع بها حريق، فأمر بأن يعطى لكل من احترق له شئ من المال ما يعوّضه، ثم أمر بمال عظيم ففرّق فى فقراء دمشق والغوطة. وتوفى سنة ٢٧٠ فخلفه ابنه خمارويه، وثار عليه واليه على دمشق وولاة آخرون هناك. وأيدهم الموفق بجيش، فمنى خمارويه بالهزيمة، وتتابعت هزيمته فى سنتى ٢٧١ و ٢٧٢. وأخذ نجمه فى الصعود لسنة ٢٧٣ إذ كتب إلى الموفق فى الصلح فأجابه، وكتب له بولايته على مصر والشام والثغور لمدة ثلاثين سنة. وسرّ خمارويه سرورا عظيما، وأمر بإعادة الدعاء للموفق فى خطبة الجمعة، وكان يتردد على الشام بجيشه الضخم كثيرا، مما كان يعود على أهلها برواج واسع فى التجارة. وبدمشق قتله خادم له فى قصره سنة ٢٨٢ ويقال إن هذا الخادم كان أولع بجارية له فتهددها خمارويه بالقتل فاتفقت مع الخادم على قتله. وسرعان ما أخذت شمس الدولة الطولونية فى الغروب، وولى بعده ابنه «أبو العساكر جيش» وعكف على الشرب واللهو فنفر القواد-ونفرت الناس-منه. وخلعه أخوه هرون بعد ولايته بتسعة أشه، وكان لا يزال صبيا ضعيفا، فأخذت الدولة فى التضعضع، وعاث القرامطة فسادا فى الشام، ولم يستطع قواده وجنوده أن يردوهم عن دمشق وغيرها فاستغاث أهل الشام بجيوش الخليفة المكتفى وأغاثتهم.
ووضح أنه لم يعد يوجد أى مسوغ للإبقاء على الأمير الطولونى المستضعف، وخلفه عمه شيبان وكان لا يقل عنه ضعفا، ومنه تسلم مصر محمد بن سليمان سنة ٢٩٢.
٢ - القرامطة (١)
كان أول ظهور القرامطة فى العراق سنة ٢٧٧، وهى حركة سياسية دينية خطيرة تحدثنا عنها بالتفصيل فى كتابنا العصر العباسى الثانى، وأوضحنا كيف أنها بدأت بإيحاء من عبد الله بن ميمون
стр. 2817
القدّاح منظم الدعوة الإسماعيلية الشيعية من مركزه فى «سلمية» بالقرب من اللاذقية. وكيف أنه أرسل دعاته إلى العراق وخاصة الكوفة وسوادها وعلى رأسهم الحسين الأهوازى، وقد التقى فى لسواد بنبطى يلقب بقرمط ووجد فيه أمنيته من التحمس الشديد للدعوة. ولما دنا أجله عهد إليه بها فنظمها. وتبعه كثيرون مكونين فرقة القرامطة نسبة إليه، وسرعان ما تحولت الفرقة إلى فرقة مارقة تحلّ أتباعها من الفرائض الدينية وتفرض عليهم نظاما اشتراكيا فى الأموال. وانضم إلى قرمط قليل من الطبقة الكادحة لا فى السواد والريف فقط بل أيضا فى المدن، ومن أهم أتباعه الحسين بن بهرام الجنابى الفارسى الذى نشر الدعوة فى البحرين والأحساء. ويخلفه فى سنة ٢٨٩ زكرويه القرمطى وكان أكثر نشاطا من قرمط، فرأى أن يعنى بنشر الدعوة بين البدو فى جنوبى العراق ولم يتبعه إلا القليل، حينئذ أرسل أولاده يحيى والحسين ومحمدا إلى عشائر قبيلة كلب فى بادية الشام وزعموا لها أنهم من سلالة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وتبعهم كثيرون وخاصة بنى العليص. وكانوا قد جعلوا زعامتهم لأخيهم يحيى فبايعه البدو وكانت له عضد ناقصة فكشفها لهم وقال إن هذه آيته. وآية له ثانية هى ناقته، وزعم أنهم إذا تبعوها فى لقاء عدو كتب لهم النصر المبين. وساق جموعه فى الشام يعيثون ويفسدون. وحاصر بهم دمشق فقتل على أبوابها، فبايع أتباعه أخاه الحسين ونادوا به خليفة له، وأظهر لهم شامة فى وجهه الملثم وقال إنها آيته، ولذلك لقّب صاحب الشامة. وخافه أهل دمشق فصالحوه على خراج يؤدونه إليه، وتغلب على حمص وخطب على منابرها بأنه المهدى المنتظر، وهاجمت جموعه بعلبك وحماة والمعرة تقتل وتنهب. وكانت الشام حينئذ تتبع الدولة الطولونية كما مر بنا، وكانت تعانى ضعفا شديدا، فلم تستطع أن تنقذ الشام من القرامطة وما أحدثوه بها من الفوضى والدمار، مما جعل أهل الشام يستغيثون منهم بالخليفة المكتفى، ولبى استغاثتهم فأرسل إليهم محمد بن سليمان على رأس جيش كثيف، فواقع القرامطة بالقرب من حماة فى المحرم سنة ٢٩١ وأنزل بهم هزيمة ساحقة، وفرّ كثيرون منهم إلى البوادى. أما الحسين بن زكرويه فاتجه إلى الفرات، وأسر هناك وصلب ببغداد مع عشرات من القرامطة. وكان أخوه محمد لا يزال حيا بين بدو الشام، فأخذ فى جمعهم حوله، حتى إذا كانت سنة ٢٩٣ أغاربهم على دمشق وحارب أهلها ودخلها وأعمل فيها القتل والنهب، ثم صار إلى طبريّة فانتصر على أهلها ودخلها وفتك بكثير من رجالها ونسائها وعاد إلى البادية. وفى نفس السنة أرسل زكرويه داعية له يسمى أبا غانم إلى بادية الشام، وتبعه كثيرون ونهب بهم بصرى وأذرعات، وتعقّبته جنود الخلافة ولم يلبث أحد أتباعه أن قتله. وبذلك تنتهى حركة
стр. 2818
زكرويه وأولاده ودعاته فى الشام، وكانت قد أصبحت منذ انتصار محمد بن سليمان على صاحب الشامة تابعة لبغداد، ترسل إليها ولاة مختلفين.
(هـ) الإخشيديون-الحمدانيون (سيف الدولة)
١ - الإخشيديون (١)
الإخشيد هو محمد بن طغج ولى مصر فأسس بها الدولة الإخشيدية سنة ٣٢٣ وما تقبل سنة ٣٢٨ للهجرة حتى تحدّث محمد بن رائق صاحب دمشق نفسه بالاستيلاء على مصر، ويلتقى به الإخشيد فى الفرما، ويتم بينهما الصلح. وسرعان ما ينقضه ابن رائق ويتهيأ الإخشيد لقتاله، ويلتقيان ثانية فى العريش وتحدث بينهما وقعة عظيمة. ويصطلحان على أن تكون للإخشيد الرملة وجنوبيها فى فلسطين، أما شماليها من بلاد الشام جميعا فتكون لابن رائق. وحدث فى سنة ٣٣٠ أن قتل الحمدانيون محمد بن رائق وانتهز الفرصة الإخشيد وجهز الجيوش إلى الشام واستولى عليها، ودخل دمشق وأصلح أمورها وأقام بها مدة، ثم عاد منها إلى الفسطاط فى السنة التالية. ووقعت بينه وبين سيف الدولة الحمدانى أمير حلب وحشة امتدت من سنة ثلاث وثلاثين إلى أول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، واصطلحا على أن تكون لسيف الدولة حلب وحمص وأنطاكية وتظل بقية بلاد الشام للإخشيد. وسرعان ما توفى بدمشق سنة ٣٣٤ مستخلفا بعده على مصر والشام ابنه أنوجور وعاهدا إلى مولاه كافور الإخشيدى بتدبير أمور مملكته. وفى أوائل إمارة أنوجور لسنة ٣٣٥ استولى سيف الدولة الحمدانى على دمشق، فحشد له أنوجور عسكرا ضخما ولقيه فى مدينة الرملة، ونشبت بينهما وقعة طاحنة انكسر فيها جند سيف الدولة وسار المصريون وراءهم إلى حلب. واستقر الأمر على الصلح وأن يظل لسيف الدولة ما بيده من حلب وحمص وأنطاكية، أما دمشق وبقية الشام فتظل لأنوجور. وينزل المتنبى مصر فى أيامه سنة ٣٤٦ ويتوفى أنوجور سنة ٣٤٩ قبل مبارحة المتنبى لها ويخلفه أخوه على ويظل كافور قائما بتدبير الدولة وتصريف شئونها. وفى سنة ٣٥٢ قدم قرامطة البحرين إلى الشام وعاثوا فيها فسادا ولم يستطع جند مصر دفعهم عنها لاضطراب أعمال الديار المصرية بسبب عظم الغلاء وكثرة الفتن، وفسد فى أثناء ذلك ما بين على
стр. 2819
ابن الإخشيد وكافور ولم يلبث على أن توفى سنة ٣٥٥ وتولى أمر الدولة فى مصر والشام بعده كافور الحبشى باتفاق من أعيان مصر وجندها. وكان الإخشيد اشتراه من بعض رؤساء مصر وأعتقه ورقّاه حتى جعله من كبار قواده لما رأى فيه من الحزم وحسن التدبير، وكان شجاعا مقداما.
وظلت ولايته على مصر والشام إلى وفاته فى جمادى الأولى سنة ٣٥٧ وتولّى بعده على بن أحمد بن الإخشيد، وكان صبيا، واضطربت أحوال الشام فى عهده اضطرابا شديدا بسبب غارات القرامطة المتكررة وما كان يصحبها من الفوضى والنهب والسلب. وسرعان ما سقطت مصر فى يد الفاطميين لسنة ٣٥٨ وبذلك انقرضت دولة الإخشيديين.
٢ - الحمدانيون (١) (سيف الدولة)
منذ أواخر القرن الثالث الهجرى أخذ يتألق اسم أسرة تغلبية عربية هى الأسرة الحمدانية، وقد استطاع مؤسسها حمدان فى سنة ٢٧٧ أن يستولى على قلعة ماردين فى الموصل، وأخذت أسماء أبنائه وأحفاده تلمع فى أحداث الخلافة المضطربة، ولمع من بنيه مبكرا اسم أبى الهيجاء لاستيلائه على مدينة الموصل سنة ٢٩٣ وظلت فى يده ويد ابنه ناصر الدولة وحفيده أبى تغلب المتوفى سنة ٣٦٩. وقد استطاع ابنه على الملقب بسيف الدولة أن يستولى من الدولة الإخشيدية على حلب وحمص واللاذقية وأنطاكية وأسس فيها جميعا إمارة مستقلة منذ سنة ٣٣٣ للهجرة متخذا حلب عاصمة له. وحاول الاستيلاء على دمشق من الإخشيد-كما مربنا-غير أن المصريين ردوه على أعقابه فاكتفى بإمارته. وندب نفسه لمهمة عظمى طالما هيأ نفسه لها منذ شبابه، وهى النهوض بعبء الحرب ضد الروم البيزنطيين. وكان أول لقاء له معهم فى سنة ٣٣٦ إذ أغاروا على أطراف الشام ونهبوا وسبوا فلحق بهم وأذاقهم نكالا شديدا، وردّ منهم كل ما سلبوه من أهل الشام.
ويكتب له منذ السنة التالية مجد حربى عظيم ضد الروم، ويسجله له لوحات شعرية ناطقة المتنبى الذى نزل بلاطه حينئذ، ولزمه حتى سنة ٣٤٦ يسجل ويصور ملاحمه الحربية الساحقة للروم سحقا ذريعا.
стр. 2820
ومضى البطل الحمدانى يدير مع الروم معارك باسلة كان ينصبّ عليهم فيها سنويا كإعصار محرق مدمر، وشاعره المتنبى من ورائه يتغنى بانتصاراته وبخوارقه البطولية حين تلم به كارثة، إذ يتخلص منها فى شجاعة نادرة. ومن أعظم بطولاته أنه كان يبنى الحصون فى أثناء نزاله للروم على نحو ما صنع بحصن مرعش فى سنة ٣٤١ وهو يكيل لهم ضربات قاصمة. وقد أنزل بهم صواعق الموت التى لا تبقى ولا تذر فى سنة ٣٤٢ وأسر قسطنطين بن الدمستق وساقه بين يديه فى دخوله حلب مظفرا منصورا. وفى سنة ٣٤٣ جمع الروم له حشودا هائلة من الترك والروس والبلغار والخزر بقيادة الدمستق، وسرعان ما أخذ يدق أعناقهم دقا، وهرب الدمستق على وجهه لا يلوى، وأسر صهره بينما كان البطارقة يقتلون ويؤسرون، وأخذ سيف الدولة عسكرهم بكل ما فيه. وسيف الدولة فى أثناء هذه المعركة ووطيسها المستعر يبنى حصن الحدث شمالى مرعش والمسلمون يكبّرون ويهلّلون. وفى سنة ٣٤٥ أنزل بهم ضربات مدمرة. وكان ما بنى يمد يد المساعدة لأخيه ناصر الدولة فى نزاله للروم شمالى الموصل وكثيرا ما نازلهم هناك وفى شمالى الجزيرة. وما تقبل سنة ٣٤٦ حتى يكفهرّ الجو بين المتنبى وبين البطل العربى. ويرحل عنه وكأنما رحل معه مجده الحربى فقد واقع الروم فى السنوات ٣٤٧، ٣٤٩، ٣٥١ ولم ينزل بهم ما تعوّد من التنكيل الشديد.
ولم يلبث البطل العظيم أن أصابه فى سنة ٣٥٢ فالج فى يده ورجله ورغم هذا الفالج النصفى نهض البطل من فراشه وصدّ بقوة هجوما للروم على حصن من حصون حلب. وفى سنة ٣٥٦ لبّى البطل نداء ربه، وكان قد أوصى بأن يوضع خده فى لحده على لبنة بقدر الكف جمعها مما علق بثيابه ودروعه وسلاحه من غبار غزواته للروم. ونفّذت وصيته. وكان يرعى العلوم والآداب أعظم رعاية. ولمع فى بلاطه أكبر تلامذة أرسطو حتى زمنه: الفارابى المعلم الثانى. ولمع كثير من الشعراء والكتاب يتقدمهم المتنبى، وعقد لهم الثعالبى فى كتابه «يتيمة الدهر» فصولا طويلة فى الجزء الأول منه، وفيه وفى أسرته يقول: «كان بنو حمدان ملوكا وأمراء أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرّجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسط قلادتهم، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرّحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء». وخلفه ابنه سعد الدولة، وكان ابن عمه أبو فراس الشاعر المشهور عامل أبيه على حمص قد ظلم وأكثر من الظلم وكثرت الشكوى منه، فقاتله وخرّ أبو فراس فى ميدان الحرب صريعا. وفى نفس السنة علم باستعداد الروم لحربه، فأسل إليهم قرغويه الحاجب وأسر وأفلت منهم وانهزم أصحابه وخرّب نقفور كثيرا من بلدان الشام وأعمل النهب
стр. 2821
والسلب. وعصى قرغويه سعد الدولة واستولى على حلب فى أول سنة ٣٥٨ ولم يلبث نقفور أن استولى على انطاكية، وظلت فى أيدى الروم إلى أن فتحها السلاجقة سنة ٤٧٧ وأمضى معه قرغويه صلحا ذليلا، واصطلح مع سعد الدولة الذى ظل أميرا لحلب حتى توفى سنة ٣٨١ فخلفه ابنه سعيد الدولة، وقد عقد مثل أبيه حلفا بينه وبين الروم ضد الفاطميين الخطر المشترك للطرفين، وتوفّى سنة ٣٩٢. وخلفه ولدان له، ولعب بهما لؤلؤ مولى جدهما واستولى على الأمور إلى أن توفى وقام مكانه ابنه منصور. وحاول ابن لسعد الدولة يسمى أبا الهيجاء أن يسترد إمارة آبائه ولم يلبث ان فرّ الى بلاد الروم فى مطالع القرن الخامس الهجرى، وبذلك انتهت إمارة الحمدانيين بحلب وشمالى الشام، ولم تكن إمارة لهم حقا إلا فى عهد سيف الدولة المجيد
٢ - الفاطميون-بنو مرداس-السلاجقة-الصليبيون-آل زنكى (نور الدين)
(ا) الفاطميون (١)
دولة شيعية إسماعيلية تأسست فى تونس وتحوّلت إلى مصر بعد فتح قائدها جوهر لها سنة ٣٥٨، ولم يلبث أن أرسل إلى الشام جعفر بن فلاح على رأس جيش للاستيلاء عليها. ولم يلق مقاومة تذكر، ودخل دمشق وخطب بها للمعز الخليفة الفاطمى فى المحرم سنة ٣٥٩، وفى السنة التالية أعلن المؤذنون فى الشام-بأمره- «حىّ على خير العمل» شارة الأذان الشيعى. وأخذ القرامطة يغيرون على دمشق ومدن الشام وكان يردهم جعفر بن فلاح، ولم يلبث كبيرهم فى البحرين الحسين بن أحمد-كما مر بنا فى الحديث عن الجزيرة العربية بعصر الدول والإمارات- أن قطع علاقته بالفاطميين فى مصر وأعلن خضوعه للخلافة العباسية، وسأل الخليفة المطيع بالله العباسى على لسان عز الدولة البويهى أن يوليه مصر والشام ويعطيه مالا وسلاحا لحرب المعز لدين الله، وأمده عز الدولة بالسلاح والمال فى سنة ٣٦٠ وقيل بل فى سنة ٣٦٢ فسار إلى الشام وملكها ولعن المعز الفاطمى وأباه على منبر دمشق، وأقام الدعوة للعباسيين، وسار إلى القاهرة بعساكره وحصلت-بالقرب منها-بينه وبين المعز مناوشات، وتقهقر المعز، وأغرى قواده بالمال فخرجوا
стр. 2822
عليه وانضموا إلى المعز، فعاد إلى الرملة بالشام ومنها إلى البحرين. وكان ذلك أول اضطراب شديد حدث فى الشام لعهد الفاطميين وانتشرت فى أثنائه وبعده الفوضى فى دمشق واشتعلت النار فى كثير من أحيائها.
وظل الفاطميون مسيطرين على الشام نحو قرن، قلما وجدت فيه أمنا وسلاما بسبب كثرة الولاة الذين كانوا يولونهم عليها، فكان هم الوالى أن يثرى بسرعة على حساب أهلها وما يفرض عليهم من الضرائب، وقد وليها لهم نحو خمسين واليا، وكثيرا ما كان يتولاها اثنان أو أكثر فى العام الواحد. وبسبب ظلم الولاة وكثرة الضرائب كانت تنشأ أحيانا ثورات محدودة لبعض العيّارين بها كثورة قسّام الحارثى سنة ٣٧٧ لعهد العزيز الفاطمى. وخلف العزيز ابنه الحاكم بهوسه وشذوذه النفسى ودعواه الألوهية مما صورناه فى قسم مصر، وكان من أهم من أغراه بدعوى الألوهية رجل يعرف بالدرزى أمره الحاكم أن يخرج إلى الشام وينشر تلك الدعوة فى الجبال، فنزل هناك وتبعه كثيرون من جبل حوران فى سوريا المعروف باسم جبل الدروز، وانتشرت الدعوة بين سكان الإقليم الجبلى بلبنان، ولا تزال فى المنطقتين إلى اليوم، وسقطت منها أسراب إلى جبال فلسطين وإلى الجبال فى أعالى الشام على نهر العاصى وقرب أنطاكية. ومن المؤكد أن العقيدة الفاطمية الإسماعيلية هى التى دفعت الحاكم ودعاته إلى ربوبيته إذ كانت تردّد-كما مر بنا فى قسم مصر- أن الخلفاء تجسد للذات العلية. وكان طبيعيا فى عهد هذا الخليفة الشاذ المخبول أن تضطرب شئون الحكم فى الشام. وكان أبوه وجده يستعينون ببدو الجزيرة العربية الشماليين من طيئ ورؤسائهم بنى الجراح، ونرى حينئذ حسان بن المفرّج بن دغفل لا يكتفى بإقطاع الفاطميين لأبيه مدينة الرملة، بل يستولى على أكثر الشام، ويحاول أن يخلع الحاكم، ويولى مكانه أبا الفتوح أمير مكة الحسنى، ويقدم عليه أبو الفتوح، غير أن الحاكم يغرى ابن المفرج بالأموال فينفض يده من أبى الفتوح ويعود إلى إمارته.
(ب) بنو (١) مرداس
كانت حلب قد دخلت فى حكم الفاطميين منذ سنة ٤٠٦ ولا نمضى طويلا فى سنة ٤١٥ حتى يستقل بها صالح بن مرداس الكلابى ويضع فى سنة ٤٢٠ يده فى يد حسان بن المفرّج الطائى ويجمعان الجموع ويستوليان على الأعمال فى الشام وينتهيان إلى غزة، ويلتقى بهما جيش فاطمى،
стр. 2823
فينهزم حسان ويقتل فى المعركة صالح وابنه الأصغر، ويخلفه ابنه شبل الدولة نصر. وطمع صاحب أنطاكية فى حلب، وجمع لها الجموع وأحاط بها وقاتل أهلها، ولم يلبث نصر أن خرج إليه وفتك بمعظم جنوده وفر على وجهه وغنم منه نصر عسكره وأموالا عظيمة. وتوفى نصر سنة ٤٢٩ وخلفه أخوه ثمال وخضع للفاطميين وتوفى سنة ٤٥٤. ونشب خلاف بعده على حكم البلدة بين أخيه عطية وبين محمود بن نصر واصطلحا. وتخلص حلب لمحمود منذ سنة ٤٥٧، ويواقع الروم ويهزمهم ويراسل ألب أرسلان السلجوقى ويستقر بينهما الأمر على إعادة الدعوة العباسية والخضوع للسلاجقة. وفى أيامه قاد ألب أرسلان حملة مظفرة ضد دولة الروم الشرقية وأسر إمبراطورها «رومانوس ديوجين» سنة ٤٦٢ وفدى الإمبراطور نفسه بمليون دينار، على نحو ما مرّ بنا فى حديثنا عن السياسة بالعراق فى الجزء السابق من عصر الدول والإمارات. وظل محمود أميرا لحلب حتى سنة ٤٦٧ وأعاد بها ذكرى الحركة الأدبية التى أحدثها بها سيف الدولة، فالتف حوله كثير من الأدباء والشعراء، وخلفه ابنه نصر وكان محبوبا من الحلبيين غير أن الموت اختطفه سريعا بعد نحو عام من ولايته، وجاء فى إثره أخوه سابق حتى نهاية سنة ٤٧٢ إذ سلم البلدة لمسلم بن قريش العقيلى صاحب الجزيرة فبقيت معه نحو خمسة أعوام وتسلمها منه السلاجقة.
(ج) السلاجقة (١)
مر بنا فى حديثنا عن العراق بالجزء الخامس من تاريخ الأدب العربى حديث مفصل عن السلاجقة واستيلائهم على دفّة الحكم فى خراسان وإيران والعراق، وقد أنزل ألب أرسلان بإمبراطور بيزنطة هزيمة ساحقة كانت إرهاصا قويا لزوال الحكم البيزنطى من آسيا الصغرى كما حدث فعلا. وكان طبيعيّا أن يفكر ألب أرسلان وابنه ملكشاه فى الاستيلاء على الشام، وسرعان ما ظهر فى سنة ٤٦٣ أتسز بن أوق الخوارزمى فى فلسطين واستولى على الرملة وبيت المقدس، وفى سنة ٤٦٨ استولى على دمشق، وبذلك أصبح أكثر الشام تابعا للسلاجقة. حتى إذا كانت سنة ٤٧٢ تسلم تتش بن ألب أرسلان من أتسز دمشق وأصبح نائبا فيها لأخيه ملكشاه، وافتتح فى سنة ٤٧٤ أنطرطوس على ساحل البحر المتوسط، وهى أول أعمال حمص، ولم يلبث أن استولى على
стр. 2824
حمص نفسها. وظل ساحل الشام جنوبى صور تابعا لمصر. واستقل جلال الملك بن عمار قاضى طرابلس بها سنة ٤٧٠ وكان قد أقرّه عليها ملكشاه السلجوقى وظلت معه حتى أخذها الصليبيون سنة ٥٠٢. وفى هذه الأثناء استولى على بن منقذ من الروم على حصن شيزر شمالى الشام سنة ٤٧٤ وظلت فى يده ويد أبنائه إلى أن هدمتها زلزلة شديدة سنة ٥٥٢. وكان سليمان بن قتلمش استولى على أنطاكية سنة ٤٧٧ فحاربه تتش وخرّ صريعا فى الحرب سنة ٤٧٩. وبذلك صارت إلى تتش واستولى على حلب سنة ٤٨٧، وقتل بالرى فى حرب مع ابن أخيه بركياروق سنة ٤٨٨. وخلفه على حلب ابنه رضوان، ومن نوابه أخذ الصليبيون أنطاكية سنة ٤٩٢ وخلفه على دمشق ابنه دقاق.
وتوفى دقاق سنة ٤٩٧ فخلفة عليها أتابكه «طغتكين» وأسس بها دولة البوريين وله فى جهاد الصليبيين يد بيضاء وكان شجاعا عادلا فى الرعية توفى سنة ٥٢٢ فخلفه ابنه بورى حتى وفاته سنة ٥٢٦ وكان قد قتل جماعة كثيرة من الإسماعيلية فسلّطوا عليه رجلين ضرباه بالسكاكين وظلت جراحه تنتقض وتندمل إلى وفاته. وخلفه ابنه إسماعيل، وكان ظالما سيئ السيرة محبا لسفك الدماء توفى سنة ٥٢٩ وكان أسوأ منه أخوه محمود الذى ولى بعده فقتله أمراؤه سنة ٥٣٣ وخلفه عاما واحدا أخوه محمد، وتوفى فخلفه ابنه مجير الدين آبق. وكان باغيا ظالما، وكان يضع يده فى يد الصليبيين ضد نور الدين صاحب حلب غير مراع إلاّ ولا عهدا. واستجار منه أهل دمشق مرارا بنور الدين حتى إذا كانت سنة ٥٤٩ اضطر إلى تسليمها إليه وخرج منها ذليلا صاغرا. وكان تتش ولّى تركمانيا يسمى أرتق بيت المقدس فاستقلّ به مؤسسا دولة الملوك الأرتقية، وتوفى سنة ٤٨٤ فخلفه عليها ولداه سكمان وإيلغازى، ومنهما أخذها الأفضل بن بدر الجمالى سنة ٤٩١ وتوجها إلى بلاد الجزيرة وملكا-كما يقول ابن خلكان-ديار بكر.
(د) الصليبيون (١)
كانت الدولة الفاطمية قد أخذت فى التدهور منذ عهد الحاكم بسبب ما غرق الخلفاء الفاطميون فيه من ترف وما أصاب الحياة الاقتصادية من سوء حتى لقد عظمت المجاعة فى عهد المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ)، وحاول بدر الجمالى أن يتلافى الأمور، فعمل على
стр. 2825
إصلاحها، ولكن الشام كانت قد أفلتت منه إلا ساحلها الجنوبى. وكان المظنون أن يرث السلاجقة تلك الدولة المنهارة، غير أنهم اتبعوا فى حكمهم نظاما سرعان ما ضعضع دولتهم إذ اتخذوا فيها نظام الأتابكة، وهو أن يكون مع كل حاكم لبلد أتابك أو بعبارة أخرى قائد يدير أمرها، ولم يلبث نفوذ هؤلاء الأتابكة أن ازداد وأصبحوا هم الحكام الحقيقيين. وبذلك تفككت سريعا أوصال دولتهم الضخمة وتحولت إلى دويلات على نحو ما مر بنا آنفا من دولة البوريين فى دمشق والدولة الأرتقية فى بيت المقدس، حتى إذا قدم الصليبيون فى العقد الأخير من القرن الخامس الهجرى لم يجدوا أمامهم قوة تدفعهم دفعا إلى البحر المتوسط وماوراءه فلا السلجوقيون محتفظون بقوتهم القديمة التى أزالوا بها بيزنطة ودفعوها من آسيا إلى أوربا ولا الفاطميون محتفظون بشئ من القوة يستطيعون أن يدفعوا به عن بلدانهم الساحلية فى الشام هذا الوباء الصليبى الجارف.
ويظهر الجيش الصليبى أمام أسوار أنطاكية سنة ٤٩١ للهجرة ويظل محاصرا لها حتى يستولى عليها سنة ٤٩٢ مؤسسا بها إمارة، بينما يتسلل بلدوين إلى الرّها فى سنة ٤٩١ ويستولى عليها دون مقاومة تذكر ويؤسس بها إمارة هى الأخرى. واجتاز الصليبيون جبال النّصيرية محاذين الساحل واستولوا سنة ٤٩٢ على بيت المقدس متخذين منه إمارة ثالثة جعلوا جود فرى رئيسا لها، ولم يلبث أن رقى عرشها بعده بلدوين الأول وعهدوا إلى الكونت ريمونددى تولوز حصار طرابلس والاستيلاء عليها وظلت تقاومه سنين عددا حتى سقطت سنة ٥٠٢ واتخذوا منها إمارة رابعة لهم.
وأخذ بلدوين فى نفس السنة ينشط فى غزو مدن الساحل: عكا وقيسارية وصيداء وبيروت وقاومته مقاومة صلبة. وخلفه أخوه بلدوين الثانى الذى استولى على صور سنة ٥١٨ ولم يفلح فى الاستيلاء على دمشق وظلت أيدى الصليبيين أقصر من أن تصل إلى بلدان الشام الداخلية مثل بعلبك ودمشق وحمص وحماة وحلب.
(هـ) آل (١) زنكى (نور الدين)
لم يلبث أن تنبه أتابك عظيم من أتابكة السلجوقيين هو زنكى عماد الدين التركمانى أمير حلب
стр. 2826
إلى أن الداء إنما يكمن فى تفرق البلدان الإسلامية المجاورة لحملة الصليب شيعا ودولا، فصمم أن يجمع قوتها وكلمتها تحت لوائه، وكان قد ركز لواءه على الموصل أولا، فضم إليه حلب ومدن شمالى الشام مثل حماة وحمص وبعلبك. ومضى ينازل الصليبيين واستولى منهم على معرّة النعمان وكفر طاب. ولم يلبث أن ضربهم ضربة قاصمة باستيلائه على مدينة الرّها سنة ٥٣٩ للهجرة.
وبذلك محا عار هذه الإمارة التى أقامها الصليبيون فى بلب الدولة السلجوقية. ولم تكد تمصى سنتان على ما حقق من هذا المجد البطولى حتى أمتدت إلى جثمانه الطاهر أيد آثمة فى الظلام سفكت دمه الزكى.
وكان قد أوصى عماد الدين زنكى لابنه غازى بالموصل ولابنه نور الدين محمود بحلب، واقتفى البطل الشاب نور الدين جهاد أبيه للصليبيين، ونازلهم توّا سنة ٥٤٢ وأخذ منهم حصن أرتاح من أعمال حلب، وأبطل فى إمارته أذان الدولة الفاطمية بحىّ على خير العمل. وفى سنة ٥٤٤ هزم حملة الصليب هزيمة ساحقة إذ قتل منهم ألفا وخمسمائة وفتح حصن فامية، واستولى على دمشق سنة ٥٤٩ كما مر بنا. وفى سنة ٥٥٢ ملك حصن شيرز بعد أن نقضه زلزال شديد. وفى سنة ٥٦٠ فتح بانياس عنوة. وكان بعيد النظر بعدا جعله يرى أن المفتاح الحقيقى للنصر على حملة الصليب هو مصر بإمكاناتها فى المال والرجال ولكن ماذا يصنع وبها دولة منهارة، وأحسّ أن حملة الصليب يشعرون أنها لقمة سائغة وخاف عليها منهم خوفا شديدا. ولم تلبث أن واتته فرصة عظيمة فإن وزيريها ضرغاما وشاور تحاربا، ولجأ إليه شاور مستغيثا، فأنجده بأميرين أيوبيين: شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، ويحدثهما بما فى نفسه من تخليص مصر من دولتها المريضة. وتتطور الظروف وتصبح مصر خالصة لصلاح الدين ويؤسس بها الدولة الأيوبية ومؤسسها الحقيقى ومنشئها إنما هو نور الدين. وكان ما ينى ينازل حملة الصليب، وفتح حصون «مرعش وإعزاز وحارم» وغير ذلك مما تزيد عدته على خمسين حصنا. وكان ملكا عادلا عابدا زاهدا ورعا، بنى كثيرا من المدارس فى بلدان الشام الكبار وكثيرا من الجوامع وبيمارستان دمشق وبها توفى سنة ٥٦٩ وخلفه ابنه وكان صبيا وبقى على حلب حتى توفى سنة ٥٧٧ ودخلت فى حوزة صلاح الدين وحكمه.
стр. 2827
٣ - الأيوبيون (صلاح الدين) -المماليك-العثمانيون
(ا) الأيوبيون (١) (صلاح الدين)
استقرت أمور الحكم وشئون الدولة فى مصر بيد صلاح الدين سنة ٥٦٧ للهجرة، فعاد بمصر إلى الخلافة العباسية، وسار فى نفس السنة لحرب حملة الصليب فحاصر الشوبك ورفع الحصار عنها، وعاد إليها فى السنة التالية ثم تركها إلى مصر. وتوفى نور الدين كما ذكرنا وأخذ يفكر جادا فى جمع كلمة البلدان المجاورة للصليبيين حتى يقضى عليهم قضاء مبرما. وخرج من مصر فى سنة ٥٧٠ فاستولى على حمص وحماة والمعرة وكفرطاب، ويولّى على حماة أخاه تقى الدين وعلى بعلبك ابن أخيه فرّخشاه ويستولى على منبج وإعزاز ويواقع الصيلبيين فى السنوات: ٥٧٣ و ٥٧٤ و ٥٧٥ وينصره الله عليهم نصرا عظيما. ويستولى على الموصل، وتبلغه وفاة إسماعيل بن نور الدين.
ويخرج إلى الشام سنة ٥٧٨ فى جيش جرار لجهاد حملة الصليب، وهى آخر مرة يفارق فيها مصر لحربهم ويظل ينازلهم عشر سنوات طوالا، وتتبعه حلب ويولى عليها ابنه الملك الظاهر. وفى سنة ٥٨٢ يقسم البلاد بين أبنائه وأهله فيعطى مصر ابنه العزيز عثمان وكان قد أعطى الظاهر حلب، ويعطى للأفضل ابنه دمشق ويعطى حماة والمعرة ومنبج لابن أخيه تقى الدين عمر، وسيتوالى هذا التوزيع. وهو من أكبر أغلاط صلاح الدين فإن بساطا قد يتسع لنوم عشرة من الرجال ولكن مملكة ضخمة لا تتسع لسلطان حاكمين، ولذلك لم تكد تمضى سنة على وفاته حتى دب الخلاف بين أبنائه ثم بين أمراء أسرته. ويغفر له ذلك بلاؤه العظيم فى حرب حملة الصليب المعتدين.
ويقود صلاح الدين فى سنة ٥٨٣ جحافل جرّارة ويتجه بها نحو طبرية، وتتجمع له حشود الصليبيين بقيادة جاى لوزيجنان ملك بيت المقدس وتلتقى سريّة له فى حيفا بجماعة من الداوّية والإسبتارية الذين نذروا أنفسهم لحرب المسلمين فلا تبقى منهم باقية، ويلتقى الجمعان فى سهل حطّين إلى الغرب من بحيرة طبرية، وتدقّ أعناق حملة الصليب دقا شديدا ويفرّ على وجهه ريموند
стр. 2828
صاحب طرابلس ويستولى المسلمون على الصليب الأعظم صليب الصلبوت، ويؤسر ملك بيت المقدس وغيره من زعمائهم أمثال مقدم الداوية وريجنالد صاحب الكرك وكان قد أعدّ أسطولا وحاول غزو مكة والمدينة فقتله صلاح الدين بنفسه وعفا عن الباقين. وبلغ من كثرة القتلى والأسرى أن قال أبو شامة: «من شاهد القتلى قال: ما هناك أسير، ومن شاهد الأسرى قال: ما هناك قتيل» ومما يدل على كثيرة أسراهم أن الأسير منهم كان يباع بثلاثة دنانير.
وحاصر صلاح الدين بيت المقدس بعد نحو ثلاثة أشهر، واستسلم له من فيه من حملة الصليب وأزيلت كل آثارهم من القدس، وفتحت البلدان والقلاع فى فلسطين وجنوبى لبنان أبوابها للبطل العظيم، فاستولى على نابلس وحيفا وعكا وبيروت وصيداء والرملة وبيت جبريل (بئر سبع) وعسقلان وغزة وصفد والكرك والشوبك واللاذقية. وأحيا سقوط القدس فى يد صلاح الدين فكرة الحرب الصليبية من جديد، فحمل الصليب فردريك الأول إمبراطور ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا وحاصر الأخيران عكا وسقطت فى أيديهما وعاد فيليب إلى فرنسا وظل ريتشارد يقود الجيوش الصليبية حتى سنة ٥٨٨ وعقد صلحا مع صلاح الدين لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر على أن تظل لحملة الصليب المدن الساحلية من صور إلى يافا. وبعد نحو ستة أشهر توفّى صلاح الدين بدمشق وبكاه المسلمون بدموع غزار فى كل مكان. وكان صلاح الدين عادلا ورعا عالما تقيا، حطّ عن ظهور أهل الشام ما كان يبهظهم من الضرائب وملأها بالمدارس والخانقاهات والبيمارستانات وكانت سماحته ونبله فى معاملة حملة الصليب مضرب الأمثال، وكان إلى ذلك بطلا مغوارا وغيثا مدرارا.
وذكرنا آنفا أنه قسم البلاد بين أبنائه وأهل بيته، فكانت دمشق للأفضل ومصر للعزيز وحلب للظاهر، والديار الفراتية لأخيه العادل وبعلبك لبهرام شاه وحمص لشيركوه الثانى. وكان ذلك نذير شؤم فإن العادل أخذ يحرّض أبناء صلاح الدين بعضهم على بعض واستطاع التخلص منهم، وخلصت له البلاد من مصر إلى الفرات منذ سنة ٥٩٦ ما عدا حلب فإنها ظلت مع الظاهر وأبنائه حتى الغزو المغولى. وصنع صنيع أخيه فجعل مصر للسلطان الكامل ودمشق للسلطان المعظم والجزيرة الفراتية لثلاثة من أولاده على التعاقب هم الأوحد والفائز والأشرف موسى. ويغزو حملة الصليب مصر فى سنتى ٦٠٩ و ٦١٥ وينكل بهم السلطان الكامل على نحو ما صورنا ذلك فى قسم مصر. ونمضى إلى سنة ٦٢٦ وإذا فردريك الثانى ملك صقلية يأتى على رأس حملة إلى فلسطين
стр. 2829
وتصادف أن كان الكامل مشغولا بصراع مع داود ابن أخيه المعظم عيسى صاحب دمشق فارتضى أن يتنازل لفردريك عن القدس فى مقابل عونه له ضد ابن أخيه وكان قد استعان بأخيه الملك الأشرف موسى ضده أيضا وحاصراه وتسلما منه دمشق وأعطاها الكامل لأخيه وعوض داود الشوبك بدلا منها.
وبمجرد أن تسلم فردريك القدس قامت قيامة الناس فلم يقم بها سوى ليلتين وعاد إلى يافا مذموما مدحورا. وتوفى الأشرف موسى صاحب دمشق سنة ٦٣٥ ولم يلبث أخوه الكامل أن توفى على أثره فى نفس السنة بدمشق، وكان ابنه الأكبر الملك الصالح نجم الدين أيوب نائبا له على الشرق وإقليم ديار بكر، وكان ابنه العادل الصغير نائبا له على مصر فرأى أمراؤه أن يضيفوا إليه ملك الشام، ولم يرض ذلك الملك الصالح فنحّى أخاه فى سنة ٦٣٧ عن ملك مصر وانتهز عمه إسماعيل صاحب بعلبك الفرصة واستولى فى نفس السنة على دمشق ونشب صراع بينه وبين الملك الصالح واستعان ضده بحملة الصليب وعقد بينه وبينهم تحالفا أثار سخط العالم الإسلامى، وهزم الملك الصالح الحليفين فى غزة سنة ٦٤٣ ودخلت دمشق فى حوزته.
وبذلك أعاد الملك الصالح توحيد مملكة صلاح الدين من النيل إلى الفرات، ولم ينعم بذلك طويلا إذ نزل به مرض شديد سنة ٦٤٧ وكان بدمشق وسمع بنزول لويس التاسع بدمياط، فأسرع لمنازلته وهو مريض محمول على محفّة لشدة مرضه، واتجه توّا للقاء العدو بالمنصورة شمالى الدلتا فى الطريق إلى دمياط، وهناك لبّى نداء ربه مجاهدا مدافعا عن الإسلام والمسلمين. وكتمت زوجته شجرة الدر موته حتى قدم ابنه المعظم توران شاه من الجزيرة وأدار المعركة ضد لويس-كما مر بنا فى قسم مصر-وسحق جيشه سحقا ذريعا، وكبله بالسلاسل والأغلال، إلى أن فدا نفسه وخرج من مصر. وسوّلت له شياطينه أن يذهب إلى حملة الصليب فى الساحل الشامى لعله يسترد كرامته التى أهدرت بمصر وبقى بين حملة الصليب نحو أربع سنوات لم تسفر عن شئ، فعاد إلى فرنسا كاسفا مقهورا. أما توران شاه فجزاه مماليك أبيه جزاء سمار إذ سفكوا دمه الطاهر. ورقيت إلى العرش شجرة الدر ثم تنازلت عنه للمعز أيبك مملوك أبيه فأسس دولة المماليك. أما دمشق فاستولى عليها الناصر يوسف الأيوبى صاحب حلب. وكان آخر من حكمها من الأيوبيين:
стр. 2830
(ب) المماليك (١)
تأسست فى مصر بعد مقتل توران شاه سنة ٦٤٨ دولة المماليك، وعدّهم الحكام الأيوبيون فى الشام مغتصبيين للحكم من أصحابه الشرعيين، وأعدوا بزعامة الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب جيشا لحربهم، ولقيه المعز أيبك التركمانى فى غزة سنة ٦٤٨ وهزمه. وظلت العلاقات سيئة بين الطرفين حتى أصلح الخليفة العباسى بينهما لسنة ٦٥١ على أن يكون للماليك نهر الأردن ونابلس والقدس وغزة والساحل، وللأيوبيين بقية الشام، وقد دفعهما إلى هذا الصلح اشتداد خطر التتار.
وحاول الناصر يوسف أن يسترضى قائد هذا الوباء هولاكو سنة ٦٥٥ فأرسل إليه بهدية، ولم يلبث هولاكو أن اندفع بسيول التتار إلى بغداد سنة ٦٥٦ فأجرى الدماء فيها أنهارا وخرّبها وأحالها أنقاضا، ودخل هولاكو فى السنة التالية ديار بكر وملك حرّان وبلاد الجزيرة، وتحقق الناصر أنه سيقصد حلب فتركها إلى شمالى دمشق، وفى شهر صفر سنة ٦٥٨ استولى التتار على حلب معملين فيها النهب والسلب، وتقدموا فى ربيع الأول إلى دمشق واستولوا عليها، وفرّ الناصر يوسف وأسره التتار، وبقى معهم فى ذلّ وهوان ما بعده هوان.
ومضى التتار يتقدمون فى ديار الشام حتى عين جالوت بين نابلس ونيسان، وإذا الموت والتشريد ينتظرهم على يد المصريين والبطلين العظيمين المملوكين: قطز سلطان مصر والظاهر بيبرس قائده، وقد أحدقوا بهم ونازلوهم حتى أفنوهم قتلا. وتبع بيبرس فلولهم إلى حلب وأطراف الشام. وأصبحت جميع الديار الشامية فى قبضة المماليك ما عدا حماة فإن أميرها الأيوبى الملك المنصور ناصر الدين محمد سليل عمر بن شاهنشاه كان قد وضع يده فى يد قطز وبيبرس فى حربهما للتتار وظل على حماة حتى سنة ٦٨٣ وولاها قلاوون ابنه تقى الدين واستولى عليها الناصر بن قلاوون سنة ٦٩٨ ثم ردها إلى الملك الصالح المؤيد أبى الفدا إسماعيل سنة ٧١٠ وظلت معه حتى سنة ٧٣٢ ووليها بعده ابنه الأفضل ثم أصبحت للمماليك يولون عليها من يشاءون مثلها مثل بقية بلدان الشام.
وعنى الظاهر بيبرس حين أصبحت مقاليد الأمور بيده منذ سنة ٦٥٩ بالإعداد لحرب من تبقى من حملة الصليب فى ساحل الشام وأخذ يغير عليهم وينازلهم، حتى إذا دخلت سنة ٦٦٤ خرج
стр. 2831
إليهم على رأس جيش جرار واستولى على قيسارية ويافا وأرسوف وكان بها حامية من الإسبتارية الذين نذروا أنفسهم لحرب المسلمين. وفى العام التالى استولى على صفد وتبنين والرملة فى فلسطين. وتوالى هجومه عليهم واستولى على الشّقيف وطبريّة وبغراس والقصير وحصن الأكراد والقرين من حصون صفد وكان به حامية من الفرسان التيوتون. وأعظم أمجاده الحربية ضد حملة الصليب أخذه أنطاكية سنة ٦٦٧ ويقال إن أسراها بلغوا مائة ألف وأن الغلام من أهلها كان يباع باثنى عشر درهما والجارية بخمسة. والمهم أنه محا هذه الولاية التى أقامها حملة الصليب فى أول دخولهم للشام. وبدا فى الأفق من حينئذ أن خروج حملة الصليب نهائيا من الشام أصبح قاب قوسين أو أدنى، وقد استولى منهم قلاوون فى سنة ٦٨٦ على اللاذقية ولم يلبث ان استولى على طرابلس فى سنة ٦٨٨ وبذلك أزال آخر إمارة أو ولاية لحملة الصليب، وسرعان ما سلمت بيروت وجبلة. حتى إذا تولّى بعده ابنه السلطان خليل جهز جيشا ضحما للاستيلاء على عكا واستولى عليها سنة ٦٩٠ وتبعتها صور وصيداء وحيفا وأنطرطوس، وخرج من بقى من الصليبيين إلى البحر المتوسط وما وراءه يحملون الذل والضعة والهوان والصغار.
وقد قسم المماليك الشام إلى ست نيابات كبرى هى: دمشق وحلب وحماة فى سوريا وطرابلس فى لبنان وصفد فى فلسطين والكرك فى شرقىّ الأردن. وكانت دمشق أهم هذه النيابات، وكان حاكمها يعد نائب السلطان المملوكى فى الشام مما أتاح له مكانة خاصة. وجعل نفرا منهم غير قليل يطمح إلى أن يكون هو السلطان التالى للسلطان القائم بمصر، ولعل ذلك ما جعل سلاطين مصر يكثرون من عزلهم، حتى ليتولى دمشق فى زمنهم الذى امتد نحو مائتين وخمسة وسبعين عاما أربعة وسبعون نائبا. وقد درسهم (قييت) وتبين له كما ذكر فى كتابه مساجد القاهرة ص ٥٦: أن اثنين منهم هما لاجين (٦٩٦ - ٦٩٨) والمؤيد شيخ (٨١٥ - ٨٢٤ هـ) رقيا إلى السلطنة، وسبعة وعشرين منهم ثاروا على السلطان فرّ منهم خارج الحدود اثنان وسجن خمسة وأعدم خمسة وعفى عن خمسة. وكان لنائب دمشق من الدواوين مثل ما لسلطان مصر وكثيرا ما كان ينقل رئيس ديوان فى القاهرة إلى دمشق وبالعكس، وكثر ذلك فى كتّاب السر والإنشاء. وبذلك كله كانت دمشق تعد المدينة الثانية فى دولة المماليك مما عاد عليها بغير قليل من الازدهار. وأمر الظاهر بيبرس فى سنة ٦٦٣ أن يتولى القضاء أربعة يمثلون مذاهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل وعمّ ذلك فى دمشق والمدن الكبرى بمملكته فى مصر والشام. وظل هذا النظام قائما طوال زمن المماليك.
стр. 2832
وظل التتار يئنّون من عار الهزيمة الفاضحة فى عين جالوت، وظلوا يحاولون غسل هذا العار بغارات فاشلة على أطراف الشام، وكسرتهم جيوش الظاهر بيبرس مرارا، من ذلك كسرتهم على حمص سنة ٦٥٩، وأغاروا على إلبيرة سنة ٦٦٤ وعلموا بتحرك بيبرس فولوا مدبرين. وفى سنة ٦٦٨ أغاروا على نهير الساجور بمنبج، وسرعان ما انهزموا، وعاودوا الهجوم على عينتاب وحارم سنة ٦٧٠ وساعدهم حملة الصليب فحاقت بهم الهزيمة جميعا. وظلوا يعاودون المناوشة وهاجموا إلبيرة فى سنة ٦٧١ وأشرفوا على أخذها فعبر إليهم الظاهر الفرات وقتل منهم مقتلة عظيمة، وتغنى الشعراء طويلا بهذا النصر المبين، ونكل بهم فى سنة ٦٧٥ تنكيلا شديدا. وظل التتار يعاودون هذه الغارات والمناوشات فى عهد قلاوون ويبوءون منها بالهزيمة، وقد استولى منهم ابنه السلطان خليل على قلعة الروم غربى الفرات سنة ٦٩٢. وتولى شئون التتار غازان وكان قد دخل فى الإسلام مع جنوده. ومع ذلك أعد فى سنة ٦٩٩ حملة لغزو الشام ولقيه محمد الناصر بن قلاوون بين حمص وحماة ودارت الدوائر على الناصر، واستولى جيش غازان على دمشق وغيرها من مدن الشام وعاثوا فيها فسادا. وعاد الناصر إلى مصر وجهز جيشا جرارا التقى به مع التتار قرب دمشق سنة ٧٠٢ وسحقهم سحقا ذريعا، بحيث لم يعودوا يفكرون فى غزو الشام وإن هم فكروا ارتدوا إلى صوابهم سريعا.
ونمضى إلى سنة ٨٠٣ فيقدم تيمورلنك بجموعه غازيا الشام، ويلقاه جيش المماليك، فيهزمه ويقتحم حلب ويعمل فيها السيف والسلب والنهب، ويتقدم إلى دمشق وينزل بالسلطان فرج فى طريقه إليها هزيمة نكراء. وترضى دمشق بالتسليم وينهبها جنوده التتار ويشعلون فيها النيران وتأتى على جامعها الأموى وعلى كثير من آثارها، ويقتلون مالا يكاد يحصى من أهلها نساء ورجالا وأطفالا: كارثة لم يصب دمشق مثيل لها لا من قبل ولا من بعد. وضاعفها أن تيمور جمع رجال الفن والهندسة والمعمار وصناع الزجاج والصلب وأخذهم معه إلى عاصمته سمرقند.
وتتحدث كتب التاريخ عن ثورات وفتن حدثت فى الشام لعهد المماليك، غير أن أكثرها إن لم تكن كلها، إنما كانت صراعا على السلطة بين السلاطين ونوابهم فى الشام. ومن هذا الصراع ما حدث من تحول الملك من المماليك البحرية إلى المماليك البرجية الجراكسة على يد برقوق سنة ٧٨٤. وقد عانت الشام-كما عانت مصر-من النزاع المستمر بين أمراء المماليك، حتى كانوا يقتتلون كل مع أنصاره فى شوارع دمشق والقاهرة. وكثر ذلك فى القرن الأخير من حكم
стр. 2833
المماليك، وأخذت دولتهم فى الضعف تدريجا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة فى معاركها مع السلطان سليم العثمانى على أبواب الشام فى مرج دابق.
(ج) العثمانيون (١)
قضى سليم الأول العثمانى على دولة المماليك فى الشام ومصر بعد هزيمته لقانصوه الغورى فى موقعة مرج دابق سنة ٩٢٢ للهجرة. وبعد أربعة أيام من الموقعة دخل حلب ولقيه أهلها بترحاب شديد وأوقدوا له الشموع وتعالت أصواتهم له بالدعاء، وخطبوا له على منابرها.
وفتحت له مدن الشام أبوابها، فاستولى على دمشق وقصده فيها أمراء لبنان وخاصة من بنى معن الدروز النازلين بجبالها مما جعل سليما ومن خلفوه من سلاطين آل عثمان يعترفون لهم بالإمارة فى لبنان. ومضى سليم يستولى على بقية مدن الشام. وفتح مصر وظل بها ثمانية أشهر وعاد منها إلى دمشق، ورأى بوضوح تدهور الأوضاع الاقتصادية فى تلك الديار بسبب اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح والنفوذ منه إلى الهند ونقل توابلها وتجاراتها منه مما أضر إضرارا شديدا بطريق البضاعة الهندية القديم خلال حلب والشام.
وكانت حروب الصليبيين والتتار التى حوّلت الشام إلى ساحة حرب كبيرة لمدة قرنين من الزمان قد أحالت أجزاء كثيرة من مدنها إلى خرائب وخاصة مدن الساحل. وكأنما توسّم أهل الشام أن العثمانيين سيعيدون إلى طريق التجارة الهندية ازدهاره الماضى، ولذلك رحبوا بسليم والعثمانيين، وتلاشى هذا الحلم مع الأيام. وكان قد فرّ إلى سليم من المماليك مملوك خائن هو الغزالى الذين زين له فتح الشام ومصر فكافأه بتوليته على الشام ما عدا حلب إذ جعلها لبعض الباشوات العثمانيين. وبمجرد أن توفى سليم الأول سنة ٩٢٦ أعلن الغزالى استقلاله بالشام ولقب نفسه بالملك الأشرف، وسرعان ما هزمته الجيوش العثمانية وخرّ صريعا عند أبواب دمشق. ورأى العثمانيون أن تتوزع الشام ثلاث نيابات على رأس كل نيابة باشا: أولاها نيابة حلب وتشمل سوريا الشمالية، وثانيتها نيابة طرابلس وتشمل أربعة سناجق أو ألوية هى: حمص وحماة وسلمية وجبلة، وثالثتها نيابة دمشق وتشمل عشرة سناجق أهمها بيروت وصيداء ونابلس وبيت المقدس وغزة. وفى سنة ١٠٧٣ خصوا صيداء بنيابة مستقلة تشمل ساحل الشام ما عدا نيابة طرابلس فى لبنان.
стр. 2834
وكان يساعد الوالى فى الإدارة ديوانان: ديوان كبير مؤلف من السردار أو رئيس العسكر والدفتردار أو مدير الخزانه والروزنامجى أو حافظ السجلات وقاضى القضاة وأمير الحج ورؤساء المذاهب الفقهية الأربعة. وبجانب هذا الديوان ديوان صغير خاص بنائب الوالى ومعه دفتردار وروزنامجى. . ومنح أصحاب السناجق أو الألوية لقب بك. وكثير من الولاة كانوا يختارون من الإنكشارية وهم شبّان أوربيون من أجناس مختلفة كانوا يربّون تربية إسلامية عسكرية، وكان هم الوالى منهم أن يجمع لنفسه فى مدة ولايته القليلة ما يستطيع من الأموال مما جعلهم يرهقون أهل المدن بالضرائب، وقلما كان حكم الوالى يتجاوز المدينة وضواحيها. أما داخل البلاد فقد ترك للإقطاعيين من سكان الشام ومن وراءهم من بدو الجزيرة، وكان عددهم قد تزايد زيادة كبيرة منذ زمن المماليك، وكان أكثرهم من الدروز مثل آل معن وآل أرسلان والشهابيين ومن التركمانيين مثل آل عساف ومن البدو مثل آل فضل. وفى كل مكان نجد هؤلاء الإقطاعيين مثل آل حرفوش ببعلبك وآل فريح فى البقاع وآل جبار فى سلمية، ولم يكونوا يؤدون للعثمانيين أو الباب العالى إلا ضرائب محدودة، وخاصة أن الموارد كانت قد تضاءلت إذ تدهورت التجارة وتدهورت أيضا الزراعة. ويدل على فساد الحكم العثمانى واضطرابه فى الشام كثرة من كانوا يولّون ويعزلون من الولاة، حتى ليولّى على دمشق فى مائة وثمانين عاما مائة وثلاثة وثلاثون باشا أو واليا، مما جعل فخر الدين من آل معن الدروز (٩٩٠ - ١٠٢٣ هـ) يسيطر على أكثر أرجاء الشام من أنطاكية إلى صفد لنحو نصف قرن، وأذن لفلورنسا بإقامة قنصلية لها فى بلاده ولم ير بأسا من الإذن لفرنسا بفتح فندق فى صيداء وأذن للمبشرين المسيحيين بالتبشير بين المسلمين والدروز. وتنبهت له أخيرا الدولة العثمانية فأرسلت إليه جيشا لتأديبه ففر من البلاد راكبا البحر إلى صديقه فرديناند أمير توسكانيا. ونمضى إلى سنة ١١٦٤ هـ/١٧٥٠ م فيبسط ضاهر العمر صاحب صفد سلطانه على عكا ويعلن استقلاله وعصيانه للباب العالى بفضل معونة على بك الكبير المملوك المشهور أيضا بعصيانه للعثمانيين ومحاولته الاستقلال عنهم بمصر. ويحاصر العثمانيون ضاهر العمر وتدركه المنية سنة ١١٨٩ هـ/١٧٧٥ م. ويليها بعده أحمد الجزار ويلعب دورا شبيها بدور ضاهر العمر ويحصّن عكا.
وعبثا يستطيع نابليون فتحها ويضطر إلى رفع حصاره عنها بعد ثلاثة أشهر، إذ باء حصاره لها بالإخفاق الذريع سنة ١٢١٣ هـ/١٧٩٩ م. وكانت الأحوال الاقتصادية فى الشام تتردّى من سيئ إلى أسوأ طوال الحكم العثمانى، وظل كابوسه جاثما على صدر البلاد طوال القرن التاسع عشر الميلادى بل طوال شطر كبير من العصر الحديث.
стр. 2835
٤ - المجتمع (١)
حين دخل العرب الشام وجدوا فيها أخلاطا من أجناس شتى لموقعها على أبواب آسيا الغربية وفى قلب الشرق القديم ولكثرة من نزلوها من الكنعانيين الفينيقيين ومن الفلسطينيين الأوربيين القدماء وكثرة المهاجرين إليها من البابليين والكلدانيين والحيثيين والآشوريين والآراميين والعبرانيين واليونانيين والرومانيين ومن العرب أنفسهم: الغساسنة وغير الغساسنة. وهذا الخليط من الاجناس فى الشام ربما هو الذى هيأها من قديم لأن تكثر فيها الدويلات والمدن المستقلة بعضها عن بعض.
وأخذ الإسلام سريعا يضم هذا الشتات الجنسى فى وحدة سياسية، بل سرعان ما أصبح لواء الشام يضم العالم الإسلامى جميعه فى وحدة عربية منذ رقى إلى عرش الخلافة معاوية مؤسس الدولة الأموية، إذ اتخذ دمشق حاضرة لهذا العالم، واتخذ من أهلها عونه فى الحكم وإدارة دفّة الأمور فى هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف. وبذلك كانت كنوز هذه الإمبراطورية تتدفق إلى دمشق والشام وعاش أهلهما طوال العصر الأموى فى رخاء لم يبلغه هذا الاقليم فى أى عصر من عصوره.
ومر بنا وصف سريع لجغرافيتها وأنها كثيرة الأنهار والوديان والعيون والزروع، ومن قديم تنتج العنب والفواكه وصنوف النّقل من فستق وغير فستق إلى ما تنتج من قمح وغير قمح. ومن قديم أيضا عنى أهلها بالصناعات: صناعات الخزف الملون والخشب المحفور أثاثا وغير أثاث والمعادن والأسلحة سيوفا وغير سيوف والزجاج الملون والقاشانى ونقش الفولاذ بالذهب والفضة ونسج الأقمشة والعمارة.
وحياة الشام بذلك كانت تقوم على إتقان كثير من الصناعات والزروع، وأيضا على المهارة فى التجارة، وكانت نافذة كبرى لتبادل تجارات آسيا وأوربا من قديم، وظلت تجاراتها تكوّن مصدرا أساسيّا لثروتها فى عهد الفينيقيين وبعدهم حتى احتلال العثمانيين لديارها، فقد كانت من أعتق
стр. 2836
الأزمنة إلى نهاية زمن المماليك الباب الكبير لمرور توابل الهند وعروض آسيا إلى الغرب. ومهر أهلها فى التجارة ومعرفة أسرارها والقدرة على إغراء الأسواق التجارية ومعرفة متطلباتها من لبان جنوبى الجزيرة العربية ونباتات العطور والعقاقير، مما أتاح لكثير من تجارها على مر الأزمنة الثراء الطائل.
وتحفّ الشام فى الشرق بوادى الجزيرة العربية، وكان لذلك أثره البعيد فى تكوين سكانها فأكثرهم نزحوا إليها قديما من الجزيرة على نحو ما هو معروف عن الكنعانيين والآراميين والعبرانيين، وقد ظلت أبوابها الشرقية مفتوحة على مصاريعها لبدو الجزيرة، مما جعل الغساسنة يقيمون على الحدود بينها وبين الجزيرة دولتهم الغسانية. ولا يقفون هم ومن كانوا وراءهم من البدو عند الحدود بل يتغلغلون إلى داخل الشام، حتى ليمكن أن يقال إنه قد أخذ فى التعرب قبل الإسلام. وظل بدو الجزيرة طوال الأزمنة الإسلامية يكوّنون شطرا مهما فى سكان الشام، وكان الشطر الثانى، وهو الأكبر، متحضرا ويقيم فى المدن. وبذلك كان سكان الشام ينقسمون طوال الحقب الإسلامية إلى بدو وحضر. وكان البدو يعتمدون على الأغنام والأنعام، بينما كان الحضر يعتمدون على الزراعة والصناعة والتجارة. وكان حكام مصر والشام يقرّبون زعماء البدو، ولكى يدرءوا عن الشام شرهم كانوا أحيانا يقطعونهم بعض مدن فلسطين على نحو ما هو معروف من إقطاع الفاطميين للمفرّج بن دغفل مدينة الرّملة.
على كل حال كان اعتماد الشام فى حياتها الاقتصادية طوال الحقب الإسلامية على سكان الحضر وما يؤدونه للدولة من الخراج والعشور والجوالى أو الجزية، وكانت ضريبة محدودة قلما زادت عن دينارين، وكانت تؤخذ من أهل الكتاب: النصارى واليهود نظير عدم انتظامهم فى الجيش العربى. وهى بذلك كانت ضريبة دفاع ولم تكن تؤخذ إلا من القادرين، أما النساء والأطفال والشيوخ والقساوسة والرهبان فلا تؤخذ منهم البتّة.
وحين عقد عمر بن الخطاب مؤتمر الجابية سنة ١٦ للهجرة أوصى عماله أن يرفقوا بالرعية فيما تؤدى من ضرائب للدولة، وبلغ خراج الشام على عهده-كما يقول الصولى-خمسمائة ألف دينار. وبمجرد أن أصبحت الخلافة خالصة لمعاوية جعل خراج كل من دمشق وقنسرين أربعمائة وخمسين ألف دينار، وخراج كل من فلسطين والأردن مائة وثمانين ألفا. وأخذ يهب بعض أصفيائه إقطاعات واسعة، وتارة يكون الإقطاع إقطاع تمليك، وتارة يكون إقطاع استثمار، وكان عثمان بن عفان أول من سنّ هذه السنة فى الإسلام.
وجاءت معاوية كنوز الأرض فكان يكثر من توزيعها على الشخصيات المهمة فى قريش
стр. 2837
والأنصار وعلى زعماء القبائل فى الجزيرة العربية والعراق، وعنى عناية واسعة بأبهته ونفقاته. وبنى لنفسه دارا كبيرة فى دمشق سماها «الخضراء» ودورا أخرى فى مكة، وسنّ للخلفاء الأمويين من بعده البذخ. ويروى أنه كان يستقبل من عماله هدايا العيدين الفارسيين: عيد النّيروز وعيد المهرجان، ولا بد أن كانت تقدم له الهدايا فى أعياد النصارى لما انعقد بينه وبينهم من علاقة وثيقة، ولما منحهم من الإشراف على الشئون الما للدولة، وخاصة سرجيوس وأسرته، وأيضا لا بد أن كانت تقدم ل الهدايا فى الأعياد الإسلامية.
ويبدو أن الدولة ظلت تنعم برخاء واسع بعد معاوية، مما دفع الوليد بن عبد الملك إلى تشييد الجامع الأموى بصورة هندسية بالغة الفخامة فى زخرفته وتصويره، وقد استقدم-كما مرّ بنا- لصنع الفسيفساء فى جدره وفصوصه اثنى عشر ألف عامل من بيزنطة، غير من استقدمهم فى تشييده ونقشه من مصر وفارس، وقد مثّلت فيه أشجار وفرّعت أعصان منظومة بالفصوص المذهبة، ويقال إنه أنفق فيه خراج الشام سنتين وكان خراجها على عهده مليون دينار ومائتى ألف، وفى رواية أنه أنفق عليه أحد عشر مليونا من الدنانير ومائتى ألف. وعدّ الجامع عجيبة من عجائب الدنيا، وبه حظيت دمشق بمجد وشهرة عظيمين. ويبدو أن الوليد زاد، بسبب هذه النفقة الباهظة على جامعه، الضرائب على أهل الشام، أو لعل أخاه سليمان الذى خلفه هو الذى صنع ذلك. ويخلفه عمر بن عبد العزيز فيأمر عماله أن يأخذوا أهل الكتاب من النصارى واليهود بالرفق وأن تمنع السخرة منعا باتا كما يمنع أخذ الضرائب على الجسور والمعابر وأن يكتفى فى المعادن بالصدقة ولا يؤخذ منها العشر. وأمر أمرا صارما أن ترفع الجزية عمن أسلموا من الموالى بحيث يسوّى بينهم وبين المسلمين فى الخراج والعشور. ويتوفّى عمر فيعود العمال إلى الضرائب الاستثنائية ظلما وعدوانا. ولا بد أن نذكر للأمويين أن الشام كانت تحظى برخاء غير قليل فى أيامهم، ويشهد بذلك ماشادوه فى دمشق والبوادى من قصور، وقد أصبحت دمشق بفضلهم عاصمة ومدينة عربية كبرى.
وكان المجتمع الشامى فى دمشق وغير دمشق يتألف من ثلاث طبقات: عليا ووسطى ودنيا، والطبقة الأولى تشمل الحكام وكبار الموظفين فى الدواوين وأصحاب الثراء الطائل من التجار والإقطاعيين. وتشمل الطبقة الوسطى العلماء وأوساط الزراع والتجار والصناع، أما الطبقة الدنيا فهى طبقة العامة من صغار الفلاحين والعمال. وكان يتبع هذه الطبقة الرقيق الذى يؤسر فى الحروب أو يبيعه النخاسون، وكان أخلاطا من البيزنطيين والأوربيين والإفريقيين. وظلت هذه
стр. 2838
الصورة لطبقات المجتمع الشامى متصلة طوال الحقب التالية، مع ما حدث للشام من تحول الخلافة منها إلى بغداد، ومن مشرفة على الدولة الإسلامية الكبرى إلى ولاية منذ أن استولى العباسيون على أداة الحكم. وكان من أهم أعمالهم فيها إنشاء المراكز العسكرية على حدودها مع الروم المعروفة باسم العواصم والثغور، وكانت جيوشهم ماتنى تخرج منها لحرب الروم. محدثة فيها غير قليل من الرواج التجارى.
وكان العباسيون فى القرن الأول من خلافتهم يأخذونها بغير قليل من الرفق واللين. ويروى أن بعض ولاة الخراج بها لعهد هرون الرشيد شدّد فى استخراج الأموال من أهلها فسخط عليه الرشيد سخطا شديدا وأنزل به عقابا صارما، قائلا له: وليت الشام وهى جنات وعيون وجعلتها أجرد من الصخر وأوحش من القفر. وحين ضمها ابن طولون إلى دولته فى مصر أخذت تنتعش وخاصة فى عهد خمارويه لكثرة ما كان يجرى على الناس فى رعيته بمصر والشام من الأموال ولما كان ينفقه على جيشه بها من الارزاق، وقد بنى لنفسه بالقرب من دمشق قصرا فخما. وعنى الإخشيد بالشام، كما عنى بها كافور. وكانا يكثران من الخلع والهبات على أهلها، وكانت حلب والثغور بيد الحمدانيين وفرضوا فيها ضرائب ثقيلة (١).
وتتبع بقية الشام مصر أيام الفاطميين حقبا متصلة. وعلى الرغم من أن المقدسى يقول إن ضرائب العروض والسلع التجارية فيها هينة لزمنه فى أواخر القرن الرابع الهجرى فإن من المؤكد أن الضرائب زادت واضطربت تبعا لكثرة الولاة الفاطميين وعمل كل منهم على جمع كل ما يستطيع من الأموال لنفسه، فكانت تدخل على الضرائب والجبايات زيادات ترهق الشعب الشامى إرهاقا شديدا. وبلغ هذا الارهاق غايته فى ولاية المعلى بن حيدرة الكتامى لها سنة ٤٦١، حتى هجر الفلاحون مزارعهم فى الغوطة بدمشق وغير الغوطة، وعظم شغب العامة سخطا على هذا الظلم الصارخ وشبت النار حينئذ فى الجامع الأموى العظيم، وكادت أن تذهب ببهائه ورونقه لولا أن تداركه الناس. ولعل أحدا لم يصور ما كان يقع على أهل الشام من ظلم فادح فى جمع الضرائب دون أن تستخدم فى مصالح الرعية كما صوّر ذلك أبو العلاء ساخطا بمثل قوله:
وأرى ملوكا لا تحوط رعيّة ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس
وما نصل إلى سنة ٤٦٨ حتى تتحول دمشق إلى السلاجقة، وينحسر الحكم الفاطمى إلى
стр. 2839
الجنوب. وما نكاد نشرف على نهاية القرن الخامس حتى تأتى جحافل الصليبيين وتستولى على ساحل الشام منذ سنة ٤٩٢. ويتدارك طغتكين أتابك الدولة البورية نسخة من النسخ القرآنية التى وزعها عثمان فى الأمصار كانت بطبريّة فينقلها إلى دمشق، وكان ذلك عملا جليلا زاد دمشق مجدا وجلالا، وخلص له الأمر بها. ومن أهم ما قام به بناء مارستان وخانقاه وأول مدرسة أنشئت بها. وتصبح الشام ساحة حرب كبرى أيام الصليبيين، ولا يقرّ لأهلها قرار.
وأخذ حكام الشام من الأرتقيين أصحاب دمشق وغيرهم يضيفون بعض ضرائب استثنائية لجهاد الصليبيين والإنفاق عليه. وكان طغتكين عادلا، ولكن أبناءه أخذوا يرهقون الدمشقيين بالضرائب الاستثنائية وصنع صنيعهم حكام المدن الأخرى، حتى إذا نهض عماد الدين زنكى واستولى على شمالى الشام، وكان قد أصبح خرابا من ظلم الولاة ومن حرب الصليبيين، نشر فيه العدل وفتح الرّها وامتلأت كل هذه البقاع أهلا وسكانا.
وخلف عماد الدين زنكى ابنه نور الدين محمود، وحين خضعت له دمشق وحماة وبعلبك وغيرها من المدن الشمالية أبطل كل ما كان بها من الضرائب الاستثنائية على الأسواق وما يباع فيها من الفواكه والبقول والحلوى والغنم والجبن واللبن. وسار نفس هذه السيرة بعده صلاح الدين فألغى جميع المكوس والمغارم من ديار الشام وسامح الناس فى أموال عظيمة. ووزع فى عماله منشورا جاء فيه: إن أشقى الأمراء من سمّن كيسه، وأهزل الخلق وأبعدهم من الله من أخذ الباطل من الناس وسماه الحق. وعمّ الرخاء فى عهده وعهد نور الدين ديار الشام لكثرة ما صبّا فى حجور الناس من القناطير المقنطرة من أموال حملة الصليب المدحورين. وسار بعد صلاح الدين سيرته فى حط المغارم عن كواهل الناس أخوه السلطان العادل ويقال إن مجموع ما خص دمشق من ذلك لعهده بلغ مائة ألف دينار. وقد عاد بعض هذه المغارم والمكوس فى بعض بلدان الشام بأخرة من أيام الأيوبيين وخاصة فى بعلبك ودمشق حين أظلهما حكم الصالح إسماعيل.
وقد يكون من المفارقات أن نعرف أنه على الرغم من الحروب التى كانت متصلة بين أهل الشام وحملة الصليب نشطت التجارة بينهما نشاطا واسعا، فتجار المسلمين ينزلون بلادهم وحصونهم وبالمثل ينزل حملة الصليب بلاد المسلمين حاملين لسلعهم ومشترين سلعا جديدة. وكأن الحرب شئ والتجارة شئ آخر، ويعرض علينا أسامة بن منقذ فى كتابه «الاعتبار» صورا لافتة من تواصل الحياة بين العرب المدنيين والصليبيين. ورأى ذلك ابن جبير رأى العيان ووصفه فى رحلته المشهورة متعجبا قائلا: من أعجب ما يحدّث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين: مسلمين
стр. 2840
ونصارى، وقد يلتقى الجمعان ويتقاتلون وتجارهم تختلف بينهم دون اعتراض، وهكذا دائما أهل الحرب من الفئتين مشتغلون بحربهم، والناس من ورائهم-كما يقول ابن جبير-فى عافية:
يتعايشون ويتبادلون السلع وعروض التجارة، وكان حملة الصليب يرسلون ببعض هذه العروض فى سفن لهم كانت تجوب البحر المتوسط والمحيط الأطلسى حتى السويد. وورثت الشام عنهم ذلك حين جلوا عنها فكانت تجاراتها تتغلغل فى البلاد الأوربية.
ولم نعرض حتى الآن لما كان فى المجتمع الشامى طوال هذه الحقب من فنون اللهو. وكان طبيعيّا والشام دائما حاملة للسيف أن يشيع فيها مبكرا سباق الخيل واللعب بالصوالجة والتنافس فى إحسان الرماية. وكان أهلها يحارشون أحيانا بين الكباش والكلاب، وكانوا يخرجون للصيد.
وكانت أسواقهم تموج بالأقمشة الحريرية وبالطيب والعطور. وعنى خلفاؤها الأمويون مبكرين بالغناء وبدأ ذلك منذ عبد الملك بن مروان الذى استقبل ابن مسجح مغنى مكة وغنّاه الغناء المتقن على نحو ما أشرنا إلى ذلك فى كتابنا الشعر والغناء فى المدينة ومكة واستقبل أيضا بديحا واستمع إلى غنائه، واستقبل ابنه الوليد بعده ابن سريج مغنى مكة. وتحول يزيد بن عبد الملك بقصره إلى مسرح لمغنى الحجاز من أمثال معبد وابن عائشة، واشترى جاريتين من جوارى المدينة المغنيات، وهما حبابة وسلاّمة القسّ، ووصفه أبو حمزة الخارجى، فقال إنه يشرب الخمر ويلبس الحلّة قوّمت بألف دينار. . حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره». ونشأ ابنه الوليد فى هذا الجو المشبع بالترف والخمر والغناء، وكان شاعرا بارعا، وله خمريات تكتظ بها ترجمته فى كتاب الأغانى، وحين استولى على مقاليد الخلافة بعد عمه هشام تحول بقصره إلى مقصف للخمر والعزف والغناء، وندماؤه من حوله يشاركونه قصفة ولهوه وطربه، وكاد أن لا يترك مغنيا مشهورا فى المدينة أو مكة إلا استقدمه وعقد له فى قصره مجالس للطرب والسماع، ويقول أبو الفرج فى ترجمته إنه «كان يضرب بالعود ويوقّع بالطبل ويمشى بالدّفّ على مذهب أهل الحجاز».
ولا ريب فى أن شيئا من ذلك كان ينعكس على أهل الشام فى دمشق وغير دمشق. إذ يوجد فى كل زمن منحرفون ينغمسون فى اللهو والخمر وشرب الدّنان، وكان يهيئ لهم ذلك فى الشام كثرة ما يزرع فيها من كروم وكثرة ما كان بها من أديرة. وكانوا يشربون فى الطبيعة بين الأزهار وغناء الطير وفى قاعات الأديرة والبيوت، وكانوا يفرشون القاعات بالورود والنرجس والأقحوان والأزهار المختلفة. وكان يكثر فى تلك المجالس سماع المغنين والمغنيات وهم يعزفون على آلات الطرب المختلفة. ويسوق ابن حجّة الحموى فى كتابه ثمرات الأوراق خبرا طويلا عن جماعة من