٣٣٩. وأحدث نزول الفارابى بحلب نشاطا فلسفيّا وفكريّا ظل سنوات مقامه بها وامتد بعد وفاته، ومعروف أنه عنى بمزج فلسفة أرسطو بالمذهب الأفلاطونى الجديد. ولعل مما يدل على اتساع النشاط الطبى والعلمى والفلسفى بالشام لتلك الأيام ما ذكره القفطى عن سيف الدولة من أنه كان إذا أكل الطعام وقف على مائدته أربعة وعشرون طبيبا ثم يقول: كان فيهم من يأخذ راتبين لأجل تعاطيه علمين ومن يأخذ ثلاثة رواتب لتعاطيه ثلاثة علوم، ويذكر أن طبيبه المسمى عيسى النفيسى كان يأخذ ثلاثة رواتب: راتبين بسبب إحسانه لعلمين وراتبا ثالثا جزاء ترجمته من السريانية إلى العربية (١). وذكر القفطى بينهم فى موضع آخر من كتابه ابن كشكرايا (٢) وكان طبيبا مشهورا عيّنه فيما بعد عضد الدولة البويهى بالبيمارستان المنسوب إليه ببغداد، كما ذكر أيضا بين من كانوا يحضرون مجالس سيف الدولة أبا القاسم (٣) الرقى، وكان من أصحاب التنجيم وعلم الهيئة والطب.
وهذا نشاط لعلماء الأوائل فى بيئة واحدة من بيئات الشام أثناء القرن الرابع، ويبدو أنه بقيت بقايا من هذا النشاط زمن الفاطميين بدمشق وشاطئ الشام وعند المرداسيين بحلب والسلاجقة فى حلب ودمشق، يدل على ذلك ما يلقانا من أطباء مختلفين فى تلك الديار مثل اليبرودى (٤) فى القرن الخامس وظافر (٥) بن جابر السكرى ومبشر (٦) بن فاتك فى نفس القرن ومثل ابن الصلاح (٧) وابن البذوخ (٨) فى القرن السادس. ومن المؤكد أن نزول حملة الصليب بديار الشام أصاب هذه الحركة بغير قليل من العطل، ومع ذلك فقد تحولوا تلامذة لأطباء العرب يتعلمون على أيديهم فنونا من الجراحة والطب، ورأى بعض أطباء العرب-كما روى أسامة بن منقذ-أحد أطبائهم يعالج بعض مرضاه علاجا يدل على جهله بالطب، فسخر منه سخرية شديدة، وسجل على الصيلبيين عامة انحطاط الطب عندهم انحطاطا مزريا، على نحو ما صور ذلك فى كتابه «الاعتبار».
وندخل فى زمن الزنكيين ونور الدين محمود وصلاح الدين والأيوبيين، ويعظم الاهتمام بالمرضى وبمن يعالجهم من الأطباء، وتنشأ لهم بيمارستانات، ينزلونها وتقدم لهم فيها الأدوية
стр. 2872
والأغذية حتى يتم شفاؤهم. ويذكر ابن جبير فى رحلته بيمارستانين رآهما بدمشق سنة ٥٧٨:
أحدهما قديم والثانى حديث، ويقول إن الحديث أحفلهما وأكبرهما وجرايته (نفقته) فى اليوم نحو خمسة عشر دينارا، وله قومة (موظفون) بأيديهم الأوراق المحتوية على أسماء المرضى وعلى النفقات التى يحتاجون إليها فى الأدوية والأغذية وغير ذلك. والأطباء يبكّرون إليه كل يوم، ويتفقدون المرضى، ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق لكل إنسان منهم. ويقول إن المارستان القديم على هذا الرسم ولكن الاحتفال فى الجديد أكثر، ويذكر أن للمجانين المعتقلين ضربا من العلاج وهم فى سلاسل موثقون. ثم يقول: وهذان المارستانان مفخرة عظيمة من مفاخر الإسلام. ولم تكن المارستانات دور علاج فحسب، بل أيضا كانت مدارس يمرّن فيها شباب الأطباء ويتلقون فيها عن شيوخ الطب محاضرات متنوعة. وأخذت البيمارستانات تبنى فى ديار الشام حتى لنلتقى بمارستانات فى صرخد بفلسطين. وجعل ذلك الطب يعود إلى نشاطه، فيتكاثر الأطباء ويتكاثر المهتمون بعلوم الأوائل حتى ليعدون فى كتاب ابن أبى أصيبعة بالعشرات. ولن نستطيع أن نقف عندهم جميعا إنما نقف عند مشهوريهم، ونبدأ بشمس (١) الدين اللبودى المتوفى بدمشق سنة ٦٢١ وكان يطبّ فى البيمارستان النورى الكبير بدمشق، وكان له مجلس للاشتغال عليه بصناعة الطب وغيرها. وكان يعاصره الدّخوار (٢) مهذب الدين عبد الرحيم بن على الدمشقى مولدا ودارا رئيس بيمارستان دمشق الذى أسسه نور الدين محمود، توفى سنة ٦٢٨ وأفرد ابن أبى أصيبعة له فى طبقاته فصلا طويلا تحدث فيه عن حياته، وله مؤلفات كثيرة، وكان يتخذ داره مدرسة لتعليم الطب، وقفها على هذه الغاية فى حياته وبعد مماته. وكان أثره فى تعليم الطب بدمشق واسعا، وثقفته على يديه جماعة كبيرة.
وكان مما ساعد على ازدهار الدراسة لعلوم الأوائل ما ذكرناه فى الفصل الماضى من أن أمراء البيت الأيوبى توزعوا بلدان الشام فيما بينهم، وتحول كل أمير منهم فى بلد إلى راع للعلوم والآداب بها، ودفع ذلك إلى تنافس بينهم، مما أكثر من العلماء فى كل فروع العلم، ونلتقى بمنصور بن فضل المشهور باسم رشيد (٣) الدين الصورى المتوفى سنة ٦٣٩ ولد بصور، ولذلك نسب إليها واشتغل بالطب على أساتذته، وأقام بالقدس سنتين يعالج الناس فى بيمارستانها، ثم انتقل إلى
стр. 2873
دمشق وفوّضت إليه رياسة الطب والأطباء بها، وكان بارعا فى معرفة الأدوية المفردة وماهياتها واختلاف أسمائها وصفاتها وتحقيق خواصها وتأثيراتها كما يقول ابن أبى أصيبعة، وبذلك كان صيدليا كما كان طبيبا. وينوه ابن أبى أصيبعة بكتابه فى الأدوية المفردة وكيف كان يتعقبها ويسجلها إذ كان يصطحب معه مصورا ومعه الأصباغ واللّيق (جمع ليقة) على اختلافها وتنوعها وكان يتوجه إلى مواضع النبات فى الشام مثل جبل لبنان وغيره مما به نبات يختص به، ويشاهد النبات ويحققه، ويريه للمصوّر فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله، ويصوّره. وسلك فى تصوير النبات مسلكا فريدا، ذلك أنه كان يريه للمصوّر فى إبان بزوغه فيصوره، ثم يريه له فى وقت اكتمال نموه وظهور بزره فيصوره تلو ذلك، ثم يريه له فى وقت يبسه وذبوله فيصوره.
وبذلك ينظر قارئ كتابه إلى النبات فى أطوار نموه، حتى تتحقق له معرفته بدقة. ولسوء الحظ سقط هذا الكتاب الرائع من يد الزمن.
ويتوفى نجم (١) الدين اللبودى سنة ٦٦٦ وكان يتعمق بحوث الفلسفة والفلك وعلم الطب وروى له ابن أبى أصيبعة مؤلفات كثيرة لم يبق منها إلا شرح له على كتاب القانون فى الطب لابن سينا ورسالة فى مسائل فسيولوجية. ورعاه فى الشطر الأول من حياته الملك المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص. وتقلب فى البلاد ثم استقر بدمشق، وأسس بها مدرسة طبية وأخرى هندسية، إذ كان رياضيا بارعا كما كان طبيبا، وكانت له كتب فى الحساب والجبر والمقابلة. وكان يعاصره ابن أبى أصيبعة (٢) الطبيب صاحب طبقات الأطباء الذى يتكرر ذكره فى الهوامش، توفى سنة ٦٦٨ وقد ولد بدمشق وفى شبابه نزل القاهرة، وشغف بالطب وتلقاه على كبار الأطباء المصريين، حتى برع فيه، واشتغل فى البيمارستان الناصرى مدة، ثم جذبه إليه أمير صرخد بفلسطين فى الزمن الذى ذكرناه. زمن رعاة العلوم والآداب المتعددين من الأيوبيين، وأقام بها حتى وفاته، وكتابه الطبقات يحمل معارف واسعة عن المشتغلين بعلوم الأوائل: طب وغير طب حتى زمنه.
ونمضى إلى زمن المماليك، ويظل الاهتمام بعلوم الأوائل مطردا ويلقانا أبو الفرج يعقوب بن إسحق المشهور باسم ابن القف (٣) المتوفى بدمشق سنة ٦٨٥ وكان مسيحيا وهو تلميذ ابن
стр. 2874
أبى أصيبعة، وكان طبيبا حاذقا، واشتهر له كتابان: جامع الغرض فى حفظ الصحة ودفع المرض، والعمدة فى صناعة الجراحة. وكان يعاصره ابن (١) السويدى إبراهيم بن طرخان شيخ الأطباء والصيادلة بدمشق المتوفى سنة ٦٩٠ وهو تلميذ الدخوار، أخذ الطب عنه وله فى الطب «التذكرة الهادية» وفى الصيدلة «الباهر فى الجواهر» ذكر فيه كثيرين من العلماء الموثوق بهم فى هذا الموضوع كالبيرونى والرازى وأبى حنيفة الدينورى. ولا بد أن نلاحظ أن كل هؤلاء الأطباء الذين ذكرناهم كان وراءهم عشرات فى بلدان الشام المختلفة، ويفيض ابن أبى أصيبعة فى الحديث عنهم، وأيضا لا بد أن نلاحظ أن كل هؤلاء الأطباء كانوا دارسين للفلسفة اليونانية وفروع العلم المختلفة من رياضيات وفلك وتنجيم، يصور ذلك أوضح تصوير ما يذكره لهم ابن أبى أصيبعة من مؤلفات تتناول علوم الكيمياء والفيزيقا والرياضة والهيئة أو الفلك. وقد مضت الأجيال فى زمن المماليك تنهل من موارد هذه العلوم واضعة نصب عيونها ممارسة الطب فى البيمارستانات المنتشرة فى بلدان الشام.
وممن نبغوا فى الهندسة وعلم الفلك والرياضيات علاء الدين (٢) بن الشاطر الموقّت فى الجامع الأموى بدمشق وله كتاب فى الزيج توفى سنة ٧٧٧ ومثله ابن (٣) الهائم الفرضى شهاب الدين المدرس بالقدس فى المدرسة الصلاحية، وله كتب مختلفة فى الحساب والجبر، توفى سنة ٨١٥.
وعنى كثيرون بالتأليف فى علم المنطق. وألفت كتب كثيرة فى ميادين الحرب والحركات العسكرية نكتفى بأن نذكر منها كتاب بغية القاصدين فى العمل بالميادين لمحمد بن لاجين الطرابلسى الرماح المتوفى سنة ٧٨٠ ألفه لصاحب حلب.
ومع ما أصاب الحركة العلمية فى الشام من تدهور فى أيام العثمانيين ظل دائما بصيص من نورها يتراءى من حين إلى حين فى الاهتمام بعلوم الأوائل وخاصة بالطب بلسم المرضى الشافى وأيضا بالفلك وفروعه، واشتهرت حينئذ تذكرة (٤) داود الأنطاكى المتوفى سنة ١٠٠٨ للهجرة، وهى مهمة فى وصف الأدوية والعقاقير والأمراض مع أن مؤلفها كان ضريرا، وله كتاب يسمى الكامل فى الطب طبع مرارا.
стр. 2875
(ب) علم الجغرافيا
من أقدم المرويات الجغرافية عن أهل الشام رحلات تنسب إلى بعض الصحابة من أهلها أو من ولاتها، من ذلك رحلة تنسب إلى تميم الدارى الفلسطينى الأصل المتوفى حوالى سنة ٤٠ للهجرة، وهى رحلة بحرية قذفت به فيها عاصفة إلى جزيرة مهجورة فى البحر المتوسط. ومن ذلك أيضا رحلة تنسب إلى عبادة بن الصامت والى حمص المتوفى سنة ٣٤ للهجرة، وهى رحلة برية إلى القسطنطينية. وذهب كراتشكو فسكى إلى أنهما قصتان ملفقتان بل منحولتان (١). وتلقانا مرويات أخرى مشابهة، وجميعها لا تدخل فى الجغرافيا بمعناها العلمى، إذ يتأخر هذا المعنى إلى عصر الترجمة والاطلاع على ما لدى الأمم الأجنبية من مصنفات جغرافية، ونفس الكلمة التى سمّى بها العلم كلمة يونانية، وأعجبهم من التراث اليونانى إلى أقصى حد كتاب المجسطى لبطليموس، وأخذت تنشأ على هديه مدرسة جغرافية عربية منذ أواخر القرن الثالث الهجرى.
وإذا مضينا إلى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى وجدنا القدس ينجب أهم جغرافى حتى زمنه، ونقصد المقدسى (٢) محمد بن أحمد بن أبى بكر البناء البشارى، وجدّه أبو بكر البناء هو الذى بنى سورعكا وأبوابها لأحمد بن طولون. وقد طاف بأرجاء العالم الإسلامى فيما عدا الهند وسجستان والأندلس، ودوّن معلوماته فى كتابه «أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم» سنة ٣٧٥ وأعاد كتابته فى سنة ٣٧٨ وعلى النسخة الأخيرة اعتمد ياقوت فى معجمه الجغرافى. ويذكر فى مقدمة كتابه أنه اعتمد على ثلاثة مصادر: المشاهدة أو المعاينة بنفسه، وما سمعه من الثقات، وما وجده فى الكتب المصنفة، واتبع فى وصفه لكل قطر منهجا ثابتا ذا ثلاث شعب: الشعبة الأولى تتناول أقسام القطر ومدنه ومواضعه العامرة، والشعبة الثانية تتناول المناخ والزرع والطوائف والفرق واللغة والتجارة والأوزان والنقود والعادات والمياه والمعادن والأماكن المقدسة وأخلاق السكان والتبعية السياسية للقطر والخراج، والشعبة الثالثة تتناول ذكر المسافات وطرق المواصلات. وهو يقدم معلومات مهمة عن العادات والمعتقدات والتجارة. ويبدأ القسم الأول
стр. 2876
فى الكتاب بجزيرة العرب فالعراق فالجزيرة شماليّه فالشام فمصر فالمغرب فبادية الشام. والقسم الثانى، جعله للمشرق، يبدأ ببلاد الهياطلة فخراسان فالديلم فأرمينيا ومعها أذربيجان فالجبال فخوزستان ففارس فكرمان فالسند فمفازة فارس. وأضاف إلى كتابه خريطة مثّل فيها الأقاليم وحدودها وخططها. ولم تصل إلينا خريطته، ويقول إنه أوضح فيها الطرق المعروفة بالحمرة والرمال الذهبية بالصفرة والبحار المالحة بالخضرة، والأنهار العذبة بالزرقة، والجبال المشهورة بالغبرة. وكان يتحرى الثقات ويسألهم عن بلدانهم كما صنع بالأندلس ومثل سؤاله بساحل عدن لشيخ كان أعلم الناس بالبحر الصينى. والكتاب يعرض البلدان الإسلامية التى زارها بكل مشاهدها حتى لكأنما يبصرها قارؤه بكل سكانها ومعتقداتها وعاداتها، وهو لا يبارى فى عرضه لهذه المشاهد. ويتضح السجع أو النثر المقفى فى مقدمته الطويلة وفى مواضع مختلفة من الكتاب مما يدل على أنه كان يحاول أن يختار لكتابه لغة أدبية مصقولة. وكان يعاصره المطهر (١) بن طاهر المقدسى، وهو مثله لا تعرف سنة وفاته، وله كتاب بدء الخلق والتاريخ كتبه سنة ٣٥٥ للهجرة وهو جمع غير منسق لمعارف كثيرة تتصل بالأديان والعقائد والتاريخ المتصل بالأنبياء والملوك والخلفاء حتى زمنه، وبه فصل جغرافى كتبه عن صفة الأرض ومبلغ عمرانها وعدد أقاليمها وصفة البحار والأنهار وعجائب الأرض والخلق، ويعرض للمساجد المشهورة. ونلتقى فى النصف الأول من القرن الخامس بأبى الحسن على (٢) بن محمد بن شجاع الربعى المالكى المتوفى سنة ٤٣٥ وله «كتاب الإعلام فى فضائل الشام ودمشق وذكر ما فيهما من الآثار والبقاع الشريفة».
ويصبح موضوع فضائل بلدان الشام أساسيّا منذ أواخر القرن الخامس الهجرى، حين استولى حملة الصليب على أنطاكية وطرابلس وبيت المقدس، إذهبّ الشاميون-والعرب معهم فى كل مكان-يصرخون فى وجوه حملة الصليب أن غادروا ترابنا الطاهر وأماكننا المقدسة. وأخذ الشعراء والعلماء يلوّحون فى وجوههم، الشعراء بما يستطيعون أن يصوبوه من سهام الشعر، والعلماء بما يكتبون عن فريضة الجهاد لأعداء الإسلام. وانتظم الجغرافيون معهم يكتبون عن فضائل بيت المقدس والشام، وأول من تصدّى لذلك من الجغرافيين المشرّف (٣) بن المرجّى المقدسى الذى صنف بأخرة من القرن الخامس بعد استيلاء حملة الصليب على بيت المقدس سنة
стр. 2877
٤٩٢ كتابه: «فضائل البيت المقدّس والشام» ليستثير حماسة الناس من حوله حتى يضربوا حملة الصليب الضربة القاضية ويطهروا أرض الشام الزكية من رجسهم. وفى نفس هذه اللحظة التاريخية ألف أبو بكر (١) بن محمد بن أحمد الواسطى سنة ٥٠٠ للهجرة كتابا عن «فضائل بيت المقدس». وأخذ يتوالى هذا النوع من الكتب حافزا لسحق الصليبيين. وألف أبو القاسم على بن الحسن الشافعى المعروف بابن عساكر (٢) المتوفى سنة ٦٧١ تاريخ مدينة دمشق عرض فيه أسماء الأنبياء والعلماء والصالحين فى ثمانين مجلدا، وممن ذكرهم من الأنبياء سليمان وشعيب. كل ذلك ليحيط مدينته بهالة قدسية كى يدافع عنها أبناؤها والعرب ضد حملة الصليب حتى الذماء الأخير.
ويستولى صلاح الدين على بيت المقدس-كما مر بنا-سنة ٥٨٣ بعد أن حطم حملة الصليب ودمرهم فى حطّين تدميرا لم يكد يبقى منهم ولا يذر. وتكون لذلك فرحة ما بعدها فرحة فى نفوس المسلمين. ولا يكاد يمضى على ذلك ثلاثة عشر عاما حتى نجد ابن هذا الحافظ المؤرخ الكبير المسمى باسم القاسم (٣)، وكان يشتغل بالوعظ فى دمشق، يذهب بنفسه إلى بيت المقدس سنة ٥٩٦ ليقرأ على الناس هناك كتابه: «الجامع المستقصى فى فضائل المسجد الأقصى».
ويلقانا على (٤) الهروى السائح المتوفى بحلب سنة ٦١١ وكان قد أكثر من التجوال والترحال لزيارة أضرحة الأولياء فى الشام وغير الشام، وكان قد ألقى عصاتسياره بحلب وألف كتابه «الإشارات إلى معرفة الزيارات» وأصبح له نفوذ كبير عند الملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب، فشيد له مدرسة بظاهر حلب، وهى صورة من صور رعاية أمراء البيت الأيوبى فى الشام لا لعلماء بلدهم فحسب، بل أيضا بمن ينزل بها من جلّة العلماء، حتى ليبنون لهم المدارس ليحاضروا فيها الطلاب. ونلتقى بعثمان (٥) النابلسى المتوفى حوالى سنة ٦٤٥ وله كتاب «لمع القوانين المضية فى دواوين الديار المصرية» وهو فيه يستمد من كتاب «قوانين الدواوين» لابن مماتى وعّين حاكما لمحافظة الفيوم فكتب عنها كتابا تاريخيا جغرافيا سماه «إظهار صنعة الحى القيوم فى
стр. 2878
ترتيب بلاد الفيوم» ويؤلف (١) ابن شداد المتوفى سنة ٦٨٤ - هو غير بهاء الدين بن شداد صاحب سيرة صلاح الدين-كتابا بديعا سماه الأعلاق الخطيرة فى أمراء الشام والجزيرة نشر منه جزآن عن دمشق وحلب، وهو يعطى بيانات دقيقة عما فى البلدين من المساجد والخانقاهات والمزارات والحمامات، وقد رجعنا إليه مرارا فى حديثنا عن الحركة العلمية.
وتأخذ الكتب الجغرافية المليئة بالعجائب والغرائب فى الظهور. ونقرأ منها كتاب نخبة الدهر فى عجائب البر والبحر لشمس (٢) الدين محمد بن أبى طالب الدمشقى المتوفى سنة ٧٢٧ وكان إماما لمسجد الربوة بدمشق، والكتاب يفيض بمعلومات كثيرة تدخل فى التاريخ الطبيعى وما يتصل به من نباتات البلدان شرقا وغربا وحيواناتها ومعادنها، وللشام أو بعبارة أدق لسوريا وفلسطين نصيب جغرافى كبير، وألحق به بعض الخرائط وفقدت منه.
وكان حملة الصليب قد خرجوا نهائيا من الشام، فكان من الطبيعى أن يعنى إبراهيم (٣) بن الفركاح المتوفى سنة ٧٢٧ بتأليف كتابيه: «الإعلام بفضائل الشام» و «باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس». ويلقانا أبو الفدا الملك المؤيد (٤) إسماعيل الأيوبى صاحب حماة المتوفى سنة ٧٣٢ ويشتهر بكتابين فى التاريخ والجغرافيا، ويهمنا الثانى وعنوانه «تقويم البلدان» وهو كتاب جغرافى للعالم فى زمنه، وقد ظل أهم كتاب جغرافى عربى حتى العصر الحديث، ودائما يذكر مصادره كأحدث الكتابات الجغرافية. ويؤلف شهاب (٥) الدين القدسى المتوفى سنة ٧٦٥ كتابه «مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام»، ويلقانا عمر (٦) بن الوردى المتوفى سنة ٨٥٠ - وهو غير زين الدين بن الوردى المتوفى قبله بقرن-وله كتاب خريدة العجائب وفريدة الغرائب، وهو مع وصفه الجغرافى للبلاد والأرض والبحار يعنى بالقصص الغريبة، وقد جلبنا منه قصصا طريفة فى كتابنا «عجائب وأساطير». ويؤلف عبد (٧) الرحمن العليمى المتوفى لأوائل زمن العثمانيين سنة
стр. 2879
٩٢٨ كتابه «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل». وتكثر أيام العثمانيين كتب الرحلات والفضائل وتقل قلة شديدة الكتب الجغرافية بمعناها الدقيق. وربما كان أكثر أهل الشام حينئذ نشاطا فى الكتابة عن دمشق ومساجدها ومدارسها ومواضع أحيائها وضواحيها ومزاراتها ابن (١) طولون الصالحى المتوفى سنة ٩٥٣ وله فى ذلك رسائل متعددة، وله أيضا وصف للطريق من الشام إلى مكة باسم «منازل الحج الشامى». ويكثر وصف الرحلات إلى القسطنطينية، وبدأها بدر (٢) الدين محمد الغزى المتوفى سنة ٩٨٤ بكتابه «المطالع البدرية فى المنازل الرومية» وتلاه محمد (٣) بن أحمد سكيكر المتوفى سنة ٩٨٧ للهجرة بوصف رحلته من حماة إلى القسطنطينية فى كتابه «زبدة الآثار فيما وقع لجامعه من الأسفار». ونلتقى برحلات متعددة إلى مصر، مثل «حاوى الأظعان النجدية إلى الديار المصرية» لأحمد (٤) بن داود الحموى المتوفى سنة ١٠١٦ ووصف محمد (٥) بن أحمد بن حافظ الدين القدسى المتوفى سنة ١٠٥٥ زياراته لدمشق والقدس والقاهرة فى كتابة «إسفار الأسفار فى أبكار الأفكار» كتبه بلغة مسجوعة بها غير قليل من التكلف. ولعبد الغنى النابلسى الصوفى الذى سنترجم له فيما بعد المتوفى سنة ١١٤٣ أربع رحلات إلى طرابلس وبعلبك والقدس ومصر. وربما كان أهم من جاءوا بعد ذلك فى زمن العثمانيين أحمد (٦) المنينى الطرابلسى المتوفى سنة ١١٧٢، وكان مدرسا بالجامع الأموى، وله كتاب «الإنعام (أو الإعلام) بفضائل الشام وهو شارح السيرة المشهورة التى ألفها العتبى للسلطان محمود الغزنوى.
٣ - علوم اللغة والنحو والنقد والبلاغة
أخذت الشام تعنى بتعلم العربية منذ وضع فيها العرب أقدامهم حتى تحسن النطق بالذكر الحكيم، وبمجرد أن تحولت مقاليد الخلافة إلى معاوية وأصبحت دمشق عاصمة الدولة الإسلامية
стр. 2880
ازدادت الرغبة حتى عند المسيحيين فى معرفة العربية لغة الحاكم وإدارته الجديدة، وحقا كانت الشام قد أخذت فى التعرب قبل الإسلام، ولكن كان لا يزال بها كثيرون لا يعرفون العربية، بل قل إن الكثرة كانت لا تعرفها، وكان الذين اعتنقوا الإسلام شغوفين بالتزود منها، ويمكن أن نتخذ مما ينسب إلى عبيد بن شريّة جليس معاوية ومحدثه بأخبار الأمم السالفة من أنه وضع للناس كتابا فى الأمثال (١) رمزا لتلبية هذا الشغف عند أهل الشام، ولباه أيضا فى أيام يزيد بن معاوية أخبارى يسمى. علاقة بن كريم الكلابى، فوضع للناس كتابا ثانيا فى الأمثال (٢) والحكم. وأخذ ينشأ حينئذ معلمون يعلمون الناس العربية، كانوا يسمون باسم المؤدبين، ولم تهتم الكتب بإعطاء بيانات عمن كانوا يعلمون العامة منهم، ولا شك أن كثرتهم كانت من قرّاء الذكر الحكيم، حتى يحسن القارئ تلاوته، أما من كانوا يعلمون الخاصة من أبناء الخلفاء وأمراء البيت الأموى فزوّدتنا المصادر ببعض أسمائهم، ومنهم عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب (٣) أولاد عتبة بن أبى سفيان، وهو أيضا مؤدب (٤) الوليد بن يزيد، ويقال إنه هو الذى دفعه إلى المجون، إذ كان زنديقا ماجنا.
وكان معبد الجهنى مؤدبا (٥) لسعيد بن عبد الملك، واتخذ هشام بن عبد الملك فى خلافته الزهرى المحدّث مؤدبا (٦) لأبنائه.
ومضت الشام طوال القرنين الثانى والثالث تعنى بتعلم العربية وإتقان الناشئة لها وقيام أمثال من سميناهم على تعليمها من المؤدبين والمعلمين. ويبدو أنهم كانوا يعدون تلاميذهم إعدادا واسعا، يدل على ذلك أن شاعرين ممن خرّجوهما-تخرج أولهما وهو أبو تمام فى الربع الأخير من القرن الثانى وتخرج الثانى فى أوائل القرن الثالث وهو البحترى-وضعا أقيم مجموعتين من اختيارات الشعر حتى زمنهما، وسمّى كل منهما مجموعته باسم الحماسة على نحو ما هو معروف. وكانت بغداد-مركز الخلافة-تجذب إليها بعض هؤلاء المؤدبين، وكان الخلفاء يتخذون منهم أحيانا مؤدبى أبنائهم، مثل أحمد بن سعيد الدمشقى وكان مؤدبا لأبناء الخليفة المعتز واختص بتخريج عبد الله بن المعتز الشاعر المشهور. ويبدو أن علماء اللغة فى الشام لم يستقلوا عن علماء النحو إلى حقب متطاولة،
стр. 2881
بمعنى أن عالم اللغة والنحو كان واحدا، وكان يؤلف فى الميدانين معا، وقد يكون شاميا أصيلا وقد يكون من نزلاء الشام.
وأول نحوى ولغوى كبير نلتقى به فى الشام الزجّاجى (١) عبد الرحمن بن إسحق، كان قد لزم الزجّاج العالم النحوى ببغداد، فنسب إليه، ونزل الشام فأقام بحلب مدة ثم انتقل إلى دمشق وأقام بها يعلّم كتابه الجمل، وهو كتاب بارع فى تعليم الناشئة، وظل يدرس بعده فى مصر والمغرب والحجاز واليمن فضلا عن الشام مددا متطاولة لوضوح عبارته ودقة تبويبه. وله أمال تزخر بالمعارف اللغوية وهى منشورة، وله فى علل النحو كتاب نفيس سماه الإيضاح وهو أقدم كتاب تناول هذا الموضوع تناولا مفصلا دقيقا، نشره الدكتور مازن مبارك مع مقدمة لى تحليلية. وقد ترجمت للزجاجى فى كتابى «المدارس النحوية» وأوضحت أنه من مؤسسى المدرسة البغدادية التى تعتمد على الآراء النحوية البصرية وتضم إليها بعض الآراء النحوية الكوفية مع النفوذ إلى آراء جديدة. وخرج فى سنة ٣٤٠ مع عامل الضياع الإخشيدية-إذ كانت الشام حينئذ تتبع الإخشيد-إلى طبريّة فتوفى بها.
وكانت حلب قد أخذت تنافس بغداد فى النهضة الفكرية، إذ بعث فيها سيف الدولة-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-حياة أدبية وعلمية باهرة بما جمع فى بلاطه من الفلاسفة مثل الفارابى والمترجمين مثل عيسى النفيسى والأطباء مثل أبى القاسم الرقى. وكان للغة والنحو حظ وافر من العلماء، إذ كان بحلب حينئذ أبو الطيب (٢) عبد الواحد اللغوى، وله كتاب مراتب النحويين وكتاب فى الأضداد، غير كتب لغوية أخرى. ونزل حلب ابن خالويه (٣) اللغوى النحوى واتخذه سيف الدولة مؤدبا لأبنائه، وله فى اللغة كتاب الاشتقاق وكتاب المقصور والممدود وكتاب المذكر والمؤنث وله فى النحو كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن العزيز وطبعته دار الكتب المصرية، وله كتاب فى القراءات منشور، وعنى بدراسة لغة العامة لأيامه، ومن أجل ذلك ألّف كتابه «ليس» فى كلام العرب، وعقب عليه الحافظ المصرى مغلطاى فى مواضع وسمى كتابه «الميس على ليس» ويريد بالميس الاختيال. وكان ينزع فى آرائه منزع الكوفة وتوفى بحلب سنة ٣٧٠.
стр. 2882
وبجانب ابن خالويه وأبى الطيب اللغوى كانت هناك طائفة من نحاة أقل شهرة مثل أحمد بن البازيار وأحمد السميساطى وعلى بن محمد العدوى وعبد (١) الله بن عمرو الفياضى، وكان معهم النامى الشاعر، وكان سيف الدولة يعجب بشعره، وبدأ حياته نحويا فى بلدته المصّيصة، ثم تحول شاعرا، وكانت له إملاءات لغوية ونحوية بحلب والتف حوله كثيرون من التلاميذ.
وكان كشاجم على شاكلة النامى لغويا وشاعرا وله كتاب المصايد والمطارد وهو منشور، وكان له كتاب فى البيزرة وكتاب ثان فى أدب النديم. ومثله كان الخالديان: عثمان وأخوه أبو بكر محمد، ولهما تصانيف فى الشعر والشعراء مثل كتاب الحماسة وأخبار أبى تمام وأخبار ابن الرومى.
ولمع حينئذ فى سماء حلب كوكبان نحويان لغويان كبيران هما أبو على الفارسى وتلميذه ابن جنى. وقد تحدثنا عن نشاطهما اللغوى والنحوى فى كتابنا «المدارس النحوية» ويهمنا هنا أن نذكر أن ابن جنى لزم المتنى فى بلاط سيف الدولة وبعد ذلك فى بغداد وإيران وروى عنه ديوانه وشرحه شرحين، صغير مختصر وكبير مطول وعلى أساسهما بنيت شروحه فيما بعد. وأهم من شرحه بعده من أهل الشام أبو العلاء المعرى، وله عليه شرحان: كبير ومتوسط وهما معجز أحمد واللامع العزيزى سماه بهذا الاسم لأنه قدمه إلى عزيز الدولة ثابت (٢) بن ثمال بن صالح بن مرداس سنة ٤٣٤ وربما كان يتولى المعرة حينذاك. وفى ذلك ما يشير إلى ما قلناه مرارا من أن حكام الإمارات والمدن كانوا رعاة للعلم والأدب، ولعل فيه ما يشير أيضا إلى أن بنى مرداس الذين خلفوا الحمدانيين وظلوا حكاما على إمارة حلب من سنة ٤١٥ إلى سنة ٤٦٧ أعادوا لها ذكرى الحركة الفكرية التى بعثها فيها سيف الدولة الحمدانى وأسرته.
ولعل بلدا عربيا لم يظفر بما ظفرت به الشام فى أبى العلاء الشاعر اللغوى العبقرى المولود سنة ٣٦٣ والمتوفى سنة ٤٤٩ للهجرة وقد استوعب كل تراث زمنه من العلوم اللغوية والشرعية وعلوم الأوائل واستظهر ذلك كله فى أشعاره وفى رسائله وكتاباته النثرية، وكان للغة وغرائبها الحظ الأكبر، وكأن ليس هناك شاذة ولا شاردة لغوية إلا سلكها فى أشعاره ورسائله. ولذلك كان يفرد دائما شروحا لغوية لأعماله، وقد أفرد لديوانه سقط الزند شرحا سماه ضوء السقط وهو منشور، وأفرد للزوميات شرحا سقط من يد الزمن، ويقال إنه كان فى مائة كراسة، وأفرد للفصول والغايات وهى فى الزهد والعظات شرحا، أنشأه فى غريبها وسماه «السادن» كان فى
стр. 2883
عشرين كراسة. ولعل فى ذلك ما يشير إلى أنه كان ينبغى فى نشر هذا الكتاب إفراد الشرح عن متنه، وكان قد وضع فى غاياته شرحا سماه إقليد الغايات مقداره عشر كراريس كان ينبغى أيضا أن يفرد عنه شرح غاية أو قافية كل فصل من فصوله. وهذا نفسه يلاحظ فى رسالته البديعة:
رسالة الغفران، فقد نشرت مع شرح يتخللها وينتظم فى تضاعيفها، وكان ينبغى أن ينحّى عنها ويوضع فى هوامشها بحيث يكون لها هوامش من إملاء أبى العلاء وهوامش أخرى خاصة بالتحقيق. ومثلها رسالة الصاهل والشاحج التى كتبها على لسان فرس وبغل: فقد أتبعها بشرح سماه «لسان الصاهل والشاحج». وقد نشرتها هى ورسالة الغفران الدكتورة بنت الشاطئ، ويقال إنه قدم رسالة الصاهل والشاحج لعزيز الدولة فاتك الذى كان واليا للفاطميين على حلب (١) من سنة ٤٠٧ إلى سنة ٤١٣ وقدم رسالته السّندية إلى والى حلب الذى خلف فاتكا:
سند (٢) الدولة بن عثمان الكتامى. ولعل فى الرسالتين ما يشير إلى أن ولاة الفاطميين فى المدة القصيرة التى تبعت فيها حلب القاهرة من سنة ٤٠٧ إلى سنة ٤١٥ كانوا يرعون الأدباء والعلماء بها، وبالمثل فى البلدان الشامية الأخرى التى كانت تتبع القاهرة قبل استيلاء السلاجقة عليها وقبل استيلاء حملة الصليب. وعمل أبى العلاء اللغوى لم يقتصر على ما أنتج من شعر ونثر فقد مرّ بنا أنه شرح ديوان المتنبى وبالمثل شرح ديوان أبى تمام حبيب بن أوس وسماه ذكرى حبيب وشرح ديوان البحترى وسماه عبث الوليد. وشرح من كتب اللغة فصيح ثعلب. وكان طلابه وتلاميذه الذين يتحلقون حوله يقرءون عليه كتبا لغوية مختلفة ويثبتون على نسخهم تعليقاته، من ذلك كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت وكتاب غريب الحديث لأبى عبيد. ويروى أنه ألف فى النحو كتابا سماه النافع وكان فى خمسة كراريس ولعله صنفه للناشئة. وفى الحق أنه كان إماما كبيرا فى اللغة، ويقول عنه تلميذه التبريزى: «ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعرى» (٣) ويعدد الصفدى من رزقوا السعادة فى أشياء لم يأت بعدهم من نالها ويذكر منهم أبا العلاء فى الاطلاع على اللغة. ويقول الذهبى: كان أبو العلاء عجبا فى الاطلاع الباهر على اللغة وشواهدها» (٤) ويقول ابن فضل الله العمرى: «كان أبو العلاء مطلعا على العلوم لا يخلو فى علم من الأخذ بطرف، متبحرا فى اللغة، متسع النطاق فى العربية (٥)». وإذا عرفنا أن هذا الإمام اللغوى الكبير
стр. 2884
لم ينشأ فى مدن الشام الثلاث الكبرى: حلب أو دمشق أو بيت المقدس، وإنما نشأ فى بلدة المعرّة الصغيرة القريبة من حلب، وأخذ العربية واللغة عن علماء منها كبنى كوثر (١) ومن يجرى مجراهم من تلامذة ابن خالويه وطبقته، إذا عرفنا ذلك اتضح لنا النشاط اللغوى والنحوى الكبير الذى كان مبثوثا لا فى مدن الشام الكبرى فحسب، بل أيضا فى مدنها وبلدانها الصغرى.
وفى كتب التراجم نحاة مختلفون كانوا يدرسون اللغة والنحو ويعلمونهما للناشئة ومن تجاوزوا سن الناشئة نذكر منهم فى زمن أبى العلاء، أحمد (٢) بن عبد الرحمن الطرابلسى ويذكر مترجموه أنه كان لا يزال حيا يعلم ويدرس سنة ٤١٣ لطلابه بطرابلس إلى أن وافاه بها القدر. وكان يعاصره عالى (٣) بن أبى الفتح بن جنى المتوفى سنة ٤٥٢ وكان يعلم العربيةى صور وصيداء ونلتقى من شراح المتنبى بالوأواء (٤) الحلبى اللغوى المتوفى سنة ٥٥١ وهو غير الوأواء الدمشقى شاعر سيف الدولة، كما نلتقى فى شيزر بمرهف بن أسامة بن منقذ المتوفى سنة ٦١٣ وله شرح (٥) على ديوان المتنبى، وتوفى معه فى نفس السنة أبو اليمن التاج الكندى زيد (٦) بن الحسن نحوىّ دمشق المشهور. وتزدهر الدراسات اللغوية والنحوية فى الشام أثناء القرن السابع الهجرى، ويلقانا أعلام ثلاثة كان لكل منهم شطر فى هذا الازدهار، أولهم يعيش (٧) بن على بن يعيش الحلبى الدار والمولد، ولد بحلب سنة ٥٥٦ للهجرة وأكب فى نشأته على تعلم العربية وأخذها عن نحاة موطنه، ولم يكتف بذلك فقد رحل إلى بغداد ثم دمشق يأخذ عن شيوخهما، وعاد إلى حلب يعلم العربية حتى وفاته سنة ٦٤٣ وكان يقرأ على طلابه بعض كتب ابن جنى ويشرحها مثل اللمع والتصريف، وأهم من شرحيه عليهما شرحه على كتاب المفصل للزمخشرى وهو منشور فى عشر مجلدات استقصى فيه آراء النحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين، ويكثر من انتصاره للبصريين، وقلما يستحسن آراء الكوفيين، وكثيرا ما يؤثر آراء البغداديين من أمثال أبى على الفارسى، وهو بذلك يسلك فى المدرسة البغدادية التى كانت تجمع فى مصنفاتها بين آراء النحاة البصريين والكوفيين وتنفذ إلى آراء جديدة فى هذه المسألة أو تلك، وفى كتابنا «المدارس النحوية» توضيح كاف لمنهج ابن يعيش فى النحو واختياره لآراء النحاة فيه من بصريين وكوفيين وبغداديين. .
стр. 2885
والعلم الثانى لم يكن شاميا بل كان مصريّا، ومنذ العصر الأيوبى كان علماء الشام ومصر يتبادلون التدريس والتعليم فى البلدتين، وكثيرا ما درّس وعلّم جلّة العلماء الحلبيين والدمشقيين والمقدسيين فى مدارس القاهرة ومساجدها مثل يحيى بن معطى المتوفى بمصر سنة ٦٢٨ وقد وضعناه بين نحاتها المصريين. وكثيرا ما نزل ببيت المقدس ودمشق وحلب مصريون واستوطنوها وأمضوا حياتهم هناك يعلمون ويدرسون ويفيدون، لا علماء النحو فحسب بل جميع العلماء من كل فرع من فروع العلم. وكان العلم المصرى النحوى الذى نزل الشام ابن الحاجب (١) عثمان بن عمر المتوفى سنة ٦٤٦ وهو مذكور بين النحاة فى القسم المصرى. ويهمنا هنا أن نعرف أنه حين أحسّ نضجه العلمى رحل إلى دمشق وكان مالكيا، فنزل بزاوية المالكية فى جامعها الأموى، وأخذ يدرس لطلابه هناك كتابيه الرائعين فى النحو والتصريف: الكافية والشافية، وأملى شرحين لهما. وتوالت بعده لنفاستهما الشروح عليهما بين عربية وفارسية حتى بلغت على الكافية-كما استقصاها بروكلمان-سبعة وستين شرحا، وعلى الشافية-ستة وعشرين. وظل ابن الحاجب طويلا فى دمشق وطلاب العربية مكبّون عليه حتى دخلت سنة ٦٣٩ وتحالف الملك الصالح إسماعيل مع حملة الصليب ضد ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب وتنازل لهم عن صفد وقلعة شقيف، وجاء ابن الحاجب نبأ الكارثة، وكان يخطب الجمعة فى المسجد الأموى، وكان إسماعيل قد ملك دمشق برهة، وغلا الدم فى عروقه فقطع اسم الملك إسماعيل من الخطبة معلنا بذلك احتجاجه على عمله المزرى، وردّ عليه إسماعيل بإبعاده إلى موطنه، فعاد إلى القاهرة وتركها إلى الإسكندرية وبها توفى سنة ٦٤٣.
والعلم الثالث لم يكن مصريا ولا شاميا، بل كان أندلسيا، وهو ابن (٢) مالك محمد بن عبد الله، ولد ونشأ وعكف على دراسة اللغة والنحو فى بلدته جيّان، حتى إذا شعر باكتمال تكوينه العلمى رحل سنة ٦٣٠ وهو فى الثلاثين من عمره إلى دمشق، وظل مدة فى حلب يأخذ عن ابن يعيش. ثم عاد إلى دمشق واستوطنها متوليا بها مشيخة المدرسة العادلية، ولم يلبث أن طار صيته فى آفاق الشام، فقصده الطلاب من كل فجّ، وكان يحسن إلى أبعد حد نظم الشعر العلمى فنظم فى النحو ألفيته المشهورة، وتوالت بعده شروحها حتى بلغت تسعة وأربعين شرحا، غير ما على بعض شروحها من حواش. وألف فى النحو بجانبها كتابه التسهيل وله عشرة شروح، وله فى
стр. 2886
الصرف لامية الأفعال ولها أيضا عشرة شروح، وتحفة المودود فى المقصور والممدود، وإيجاد التعريف فى علم التصريف. وبلغت مصنفاته نحو ثلاثين مصنفا بين منظوم ومنثور، وأوضحت فى كتاب المدارس النحوية منهجه فى النحو وأنه كان منهجا بغداديا مع مبله لاستخدام بعض الرخص الكوفية، وسنعود إلى الترجمة له ترجمة أكثر تفصيلا فى السّفر الخاص بالأندلس والمغرب إذ عداده حقا إنما هو فى الأندلسيين.
وتظل دراسات اللغة والنحو فى الشام بعد هؤلاء الأعلام الثلاثة مزدهرة، ويظل التبادل فيها موصولا بين علماء الشام ومصر طوال أيام المماليك ونذكر من نحاة الشام ولغوييها الذين تكوّنوا فى موطنهم ثم نزلوا القاهرة ودرّسوا النحو واللغة فيها للطلاب بهاء (١) الدين بن النحاس الحلبى المولود سنة ٦٢٧ سمع مواطنه ابن يعيش وتلقى عنه العلم ثم بارح حلب إلى القاهرة والتفّ الطلاب حوله وصار شيخ العربية بالديار المصرية حتى توفى سنة ٦٩٨ وينسب له شرح على ديوان امرئ القيس نشره الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم مع مجموع شروح الديوان بدار المعارف. ومن هؤلاء اللغويين والنحاة المستوطنين لمصر ابن الصائغ (٢) محمد بن الحسن المولود بدمشق سنة ٦٤٥ نزل القاهرة وأقام بها يقرئ الناس العربية وكان شاعرا كما كان لغويا، وله شرح على مقصورة ابن دريد وشرح على ملحة الحريرى ومختصر لصحاح الجوهرى جرّده فيه من الشواهد، توفى بالقاهرة سنة ٧٢٢. ومن أهم هؤلاء النحاة المهاجرين من الشام إلى مصر وأشهرهم بهاء (٣) الدين بن عقيل عبد الله بن عبد الرحمن الحلبى الأصل والمولد، وقد لزم شيوخ الفقه الشافعى والحديث والعربية بمصر يأخذ عنهم، وخاصة النحوى الكبير أبا حيان، وألف شرحه المشهور على الألفية ويمتاز بالوضوح ونصاعة العبارة، ولذلك عنى به الشراح فشرحوه مرارا وله شرح على كتاب التسهيل لابن مالك، وظل يشتغل بالتدريس فى مدارس متعددة حتى توفى سنة ٧٦٩. وإنما أردنا بذكر اللغويين والنحويين الشاميين النازلين بالقاهرة إلى أن ندل من جهة على أن التبادل العلمى بين القاهرة والشام فى النحو ظل طوال زمن المماليك نشيطا، وظلت دراساته حية قوية إلى أبعد حد، وتتوالى أمامنا تراجم كثيرة طوال القرن التاسع الهجرى نقرأ فيها أن هذا الشيخ أو ذاك كان بارعا فى القراءات أو فى الفقه وأصوله وأيضا فى العربية، ولم تكن توجد بلدة لا فى الشام فحسب بل أيضا
стр. 2887
فى كل العالم العربى الاوهى تعنى بدراسة اللغة والنحو. وظل كثيرون من شيوخ العربية يضعون الشروح لطلابهم على كثير من متون النحو ومختصراته.
ونمضى إلى زمن العثمانيين وتظل دراسات العربية بالشام نشيطة، إذ لا يستقيم لسان الناس وتلاوتهم للذكر الحكيم بدونها، بل لقد ظلت جميع الدراسات العلمية وانبرى لها علماء فى كل الفروع يدرسونها للطلاب دراسة مرتبة مفصلة، وأخذ النحو نصيبه من ذلك فظهر فيه علماء نابهون فى مقدمتهم الشيخ ياسين (١) بن زين الدين العليمى المتوفى سنة ١٠٦١ للهجرة، وله حاشية على شرح التصريح للشيخ خالد الأزهرى المصرى، وهو شرح على التوضيح أو أوضح المسالك لابن هشام. والحاشية تدل بوضوح على أن الشيخ ياسين لم يكد يترك كتابا من كتب النحو الكبرى التى تجمع آراء النحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين حتى زمنه من مثل همع الهوامع للسيوطى والمغنى لابن هشام وارتشاف الضّرب (عسل النحو) لأبى حيان. بل لقد أمعن فى قراءة النحو عند ابن يعيش، وتجاوزه إلى من سبقوه، من أئمة المذاهب النحوية، بحيث تحول بحاشيته إلى ما يشبه موسوعة نحوية كبرى، فإذا قلنا إن الدراسات النحوية واللغوية بالشام فى زمن العثمانيين كانت لا تزال نشيطة تخفق بغير قليل من الحيوية لم نكن مبالغين.
وإذا تركنا النحو واللغة إلى مباحث البلاغة والنقد وجدنا شعراء الشام متصلين اتصالا وثيقا بالتطور الذى حدث فى الشعر لأول أيام بنى العباس وما اصطنعه فيه الشعراء من المحسنات المعنوية واللفظية مما سمى فيما بعد باسم البديع، ويلاحظ ذلك الجاحظ على العتّابى الشاعر الشامى لزمن الرشيد فيقول إنه كان يحتذى حذو بشار (٢) زعيم المجددين فى العصر العباسى الأول. وما يزال الشعراء العباسيون يعنون بتلك المحسنات حتى استطاع مسلم بن الوليد أن ينميها حتى ليتخذها كالمذهب له، وما يلبث أبو تمام الشاعر الشامى أن يتناولها منه ويبلغ بها الغاية المنتظرة من تكوين هذا المذهب الجديد الذى كان يسميه مسلم باسم البديع وفيه يقول أبو الفرج الأصبهانى. (هو فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع وهو لقّب هذا الجنس البديع واللطيف وتبعه فيه جماعة أشهرهم أبو تمام الطائى) (٣). وآثرنا فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» أن نسميه مذهب
стр. 2888
التصنيع أى التنميق حتى يشمل البديع وألوانه الحسية المعروفة كما يشمل الزخرف المعنوى على نحو ما صورنا ذلك عند أبى تمام (١). على كل حال شاعر الشام أبو تمام المتوفى حوالى سنة ٢٣٠ للهجرة هو الذى تلقى بسرعة البرق هذا المذهب الجديد عن مسلم بن الوليد قبل اكتماله وأعطاه صورته النهائية (٢). ومن ذلك نخلص إلى أن الشام إن كانت قد تأخرت فى صنع كتب البلاغة والنقد من الوجهة النظرية فإنها سبقت إلى الرقى ببلاغة الكلام نثرا وشعرا كما عند العتابى الكاتب والشاعر البليغ وأبى تمام حامل لواء الشعر فى زمنه غير منازع.
وما نتقدم طويلا فى القرن الرابع الهجرى حتى نلتقى بأكبر حلقة نقدية أدبية طالما طمحت إليها أنظار الشعراء الشاميين، ونقصد حلقة حلب التى تكونت حول سيف الدولة بطل القوى العربية المصارعة للبيزنطيين. وكان سيدا بالمعنى العربى الكامل شجاعا كريما نبيلا مثقفا شاعرا، وهب نفسه لحرب البيزنطيين وسحقهم، كما وهبها هى وما له لإحداث حركة أدبية تنافس بها حلب بغداد إن لم تتفوق عليها، وطارت شهرته فى إكرام العلماء والشعراء كل مطار، وسرعان ما التفّ حوله وعاش فى كنفه من تحدثنا عنهم آنفا من الفلاسفة والأطباء وعلماء التنجيم واللغويين والنحاة وكثرة من الشعراء وكأنما لم يبق شاعر نابه فى إيران والعراق والموصل والشام إلا أقبل إلى هذه الندوة الفكرية التى عاش فيها المتنبى تسع سنوات طوالا، وحوله من العلماء أمثال ابن جنى اللغوى والشعراء أمثال النامى والكتاب أمثال أبى بكر الخوارزمى، وهم يدوّنون شعره ويتدارسونه ويتناقشون معه حوله. ولزمه ابن جنى-كما مر بنا-وشرح ديوانه شرحين: كبيرا وصغيرا، وكان أبو على الفارسى يراه حجة فى اللغة لا نظير له. وكان إذا سئل عن لفظة فى شعره أو تعبيره ساق عليه الشواهد الكثيرة من أشعار العرب، وتصادف أن أنشد سيف الدولة أولى قصائده (٣):
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وكان ابن خالويه حاضرا فقال له: يا أبا الطيب إنما يقال شجاه، توهمه فعلا ماضيا وهو صيغة تفضيل فقال له أبو الطيب: اسكت فما وصل الأمر إليك (٤). وكان ذلك سببا فى أن فسد
стр. 2889
ما بينهما طوال مقام المتنبى عند سيف الدولة. وظل ابن خالويه يكنّ له الضغينة، واستطاع أن يؤلّب عليه أبا فراس وبعض من كانوا حول سيف الدولة، مما جعل المتنبى يغادر حلب إلى غير مآب. والمهم أنه كان ينعقد من حين لآخر غبار من النقد اللغوى حول شعر المتنبى فى حلقة سيف الدولة، وصور من هذا النقد كانت تنعقد بين شعراء الحلقة، وكثيرا ما كانوا يتحاورون فى سرقاتهم ممن سبقوهم من الشعراء، وهم أثناء ذلك يتناشدون أشعارهم أو أشعار سابقيهم مستحسنين تارة ومستهجنين أخرى. وجميعها صور من النقد الذى يصقل الملكة الأدبية، وصوّر ذلك أبو بكر الخوارزمى الكاتب المشهور وأحد من تزود بما كان فى الحلقة من نقد خصب، فقال: «ما فتق قلبى وشحذ فهمى وصقل ذهنى وأرهف حدّ لسانى وبلغ هذا المبلغ بى إلا تلك الطرائف الشامية واللطائف الحلبية التى علقت بحفظى وامتزجت بأجزاء نفسى، وغصن الشباب رطيب ورداء الحداثة قشيب» (١).
ونلتقى بعد هذه الحلقة بأبى العلاء، وقد تعددت وجوه نقده اللغوى، فهو يضمنها شروحه لدواوين أبى تمام وسمّاه ديوان حبيب وديوان المتنبى وسماه معجز أحمد-كما مر بنا-وراجع البحترى مرارا ناقدا له ولذلك سمى شرحه لديوانه-كما أسلفنا-عبث الوليد وهو اسمه والبحترى لقبه، واختار الاسم للكتاب لما فيه من تورية واضحة. وهو يتكلم فى شروحه للشعراء الثلاثة عما فى أشعارهم من غريب ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وأحيانا ينتصر لهم وأحيانا ينتقدهم مع التوجيه-ما استطاع-لما يظنّ أن أبا تمام والمتنبى أخطآ فيه. ولأبى العلاء فى رسالة الغفران نقد كثير أجراه فى القسم الأول على لسان صديقه ابن القارح حين أدخله الجنة وجعله يلقى الشعراء والرجاز ويعرض أثناء ذلك نقدا متنوعا لرواية الأشعار ولألفاظها العويصة وتراكيبها النحوية وبعض العيوب فى أوزانها وقوافيها. وسوّى من هذا النقد فى الرسالة الدكتور أمجد الطرابلسى كتابا بعنوان: «النقد واللغة فى رسالة الغفران» ويظل النقد نشيطا فى الشام حتى أيام العثمانيين إذ نجد يوسف البديعى (٢) المتوفى سنة ١٠٧٣ يؤلف كتابين نفيسين فى النقد والتاريخ الأدبى، هما «هبة الأيام فيما يتعلق بأبى تمام» و «الصبح المنبى فى الكشف عن حيثية المتنبى» وهو يعرض فى الكتابين سيرة الشاعرين عرضا تفصيليا كما يعرض آراء النقاد السابقين فيهما، ولا يكاد يترك خبرا مهما يتصل
стр. 2890
بسيرتهما ولا رأيا نقديا يتصل بأشعارهما مما يحيل الكتابين إلى مبحثين تاريخيين نقديين بارعين للشاعرين.
واهتمت الشام بالدراسات البلاغية اهتماما واسعا، وكان أول كتاب صدر لها فى هذه الدراسات كتاب (١) سر الفصاحة لابن سنان الخفاجى عبد الله بن محمد المتوفى سنة ٤٦٦ وسنترجم له بين الشعراء. والكتاب-كما يتضح من عنوانه-يناقش قضية الفصاحة ويقدّم لها بحديث عن أحكام الأصوات ومخارجها، ثم يصور الفرق بينها وبين البلاغة، فيجعلها خاصة بالألفاظ ويجعل البلاغة عامة تشمل الألفاظ والمعانى. ويتناول صفات الفصاحة فى الكلمة المفردة ثم فى الكلام، ويخوض فى تحليلات دقيقة تتصل بفنون الفصاحة وما يرتبط بها من البلاغة والبديع ومحسناته. ونلتقى بأسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ وسنترجم له بين الشعراء، وله كتاب سماه البديع فى نقد الشعر، وهو فيه يعنى بالمحسنات البديعية، وقد عرض منها فى الكتاب خمسة وتسعين محسنا. ويصنف الزّملكانى» الدمشقى عبد (٢) الواحد بن عبد الكريم المتوفى سنة ٦٥١ كتابا بعنوان «التبيان فى علم البيان» استضاء فيه كما قال فى مقدمته بكتاب دلائل الإعجاز لعبد القاهر، وقد عرض فيه مباحث كثيرة تتصل بعلوم المعانى والبيان والبديع مع إقحام بعض المباحث النحوية والمنطقية. ونلتقى سريعا ببدر (٣) الدين بن محمد بن مالك الأندلسى العالم النحوى الذى تحدثنا عنه آنفا بين النحاة، وله مثل أبيه مباحث نحوية، وعنى بتلخيص كتاب المفتاح للسكاكى فى كتابه «المصباح فى علوم المعانى والبيان والبديع» وقد أخلى ملخصه أو مختصره من تعقيدات كتاب المفتاح المنطقية والكلامية والفلسفية، ولم يجعل البديع-مثل السكاكى-ذيلا لعلمى المعانى والبيان، بل جعله علما مستقلا كما يتضح من عنوان كتابه. وقد أحصى من محسناته أربعة وخمسين محسنا.
ولم يلبث الخطيب (٤) القزوينى الدمشقى المتوفى سنة ٧٣٩ أن ألف تلخيصا دقيقا واضحا
стр. 2891
لكتاب المفتاح كتب له أن يذيع بين علماء البلاغة وأن يكتبوا له كثيرا من الشروح بحيث أصبح محور الدراسة للبلاغة وفنونها شرقا وغربا منذ زمنه إلى اليوم. وعنى ببسط قضايا علوم البلاغة:
المعانى والبيان والبديع فى كتاب ثان له سماه الإيضاح، وله نفس الشهرة التى حظى بها تلخيصه.
ويصنّف ابن قيم (١) الجوزية الدمشقى المتوفى سنة ٧٥١ كتابه «الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلوم البيان» وفيه يتحدث عن الفصاحة والبلاغة وفنون البيان والمعانى والبديع. وتنقص الكتاب دقة الترتيب والتبويب. وكان يعاصره الصفدى المتوفى سنة ٧٦٤ وسنترجم له بين المورّخين، وعنى بثلاثة فنون من فنون البديع: الجناس وله فيه كتاب جنان الجناس وهو مطبوع، والتورية والاستخدام وله فيهما كتاب فض الختام فى التورية والاستخدام وبدار الكتب المصرية مخطوطة منه. ونصبح فى زمن تأليف البديعيات وشروحها وهى قصائد فى مديح الرسول ﷺ يتضمن كل بيت فيها محسنا من محسنات البديع. وينظم ابن حجة الحموى المتوفى سنة ٨٣٧ بديعية فى مائة واثنين وأربعين بيتا أحصى فيها محسنات البديع، وقد بلغت عنده نحو مائة وأربعين محسنا وشرحها شرحا مفصلا سماه بحق خزانة الأدب، إذ يشتمل على نظرات تحليلية نقدية وبلاغية كثيرة تتصل بالشعر والشعراء وخاصة فى زمن الأيوبيين والمماليك، بحيث يصبح مصدرا مهما لمن يكتبون عن الأدبين المصرى والشامى فى تلك الحقب، مع منتخبات بديعة للشعراء والكتّاب تدل على ذوق أدبى مرهف، وسنترجم له بين الكتّاب. وظل نشاط البديعيات متصلا أيام العثمانيين، ولعبد الغنى النابلسى الذى سنترجم له فى غير هذا الموضع بديعيتان (٢) ومع كل بديعية شرح خاص بها.
٤ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام
أخذت الشام تعنى بقراءة الذكر الحكيم منذ دخلها الإسلام مع الأفواج الأولى من الصحابة، ومن أهم قرائها فى الصدر الأول أبو الدرداء قاضى دمشق المتوفى سنة ٣٢ للهجرة وكان إذا صلّى الغداة فى جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه. ومرّ بنا ذكر ذلك وأنه كان
стр. 2892
يجعل الناس عشرة عشرة ويجعل على كل عشرة عريفا، وعدّ يوما من يقرءون عنده فوجدهم ألفا وستمائة ونيفا، ولعل فى ذلك ما يوضح إقبال الناس فى الشام سريعا على قراءة الذكر الحكيم، وظلوا يدوّون به فى مساجدها. وخلف أبا الدرداء فى إقراء الناس بدمشق عبد (١) الله بن عامر اليمنى العربى المتوفى سنة ١١٨ للهجرة وكان عريفا على عشرة عنده ممن يقرأون. ولم يكتف بأخذ القرآن وسماعه منه وعرضه عليه فقد أضاف إليه المغيرة بن أبى شهاب، فقرأ عليه القرآن، وكان المغيرة قرأه على عثمان بن عفان. واستطاع أن يبلغ من إحكام قراءته ما جعل ابن مجاهد بعد يختاره بين القراء السبعة المقدّمين، إذ كان بحق إمام أهل الشام فى القراءة، ويقول ابن مجاهد فى أوائل القرن الرابع: على قراءته أهل الشام والجزيرة ثم يعود، فيقول: «والغالب على أهل الشام قراءة ابن عامر» ويقول ابن الجزرى فى ترجمته: «لا زال أهل الشام قاطبة على قراءة ابن عامر تلاوة وصلاة وتلقينا إلى قريب من سنة خمسمائة».
وخلف ابن عامر على قراءته بدمشق يحيى (٢) بن الحارث الذّمارى الدمشقى إمام الجامع الأموى المتوفى سنة ١٤٥ وخلفه بالقيام على قراءة ابن عامر تلميذان بدمشق: أيوب (٣) بن تميم الدمشقى المتوفى سنة ١٩٨ وعنه أخذها عبد (٤) الله بن ذكوان إمام جامع دمشق وشيخ الاقراء بالشام المتوفى سنة ٢٤٢ والتلميذ الثانى عراك (٥) بن خالد شيخ أهل دمشق فى زمنه المتوفى قبل المائتين، وعنه وعن أيوب بن تميم أخذها هشام (٦) بن عمار إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم المتوفى سنة ٢٤٥. وبذلك أصبح لقراءة ابن عامر فى الشام طريقان: طريق ابن ذكوان وطريق هشام بن عمار، وهما تتقابلان فى كتاب السبعة لابن مجاهد: الأولى أخذها عن أحمد بن يوسف التغلبى، والثانية أخذها عن أحمد بن محمد بن بكر. ولا بد أن نلاحظ أنه كان بالشام من اختار لنفسه قراءة غير قراءة ابن عامر حتى منذ القرن الثانى فقد نزل المدينة عتبة بن حماد الدمشقى، فقرأ الموطأ على الإمام مالك وأخذ عن نافع أحد القراء المشهورين قراءته (٧)، وبالمثل أخذها عنه أبو مسهر (٨) الغسانى عبد الأعلى بن مسهر المتوفى سنة ٢١٨. ويغلب أن يكون هناك آخرون قرءوا بقراءة ابن كثير قارئ مكة أو غيره من القراء السبعة.
стр. 2893
ومرّ بنا ذكر ابن خالويه فى بلاط سيف الدولة وكان قد تصدّر فى حلب لإفادة الطلاب عشرات السنين، ونظن أنه عرض عليهم-فيما عرض القراءات السبع، إذ كان قد حملها عن ابن مجاهد كما ذكر ابن الجزرى، وأيضا فإن له فى توجيه تلك القراءات كتابا معروفا. ويشهد لما نقول أننا نجد بين تلاميذه الحلبيين قارثا كبيرا هو أبو الطيب عبد (١) المنعم بن غلبون الحلبى المتوفى سنة ٣٨٩ وله كتاب الإرشاد فى القراءات السبع، ومن أهم تلاميذه ابنه طاهر (٢) المتوفى سنة ٣٩٩ مؤلف التذكرة فى القراءات الثمان وهو أستاذ أبى عمرو الدانى صاحب كتاب التيسير المشهور فى القراءات. وذكرنا فى مقدمة الطبعة الأولى لكتاب السبعة أنه كان من بين ما اعتمدنا عليه فى تحقيقه مخطوطة لكتاب الحجة فى علل القراءات السبع لأبى على الفارسى تلميذ ابن مجاهد تحتفظ بها مكتبة جامعة القاهرة ومجلداتها الأولى بخط طاهر بن عبد المنعم بن غلبون. وربما كان أبوه حمل هذا الكتاب عن أبى على الفارسى مباشرة حين مقامه بحلب، كما مر بنا. ويصنف عبد (٣) الجبار الطرسوسى المتوفى سنة ٤٢٠ كتاب المجتبى فى القراءات. ونلتقى بالحسن (٤) بن على الأهوازى شيخ القراء بدمشق منذ سنة أربعمائة حتى وفاته سنة ٤٤٦ وكان قد استوطنها منذ سنة ٣٩١ وكان يكثر من الحملة على الأشعرى والأشعرية، ومن أجله صنف ابن عساكر-فيما بعد-كتابه: تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبى الحسن الأشعرى، وكانت له مؤلفات كثيرة فى القراءات والقرآن وعلومه.
وما يزال التأليف فى القراءات والقرآن وعلومه مستمرا فى الشام حتى نلتقى بابن (٥) الطحان عبد العزيز بن سلمة نزيل حلب المتوفى حول سنة ٥٦٠ وله تصانيف مفيدة فى علوم القرآن منها كتاب الوقف والابتداء، وكان على علم واسع بالقراءات. ونلتقى فى أيام الأيوبيين بأبى اليمن (٦) الكندى زيد بن الحسن نزيل دمشق المتوفى سنة ٦١٣ وهو من المعمّرين ويقال إنه قرأ القراءات العشر وهو
стр. 2894
ابن عشر سنين وظل يقرأ القراءات ثلاثا وثمانين سنة. ومن تلاميذه علم (١) الدين السخاوى على بن محمد شيخ مشايخ الإقراء بدمشق وقد ظل يقرئ الناس نيفا وأربعين سنة حتى توفى سنة ٦٤٣ وله مصنفات كثيرة فى القراءات والتفسير منها شرح الشاطبية وهو أجل شروحها، ومنها جمال القراء وكمال الاقراء. ومن تلاميذه الذين تصدّروا القراءة فى دمشق أبو الفتح (٢) محمد بن على ولى مشيخة القراءة بتربة أم الصالح، وأبو شامة المتوفى سنة ٦٦٥ تولّى مشيخة الحديث الكبرى بالأشرفية، وسنذكر مصادر ترجمته بين المؤرخين، والقاضى عبد السلام الزواوى المتوفى سنة ٦٨١ وسنذكر مصادر ترجمته بين فقهاء المالكية، تولى مشيخة الإقراء الكبرى بالتربة الصالحية بعد وفاة شيخها أبى الفتح وإليه انتهت رياسة الإقراء بالشام. ومن كبار القراء بالشام فى القرن الثامن ابن (٣) جبارة المقدسى، درس القراءات بمصر وطاف بدمشق وحلب ثم استقر فى بيت المقدس موطنه مدرسا للقراءات وعلوم العربية حتى توفى سنة ٧٢٨. وكان يعاصره برهان (٤) الدين الجعبرى استوطن بلدة الخليل بجوار بيت المقدس حتى توفى سنة ٧٣٢ وكان يقرئ الناس بها وصنّف فى القراءات كتاب نزهة البررة فى القراءات العشرة. ونلتقى بابن البارزى قاضى حماة ومفتى الشام المتوفى سنة ٧٣٨ وله شرح على الشاطبية وكتاب الشرعة فى قراءات السبعة. وما نزال نقرأ عن مؤلفات شامية فى القراءات حتى نصل إلى ابن (٥) الجزرى محمد بن محمد المتوفى سنة ٨٣٣ وله كتاب النشر فى القراءات العشر وهو منشور وكتاب غاية النهاية فى طبقات القراء وهو مصدرنا الأساسى فى الحديث عنهم. ومن كبار القراء والحفاظ بعده شمس الدين الرملى الدمشقى أحمد بن أحمد بن محمد، ولد بالرملة ورحل إلى دمشق للقاء علمائها وفيها أكب على القراءات والحديث والفقه، وتولّى مشيخة الإقراء بالجامع الأموى حتى توفى سنة ٩٢٣. وظلت القراءات بالشام نشيطه أيام العثمانيين حتى العصر الحديث، يتجرّد لها العلماء تارة، وتارة ثانية يجمعون بينها وبين بعض العلوم كالتفسير أو الفقه أو علوم العربية.
وعلى نحو ما عنيت الشام بالقراءات عنيت بتفسير القرآن الكريم، حتى إذا أخرج الطبرى
стр. 2895
تفسيره أكبت عليه ندرسه، ويلقانا لها مفسر مهم هو عبد (١) الله بن عطية الدمشقى المفسر المتوفى سنة ٣٨٣ كان يحفظ الآلاف من أبيات الشعر العربى واستخدمها فى تفسيره لمعانى الألفاظ القرآنية. ونلتقى بعده بسليم بن أيوب المتوفى سنة ٥٤٧ وله تفسير (٢) للقرآن الكريم. ويلقانا فى أيام نور الدين محمد بن ظفر المكى الذى عرضنا له فى الحديث عن شعراء الزهد فى الجزيرة العربية المتوفى سنة ٥٦٥ استوطن حماة بأخرة من حياته وألف فيها تفسيره المسمى «ينبوع الحياة» (٣).
واستوطن حلب تلميذ من تلامذة الزمحشرى هو عالى (٤) بن إبراهيم الغزنوى وأقام بها يدرس ويصنف حتى وفاته سنة ٥٨٢ وفيها ألف تفسيرا كبيرا فى مجلدين سماه تفسير التفسير. واستوطن دمشق الصوفى الكبير ابن عربى المتوفى سنة ٦٣٨ وله تفسير صوفى لم يتمه وهو مطبوع. وللعز بن عبد السلام الفقيه الشافعى الدمشقى نزيل مصر الذى عرضنا له فيها بين فقهاء الشافعية تفسير بلاغى، وفى دار الكتب المصرية مخطوطة منه.
ونلتقى فى أوائل القرن الثامن بمفسرين كبيرين هما هبة الله بن البارزى وابن تيمية، أما هبة (٥) الله فكان قاضيا لحماة وإليه انتهت مشيخة المذهب الشافعى بالشام وله شرح على الشاطبية فى القراءات، وله روضات الجنان فى تفسير القرآن فى عشر مجلدات توفى سنة ٧٣٨. أما ابن تيمية فقد مر بنا حديث مفصل عنه فى الحركة العلمية، ونعرض هنا منهجه فى التفسير القرآنى وقد صوره فى رسالة عنوانها أصول التفسير، ومن خلالها أجملناه فى مقدمة كتابنا: «سورة الرحمن وسور قصار: عرض ودراسة» موضحين أنه حمل على الإسرائيليات المدسوسة فى التفاسير وعلى المعتزلة والشيعة الباطنية الذين يؤولون ألفاظ القرآن وعباراته كما حمل على المتصوفة فى تفاسيرهم من مثل تفسير ابن عربى، ورأى أن خير طرق التفسير تفسير القرآن بالقرآن فإن لم يف القرآن أحيانا رجع المفسر إلى الحديث النبوى وأقوال الصحابة والتابعين الذين عايشوهم وعرفوا منهم معانى القرآن الكريم. وبعد استيفاء ذلك كله وما يتصل به من إتقان العربية وتعمق علوم الشريعة والوقوف بدقة على دلالات القرآن وحسن تذوقه لخصائصه البلاغية يستطيع المفسر أن يجتهد فى التفسير ويستنبط استنباطات سديدة. وطبّق منهجه على سورة النور وسورتى المعوذتين القصيرتين
стр. 2896
وخصّ سورة الإخلاص أو التوحيد بكتاب. ويتحول تفسيره للآية الكريمة إلى بحث فى مضمونها من خلال القرآن جميعه.
ونهج نهج ابن تيمية فى تفسير الذكر الحكيم تلميذه ابن قيم الجوزية على نحو ما يتضح فى كتابه. «التبيان فى أقسام القرآن» وفى تفسيره للمعوّذتين. وكان يعاصره السمين (١) الحلبى أحمد بن يوسف وكان نحويا مقرئا ونزل مصر وبها توفى سنة ٧٥٦ وله تفسير ضخم فى عشرين مجلدا، وكتاب فى إعراب القرآن فى ثلاثة مجلدات باسم الدر المصون، وكتاب فى أحكام القرآن، وله شرح على الشاطبية فى القراءات، وشرح ثان على التسهيل لابن مالك فى النحو. ونلتقى بابن (٢) كثير أكبر المفسرين الشاميين وأهمهم المتوفى بدمشق سنة ٧٧٤ نشرت تفسيره مطبعة المنار فى تسعة أجزاء، وعداده فى التفسير بالمأثور من أقوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين والمفسرين السابقين، وفيه يقول ابن حجر ناقدا: «لم يكن ابن كثير على طريق المحدثين فى تحصيل العوالى وتمييز العالى من النازل ونحو ذلك من فنونهم وإنما هو من محدثى الفقهاء» ويقول الشوكانى مثنيا على تفسيره: «جمع فيه فأوعى ونقل المذاهب والأخبار والآثار وتكلم بأحسن كلام وأنفسه، وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها» ويصنف العليمى عبد الرحمن بن محمد الحنبلى المتوفى سنة ٩٢٧ للهجرة تفسيرا للذكر الحكيم، وتؤلف كتب تفسير أخرى، ويظل تفسير ابن كثير التفسير المتداول بين علماء الشام إلى العصر الحديث.
وشغلت الشام منذ دخلت فى الدين الحنيف بتلاوة الذكر الحكيم وتفسيره كما شغلت بالحديث النبوى مكمّل الدين القيم ومبينه وموضح تعاليمه، وكان أول المحدثين بها صحابة رسول الله ﷺ ، ثم حمله عنهم التابعون يحدثون به الناس من أمثال مكحول (٣) مفتى الشام ومحدثها المتوفى سنة ١١٨. وكان يعاصره محمد (٤) بن شهاب الزهرى أول من دوّن الحديث تدوينا عاما، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه، وعاش بعد عمر ثلاثة وعشرين عاما إذ توفى سنة ١٢٤ ويقال إنه روى عن عشرة من
стр. 2897
الصحابة لحقهم، وقد أتاح للشام أن تكون أول جامعة وناشرة للحديث النبوى وكان موظفا لدى الأمويين وعمل قاضيا ليزيد بن عبد الملك، وعنه حمل الحديث الأوزاعى فقيه الشام المتوفى سنة ١٥٧ وعداده فى الفقهاء، كما حمله الإمام مالك فقيه المدينة والليث بن سعد فقيه مصر وسفيان ابن عيينة وسفيان الثورى فقيها العراق. وعن تلاميذ الزهرى والأوزاعى فى الشام حمل الحديث هشام ابن عمار مقرئ دمشق ومفتيها الذى مرّ بنا ذكره بين القراء. وممن حمل عنه الحديث القاضى عبد (١) الصمد بن عبد الله قاضى دمشق، وعنه روى الحديث أبو زرعة الدمشقى شيخ الشام فى الحديث. ونلتقى بخيثمة (٢) بن سليمان الطرابلسى أحد الحفّاظ الثقات المشهورين المتوفى سنة ٣٤٣. ولا تلبث بلدة طبريّة بالشام أن تقدّم سليمان (٣) بن أحمد الطبرانى المولود سنة ٢٦٠ والمتوفى سنة ٣٦٠ صاحب المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، وقد جمع فى الكبير أحاديث جميع الصحابة ما عدا أبا هريرة إذ أفرد له كتابا خاصا. وكان يعاصره الحسين (٤) بن محمد الماسرجسىّ الحافظ المتوفى سنة ٣٦٥ أخذ بدمشق عن أصحاب هشام بن عمار. صنّف المسند الكبير مهذّبا معلّلا فى ألف وثلاثمائة جزء ولم يصنّف فى الإسلام أكبر من مسنده وجمع حديث ابن شهاب الزهرى جمعا لم يسبقه إليه أحد وكان يحفظه مثل الماء.
ونلتقى بحافظ من صيداء هو أبو الحسين (٥) محمد بن أحمد الغسانى المولود سنة ٣٠٥ والمتوفى سنة ٤٠٢ وله مسند على ترتيب أوائل أسماء الرواة. ويلقانا حافظ من صور هو محمد (٦) بن على الصورى المتوفى سنة ٤٤٦ قدم بغداد وأخذ عنه حفاظها الثقات. ويلقانا حافظ بيت المقدس محمد (٧) بن طاهر المقدسى المعروف باسم ابن القيسرانى المتوفى سنة ٥٠٧ وله مصنفات فى الحديث النبوى متعددة، منها: «أطراف الكتب الستة» وهى صحيح البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة.
стр. 2898
وينشط المحدثون أيام نور الدين والأيوبيين فى مقدمتهم أبو القاسم (١) بن عساكر المتوفى سنة ٦٧١ وبنى له نور الدين دار الحديث النورية بدمشق، وله فى الحديث مصنفات كثيرة مفيدة، منها «الأطراف» جمع فيه ما اتفق عليه الأئمة الثقات فى الحديث، وله وراء ذلك أمال كثيرة.
وجاء بعده عبد (٢) الغنى الجمّاعيلى المتوفى سنة ٦٠٠ وله كتاب فى أحاديث الأحكام الشرعية سماه «عمدة الأحكام فى معالم الحلال والحرام عن خير الأنام» وكتبت له الأجيال التالية شروحا كثيرة، وهو صاحب كتاب الكمال فى معرفة أسماء الرجال. وكتب له جمال الدين يوسف المزّى الآتى ذكره تكملة بعنوان «تهذيب الكمال» وله مختصرات كثيرة. وأكمل التهذيب مغلطاى بعنوان إكمال تهذيب الكمال، ونلتقى بابن (٣) الصلاح عثمان بن صلاح الدين المتوفى سنة ٦٤٣ وهو حافظ كبير تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق وله كتاب أقصى الأمل والشوق فى علوم حديث الرسول، طبع مرارا بعنوان مقدمة ابن الصلاح فى علوم الحديث وله مختصرات كثيرة.
ويلقانا محيى الدين النووى الفقيه الكبير المتوفى سنة ٦٧٦ وعداده بين فقهاء الشافعية، وكان حافظا متقنا، وله شرح على صحيح مسلم هو أهم شروحه، وله رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين وكتاب الأذكار المنتخب من كلام سيد الأبرار وله الأربعون النووية وكتاب التقريب فى مصطلح الحديث وكتاب تهذيب الأسماء واللغات، ودرّس بدار الحديث الأشرفية فى دمشق وغيرها.
وكان يعاصر النووى اليونينى على (٤) بن محمد بن أحمد شرف الدين المتوفى سنة ٧٠١ وله خدمة عظيمة أداها لصحيح البخارى، اذ حاول أن يخرج من مخطوطاته نسخة فى أدق صورة ممكنة لمنفعة المسلمين فى العالم الإسلامى، واختار أصلا لهذا الإخراج نسخة وثيقة كانت موقوفة بمدرسة أقبغا آص بالقاهرة وقابلها فى واحد وسبعين مجلسا على أصل مسموع للحافظ أبى ذر الهروى وأصل ثان مسموع للحافظ أبى محمد الأصيلى وأصل ثالث مسموع لأبى القاسم بن عساكر المذكور آنفا وأصل رابع مسموع على الشيخ أبى الوقت بقراءة السمعانى. وكان بجواره فى تلك المجالس الإمام النحوى ابن مالك للمراجعة والتصحيح مما جعله فيما بعد يملى كتابا مستقلا
стр. 2899
بعنوان «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» وكان أمام اليونينى فى مجالسه المذكورة جمع من طلاب الحديث وعلمائه وفى أيديهم نسخ من صحيح البخارى للمقابلة. واتخذ اليونينى رموزا لرواة تلك النسخ ولرواة آخرين بحيث بلغت رموزه خمسة عشر رمزا. وقد طبعت مطبعة بولاق الكتاب من نسخة فرعية لتلك النسخة اليونينية، وهى نسخة ابن مالك وعليها شهادة من اليونينى بسماعه النسخة عليه، وشهادة من ابن مالك بسماعها منه. وهى ذروة فى التحقيق لم يبلغها أحد بعد اليونينى، كما أشرنا إلى ذلك فى كتابنا «البحث (١) الأدبى».
ومن كبار المحدثين فى القرن الثامن الهجرى المزّى (٢) يوسف بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٧٤٢ وإليه انتهت رياسة المحدثين بالشام، ومن تصانيفه تحفة الإشراف بمعرفة الأطراف» طبع فى الهند، وله «تهذيب الكمال» المجمع على أنه لم يصنف مثله. وكان يعاصره الذهبى محمد بن أحمد المتوفى سنة ٧٤٨ حافظ الشام وهو مع المزى من مفاخر دمشق فى زمنهما وله فى الحديث تصانيف كثيرة مثل مختصر سنن البيهقى ومختصر الأطراف للمزى والمعجم الكبير والصغير، وسنعود للحديث عنه بين المؤرخين. ومن محدثى القرن التاسع بدر (٣) الدين العينى المتوفى سنة ٨٥٥ صاحب كتاب «عمدة القارى فى شرح صحيح البخارى» والخيضرى (٤) الدمشقى محمد بن محمد بن عبد الله المتوفى سنة ٨٩٤ وله تعليقات على شرح ابن حجر للبخارى المسمى بالفتح البارى. وظل هذا التراث الضخم بأعين المحدثين أيام العثمانيين، وكان أكثر اهتمامهم بكتب الصحاح الستة وخاصة بشروح ابن حجر والقسطلانى على صحيح البخارى وشرح النووى على صحيح مسلم.
وطبيعى أن يكون الفقه نشيطا فى الشام مع الدراسات الدينية السابقة لحاجة أهل الشام إلى الفتوى فى القضايا الشرعية وما يعرض لهم منها فى حياتهم اليومية، وفعلا تكوّن للشام إمام أنشأ مذهبا فقهيا ظل فيها طويلا بجوار المذاهب الأربعة المشهورة: مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى
стр. 2900
وابن حنبل ونقصد الإمام الأوزاعى (١) صاحب المذهب المنسوب إليه أصحابه من الأوزاعية، وقد توفى سنة ١٥٧ للهجرة، ومولده ببعلبك ومنشؤه ببيروت، واتخذها موطنه إلى وفاته، ويقول السبكى إنه: «لم يكن يلى القضاء بدمشق والخطابة والإمامة-قبل ظهور مذهب الشافعى فيها لأواخر القرن الثالث كما سيتضح عما قليل-إلا أوزاعىّ على مذهب الإمام الأوزاعى (٢). ويذكر المؤرخون أنه ولى القضاء بدمشق يحيى بن حمزة منذ سنة ١٥٤ إلى سنة ١٨٣ ثم وليه بعده ابنه محمد (٣) إلى سنة ٢٣١. وأكبر الظن أن كلام السبكى يشملهما وأنهما كانا يقضيان بين الناس بمذهب الأوزاعى. ويبدو أنه ظل بعدهما من كان يقضى بهذا المذهب، إذ يذكر ابن تغرى بردى أنه توفى لسنة ٣٤٧ قاضى دمشق أحمد (٤) بن سليمان بن حذلم الأوزاعى المذهب، ويقول إنه كان له حلقة بالجامع الأموى وأكبر الظن أنه كان يدرس للناس فيها المذهب. ومعنى ذلك أن مذهب الأوزاعى كان لا يزال حيّا فى دمشق والشام إلى أواسط القرن الرابع الهجرى. ومعروف أن الأمويين فى أول تأسيس حكمهم بالأندلس كانوا على مذهب الأوزاعى مثل أهل الشام وظلوا عليه إلى أن انتقلوا عنه إلى مذهب مالك فى أواخر القرن الثانى للهجرة (٥)، وكأنهم كانوا أسبق من أهل الشام انفصالا عن مذهب الأوزاعى.
وتذكر كتب التراجم والتاريخ أن أبا يوسف تلميذ أبى. حنيفة حين ولى قضاء القضاة لعهد الخليفة الرشيد وأصبح هو المسيطر على تولية القضاة فى الدولة الإسلامية كان لا يولى قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال أفريقية إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه الحنفى، ونظن ظنا أنه كان يوجد فى دمشق أحيانا قاض حنفى بجانب القاضى الأوزاعى، وربما كانا يتداولان الحكم.
وممن تذكرهم كتب التاريخ من قضاة الأحناف قاضى دمشق على (٦) بن محمد بن كاس المتوفى سنة ٣٢٥ للهجرة، ونظن ظنا أن حلب كانت أسرع من دمشق فى الانصياع لمذهب أبى حنيفة
стр. 2901
بحكم قربها أكثر من العراق، ومثلها فى ذلك أنطاكية، ويلقانا فيها ابن أبى الفهم (١) التنوخى الأنطاكى المتوفى سنة ٣٤٢ وكان فقيها حنفيّا بارعا. ونلتقى فى حلب بأحمد (٢) بن يحيى بن زهير الحلبى المتوفى سنة ٤٢٤ وله كتاب ذكر فيه الخلاف بين أبى حنيفة وأصحابه من مثل أبى يوسف ومحمد بن الحسن الشيبانى تلميذيه، وأخذ عن ابن زهير المذهب بحلب جد بنى أبى جرادة هبة الله بن أحمد، وتولى القضاء بمدينته، وكانت أسرته على ثراء غير قليل فأكبت على المذهب تدرسه وتتعمقه منذ هبة الله إلى حفيده عمر بن العديم فى القرن السابع كما سنذكر عما قليل.
ونخلص من ذلك إلى أنه كان من الأسباب المهمة فى دخول مذهب أبى حنيفة إلى الشام أن كثيرين من القضاة منذ أواخر القرن الثانى كانوا أحنافا، فأخذ المذهب يشيع، وتكاثر طلاب العلم الذين يبغون اعتناقه، وأخذ يدرسه لهم غير عالم حنفى. ويلقانا المفضل (٣) بن محمد المعرى الحنفى المتوفى سنة ٤٤٤ تلميذ الإمام القدورى الحنفى البغدادى ولى القضاء ببعلبك وناب فى القضاء بدمشق، ومن تصانيفه كتاب فى الرد على الإمام الشافعى. ويلقانا البلاساغونى (٤) محمد بن موسى المتوفى سنة ٥٠٦ مصنف «أصول الفقه» على مذهب أبى حنيفة، ولى قضاء بيت المقدس ودمشق مدة. وكان القضاة قبله فى الشام شافعية وكذلك كان أئمة الجامع الأموى، فحاول أن يقيم فيه إماما حنفيّا، فأغلق أهل دمشق الجامع ولم يمكّنوه وعزل وعاد القضاء فى دمشق إلى الشافعية.
وكانت قد أخذت المدارس تنشأ بالشام وكانت قد أسّست فى دمشق-كما مر بنا-المدرسة الصادرية سنة ٤٩١ ويعدّ ابن شداد من فقهائها حتى سنة ٦٥٨ أحد عشر فقيها حنفيّا، وذكر النعيمى بعده فقهاءها إلى نهاية أيام المماليك. وقد ذكر ابن شداد بجوارها فى دمشق وضواحيها حتى سنة ٦٧٠ أربعا وثلاثين مدرسة للأحناف ويذكر أسماء فقهائها حتى سنة ٦٧٠ ويتابع ذلك النعيمى. ويصنع ابن شداد نفس الصنيع بحلب وما أنشئ فيها من مدارس حنفية منذ أسست فيها المدرسة الزجاجية سنة ٥١٦ وكانت حلب قد أقبلت أكثر من دمشق-على المذهب الحنفى من قديم كما مرّ بنا. واشتهرت فيها أسر بتوارث هذا المذهب مثل أسرة بنى العديم، وعنى نور الدين
стр. 2902
بالمذهب وكان حنيفا وأسس له مدرستين: مدرسة بحلب وأخرى بدمشق سميت كل منهما بالمدرسة النورية. ومضى الأيوبيون بعده يعنون بالمذهب ومدارسه، وكانوا شافعية، وانفرد من بينهم المعظم عيسى صاحب دمشق (٦١٥ - ٦٢٤ هـ) باعتناقه المذهب الحنفى وتعمقه فيه، على هدى من أستاذه جمال الدين الحصيرى (١) الذى انتهت إليه رياسة المذهب بدمشق والمتوفى سنة ٦٣٦ وله شرحان على الجامع الكبير لمحمد بن الحسن الشيبانى: شرح مفصل فى ثمان مجلدات سماه التحرير، وشرح مختصر فى مجلدين سماه الوجيز، ومع إيجازه زاد فيه ١٦٣٠ مسألة مع الإيضاح بالنظائر والشواهد. وشرح أيضا للشيبانى كتاب السير الكبير وهو فى الأحكام الفقهية المتعلقة بالغزوات والحرب، وله كتاب فى الخلاف بين الشافعية والحنفية، ودفع المعظم للتعمق فى المذهب حتى ألف فيه كتابا (٢). وليس ذلك فحسب، فقد كلّف الحصيرى وفقهاء المذهب بتأليف كتاب جامع فيه، فألفوا كتابا فى عشر مجلدات سموه كتاب التذكرة.
وتظلّ الشام أيام المماليك ويقرر الظاهر بيبرس أن لا يقتصر فى مصر على قاض شافعى كما كان الشأن منذ عهد صلاح الدين، بل يشترك معه فى القضاء قاض حنفى وقاض مالكى وقاض حنبلى وعمم ذلك فى دولته بدمشق وحلب وغيرهما من مدن الشام، واطرد العمل بذلك إلى أيام العثمانيين، فكان من الأسباب المهمة فى ازدهار المذهب الحنفى بديار الشام بجوار ما كان له من مدارس، مما دفع إلى حركة علمية نشيطة فيه، وكان أول من تولى القضاء بدمشق من فقهاء الأحناف حسب قرار بيبرس عبد (٣) الله بن محمد بن عطا الأذرعى المتوفى سنة ٦٧٣، وتوالى القضاة الأحناف فيها بعده، منهم شمس الدين الأذرعى المتوفى سنة ٧٢٢ ولى قضاء دمشق عشرين سنة ودرّس طويلا بمدارسها الحنفية. وتتكاثر أسماء القضاة والفقهاء الأحناف فى كتب التاريخ والتراجم، وحسبنا أن نعرف أن نشاطا وافرا أداه فقهاء الأحناف فى ديار الشام بالحقب التالية. وظل هذا النشاط أيام العثمانيين، ولبرهان (٤) الدين الحلبى المتوفى سنة ٩٥٦ كتاب ملتقى
стр. 2903
الأبحر فى فروع الفقه الحنفى، وقد ترجم قديما إلى التركية والفرنسية. وصنف شمس الدين العمرتاشى الغزى المتوفى سنة ١٠٠٤ للهجرة كتاب تنوير الأبصار وجامع البحار فى الفقه الحنفى، ومنه ومن شروحه مخطوطات بدار الكتب المصرية.
وكان أقل المذاهب الفقهية الأربعة الكبرى انتشارا وأتباعا فى الشام المذهب المالكى، ويأخذ فى النشاط هناك متأخرا زمن الدولة الأيوبية، منذ بنى صلاح الدين بدمشق للمالكية مدرسته الصلاحية بالقرب من البيمارستان النورى، ويذكر ابن شداد من أساتذتها المهمين ابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦ وقد مرّ بنا ذكره بين النحاة وله مختصران نفيسان فى الفقه المالكى وعلم الأصول، ودرّس الفقه المالكى أيضا فى زاوية المالكية الملاصقة لغربى الجامع الأموى، بناها أيضا للمالكية صلاح الدين. وخلفه فى المدرسة الصلاحية عبد (١) السلام الزواوى المتوفى سنة ٦٨١ وإليه انتهت رياسة المالكية بالشام ومشيخة القرّاء، وكان معمرا، توفى عن ٩٢ عاما.
ولا يذكر ابن شداد للمالكية وراء المدرسة الصلاحية سوى مدرسة واحدة هى مدرسة الشرابيشى فى حين ذكر للحنفية كما أسلفنا أربعة وثلاثين مدرسة. وكان قد انتعش المذهب المالكى كغيره من المذاهب حين قرر الظاهر بيبرس سنة ٦٦٣ إسناد الحكم فى بلدان الشام الكبرى: دمشق وغيرها إلى أربعة قضاة بينهم قاض مالكى، وكان أول من تولى القضاء المالكى بدمشق حينئذ عبد السلام الزواوى المذكور آنفا، وتعاقب بعده القضاة، كما تعاقب فقهاء المالكية يدرسون للناس المذهب، ومن أهمهم عيسى (٢) بن مسعود مدرس الفقه المالكى بالجامع الأموى المتوفى سنة ٧٤٣ وله شرح جيد على مختصر ابن الحاجب، وشرح المدونة للفقه المالكى لمصنفها سحنون ناشر المذهب فى الديار المغربية، وله شرح موسع على صحيح مسلم وكتاب فى مناقب مالك، وإليه انتهت رياسة المالكية فى الشام. ويلقانا فى كتب التراجم كثيرون يتنقلون بين القاهرة ودمشق متولين لمنصب القضاء المالكى. ويأخذ نشاط المالكية أيام العثمانيين فى التضاؤل والشحوب.
وكان أول من أدخل مذهب الشافعى-فيما يبدو-إلى الشام أبو زرعة (٣) بن عثمان الدمشقى ولى القضاء بالقاهرة ثمانى سنوات، ثم ولى القضاء بدمشق سنة ٢٩٢ حتى توفى سنة ٣٠٢ ويقول
стр. 2904
السبكى فى كتابه طبقات الشافعية: لم يل القضاء بعده فى الشام إلا شافعى المذهب غير ابن حذلم قاضى الشام فإنه كان أوزاعى المذهب كما مرّ بنا. ومرّ بنا أيضا أنه ولى قضاء الشام حتى توفى سنة ٣٢٥. ويغلب أن يكون هذا شذوذا وأن تكون عبارة السبكى صحيحة، كما يتضح ذلك لمن يرجع إلى كتاب قضاة دمشق لابن طولون. ومنهم عبد (١) الله بن محمد القزوينى قاضى الرملة المتوفى سنة ٣١٥ والحسين (٢) بن أبى زرعة محمد بن عثمان المتوفى سنة ٣٢٧ وكان قاضيا لدمشق فى زمن الإخشيد، وأبو (٣) يحيى البلخى زكريا بن أحمد المتوفى سنة ٣٣٠ وكان مثل سابقه قاضيا لدمشق. ومنهم أيضا أيام الفاطميين أبو بكر الميانجىّ قاضى دمشق المتوفى سنة ٣٧٥. ويبدو أنه تجرد فى القرن الرابع فقهاء شافعية لعرض المذهب الشافعى ودراسته فى مدن الشام الكبرى، إذ نجد عبد المنعم بن غلبون الحلبى المتوفى سنة ٣٨٩ مقرئ حلب يسلكه السبكى بين فقهاء الشافعية، ويقول إنه تلقن المذهب على الحصائرى (٤) الحسن بن حبيب الدمشقى إمام مسجد باب الجابية بدمشق المتوفى سنة ٣٣٨، ويلقانا فى القرن الخامس فقيه شافعى هو أبو (٥) الخير المروزى يستوطن المعرّة سنة ٤١٨ ويدرس بها للطلاب حتى وفاته سنة ٤٤٧ وله كتاب فى فقه الشافعى يسمى الذخيرة حمله عنه طلابه. ونلتقى من قضاة دمشق بأبى المظفر عبد (٦) الجليل بن عبد الجبار المتوفى سنة ٤٧٩ وكان يعاصره نصر (٧) بن إبراهيم المقدسى المتوفى سنة ٤٩٠ تفقه على الفقيه سليم بصور ودرس فيها عشر سنوات ثم انتقل إلى دمشق يدرس ويفتى ويحدّث. وكان قد نزل بصوامع بيت المقدس ودمشق الإمام الغزالى منذ سنة ٤٨٨ وله ثلاثة كتب فى الفقه الشافعى: البسيط والوسيط والوجيز، وشغف بها الشافعية منذ زمنه فى الشام وغير الشام.
ويدخل مذهب الشافعى فى مرحلة كبرى جديدة ينتشر فيها بالشام أوسع انتشار، ونقصد مرحلة تأسيس مدارس الشافعية منذ تأسيس المدرسة الأمينية فى سنة ٥١٤ ويعدّ ابن شداد فى
стр. 2905
كتابه «الأعلاق الخطيرة» من مدرسى هذه المدرسة حتى زمن تأليفه لكتابه حوالى سنة ٦٧٠ عشرة من كبار فقهاء الشافعية، ولا تتجاوز مدارس الشافعية بدمشق حتى عهد نور الدين عد أصابع اليد الواحدة، حتى إذا خلص الأمر لصلاح الدين والأيوبيين-وكانوا شافعية إلا ما كان من اعتناق المعظم عيسى للمذهب الحنفى-ازدهر المذهب الشافعى منذ هذا التاريخ، وقد جعل صلاح الدين قاضى القضاة بدمشق شافعيا، وبلغت مدارس الشافعية-كما أحصاها ابن شداد-أربعين مدرسة حتى أيامه. وإذا تصورنا أن المدرسين النابهين لكل مدرسة من هذه المدارس بلغوا حتى زمنه فى المتوسط أربعة من المدرسين يكون معنى ذلك أن المذهب الشافعى حظى حتى أواخر القرن السابع الهجرى فى دمشق وحدها بما لا يقل عن مائة وستين فقيها نابها، واطرد العمل بذلك فى هذه المدارس بدمشق وفيما أحصاه بعدها النعيمى فى كتابه «الدارس» وأيضا فيما قابلها من مدارس للشافعية فى حلب وغيرها من بلدان الشام الكبرى.
ومن المؤكد أن قرار الظاهر بيبرس بأن يكون للمذاهب الكبرى بجانب مذهب الشافعى قاض لم يحدث أثرا عكسيا فى المذهب كما كان يظنّ، إذ كان زمام القضاء فى أيام الأيوبيين بيد الشافعية وحدهم، بل ظل للمذهب ازدهاره، وظل له الجمهور الأكبر من الناس والفقهاء فى الشام، ونكتفى بالوقوف عند بعض مشهوريهم، فمنهم ابن (١) أبى عصرون قاضى القضاة بدمشق لعهد صلاح الدين المتوفى سنة ٥٨٥ وبنى له قبل ذلك نور الدين المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك، وبنى هو لنفسه مدرستين بحلب ودمشق، ويقول السبكى عنه: ملأ البلاد تصانيف وتلامذة، ويذكر من تصانيفه «صفوة المذهب» فى سبع مجلدات وكتاب الانتصار فى أربع مجلدات وكتاب المرشد فى مجلدين وكتاب الذريعة فى معرفة الشريعة، إلى غير ذلك من مصنفات كثيرة. ومن كبار فقهاء الشام بعده العز بن عبد السلام، ذكرناه بين فقهاء الشافعية بمصر، إذ استوطنها حتى وفاته.
وفى رأينا أن أعظم فقيه شافعى أنجبته الشام هو محيى الدين النووى (٢) المتوفى سنة ٦٧٦ عن
стр. 2906
خمسة وأربعين عاما، ومر بنا ذكره بين المحدثين، وكان إماما مجتهدا واسمه يتردد فى كتب الفقه الشافعى بعده وكذلك آراؤه، ومن أهم مصنفاته فى فقه الشافعية منهاج الطالبين لخص به كتاب المحرّر للرافعى القزوينى، واختصر المنهاج فيما بعد الشيخ زكريا الأنصارى، وسمى مختصره المنهج، وصنف النووى فى فتاويه الفقهية كتابين: كبير وصغير. ومن فقهاء الشافعية الكبار فى زمنه وبعد زمنه علاء (١) الدين الباجى المتوفى سنة ٧١٤ وكمال الدين محمد الزّملكانى حفيد عبد الواحد الذى ذكرناه بين البلاغيين توفى سنة ٧٢٧. وتفيض كتب التراجم والتاريخ بأسماء جلّة من هؤلاء الفقهاء، ولا بد أن نلاحظ أن كثيرين من فقهاء الشافعية الكبار بمصر كانوا ينزلون فى الشام مثل تقى الدين السبكى قاضى قضاة الشام وابنه تاج الدين عبد الوهاب خطيب الجامع الأموى مؤلف طبقات الشافعية، ويظل المذهب الشافعى مزدهرا بالشام أيام المماليك والعثمانيين.
وكان المذهب الحنبلى فى الشام أقل أشياعا وأنصارا من المذهب الشافعى والحنفى، ومن أوائل من أدخلوه إلى دمشق والشام علم من أعلام المذهب الحنبلى هو أبو القاسم الخرقىّ عمر (٢) بن الحسين المتوفى بدمشق سنة ٣٣٤ وكان قد استوطنها بأخرة من عمره ودرس المذهب فيها، وله كتاب دوّت شهرته هو «المختصر» فى الفقه الحنبلى، ظل طلاب المذهب يعتمدون عليه طويلا، ويقال إن عدد مسائله بلغ ٢٣٠٠ مسألة. وظل المذهب لا ينتعش فى ديار الشام حتى قيّض له فى القرن الخامس أبو الفرج (٣) الشيرازى المقدسى الدمشقى المتوفى سنة ٤٨٦ وكان قد تفقه فى بغداد على أبى يعلى صاحب طبقات الحنابلة، وقدم الشام فسكن بيت المقدس ونشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل فيما حوله من بلدان فلسطين، ثم انتقل إلى دمشق وأقام بها وأخذ ينشر المذهب حتى أصبح له أتباع وتلامذة كثيرون لا فى دمشق فحسب بل أيضا فى بيت المقدس وغيرهما من بلدان الشام، وله تصانيف عدة فى الفقه الحنبلى والأصول، منها: المبهج والإيضاح، ومختصر فى الحدود وفى أصول الفقه، والتبصرة فى أصول الدين، وله كتاب الجواهر فى التفسير ثلاثون
стр. 2907
مجلدا. وكان يعاصره الفقيه الحنبلى عبد (١) الوهاب بن طالب التميمى نزيل دمشق وإمام مسجد الريحان.
وخلف أبا الفرج الشيرازى على المذهب ابنه عبد الوهاب المتوفى سنة ٥٣٦ وتخرج من بيته فقهاء حنابلة كثيرون، ويعرفون فى دمشق والشام ببيت ابن الحنبلى، ولعبد الوهاب مثل أبيه تصانيف فى الفقه الحنبلى والأصول، منها المنتخب فى الفقه الحنبلى فى مجلدين والبرهان فى أصول الدين. ولعبد الوهاب على المذهب فى الشام يد سابغة، فقد بنى له بدمشق مدرسة تعرف بالمدرسة الحنبيلة، ويذكر ابن شداد أساتذتها من الحنابلة الفقهاء حتى أيام تأليف كتابه «الأعلاق الخطيرة» بعد سنة ٦٧٠. ويذكر بدمشق معها تسعة مدارس أخرى للحنابلة بنيت بعدها حتى زمن ابن شداد. ونشط بناء المدارس الحنبلية فى بيت المقدس وظل بعد ابن شداد على نحو ما يصوره ذلك النعيمى فى كتابه «الدارس فى تاريخ المدارس». وكان مما ضاعف نشاط هذا المذهب قرار الظاهر بيبرس أن يكون للحنابلة فى ديار الشام-كما فى ديار مصر-قاض فى كل بلد كبير بجانب قضاة الحنفية والمالكية والشافعية. ويتضح هذا النشاط وتتضح معه كثرة الفقهاء من الحنابلة منذ أيام الأيوبيين، ومن كبارهم حينئذ موفق (٢) الدين بن قدامة الجمّاعيلى المقدسى عبد الله بن أحمد المتوفى بدمشق سنة ٦٢٠ وهو من أئمة المذهب، وله كتب كثيرة فى الفقه الحنبلى وأصوله وأصول الدين، منها المغنى شرح به مختصر الخرقى المار ذكره فى عشر مجلدات، وهو مطبوع، والكافى فى أربع مجلدات، وله فى أصول الفقه كتاب روضة الناظر، وفى أصول الدين كتاب الاعتقاد. ويلقانا بعده فقهاء كثيرون من بيته يتردد ذكرهم طوال القرنين السابع والثامن.
وما نكاد نبلغ نهاية القرن السابع أيام المماليك حتى يتألق فى المذهب اسم الإمام ابن (٣) تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ وقد صورنا جانبا من تحرره الفكرى واجتهاده فى غير هذا الموضع، ومرّ بنا حديثنا عن منهجه فى التفسير القرآنى، وله عشرات الرسائل والكتب فى المسائل التشريعية والعقيدية، ويقول الذهبى فى تذكرة الحفاظ إن مصنفاته التى سارت بها الركبان نحو ثلاثمائة مجلد، ومن أهم كتبه الفقهية فتاويه وهى مطبوعة قديما فى خمسة مجلدات كبار. ومن أعلام الفقهاء الحنابلة بعده تلميذه ابن قيم الجوزية المذكور بين البلاغيين وهو حامل فقهه وعلمه وناشرهما فى الناس وأضاف
стр. 2908
إليهما كثيرا من روائع الكتب، مع نزعة صوفية قوية فيه. وتصدى فى دمشق بعد أستاذه للإقراء والإفتاء وصنّف كثيرا فى الفقه والتفسير والحديث والأصول والفروع، ومن تصانيفه إعلام الموقعين وشرح منازل السائرين، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وطرق السعادتين، ويقول ابن حجر فى الدرر: هو طويل النفس فى كتاباته يحاول الإيضاح جهده فيسهب جدا، ويقول الشوكانى فى البدر الطالع: «له من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين بحيث تعشق الأفهام كلامه وتميل إليه الأذهان وتحبه القلوب». ويزخر كتاب النجوم الزاهرة بأسماء فقهاء الحنابلة وقضاتهم بدمشق وغيرها حتى نهاية زمن تأليفه سنة ٨٧٢.
ويلقانا بأخره من أيام المماليك مجير الدين العليمى عبد الرحمن بن محمد قاضى بيت المقدس المتوفى سنة ٩٢٧ وله كتاب فى طبقات الحنابلة سماه «المنهج الأحمد فى تراجم أصحاب الإمام أحمد».
ويظل للفقهاء الحنابلة نشاطهم أيام العثمانيين مثلهم فى ذلك مثل بقية أصحاب المذاهب الثلاثة الأخرى.
ومنذ ظهرت المذاهب الفقهية والكلامية والجدل يحتدم بين أصحابها، مما أتاح مبكرا لنشأة علم الجدل وما تبعه من نشأة علم آداب البحث والمناظرة، ويكثر التأليف فيهما لهذا العصر كما يكثر التأليف فى علم الأصول الذى وضعه الإمام الشافعى وفاق الأولين والآخرين فيه الآمدى الذى سنلم به فى حديثنا عن علم الكلام بجزء مصر، وكان قد نزل مصر ثم استوطن حماة حتى وفاته سنة ٦٣١، وكتابه «الإحكام فى أصول الأحكام» ربما كان أروع كتاب فى علم الأصول على مدى الأزمنة الماضية. والشام-مثل مصر-انصرفت عن الاعتزال وعن الفرق الكلامية الكثيرة التى نشأت فى بغداد، حتى إذا ظهر الأشعرى المتوفى سنة ٣٢٤ وانضم تحت لوائه شافعية خراسان انضم مثلهم شافعية الشام ومصر بحيث تعانق المذهبان. الشافعى والأشعرى فى كل مكان. ولم يلبث أن خاصمهما الحنابلة الآخذون بظاهر الكتاب والسنة، واستمر هذا الخصام على مدار السنين فى أزمنة الأيوبيين والمماليك. ومن حين إلى آخر يتوقف السبكى فى طبقاته ليصور تعصب بعض الحنابلة ضد الأشاعرة وخاصة أستاذه الذهبى، فقد كان يتعصب تعصبا شديدا ضدهم على نحو ما سنعرض ذلك فى غير هذا الموضع. وفى الوقت نفسه يشيد بفقهاء الشافعية الذين يردّون على خصوم الأشعرية، على نحو ما أشاد بفخر الدين بن عساكر فى رده المفحم على الحسن بن على الأهوازى المار بين القراء فى كتابه «تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبى الحسن الأشعرى». ويشيد السبكى
стр. 2909
بصفى (١) الدين بن الهندى المتوفى بدمشق سنة ٧١٥ لقيامه بنصرة المذهب الأشعرى، ويقول:
إنه كان من أعلم الناس بمذهبه وأدراهم بأسراره، ويذكر من تصانيفه فى نصرة المذهب كتابه «زبدة الكلام» ويذكر له بجواره كتابا فى الأصول هو «نهاية الوصول فى دراية الأصول». .
وظلت نصرة الشافعية لمذهب الأشعرى على مدار السنين فى أيام المماليك والعثمانيين.
٥ - التاريخ
نشطت دمشق والشام فى كتابة التاريخ بجميع صوره من السير المفردة وتاريخ المدن وتاريخ الدول أو دولة معينة والتراجم أو كتب الطبقات. ونبدأ حديثنا بالسير المفردة، وأولها سيرة الرسول ﷺ الزكية، وأول شامى ندب نفسه للكتابة فيها أبو (٢) زرعة عبد الرحمن بن عمرو شيخ الشام المتوفى سنة ٢٨٢ وله بجانبها كتاب عن تاريخ الخلفاء الراشدين، سقط مثل السيرة النبوية من يد الزمن. وعنى بعض الشاميين بالكتابة فيها ولم تصلنا كتاباتهم، مثل السيرة النبوية لابن أبى طى المتوفى سنة ٦٣٠. ونلتقى فى أيام العثمانيين بشمس الدين الدمشقى محمد (٣) بن يوسف المتوفى سنة ٩٤٢ وله سيرة نبوية تسمى السيرة الشامية جمعها من نحو ٣٠٠ كتاب، وتعنى مصر بإخراجها الآن. وصنّف نور الدين الحلبى المولود بمصر السيرة الحلبية، ومر ذكرها فى حديثنا عن التاريخ بقسم مصر، وهى مطبوعة. ونلتقى بثلاث سير أو تراجم شخصية صور أصحابها فيها حياتهم، وأول ما يلقانا منها كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ وهو يصور فيها حياة الشاميين وحملة الصليب لزمنه، نشرها فيليب حتى وكان قد نشرها قبله ديرنبورج. ولأبى شامة المقدسى المتوفى سنة ٦٦٥ ترجمة شخصية بقلمه أودعها كتابه «ذيل الروضتين» وبالمثل لابن طولون الصالحى المذكور بين الجغرافيين المتوفى سنة ٩٥٣ ترجمة شخصية بعنوان «الفلك المشحون فى أحوال محمد بن طولون» وهى مطبوعة بدمشق.
стр. 2910
وشغل صلاح الدين بسيرته المؤرخين، وأولهم العماد الأصبهانى وفيه ألف كتابه «البرق الشامى» ذكر فيه أخبار صلاح الدين وفتوحاته وأحداث الشام فى عهده، وهو فى سبع مجلدات. ويتصل بهذه السيرة كتابه «الفيح القسىّ فى الفتح القدسى» صوّر فيه فتح صلاح الدين للقدس تصويرا أدبيا بديعا. وصنّف بهاء (١) الدين بن شداد المتوفى سنة ٦٣٢ سيرة لصلاح الدين بعنوان: «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية» اعتمد فيها على السيرة الصلاحية لابن أبى طى. ولابن عنين الشاعر المتوفى سنة ٦٣٠ سيرة (٢) للملك العزيز سماها التاريخ العزيزى. وكتب أحد أولاد الناصر داود بن عيسى بن الملك العادل سيرة له باسم «الفوائد (٣) الجلية فى الفرائد الناصرية». وللنووى المذكور بين الفقهاء كتاب فى سيرة الإمام الشافعى، ولابن عربشاه (٤) الدمشقى المتوفى سنة ٨٥٤ سيرة مفصلة لتيمور لنك تعقب فيها مولده ونشأته وملكه ودولته ومن خلفوه حتى سنة ٨٤٠ وسمى هذه السيرة «عجائب المقدور فى نوائب تيمور» مصورا إفساده فى الأرض وإهلاكه الحرث والنسل وما ارتكب من الفظائع، غير أنه كتبها بأسلوب مسجوع شديد التكلف، ونزل مصر بأخرة من عمره فى عهد السلطان جقمق وكتب سيرته بعنوان «التأليف الطاهر فى شيم الملك الظاهر». ولبدر الدين العينى المار ذكره كتاب السيف المهند فى سيرة السلطان المؤيد، ولبدر الدين محمد (٥) بن أبى بكر الدمشقى المتوفى سنة ٨٧٤ سيرتان: سيرة لنور الدين، والسيرة الثانية للسلطان قايتباى. وله سير كثيرة فى العصر. ولابن طولون الذى ذكرناه آنفا بين الجغرافيين سيرة لابن العربى المتصوف. وصنف شمس الدين الدمشقى المار ذكره سيرة لأبى حنيفة، ومنها مخطوطة فى دار الكتب المصرية. ولمحمد بن يحيى الحنبلى سيرة صنفها عن عبد القادر الجبلانى المتصوف، وهى مطبوعة، ولمرعى (٦) بن يوسف الكرمى المتوفى سنة ١٠٣٣ سيرة صنفها فى مناقب ابن تيمية.
هذا بعض ما صادفنا من كتب السير المفردة، أما كتب تاريخ المدن فقد عرضنا طائفة منها فى