← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

الأزمنة إلى نهاية زمن المماليك الباب الكبير لمرور توابل الهند وعروض آسيا إلى الغرب. ومهر أهلها فى التجارة ومعرفة أسرارها والقدرة على إغراء الأسواق التجارية ومعرفة متطلباتها من لبان جنوبى الجزيرة العربية ونباتات العطور والعقاقير، مما أتاح لكثير من تجارها على مر الأزمنة الثراء الطائل. وتحفّ الشام فى الشرق بوادى الجزيرة العربية، وكان لذلك أثره البعيد فى تكوين سكانها فأكثرهم نزحوا إليها قديما من الجزيرة على نحو ما هو معروف عن الكنعانيين والآراميين والعبرانيين، وقد ظلت أبوابها الشرقية مفتوحة على مصاريعها لبدو الجزيرة، مما جعل الغساسنة يقيمون على الحدود بينها وبين الجزيرة دولتهم الغسانية. ولا يقفون هم ومن كانوا وراءهم من البدو عند الحدود بل يتغلغلون إلى داخل الشام، حتى ليمكن أن يقال إنه قد أخذ فى التعرب قبل الإسلام. وظل بدو الجزيرة طوال الأزمنة الإسلامية يكوّنون شطرا مهما فى سكان الشام، وكان الشطر الثانى، وهو الأكبر، متحضرا ويقيم فى المدن. وبذلك كان سكان الشام ينقسمون طوال الحقب الإسلامية إلى بدو وحضر. وكان البدو يعتمدون على الأغنام والأنعام، بينما كان الحضر يعتمدون على الزراعة والصناعة والتجارة. وكان حكام مصر والشام يقرّبون زعماء البدو، ولكى يدرءوا عن الشام شرهم كانوا أحيانا يقطعونهم بعض مدن فلسطين على نحو ما هو معروف من إقطاع الفاطميين للمفرّج بن دغفل مدينة الرّملة. على كل حال كان اعتماد الشام فى حياتها الاقتصادية طوال الحقب الإسلامية على سكان الحضر وما يؤدونه للدولة من الخراج والعشور والجوالى أو الجزية، وكانت ضريبة محدودة قلما زادت عن دينارين، وكانت تؤخذ من أهل الكتاب: النصارى واليهود نظير عدم انتظامهم فى الجيش العربى. وهى بذلك كانت ضريبة دفاع ولم تكن تؤخذ إلا من القادرين، أما النساء والأطفال والشيوخ والقساوسة والرهبان فلا تؤخذ منهم البتّة. وحين عقد عمر بن الخطاب مؤتمر الجابية سنة ١٦ للهجرة أوصى عماله أن يرفقوا بالرعية فيما تؤدى من ضرائب للدولة، وبلغ خراج الشام على عهده-كما يقول الصولى-خمسمائة ألف دينار. وبمجرد أن أصبحت الخلافة خالصة لمعاوية جعل خراج كل من دمشق وقنسرين أربعمائة وخمسين ألف دينار، وخراج كل من فلسطين والأردن مائة وثمانين ألفا. وأخذ يهب بعض أصفيائه إقطاعات واسعة، وتارة يكون الإقطاع إقطاع تمليك، وتارة يكون إقطاع استثمار، وكان عثمان بن عفان أول من سنّ هذه السنة فى الإسلام. وجاءت معاوية كنوز الأرض فكان يكثر من توزيعها على الشخصيات المهمة فى قريش

стр. 2837

والأنصار وعلى زعماء القبائل فى الجزيرة العربية والعراق، وعنى عناية واسعة بأبهته ونفقاته. وبنى لنفسه دارا كبيرة فى دمشق سماها «الخضراء» ودورا أخرى فى مكة، وسنّ للخلفاء الأمويين من بعده البذخ. ويروى أنه كان يستقبل من عماله هدايا العيدين الفارسيين: عيد النّيروز وعيد المهرجان، ولا بد أن كانت تقدم له الهدايا فى أعياد النصارى لما انعقد بينه وبينهم من علاقة وثيقة، ولما منحهم من الإشراف على الشئون الما للدولة، وخاصة سرجيوس وأسرته، وأيضا لا بد أن كانت تقدم ل الهدايا فى الأعياد الإسلامية. ويبدو أن الدولة ظلت تنعم برخاء واسع بعد معاوية، مما دفع الوليد بن عبد الملك إلى تشييد الجامع الأموى بصورة هندسية بالغة الفخامة فى زخرفته وتصويره، وقد استقدم-كما مرّ بنا- لصنع الفسيفساء فى جدره وفصوصه اثنى عشر ألف عامل من بيزنطة، غير من استقدمهم فى تشييده ونقشه من مصر وفارس، وقد مثّلت فيه أشجار وفرّعت أعصان منظومة بالفصوص المذهبة، ويقال إنه أنفق فيه خراج الشام سنتين وكان خراجها على عهده مليون دينار ومائتى ألف، وفى رواية أنه أنفق عليه أحد عشر مليونا من الدنانير ومائتى ألف. وعدّ الجامع عجيبة من عجائب الدنيا، وبه حظيت دمشق بمجد وشهرة عظيمين. ويبدو أن الوليد زاد، بسبب هذه النفقة الباهظة على جامعه، الضرائب على أهل الشام، أو لعل أخاه سليمان الذى خلفه هو الذى صنع ذلك. ويخلفه عمر بن عبد العزيز فيأمر عماله أن يأخذوا أهل الكتاب من النصارى واليهود بالرفق وأن تمنع السخرة منعا باتا كما يمنع أخذ الضرائب على الجسور والمعابر وأن يكتفى فى المعادن بالصدقة ولا يؤخذ منها العشر. وأمر أمرا صارما أن ترفع الجزية عمن أسلموا من الموالى بحيث يسوّى بينهم وبين المسلمين فى الخراج والعشور. ويتوفّى عمر فيعود العمال إلى الضرائب الاستثنائية ظلما وعدوانا. ولا بد أن نذكر للأمويين أن الشام كانت تحظى برخاء غير قليل فى أيامهم، ويشهد بذلك ماشادوه فى دمشق والبوادى من قصور، وقد أصبحت دمشق بفضلهم عاصمة ومدينة عربية كبرى. وكان المجتمع الشامى فى دمشق وغير دمشق يتألف من ثلاث طبقات: عليا ووسطى ودنيا، والطبقة الأولى تشمل الحكام وكبار الموظفين فى الدواوين وأصحاب الثراء الطائل من التجار والإقطاعيين. وتشمل الطبقة الوسطى العلماء وأوساط الزراع والتجار والصناع، أما الطبقة الدنيا فهى طبقة العامة من صغار الفلاحين والعمال. وكان يتبع هذه الطبقة الرقيق الذى يؤسر فى الحروب أو يبيعه النخاسون، وكان أخلاطا من البيزنطيين والأوربيين والإفريقيين. وظلت هذه

стр. 2838

الصورة لطبقات المجتمع الشامى متصلة طوال الحقب التالية، مع ما حدث للشام من تحول الخلافة منها إلى بغداد، ومن مشرفة على الدولة الإسلامية الكبرى إلى ولاية منذ أن استولى العباسيون على أداة الحكم. وكان من أهم أعمالهم فيها إنشاء المراكز العسكرية على حدودها مع الروم المعروفة باسم العواصم والثغور، وكانت جيوشهم ماتنى تخرج منها لحرب الروم. محدثة فيها غير قليل من الرواج التجارى. وكان العباسيون فى القرن الأول من خلافتهم يأخذونها بغير قليل من الرفق واللين. ويروى أن بعض ولاة الخراج بها لعهد هرون الرشيد شدّد فى استخراج الأموال من أهلها فسخط عليه الرشيد سخطا شديدا وأنزل به عقابا صارما، قائلا له: وليت الشام وهى جنات وعيون وجعلتها أجرد من الصخر وأوحش من القفر. وحين ضمها ابن طولون إلى دولته فى مصر أخذت تنتعش وخاصة فى عهد خمارويه لكثرة ما كان يجرى على الناس فى رعيته بمصر والشام من الأموال ولما كان ينفقه على جيشه بها من الارزاق، وقد بنى لنفسه بالقرب من دمشق قصرا فخما. وعنى الإخشيد بالشام، كما عنى بها كافور. وكانا يكثران من الخلع والهبات على أهلها، وكانت حلب والثغور بيد الحمدانيين وفرضوا فيها ضرائب ثقيلة (١). وتتبع بقية الشام مصر أيام الفاطميين حقبا متصلة. وعلى الرغم من أن المقدسى يقول إن ضرائب العروض والسلع التجارية فيها هينة لزمنه فى أواخر القرن الرابع الهجرى فإن من المؤكد أن الضرائب زادت واضطربت تبعا لكثرة الولاة الفاطميين وعمل كل منهم على جمع كل ما يستطيع من الأموال لنفسه، فكانت تدخل على الضرائب والجبايات زيادات ترهق الشعب الشامى إرهاقا شديدا. وبلغ هذا الارهاق غايته فى ولاية المعلى بن حيدرة الكتامى لها سنة ٤٦١، حتى هجر الفلاحون مزارعهم فى الغوطة بدمشق وغير الغوطة، وعظم شغب العامة سخطا على هذا الظلم الصارخ وشبت النار حينئذ فى الجامع الأموى العظيم، وكادت أن تذهب ببهائه ورونقه لولا أن تداركه الناس. ولعل أحدا لم يصور ما كان يقع على أهل الشام من ظلم فادح فى جمع الضرائب دون أن تستخدم فى مصالح الرعية كما صوّر ذلك أبو العلاء ساخطا بمثل قوله: وأرى ملوكا لا تحوط رعيّة ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس وما نصل إلى سنة ٤٦٨ حتى تتحول دمشق إلى السلاجقة، وينحسر الحكم الفاطمى إلى

стр. 2839

الجنوب. وما نكاد نشرف على نهاية القرن الخامس حتى تأتى جحافل الصليبيين وتستولى على ساحل الشام منذ سنة ٤٩٢. ويتدارك طغتكين أتابك الدولة البورية نسخة من النسخ القرآنية التى وزعها عثمان فى الأمصار كانت بطبريّة فينقلها إلى دمشق، وكان ذلك عملا جليلا زاد دمشق مجدا وجلالا، وخلص له الأمر بها. ومن أهم ما قام به بناء مارستان وخانقاه وأول مدرسة أنشئت بها. وتصبح الشام ساحة حرب كبرى أيام الصليبيين، ولا يقرّ لأهلها قرار. وأخذ حكام الشام من الأرتقيين أصحاب دمشق وغيرهم يضيفون بعض ضرائب استثنائية لجهاد الصليبيين والإنفاق عليه. وكان طغتكين عادلا، ولكن أبناءه أخذوا يرهقون الدمشقيين بالضرائب الاستثنائية وصنع صنيعهم حكام المدن الأخرى، حتى إذا نهض عماد الدين زنكى واستولى على شمالى الشام، وكان قد أصبح خرابا من ظلم الولاة ومن حرب الصليبيين، نشر فيه العدل وفتح الرّها وامتلأت كل هذه البقاع أهلا وسكانا. وخلف عماد الدين زنكى ابنه نور الدين محمود، وحين خضعت له دمشق وحماة وبعلبك وغيرها من المدن الشمالية أبطل كل ما كان بها من الضرائب الاستثنائية على الأسواق وما يباع فيها من الفواكه والبقول والحلوى والغنم والجبن واللبن. وسار نفس هذه السيرة بعده صلاح الدين فألغى جميع المكوس والمغارم من ديار الشام وسامح الناس فى أموال عظيمة. ووزع فى عماله منشورا جاء فيه: إن أشقى الأمراء من سمّن كيسه، وأهزل الخلق وأبعدهم من الله من أخذ الباطل من الناس وسماه الحق. وعمّ الرخاء فى عهده وعهد نور الدين ديار الشام لكثرة ما صبّا فى حجور الناس من القناطير المقنطرة من أموال حملة الصليب المدحورين. وسار بعد صلاح الدين سيرته فى حط المغارم عن كواهل الناس أخوه السلطان العادل ويقال إن مجموع ما خص دمشق من ذلك لعهده بلغ مائة ألف دينار. وقد عاد بعض هذه المغارم والمكوس فى بعض بلدان الشام بأخرة من أيام الأيوبيين وخاصة فى بعلبك ودمشق حين أظلهما حكم الصالح إسماعيل. وقد يكون من المفارقات أن نعرف أنه على الرغم من الحروب التى كانت متصلة بين أهل الشام وحملة الصليب نشطت التجارة بينهما نشاطا واسعا، فتجار المسلمين ينزلون بلادهم وحصونهم وبالمثل ينزل حملة الصليب بلاد المسلمين حاملين لسلعهم ومشترين سلعا جديدة. وكأن الحرب شئ والتجارة شئ آخر، ويعرض علينا أسامة بن منقذ فى كتابه «الاعتبار» صورا لافتة من تواصل الحياة بين العرب المدنيين والصليبيين. ورأى ذلك ابن جبير رأى العيان ووصفه فى رحلته المشهورة متعجبا قائلا: من أعجب ما يحدّث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين: مسلمين

стр. 2840

ونصارى، وقد يلتقى الجمعان ويتقاتلون وتجارهم تختلف بينهم دون اعتراض، وهكذا دائما أهل الحرب من الفئتين مشتغلون بحربهم، والناس من ورائهم-كما يقول ابن جبير-فى عافية: يتعايشون ويتبادلون السلع وعروض التجارة، وكان حملة الصليب يرسلون ببعض هذه العروض فى سفن لهم كانت تجوب البحر المتوسط والمحيط الأطلسى حتى السويد. وورثت الشام عنهم ذلك حين جلوا عنها فكانت تجاراتها تتغلغل فى البلاد الأوربية. ولم نعرض حتى الآن لما كان فى المجتمع الشامى طوال هذه الحقب من فنون اللهو. وكان طبيعيّا والشام دائما حاملة للسيف أن يشيع فيها مبكرا سباق الخيل واللعب بالصوالجة والتنافس فى إحسان الرماية. وكان أهلها يحارشون أحيانا بين الكباش والكلاب، وكانوا يخرجون للصيد. وكانت أسواقهم تموج بالأقمشة الحريرية وبالطيب والعطور. وعنى خلفاؤها الأمويون مبكرين بالغناء وبدأ ذلك منذ عبد الملك بن مروان الذى استقبل ابن مسجح مغنى مكة وغنّاه الغناء المتقن على نحو ما أشرنا إلى ذلك فى كتابنا الشعر والغناء فى المدينة ومكة واستقبل أيضا بديحا واستمع إلى غنائه، واستقبل ابنه الوليد بعده ابن سريج مغنى مكة. وتحول يزيد بن عبد الملك بقصره إلى مسرح لمغنى الحجاز من أمثال معبد وابن عائشة، واشترى جاريتين من جوارى المدينة المغنيات، وهما حبابة وسلاّمة القسّ، ووصفه أبو حمزة الخارجى، فقال إنه يشرب الخمر ويلبس الحلّة قوّمت بألف دينار. . حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره». ونشأ ابنه الوليد فى هذا الجو المشبع بالترف والخمر والغناء، وكان شاعرا بارعا، وله خمريات تكتظ بها ترجمته فى كتاب الأغانى، وحين استولى على مقاليد الخلافة بعد عمه هشام تحول بقصره إلى مقصف للخمر والعزف والغناء، وندماؤه من حوله يشاركونه قصفة ولهوه وطربه، وكاد أن لا يترك مغنيا مشهورا فى المدينة أو مكة إلا استقدمه وعقد له فى قصره مجالس للطرب والسماع، ويقول أبو الفرج فى ترجمته إنه «كان يضرب بالعود ويوقّع بالطبل ويمشى بالدّفّ على مذهب أهل الحجاز». ولا ريب فى أن شيئا من ذلك كان ينعكس على أهل الشام فى دمشق وغير دمشق. إذ يوجد فى كل زمن منحرفون ينغمسون فى اللهو والخمر وشرب الدّنان، وكان يهيئ لهم ذلك فى الشام كثرة ما يزرع فيها من كروم وكثرة ما كان بها من أديرة. وكانوا يشربون فى الطبيعة بين الأزهار وغناء الطير وفى قاعات الأديرة والبيوت، وكانوا يفرشون القاعات بالورود والنرجس والأقحوان والأزهار المختلفة. وكان يكثر فى تلك المجالس سماع المغنين والمغنيات وهم يعزفون على آلات الطرب المختلفة. ويسوق ابن حجّة الحموى فى كتابه ثمرات الأوراق خبرا طويلا عن جماعة من

стр. 2841

كتاب القرن الرابع الهجرى كانوا قاصدين مصر. فنزلوا بدمشق فى طريقهم، والتقوا فيها بشاب أضافهم. فقبلوا الضيافة وأمضوا فى منزله ليلة ما جنة أحضر لهم فيها نبيذا على عشائهم، فشربوا، وسرعان ما خرجت عليهم طائفة من الجوارى ما بين عوّادة وطنبورية وزامرة وصنّاجة ورقّاصة ودفّافة وهن يلبسن فاخر الثياب والحلىّ وسألهم فى الصباح أتحبون الذهاب إلى بعض البساتين للتفرج أو الجلوس فى المنزل واللعب بالشطرنج والنّرد أو القراءة فى الكتب. والخبر تداخله مبالغات تجعله أشبه بأسطورة، لكنه على كل حال يدل على ما كان بدمشق من فنون لهو. ولا ريب فى أن حرب أهل الشام بعد ذلك مع حملة الصليب أتاح لهم كثرة من الجوارى الأوربيات المسترقّات. ويبدو أنهن كن من عوامل شيوع البغاء، إذ نقرأ فى تراجم نور الدين وصلاح الدين والعادل أنهم طهّروا البلاد من الفواحش والخمور والقمار. وكانت هناك دور النخاسين تحمل الجوارى من كل جنس وكل بلد. ويدل على كثرة الجوارى فى الشام من بعض الوجوه أن نجد فقيها دمشقيا توفى سنة ٦٣٢ هو عبد السلام بن المطهر بن أبى عصرون يروى عنه أنه كان ببيته نيف وعشرون جارية فما بالنا بأهل الثراء وبالحكام وكبار الموظفين ذوى الرواتب الضخمة. ولم يقف المنحرفون بالمجتمع فى لهوهم حينئذ عند شرب الخمر. فقد أخذ يشيع بينهم شرب الحشيس، ولذلك أمر الظاهر بيبرس فى سنة ٦٦٥ بهدم دور الحشيش والخمر جميعا وإقامة الحدود بشدة على من يتعاطونهما. ومن حين إلى آخر نسمع عند بعض السلاطين بمثل هذا الأمر، ولكن المجّان كانوا يعودون إلى تعاطيهما ولا يزدجرون. وظل الغناء مزدهرا طوال زمن المماليك، ونجد مغنيا بدمشق يلزم واليها تنكز نائب الناصر محمد بن قلاوون ويختص به ويعلم جواريه الغناء، وكان يعاصره شمس الدين الدمشقى محمد بن على وكان يجيد العزف واللعب بالقانون وينظم الشعر ويلّحنه ويأخذه عنه الملحنون وأهل الملاهى. وظلت الشام تعيش فى رخاء إلى نهاية القرن الثامن الهجرى إلا فترات كانت تدب فيها وخاصة فى دمشق الفوضى بسبب ما كان يحدث فيها من نزاع بين الأمراء على السلطة كما حدث فى السنوات ٧٥٣ و ٧٦٢ و ٧٩٠ و ٧٩٦ و ٨٠١ ولعل هذا كان أحد العوامل فى انتصار تيمور لنك السريع على المدافعين عن حلب وما وراءها من البلدان إلى دمشق، وقد عاث جنوده فيها-كما مرّ بنا-نهبا وسفكا للدماء. وعلى الرغم من أن دمشق استسلمت له بميثاق أو عهد أخذه على نفسه أن لا يمس أهلها بأذى لم يكد يدخلها مع جنده حتى نكث عهده وميثاقه فسبى جنوده النساء وشدوا الرجال والأولاد فى حبال وأشعلوا النار فى المنازل والدور والمساجد ثلاثة أيام فاحترقت المدينة، وسقطت

стр. 2842

سقوف الجامع الأموى وصارت دمشق أطلالا عافية أو بالية، بعد أن كانت فردوسا من فراديس الجنان، وهى طامة كبرى ظلت دمشق تعانى منها طويلا. وزاد تيمور لنك الطين بلّة بتجريد دمشق-كما مرّبنا من صفوة صناعها ومهندسيها، إذ أخذهم معه الى عاصمته سمرقند. وحاول سلاطين المماليك بعد خروجه من دمشق لحرب السلاجقة فى آسيا الصغرى أن يعيدوا لدمشق والشام شيئا من الرخاء بإلغاء المغارم والمكوس وكل ما كان يبهظهم من الضرائب الاستثنائية. واستعادت دمشق مبانيها وعمارتها بعد تيمور، ولا بد أنها ظلت تعانى من خسائر الحريق وأنقاض عمائرها الباذخة فترة طويلة. وسرعان ما نسمع أنه أصبح بها مائة حمام. وشاد حكامها فيها قصورا فخمة على مر السنين، واتسع ذلك فى بلدان الشام جميعا: من حلب شمالا إلى غزة جنوبا، وبدأ ذلك منذ أوائل عهدها بالاسلام لزمن الأمويين، فإن خلفاءهم وأمراءهم وبعض نسائهم شادوا فى دمشق لأنفسهم قصورا باذخة، وامتد ذلك إلى حلب وغير حلب من مدن الشام وإلى البوادى. وظلت هذه العناية بتشييد القصور لحكام الشام على مر السنين، ومر بنا أن خمارويه بنى لنفسه بجوار دمشق قصرا، وتتابع بناء حكام دمشق وبلدان الشام للقصور، سوى ما كانوا يبنون من المساجد والخانقاهات والمارستانات والمدارس. وتحدث المؤرخون طويلا عن قصر أنيق بدمشق بناه الظاهر بيبرس. وعنى الصليبيون ببناء الحصون كما عنى الأيوبيون والمماليك ببناء المساجد والمدارس والرباطات والمارستانات والقلاع والجسور وكان لكل ذلك أثر واسع فى نشاط الحياة بالشام ورواج الصناعة والتجارة. وترزح الشام-كما رزحت مصر-تحت حكم العثمانيين، ويظلون بها أربعة قرون، ويتقوض كل أمل لأهل الشام فى تدارك الأمور، وبدأ ذلك الغزالى نائب سليم بما أخذ يفرض على أهل الشام من ضرائب ثقيلة، وزال حكمه، كما مر بنا، وظلت المكوس تزداد وظلت البلاد تتردى من سيئ إلى أسوأ إذ دأب العثمانيون على التغيير السريع لحكامهم فى البلاد، ودأب الحكام على اعتصار خيراتها حتى آخر قطرة. وكانت الدولة العثمانية تدفع إلى استنزاف كل ما فى ديار الشام من أموال وظلموا الناس أشد ظلم، بل نهبوهم أعسف نهب وابتزوا أموالهم أسوأ ايتزاز. وهيأ ذلك لمظالم لا تطاق فى المدن بين الصناع والتجار وفى القرى بين الزراع، مما جعل بعض الفلاحين يفرون من قراهم إلى الجبال أو ينزلون عن ممتلكاتهم فيها إلى بعض ذوى الجاه مفضلين أن يعيشوا فقراء على معيشة الحرية التعسة المنتهكة. وانتكست بذلك الزراعة، ولم تعد هناك عناية بإنتاج القطن

стр. 2843

والحرير، فانتكست أيضا الصناعة والتجارة. وزاد فى انتكاس التجارة اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح واستعمارهم للهند وحملهم عروضها وتوابلها عن هذا الطريق مستغنين بذلك عن طريق الشام ومصر القديم. وبذلك فقدت الشام فى أيام العثمانيين موردا ماليا ضخما كان على رأس مواردها التى أتاحت لحكامها بناء منشآتهم المعمارية الكثيرة من الأسوار والقلاع والحصون والقصور والمساجد والمدارس. وعم الكساد الشام طوال الحقب العثمانية. بل عم البؤس والظلم والخراب، كما عمت الفوضى الإدارية، وكلما تقدمنا دورة زمنية مع الحكم العثمانى ازدادت الشام انتكاسا وفسادا وظل ذلك سائدا طوال زمن العثمانيين حتى القرن التاسع عشر بل حتى نهاية حكمهم. ٥ - التشيع: الإسماعلية والإمامية-النصيرية-الدروز-الإسماعيلية النزارية أو الفداوية أو الحشاشين . (ا) الإسماعلية والإمامية مرّ بنا-فى كتاب العصر العباسى الثانى-أن عبد الله بن ميمون القداح اتخذ سلمية قرب حماة بالشام حوالى منتصف القرن الثالث الهجرى مركزا للدعوة الإسماعيلية التى كانت تجعل الإمامة بعد جعفر الصادق فى ابنه إسماعيل لا فى ابنه موسى الكاظم مخالفين بذلك فرقة الإمامية الاثنى عشرية الشيعية. وانتقلت بعد إسماعيل فى أئمة مستورين، إلى أن فرّ المهدى بالله من سلمية إلى تونس وأسس هناك الدولة الفاطمية وصار إليها حكم مصر والشام منذ أواسط القرن الرابع الهجرى. ونشط دعاتهم فى الديار الشامية يدعون إلى عقيدتهم التى تقصر إمامة المسلمين على أبناء علىّ بن أبى طالب من السيدة فاطمة الزهراء، زاعمة لهم العصمة وحق تأويل الذكر الحكيم ومعرفة أسراره، ولذلك سموا باسم الباطنية، وزعموا أن الأئمة يتوالون فى أدوار كل دور يتألف من سبعة منهم، والسابع هو الإمام الناطق الممثل للعقل الكلى وإليه تنتقل قدرة الله وعنه تصدر النفوس الكلية للأئمة الستة قبله، وأطلقوا اسم الذات العلية وكل صفات الله على أئمتهم. وعرفت الشام بجانب العقيدة الإسماعيلية العقيدة الإمامية أو الاثنا عشرية التى يتوالى فى الإمامة بها عندهم اثنا عشر إماما يختمون بالإمام أبى القاسم محمد الذى اختفى وهو فى الثامنة من

стр. 2844

عمره حوالى سنة ٢٦٠ ويؤمنون بأنه لا يزال حيا باقيا وأنه لا بد من عودته يوما أو رجعته ليهدى الناس إلى طريق الرشاد ويعيد سنن الرسول ﷺ ويرد حق أسرته المسلوب ويملأ الدنيا حقا وعدلا، ويسمونه فى أثناء غيبته الجسدية قائم الزمان وإمام الوقت. وهو بذلك كله المهدى المنتظر الذى ينقذ العالم من مفاسده وشروره. وعند الإمامية أن أئمتهم وحدهم يتميزون بمعرفة المعانى الباطنة أو المستترة وراء ظاهر النصوص القرآنية، ولذلك يعد التأويل من أسس العقيدة الإمامية، ويرون أئمتهم فوق الطبيعة البشرية، ولذلك يعتقدون فيهم العصمة وأنهم مطهرون لا يستهويهم أى ضرب من ضروب المعاصى والآثام. وإذا كان مركز العقيدة الإسماعيلية منذ أوائل هذا العصر فى القرن الرابع مصر فإن مركز العقيدة الإمامية كان العراق وإيران. وكان قرب معتنقيها من الشام سببا فى أن يدخلها كثيرون منه منذ وقت مبكر وكانوا ينبئون فى حلب وأيضا بين بعلبك وصفد، ويسمون باسم المتوالية الإمامية ومنهم أمراء حرفوش. ونقف لنتحدث عن فرق شيعية غالية هى فرق النصيرية والدروز والإسماعيلية النزارية المسمون بالفداوية والحشاشين. (ب) النّصيريّة (١) فرقة شيعية غالية غلوّا مفرطا، ولم تكن تتبع الفرقة الإسماعيلية، بل كانت تتبع الفرقة الإمامية الاثنى عشرية، أو قل إنها تفرعت منها، وكانت تسكن فى قرى بسفوح الجبال الممتدة من طرابلس إلى أنطاكية أنشأها فيها داعية يسمى محمد بن نصير النميرى زعم لهم أنه مبعوث الإمام الحادى عشر حسن العسكرى وأخذ ينشر فيهم عقيدته منفصلا بها عن العقيدة الإمامية إذ جعل مبدأها أو محورها الأساسى ألوهية على بن أبى طالب وأنه خالد فى طبيعته الإلهية ومسكنه السحاب، والرعد إنما هو صوته الهائل، والبرق إنما هو ضحكه العالى، ولا يلعنون ابن ملجم قاتله، بل يقولون إنه خلّص اللاهوت أو الجزء الإلهى من الناسوت أو الجسم المادى، ويعظمون الخمر ويرونها من النور الإلهى، ويحتفلون بالأعياد المسيحية ويزعمون أن سلمان الفارسى إنما كان رسولا لعلى بن أبى طالب، ويحلفون بعلى قائلين: وحق على العلىّ الأعلى، كما يحلفون بالنور

стр. 2845

قائلين وحق النور وما نشأ منه. وواضح أنه تختلط بعقيدتهم عناصر فارسية كعنصر النور وعناصر مسيحية كعنصر قداس الخمر والطعام وهو شبيه بالعشاء الربانى، ويروون عن الرسول ﷺ أنه قال لعلى: «لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا فى عيسى لقلت فيك مقالا» وهو حديث موضوع. ويقول النوبختى فى فرق الشيعة وابن فضل الله فى التعريف إنهم يحلّون المحارم، ولهم كتاب مقدس يخفونه عن الناس كما يخفون عقيدتهم ولا يبيحون لأحد منهم أن يذيع شيئا من مبادئها وأسرارها المصونة عندهم. ويقول الشهرستانى إنهم يقولون بأن عليا كان موجودا قبل خلق السموات والأرض، وأن الإله ظهر بصورته وخلق بيديه وأمر بلسانه. ولكل ما سبق قال جولد تسيهر: «تغلب على تلك الفرقة أفكار وعقائد وثنية» ويقول «إن إسلامها إسلام اسمى فحسب». ونظن ظنا أن استيلاء الفاطميين على الشام ونشر دعاتهم لنحلتهم الغالية المفرطة فى الغلو هناك. ثم ما كان من انشغال الأيوبيين بحربهم لحملة الصليب، كل ذلك كان سببا فى اتساع حركتهم حتى إذا كان عهد الناصر بن قلاوون رأيناه يكتب فى سنة ٧١٧ للهجرة إلى ولاته فى الشام أن يأخذوا على أيديهم، ويأمروهم أن يعمروا فى كل قرية من قراهم مسجدا وأن يمحوا منها الخمور وكل ما يتصل بالآثام، وصدعت قراهم لأمره. (ج) الدروز (١) الدروز فرقة شيعية تفرعت عن الفرقة الإسماعيلية الكبرى، آمنت بأن التجسّد الإلهى حلّ فى الحاكم بأمر الله (٣٨٦ - ٤١١ هـ) أسسها أو أنشأها بالشام داع إسماعيلى أعجمى من دعاة الحاكم يسمى محمد بن إسماعيل الدرزى، وكان من غلاة الدعاة الباطنية يؤمن بالتناسخ، فأغوى الحاكم على ادعاء هذا التجسد، وصنّف له كتابا ذكر فيه أن روح الله ما زالت تنتقل من رسول إلى رسول، وبعد النبى ﷺ انتقلت إلى على بن أبى طالب وتناسخت فى الأئمة من أبنائه حتى انتهت إلى الحاكم، فهو ليس بشرا، إنما هو لاهوت تجسد فى الناسوت. وعلمت الرعية فى مصر بما يوسوس له الدرزى فصممت على قتله، وأنقذه منها الحاكم وقال له اخرج إلى الشام وانشر دعوتك فى الجبال فإن أهلها سريعو الانقياد، فخرج إلى الشام ونزل فى قبيلة تنوخ بوادى التيم من

стр. 2846

وديان قرية بانياس غربى دمشق، وأخذ ينشر دعوته فى منازل تلك القبيلة بجبل حوران وأيضا فى القسم الجبلى من لبنان. وتوفى فقام بالدعوة بعده حمزة بن أحمد الهادى وكثر أتباعهما وعرفوا بالدروز نسبة إلى مؤسس الدعوة. وانتشارها على هذا النحو فى جبل لبنان وحوران بسوريا جعلها تذيع بين قبائل وعشائر عربية، وسقطت إلى الجنوب حتى جبل كرمل بالقرب من صفد فى فلسطين، وصعدت إلى الشمال حتى الجبل الأعلى بين حلب وأنطاكية. وأتاح لها ذلك أن تشيع بين عرب ذوى بأس وأهل شجاعة، ومنذ وطئت أقدام الصليبيين الشام وضعوا أيديهم فى أيدى الدولة البوريّة صاحبة دمشق ثم فى أيدى عماد الدين زنكى ونور الدين وصلاح الدين ضد حملة الصليب. وظلوا يجاهدونهم فى زمن الأيوبين والمماليك متعاونين أوثق تعاون مع سلاطين الدولتين فى طردهم من الشام. وأبلوا بلاء حسنا فى حرب التتار. ولعل ذلك هو الذى دفع الدولتين إلى مسالمتهم والإبقاء عليهم مع إقرارهم على إقطاعاتهم، حتى يظلوا غصّة فى حلوق أعداء الإسلام والعروبة. ولديهم رسائل مقدسة لمؤسس دعوتهم محمد بن إسماعيل الدرزى وخليفته حمزة بن أحمد وتلميذه بهاء الدين. ويردد حمزة أن للحاكم بأمر الله حقيقة لاهوتية لا تدركها الحواس ولا الأوهام، ويقول إنه ليس له مكان وإن حل فى كل مكان. وحاول هو وأستاذه الدرزى وتلميذه بهاء الدين أن يقنعوا الناس من حولهم بأن الحاكم تجسّد إلهى وأنه يتشكل فى صورة بشرية هى الصورة الإنسية التى عاش بها مع الناس كأنه فرد مثلهم. وليس الحاكم أول صورة بشرية تشكل فيها الله بل هو آخر صورة تجسد فيها، فقد تجسد قبله فى الأنبياء والأئمة مما يفسح عند الدروز لفكرة التناسخ. ويصور القلقشندى عقيدتهم قائلا: «إنهم يقولون بأن الألوهية انتهت إلى الحاكم وتديرت (سكنت) ناسوته كما يقولون برجعته وإنه يغيب ويظهر بهيئته ويقتل أعداءه قتل إبادة لا معاد بعده إذ ينكرون المعاد». فلا معاد عندهم ولا بعث ولا قيامة، إذ القيامة فى رأيهم يوم رجعة الحاكم وظهوره فى صورته اناسوتية، وحينئذ يوقع العذاب والثواب على الناس، أما الثواب فارتفاع بالدرجة فى العلوم الدينية، وأما العذاب فهب بالدرجة إذ يستمر الشخص ينتقل من جسد إلى جسد أو قل تستمر روحه تنتقل فى أجساد تهبط به فى الدين درجة بعد درجة. وتسقط شريعة الدروز الفروض الدينية وتوجب صيام الأيام التسعة الأولى من شهر ذى

стр. 2847

الحجة، ويقول القلقشندى إنهم يذهبون مذهب الطبائعية فى قولهم إن الطبائع هى المولّدة، والموت بفناء الحرارة الغريزية كانطفاء السراج بفناء الزيت، ويقول: إنهم زادوا فى البسلة؟ ؟ ؟ أيام الحاكم: باسم الحاكم الله الرحمن الرحيم، ثم جعلوها باسم الله الحاكم الرحمن الرحيم. ولهم دعية خاصة يتجهون بها إلى ربهم، من ذلك ما نقله الدكتور محمد كامل حسين من رسالة البلاغ والنهاية فى التوحيد لحمزة بن أحمد من مثل: «سبحان مولانا جلّ ذكره عن إحاطة الأشياء به وعز سلطانه عن حكومة الألسن والأوهام عليه لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون». على أنه ينبغى أن نعود فنذكر أن عقيدة الدروز أصابها بعض التعديل فى فروعها بما يتلاءم والإسلام ومن أهم من عملوا على ذلك عبد الله التنوخى الملقب بالسيد المتوفى سنة ٨٨٤ وقد حاول العودة بهم إلى مذهب الجماعة. (د) الإسماعيلية (١) النزارية أو الفداوية أو الحشاشون مرّ بنا فى الحديث عن التشيع بإيران فى الجزء الخامس من تاريخ الأدب العربى أن داعية من دعاة الحركة الإسماعيلية الفاطمية بإيران هو الحسن بن الصبّاح زار مصر لعهد المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) وسأله من الخليفة بعدك؟ فقال له: ابنى نزار، فعاد إلى إيران يدعو للمستنصر وابنه نزار، واستطاع مع طائفة من أتباعه أن يستولى على قلعة «ألموت» الجبلية الشاهقة، واتسعت دعوته حتى ضم إليه قلاعا وحصونا كثيرة بإيران وبعض بلدانها فى قزوين وطبرستان. وكانت الأمور تتطور بالقاهرة فتوفى المستنصر ورأى الأفضل بن بدر الجمالى أن لا يولى نزارا بعده وإنما يولى أخاه المستعلى. وبذلك انقسمت الإسماعيلية الفاطمية قسمين: قسما عربيا فى مصر والشام بيده مقاليد الحكم يدعو للمستعلى وقسما شرقيا فى إيران يمثله الحسن بن الصباح يدعو لنزار. واستطاع الحسن بن الصبّاح أن يحول فرقته أو طائفة كبيرة منها إلى فرقة إرهابية مهمتها اغتيال خصوم الدعوة من حكام الأقاليم والدول ووزرائهم ومن العلماء والفقهاء المناوئين لها، وكان ممن اغتالوه الوزير السلجوقى العظيم نظام الملك سنة ٤٨٤. ومن أجل ذلك أطلق على اسم هذه الفرقة

стр. 2848

اسم الفدائيين أو الفداوية كما غلب اسم الحشاشين لأنهم-فيما يظهر-كانوا يتعاطون الحشيش المخدر. وعمل الحسن بن الصبّاح على نشر الدعوة الإسماعيلية لا فى أقاليم إيران فحسب، بل أيضا فى إقليم الشام، فأرسل إليها دعاته، وبادر بإرساله الحكيم المنجم أسعد إلى حلب فى أيام حاكمها رضوان بن تتش السلجوقى (٤٨٨ - ٥٠٧ هـ) فنشر بها الدعوة وكثر أتباعه وأوعز إلى بعض الحشاشين معه باغتيال جناح الدولة صاحب حمص، واغتيل سنة ٤٩٦. ووفد على حلب داعية ثان للحسن بن الصباح هو أبو طاهر واستولى مع شيعته على حصن فامية من الصليبيين ثم استردوه منه. وأخذ الفدائيون من فرقة ابن الصباح يفدون على الموصل والشام واغتالوا فى سنة ٥٢٠ صاحب الموصل آق سنقر. وفى نفس السنة وفد على دمشق نزارى من ألموت، وتقرب من طغتكين صاحبها، وتنازل له عن قلعة بانياس فأخذ يدير دعوته منها، وكثر أتباعه، وأدخل المردغانى وزير بورى (٥٢٢ - ٥٢٦) فى دعوته فعيّن أحد رجاله، وهو أبو الوفا قاضيا لقضاة دمشق. وبعث أبو الوفاء سرا لبلدوين الثانى صاحب بيت المقدس أنه على استعداد لتمكينه من الاستيلاء على دمشق فى نظير تنازله له عن صور، وقدم حملة الصليب إلى دمشق سنة ٥٢٤ لتنفيذ المؤامرة وفطن بورى فقتل أبا الوفاء ووزيره المردغانى، و؟ ؟ ؟ رد الله حملة الصليب عن دمشق مدحورين. وأخذ الإسماعيليون النزاريون فى بانياس يمكنون لأنفسهم بالاستيلاء على طائفة من القلاع فى السفوح الشرقية لجبال النصيرية بالقرب من طرابلس إلى الشمال بينها وبين حماة، حتى إذا خلص الأمر لرشيد الدين سنان منذ سنة ٥٥٨ أخذ ينظم هذه الجماعة الإرهابية الخطيرة جاعلا من قلاعها وهى مصياف والرصافة وقدموس والخوابى والكهف والمينقة والعلّيقة، مركزا للدعوة. ويعدّ دوره فى الدعوة بالشام كدور الحسن بن الصبّاح فى إيران، فقد ضاعف تحصينات قلاعها وزودها بالسلاح والعتاد، وكان سنان مباينا لنور الدين ولم يحاول أن يساعده فى حربه لحملة الصليب، وفكر نور الدين فى منازلته ولكنه توفى قبل تحقيق فكرته. وبالمثل كانت بين سنان وصلاح الدين مباينة، وأرسل إليه بعض فدائييه أو حشّاشيه مرتين ليغتالوه ونجّى الله صلاح الدين من خناجرهم، وجرّد لهم فى سنة ٥٧٢ جيشا جرارا حاصر به قلاعهم وضيق عليهم، فسألوه الصفح عنهم، فأجابهم إلى ذلك ليتفرغ سريعا لحرب حملة الصليب مؤملا أن يمدوا له يد العون فى تلك الحرب، وكانوا قد وعدوه أن يقفوا معه ضدهم، فلم يتعرض صلاح الدين بعد ذلك لقلاعهم.

стр. 2849

ونمضى معهم إلى أيام هجوم التتار على الشام فنجد داعيتهم أبا المعالى رضى الدين يرضخ لهم ويسلمهم بعض القلاع سنة ٦٥٨ بينما ظل الدروز يقاومون التتار-كما مرّ بنا-ولعل ذلك ما جعل الظاهر بيبرس بعد قضائه على التتار يفكر فى الاستيلاء على قلاعهم منذ سنة ٦٦٤ وسرعان ما أعلنوا له الطاعة وأنهم جزء من رعيته. وفى سنة ٦٦٩ عزل داعيتهم نجم الدين وولى مكانه داعية ثانيا يسمى صارم الدين، غير أنه أعلن الثورة عليه، وسرعان ما أخفقت ثورته. وأخذ الظاهر بيبرس يستولى على قلاعهم حتى سلمت له وخضعت جميعا، ولم يعمد إلى إجلائهم عن قلاعهم كما صنع هولاكو حين استولى على قلعة ألموت وغيرها من قلاعهم بإيران، بل أبقى عليهم ليفيد من سفاكيهم فى القضاء على خصومه. وظل سلاطين المماليك بعده يستخدمونهم لنفس الغاية. ويسجل ذلك ابن بطوطة حين زار حصونهم لعهد الناصر بن قلاوون سنة ٧٢٧ إذ يقول: «وهذه الحصون لطائفة يقال لها الإسماعيلية، ويقال لهم الفداوية، ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم، وهم سهام الملك الناصر بهم يصيب من يعدو عليه من أعدائه، ولهم المرتبات، وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدو له أعطاه ديته، فإن سلم بعد تأدية ما يراد منه فهى له، وإن أصيب فهى لولده». ويقول القلقشندى نقلا عن ابن فضل الله العمرى المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة: «ولصاحب مصر بمشايعة الفداوية مزية يخافه بها عدوه، لأنه يرسل منهم من يقتله ولا يبالى أن يقتل بعده، ومن بعثه السلطان إلى عدو له فجبن عن قتله قتله أهله إذا عاد إليهم، وإن هرب تبعوه وقتلوه». وبالقاهرة جامع منسوب إلى هذه الجماعة الإرهابية يسمى جامع الفداوية، ويقال إن الفداوى الإرهابى الخطير الذى كان يعتمد عليه بيبرس هو «شيحة» المدفون بدمياط.

стр. 2850

٦ - الزهد (١) والتصوف الشام-من قديم-بلد دين سماوى، بل دينين سماويين هما اليهودية والمسيحية، مما جعل لها تأثيرا بعيدا فى تاريخ العالم الروحى، إذ عملت بقوة على نقله من دور الوثنية إلى دور الديانات السماوية، وبدأ ذلك منذ أعتق الأزمنة ونقصد زمن إبراهيم الخليل ﵇ الذى آمن بوحدانية الله، وحاول أن يحمل عليها قومه، وتتابعت بعده الرسل تؤكد دعوته وتدعو إلى عبادة الله وإعلاء القيم الروحية، حتى إذا كانت المسيحية وأدخلت فيها مصر نظام الرهبنة والمعيشة الخالصة لتعبد الله والنسك فى الأديرة والصوامع عمّت هذه الروح فى الشام واعتزل كثيرون منه- فى أيام الرومان الظالمة-الحياة اليومية العاملة إلى الرهبنة. وتعتنق كثرة السكان فى الشام الدين الحنيف ويقبلون على تعاليمه وعبادة الله الواحد الأحد حق عبادته وعلى ما تدفع إليه من النسك والتقوى، مقتدين بمن نزل بينهم من جلّة الصحابة وبخاصة من أهل الصّفّة الذين كانوا يلازمون المسجد النبوى مقبلين على عبادة الله زاهدين فى الدنيا ومتاعها الزائل من أمثال بلال بن رباح مؤذن الرسول ﷺ وأبى عبيدة فاتح الشام مع خالد بن الوليد، وكان على غرارهما زهدا فى الدنيا معاذ بن جبل المتوفى مع أبى عبيدة فى سنة ١٨ للهجرة بطاعون عمواس، ويؤثر عنه أنه كان يقول حين نزل به القضاء: «مرحبا بالموت، مرحبا بزائر حبيب جاء على فاقة، اللهم إنك تعلم أنى كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، وإنى لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالرّكب عند حلقات الذكر».

стр. 2851

وعلى شاكلة معاذ فى الورع والتقوى من صحابة رسول الله ﷺ الذين هاجروا إلى الشام أبو الدرداء الأنصارى، وهو أحد حفظة القرآن الكريم لعهد الرسول وأول من تقلد القضاء بدمشق إلى أن توفى سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، وهو من أهل الصّفّة الأتقياء، ويروى الجاحظ عنه أنه كان يقول «نعم صومعة المؤمن منزل يكفّ فيه نفسه وبصره، وإياكم والجلوس فى الأسواق فإنها تلهى وتحمل على اللغو فى الكلام» ويروى عنه أيضا قوله: «أضحكنى ثلاث وأبكانى ثلاث: أضحكنى مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدرى ساخط ربه أم راض، وأبكانى هول المطّلع (١)، وانقطاع العمل، وموقفى بين يدى الله لا يدرى أيؤمر بى إلى الجنة أم إلى النار». وأخذ يتكاثر بعد جيل الصحابة فى الشام العباد والأتقياء ونلتقى بهم فى كل طائفة: فى القضاة والفقهاء والمحدّثين وقرّاء الذكر الحكيم. واتسع ذلك حتى شمل بعض الحكام على نحو ما هو معروف عن الخليفة عمر بن عبد العزيز وهو يمثل نموذج الحاكم المتقشف الزاهد الذى يخشى الله فى كل ما يصدر عنه من قول أو فعل، ومرّ بنا أنه رفع المكوس وضرائب السدود والمعابر عن الناس وأنه سوّى بين المسلمين الجدد من الموالى والمسلمين من العرب فحطّ عنهم-مثلهم الجزية-واكتفى بالزكاة. وكتب إليه أحد عماله: إن أهل الذمة قد أقبلوا على الإسلام حتى يتخلصوا من الجزية، فأجابه: إن الله بعث محمدا داعيا ولم يبعثه جابيا. ويفيض ابن سعد فى ترجمته له بطبقاته فى بيان زهده ورفضه لمتاع الجباة من رقيق يملكه ومن عطر يتطيب به. وعمل بكل جهده على نشر العدل فى دولته ورفع المظالم عن الناس. وكان يجهد نفسه فى النسك والتعبد حتى اصفرّ لونه ونحل جسمه، وأنكر منه بعض الزهاد ممن كانوا يلمون به ذلك فقال له: كيف بك لو رأيتنى فى قبرى وقد سالت الحدقتان-بعد ثلاث ليال-على وجنتى وتقلّصت الشفتان لكنت إذن أشد نكرا. وطبيعى أن يكون عمر من أسباب اتساع موجة الزهد فى الشام. ونكتفى بذكر بعض من تموج بهم كتب القراء والفقهاء والتاريخ من هؤلاء الزهاد العباد. من ذلك ما يقولونه عن شيبان الراعى المتوفى سنة ١٥٨ وكان من كبار الفقهاء الزهاد وكان من أكابر أهل دمشق وعكف على النسك، وبلغ به ذلك أن ترك الدنيا واتخذ له صومعة فى جبل لبنان فانقطع بها يتعبد الله. ونسمع كثيرا عن عباد انقطعوا بهذا الجبل مؤثرين الإقامة به للتعبد (٢)، ومنهم من كان يتعبد الله فى جبال أنطاكية والمصّيصة، ومنهم من يتخذ الصوامع، وظل ذلك متبعا حتى زمن ابن

стр. 2852

جبير (١). وكان منهم من لا يبعد عن دمشق إلى الجبال النائية مثل فهر بن جابر الطائى المتوفى عام ٢٢٠ فإنه لما بلغ الخمسين من عمره اعتزل الناس بجوار دمشق، وأخلص نفسه للتقوى والنسك، وله فى الزهد كتاب سماه: «العروج فى درج الكمال والخروج من درك الضلال». ونلتقى بمعاصره أبى سليمان الدارانى عبد الرحمن بن أحمد بن عطية المتوفى سنة ٢١٥ وفيه يقول ابن تغرى بردى: «كان من واسط وتحول إلى الشام ونزل قرية داريّا غربى دمشق، وكان إماما حافظا كبير الشأن فى علوم الحقائق والورع أثنى عليه الأئمة، وكان له الرياضات والسياحات، ويقول الهجويرى: «كان ريحانة القلوب، اختص بالرياضات الشديدة والمجاهدات الشاقة». وتسلكه كتب الصوفية، فى تراجمهم. ولم يكن التصوف حتى زمنه استقل عن الزهد بأحواله ومقاماته، فهو إلى أن يكون زاهدا أقرب منه إلى أن يكون متصوفا. وحمل عنه نزعته النسكية تلميذان أو مريدان، هما أحمد ابن عاصم الأنطاكى وابن أبى الحوارى الدمشقى، أما ابن عاصم فتوفى بعد أستاذه بخمس سنوات، ويسلكه المتصوفة بين أوائلهم ويقولون إنه كان يجمع بين الأصول والفروع فى الشريعة، وكان يقول: «أنفع الفقر ما كنت به متجملا وعنه راضيا» ويذكر بروكلمان له كتابا فى الزهد سماه «دواء القلوب ومعرفة همم النفس وآدابها» ويقول إن الغزالى ينقل عن هذا الكتاب كثيرا. وتلميذ الدارانى الثانى أو مريده ابن أبى الحوارىّ أحمد توفى سنة ٢٣٠ وكان من بيت زهد، فأبوه من الورعين وكذلك ابنه عبد الله، وذكر عند الجنيد متصوف بغداد فقال: «ريحانة الشام». وكان يعاصره الشيخ أبو عبيد وان عابدا تقيا صالحا توفى سنة ٢٣٨ وقد وهب نفسه للغزو وجهاد أعداء الله. ونلتقى فى طرسوس دار حرب الروم بالشيخ أبى الحارث الفيض بن الخضر الأولاسى المتوفى سنة ٢٩٧ وكان أحد الزهاد العباد وله إشارات ولسان حلو وأقوال عالية، وهو منسوب إلى أولاس فى نواحى طرسوس، وكان بها حصن يسمى حصن الزهاد، وكأنما اتخذوه رباطا لحرب أعداء الإسلام. وهو شاهد على ما قلناه مرارا فى كتاباتنا من أن زهادنا ومتصوفتنا كانوا دائما يرون من تمام تصوفهم وزهدهم أن يجاهدوا العدو ويرابطوا له فى الثغور، حتى إذا كان نفير الحرب تقدموا الصفوف يقتلون أعداء الدين الحنيف ويستشهدون. وكان يعاصر الأولاسى أحمد بن يحيى

стр. 2853

المعروف باسم ابن الجلاّء المتوفى سنة ٣٠٦ تلميذ ذى النون المصرى مؤسس التصوف الإسلامى كما سنذكر ذلك فى حديثنا بجزء مصر، وتلمذته لذى النون تجعله أول متصوف شامى بالمعنى الحقيقى. وكان ذو النون يجمع بين الشريعة وفروضها وبين الحقيقة الصوفية الروحية، فلا تعارض بين الشرع والتصوف، بل هما متلاحمان، وعنه أخذ ذلك ابن الجلاّء كما أخذ بقية مبادثه الصوفية من التوكل والحب الإلهى. ويقول ابن تغرى بردى إنه أحد مشايخ الصوفية الكبار، ويقول مريده وتلميذه الرّقّى محمد بن داود: «لقيت نيفا وثلاثمائة من المشايخ المشهورين، فما لقيت أحدا بين يدى الله وهو يعلم أنه بين يديه أهيب من ابن الجلاء». وعاش الرقى بعده فى الشام إذ توفى بعد سنة ٣٥٠. ومن مريديه وتلامذته فى الشام أبو عمرو الدمشقى المتوفى سنة ٣٢٠ وكان يقول: «التصوف رؤية الكون بعين النقص بل غض الطرف عن كل ناقص ليشاهد من هو منزه عن كل نقص» يريد تعلق التصوف بالرؤية الإلهية التى يغض فيها المتصوف بصره عن كل ما يشاهده فى الكون أملا فى أن يفنى فى الذات الربانية، وذكر مترجموه أن له كتابا فى الرد على القائلين بقدم الأرواح. ومن كبار المشايخ فى الشام أحمد بن عطاء الروذبارى المتوفى سنة ٣٦٩ وهو ابن أخت أبى على الروذبارىّ شيخ الصوفية فى الفسطاط، أما هو فكان شيخ الشام فى وقته، وكان ممن جمع بين الحقيقة وعلم الشريعة. ودخل الشام محمد بن خفيف الشيرازى شيخ المشايخ المتوفى سنة ٣٧١ ويحكى أنه: «دخل مدينة صور وهو جائع عطشان وفى وسطه خرقة المتصوفة، يقول: فدخلت المسجد، فإذا شابّان مستقبلا القبلة فسلمت عليهما فما أجابانى، فقلت: ناشدتكما الله إلا رددتما علىّ السلام، فرفع أحدهما رأسه من مرقّعته الصوفية فنظر إلىّ وردّ السلام وقال لى: يا بن خفيف الدنيا قليل وما بقى من القليل إلا قليل، فخذ من القليل الكثير، فذهب جوعى وعطشى ونصبى (تعبى) فلما كان وقت العصر قلت له: عظنى، فقال: يا بن خفيف: نحن أصحاب المصائب ليس لنا عظة. وربما كان أهم تلامذة أحمد بن عطاء الروذبارى ومريديه محمد بن إبراهيم السوسى شيخ الصوفية بدمشق المتوفى سنة ٣٨٦ وكان زاهدا عابدا ما عقد على درهم ولا دينار. وظل كثيرون من العباد والنساك يؤثرون جبال الشام ويقيمون بين ربوعها ويذكر المقدسى الجغرافى المتوفى حوالى سنة ٣٧٥ أنه لقى فى جبل الجولان شرقى الشام أبا إسحق البلوطى فى أربعين رجلا يقتاتون البلوط، يفلقونه ويطحنونه ويخلطونه بشعير برّىّ ويلبسون الصوف. وينبغى أن نذكر أن المتصوفة كانوا غالبا لا يستقرون فى أوطانهم، بل يرحلون سانحين للقاء مشايخ

стр. 2854

الصوفية، ومعنى ذلك أن الشام كانت تستقبل كثيرين منهم. وكان يحدث كثيرا أن يتخذوها دار مقام كما صنع الدارانى الواسطى وأحمد بن عطاء الروذبارى، وغيرهما كثيرون مثل الختلى نزيل الشام المتوفى سنة ٤٥٣ وهو أستاذ الهجويرى الغزنوى الأفغانى، وكانت أكثر إقامته بالديار الشامية. ومعنى ذلك أن الشام كانت دائما ساحة كبرى للنسك والتقوى والعبادة. وما نصل إلى سنة ٤٨٨ حتى ينزل الإمام الغزالى الطوسى الصوامع النائية فى مساجد بيت المقدس، وكانت قد انتابته أزمة روحية من الخلافات العنيفة بين الفرق والملل وحتى بين الفقهاء فى فروع الشريعة. وقد أوضحنا ذلك فى حديثنا عن الزهد والتصوف بإيران فى الجزء الخامس من تاريخ الأدب العربى وكيف أخذ يحمل على الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة، وحمل على فرقة الإسماعيلية الشيعية حملة عنيفة فى كتابه «فضائح الباطنية». وكان قد رأى فى موطنه ضعف الوازع الدينى عند طوائف الصوفية، وأن جماعات منهم كانت تسقط عن نفسها الفرائض الدينية، بينما كان منهم من يؤمن بالحلول والاتحاد بالله والفناء فيه. وكل ذلك أشعل بينهم وبين الفقهاء حربا شعواء، وأخذ الغزالى يفكر فى كل ذلك على هدى ما كتبه أبو نصر السراج والقشيرى فى رسالته، ورءى أنه لا بد من الوصل بين التصوف والشرع، فلا تصوف بدون الفرائض والنوافل ولا صلاة بدون عمل القلب والإخلاص وصدق السريرة، وأخذ يؤلف موسوعته الرائعة «إحياء علوم الدين» بقصد تنمية الجوانب الروحية فى الفرائض الشرعية وبيان الوسائل إلى ذلك بحيث تصل النفس إلى مبتغاها من محبة الله. وأتمّ الكتاب فى دمشق. واستقبلته استقبالا عظيما لأن متصوفتها لم يكونوا قد انحرفوا بتصوفهم إلى مزالقه التى وصفناها فى إيران، بل كانوا دائما يجمعون بين التصوف والشريعة، إلا من دفعته السياحة إلى ديارهم من متصوفة إيران. على كل حال كانت إقامة الغزالى بدمشق وبيت المقدس فاتحة التئام وثيق بين الفقهاء والمتصوفة، وزاد هذا الالتئام توثقا نزول حملة الصليب بديار الشام، ولعل ذلك ما جعل حكامها التابعين للدولة السلجوقية يأخذون فى العناية ببناء الخانقاهات للمتصوفة، من ذلك بناء دقاق بن تتش لخانقاه الطواويس بدمشق. ودعم هذا التصوف السنى عناية نور الدين ثم صلاح الدين وسلاطين الحكم الأيوبى ونساؤهم وأمراؤهم ببناء الخانقاهات والرّبط فى ديار الشام ووقف الرواتب والأموال التى تنفق على متصوفتها عن سعة. وقد عدّ ابن شداد فى الجزء المنشور من كتابه الأعلاق الخطيرة الخاص بدمشق خانقاهاتها وحدها فبلغت تسع عشرة وبالمثل عد رباطاتها فبلغت أيضا تسعة عشر رباطا. وكان لا يزال يخرج منها صفوف وجنود لجهاد حملة الصليب. وفى هذه

стр. 2855

الأثناء ظهرت ببغداد طريقة صوفية سنية هى الطريقة القادرية لمؤسسها الشيخ عبد القادر الجيلانى المتوفى سنة ٥٦١ واعتنقها كثيرون لا فى العراق وحدها بل أيضا فى الشام والبلدان العربية. وتبعها ظهور طريقة صوفية سنية ثانية هى الطريقة الرفاعية لمؤسسها الشيخ أحمد الرفاعى المتوفى سنة ٥٧٨ وانتظم فيها كثيرون فى العراق والشام وشاعت سريعا فى العالم العربى. ومعنى ذلك أن التصوف السنى الجامع بين علم الحقيقة أو علم التصوف وبين علم الشريعة أو علم الفقه وما يتصل به من السنة تداخلت عوامل كثيرة فى أن يكون هو التصوف الشائع فى الديار الشامية. وحاول التصوف الفلسفى القائم على أفكار الحلول والاتحاد بالله أن يتسرب إلى الشام عن طريق يحيى السهروردى الإيرانى، وكانت له فلسفة صوفية إشراقية ألممنا بها فى حديثنا عنه فى الفصل الرابع من قسم إيران، وذكرنا هناك بأنه كان يؤمن بأن النبوات لا تنقطع وأن الحكيم الصوفى من أمثاله أفضل من الأنبياء، وكفرّه فقهاء حلب وحملوا الملك الظاهر بن صلاح الدين على قتله، فقتله سنة ٥٨٧ للهجرة. وكان من أثر دخول الشعوذة على التصوف، وخاصة فى إيران، ظهور فرقة بدمشق سنة ٦١٩ تسمى القلندرية وهم أتباع قلندر يوسف، لا يتقشفون ولا يتنسّكون ولا يصلون سوى الفرائض، ويحلقون لحاهم وحواجبهم. وتسرّب ثانية إلى الشام جدول صوفى فلسفى زاخر على لسان محيى الدين بن عربى المولود بمرسية فى الأندلس سنة ٥٦٠ وقد تلقى تعاليمه فى إشبيلية وفارقها فى الثلاثين من عمره إلى المشرق لحج بيت الله الحرام. وظل فى مكة فترة ثم بارحها مطوّفا فى البلاد العربية ودخل الأناضول «وألقى عصاه بدمشق وبها توفى سنة ٦٣٨». وكان إماما فى التصوف الفلسفى القائل بوحدة الوجود وصنّف كثيرا من الكتب أهمها الفتوحات المكية والفصوص، وله غير ديوان، ومن أهم دواوينه ترجمان الأشواق، وكان شاعرا مبدعا كما كان كاتبا بارعا. وعلى الرغم من اتجاهه الفلسفى فى التصوف استطاع أن ينجو من العامة والفقهاء، فلم يحكموا عليه بالكفر أو الإلحاد كما حكموا على السهروردى، بل لقد وجد بينهم مريدين كثيرين مما هيأ فيما بعد لكى يظل التصوف الفلسفى-على قلة-حيّا بجانب التصوف السنى، وكانت عباراته فى كتاباته تحتمل ظاهرا وباطنا، ظاهرا مع السنة وباطنا مع التصوف الفلسفى، وجعل ظاهرها كثيرين يبرئونه من تهمة الإلحاد على نحو ما مر بنا فى مصر عند الشعرانى. وتعنى دولة المماليك بالخانقاهات والرّبط وزوايا المتصوفة، وترصد لها أموالا كثيرة، مما كان سببا فى ازدهار التصوف وازدياد طرقه بجانب طريقتى القادرية والرفاعية السالفتين، فشاعت فيه

стр. 2856

كما مر بنا آنفا الطريقة القلندرية. ودخلته الطريقة المولوية، ومؤسسها جلال الدين الرومى المتوفى سنة ٦٧٣ وتبع هذه الطريقة كثيرون. ونزل الشام عفيف الدين التلمسانى المتوفى سنة ٦٩٠ وكان صوفيا فلسفيا يؤمن بمذهب وحدة الوجود واحتمله فقهاء الشام فيما يبدو لحسن عشرته. ولعل فقيها لم يحمل على الصوفية كما حمل ابن تيمية الحنبلى المتوفى سنة ٧٢٨. وكان يحمل على أصحاب التصوف الفلسفى. وهذا طبيعى. وحمل أيضا على أصحاب التصوف السنى من أتباع الشيخ أحمد الرفاعى لما كانوا يأتون من أعمال شاذة كنفوذهم من النار المضطرمة، وأكلهم الحيات وهى حية، ولبسهم أطواق الحديد الثقيلة فى أيديهم، ولفهم شعورهم وتلبيدها. وثار عليهم ثورة عنيفة بدمشق واجتمع الناس إليه، فذهب بهم إلى نائب السلطان وعرّفه ما تصنعه هذه الطائفة من بدع عجيبة، فأمرهم بالكف عنها. أما أصحاب التصوف الفلسفى وما يتصل به من القول بالحلول ووحدة الوجود فقد أشعل ابن تيمية ضدهم نارا حامية ظل يذكيها بوقود جزل يزيدها لهبا واضطراما، واصطلى النار الباجريقى محمد بن عبد الرحمن، وكان قد تزهد وتصوف فصحبه جماعة من الأراذل، فهوّن لهم أمر الشرائع وأراهم بوارق شيطانية، وكان يقول لهم: إن الرسل طوّلت على الأمم الطريق إلى الله تعالى» وزعم أنه وصل فى سلوكه إلى السماء الرابعة، وحكم عليه بإراقة دمه فاختفى إلى أن مات سنة ٧٢٤. ودعا إلى مقالاته بعده متصوف من متصوفة خانقاه السميساطية بدمشق يسمى عثمان بن عبد الله الدّوكالى، وشاع أمره فقبض عليه، وكان ممن شهد عليه فقيهان كبيران هما المزّىّ والذهبى، فحكم عليه بالقتل سنة ٧٤١. وشاعت فى الشام لأواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الهجرى الطريقة النقشبندية، ومؤسسها محمد النقشبندى المتوفى سنة ٧٩١. وأخذت تشيع معها لأواخر زمن المماليك الطريقة البكتاشية التى تدين بالنظريات الحلولية ولا تقيم وزنا للسنن والفرائض الدينية وتقدس عليا والأئمة من بعده. ومنذ القرن الثامن الهجرى نحس بوضوح أن العامة تخضع لمشايخ الطرق الصوفية بأكثر مما تخضع للفقهاء وعلماء الدين ربما بسبب خضوعهم للحكام بخلاف مشايخ الطرق الصوفية فإنه لم يكن لهم أى تعلق بالدنيا وكانوا يكتفون بما يجرى على خانقاهاتهم من أموال ولم يكن الشيخ يمدّ يده للحاكم يأخذ منه مالا. وكانوا كثيرا ما يحملون على الحكام إذا رأوهم انحرفوا عن الطريق السّوىّ. وتحول كثير من أتباعهم إلى دراويش يطوفون فى العالم الإسلامى، وكان لهم أثر غير قليل فى حفاظ العامة على الروح الإسلامية. ونمضى إلى زمن العثمانيين فتنشط الطرق الصوفية لاهتمامهم بها ورعايتهم لها، وتشيع معها

стр. 2857

الطريقة الخلوتية، ويعظم أمر الدراويش ويكثرون فى العالم الإسلامى. ومما لا شك فيه أنه كانت تكثر الطرق الصوفية المخلصة التى تعنى بالنسك والعبادة، وإن كان من الحق أنه أساء إلى هذه الطرق الدراويش المتسولون الذين كانوا يتكففون الناس. وهم دراويش رحّل كانوا يعيشون معيشة مطلقة، وقد يتحللون فيها من الفرائض الشرعية. وبدون ريب كان بينهم من يتخذ الدروشة خداعا للناس ووسيلة إلى البطالة. ومع ذلك لا نعدم أن نجد من حين إلى حين صوفيا حقيقيا يحاول النفوذ إلى معرفة أسرار الكون وخفاياه والتخلص من عالم الحس المادى للفناء فى عالم الحقيقة والحب الإلهى، على نحو ما نجد عند عبد الغنى النابلسى المتوفى سنة ١١٤٣ للهجرة وقد تقلب بين الطرق الصوفية وعكف على دراسة أئمة التصوف الفلسفى وغير الفلسفى، ولقى كثيرا من شيوخ الصوفية فى لبنان وفلسطين ومدن الشام والحجاز ومصر، وكان شاعرا كما كان ناثرا.

стр. 2858

الفصل الثّانى الثقافة ١ - الحركة العلمية ظهرت الشام على مسرح الحضارة العالمية منذ أواخر الألف الرابعة قبل الميلاد، وهيأها لذلك موقعها بين حضارتى وادى النيل ووادى دجلة والفرات، مما جعلها تنتقل سريعا من عالم البداوة والرعى إلى عالم الزراعة والاستقرار، وكان مما أسرع بها إلى هذه الغاية وقوعها فى مفترق طريق العالم على الحافة الشرقية للبحر المتوسط، مما أتاح لها أن تكون دولة بحرية على الأقل فى شواطئها فتشارك فى الملاحة والتجارة على نحو ما هو معروف عن الفينيقيين وإتقانهم لفنى التجارة والملاحة، وقد استطاعوا أن يشتقوا من حلل الحروف الهيروغليفية المصرية أبجدية لهم، هى أم الأبجديتين اليونانية والرومانية اللاتينية. وقد أخذت الشام تعيش عصرا هيلينيا منذ دخلها الإسكندر المقدونى، ومضت تتعمق الثقافة الهيلينية فى زمن خلفائه السلوقيين اليونانيين وزمن الرومان، واستطاع كثيرون من أهلها أن يتقنوا اليونانية وأن يسهموا فى تراث اليونان الفكرى والأدبى، وبخاصة سكان الثغور من غزة جنوبا إلى أنطاكية شمالا. ولمعت أسماء كثيرين من أبناء هذه الثغور فى مجال المشاركة الفلسفية وبخاصة فى صور وصيداء، سماهم وتحدث عن نشاطهم الفكرى فيليب حتى وخاصة فى مجال الفلسفة الرواقية والأفلاطونية الحديثة، إذ ذكر أنه كان فى بيروت مدرسة تعنى بدراسة القانون الرومانى منذ أوائل القرن الثالث الميلادى، ويستظهر أن تكون اللاتينية لغة التعليم بتلك المدرسة، وإن كانت قد عادت مع أوائل القرن الخامس وسيطرة القسطنطينية عليها إلى اللغة اليونانية. وبالمثل شارك أبناء الثغور الشامية فى الأدب اليونانى ولمع فى صيداء اسم غير شاعر كان ينظم باليونانية. وكل ذلك كان يصل الشام فكريا وفلسفيا وأدبيا ولغويا بالثقافة اليونانية، وإذا كانت قد اشتقت أبجديتها من الأبجدية الفرعونية، فإن مصر أثرت فيها تأثيرا بعيدا فى عصرها المسيحى، إذ

стр. 2859

أخذت عنها الرهبنة التى أسسها أحد قساوستها فى أواسط القرن الرابع للميلاد، وكانت أول بلدة شامية استجابت إليها غزّة لقربها من مصر، ومنها انتقلت إلى كل بلدان الشام حتى أنطاكية، وكانت طوال العصر الهيلينى تعدّ ثالثة المدن فى الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية والإسكندرية. ومما يدل بوضوح على مدى تأثير الهيلينية فى الشام أن نراها تتعمق باديتها أيام الرومان إلى دولة تدمر النبطية حين بلغت الذروة الطامحة إليها فى عهد أذينة. وحين خلفته فى الحكم أرملته زنوبيا اتخذت لونجينوس الذى علمها اليونانية مستشارا لها، ويظن أنه كان حمصى الموطن، وقد أعدمه الرومان بعد قضائهم على زنوبيا سنة ٢٧٣ م. وهو يوضع فى سلسلة النقاد المتأخرين من اليونان لما خلف من أفكار نقدية وبلاغية كثيرة. وكل ذلك معناه أن الشام حين فتحها المسلمون كان بها تراث يونانى ومسيحى (١) يعدها للمشاركة سريعا فى نشاطها العلمى والأدبى بمجرد دخول الإسلام فى ربوعها الذى كان يدفع أتباعه دفعا إلى التزود بالعلم والمعرفة. وقد دخل أهل الشام فى دين الله أفواجا، وكان من حولهم الصحابة الفاتحون لديارهم، وعنى كثيرون منهم بإقراء من أسلموا القرآن وعرض أحاديث الرسول عليهم، حتى يفقهوا فقها حسنا تعاليم دينهم الحنيف. وكانوا ما يزالون يفتونهم فى المسائل حتى يتبينوا الحلال فيتبعوه والحرام فينبذوه. وكان من حسن حظ أهل دمشق خاصة أن نزل بين ظهرانيهم أبو الدرداء أحد حفظة القرآن لعهد الرسول ﷺ ، كما مر بنا، وكان أول من تقلد القضاء بدمشق حتى توفى، وحبس وقت فراغه على إقراء الناس القرآن، وقد بلغ من أقرأهم ألفا وستمائة ونيفا، وكان يجعلهم عشرة عشرة وعلى كل عشرة عريف مقرئ، وكان يقف فى محراب الجامع يراقبهم ويرمقهم ببصره. وإذا غلط واحد من أى عشرة رجع إلى عريفه، وإذا شك العريف فى شئ رجع إلى أبى الدرداء، وأيضا يرجع إليه كل قارئ من العشرة إذا أحكم قراءة القرآن واستظهره جيدا (٢). وهذا العدد الضخم من حفظة القرآن فى دمشق لأول عهدها بالإسلام يوضح مدى إقبال أهلها على العلم بالإسلام، وكان هناك كثيرون يفسرون لهم آيات منه كما كان هناك كثيرون يفتونهم، ونهض بذلك من نزل ديارهم من الصحابة واتخذوها موطنا، ثم

стр. 2860

من حملوا عنهم علمهم من التابعين. وأصبحت دمشق سريعا حاضرة الخلافة الإسلامية منذ وليها معاوية، وطبيعى أن يعنى الأمويون بمن يفقّه الناس فى شئون دينهم، ومن يروى لهم حديث الرسول ﷺ من كبار الحفاظ، ومن يفسر لهم بعض آى الذكر الحكيم، ومن يعظهم ويبلغ تأثير وعظه شغاف قلوبهم. وكان هناك القضاة الذين يحكمون بين الناس بالحق، ويفتونهم فيما يجدّ من شئونهم. ومعروف أمر عمر بن عبد العزيز لواليه على المدينة أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنته أو نحو هذا فاكتبه لى، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وكتب بمثل ذلك إلى الآفاق، وتوفى سريعا قبل تمامه. وكان أول من صدر عن هذه الرغبة العظيمة ابن شهاب الزهرى المتوفى سنة ١٢٤ للهجرة. وتدوينه للحديث أول تدوين عام له، وأخذ تدوينه بعده يتسع فى الشام وغير الشام. وسجلت الشام مبكرة سبقا فى قراءة القرآن وإتقانها، فإن عريفا ممن كانوا يقومون على عشرة من حفظة القرآن بين يدى أبى الدرداء هو عبد الله بن عامر المتوفى سنة ١١٨ للهجرة استطاع أن يبلغ من إحكام قراءة الذكر الحكيم أن يكون له قراءة مستقلة، وأن يكون أحد القراء السبعة المشهورين فى الأمصار الإسلامية لزمنه وبعد زمنه. وما نلبث بأخرة من العصر الأموى وأوائل زمن الولاة فى العصر أن نلتقى بفقيه مجتهد، وبلغ من اجتهاده أن أصبح إماما فى الفقه وصاحب مذهب مستقل هو الأوزاعى أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو المتوفى سنة ١٥٧ ببيروت مسقط رأسه. ومعنى ذلك أن الحركة العلمية التى بعثها الأمويون فى الشام وقاموا عليها بما كانوا ينفقون على علماء الدين فى كل بلد شامى من أموال آتت ثمارها، فإذا الشام يصبح لها إمام فقيه يتدارس الفقهاء فقهه وكتبه فى الأجيال التالية، وكذلك يصبح لها قارئ من القراء السبعة يقرأ أهل الشام بقراءته حقبا متعاقبة. ونشطت الدولة الأموية لترجمة علوم الأوائل اليونانية وبعض الرسائل الأدبية الفارسية، وسنلمّ بذلك فى غير هذا الموضع، إنما نهتم الآن بمتابعة الحركة العلمية الدينية واللغوية، ودائما توجد مع العناية بالقراءات عناية واسعة باللغة والنحو ويقوم عليهما مؤدبون، يعلمون الناس العربية فى المساجد حتى لا يخطئوا فى تلاوة الذكر الحكيم. ولم يقصّر الخلفاء وأمراء البيت الأموى فى تأديب أبنائهم وإحضار المعلمين لهم، وفى كتب الأدب لهم وصايا لمؤدبى أبنائهم وكيف يهذبونهم ويقوّمون ألسنتهم. وكانوا ابتغاء دربتهم على العربية والنطق الفصيح يرسلون أحيانا بهم

стр. 2861

إلى البادية، حتى يتزودوا باللغة من ينابيعها الأصلية، وكان الوليد بن عبد الملك يلحن أحيانا، ولا حظ ذلك أبوه فقال: «أضرّ بالوليد حبّنا له فلم نوجّهه إلى البادية» (١). وظل هذا النشاط فى تعلم اللغة بجانب النشاط فى تعلم الدراسات الدينية، وأخذت تتوالى طبقات فى زمن الولاة العباسيين تجعل همها التعليم فى المدن وأيضا فى القرى، والدولة لا تقصّر، بل دائما تجرى عليهم الرواتب، مما دفع إلى ظهور علماء فى كل فرع من فروع الدراسات الدينية واللغوية. ويظلّ الشام عهد الطولونيين ثم عهد الإخشيديين وتزيد إدرارات الرواتب على العلماء ويطّرد النشاط العلمى فى الشام. واهتم معاوية أول خليفة أموى بأخبار الأمم القديمة، واستقدم لذلك من اليمن عبيد بن شريّة الجرهمى، وجعلها عبيد موضوعا لسمره وأحاديث معه، وجمع كثيرا من هذه الأحاديث فى كتاب له سماه «كتاب الملوك وأخبار الماضين»، طبع له فى حيدرآباد مع كتاب التيجان فى ملوك حمير ويلقانا منذ القرن الرابع للهجرة مؤرخون مختلفون فى الشام، على نحو ما سيتضح ذلك فى نهاية الفصل. . وجدير بنا أن نقف قليلا عند حركة علمية وأدبية باهرة دفع إليها سيف الدولة الحمدانى (٣٣٣ - ٣٥٦ هـ) حين أظلّ لواءه حلب وإقليمها ومادان لحكمه من أنطاكية وحماة وغيرهما من بلاد الشام، ومر بنا حديث عن بطولته الخارقة وكيف كان يقف درعا، بل سدّا منيعا للبلاد العربية أمام البيزنطيين وكيف نكّل بهم وبجموعهم مرارا وتكرارا. وبجانب هذه البطولة الخارقة كان راعيا عظيما للعلوم والآداب والفنون فى زمنه، مما جعل حلب عاصمته تصبح كعبة للقصاد من الفلاسفة أمثال الفارابى المعلم الثانى أكبر فلاسفة المسلمين حتى أيامه، ومن اللغويين والنحاة أمثال أبى على الفارسى وابن جنى وابن خالويه. وسنراه عما قليل يرعى علماء الطب وأفذاذه، كما يرعى بعض المنجمين. أما الشعراء فلم يجتمع بباب أحد من الأمراء-بعد الخلفاء-ما اجتمع ببابه كما يقول الثعالبى، وقد أفرد له ولشعرائه فصولا طويلة فى الجزء الأول من كتابه اليتيمة أمثال النامى والببغاء والوأواء الدمشقى والخالديين والسّرىّ الرّفاء وكشاجم وابن نباتة السعدى. ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق شاعر فى الشام والعراق وإيران إلا قدم إليه مدائحه، ويكفى أنه نزل عنده لمدة

стр. 2862

تسع سنوات أعظم كوكب فى سماء الشعر العربى لزمنه: المتنبى الذى ملأ الدنيا بوصفه لبطولته وملاحمه مع الروم. وتحكم الدولة الفاطمية الشام نحو قرن، وفى أثنائه يتقلص حكمها عن حلب إذ لم تكد تستقر فى يدها لأوائل القرن الخامس الهجرى حتى استولى عليها بنو مرداس كما مر بنا فى الفصل الماضى، ولا يبقى معها فى العقد السابع من هذا القرن سوى صور وجنوبيها على شاطئ البحر المتوسط حتى غزة. ومن يرجع إلى كتب التراجم فى تلك الفترة يجد هناك كثيرا من طبقات العلماء من محدثين وفقهاء وقراء ومفسرين ونحاة. وليس بين أيدينا نصوص توضح مدى الرواتب والأموال التى كان يبذلها الفاطميون ونوابهم وولاتهم لعلماء الشام. ولكن يكفى أن تكون الشام أنتجت فى هذه الحقب أبا العلاء أكبر مفكر متفلسف إسلامى. وأكبر من تحمل مؤلفاته وأشعاره كل فروع الثقافة لزمنه، يكفى ذلك للدلالة على ما كانت تحظى به الحركة العلمية والفلسفية والشعرية من خصب وازدهار رائع. وقد استقل بنو مرداس بحلب، ويصور ابن العديم فى كتابه زبدة الحلب من تاريخ حلب رعايتهم للشعر والشعراء، وكان الشعر فيها لا يزال حيّا ناشطا منذ سيف الدولة، على الأقل من حيث استقبال الشعراء وبذل العطاء لهم. وكان جلال الملك ابن عمار قاضى طرابلس استقل بها لسنة ٤٧٠ وحاول أن يحدث بها حركة علمية شبيهة بما أحدث الفاطميون من دار العلم لعهد خليفتهم الحاكم، فأنشأ بها دارا سماها بنفس الاسم، وجعلها على غرارها فى تنوع الدراسات بها وفى جلب الكتب الكثيرة إليها (١)، وكان من الممكن أن تحدث هذه الدار نشاطا علميا واسعا فى الشام، غير أن حملة الصليب سرعان ما قدموا واستولوا على طرابلس سنة ٥٠٢ وأقاموا فيها إحدى إمارتهم، وبذلك وئدت حركتها العلمية وهى لا تزال ناشئة فى المهد. ويدخل أكثر الشام فى حكم السلاجقة كما مر بنا فى غير هذا الموضع، وكان وزيرهم نظام الملك المتوفى سنة ٤٨٥ رأى أن ينشئ مجموعة من المدارس فى المدن الكبيرة لدولتهم فى إيران والعراق لمحاربة النحلة الإسماعيلية ونشر المذهب الشافعى والعقيدة الأشعرية الكلامية، وعرفت كل مدرسة من هذه المدارس باسم المدرسة النظامية. وكان السلاجقة كلما دان لهم بلد لم يلبثوا أن أسّسوا فيه مدرسة، وظلت المساجد بجانب مدارسهم ساحات كبيرة للعلم والمعرفة، وهو ما جعل العلم العربى بجميع فروعه شعبيّا، فكل فرد من أفراد الشعب يحق له أن يجلس إلى أى حلقة من

стр. 2863

حلقات الشيوخ، أما إذا انتظم فى مدرسة فإنه كان يأخذ راتبا معينا يكفل له الحياة. وكان السلاجقة يفسحون فى بناء المدارس لقوادهم ولذوى الثراء. وأول مدرسة بنيت فى دمشق المدرسة الصادرية (١) بناها شجاع الدولة صادر بن عبد الله لدراسة الفقه الحنفى سنة ٤٩١. وفى سنة ٥١٤ بنى أتابك العساكر الملقب بأمين الدولة أول مدرسة (٢) للشافعية، ثم بنيت للأحناف المدرسة الطرخانية سنة ٥٢٥ وبعدها بقليل بنيت لهم المدرسة البلخية. وبنيت فى هذه الأثناء أول مدرسة بحلب سنة ٥١٦ وهى المدرسة الزجاجية بناها حاكمها الأرتقى بدر الدولة أبو الربيع سليمان ويظلّ الشام لواء الزنكّيين عماد الدين ونور الدين محمود وخليفته صلاح الدين ثم الأيوبيين، وتتنفس الصعداء، فبالرغم من أن هؤلاء الحكام كانوا فى شغل مستمر بحروب حملة الصليب وهدم قلاعهم وحصونهم كانوا يبنون ويؤسسون المدارس لفقهاء المذاهب الأربعة، ومضى على منوالهم المماليك بحيث تزدهر فى الشام نهضة علمية رائعة. وكان يوقف على كل مدرسة أوقاف دارّة تكفل للمدرسين والمعيدين رواتب مجزية. وكان يلحق بالمدرسة مبان للطلاب، يقدّم لهم فيها الغذاء، ويقيمون فيها للراحة والنوم. وكانت تلحق أيضا بالمدرسة خزانة كتب يختلف إليها الطلاب للقراءة والبحث، وكان يقدّم إليهم الورق وأدوات الكتابة. ويذكر ابن جبير فى رحلته لسنة ٥٧٨ أنه رأى بدمشق عشرين مدرسة وبحلب خمس مدارس يقول: «ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين، وبها قبره نوّره الله، وهى قصر من القصور الأنيقة» بناها سنة ٥٦٣ لأصحاب الفقة الحنفى. وقد أخذت المدارس تتكاثر كثرة مفرطة فى دمشق وحلب وغيرهما من بلدان الشام. ولم يقف تشييدها عند السلاطين الأيوبيين، فقد اشترك معهم فيها نساؤهم وقوادهم والأمراء من بينهم خاصة حكام البلدان الشامية، كما اشترك بعض ذوى اليسار. وقد عدّ ابن الشحنة منها فى كتابه الدر المنتخب فى مدارس حلب نحو خمسين مدرسة فى بلدة شامية واحدة أسست بين سنتى ٥١٦ و ٥٦٥ وجاء بعده ابن شداد، فعد لدمشق فى سنة ٦٨٠ وهى سنة تأليفه للأعلاق الخطيرة أربعة وثلاثين مدرسة حنفية وأربعين مدرسة شافعية وثلاثة مالكية وعشرة حنبلية. ويعكس هذا العدد حقيقة كبرى هى مدى شيوع هذه المذاهب فى الشام فأكثرها انتشارا

стр. 2864

فيه المذهب الشافعى ثم المذهب الحنفى ثم المذهب الحنبلى ثم المذهب المالكى. ولم يبن للمذهبين الأخيرين مدارس إلا فى عهد الأيوبيين منذ صلاح الدين. وكان بيت المقدس يكتظ هو الآخر بمدارس المذاهب الأربعة، وعلى شاكلته كثير من مدن الشام الكبرى، وفى ذلك يقول ابن خلكان عن نور الدين محمود إنه «بنى المدارس بجميع بلاد الشام الكبار مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج» (١). وبجانب مدارس المذاهب الفقهية عنوا بتأسيس مدارس الحديث النبوى، من ذلك دار الحديث النورية التى أسسها نور الدين محمود بدمشق، وولّى مشيختها الحافظ المؤرخ الكبير ابن عساكر. وبنى الأشرف موسى الأيوبى صاحب دمشق دار حديث بها ثانية سنة ٦٣٠ وألحق بها خزانة كتب ومسكنا لشيخها، ووقف عليها أوقافا كافية، وأسند مشيختها إلى ابن الصلاح الحافظ المحدث المشهور، وفيما بعد أسندت إلى الإمام الشافعى: النووى. وبدون ريب بعثت هذه المدارس الكثيرة كثرة مفرطة بالشام نهضة علمية باهرة، فكثر العلماء فى كل علم حتى ليروى العماد الكاتب فى كتابه «الفتح القدسى» أنه وزّع فى إحدى المناسبات على علماء دمشق ستمائة دينار فخصّ كل عالم دينار واحد (٢)، أى أنه كان بها حينئذ ستمائة عالم غير من لم يشملهم التوزيع ومن لم يحضروه. وما بالنا إذن بما كان ينفقه نور الدين بل صلاح الدين بعده على العلماء والمدارس، لا بد أنه كان يبلغ مئات الألوف من الدنانير. وساعد على هذه النهضة نور الدين وصلاح الدين وسلاطين أسرته: ويروى ابن خلكان فى ترجمة نور الدين إنه كان لا يزال يحتاج إلى الأموال الكثيرة فى حربه لحملة الصليب فقال له بعض أصحابه إن فى بلادك إدرارات وصدقات وصلات كثيرة على قراء الذكر الحكيم والفقهاء والصوفية، ولو استعنت بها لكانت أصلح، فغضب من ذلك غضبا شديدا وزجر صاحبه زجرا عنيفا. وكان صلاح الدين على شاكلته فى العناية بالفقهاء والقراء والصوفية، وكان يختلس من أوقاته ما يعطيه الفرصة لحضور مجالس العلماء مهما بعدت الشقة كما حدث فى ذهابه إلى الإسكندرية للاختلاف إلى حلقة السّلفى الحافظ المشهور (٣) واشتهر المعظم عيسى صاحب دمشق بتعمقه فى الفقه وأنه ألف فيه كتابا وأيضا

стр. 2865

فإنه كان يتعمق فى دراسة النحو (١). فسلاطين بنى أيوب كانوا مثقفين (٢)، ولذلك حاولوا أن يدفعوا الحركة العلمية إلى الذروة. ويعدّ صاحب الأعلاق الخطيرة لدمشق نحو ثلاثمائة مسجد غير الزوايا والخانقاهات، وكثير منها كانت تلقى فيه المحاضرات والدروس. وظل هذا الحشد الهائل من الخانقاهات والمساجد والمدارس فى زمن المماليك وأخذوا يضيفون كثيرا من الخانقاهات ومدارس الفقهاء وغيرهم من علماء الدين والعربية. وحقا كانت كثرة المماليك غير مثقفين، وهم من هذه الناحية يختلفون عن سلاطين بنى أيوب، ومع ذلك عنوا عناية واسعة بالثقافة وبناء المدارس والمساجد والخانقاهات والإنفاق عليها عن سعة، على أنه عرف بعض متأخريهم بمدارسة العلم ورعاية العلماء والأدباء مثل السلاطين: برقوق والمؤيد شيخ وقايتباى والغورى. ومعنى ذلك أن الحركة العلمية ظلت مزدهرة طوال أيام المماليك، غير أنه يلاحظ أن نفوذ الفقهاء ازداد فى هذا العصر وازداد معه نفوذ المتصوفة وشاع معه الاعتقاد فى كراماتهم والمبالغة فى ذلك، وبدون ريب كان بينهم كثيرون أجلاء على معرفة وفقه بصير بالشرع، ولكن كان بينهم دخلاء مشعوذون جعلوا العامة يتعلقون بالأولياء، ومنحوهم علم الغيب والقدرة على إنفاذ ما يريده المتوسلون بهم. ويقف المستشرقون عندما نزل بابن (٣) تيمية من محن، ويحاولون أن يتخذوا من ذلك دليلا على جمود الفكر الدينى حينئذ غير ملاحظين أن ابن تيمية نفسه كان إماما حنبليا يدين بمذهب ابن حنبل وهو أكثر المذاهب سلفية. ومع ذلك كان من أكثر فقهاء عصره تحررا فكريّا، وقد حارب الصوفية فى منازعهم الفلسفية وكل ما قالوا به فى الحلول ووحدة الوجود، وحارب الشيعة الإسماعيلية وما يزعمون لأئمتهم من العصمة وتمثيل العقل الكلى وما يتصل به من تجسد الإله

стр. 2866

فى الخليفة، وخصهم بكتابه عن الباطنية. وجعله تحرره الفكرى يفتح باب الاجتهاد على مصاريعه ويفتى فتاوى حرة فى كثير من مسائل الشرع. وجلب عليه ذلك سخط فئات كثيرة وخاصة من الفقهاء وعلماء الكلام الأشعرية، إذ شملتهم هجماته. وهى هجمات صريحة جريئة ألبت عليه كثيرين من الخصوم فى بيئات مختلفة، وبدأ ذلك بوضوح منذ سنة ٦٩٨ إذ جاءه سؤال من حماة عما فى القرآن الكريم من آيات قد تفيد التشبيه على الذات العلية إذا فهمت على ظاهرها مثل: ﴿(الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى)﴾ و ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ومذهب المعتزلة والأشعرية تأويل مثل هذه الآيات، وأن المراد فى الآية الاستيلاء على العرش، ومعنى كلمة يد فى الآية الثانية القدرة. ومذهب الحنابلة، وهو ما أجاب به ابن تيمية فى رسالة مستقلة: أن واجبا أن نؤمن بما جاء فى القرآن من هذه الصفات دون كيفية ودون تشبيه بالمخلوقات وأيضا دون تأويلها فوق طاقة الإنسان. وسرعان ما اتهمه الفقهاء الأشاعرة بأنه يرى فى الذات العلية رأى المجسمة أو المشبهة، ورفعوا أمره إلى قاضى القضاة بدمشق فبرّأه من التهمة. ونجاه الله من هذه المحنة. ثم كانت التهمة الثانية لابن تيمية فى سنة ٧٠٥ بسب حملته على الطريقة الصوفية الرفاعية وما يموّه به أصحابها على الناس من النفوذ من النار وغير ذلك من كرامات يدّعونها، وشكوه إلى نائب السلطنة بدمشق، فأمرهم النائب أن يكفوا عن حيلهم وخداعهم للناس كما مر بنا. وفى نفس السنة طلب إلى القاهرة لمناظرة علمائها واجتمعوا له-وخاصة فقهاء الشافعية الأشاعرة- وأخذوا يناقشونه فى إثبات الصفات على الله حسب ظاهرها القرآنى، فالله استوى-كما يقول- حقيقة على العرش ونحو ذلك. وجادلهم ابن تيمية طويلا موضحا رأيه فى الإيمان بهذه الصفات دون كيفية ودون إثبات تجسيد على الله، غير أنهم حكموا عليه بالسجن وظل فيه عاما وبضعة أشهر. ولبث فى القاهرة يعلّم ويعظ، وسرعان ما أوقع به خصومه بدعوى حملته على أصحاب المنزع الفلسفى فى التصوف القائلين بالحلول ووحدة الوجود. وسجن بالإسكندرية، حتى إذا رقى عرش مصر الناصر بن قلاوون سنة ٧٠٩ ردّ إليه حريته وأكرمه إكراما عظيما. وفى سنة ٧١٢ عاد إلى دمشق وتفرغ للتأليف والإفتاء، حتى إذا كانت سنة ٧١٨ وأفتى أن الحلف بالطلاق كالحلف بالله يكفّر عنه وأن الطلاق بالثلاث يعدّ طلقة واحدة. حينئذ ثارت ثائرة الفقهاء، حتى أجبروا السلطان على منعه من الفتوى بذلك، وصدع السلطان لمشيئتهم. غير أنه عاد إلى الإفتاء بما ذكرنا فى سنة ٧٢٠ وعقد بدمشق مجلس لمحاكمته، وسجن ولبث فى السجن خمسة أشهر وأياما ثم ردّت إليه حريته. حتى إذا كانت سنة ٧٢٦ أفتى بأن الرحلة إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين

стр. 2867

معصية من أشد المعاصى، فاعتقل بسبب هذه الفتوى وجعل فى قاعة حسنة بقلعة دمشق وأقام بها مشغولا بالتصنيف والتأليف، وبأخرة من أيام سجنه منع من الأوراق والدواة والقلم، ولم يلبث أن توفى سنة ٧٢٨. وواضح أن محنة ابن تيمية وسجنه لم يكونا بسبب اجتهاده فى مسائل الشرع وإنما بسبب تعرضه لمسألة عقيدية تتصل بصفات الله وأخرى تتصل بزيارة قبور الأنبياء والأولياء. وكان فى الصفات يأخذ برأى السلف ويترك رأى الأشاعرة والمعتزلة أى أنه لم يكن اجتهادا منه، أما مسألة الاجتهاد فى الشرع فقد تركها العلماء له. ولسنا بصدد إحصاء آرائه الفقهية الجديدة. إنما حسبنا أن نشير إليها وأن نتخذ منها دليلا-كما مر بنا آنفا-على أن باب الاجتهاد ظل مفتوحا على مصاريعه طوال زمن المماليك حتى بين الحنابلة. واشتهر فى كل مذهب فقهى مجتهدون جدد مثل النووى فى المذهب الشافعى. ونفس آراء ابن تيمية ظلت حية عاملة بعده إلى أن استمدت منها الحركة الوهابية بواعثها بعد أربعمائة من السنين. وإذا كان قد تورط بعض فقهاء الشافعية فى محاكمته بدمشق والقاهرة فإن ابن تغرى بردى يذكر أن كبيرهم فى دمشق ابن الزّملكانى ونظيره فى مصر ابن دقيق العيد أثنيا عليه ثناء عطرا وينقل عن ابن الزملكانى قوله عنه: «العلامة الأوحد الحافظ المجتهد الزاهد العابد القدوة إمام الأئمة، وقدوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين. . محيى السنّة ومن عظمت به لله علينا المنّة». وعلى هذا النحو كانت الحياة العلمية نشطة مزدهرة فى زمن المماليك، وكانوا يشجعون العلماء والأدباء، وطالما اقترحوا على بعض المؤلفين تأليف هذا الكتاب أو ذاك، وكانت البلاد دارّة وقضاتها على المذاهب الأربعة يحكمون بين الناس بالعدل. فلما أطل لواء العثمانيين الشام أصابها ما أصاب مصر من انتكاس الحركتين العلمية والأدبية، ومع ذلك ظلت جذوة منهما متقدة فى بعض المدارس والجوامع وبخاصة فى الجامع الأموى بدمشق، إذ ظلت فيه حلقات التدريس. ومرّ بنا أن الحكم العثمانى بالشام أخذ يسوء سوءا شديدا، وأخذت المظالم فيه تزداد والضرائب تتضاعف، وكان لذلك أثره فى تدهور الحركتين العلمية والأدبية. وألغى العثمانيون نظام قضاة المذاهب الأربعة الذى وضعه الظاهر بيبرس وظل قائما طوال أيام المماليك، حتى إذا حكموا البلاد استعاضوا عن هؤلاء القضاة بقاض عام واحد هو قاضى العسكر، وألغوا استخدام العربية فى دواوين الولاية، واستخدموا مكانها التركية، وكان لذلك تأثيره على الكتابة والكتاب، فلم تعد تكتب رسائل ديوانية ولا مناشير وتقاليد بالعربية، غير أن العربية كانت لغة الدين الحنيف، فظلت

стр. 2868

حية فى ديار الشام هى والعلوم الدينية، وأيضا العلوم اللغوية، حتى ليلقانا من حين إلى حين نابغون فى الدراسات الدينية وفى الشعر والنقد والتصوف والتاريخ. ٢ - علوم الأوائل-علم الجغرافيا (ا) علوم الأوائل مرّ بنا-فى فاتحة الفصل-أن الشام شاركت فى التراث اليونانى منذ انتشرت فيها الثقافة الهيلينية وبخاصة فى ثغورها: صور وصيداء وبيروت وأنطاكية. وظلت هذه المشاركة مستمرة حين اعتقت المسيحية. فكان كثيرون من سكان الأديرة ورهبانها يعرفون ما لليونان من تراث فى الفكر الفلسفى والعلمى، ومنهم من كان يحذق اليونانية، وبذلك كانت الأديرة مراكز للثقافة الهيلينية قبل الفتح الإسلامى وبعده. وبالمثل ظلت أنطاكية وبعض الثغور الشامية تعنى بتلك الثقافة. ويلقانا فى عهد معاوية طبيبان من الأطباء المتميزين فى دمشق حينئذ هما ابن أثال، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه كان خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة (١)، وأبو الحكم وكان عالما بأنواع العلاج والأدوية (٢). وهما يرمزان إلى ما نقوله من أن التراث العلمى اليونانى، وبخاصة علم الطب، ظل حيا فى ديار الشام، مما أتاح لخالد بن يزيد بن معاوية أن يتعلق به، وقال مترجموه إنه كان يشغف بكتب الكيمياء والطب والنجوم، كما قالوا إنه أحضر من الإسكندرية بعض الفلاسفة الحاذقين لليونانية والعربية وأمرهم أن يترجموا له كتبا فى الكيمياء، ويبدو أنه تعمقها حتى استطاع أن يؤلف فيها كتبا ورسائل، يقول صاحب الفهرست: «رأيت من كتبه كتاب الحرارات وكتاب الصحيفة الكبير وكتاب الصحيفة الصغير وكتاب وصيته فى الصنعة (الكيمياء)» (٣). ونمضى بعد خالد فنلتقى بالخليفة عمر بن عبد العزيز، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه نقل تدريس علوم الأوائل من الإسكندرية إلى أنطاكية وحرّان (٤) وناقش ماكس مايرهوف هذا القول وأثبت بطلانه (٥)، إذ كانت أنطاكية وحران جميعا من المراكز التى عنيت قديما بدراسة التراث اليونانى. وربما دفع ابن أبى أصيبعة إلى هذا القول أنه رأى عمر يستقدم طبيبا من الإسكندرية هو عبد الملك بن

стр. 2869

أبجر، ويتخذه طبيبا (١) له، ويبدو أنه كان قد تعرف عليه فى أثناء ولاية أبيه على مصر، فلما ولى الخلافة استقدمه وأسلم على يديه، وظل يعتمد عليه فى صناعة الطب. وربما دفع ابن أبى أصيبعة إلى هذا القول أيضا أنه أمر بنقل كتاب القس أهرون الإسكندرى فى الطب إلى العربية، ويبدو أنه كان قد نال شهرة فى علم الطب لزمنه، ومع ذلك لم يترجمه أحد علماء أنطاكية لعمر، وإنما ترجمه ما سرجويه (٢) البصرى. ولو أنه فكر حقا فى نقل التعليم-وخاصة تعليم الطب-إلى بلد بالشام لنقله إلى عاصمته دمشق كما صنع خالد بن يزيد بن معاوية. على كل حال كان التراث اليونانى الفلسفى والعلمى معروفا-طوال زمن بنى أمية-فى أنطاكية وبعض مدن الشام وفى الأديرة، وأخذت تؤلّف بعض الكتب على ضوئه كما صنع خالد ابن يزيد بن معاوية، كما أخذت تنقل منه إلى العربية بعض الرسائل والكتب. ويروى أن سالما رئيس ديوان الإنشاء لهشام بن عبد الملك ترجم بعض رسائل أرسططاليس إلى العربية (٣)، ويذكر بروكلمان أنه ترجم-أيام الأمويين سنة ١٢٥ - كتاب مفتاح أسرار النجوم (٤). وكل ذلك يؤكد أن جو الشام كان مشبعا بالتراث اليونانى العلمى والفلسفى. وظل المعنيون بعلوم الأوائل يتنفسون فى هذا الجو طوال زمن الولاة العباسيين. ويبدو أن دمشق ظلت تعنى بها وبخاصة الطب، ومن أطبائها فى القرن الثانى الحكم (٥) بن أبى الحكم، وكان أبوه طبيب معاوية وقد عمّر طويلا حتى لحق القرن الثالث، وكان طبيبا مسيحيا عالما بأنواع العلاج والأدوية. وكان ابنه عيسى (٦) -على غراره-طبيبا، واستقدمته أم ولد للرشيد لعلاجبا، وله فى الطب كناش كبير. ويبدو أنه أسّس فى دمشق مرصد كبير، إذ نرى المأمون يطلب مراجعة جداول بطليموس الفلكية على أرصاد تمت فى بغداد ودمشق، وقد طلب أن تقاس إحدى درجات خط الزوال (٧) ويعلق على ذلك بروكلمان بأن المسلمين استطاعوا ببحوثهم المستقلة أن يسبقوا معلميهم من الهنود والإغريق فى وقت قصير. وظلت الشام تشارك فى حركة الترجمة للتراث اليونانى، ومن كبار مترجميها عبد المسيح (٨)

стр. 2870

ابن عبد الله بن ناعمة الحمصى المتوفى لعهد المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧ هـ) اشتهر بترجمته لكتاب الأغاليط لأرسطو وشرح يحيى النحوى على كتابه: السماع الطبيعى، وترجم أيضا عن اليونانية كتابا منسوبا إلى أرسطو خطأ وهو المسمى أثولوجيا أوربوبية، وهو تلخيص مقتبس من تاسوعات أفلوطين الإسكندرى، ولذلك تشيع فيه نزعة أفلاطونية محدثة. ونمضى إلى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، ويلمع اسم قسطا (١) بن لوقا المولود ببعلبك فى أوائل القرن، وقد ترجم للخليفة المستعين (٢٤٨ - ٢٥١ هـ) كتابين: كتاب لثيودوسيوس وكتاب الحيل لهيرون. وذكر له ألدومييلى ترجمات أخرى. وترك مؤلفات كثيرة منها رسالة فى العمل بالكرة الفلكية، والجامع فى الدخول إلى علم الطب، ومقدمة إلى علم الرياضيات، والمدخل إلى الهندسة، والمدخل إلى علم المنطق، إلى مؤلفات أخرى كثيرة تتناول فروع العلم والفلسفة، توفى سنة ٣٠٠ للهجرة. وكان يعاصره مترجم كبير هو حبيش (٢) بن الحسن الأعسم الدمشقى وهو ابن أخت حنين بن إسحق وتلميذه، وكان يترجم عن اليونانية والسريانية، وساعد خاله فى كثير من تراجمه، ومما ترجمه عهد بقراط وكتاب الحشائش لديسقوريدس، وكل كتب جالينوس، وله كتاب فى الأدوية المفردة وآخر فى الأغذية. ومن كبار أطباء دمشق سعيد (٣) ابن يعقوب الدمشقى وقد ولاه على بن عيسى وزير الخليفة المقتدر أمر مارستان بغداد سنة ٣٠٢ وله ترجمات كثيرة، ترجم إيساغوجى (لفوفوريوس) والمقالات السبع الأولى من كتاب الجدل لأرسطو، وعنى بترجمة الكتب الرياضية اليونانية وفى مقدمتها الجزء العاشر من أصول إقليدس وشرحه لبابوس، ولا يوجد من هذا الشرح سوى ترجمته العربية، وترجم أيضا كتبا لجالينوس. وهذه الأسماء التى ذكرناها إنما هى رمز لما ظل بديار الشام من نشاط لعلوم الأوائل والمتعلقين بها طوال القرون الثلاثة الأولى وحقبا من القرن الرابع، وفيه يقود سيف الدولة-كما مر بنا- حركة أدبية وفلسفية علمية ناشطة فى عاصمته حلب، مما جعل كثيرين من أعلام الفكر والعلم والأدب فى زمنه يلمّون بحضرته، وكثيرا ما كانوا يختارون الإقامة عنده، وكان ممن اختار المقام ببلاطه فى حلب أكبر فيلسوف عربى فى زمنه الفارابى (٤)، وقد ظل عنده حتى لبىّ نداء ربه سنة

стр. 2871

٣٣٩. وأحدث نزول الفارابى بحلب نشاطا فلسفيّا وفكريّا ظل سنوات مقامه بها وامتد بعد وفاته، ومعروف أنه عنى بمزج فلسفة أرسطو بالمذهب الأفلاطونى الجديد. ولعل مما يدل على اتساع النشاط الطبى والعلمى والفلسفى بالشام لتلك الأيام ما ذكره القفطى عن سيف الدولة من أنه كان إذا أكل الطعام وقف على مائدته أربعة وعشرون طبيبا ثم يقول: كان فيهم من يأخذ راتبين لأجل تعاطيه علمين ومن يأخذ ثلاثة رواتب لتعاطيه ثلاثة علوم، ويذكر أن طبيبه المسمى عيسى النفيسى كان يأخذ ثلاثة رواتب: راتبين بسبب إحسانه لعلمين وراتبا ثالثا جزاء ترجمته من السريانية إلى العربية (١). وذكر القفطى بينهم فى موضع آخر من كتابه ابن كشكرايا (٢) وكان طبيبا مشهورا عيّنه فيما بعد عضد الدولة البويهى بالبيمارستان المنسوب إليه ببغداد، كما ذكر أيضا بين من كانوا يحضرون مجالس سيف الدولة أبا القاسم (٣) الرقى، وكان من أصحاب التنجيم وعلم الهيئة والطب. وهذا نشاط لعلماء الأوائل فى بيئة واحدة من بيئات الشام أثناء القرن الرابع، ويبدو أنه بقيت بقايا من هذا النشاط زمن الفاطميين بدمشق وشاطئ الشام وعند المرداسيين بحلب والسلاجقة فى حلب ودمشق، يدل على ذلك ما يلقانا من أطباء مختلفين فى تلك الديار مثل اليبرودى (٤) فى القرن الخامس وظافر (٥) بن جابر السكرى ومبشر (٦) بن فاتك فى نفس القرن ومثل ابن الصلاح (٧) وابن البذوخ (٨) فى القرن السادس. ومن المؤكد أن نزول حملة الصليب بديار الشام أصاب هذه الحركة بغير قليل من العطل، ومع ذلك فقد تحولوا تلامذة لأطباء العرب يتعلمون على أيديهم فنونا من الجراحة والطب، ورأى بعض أطباء العرب-كما روى أسامة بن منقذ-أحد أطبائهم يعالج بعض مرضاه علاجا يدل على جهله بالطب، فسخر منه سخرية شديدة، وسجل على الصيلبيين عامة انحطاط الطب عندهم انحطاطا مزريا، على نحو ما صور ذلك فى كتابه «الاعتبار». وندخل فى زمن الزنكيين ونور الدين محمود وصلاح الدين والأيوبيين، ويعظم الاهتمام بالمرضى وبمن يعالجهم من الأطباء، وتنشأ لهم بيمارستانات، ينزلونها وتقدم لهم فيها الأدوية

стр. 2872

والأغذية حتى يتم شفاؤهم. ويذكر ابن جبير فى رحلته بيمارستانين رآهما بدمشق سنة ٥٧٨: أحدهما قديم والثانى حديث، ويقول إن الحديث أحفلهما وأكبرهما وجرايته (نفقته) فى اليوم نحو خمسة عشر دينارا، وله قومة (موظفون) بأيديهم الأوراق المحتوية على أسماء المرضى وعلى النفقات التى يحتاجون إليها فى الأدوية والأغذية وغير ذلك. والأطباء يبكّرون إليه كل يوم، ويتفقدون المرضى، ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق لكل إنسان منهم. ويقول إن المارستان القديم على هذا الرسم ولكن الاحتفال فى الجديد أكثر، ويذكر أن للمجانين المعتقلين ضربا من العلاج وهم فى سلاسل موثقون. ثم يقول: وهذان المارستانان مفخرة عظيمة من مفاخر الإسلام. ولم تكن المارستانات دور علاج فحسب، بل أيضا كانت مدارس يمرّن فيها شباب الأطباء ويتلقون فيها عن شيوخ الطب محاضرات متنوعة. وأخذت البيمارستانات تبنى فى ديار الشام حتى لنلتقى بمارستانات فى صرخد بفلسطين. وجعل ذلك الطب يعود إلى نشاطه، فيتكاثر الأطباء ويتكاثر المهتمون بعلوم الأوائل حتى ليعدون فى كتاب ابن أبى أصيبعة بالعشرات. ولن نستطيع أن نقف عندهم جميعا إنما نقف عند مشهوريهم، ونبدأ بشمس (١) الدين اللبودى المتوفى بدمشق سنة ٦٢١ وكان يطبّ فى البيمارستان النورى الكبير بدمشق، وكان له مجلس للاشتغال عليه بصناعة الطب وغيرها. وكان يعاصره الدّخوار (٢) مهذب الدين عبد الرحيم بن على الدمشقى مولدا ودارا رئيس بيمارستان دمشق الذى أسسه نور الدين محمود، توفى سنة ٦٢٨ وأفرد ابن أبى أصيبعة له فى طبقاته فصلا طويلا تحدث فيه عن حياته، وله مؤلفات كثيرة، وكان يتخذ داره مدرسة لتعليم الطب، وقفها على هذه الغاية فى حياته وبعد مماته. وكان أثره فى تعليم الطب بدمشق واسعا، وثقفته على يديه جماعة كبيرة. وكان مما ساعد على ازدهار الدراسة لعلوم الأوائل ما ذكرناه فى الفصل الماضى من أن أمراء البيت الأيوبى توزعوا بلدان الشام فيما بينهم، وتحول كل أمير منهم فى بلد إلى راع للعلوم والآداب بها، ودفع ذلك إلى تنافس بينهم، مما أكثر من العلماء فى كل فروع العلم، ونلتقى بمنصور بن فضل المشهور باسم رشيد (٣) الدين الصورى المتوفى سنة ٦٣٩ ولد بصور، ولذلك نسب إليها واشتغل بالطب على أساتذته، وأقام بالقدس سنتين يعالج الناس فى بيمارستانها، ثم انتقل إلى

стр. 2873

دمشق وفوّضت إليه رياسة الطب والأطباء بها، وكان بارعا فى معرفة الأدوية المفردة وماهياتها واختلاف أسمائها وصفاتها وتحقيق خواصها وتأثيراتها كما يقول ابن أبى أصيبعة، وبذلك كان صيدليا كما كان طبيبا. وينوه ابن أبى أصيبعة بكتابه فى الأدوية المفردة وكيف كان يتعقبها ويسجلها إذ كان يصطحب معه مصورا ومعه الأصباغ واللّيق (جمع ليقة) على اختلافها وتنوعها وكان يتوجه إلى مواضع النبات فى الشام مثل جبل لبنان وغيره مما به نبات يختص به، ويشاهد النبات ويحققه، ويريه للمصوّر فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله، ويصوّره. وسلك فى تصوير النبات مسلكا فريدا، ذلك أنه كان يريه للمصوّر فى إبان بزوغه فيصوره، ثم يريه له فى وقت اكتمال نموه وظهور بزره فيصوره تلو ذلك، ثم يريه له فى وقت يبسه وذبوله فيصوره. وبذلك ينظر قارئ كتابه إلى النبات فى أطوار نموه، حتى تتحقق له معرفته بدقة. ولسوء الحظ سقط هذا الكتاب الرائع من يد الزمن. ويتوفى نجم (١) الدين اللبودى سنة ٦٦٦ وكان يتعمق بحوث الفلسفة والفلك وعلم الطب وروى له ابن أبى أصيبعة مؤلفات كثيرة لم يبق منها إلا شرح له على كتاب القانون فى الطب لابن سينا ورسالة فى مسائل فسيولوجية. ورعاه فى الشطر الأول من حياته الملك المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص. وتقلب فى البلاد ثم استقر بدمشق، وأسس بها مدرسة طبية وأخرى هندسية، إذ كان رياضيا بارعا كما كان طبيبا، وكانت له كتب فى الحساب والجبر والمقابلة. وكان يعاصره ابن أبى أصيبعة (٢) الطبيب صاحب طبقات الأطباء الذى يتكرر ذكره فى الهوامش، توفى سنة ٦٦٨ وقد ولد بدمشق وفى شبابه نزل القاهرة، وشغف بالطب وتلقاه على كبار الأطباء المصريين، حتى برع فيه، واشتغل فى البيمارستان الناصرى مدة، ثم جذبه إليه أمير صرخد بفلسطين فى الزمن الذى ذكرناه. زمن رعاة العلوم والآداب المتعددين من الأيوبيين، وأقام بها حتى وفاته، وكتابه الطبقات يحمل معارف واسعة عن المشتغلين بعلوم الأوائل: طب وغير طب حتى زمنه. ونمضى إلى زمن المماليك، ويظل الاهتمام بعلوم الأوائل مطردا ويلقانا أبو الفرج يعقوب بن إسحق المشهور باسم ابن القف (٣) المتوفى بدمشق سنة ٦٨٥ وكان مسيحيا وهو تلميذ ابن

стр. 2874

أبى أصيبعة، وكان طبيبا حاذقا، واشتهر له كتابان: جامع الغرض فى حفظ الصحة ودفع المرض، والعمدة فى صناعة الجراحة. وكان يعاصره ابن (١) السويدى إبراهيم بن طرخان شيخ الأطباء والصيادلة بدمشق المتوفى سنة ٦٩٠ وهو تلميذ الدخوار، أخذ الطب عنه وله فى الطب «التذكرة الهادية» وفى الصيدلة «الباهر فى الجواهر» ذكر فيه كثيرين من العلماء الموثوق بهم فى هذا الموضوع كالبيرونى والرازى وأبى حنيفة الدينورى. ولا بد أن نلاحظ أن كل هؤلاء الأطباء الذين ذكرناهم كان وراءهم عشرات فى بلدان الشام المختلفة، ويفيض ابن أبى أصيبعة فى الحديث عنهم، وأيضا لا بد أن نلاحظ أن كل هؤلاء الأطباء كانوا دارسين للفلسفة اليونانية وفروع العلم المختلفة من رياضيات وفلك وتنجيم، يصور ذلك أوضح تصوير ما يذكره لهم ابن أبى أصيبعة من مؤلفات تتناول علوم الكيمياء والفيزيقا والرياضة والهيئة أو الفلك. وقد مضت الأجيال فى زمن المماليك تنهل من موارد هذه العلوم واضعة نصب عيونها ممارسة الطب فى البيمارستانات المنتشرة فى بلدان الشام. وممن نبغوا فى الهندسة وعلم الفلك والرياضيات علاء الدين (٢) بن الشاطر الموقّت فى الجامع الأموى بدمشق وله كتاب فى الزيج توفى سنة ٧٧٧ ومثله ابن (٣) الهائم الفرضى شهاب الدين المدرس بالقدس فى المدرسة الصلاحية، وله كتب مختلفة فى الحساب والجبر، توفى سنة ٨١٥. وعنى كثيرون بالتأليف فى علم المنطق. وألفت كتب كثيرة فى ميادين الحرب والحركات العسكرية نكتفى بأن نذكر منها كتاب بغية القاصدين فى العمل بالميادين لمحمد بن لاجين الطرابلسى الرماح المتوفى سنة ٧٨٠ ألفه لصاحب حلب. ومع ما أصاب الحركة العلمية فى الشام من تدهور فى أيام العثمانيين ظل دائما بصيص من نورها يتراءى من حين إلى حين فى الاهتمام بعلوم الأوائل وخاصة بالطب بلسم المرضى الشافى وأيضا بالفلك وفروعه، واشتهرت حينئذ تذكرة (٤) داود الأنطاكى المتوفى سنة ١٠٠٨ للهجرة، وهى مهمة فى وصف الأدوية والعقاقير والأمراض مع أن مؤلفها كان ضريرا، وله كتاب يسمى الكامل فى الطب طبع مرارا.

стр. 2875

(ب) علم الجغرافيا من أقدم المرويات الجغرافية عن أهل الشام رحلات تنسب إلى بعض الصحابة من أهلها أو من ولاتها، من ذلك رحلة تنسب إلى تميم الدارى الفلسطينى الأصل المتوفى حوالى سنة ٤٠ للهجرة، وهى رحلة بحرية قذفت به فيها عاصفة إلى جزيرة مهجورة فى البحر المتوسط. ومن ذلك أيضا رحلة تنسب إلى عبادة بن الصامت والى حمص المتوفى سنة ٣٤ للهجرة، وهى رحلة برية إلى القسطنطينية. وذهب كراتشكو فسكى إلى أنهما قصتان ملفقتان بل منحولتان (١). وتلقانا مرويات أخرى مشابهة، وجميعها لا تدخل فى الجغرافيا بمعناها العلمى، إذ يتأخر هذا المعنى إلى عصر الترجمة والاطلاع على ما لدى الأمم الأجنبية من مصنفات جغرافية، ونفس الكلمة التى سمّى بها العلم كلمة يونانية، وأعجبهم من التراث اليونانى إلى أقصى حد كتاب المجسطى لبطليموس، وأخذت تنشأ على هديه مدرسة جغرافية عربية منذ أواخر القرن الثالث الهجرى. وإذا مضينا إلى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى وجدنا القدس ينجب أهم جغرافى حتى زمنه، ونقصد المقدسى (٢) محمد بن أحمد بن أبى بكر البناء البشارى، وجدّه أبو بكر البناء هو الذى بنى سورعكا وأبوابها لأحمد بن طولون. وقد طاف بأرجاء العالم الإسلامى فيما عدا الهند وسجستان والأندلس، ودوّن معلوماته فى كتابه «أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم» سنة ٣٧٥ وأعاد كتابته فى سنة ٣٧٨ وعلى النسخة الأخيرة اعتمد ياقوت فى معجمه الجغرافى. ويذكر فى مقدمة كتابه أنه اعتمد على ثلاثة مصادر: المشاهدة أو المعاينة بنفسه، وما سمعه من الثقات، وما وجده فى الكتب المصنفة، واتبع فى وصفه لكل قطر منهجا ثابتا ذا ثلاث شعب: الشعبة الأولى تتناول أقسام القطر ومدنه ومواضعه العامرة، والشعبة الثانية تتناول المناخ والزرع والطوائف والفرق واللغة والتجارة والأوزان والنقود والعادات والمياه والمعادن والأماكن المقدسة وأخلاق السكان والتبعية السياسية للقطر والخراج، والشعبة الثالثة تتناول ذكر المسافات وطرق المواصلات. وهو يقدم معلومات مهمة عن العادات والمعتقدات والتجارة. ويبدأ القسم الأول
следующие страницы →