فبينا نبغّى الصّيد جاء غلامنا ... يدبّ ويخفى شخصه ويضائله (١)
فقال: شياه راتعات بقفرة ... بمستأسد القريان حوّ مسايله (٢)
ثلاث كأقواس السّراء ومسحل ... قد اخضرّ من لسّ الغمير جحافله (٣)
وقد خرّم الطّرّاد عنه جحاشه ... فلم تبق إلاّ نفسه وحلائله (٤)
فقال: أميرى ما ترى رأى ما نرى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله (٥)
فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله (٦)
ونضربه حتى اطمأنّ قذاله ... ولم يطمئنّ قلبه وخصائله (٧)
وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلاّ أنامله
فلا يا بلأى ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله (٨)
فقلت له: سدّد وأبصر طريقه ... وما هو فيه عن وصاتى شاغله
وقلت: تعلّم أن للصيد غرّة ... وإلاّ تضيّعها فإنك قاتله (٩)
فتّبع آثار الشياه وليدنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله (١٠)
نظرت إليه نظرة فرأيته ... على كل حال مرة هو حامله (١١)
يثرن الحصا فى وجهه وهو لا حق ... سراع تواليه صياب أوائله (١٢)
стр. 317
فردّ علينا العير من دون إلفه ... على رغمه يدمى نساه وفائله (١)
وهو فى مستهل هذه الأبيات يصف مطرا يتساقط على بعض المرتفعات والوهاد، وقد انتشر فيها النبات الضارب إلى السواد، وهو يقبل مع بعض رفاقه على فرس محكم الخلق، فطم منذ عهد قريب، فهو أشد ما يكون قوة، لم يصبه مرض ولا علة. ويعرض علينا هيئته وخلقته كاملة. وسنراه بعد قليل يصور أحاسيسه وهواجسه، فتكتمل صورتيه الجسدية والنفسية. ويستطرد إلى وصف الصيد فيذكر أن غلامه الذى ذهب يستطلع الحيوانات الوحشية فى الصحراء جاء يدبّ ويخفى شخصه ويضائله. وبهذه العبارة الموجزة رسمه لنا رسما دقيقا، رسم حركته وسيره وأنه كان يحاول أن يخفى شخصه حتى لا تفزع الوحوش. وأخبرهم أنه رأى غير بعيد ثلاث أتن وحشية، وهى ضامرة كأقواس السّراء، ومعها حمارها وقد أقبل على الطعام من النبات حتى اخضرت مشافره. واخضرار المشافر لمسة من لمسات زهير الذى كان يبتغى الدقة فى التصوير بما يعطى من ألوان الأشياء وما يذكر من تفاصيلها. وينتقل فيحدثنا أنهم باتوا يروضون الجواد، حتى كان الصباح، فألجمه الغلام، وهو لا يكاد يطوله لضخامته. وزهير يوصيه كيف يتبع فريسته.
ويبدع زهير فى هذا الجزء من وصفه، فهم منذ أخبرهم الغلام بخبر الصيد مفزّعون لشدة ما هم فيه من حرص على طلب الصيد والحصول عليه، وقد أحسّ الجواد ما هم فيه وما ينتظره فى الصباح الباكر، فأخذه الخوف من جميع أطرافه، فهو يجاهدهم وهم يجاهدونه ويضربونه، حتى اطمأن وأمكنهم منه، غير أن قلبه وأعصابه لم تطمئن، فلا يزال يستحوذ عليه الفزع والخوف الشديد. ولم يكن الغلام من هذه الحالة النفسية غير بعيد، فقد كان زهير يوصيه كيف يطارد الصيد وهو فى شغل عنه بمخاوفه وما ينتظره فى تلك المعركة. وزهير بهذا كله يعد مصوّرا بارعا، إذ يصور الهيئات الجسدية والأحوال النفسية فيما يصفه، وكأنما كانت له عين كبيرة تعرف كيف تلتقط قسمات الجسد وسرائر النفس، لا نفس الإنسان وحده بل أيضا نفس الحيوان وما يلم بهما جميعا من وساوس وهواجس. وقد مضى يصور مطاردة الغلام-ولعله غلامه يسار-للأتن وحمارها وكيف انصبّ عليها كأنه شؤبوب
стр. 318
أو صاعقة من السماء، وهى تثير الحصى فى وجه فرسه، والفرس لا ينثنى عنها حتى أفرد الحمار من دون صواحبه وصاده الغلام، وجاء به جريحا تنزف دماؤه.
وواضح أن زهيرا استتم فى هذا الوصف الدقيق كل براعته سواء من حيث توشيته بالتشبيهات، أو من حيث ملؤه بالحياة والحركة الجسدية والنفسية. وله قطعة لا تقل عن هذه القطعة جمالا وروعة فى قصيدته الدالية التى رواها المفضل الضبى، وفيها يصف بقرة وحشية شبه بها ناقته فى سرعتها، ومضى يستكمل وصفها مستطردا إلى مطارة الصائد لها بينما تفترس السباع أحد أفلاذ كبدها، يقول:
كخنساء سفعاء الملاطم حرّة ... مسافرة مزءودة أمّ فرقد (١)
غدت بسلاح مثله يتّقى به ... ويؤمن جأش الخائف المتوحّد (٢)
وسامعتين تعرف العتق فيهما ... إلى جذر مدلوك الكعوب محدّد (٣)
وناظرتين تطحران قذاهما ... كأنهما مكحولتان بإثمد (٤)
طباها ضحاء أو خلاء فخالفت ... إليه السّباع فى كناس ومرقد (٥)
أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد (٦)
دما عند شلو تحجل الطير حوله ... وبضع لحام فى إهاب مقدّد (٧)
стр. 319
وتنفض عنها غيب كلّ خميلة ... وتخشى رماة الغوث من كل مرصد (١)
فجالت على وحشيّها وكأنها ... مسربلة فى رازقىّ معضّد (٢)
ولم تدر وشك البين حتى رأتهم ... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد (٣)
وثاروا بها من جانبيها كليهما ... وجالت وإن يجشمنها الشّدّ تجهد (٤)
تبذّ الألى يأتينها من ورائها ... وإن تتقدّمها السّوابق تصطد (٥)
فأنقذها من غمرة الموت أنها ... رأت أنها إن تنظر النّبل تقصد (٦)
نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة ... وتذبيبها عنها بأسحم مذود (٧)
وجدّت فألقت بينهنّ وبينها ... غبارا كما فارت دواخن غرقد (٨)
بملتئمات كالخذاريف قوبلت ... إلى جوشن خاظى الطريقة مسند (٩)
وزهير يستهل حديثه عن البقرة بوصفها الجسدى والنفسى فهى خنساء فى خدودها حمرة مشربة بسواد، وهى طليقة فى الصحراء ترحل من موضع إلى موضع مذعورة فقد خلفت ولدا لها فى كناس، وهى تخشى عليه من السبع والإنسان. وإنها لشاكية السلاح، كأنها معدّة خلقة لكفاح أعدائها ونزالهم، فقد برزلها قرنان وإنهما حريان بأن يقياها الخطر ويؤمنّا وحدتها وخوفها، إذ هما محددان أملسان كأنهما السيوف القاطعة، ومن ورائهما أذنان ترهف بهما السمع خشية العدو المفاجئ وباصرتان
стр. 320
سوداوان كأنهما مكحولتان تحدّ بهما النظر إلى ما حولها.
وعلى هذا النحو يعرض علينا زهير تلك البقرة بهيئة جسدها وهيئة نفسها، لنستعد إلى ما سيفجؤها من كوارث. وهو يثبت هيئتها فى نفوسنا بما يصوره من تفاصيل جسدها ولون خديها وعينيها. ولا يلبث أن يصور لنا فاجعتها فى ولدها، وقد أعدنا لذلك منذ البيت الأول، فهى مسافرة، مسرعة فى العودة، وقد أخذها الذعر. لقد خرجت تطلب الرى والرعى، وعاودها الحنين إلى ولدها، بل عاودها الخوف الشديد، وكانها تعرف أنها تركته وراءها للسباع. وعادت ويا لهول ما رأت، لقد رأت بقايا ابنها من أشلاء وجلود ودماء، والطير تحجل حوله، فأخذها الحزن الشديد. إن أملها فى الحياة فقدته. وقد عادت تجرى فى الصحراء مذعورة تتلفت يمينا وشمالا تنظر هل هناك ما تخشاه، وإنها لتخشى رماة عشيرة الغوث الذين تعودوا أن يطاردوها بسهامهم وكلابهم من كل مرصد. ومرت على جانبها الأيمن، كأنها تظنه أكثر أمنا، وهى تتراءى فى لونها الأبيض وقوائمها المخططة كأنها الثوب الناصع الجميل، ولم تكن تدرى أن الموت يرصدها، حتى رأت رأى العين رماة الغوث، وقد أخذوا عليها جميع الطرق والمسالك، وأرسلوا عليها كلاب الصيد، فولت مسرعة، والكلاب تلاحقها وهى تارة تسبق أوائلها، وتارة تلحقها الكلاب فتنوشها بقرنيها. وما زالت تعدو حتى أفلتت من غمرة الموت يسعفها قرنها الأسود وما أثارته بينها وبين الكلاب من غبار كأنه الدخان. ويصور زهير سرعة قوائمها وخفة حركتها بخذاريف الصبيان التى يديرونها دورانا سريعا بخيوط يشدونها إلى أيديهم، وقد سبقه امرء القيس إلى هذه الصورة فى وصف سرعة فرسه، إذ قال فيه كما مر فى غير هذا الموضع:
درير كخذروف الوليد أمرّه ... تقلّب كفّيه بخيط موصّل
وقد حاول زهير أن يضيف زيادة جديدة فجعل القوائم ملتئمات أى متناسقات كما جعلها متقابلات، فهى كخذاريف لا كخذروف واحد، يقابل بعضها بعضا.
والحق أننا نحس إزاء زهير أنه استوفى كل ما كان ينتظر الشاعر الجاهلى من براعة فى التصوير. وقد كان يحف هذه البراعة بضروب من الوقار تتضح فى مدائحه وأهاجيه وغزلياته جميعا، فهو يحتفظ بكرامته دائما، ولعل ذلك ما جعله ينفر من
стр. 321
الخمر والميسر كما قدمنا فى غير هذا الموضع. واقرأ مدائحه وأنعم النظر فيها فستراه يمثل لك فى هرم والحارث بن أبى عوف وحصن بن حذيفة صورة السيد الفاضل، لا من حيث الشجاءة والكرم فحسب، بل أيضا من حيث الحلم والعفو عن المسئ فى العشيرة والدفع بالمعروف من القول والحدب على الفقراء وتجنب الفواحش والآثام.
واقترنت هذه الصورة المثالية للسيد الفاضل فى شعره بكثير من الحكم والدعوة إلى مكارم الأخلاق. وقد ذيّل المعلقة بطائفة من الأبيات التى تذهب هذا المذهب، وقدمنا أن الأصمعى كان يشك فيها ويقول إنها لشاعر أنصارى يسمى صرمة، ويظهر أن حكما له اختلطت بحكم لهذا الشاعر، ونستطيع أن نفرد منها له مثل قوله:
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه ... يطيع العوالى ركّبت كلّ لهذم (١)
فإن هذا البيت يتفق وما لاحظناه عنده من ميله إلى إخراج أفكاره ومعانيه فى صور متلاحقة. فقد أراد أن يقول من أبى الصلح لم يكن له بد من الحرب، فلم يقل ذلك مباشرة، بل ذهب يبحث عن صورة تمثل الصلح عندهم، وسرعان ما لمعت فى خياله عادة كانت معروفة لديهم، وهى أن يستقبلوا أعداءهم إذا أرادوا الصلح بأزجة الرماح، ومن ثم قال «ومن يعص أطراف الزجاج» يريد «ومن لا يطع الدعوة إلى الصلح والسلام» ومضى يمثّل الدخول فى الحرب بإطاعة أسنة الرماح والسيوف. وفكرة البيت متصلة بالمعلقة وما تدعو إليه من السلام والاستجابة إلى الصلح. وقد تكون الأبيات التى تتصل بفكرة الحياة والموت صحيحة النسبة إلى زهير لأنها تتصل كالبيت السابق بموضوع القصيدة، كقوله:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وفى البيت أيضا صورة بديعة، إذ يشبه الموت بناقة عشواء لا تبصر طريقها، فهى تخبط الطريق خبطا أعمى ليس له نظام ولا قياس. والتفكير فى الحياة والموت يكثر عند زهير كقوله فى إحدى قصائده لهرم:
стр. 322
تزوّد إلى يوم الممات فإنّه ... ولو كرهته النفس آخر موعد
وإذا أخذنا نقرأ فى أشعاره لقيتنا فيها حكم كثيرة، وهو ينثرها نثرا خلال الموضوعات المختلفة التى يلم بها، فمن ذلك قوله:
وكنت إذا ما جئت يوما لحاجة ... مضت وأجمّت، حاجة الغد ما تخلو (١)
وقوله الذى أنشدناه:
وهل ينبت الخطّىّ إلا وشيجه ... وتغرس إلا فى منابتها النّخل
وقوله:
كذلك خيمهم، ولكلّ قوم ... إذا مسّتهم الضّرّاء خيم (٢)
وقوله الذى أنشدناه:
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكنّ حمد الناس ليس بمخلد
وقوله:
فإن الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء (٣)
وكان عمر بن الخطاب يعجب بهذا البيت ويتعجب من صحة القسمة فيه، ويقول: لو أدركته لوليته القضاء لحسن معرفته ودقة حكمه (٤)
ولعل فى كل ما قدمنا ما يوضح مكانة زهير فى الشعر الجاهلى، فقد كان شاعرا من طراز ممتاز، شاعرا له نظراته فى الحياة والأخلاق، وهو إلى ذلك شاعر مصور يحسن أدوات صناعته من جميع وجوهها، فقد تمرس بنماذج أوس وغيره من فحول الجاهلية، ولم يكد ينظم أشعاره حتى ذاع اسمه فى القبائل، فالتمسه بعض الشبان يتعلمون عليه هذه الصناعة الدقيقة التى يحسنها إلى أبعد حد، ونبغ
стр. 323
منهم الحطيئة، ولقّن الشعر ولديه بجيرا وكعبا، وطار صيت الأخير فى العصر التالى عصر المخضرمين.
نحن إذن بإزاء شاعر ممتاز خبر صناعة الشعر الجاهلى وعرف أساليبها، واستطاع أن يؤدّى أجمل صورة لها فى لفظه وقوالبه وصيغه، وقد لاحظ القدماء ذلك وعبروا عنه عبارات مختلفة، فقالوا إنه كان يصنع قصائده الطويلة فى حول كامل وإنه صنع سبع حوليّات (١)، وينسب الجاحظ هذا القول إلى زهير نفسه، فيقول:
«كان زهير بن أبى سلمى يسمى كبار قصائده الحوليات، ولذلك قال الحطيئة:
خير الشعر الحولىّ المحكك (يقصد شعر أستاذه وشعره) وقال الأصمعى: زهير بن أبى سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من جوّد فى شعره ووقف عند كل بيت قاله وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية فى الجودة (٢)». ويعلق الجاحظ على صنعة زهير وشعره فى موضع آخر، فيقول:
«من شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا (كاملا) وزمنا طويلا يردّد فيها نظره ويجيل فيها عقله ويقلّب فيها رأيه، اتهاما لعقله وتتبعا على نفسه، فيجعل عقله زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوّله الله من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا (تامّا) وشاعرا مفلقا (٣)».
وسواء سمّى زهير قصائده الطويلة بالحوليات أو سماها الرواة بهذا الاسم فإن هذه التسمية تدل على مدى ما أحس به القدماء تلقاء مطولاته، فقد أحسوا فيها بجهد شديد، وتصوروا أن هذا الجهد يستنفد آمادا بعيدة من الزمن، وتخيلوها حولا كاملا، ومضوا يسمون زهيرا والحطيئة وأضرابهما عبيد الشعر لما شعروا عندهم من طول الثّقاف والتنقيح والتجويد والتحبير، وكأنهم يلغون حريتهم وإرادتهم، فهم عبيد فن الشعر، يخضعون لإرادته الفنية وما يطوى فى هذه الإرادة من تنسيق محكم للألفاظ والصيغ. ويظهر أن زهيرا كان يعرف بذلك من قديم، فهم يروون عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: «زهير شاعر الشعراء لأنه كان لا يعاظل فى
стр. 324
الكلام وكان يتجنب وحشىّ الشعر ولم يمدح أحدا إلا بما فيه (١)». والمعاظلة بين الكلام المداخلة فيه بحيث لا ينضّد نضدا مستويا. والحق أن صياغة زهير تستوفى حظوظا بديعة من صفاء التعبير ونقائه وخلوصه من الأدران التى قد تؤذيه، وارجع إلى القطع التى أنشدناها له فى المديح، فإنك ستجدها متوهجة، وما ذلك إلا من دقة التعبير وصقله إلى أبعد غاية وصل إليها شاعر جاهلى. والذى لا ريب فيه أنه كان يستولى على لغته ويسيطر عليها ويجمع منها خير ما فيها من ألفاظ وكلمات، وما يزال ينسّقها حتى تتراءى كأنها عقود من الجواهر. وعلى نحو ما كان يستوفى حظوظا مختلفة من الجمال فى عباراته وصيغه كان يستوفى ضروبا من الإتقان والكمال فى موسيقاه، فليس فيها نشاز من إقواء وليس فيها اجنلاب قافية وإكراهها على إحلالها فى أماكنها، فقوافيه تتمكن فى مواضعها، ومهما ضاق عليه هذا الموضع نفذ منه على أجمل صورة، وانظر إلى قوله فى معلقته:
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عمى
فقد وصل إلى القافية، فوجد نفسه مضيّقا عليه، ولم يلبث أن نفذ إلى كلمة «عمى» فتمم البيت فى غير عسر ولا مشقة. ومن ذلك قوله:
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا (٢)
فقد نفذ من الدرب الضيق فى القافية، بما جاء به من كلمة «حموا» ولم ينفذ فحسب، فقد استخدم كلمة تتناسق فى حروفها مع الفعل السابق لها، فهى كلمة من نفس أسرتها، وهو ما يعبر عنه علماء البيان العربى باسم الجناس، وله أمثلة مختلفة فى شعره كقوله الذى أنشدناه:
كأن عينى وقد سال السّليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم
فقد جانس بين سال والسليل، وتعلق بحرف الميم فى ألفاظ الشطر الثانى، فأحدث بينها تلاؤما واضحا. ومن أمثلة الجناس عنده:
وقد قلتما إن ندرك السّلم واسعا ... بمال ومعروف من القول نسلم
стр. 325
وقوله:
تقىّ نقىّ لم يكثّر غنيمة ... بنهكة ذى القربى ولا بحقلّد (١)
وعلى نحو ما كان يستخدم الجناس كان يستخدم الطباق، وله أمثلة كثيرة عنده كقوله الذى أنشدناه فى وصفه للظّعن:
جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محلّ ومحرم
وقوله:
يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
وقوله:
وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا ... على صير أمر ما يمرّ وما يحلو (٢)
وقوله الذى أنشدناه:
ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما كذّب الليث عن أقرانه صدقا
على أن زهيرا إنما كان يستخدم الطباق والجناس من حين إلى حين فهما ليسا لونين فاقعين فى شعره، إنما اللون الفاقع فى شعره هو التصوير، إذ كان يودعه كل مهارته، وكان يأبى أن يخرج كثيرا من أبياته إلا ويوشيها به، بحيث لا نبعد إذا قلنا إنه شاعر التصوير فى الجاهلية، ومن ثم كثرت عنده التشبيهات والاستعارات كثرة مفرطة، وكان يسفعه بها خيال متوثب متهيئ ليخرج من جديد ما سمعه من أستاذه أوس وغيره، وليضيف إلى ذلك ثروة من عنده، ثروة خيالية تنعقد فيها مشابهات كثيرة بين الأشياء، وهى متشابهات من شأنها أن تجعلنا نحس بأننا ندخل معه فى عالم خيالى حالم، وخاصة حين تلقانا استعاراته وما يملؤها به من أشباح وأرواح، فإننا نستشف معه كثيرا من الأشياء وعلاقاتها بعضها ببعض، كما نستشف الجمال فى داخلها ونشعر بغير قليل من المتاع.
стр. 326
وارجع إلى ما عرضناه من أشعاره فستجد التشبيهات تتراكم فيها، وستراه دائما حين يفكر فى شئ يلمع فى ذهنه نظيره، محاولا أن يربط بين الشبيه والشبيه بعلاقة لا تنفصم. وهى علاقات ننتقل بينها معجبين، بل هى مشاهد تجلب لنا البهجة والمسرة، إذ كان يعرف كيف يأتى منها بالنادر الطريف على شاكلة قوله الذى أنشدناه فى وصفه للظّعن وقصدها إلى غايتها:
بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهنّ لوادى الرّسّ كاليد للفم
وليس كل ما يلاحظ عنده كثرة التشبيهات ولا وقوعه على نوادرها، بل لعل أهم ما يلاحظ أنه يعنى بتفصيل التشبيه إذ لا يزال يلحّ على الصورة التى يعرضها، وكأنه يريد أن يستوفيها بجميع دقائقها وتفصيلها استيفاء، كقوله فى وصف بعض صواحبه:
تنازعها المها شبها ودرّ النّ ... حور وشاكهت فيها الظّباء (١)
فأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء، مرتعها الخلاء (٢)
وأما المقلتان فمن مهاة ... وللدّرّ الملاحة والصفاء
فهو لا يشبه صاحبته ببقر الوحش والدر والظباء تشبيها عامّا ويمضى، بل يعود إلى تفصيل تشبيهه، فهى تشبه الظباء فى جيدها الطويل الجميل وبقر الوحش فى سواد عينيها الفاتنتين والدر فى ملاحته وصفائه ولمعانه وبهائه.
وإذا كان زهير أتقن لون التشبيه من حيث كثرة الصور والتعمق فيها والإلحاح عليها بالتفاصيل فإنه أتقن لون الاستعارة إتقانا لعل شاعرا جاهليّا لم يبلغ مبلغه فيه، وارجع إلى معلقته وإلى صور الحرب التى أنشدناها فإنك تجد الاستعارات فيها تتلاحق، فالحرب أسد ضار، بل هى نار مشتعلة، بل هى رحى تطحن الناس، بل هى ناقة تنتج غلمان شؤم، بل هى أرض مغلة غلة قبيحة ليس فيها منافع للناس إنما فيها الموت الزؤام. وقد مثّل-كما مرّ بنا-حياة العرب فى حروبهم الدائرة وما يتخللها من فترات راحة بصورة قوم يرعون مراعى وخيمة، حتى
стр. 327
إذا أخذهم الظمأ الشديد وردوا على مياه وخيمة، بل على دماء مسفوحة. ونراه فى نفس المعلقة يصف شجاعا ويصوره فى صورة أسد فيقول:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم (١)
وواضح أنه استتم فى استعارته صورة الأسد بشعره المسترسل على منكبيه وأظفاره المسنونة التى لم تقلم يوما والتى إن نشبت فى شئ أتت عليه.
ولم يكن زهير يكثر من الاستعارة فى شعره فحسب، بل كان أيضا يحاول أن يأتى فيها بالصور النادرة الغريبة كقوله فى أحد مطالعه:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرّى أفراس الصّبا ورواحله (٢)
وهو فى الشطر الأول يقول إن قلبه كفّ عن حب سلمى، وقد أراد على طريقته أن يعبر عن هذا المعنى بصورة، فذهب يتخيل، وبعد به خياله، فإذا هو يتصور أسباب حبه وصبوته التى كان دائما يلزمها أفراسا ورواحل يركبها إلى صاحبته، وكان طريقه إليها مشغولا دائما بهذه الرواحل والأفراس. وقد انتهى اليوم كل شئ، فقد انصرف عن سلمى وحبها، ولم تعد تشغله أسباب صبوته القديمة.
وهى صورة بعيدة لا تقع إلا فى ذهن يكثر من التخيل والإغراق فى التصور، ذهن يتعمق فى الأشياء والمعانى، حتى يتخيلها أحياء حقيقية.
وأكبر الظن أننا لا نغلو إذا قلنا إن زهيرا كان شاعرا مصورا، فالتصوير أساس فنه، وكأنما تحول عقله إلى آلة لاقطة، وهى ليست آلة فوتوغرانيه، بل هى آلة خالقة، آلة تفكر فى الأشياء من خلال أشياء أخرى فتعقد ما لا يحصى من مشابهات ومشاكلات، وما تلبث أن تتمثل فيما يقع تحت حسها أشباحا وأطيافا تتراءى لها واضحة تمام الوضوح.
ومهما تحدثنا فى هذا الجانب فلن نستطيع أن نوفى زهيرا حقه من بيان مقدرته التصويرية، وكأنى به كان الثمرة النهائية للجهود الفنية التى أودعها الجاهليون أشعارهم، فهو من جهة قد صقل أسلوبه إلى أبعد غاية «من الصقل» ومن جهة ثانية
стр. 328
عنى بموسيقاه وألحانه عناية واسعة بحيث لا يبدو فيها أى شذوذ، ومن جهة ثالثة استتم فن التصوير بفرعيه من التشبيه والاستعارة.
وكل هذه ألوان جمال تعجب بها عند زهير، فهو شاعر الجمال، وهو شاعر الحقيقة بحكمه، وهو شاعر الخير بدعوته إلى السلام وبما رسمه للفضيلة من مثل فيمن مدحهم، حتى ليروى أن عمر بن الخطاب استمع إلى بعض قطعه المتألقة فى مديح هرم، فقال ذلك رسول الله ﷺ (١)
والحق أنه يصور مثلا جيدا من أمثلة الشعر الجاهلى، فقد انتهى عنده هذا الشعر إلى صورة رفيعة للخير والحق والجمال، وكان ما يزال يجهد نفسه فى رسم خطوط هذه الصورة إجهادا عبر عنه القدماء بأنه حولىّ صاحب حوليات، وهل يمكن أن نتصوره محققا لهذه البراعة التى وصفناها بدون جهد عنيف كان يستنفد منه آمادا طويلة من الزمن؟ إن كل جانب فى شعره يدفعنا دفعا إلى الإيمان بأنه كان يعانى طويلا فى صنع قصائده وما يتخذه لها من هذا الإطار الفنى الدقيق.
стр. 329
الفصل العاشر
الأعشى
١ - قبيلته
ينتسب الأعشى إلى قبيلة بكر بن وائل الكبيرة التى كانت تمتد فروعها وبطونها فى شرقى الجزيرة من وادى الفرات إلى اليمامة. ومن أهم هذه الفروع والبطون شيبان ويشكر وعجل، ثم حنيفة وقيس بن ثعلبة وكانتا تنزلان فى اليمامة، وتتشعب قيس شعبا أهمها مالك بن ضبيعة ومن عشائرهم بنو عبدان وبنو كعب، وربيعة ابن ضبيعة ومن بيوتاتهم بنو جحدر، وسعد بن ضبيعة وإليهم ينتمى الأعشى.
وتاريخ عشيرة بنى سعد بن ضبيعة فى العصر الجاهلى يندمج فى تاريخ قبيلتها الكبيرة، فقد وقفت معها فى حروب البسوس التى ظلت أربعين عاما، كما وقفت معها فى يوم الكلاب، ودخلت معها بعد هذا اليوم فيما دخلت فيه من الولاء للمناذرة وطالما نصرتهم فى حروبهم مع الغساسنة. ولما طلب كسرى أبرويز النعمان بن المنذر احتمى هو وأسرته ببنى شيبان إحدى قبائل بكر وخلّف عند سيدهم هانئ بن قبيصة الشيبانى أولاده وسلاحه الذى يقال إنه بلغ نحو ألف درع. وقتل كسرى النعمان كما مر فى غير هذا الموضع وولّى على الحيرة إياس بن قيس السنائى، فثارت شيبان وقبائل بكر ضده وأخذت جموعهما تغير على سواد العراق، فاضطر كسرى أن ينازلها، ودارت على جيوشه الدوائر فى يوم ذى قار المشهور الذى انتصر فيه العرب على الفرس، وقد اختلف المؤرخون فى توقيت تاريخه (١)
ولم تشترك قيس بن ثعلبة فى هذه الحروب وحدها، فقد أسهمت مع بنى حنيفة
стр. 330
وغيرها من البكريين فى حروب ضد تميم وغيرها من القبائل. وقد تقع حروب ومناوشات داخلية بين عشائرها، مثلها مثل بقية العشائر فى الجاهلية إذ كانت كثيرا ما تنشب بينها خلافات تؤدى إلى بعض الدماء. ويظهر أنها رغم استقرارها فى اليمامة وسكناها بعض القرى مثل «منفوحة» كانت تنزع إلى حياة. البداوة وما يتصل بها من رعى الإبل والغنم، ولعل ذلك ما جعل الأعشى يهجو إيادا فى بعض شعره بأنها تعتمد على الزراعة يقول (١):
لسنا كمن جعلت إياد دارها ... تكريت تنظر حبّها أن يحصدا
جعل الإله طعامنا فى مالنا ... رزقا تضمّنه لنا لن ينفدا (٢)
مثل الهضاب جزارة لسيوفنا ... فإذا تراع فإنها لن تطردا (٣)
ضمنت لنا أعجازهن قدورنا ... وضروعهنّ لنا الصّريح الأجردا (٤)
وواضح أنه يصرح بأن إيادا تعتمد على الزراعة والحصاد، أما هم فما لهم الإبل التى لا تنفد، وهى إبل ضخمة كالهضاب، يعقرونها لضيوفهم، ولا يلم بها من يروعها أو يغير عليها خوفا من بسالتهم، وهى تملأ قدورهم بلحمها وبيوتهم بألبانها.
وعلى العكس كان أبناء عمومتهم من بنى حنيفة أكثر استقرارا، وقد اتخذوا الحجر قصبة لهم، وكان سيدهم فى أواخر هذا العصر الجاهلى هوذة بن على، وكان يحمى القوافل الفارسية فى طريقها إلى اليمن، ولعله من أجل ذلك وقف بعيدا بقبيلته عن يوم ذى قار، فلم تشترك فيها. وأغلب الظن أن هذه القبيلة لم تعتمد على الرعى وحده شأن قبيلة الأعشى، بل كانت تعتمد أيضا على الزراعة، فكانت نصف حضرية. وقد شاعت فيها النصرانية، أما قيس فظلت فى جملتها وثنية تعبد الأصنام. وليس هذا كله ما بينهما من خلاف، فبينما حنيفة لا يعرف
стр. 331
لها شاعر مذكور فى الجاهلية (١) إذا قيس كثيرة الشعر والشعراء، وقد يكون ذلك بسبب بداوة قيس وكثرة الحروب التى عانتها، يقول ابن سلام: «وبالطائف شعر وليس بالكثير، وإنما كان يكثر الشعر بالحروب التى تكون بين الأحياء. . والذى قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا، وذلك الذى قلّل شعر عمان (٢)» ونقول أيضا إنه الذى قلل شعر حنيفة فى اليمامة
أما قيس بن ثعلبة فقد كانت كثيرة الحروب، فكانت تغير ويغار عليها، وفى أثناء ذلك ينشدلها شعراؤها القصائد والأناشيد المحمّسة، فنما الشعر فيها وازدهر، وقد اشتهر فيها غير شاعر من مثل المرقّش الأكبر والمرقش الأصغر والمتلمّس وابن أخته طرفة والمسيّب بن علس. وقد أنشدنا فى غير هذا الموضع قطعة طرفة فى المعلقة التى يصور فيها فتوته وأنه ينفق حياته فى الكرم والحرب والنساء والخمر.
ونجد هذه الروح فى شعر المرقشين، كما نجد عندهما غزلا خفيفا رقيقا، ولكل منهما قصة عشق مأثورة.
٢ - حياته
عاش الأعشى فى أواخر العصر الجاهلى، وليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأته، وكل ما يقوله الرواة أنه ولد بمنفوحة فى اليمامة وأن أباه كان يلقب بقتيل الجوع «لأنه دخل غارا يستظلّ فيه من الحرّ، فوقعت صخرة عظيمة من الجبل، فسدّت فم الغار، فمات فيه جوعا، وفى ذلك يقول جهنّام يهجوه، وكانا يتهاجيان:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع (٣)
وخماعة-فيما يظهر-جدّ بعيد لأمه، وهى أخت المسيّب بن علس، وعنه حمل الشعر الأعشى، إذ كان راويته، ولا شك فى أنه روى لغيره من شعراء قبيلته، فهو امتداد لهم جميعا.
стр. 332
واسم الأعشى ميمون، وإنما سمى الأعشى لضعف بصره، ومن أجل ذلك كان يكنى بأبى بصير (١). وإذا كنا لا نعرف شيئا واضحا عن نشأته فإنه يتبين لنا من أخباره ومن اسمه «صنّاجة (٢) العرب» أنه انتقل بالشعر الجاهلى نقلة، فإن كلمة صنّاجة تعنى أنه كان يتغنى بشعره، ويبالغون فى ذلك حتى يجعلوا كسرى يستمع لبعض غنائه فيه (٣)! !
وتدلّ أخباره وأشعاره على أنه كان كثير التنقل والأسفار البعيدة فى أنحاء الجزيرة يمدح سادتها وأشرافها، وفى ديوانه مديح للأسود بن المنذر وأخيه النعمان وإياس بن قبيصة الطائى والى الحيرة من بعده، ويظهر أنه كان يقيم بها كثيرا. وفيه أيضا مديح لقيس بن معد يكرب الكندى ولسلامة ذى فائش أحد أمراء اليمن ولبنى عبد المدان بن الديّان سادة نجران ولهوذة بن على سيد بنى حنيفة. وكان يفد على سوق عكاظ، ويمدح من يمر به فى طريقه إليها من شيوخ العرب وأشرافهم (٤).
ولا يكتفى الرواة بما يدل عليه شعره من الرحلة إلى الحيرة واليمن وديار كندة فى حضرموت ونجران وعكاظ بل يذهبون به إلى الفرس وعمان وبلاد الشام متغلغلا فيها إلى حمص وأورشليم (بيت المقدس) ويجتازون به البحر إلى نجاشى الحبشة، ويجرون على لسانه شعرا يتحدث فيه عن هذه الرحلات البعيدة، فيقول: (٥)
وقد طفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأوريشلم
أتيت النجاشىّ فى أرضه ... وأرض النّبيط وأرض العجم
وأكبر الظن أنه لم يصنع شيئا من ذلك وأنه إنما اقتصر فى أسفاره ورحلاته على أطراف اليمن ونجد والحيرة يمدح شيوخ العرب وسادتهم. ووقع-كما يقول الرواة-فى بعض رحلاته بديار بنى عامر ومعه هداياه من بعض ممدوحيه، فخشى على نفسه وعلى هداياه، فاستجار بعلقمة بن علاثة، فقال له قد أجرتك، فقال له الأعشى من الجن والإنس؟ قال: نعم، قال الأعشى: ومن الموت،
стр. 333
فقال: لا. وتمضى القصة فتذكر أن علقمة كان قد اختلف مع ابن عمه عامر ابن الطّفيل على سيادة القبيلة، وتنافرا منافرة حادة، اشترك فيها كثير من الشعراء، فكان مع علقمة مروان بن سراقة والحطيئة ومع عامر لبيد الشاعر المشهور. ولما لم يجر علقمة الأعشى من الموت أتى عامر بن الطفيل فقال له:
أجرنى قال: قد أجرتك، قال: من الجن والإنس؟ قال: نعم قال: ومن الموت. قال: نعم. قال: وكيف تجيرنى من الموت؟ قال: إن مت وأنت فى جوارى بعثت إلى أهلك الدية، فقال: الآن علمت أنك قد أجرتنى من الموت. فمدح عامرا وهجا علقمة (١).
والأعشى فى شعره لا يعيش لمديح السادة والأشراف وأخذ نوالهم فحسب، بل هو يعيش أيضا لقبيلته ومنازعاتها الكبيرة مع بكر ضد الفرس، ففى ديوانه مطولة يهددهم فيها ويتوعدهم كما يتوعد من يقف معهم من العرب مثل إياد (٢)، وهو يعيش كذلك فى منازعات قبيلته مع بنى شيبان، فيتعرض بالوعيد والتهديد ليزيد بن مسهر الشيبانى، على نحو ما تصور ذلك معلقته. فإذا حدثت منازعات صغرى بين عشيرته وأبناء عمومتهم من عشائر قيس بن ثعلبة ناصرها ذاكرا ما بينهم وبينها من أواصر الرحم، على نحو ما نرى فى قصائده التى وجهها إلى بنى جحدر وبنى عبدان. وقد اصطدم عند الأخيرين بشاعرهم جهنّام، فتهاجيا طويلا.
ويقال إنه لما سمع بالرسول ﷺ وانتصاراته وانتشار دعوته رغب فى الوفود عليه ومديحه، وعلمت قريش بذلك فتعرضت له تمنعه، وكان مما قاله له أبو سفيان بن حرب: إنه ينهاك عن خلال ويحرّمها عليك، وكلّها بك رافق ولك موافق، قال: وما هنّ؟ فقال أبو سفيان: الزنا والقمار والرّبا والخمر. فعدل عن وجهته، وأهدته قريش مائة من الإبل، فأخذها وانطلق إلى بلده معرضا عن الرسول ودعوته، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره، فقتله (٣) سنة ٦٢٩ للميلاد.
وهذه الخلال التى ذكرها أبو سفيان والتى جعلته يصد عن لقاء الرسول الكريم تدل على أنه كان وثنيّا مغرقا فى وثنيته، وفى شعره نفسه ما يصور معالم هذه الوثنية،
стр. 334
إذ نراه كثير الحديث عن القيان مثل هريرة وقتيلة وجبيرة بل إنه ليتحدث عن البغايا اللائى يبعن أعراضهن (١)، ويقرنه ابن سلام فى هذا الصدد بامرئ القيس فيقول: «وكان من الشعراء من يتألّه فى جاهليته ويتعفف فى شعره ولا يستبهر بالفواحش. . ومنهم من كان يتعهّر ولا يبقى على نفسه ولا يتستر، منهم امرؤ القيس ومنهم الأعشى (٢)». وقد تمدح فى شعره كثيرا بالقمار كقوله مفتخرا بعشيرته (٣):
من شباب تراهم غير ميل ... وكهولا مراجحا أحلاما (٤)
ولقد تصلّق القداح على النّيب ... إذا كان يسرهنّ غراما (٥)
فهم يضربون قداح الميسر على النوق الضخمة التى يتأبى غيرهم أن يضربها عليها اعتزازا بها. أما الخمر فهو أكبر شاعر تغنى بها فى الجاهلية.
وطبيعى لمن تكون حياته على هذا النحو من المجون والإثم فيه أن يكون وثنيّا متعمقا فى وثنيته وأن لا يعتنق الإسلام ولا غير الإسلام من الأديان السماوية، وقد زعم لويس شيخو أنه كان نصرانيّا، وشاركه فى هذا الزعم بعض المستشرقين مستدلين على ذلك بأنه كان يمدح أساقفة نجران ويتصل بالبيئات المسيحية فى الحيرة وبمثل قوله فى القصيدة رقم أربع وثلاثين:
ربّى كريم لا يكدّر نعمة ... وإذا يناشد بالمهارق أنشدا
والمهارق هنا الصحف الدينية. فكأنه يعترف بأنه نصرانى، ترتّل لربه الأناشيد الكنسية. غير أن هذا ليس حتما، فقد تكون لدى الوثنيين من الجاهليين مهارق كانوا يتلون فيها بعض أدعيتهم. وقد يكون البيت دخيلا على القصيدة، وسنعرف بعد قليل أن راوى ديوانه كان مسيحيّا، وأغلب الظن أنه هو الذى أدخل هذا البيت فى القصيدة، كما أدخل فى قصيدة أخرى قسمه بالمسيح فى قوله (٦):
стр. 335
وإنى وربّ الساجدين عشيّة ... وما صكّ ناقوس النصارى أبيلها (١)
وقد جعله فى قصيدة ثالثة يقسم براهب اللّج، بل بثوبه (٢). وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن القصيدتين جميعا موضوعتان فقد كان الأعشى وثنيّا غاليا فى وثنيته، كما يدل على ذلك خلاله التى وصفناها فى شعره، وأيضا أقسامه الوثنية التى رواها نفس هذا الراوى المسيحى، إذ نراه يقسم بالكواكب والنجوم (٣)، كما يقسم بالكعبة التى يحج إليها العرب وبما يهدون إليها من القرابين فى مثل قوله (٤):
إنى لعمر الذى خطّت مناسمها ... تخدى وسيق إليه الباقر الغيل (٥)
والحق أنه لم يكن نصرانيّا، إنما كان وثنيّا على دين آبائه، وقد احتفظ فى وثنيته بكل ما كان فيها من إثم وفجور.
٣ - ديوانه
للأعشى ديوان كبير نشره جاير فى لندن سنة ١٩٢٨ وقد اعتمد فى نشره على مخطوطة فى الإسكوريال برواية ثعلب المتوفى سنة ٢٩١ للهجرة ثم مخطوطة دار الكتب المصرية ونسختين نقلتا عنها فى استراسبورج وزاخو، ومخطوطة فى باريس وأخرى فى ليدن. وأضاف إلى الديوان ملحقين بما وجده من شعر الأعشى فى كتب الأدب وما وجده من أشعار لمن لقّبوا بالأعشى وهم كثيرون.
وكان اعتماده الأساسى على مخطوطة الإسكوريال، لأنها برواية ثعلب، ورغم أنها تنقص أوراقا من نهايتها تحتفظ للأعشى بسبع وسبعين قصيدة ومقطوعة.
وقد أضاف إليها خمس قصائد من المخطوطات الخمس الأخرى، وجميعها تتفق فى رواية خمس عشرة قصيدة له، كما تتفق فى أنها مجهولة النسب. ولذلك لا يمكن الاعتماد
стр. 336
على هذه المخطوطات، وأغلب الظن أنها مختارات جمعت من نسخة ثعلب، وليست رواية مقابلة لها. وقد صورت دار الكتب المصرية أخيرا مخطوطة من المكتبة المتوكلية اليمنية بها ست وأربعون قصيدة ومقطوعة للأعشى، ويفجؤنا كاتبها فى فاتحتها بأن هذا كتاب فيه من شعر الأعشى، فهى لا تتضمن ديوانه إنما تتضمن مختارات منه، وهى مختارات تدل على أنها جمعت من نفس الرواية الكوفية، وإن كنا نجد فيها قصائد غير مثبتة فى رواية ثعلب، ولكن هذا لا يقوم دليلا على أنها لم تستق من روايته، فروايته التى نشرها جاير كما قدمنا غير كاملة، إذ تنقص بعض أوراق.
ومعنى ذلك أننا نفتقد فى شعر الأعشى الرواية البصرية، فيما عدا القصيدتين رقم ٦، ١١ فقد نصّ شارح الديوان على أن أبا عبيدة قرأ الأولى على أبى عمرو بن العلاء وأن الأصمعى سمع أبا عمرو ينشد الثانية حفظا، ونصّ الشارح أيضا على أن القصائد ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٥٧، ٦٥، ٦٦ برواية أبى عمرو، وظن جاير-كما ذكر فى مقدمته-أنه أبو عمرو بن العلاء، وليس بصحيح إنما هو أبو عمرو الشيبانى، فهو الذى كانت تروى عنه الدواوين، وهو راوية كوفى ينقل عنه السكرى وثعلب وأضرابهما من الكوفيين. على أن الشارح نص فى القصائد ١، ٢٩، ٣٤، ٥٥، ٥٨، ٥٩، ٦٠ أنها من رواية أبى عبيدة البصرى، وإن كنا نلاحظ أن القدماء شكوا فى القصيدة رقم ٦٠ وقالوا إنها لابن دأب (١). على كل حال ليس بين أيدينا رواية بصرية كاملة للديوان، إنما بين أيدينا راوية كوفية فيها إشارات إلى بعض ما تضمنته الرواية البصرية.
فإذا لاحظنا أن الرواية الكوفية للشعر الجاهلى غير دقيقة وأنها تتزيد فيه كما لاحظنا سابقا فى دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير كان من الواجب ألا نقبل روايتها لديوان الأعشى دون احتياط واحتراس شديد، وقد تصادف أن راويته الذى حمله عنه وأذاعه فى الناس كان نصرانيا معمرا هو يحيى (٢) أو يونس بن متى وأن هذا الراوى من الممكن أن يكون قد عبث بالديوان فأدخل فيه ما ليس منه، ليزيد بعض المعانى المسيحية، وقد روى عنه أنه كان يقول: «كان الأعشى قدريّا إذ يقول:
استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا
стр. 337
فسأله سائل: من أين أخذ الأعشى قوله ومذهبه فأجاب: «من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشترى منهم الخمر، فلقنوه ذلك (١)».
ويبعد أن يكون الأعشى حقّا قد تغلغل نظره كل هذا التغلغل، فإذا هو يقول بالقدر وأن الإنسان حرّ فى تصرفاته، ولا يكتفى بذلك، بل يقول بالعدل على الله كما تقول المعتزلة، والمعقول أن يكون يحيى هو الذى وضع البيت، بل لقد شك ابن قتيبة فى القصيدة جميعها، وقال بعد أن روى طائفة من أبياتها هذا شعر منحول (٢). وينبغى أن نشك كما شك ابن قتيبة فى قصائد الأعشى الأخرى التى تصور أفكارا مسيحية أو أفكارا إسلامية، أما الأفكار المسيحية فلأن راويه الذى نشره نصرانى، وأما الثانية فلأنها معان جديدة لم تعرفها الجاهلية لاهى ولا كل ما يتصل بها من ألفاظ القرآن وأساليبه. ويصور ذلك تصويرا واضحا قصيدته رقم ١٧ التى قالوا إنه مدح بها الرسول صلوات الله عليه، مع أنه-كما قدمنا-لم يلقه وصدّته قريش عن لقائه، وبمجرد أن نقرأ القصيدة وقوله فيها:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا (٣)
فإياك والميتات لا تأكلنّها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا (٤)
وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا (٥)
وصلّ على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا السائل المحروم لا تتركنّه ... لعاقبة ولا الأسير المقيّدا
ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبنّ المرء يوما مخلّدا (٦)
ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا (٧)
стр. 338
نعرف توّا أنها موضوعة، لا لأنه فيها يدعو إلى تعاليم إسلامية فحسب، بل لأنه ينظم فيها آيات قرآنية من مثل قوله تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى»﴾ وقد نظم فى البيتين الثالث والرابع قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ»﴾ أما فى البيت الخامس فنظم قوله ﵎: ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ»﴾. ونظم فى البيت السادس قوله جلّ وعز: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»﴾. وفى البيت السابع نظم قوله جلّ ذكره:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ»﴾ أما البيت الثامن فنظم فيه مثل قوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً»﴾ وقوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ»﴾.
وواضح من هذا كله أن القصيدة منتحلة، وهى لا تتفق فى شئ ونفسية الأعشى، وما كان ليسمع القرآن ويؤمن بتعاليمه على هذا النحو، ثم ينصرف عن رسوله الكريم وهديه. ونحن لا نشك فقط فى هذه القصيدة، بل نشك كذلك فى القصائد الأخرى التى تردّد معانى الإسلام ومثاليته الخلقية أو تردد بعض المعانى المسيحية. وبهذا القياس نتهم قصيدته رقم ٥ لقوله فيها يمدح قيس بن معد يكرب الكندى:
وما أيبلىّ على هيكل ... بناه وصلّب فيه وصارا (١)
يراوح من صلوات الملي ... ك طورا سجودا وطورا جؤارا (٢)
بأعظم منه تقى فى الحساب ... إذا النّسمات نفضن الغبارا
وواضح أنه يصفه بالتقوى وأنه يراقب ربه، ويقول إن الراهب الذى يصلّب له فى هيكله ويصلى له ساجدا ويتضرع ليس أعظم منه تقوى وخشية، حين تهب الريح اللينة نافضة للغبار. وقد نظم منتحلها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى»﴾ فقال:
عطاء الإله فإن الإله ... يسمع فى الغامضات السّرارا
стр. 339
ومثلها القصيدة رقم ١٥ التى أنشد فيها منتحلها قسمه بثوبى راهب اللج فقال:
وإنى وثوبى راهب اللّجّ والتى ... بناها قصىّ والمضاض بن جرهم (١)
وحقا إنه أضاف إلى ثياب الراهب القسم بالكعبة، ولكن مما يزيد الشبهة فى القصيدة أننا نجد فيها هذا البيت، يهجو به خصمه:
وما جعل الرحمن بيتك فى العلا ... بأجياد غربىّ الفناء المحرّم (٢)
ولم تشع كلمة الرحمن بين الشعراء إلا فى الإسلام أخذا من قوله تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، وقد دارت فى القرآن الكريم. ونقف نفس الموقف من القصيدة رقم ٢٣ للبيت الذى مر بنا والذى يقسم فيه بالمسيح وضرب الراهب للناقوس. ومما لا شك فيه أن قوله فى قصيدة النعمان رقم ٢٨:
فلا تحسبنّى كافرا لك نعمة ... علىّ شهيد شاهد الله فاشهد
مما يضعفها، لأنه يلخص فكرة الملائكة الشاهدين المعروفة فى الإسلام.
وقد شك ابن قتيبة فى القصيدة رقم ٣٥ وبها بيت القدر الذى أنشده يحيى بن متى فيما أسلفنا. وتكاد تكون القصيدة رقم ٦٦ فى كثير من أبياتها نظما لمواد قرآنية على هذه الشاكلة:
وربّك لا تشرك به إن شركه ... يحطّ من الخيرات تلك البواقيا
بل الله فاعبد لا شريك لوجهه ... يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا
وقد مضى واضعها يدعو إلى تقوى الله وصلة الرحم وردّ الأمانات إلى أهلها والتعفف عن الجارة، ويقول محذرا من معصية الله: «فإنك لا تخفى على الله خافيا» ويقول أيضا «كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا». فلا شك فى أن هذه القصيدة إسلامية. على أنها تلفتنا إلى شئ مهم، وهو أن الأعشى أضيفت إليه أشعار تذهب مذهب العظة والاعتبار، ولا نرتاب فى أن يحيى بن متى لعب فى ذلك
стр. 340
دورا كبيرا، وقد تبعه القصّاص والوعاظ المسلمون يزيدون فى النسيج خيوطا فإذا الأعشى كأنه واعظ من وعاظ الكوفة، يتحدث إلى الناس حديث عظة عن الدهر وتقلباته والموت وما طوى من الملوك وأسباب ترفهم ونعيمهم، وكيف يأتى على الناس، فالكل إلى فناء، ولا يبقى سوى وجه ربك ذى الجلال والإكرام ولا يبدو ذلك فى قصيدة من ديوانه أو قصيدتين، بل إنه يجرى فى قصائد كثيرة واقرأ قصيدته ذات الرقم ٢ فإنك ستراه يستهلها بالحديث عن حياة الإنسان وما يلقى فيها من العناء والشقاء بالموت وما ينزل به من الأمراض والأحزان، وكيف أن أحدا لا يستطيع الفرار من المنية، ويسترسل فى الحديث عمن مات من الملوك الأولين.
وفجأة يخرج إلى الحديث عن لذاته. ولعل من الطريف أن القدماء أنكروا القصيدة (١). ومثلها القصيدة رقم ٤ وفيها يتحدث عن طوافه فى البلاد، وقد أنشدنا منها فيما مر البيتين اللذين يذكر فيهما أنه زار أوريشليم والنجاشى فى أرضه، ولكن ليس هذا هو الذى نقف عنده فحسب، فقد مضى يتحدث عن قصة حصن الحضر وتخريب سابور له بجنوده، وينهى قصته تلك بقوله:
وفى ذاك للمؤتسى أسوة ... ومأرب قفّى عليها العرم (٢)
ويمضى فى هذه القصة قصة سد مأرب وخرابه وتشتت حمير فى البلاد، متخذا من ذلك عظة جديدة. وعلى هذا المثال قصيدته رقم ١٣ وفيها يحدثنا عن زرقاء اليمامة وكيف عصاها أهلها ولم يأتمروا بأمرها حين خوفتهم جيوشا قادمة، هى جيوش حسان تبّع، وقدمت الجيوش فجعلت عاليها سافلها وحطمتهم حطما، وقد شك القدماء فى القصيدة وأنكروها (٣). وليس فى القصيدة رقم ١٤ ذكر للملوك الأولين، ولكنها تحمل وصية خلقية بها كثير من الخيوط الإسلامية تجعلها أشبه بموعظة، إذ لا يعد القريب قريب النسب، وإنما هو قريب الود والبر، ويقول إنه ليس عاقا ولا ذا نميمة، وإنه لا ينتظر من الناس جزاءه وإنما ينتظره من ربه. ومثل هذه المعانى تجعلنا نشك فيها كما نشك فى القصيدة رقم ٣٣ وفيها حديث طويل عن فناء الحياة وأن كل شئ فيها إلى زوال، فالكل هالك كما هلك ساسان
стр. 341
ملك الفرس ومورق ملك الروم وكسرى شاهنشاه، وهذا عادياء لم يغنه حصنه بتيماء الذى بناه سليمان، ويسهب فى وصف الحصن، وكذلك كان أمر النعمان إذ لم تنفعه أمواله ولا ما كان يجبى إليه، فلم ينج من القضاء. ومن هذا النمط نفسه قصيدته رقم ٣٦ التى يقول فيها:
إنما نحن كشئ فاسد ... فإذا أصلحه الله صلح
ويحدثنا عن هلاك الملوك الأولين مثل عمرو بن هند حديثا كله عظة واعتبار، فإن الناس هالكون لا محالة، وكذلك يصنع فى قصيدته رقم ٣٩، ومثلها رقم ٥٣ أما القصيدة رقم ٥٤ فإنه يتحدث فيها عن قصر ريمان قصر الحميريين الذى تداوله الحبش والفرس وما أصابه من البلى والخراب. وقد أنكر القدماء نسبة المقطوعة رقم ٥٦ (١) كما أنكروا أختها رقم ٦٠ وأشرنا إلى ذلك فيما أسلفنا. وأبيات الأخيرة تختلط بأبيات القصيدة رقم ٧٢ ولذلك كنا نتهمها هى الأخرى، وأنكر القدماء القصيدة رقم ٦٢ وقالوا إنها تختلط بشعر لنابغة بنى شيبان (٢). ونراه فى القصيدة رقم ٧٩ يدعو لإياس بن قبيصة أن يجزيه الله جزاء نوح إذ أوحى إليه أن يصنع الفلك ليعصمه من الطوفان. ونلتقى فى نهاية الديوان بالقصيدة رقم ٨٢ وهى تلتقى فى بعض أبياتها بقصيدة رواها المفضل الضبى فى المفضليات لعوف بن الأحوص وهى فيها ذات الرقم ٣٦ ونسب الجاحظ بعض أبياتها فى الحيوان إلى مضرّس (٣) بن زرارة لقيط.
وليست هذه القصائد وحدها فى الديوان هى التى ينبغى أن لا نطمئن إليها، لما يداخلها من الوعظ والمعانى الإسلامية والمسيحية، فقد أضاف إليه الرواة الوضاعون غير قليل من القصائد والأشعار، ويمكننا معرفة وضعها من عرضها على تقاليد الشعر الجاهلى وأسلوب الأعشى نفسه فى مطولاته التى لا يعتورها الشك. وقد تأخذ القصيدة شكلا قصصيّا غير مألوف لدى الشعراء الجاهليين. وإذا أخذنا نقرأ فى الديوان على هذه الأسس وجدنا غير قليل من القصائد يستوقفنا، من ذلك القصيدة رقم ١٢ لما يصور فيها من قصة عماه وقائده، وتدل رحلاته الكثيرة أنه كان ضعيف
стр. 342
البصر ولم يكن مكفوفا، ومثلها القصيدة رقم ٢٠ للين أسلوبها وضعفه، وهو أشبه بأساليب العباسيين. ونراه فى القصيدة رقم ٢٥ يسوق فى تفصيل قصة السموأل وما كان من إبداع امرئ القيس عنده مائة درع قبل رحيله إلى قيصر وحصار الحارث بن ظالم أو الحارث الغسانى له حتى يأخذها وتحصّنه منه بحصنه، ومفاجأته له بأحد أبنائه، وكان يصطاد، وقوله له إما أن تسلم الأدراع إلىّ وإما أن أقتل ابنك، وأبى السموأل أن يسلم الأمانة وفاء، وقتل الحارث ابنه تحت عينه. وهى قصة مشكوك فى أصلها، ويزيدها شكّا فى قصيدة الأعشى أنه رواها مفصلة بصورة تدل على أنها موضوعة، وربما وضعها أحد أولاد السموأل فى الإسلام، ومن أجل ذلك نشك فى القطعة رقم ٢٤ التى تقدم لها. وإذا تقدمنا فى الديوان وأعدنا النظر فى القصيدة رقم ٣٩ التى اتهمناها لما فيها من حديث عن هلاك القرى والأمم لاحظنا أنها تتضمن فى نحو عشرين بيتا قصة غزلية، يصور لنا فيها كيف بعث لصاحبته رسولا شيطانا لا يخشى الرقباء، وكيف تخلص إليها هذا الرسول فنازعها الحديث مخافتا، حتى إذا أنكرته ظل يغويها حتى أسلس له قيادها، فشاورها متى يأتيها الأعشى وكيف يدخل إليها. ويحدثنا أنه ألم بها وقد غفل الرقباء، وبات إلى جنبها لا يفصلهما حجاب، ويمضى فيصف مبيته عندها وصفا صريحا. وليس من ريب فى أن هذه القصة تعلن بدورها عن انتحال القصيدة وأنها موضوعة، ولكن ليس هذا ما نريده، إنما نريد أن نقول إنه ينبغى أن نشك فيما يجرى مجرى هذه القصيدة المنتحلة وقصتها الغزلية. ومن أجل ذلك كنا نشك فى القصيدة رقم ٥٢ وخاصة أنها غزل ووصف خالص، وليس لها موضوع من مديح أو فخر أو هجاء كما تعودنا عنده، ومما يزيدنا شكا فيها استرساله فى الخيال مع كل ما يشبه صاحبته به، وخاصة حين شبه مذاق ريقها بطعم الزنجبيل والتفاح ممزوجين بعسل النحل، فقد أخذ فى وصف من يشتار العسل ويجنيه، ولم يكن العسل واشتياره مما تعرف به قيس بن ثعلبة فى الجاهلية، إنما كانت تعرف به هذيل.
ونقف نفس الموقف من القصيدة رقم ٥٥ لكثرة ما فيها من ألفاظ فارسية، وكذلك القصيدة رقم ٦٣ لأنها تفتقد الغرض الواضح، وكأن من نحلوها الأعشى أرادوا بها أن يجروا على لسانه حديثه عن أسفاره البعيدة إلى الغساسنة فى الشام وبنى الجلنداء فى عمان وغيرهم. وليس فى القصيدتين رقمى ٦٤ و ٦٥ غرض واضح إنما فيهما غزل
стр. 343
وخمر أو غزل ووصف، ولذلك كنا نشك فيهما كما نشك فى القصيدة رقم ٧٦ لأنها كما يقول رواتها فى مديح قيس بن معد يكرب، وليس له فيها سوى ثلاثة أبيات فى مطلعها ثم تمضى القصيدة فى الغزل والخمر، وهى صورة معكوسة للصورة الطبيعية عنده، إذ يبدأ بالغزل، ثم يطيل فى المدح. ونحن نشك أيضا فى القصيدة التى تليها برقم ٧٧ لا لغزلها الماجن فحسب، بل لأن هذا الغزل يستنفد منها ٢٤ بيتا، ويليه وصف للناقة فى ٣ أبيات وفخر لا يتجاوز ٥ أبيات. ومثلها القصيدة رقم ٧٨ إذ نراه يصور فيها لهوه ومجونه فى ٢٢ بيتا، ثم يترك لممدوحه ٥ أبيات.
ومثلهما القصيدة رقم ٨٠ وهى غزل خالص أودع فى أسلوب ركيك. أما القصيدة رقم ٨١ فاعتذار لعلقمة بن علاثة أجراه الوضاعون على لسانه حتى يمحوا هجاءه المقذع فيه، وما كان ليهجوه فى قصيدتين مطولتين ويدور هجاؤه له فى العرب ثم يعتذر له بستة أبيات.
وإذا أضفنا إلى هذه القصائد التى شككنا فيها مقطوعاته القصيرة التى لا تتجاوز أحيانا بيتا والتى لا نستطيع أن نقيم عليها مراصد نمتحنها بها لقصرها وهى ذوات الأرقام ٣١، ٣٧، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦١، ٦٧، ٦٩، ٧١، ٧٤، ٧٥ استطعنا أن ندرس ما بقى له دراسة نطمئن إليها على الأقل بعض الاطمئنان. ولم يبق له قليل بعد هذا الفحص للديوان، بل إنه كثير، إذ يتضمن القصائد ذوات الأرقام: ١، ٣، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٦، ١٨، ١٩، ٢١، ٢٢، ٢٦، ٢٧، ٢٩، ٣٠، ٣٢، ٣٤، ٣٨، ٤٠، ٦٨، ٧٠، ٧٣.
على أن أعلاها ثقة هى القصائد ذوات الأرقام ١، ٦، ١١، ٢٩، ٣٤ لأن الشارح أسند الأولى والاثنتين الأخيرتين إلى أبى عبيدة كما أسند الثانية والثالثة إلى أبى عمرو بن العلاء، فتلك القصائد إذن من رواية البصرة التى نرفعها على رواية الكوفة فى التوثيق. على أننا نضرب صفحا عما ألحقه جاير ناشر الديوان به من أبيات وأشعار وجدها تنسب للأعشى فى بعض الكتب، إذ بمجرد النظر فيها نعرف خطأ نسبتها إليه أو على الأقل خطأ نسبة الكثير الأكثر منها.
стр. 344
٤ - شعره
يمتاز الأعشى بكثرة قصائده الطويلة، كما يمتاز بكثرة تصرفه فى فنون الشعر من مديح وهجاء وفخر ووصف وخمر وغزل. أما المديح فقد قالوا إنه أول من سأل بالشعر واستجدى بالقريض (١) واتخذه متجرا يطوف به البلاد (٢)، وحقّا سبقه غير شاعر إلى المديح كزهير والنابغة، ولكن أحدا منهم لم يحرص على الاستعطاء وطلب النوال كما حرص الأعشى فقد طاف فى أطراف الجزيرة العربية يمدح السادة والأمراء، ذاكرا ما يفيضون عليه من الإبل والجياد والإماء وصحاف الفضة وثياب الخز والديباج، منوها فى أثناء ذلك بسؤاله لهم، غير مبق على شئ من نفسه. ومعانى المديح عنده لا تفترق عن المعانى العامة فى مدائح الجاهليين، فهو ما ينى يمدح بالكرم والشجاعة والوفاء وعون الضعفاء فى القبيلة، وكثيرا ما يعرض لجيوش ممدوحه إذا كان أميرا أو شيخا لقبيلته مصورا ما تنزله على الأعداء من التقتيل والنكال، وقد يطيل فى وصف ما تشنه من غارات على الأعداء، وفى تضاعيف ذلك يورد على ممدوحه ثناء مفرطا.
ومن أهم ما يميز مديحه بالقياس إلى الجاهليين كثرة إسرافه فيه، ولا نقصد الإسراف فى الأوصاف من حيث هى وإنما نقصد الغلوّ فيها والإفراط، بحيث يعد مقدمة لمبالغات العباسيين فى مدائحهم. وقد يكون ذلك من أثر رغبته الشديدة فى العطاء، وقد يكون من أثر الحضارات التى ألمّ بها فى طوافه، وهذا هو معنى ما نقوله من أنه يشبه العباسيين، فذوقه فى المديح يقترب من ذوقهم وما نعرفه عندهم من غلوّ دفعهم إليه ملق الخلفاء والوزراء بنفس الباعث الذى بعث الأعشى على إفراطه فى مديحه، ونقصد طلب النوال والعطاء الجزيل. واقرأ له هذه القطعة من مديحه لقيس بن معد يكرب إذ يقول:
وسعى لكندة سعى غير مواكل ... قيس فضرّ عدوّها وبنى لها
стр. 345
وأهان صالح ماله لفقيرها ... وأسى وأصلح بينها وسعى لها (١)
فترى له ضرّا على أعدائه ... وترى لنعمته على من نالها
أثرا من الخير المزيّن أهله ... كالغيث صاب ببلدة فأسالها (٢)
وإذا تجئ كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الدّارعون نزالها (٣)
كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها (٤)
وعلمت أن النفس تلقى حتفها ... ما كان خالقها المليك قضى لها
فإنك تحس فيه روح العصر العباسى، لا من حيث سهولة اللفظ فحسب، ولا من حيث المقابلة بين المعانى فحسب، بل من حيث ما يجرى فى ذلك من أثر رقة الذوق بتأثير الحضارة، وهى رقة دفعته إلى الغلو فى وصف شجاعة ممدوحه، فإذا هو لجرأته وبسالته يقتحم ميادين الحرب غير لابس ترس يحميه، وبيده سيفه يضرب به فى الأقران تاركا فيهم آثاره. وقد آمن بينه وبين نفسه بأن الإنسان لا بد أن سيموت، فلا داعى للخوف، فلكل امرئ أجل مضروب. لا يتأخر عنه ولا يتقدم. واقرأ له هذه القطعة فى مديحه لهوذة بن على سيد بنى حنيفة:
إلى هوذة الوهّاب أهديت مدحتى ... أرجّى نوالا فاضلا من عطائكا
سمعت برحب الباع والجود والنّدى ... فأدليت دلوى فاستقت برشائكا (٥)
فتى يحمل الأعباء لو كان غيره ... من الناس لم ينهض بها متماسكا
وأنت الذى عوّدتنى أن تريشنى ... وأنت الذى آويتنى فى ظلالكا (٦)
وإنك فيما نابنى بى موزع ... بخير وإنى مولع بثنائكا (٧)
стр. 346
وجدت عليّا بانيا فورثته ... وطلقا وشيبان الجواد ومالكا (١)
بحور تقوت الناس فى كل لزبة ... أبوك وأعمام هم هؤلائكا (٢)
وما ذاك إلا أن كفّيك بالنّدى ... تجودان بالإعطاء قبل سؤالكا
يقولون فى الأكفاء أكبر همّه ... ألا ربّ منهم من يعيش بمالكا (٣)
وجدت انهدام ثلمة فبنيتها ... فأنعمت إذ ألحقتها ببنائكا (٤)
وربّيت أيتاما وأنعشت صبية ... وأدركت شأو السّبق دون عنائكا (٥)
ولم يسع فى العلياء سعيك ماجد ... ولا ذو إنى فى الحىّ مثل إنائكا (٦)
فإنك تحس المبالغة فى المديح واضحة، وهو يمزجها بالتبذل فى السؤال تبذلا لم يعرف فى عصره. وكل ذلك واضح فيه رقة اللهجة وأن الأعشى من ذوق يخالف ذوق الجاهليين، وهو ذوق جاءه من طول اختلاطه بأهل الحضر.
ولا نشك فى أن هذا الذوق هو الذى جعله فى أهاجيه ينحو نحو السخرية من مهجوّه فى كثير من شعره، وكأنما يجد فيه مرارة أشد وألذع من مرارة الهجاء المقذع. واقرأ معلقته أو قصيدته السادسة فى الديوان التى وجّه بها إلى يزيد بن مسهر الشيبانى، وكان قد قتل أحد بنى قيس بن ثعلبة رجلا من قومه، فحمّسهم للثأر لقتيلهم، فتعرض له الأعشى يهدده ويهجوه مستهلا تهديده وهجاءه بقوله:
أبلغ يزيد بنى شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل (٧)
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل (٨)
стр. 347
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (١)
وواضح أنه يوبّخه ساخرا منه مزدريا له، إذ يقول: يا أبا ثبيت أما تنفك تسعى بالشر والفساد وتقع فى أعراضنا بالذم والقدح؟ ألست منتهيا عن ذمنا وتنقصنا؟ وإنك مهما أتيت من قوارع الطعن لن تضر أصلنا الشامخ مدى الدهر، وما مثلك إلا كمثل وعل ينطح صخرة ليضعفها، فاستعصت عليه ولم يضرها ولم يوهنها إنما ضر قرنه وأوهنه. وارجع إلى قصيدتيه اللتين يهجو بهما علقمة بن علاثة، فستجده يعمد إلى هذا اللون من السخرية المرة بعلقمة، إذ يقول له فى أولاهما موازنا بينه وبين خصمه ومنافره عامر بن الطفيل:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر (٢)
يا عجب الدّهر متى سوّيا ... كم ضاحك من ذا وكم ساخر
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزّة للكاثر (٣)
علقم لا تسفه ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر
ولست فى السّلم بذى نائل ... ولست فى الهيجاء بالجاسر (٤)
وهذا من أشدّ الهجاء وأمضّه، ولو أنه شتم وأفحش لعدّ سفيها، أما أن يهجو على هذا النحو من التعريض فإنه يجعل الظنون تتسع كما يجعل النفوس تتعلق بمعنى كلامه وتكثر من تأويله. وهو يشير فى الأبيات إلى حكم هرم بن قطبة حين تنافر إليه علقمة وعامر، فسوّى بينهما فى عبارته المأثورة: «إنكما كركبتى البعير الأدرم (الفحل) تقعان على الأرض معا» والأعشى يرد هذا الحكم وينقضه قائلا: أين الثّرى من الثّريّا. وقد مضى فى القصيدة الثانية يذمه، ولم يكن من أبياتها بيت أشد إيلاما لعلقمة من قوله:
تبيتون فى المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا (٥)
стр. 348
حتى لقد زعم الرواة أنه بكى حين سمعه. وواضح أنه لم يجعله بخيلا فحسب، بل جعله هو وعشيرته يملأون بطونهم ويتخمون فى ليالى الشتاء الباردة على حين يشتد كلب الجوع والمسغبة على جاراتهم. واختار النساء لينزع من قلوبهم كل عطف ورحمة، فهم ليسوا بخلاء فحسب، بل إن قاوبهم لأشد قسوة من الحجارة.
واستمع إليه يسخر من كسرى قبل وقعة ذى قار:
واقعد عليك التاج معتصبا به ... لا تطلبنّ سوامنا فتعبّدا (١)
وفى كلمة «اقعد» من الهجاء ما يفوق كل إقذاع، إذ يستخف به وبجيوشه التى يعدها لقتالهم وقتال شيبان، وكأنه يلوّح له أنه إن هاجمهم منى بهزيمة تطيح بتاجه.
ولعلنا الآن نفهم ما كان يقال عن الأعشى من أنه «إذا مدح رفع وإذا هجا وضع»، فهو إذا مدح غالى فى مدحه حتى رفع ممدوحه على جميع الناس، وإذا هجا أوجع لا بالشتم والهجاء المقذع وإنما بالتهكم والسخرية والاستهزاء.
والأعشى كثير الفخر فى شعره بقبيلته وعشيرته، وهو يجمع لهما ضروب المفاخر والمناقب التى كانوا يعتزون بها فى الجاهلية من الجود فى الجدب والشجاعة فى الحرب والرعى فى المكان المخوف وإغاثة المستصرخ. وكثيرا ما يضمن هجاءه لمن يختلف معهم من قبيلته الكبرى بكر وقبيلته الصغرى قيس بن ثعلبة فخرا مدويا، كقوله فى معلقته التى أشرنا إليها آنفا متوعدا يزيد بن مسهر الشيبانى ومفتخرا بشجاعة قبيلته وما أثخنت فى القبائل من جراح:
سائل بنى أسد عنّا فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل (٢)
واسأل قشيرا وعبد الله كلّهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل (٣)
إنا نقاتلهم حتى نقتّلهم ... عند اللقاء وهم جاروا وهم جهلوا
لئن منيت بنا عن غبّ معركة ... لم تلفنا من دماء القوم ننتفل (٤)
стр. 349
قد نخضب العير من مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل (١)
نحن الفوارس يوم العين ضاحية ... جنبى فطيمة لا ميل ولا عزل (٢)
قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل (٣)
وقد ذهب بعض القدماء إلى أن البيت الأخير أشجع بيت لما صور فيه الأعشى قومه بأنهم يحسنون الطعان فرسانا كما يحسنون الضراب راجلين منوها بأن تلك سجية لهم درج عليها شيوخهم وشبابهم.
ونراه يكثر من وصف الصحراء وناقته، وهذا طبيعى لكثرة رحلاته وأسفاره، وهو فى هذا الموضوع يجرى على عادة الجاهليين، فيصور الأودية وما يجرى فيها من ظلام أو سموم أو مياه أمطار كما يصور طرقها الوعثة ورمالها ومناهلها ووحشتها وعزيف الجن ليلا بها، يقول فى معلقته:
وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة ... للجنّ بالليل فى حافاتها زجل (٤)
لا يتنمّى لها بالقيظ يركبها ... إلا الذين لهم فيما أتوا مهل (٥)
جاوزتها بطليح جسرة سرح ... فى مرفقيها إذا استعرضتها فتل (٦)
وواضح أنه فى هذه الأبيات يفخر بتحمله لمشقات السفر فى مثل هذه الأرض الوعرة الصلبة الموحشة التى لا يسمع فيها صوت سوى صوت الجن والتى لا يركبها فى حمارّة القيظ واشتعال الرمال إلا من تعود الصبر واحتمال المكاره، ويقول إنه يقطع مثل هذه الأرض بناقة نضو أسفار ضامرة موثّقة الخلق صلبة قوية. وهو
стр. 350
لا يطيل فى وصف أعضاء الناقة صنيع طرفة، بل يقتضب الحديث عنها غالبا، ويكثر حين يلم ببيان سرعتها أن يشبهها بحمار وحش أو ثور أو نعامة، ويطيل فى وصف ما يلم به منها على عادة الجاهليين. واقرأ هذه القطعة:
وفلاة كأنها ظهر ترس ... ليس إلا الرجيع فيها علاق (١)
قد تجاوزتها وتحتى مروح ... عنتريس نعّابة معناق (٢)
عرمس ترجم الإكام بأخفا ... ف صلاب منها الحصى أفلاق (٣)
وكأن القتود والعجلة الوفراء ... لمّا تواهق السّوّاق (٤)
فوق مستبقل أضرّ به الصّي ... ف وزرّ الفحول والتّنهاق (٥)
أو فريد طاو تضيّف أرطا ... ة عليه من الغصون رواق (٦)
أخرجته شهباء مسبلة الود ... ق رجوس قدّامها فرّاق (٧)
وتعادى عنه النهار ... تواريه عراض الرّمال والدّرداق (٨)
وتلته غضف طوارد كالنّحل ... مغاريث همّهن اللّحاق (٩)
وهو يصور فيها فلاة مقفرة، لا تجد فيها الإبل ما تأكله سوى الاجترار، ويقول إنه تجاوزها بناقة نشيطة قوية مسرعة سرعة شديدة، كانت ترجم المرتفعات بأخفافها الصلبة، فتشق ما فيها من حصى شقّا، وسرعان ما يشبهها
стр. 351
فى سرعتها بحمار وحش، يقاسى من لظى الصيف وعضّ أمثاله وتنهاقها عليه، فهو يسرع لا يلوى. ولا يمضى طويلا مع هذا الحمار، بل يتركه إلى ثور وحش يشبه به ناقته، ويصوره طاويا فى ليلة من ليالى الشتاء القاسية، وقد بات مستظلا بأغصان أرطاة، والمطر يسقط من حوله والفزع يأخذه من كل جانب، ولم تلبث نفسه أن راودته على الخروج من كناسه، فخرج يتوارى فى عراض الرمال وكثبانها، ولم تلبث كلاب الصيد أن رأته فأسرعت تحاول اللحاق به، وأسرع يحاول فوتها. والأعشى يشبه ناقته به وهى تترامى فوق الرمال مسرعة كأنما شئ يطلبها.
وتتكرر مثل هذه الصورة لا عند الأعشى وحده، بل عند جميع شعراء الجاهلية، إذ يشبهون الناقة بوحش الفلاة، وخاصة حين يناضل كلاب الصيد، وإن كنا نلاحظ أن الأعشى لا يطيل فى تصوير ذلك إطالة النابغة أو لبيد أو غيرهما من الجاهليين، وربما جاءه ذلك من ذوقه المتحضر، فكان يوجز فى وصف الصحراء والناقة والحيوانات الوحشية، على حين كان يتسع فى الحديث عن الخمر والغزل.
وحقا نجد عند الجاهليين تعرضا كثيرا للخمر، ولكنهم عادة يسوقونها مع الحديث عن فتوتهم وكرمهم وبذلهم، على نحو ما نرى فى معلقة طرفة، أما عند الأعشى فإننا نجدها فى فاتحة كثير من قصائده تالية لبعض غزله، ونحس كأنها لذته من الدنيا، فهو يطيل الحديث عنها وعن تأثيرها فى نفوس شاربيها، وكأنه يقدسها تقديسا، فهى وثنه وصنمه، ولذلك لم يكد يسمع من قريش-كما أسلفنا-أن الرسول ﷺ يحرمها حتى كفّ عن لقائه وانصرف لساعته.
وهو يجيد وصفها إجادة لفتت القدماء إليه، فقالوا إنه أشعر الجاهليين إذا طرب (١)، يقصدون إذا شرب الخمر ووصفها، وهو وصف يفيض بالحيوية، إذ يجسم فيه بيئتها ومجالسها وما ينثر فيها من الورود والرياحين وما يقوم فيها من السقاة والمغنين والإماء الخليعات اللاتى يلبسن الشفوف الرقيقة وما يضرب عليه العازفون من آلات طرب كالصّنج والعود، واستمع إليه يقول فى معلقته:
стр. 352
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول (١)
فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفع عن ذى الحلية الحيل
نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا ... وقهوة مزّة راووقها خضل (٢)
لا يستفيقون منها وهى راهنة ... إلا بهات وإن علّوا وإن نهلوا (٣)
يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... مقلّص أسفل السّربال معتمل (٤)
ومستجيب تخال الصّنج يسمعه ... إذا ترجّع فيه القينة الفضل (٥)
والساحبات ذيول الخزّ آونة ... والرّافلات على أعجازها العجل (٦)
من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفى التجارب طول اللهو والغزل
وهو يصف فى الأبيات يوما من أيام لهوه غدا فيه إلى خمار مع رفيق ناشط خفيف الحركة طيب النفس فى فتية كسيوف الهند مضاء وقوة ورونقا. ويقول إنهم تجاذبوا أغصان الريحان وخمرة مزة ما زالوا يتعاطونها، فراووقها لا يجف، وهم لا يسأمون من تعاطيها ولا يفيقون من شربها إلا ليقولوا للساقى: هات، ويكررون هذه اللفظة مهما شربوا. ويصف الساقى بأنه غلام أو شاب حدث، كان يعلق فى أذنه قرطا ويلبس قميصا قصيرا، وقد طبع على العمل بجد ونشاط. ويضيف إلى ذلك وصف عود كانت ألحانه تتسق مع صنج كانت تعزف عليه وتغنى قينة فى ثوب واحد رقيق، ومن ورائها نساء ترفل فى ثياب الخز والحرير، وقد علت أعجازهن كأنها قرب ممتلئة، فهى تهتز وترتجّ. ويختم أبياته بأنه تمتّع بكل ذلك
стр. 353
ولها به، وجرّبه مرارا وتكرارا
والأعشى لا يصف مجالس الخمر فحسب، بل يصف وصفا دقيقا أوانيها وألوانها وما تفعله بعقول شاربيها وما تحدث فى قلوبهم من نشوة، مما يدل على أنه كان مشغوفا بها مفتونا، بل سكّيرا مغرقا فى السكر. وهو فى ذلك يقترب من ذوق جماعة المجّان فى العصر العباسى أمثال أبى نواس، وفى الوقت نفسه يفترق من ذوق معاصريه الذين لم يكونوا يسرفون على أنفسهم إسرافه فى اللهو والمجون. ولا نشك فى أن هذا جاءه من أثر الحضارات التى ألمّ بها فى الحيرة وغير الحيرة، بحيث تحول مدمنا لها، يلزم حوانيتها، فإن ولّى وجهه نحو منازل قومه حمل منها ما يكفيه هو ورفاقه هناك، فينهلون ويعلّون ولا يفيقون، وهو فى أثناء ذلك ينشدهم ما ينظمه فيها، وهم يصفقون استحسانا. ولم يكن يحسن وصفها فحسب، بل كان يضفى عليه حيوية بما يمزجه به من قصص على شاكلة قوله:
أتانى يؤامرنى فى الشّمو ... ل ليلا فقلت له: غادها (١)
أرحنا نباكر جدّ الصّبو ... ح قبل النفوس وحسّادها (٢)
فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدّادها (٣)
تنخّلها من بكار القطاف ... أزيرق آمن إكسادها (٤)
فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء فى حبل مقتادها (٥)
فقال: تزيدوننى تسعة ... وما ذاك عدلا لأندادها (٦)
فقلت لمنصفنا: أعطه ... فلما رأى حضر شهّادها (٧)
أضاء مظلّته بالسّرا ... ج والليل غامر جدّادها (٨)
стр. 354
دراهمنا كلّها جيّد ... فلا تحبسنّا بتنقادها (١)
فقام فصبّ لنا قهوة ... تسكّننا بعد إرعادها (٢)
كميتا تكشّف عن حمرة ... إذا صرّحت بعد إزبادها (٣)
كحوصلة الرّأل فى جريها ... إذا جليت بعد إقعادها (٤)
وجال علينا بإبريقه ... مخضّب كفّ بفرصادها (٥)
فباتت ركاب بأكوارها ... لدينا وخيل بألبادها (٦)
ورحنا تنعّمنا نشوة ... تجور بنا بعد إقصادها (٧)
ولا تختلف هذه الأبيات المنتزعة من القصيدة الثامنة فى الديوان عن خمريات أبى نواس وأضرابه فى شئ، لولا ذكره للأكوار والألباد فى نهايتها، ولو حذفنا بيتهما لأصبحنا إزاء خمرية عباسية تعتمد على القصص والإطراف به. وهو فى أولها يذكر أن فتى طرقه قبل أن يسفر الصباح يدعوه أن يذهبا معا لتناول الخمر. وذهبا فى هزيع الليل الأخير-قبل أن تصيح الديكة وقبل أن يسبقهما أى كاشح حسود-إلى حانوت خمار أعجمى، كنى عنه بزرقة العين، وهو خمار حاذق لصنعته، استخلص خمره من بكار القطاف، فهى خمر معتقة ومثلها لا يكسد ولا يبور.
وطلبا إليه أن يسقيهما بناقة قاداها إليه، وهى واقفة ببابه مزمومة بحبل غلامها، فلم تكفه وطلب فوقها تسعة دراهم، مشيدا بخمره وأن هذا الثمن ليس كفؤا لها.
ويقول الأعشى إنه قال لصاحبه: اعطه ما يريد. ويضيئ الخمار خباءه أو حانوته، ويعدّ الدراهم ويتبينها خشية زيفها، حتى إذا اطمأن لها ولهم قام، فناولهم خمرا تمشت فى أجسادهم، فسكنوا إليها، وهى خمر حمراء فاقعة كأنها الفرصاد
стр. 355
أو التوت الأحمر، وما يزال صاحبها يسقيهم، وهم بها مشغوفون، حتى انبثقت أضواء الصباح، فنهضوا بركابهم وخيلهم، تستخفهم النشوة استخفافا خرجوا به عن أطوارهم وما تعودوه فى صحوهم من قصد واعتدال.
وأنت تراه قد وصف الخمر ودنّها ولونها وخمّارها وحانوتها وتعرّض لصياح الديكة فى السحر ومساومة صاحبها فى ثمنها وأثرها فى النفس وما تصيب به شاربها من انتشاء يتمشى فى المفاصل. وهذه المعانى جميعها تدور فيها وفى أفلاكها خمريات العباسيين. واستمع إليه يقول:
وأدكن عاتق جحل سبحل ... صبحت براحه شربا كراما (١)
من اللاتى حملن على الرّوايا ... كريح المسك تستلّ الزّكاما (٢)
مشعشعة كأنّ على قراها ... إذا ما صرّحت قطعا سهاما (٣)
تخيّرها أخو عانات شهرا ... ورجّى أولها عاما فعاما (٤)
يؤمّل أن تكون له ثراء ... فأغلق دونها وغلا سواما (٥)
فأعطينا الوفاء بها وكنّا ... نهين لمثلها فينا السّواما (٦)
كأنّ شعاع قرن الشمس فيها ... إذا ما فتّ عن فيها الختاما (٧)
وواضح أنه يتحدث عن دن من دنان الخمر أسود عتيق، صبح به رفاقه، ويقول إنه من نادر الدنان التى تجتلب من البلاد البعيدة والتى تنفذ رائحة خمرها بطيبها إلى الأنف، فتستلّ منه الزكام. ويصف هذه الخمر فيقول إنها مروّقة صافية كأنها بياض الحرّ أو سرابه اللامع، وقد انتقاها صاحبها فى «عانات» وظل