خمسة وأربعين عاما، ومر بنا ذكره بين المحدثين، وكان إماما مجتهدا واسمه يتردد فى كتب الفقه الشافعى بعده وكذلك آراؤه، ومن أهم مصنفاته فى فقه الشافعية منهاج الطالبين لخص به كتاب المحرّر للرافعى القزوينى، واختصر المنهاج فيما بعد الشيخ زكريا الأنصارى، وسمى مختصره المنهج، وصنف النووى فى فتاويه الفقهية كتابين: كبير وصغير. ومن فقهاء الشافعية الكبار فى زمنه وبعد زمنه علاء (١) الدين الباجى المتوفى سنة ٧١٤ وكمال الدين محمد الزّملكانى حفيد عبد الواحد الذى ذكرناه بين البلاغيين توفى سنة ٧٢٧. وتفيض كتب التراجم والتاريخ بأسماء جلّة من هؤلاء الفقهاء، ولا بد أن نلاحظ أن كثيرين من فقهاء الشافعية الكبار بمصر كانوا ينزلون فى الشام مثل تقى الدين السبكى قاضى قضاة الشام وابنه تاج الدين عبد الوهاب خطيب الجامع الأموى مؤلف طبقات الشافعية، ويظل المذهب الشافعى مزدهرا بالشام أيام المماليك والعثمانيين.
وكان المذهب الحنبلى فى الشام أقل أشياعا وأنصارا من المذهب الشافعى والحنفى، ومن أوائل من أدخلوه إلى دمشق والشام علم من أعلام المذهب الحنبلى هو أبو القاسم الخرقىّ عمر (٢) بن الحسين المتوفى بدمشق سنة ٣٣٤ وكان قد استوطنها بأخرة من عمره ودرس المذهب فيها، وله كتاب دوّت شهرته هو «المختصر» فى الفقه الحنبلى، ظل طلاب المذهب يعتمدون عليه طويلا، ويقال إن عدد مسائله بلغ ٢٣٠٠ مسألة. وظل المذهب لا ينتعش فى ديار الشام حتى قيّض له فى القرن الخامس أبو الفرج (٣) الشيرازى المقدسى الدمشقى المتوفى سنة ٤٨٦ وكان قد تفقه فى بغداد على أبى يعلى صاحب طبقات الحنابلة، وقدم الشام فسكن بيت المقدس ونشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل فيما حوله من بلدان فلسطين، ثم انتقل إلى دمشق وأقام بها وأخذ ينشر المذهب حتى أصبح له أتباع وتلامذة كثيرون لا فى دمشق فحسب بل أيضا فى بيت المقدس وغيرهما من بلدان الشام، وله تصانيف عدة فى الفقه الحنبلى والأصول، منها: المبهج والإيضاح، ومختصر فى الحدود وفى أصول الفقه، والتبصرة فى أصول الدين، وله كتاب الجواهر فى التفسير ثلاثون
стр. 2907
مجلدا. وكان يعاصره الفقيه الحنبلى عبد (١) الوهاب بن طالب التميمى نزيل دمشق وإمام مسجد الريحان.
وخلف أبا الفرج الشيرازى على المذهب ابنه عبد الوهاب المتوفى سنة ٥٣٦ وتخرج من بيته فقهاء حنابلة كثيرون، ويعرفون فى دمشق والشام ببيت ابن الحنبلى، ولعبد الوهاب مثل أبيه تصانيف فى الفقه الحنبلى والأصول، منها المنتخب فى الفقه الحنبلى فى مجلدين والبرهان فى أصول الدين. ولعبد الوهاب على المذهب فى الشام يد سابغة، فقد بنى له بدمشق مدرسة تعرف بالمدرسة الحنبيلة، ويذكر ابن شداد أساتذتها من الحنابلة الفقهاء حتى أيام تأليف كتابه «الأعلاق الخطيرة» بعد سنة ٦٧٠. ويذكر بدمشق معها تسعة مدارس أخرى للحنابلة بنيت بعدها حتى زمن ابن شداد. ونشط بناء المدارس الحنبلية فى بيت المقدس وظل بعد ابن شداد على نحو ما يصوره ذلك النعيمى فى كتابه «الدارس فى تاريخ المدارس». وكان مما ضاعف نشاط هذا المذهب قرار الظاهر بيبرس أن يكون للحنابلة فى ديار الشام-كما فى ديار مصر-قاض فى كل بلد كبير بجانب قضاة الحنفية والمالكية والشافعية. ويتضح هذا النشاط وتتضح معه كثرة الفقهاء من الحنابلة منذ أيام الأيوبيين، ومن كبارهم حينئذ موفق (٢) الدين بن قدامة الجمّاعيلى المقدسى عبد الله بن أحمد المتوفى بدمشق سنة ٦٢٠ وهو من أئمة المذهب، وله كتب كثيرة فى الفقه الحنبلى وأصوله وأصول الدين، منها المغنى شرح به مختصر الخرقى المار ذكره فى عشر مجلدات، وهو مطبوع، والكافى فى أربع مجلدات، وله فى أصول الفقه كتاب روضة الناظر، وفى أصول الدين كتاب الاعتقاد. ويلقانا بعده فقهاء كثيرون من بيته يتردد ذكرهم طوال القرنين السابع والثامن.
وما نكاد نبلغ نهاية القرن السابع أيام المماليك حتى يتألق فى المذهب اسم الإمام ابن (٣) تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ وقد صورنا جانبا من تحرره الفكرى واجتهاده فى غير هذا الموضع، ومرّ بنا حديثنا عن منهجه فى التفسير القرآنى، وله عشرات الرسائل والكتب فى المسائل التشريعية والعقيدية، ويقول الذهبى فى تذكرة الحفاظ إن مصنفاته التى سارت بها الركبان نحو ثلاثمائة مجلد، ومن أهم كتبه الفقهية فتاويه وهى مطبوعة قديما فى خمسة مجلدات كبار. ومن أعلام الفقهاء الحنابلة بعده تلميذه ابن قيم الجوزية المذكور بين البلاغيين وهو حامل فقهه وعلمه وناشرهما فى الناس وأضاف
стр. 2908
إليهما كثيرا من روائع الكتب، مع نزعة صوفية قوية فيه. وتصدى فى دمشق بعد أستاذه للإقراء والإفتاء وصنّف كثيرا فى الفقه والتفسير والحديث والأصول والفروع، ومن تصانيفه إعلام الموقعين وشرح منازل السائرين، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وطرق السعادتين، ويقول ابن حجر فى الدرر: هو طويل النفس فى كتاباته يحاول الإيضاح جهده فيسهب جدا، ويقول الشوكانى فى البدر الطالع: «له من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين بحيث تعشق الأفهام كلامه وتميل إليه الأذهان وتحبه القلوب». ويزخر كتاب النجوم الزاهرة بأسماء فقهاء الحنابلة وقضاتهم بدمشق وغيرها حتى نهاية زمن تأليفه سنة ٨٧٢.
ويلقانا بأخره من أيام المماليك مجير الدين العليمى عبد الرحمن بن محمد قاضى بيت المقدس المتوفى سنة ٩٢٧ وله كتاب فى طبقات الحنابلة سماه «المنهج الأحمد فى تراجم أصحاب الإمام أحمد».
ويظل للفقهاء الحنابلة نشاطهم أيام العثمانيين مثلهم فى ذلك مثل بقية أصحاب المذاهب الثلاثة الأخرى.
ومنذ ظهرت المذاهب الفقهية والكلامية والجدل يحتدم بين أصحابها، مما أتاح مبكرا لنشأة علم الجدل وما تبعه من نشأة علم آداب البحث والمناظرة، ويكثر التأليف فيهما لهذا العصر كما يكثر التأليف فى علم الأصول الذى وضعه الإمام الشافعى وفاق الأولين والآخرين فيه الآمدى الذى سنلم به فى حديثنا عن علم الكلام بجزء مصر، وكان قد نزل مصر ثم استوطن حماة حتى وفاته سنة ٦٣١، وكتابه «الإحكام فى أصول الأحكام» ربما كان أروع كتاب فى علم الأصول على مدى الأزمنة الماضية. والشام-مثل مصر-انصرفت عن الاعتزال وعن الفرق الكلامية الكثيرة التى نشأت فى بغداد، حتى إذا ظهر الأشعرى المتوفى سنة ٣٢٤ وانضم تحت لوائه شافعية خراسان انضم مثلهم شافعية الشام ومصر بحيث تعانق المذهبان. الشافعى والأشعرى فى كل مكان. ولم يلبث أن خاصمهما الحنابلة الآخذون بظاهر الكتاب والسنة، واستمر هذا الخصام على مدار السنين فى أزمنة الأيوبيين والمماليك. ومن حين إلى آخر يتوقف السبكى فى طبقاته ليصور تعصب بعض الحنابلة ضد الأشاعرة وخاصة أستاذه الذهبى، فقد كان يتعصب تعصبا شديدا ضدهم على نحو ما سنعرض ذلك فى غير هذا الموضع. وفى الوقت نفسه يشيد بفقهاء الشافعية الذين يردّون على خصوم الأشعرية، على نحو ما أشاد بفخر الدين بن عساكر فى رده المفحم على الحسن بن على الأهوازى المار بين القراء فى كتابه «تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبى الحسن الأشعرى». ويشيد السبكى
стр. 2909
بصفى (١) الدين بن الهندى المتوفى بدمشق سنة ٧١٥ لقيامه بنصرة المذهب الأشعرى، ويقول:
إنه كان من أعلم الناس بمذهبه وأدراهم بأسراره، ويذكر من تصانيفه فى نصرة المذهب كتابه «زبدة الكلام» ويذكر له بجواره كتابا فى الأصول هو «نهاية الوصول فى دراية الأصول». .
وظلت نصرة الشافعية لمذهب الأشعرى على مدار السنين فى أيام المماليك والعثمانيين.
٥ - التاريخ
نشطت دمشق والشام فى كتابة التاريخ بجميع صوره من السير المفردة وتاريخ المدن وتاريخ الدول أو دولة معينة والتراجم أو كتب الطبقات. ونبدأ حديثنا بالسير المفردة، وأولها سيرة الرسول ﷺ الزكية، وأول شامى ندب نفسه للكتابة فيها أبو (٢) زرعة عبد الرحمن بن عمرو شيخ الشام المتوفى سنة ٢٨٢ وله بجانبها كتاب عن تاريخ الخلفاء الراشدين، سقط مثل السيرة النبوية من يد الزمن. وعنى بعض الشاميين بالكتابة فيها ولم تصلنا كتاباتهم، مثل السيرة النبوية لابن أبى طى المتوفى سنة ٦٣٠. ونلتقى فى أيام العثمانيين بشمس الدين الدمشقى محمد (٣) بن يوسف المتوفى سنة ٩٤٢ وله سيرة نبوية تسمى السيرة الشامية جمعها من نحو ٣٠٠ كتاب، وتعنى مصر بإخراجها الآن. وصنّف نور الدين الحلبى المولود بمصر السيرة الحلبية، ومر ذكرها فى حديثنا عن التاريخ بقسم مصر، وهى مطبوعة. ونلتقى بثلاث سير أو تراجم شخصية صور أصحابها فيها حياتهم، وأول ما يلقانا منها كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ وهو يصور فيها حياة الشاميين وحملة الصليب لزمنه، نشرها فيليب حتى وكان قد نشرها قبله ديرنبورج. ولأبى شامة المقدسى المتوفى سنة ٦٦٥ ترجمة شخصية بقلمه أودعها كتابه «ذيل الروضتين» وبالمثل لابن طولون الصالحى المذكور بين الجغرافيين المتوفى سنة ٩٥٣ ترجمة شخصية بعنوان «الفلك المشحون فى أحوال محمد بن طولون» وهى مطبوعة بدمشق.
стр. 2910
وشغل صلاح الدين بسيرته المؤرخين، وأولهم العماد الأصبهانى وفيه ألف كتابه «البرق الشامى» ذكر فيه أخبار صلاح الدين وفتوحاته وأحداث الشام فى عهده، وهو فى سبع مجلدات. ويتصل بهذه السيرة كتابه «الفيح القسىّ فى الفتح القدسى» صوّر فيه فتح صلاح الدين للقدس تصويرا أدبيا بديعا. وصنّف بهاء (١) الدين بن شداد المتوفى سنة ٦٣٢ سيرة لصلاح الدين بعنوان: «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية» اعتمد فيها على السيرة الصلاحية لابن أبى طى. ولابن عنين الشاعر المتوفى سنة ٦٣٠ سيرة (٢) للملك العزيز سماها التاريخ العزيزى. وكتب أحد أولاد الناصر داود بن عيسى بن الملك العادل سيرة له باسم «الفوائد (٣) الجلية فى الفرائد الناصرية». وللنووى المذكور بين الفقهاء كتاب فى سيرة الإمام الشافعى، ولابن عربشاه (٤) الدمشقى المتوفى سنة ٨٥٤ سيرة مفصلة لتيمور لنك تعقب فيها مولده ونشأته وملكه ودولته ومن خلفوه حتى سنة ٨٤٠ وسمى هذه السيرة «عجائب المقدور فى نوائب تيمور» مصورا إفساده فى الأرض وإهلاكه الحرث والنسل وما ارتكب من الفظائع، غير أنه كتبها بأسلوب مسجوع شديد التكلف، ونزل مصر بأخرة من عمره فى عهد السلطان جقمق وكتب سيرته بعنوان «التأليف الطاهر فى شيم الملك الظاهر». ولبدر الدين العينى المار ذكره كتاب السيف المهند فى سيرة السلطان المؤيد، ولبدر الدين محمد (٥) بن أبى بكر الدمشقى المتوفى سنة ٨٧٤ سيرتان: سيرة لنور الدين، والسيرة الثانية للسلطان قايتباى. وله سير كثيرة فى العصر. ولابن طولون الذى ذكرناه آنفا بين الجغرافيين سيرة لابن العربى المتصوف. وصنف شمس الدين الدمشقى المار ذكره سيرة لأبى حنيفة، ومنها مخطوطة فى دار الكتب المصرية. ولمحمد بن يحيى الحنبلى سيرة صنفها عن عبد القادر الجبلانى المتصوف، وهى مطبوعة، ولمرعى (٦) بن يوسف الكرمى المتوفى سنة ١٠٣٣ سيرة صنفها فى مناقب ابن تيمية.
هذا بعض ما صادفنا من كتب السير المفردة، أما كتب تاريخ المدن فقد عرضنا طائفة منها فى
стр. 2911
حديثنا عن علم الجغرافيا وخاصة ما اتصل منها بفضائل دمشق والشام وبيت المقدس، ونبسط الكلام فى كتابين ذكرناهما هناك، أما أولهما فتاريخ مدينة دمشق للإمام الحافظ ابن عساكر على بن الحسن المتوفى سنة ٥٧١ ويقال إنه فى ثمانين مجلدا بدأه بالحديث عن فضائل الشام وفتوحها وخططها ومساجدها وكنائسها ودورها ثم ترجم لكل من دخل دمشق والشام منذ الجاهلية إلى زمنه من الأنبياء والخلفاء والولاة والفقهاء والقضاة والعلماء من كل صنف والشعراء والكتاب. وهذّبه بحذف الأسانيد عبد القادر بن أحمد بن بدران، ونشر من تهذيبه سبعة «مجلدات» حتى ترجمة عبد الله بن سيار، وقلما يذكر فى المراجع باسم تهذيب تاريخ ابن عساكر، بل يقال مباشرة تاريخ ابن عساكر. والكتاب الثانى الذى سبق أن عرضنا له ونرى الوقوف عنده كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن شداد، وهو يذكر خططها ثم يسهب فى ذكر الجامع الأموى وذكر مساجدها حتى زمنه، ويتحدث عن مزاراتها فى باطنها وظاهرها وخوانقها وربطها ومدارسها الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية وكنائسها ودياراتها وحماماتها وما مدحت به نثرا وشعرا، وهو بذلك تاريخ اجتماعى ثقافى حضارى. وقد عنى ابن شداد بحلب كما عنى بدمشق. ولعل أهم كتاب عنى بها قبله كتاب «بغية الطلب فى تاريخ حلب» لابن العديم (١) عمر بن أحمد المتوفى سنة ٦٦٠ صنفه فى عشر مجلدات أرّخ فيها لعلمائها وأدبائها على الترتيب الأبجدى وجعل له تاريخا لحلب على السنين فى كتابه: «زبدة الحلب من تاريخ حلب» وصل به إلى نهاية أيام نور الدين محمود سنة ٥٦٩ حققه ونشره الدكتور سامى الدهان بدمشق. ولابن خطيب (٢) الناصرية على بن محمد المتوفى سنة ٨٤٣ تتمة لبغية الطلب فى مجلدات سماها «الدر المنتخب فى تكملة تاريخ حلب» وأكمله محمد بن محمد بن الشحنة المتوفى سنة ٨٩٠ وسمى تكملته «نزهة النواظر». وعنى بكل ذلك أيام العثمانيين ابن (٣) الحنبلى محمد بن إبراهيم الحلبى المتوفى سنة ٩٧١ وصنف كتابه «الزبد والضّرب (عسل النحل) فى تاريخ حلب» مع تكملته إلى سنة ٩٥١. ولمجير الدين العليمى المتوفى سنة ٩٢٧ كتاب الأنيس الجليل فى تاريخ القدس والخليل مطبوع. ومن يرجع إلى كتاب «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» سيجد بلدان الشام مع من كتبوا تاريخها تتعاقب، تذكر أولا حلب ثم حمص فالخليل فداريّا ضاحية لدمشق فدمشق فصفد فصور فطرابلس فعسقلان، ولا نبالغ إذا قلنا إنه لم تبق بلدة
стр. 2912
فى الشام إلا تجرد عالم لكتابة تاريخها ومنها ما وصلنا ومنها ما لم يصلنا وضاع مع الأيام.
ونترك تاريخ البلدان إلى التاريخ العام، وأول ما يلقانا فيه ابن القلانسى حمزة (١) بن أسد المتوفى سنة ٥٥٥ وله تاريخ للحوادث على السنين سماه تاريخ دمشق ذيّل به على كتاب التاريخ لهلال الصابى ابتدأ به كما يقول ياقوت من سنة ٤٤١ إلى حين وفاته سنة ٥٥٥. وكان يعاصره العظيمى (٢) الحلبى المتوفى بعد سنة ٥٥٦، ولمحمد بن عمر بن شاهنشاه كتاب عن حماة وتاريخها وله أيضا تاريخ على السنين. وجاء بعدهما ابن أبى الدم (٣) الحموى قاضى حماة المتوفى سنة ٦٤٢ وله التاريخ المظفرى وهو تاريخ عام فى ستة مجلدات حتى سنة ٦٢٧، وسبط ابن الجوزى الحنفى المولود ببغداد والمستوطن لدمشق منذ مطلع القرن السابع حتى وفاته سنة ٦٥٤ وله كتاب مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان بدأ به من أول الخليقة ورتبه منذ الهجرة النبوية على السنين حتى سنة وفاته، وفيه يذكر الحوادث ثم الوفيات فى كل سنة، وكان فى أربعين مجلدا، ونشر منه فى حيدر آباد قسمان من الجزء الثامن على نحو ما أوضحنا ذلك فى حديثنا عن المؤرخين بالعراق فى الجزء السالف. ولموسى (٤) بن محمد اليونينى البعلبكى المتوفى سنة ٧٢٦ مختصر للمرآة فى نحو النصف مع ذيل فى أربعة مجلدات يتناول أولها مصر وسوريا من سنة ٦٥٨ إلى سنة ٦٧٤. ويلقانا مؤرخ كبير هو أبو الفدا صاحب حماة المتوفى سنة ٧٣٢ وقد ذكرناه بين الجغرافيين وله كتاب المختصر فى أخبار البشر، وزعه على قسمين: قسم عن الجاهلية والديانات والأنبياء وقسم عن الإسلام حتى سنة ٧٢٩ وهو تاريخ نفيس ترجمه المستشرقون قديما إلى اللاتينية. وصنف عمر بن المظفر بن الوردى المتوفى سنة ٧٤٩ تكملة له حتى أيامه سماها «تتمة المختصر» طبعت مثل أصلها مرارا.
ونلتقى بالذهبى (٥) محمد بن أحمد المتوفى سنة ٧٤٨ وله تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام فى ١٢ مجلدا رتبه على السنين جامعا فيه بين الأحداث والوفيات. ونقد السبكى تلميذه فى
стр. 2913
طبقاته موقفه من الأشعرية، وأنه لم يقف على الحياد فى عرضه لهم وللصوفية أيضا. وكان الحنابلة يخاصمون الطائفتين ولذلك يصبّ عليهم جميعا جام غضبه، إذ كان حنبليا متعصبا لأصحاب مذهبه، حتى ليقول السبكى أنه كان إذا ترجم واحدا من الحنابلة يطنب فى وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن، وإذا ترجم أحدا من الأشعرية كإمام الحرمين الجوينى والغزالى وأمثالهما لا يبالغ فى وصفه ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه (١). وكان ينبغى أن يكون منصفا فى تاريخه وتراجمه فيه بريئا من العصبية فى المذهب، ويقول السبكى: «هذا وهو الحافظ المدره والإمام المبجّل فما بالك بعوامّ المؤرخين». وللذهبى تاريخ عام فى مجلدين، وهو مختصر لتاريخه الكبير، رتبه على السنوات وذكر فيه الأحداث والوفيات، سماه «العبر فى خبر من غبر» وذكره يتردد فى الهوامش.
وكان يعاصر الذهبى أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادار صاحب صرخد، وله كنز الدرر وجامع الغرر، ألفه للناصر بن قلاوون وهو فى تسعة أجزاء أولها فى بدء الخلق وثانيها فى الأمم القديمة وثالثها فى السيرة النبوية والخلفاء الراشدين، والرابع فى الدولة الأموية، والخامس فى الدولة العباسية، والسادس فى الدولة الفاطمية، والسابع فى الدولة الأيوبية، والثامن فى دولة المماليك البحرية، والتاسع فى دولة الناصر بن قلاوون، منه نسخة بدار الكتب المصرية وهو كتاب نفيس جدير بالنشر. ونلتقى بابن كثير الذى مر ذكره بين المفسرين المتوفى سنة ٧٧٤ وله البداية والنهاية، وهو فى التاريخ العام، عنى فيه بالسيرة النبوية مميزا بين الوثيق والمتهم فى الأخبار، ومضى فيه يجمع بين الأحداث والوفيات على مر السنين حتى سنة ٧٦٧ للهجرة. وجاء بعده زين الدين بن الشحنة (٢) الحلبى المتوفى سنة ٨١٥ وله فى التاريخ العام «روض المناظر فى علم الأوائل والأواخر» انتهى فيه إلى سنة ٨٠٧ وهو مجلد واحد طبع قديما على هامش الكامل لابن الأثير. ونلتقى بعده ببدر الدين العينى الذى مر ذكره بين المحدثين المتوفى سنة ٨٥٥ نشأ بحلب وتفقه على أبيه وكان قاضيا حنيفا وعلى غيره من فقهاء حلب الأحناف، واختلف إلى شيوخ دمشق وبيت المقدس والقاهرة، وتقلد مناصب مختلفة فى القاهرة ودمشق منها الحسبة وقضاء الحنفية، وله عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان، وهو تاريخ عام من بدء الخليقة حتى سنة ٨٥٠.
стр. 2914
وممن نلتقى بهم فى أيام العثمانيين الجنابى مصطفى (١) بن حسن المتوفى سنة ٩٩٩ وله فى أحوال الأوائل والأواخر تاريخ حافل يعرف بتاريخ الجنابى يؤرخ فيه لثلاث وعشرين دولة إسلامية فى مجلدين حتى سنة ٩٩٧ قال صاحب كشف الظنون لم أر كتابا جامعا لدول العالم مثله. وكان يعاصره القرمانى (٢) أحمد بن سنان الدمشقى المتوفى سنة ١٠١٩ وله أيضا تاريخ عام للدول الإسلامية سماه: «أخبار الدول وآثار الأول» طبع قديما ببغداد فى ٥٠٠ صفحة.
وبجانب هذه الكتب التاريخية الكثيرة فى التاريخ العام صنف مؤرخو الشام كتبا فرعية خاصة ببعض الدول، من ذلك: «نصرة الفطرة وعصرة القطرة» للعماد الأصبهانى، وهو تاريخ للسلاجقة وأتابكتهم ووزرائهم، اختصره الفتح البندارى سنة ٦٢٣ بكتابه «زبدة النصرة ونخبة العصرة» طبع فى القاهرة باسم تاريخ دولة آل سلجوق. ونلتقى بأبى شامة (٣) الحافظ المقرئ المؤرخ المقدسى الشافعى عبد الرحمن بن إسماعيل المتوفى سنة ٦٦٥ وله كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين: دولة نور الدين ودولة صلاح الدين فى وصف معاركهما وانتصاراتهما الكثيرة على حملة الصليب، وعادة يسرد المعركة، ثم يعرض لوحاتها الشعرية البديعة التى تصور مجد العرب الحربى تصويرا رائعا، وكيف كان هذا البطلان: نور الدين وصلاح الدين يسحقان الصليبيين سحقا ذريعا لا يكاد يبقى منهم ولا يذر. وكتب للروضتين ذيلا من سنة ٥٩٠ إلى سنة ٦٦٥. وكتب البرزالى (٤) القاسم بن محمد المتوفى سنة ٧٣٩ صلة لتاريخ أبى شامة باسم «المقتفى لتاريخ أبى شامة انتهى به إلى سنة ٧٣٨ وذيّله تلميذه الحافظ مدرس النورية تقى الدين محمد (٥) بن رافع المتوفى سنة ٧٧٤ فى كتاب سماه الوفيات حتى سنة ٧٧٤ ومنه مخطوطه بدار الكتب المصرية. ونلتقى بابن (٦) واصل محمد بن سالم المتوفى سنة ٦٩٧ وله «مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب» نشره
стр. 2915
الدكتور جمال الدين الشيال فى ثلاثة أجزاء. وصنف ابن حبيب الحلبى بدر الدين الحسن بن عمر المتوفى سنة ٧٧٩ فى تاريخ المماليك حتى أيامه كتابه «درة الأسلاك فى دولة الأتراك» ابتدأ به من سنة ٦٤٨ حتى سنة ٧٧٧ وأتمه ابنه طاهر إلى سنة ٨٠٢. ولابن حبيب كتاب فى تاريخ أسرة قلاوون وأبنائه سلاطين مصر. ولمرعى الكرمى السابق ذكره أيام العثمانيين نزهة الناظرين فى تاريخ من ولى مصر من الخلفاء والسلاطين.
ونلتقى بكثيرين من كتّاب التراجم والطبقات، ومنهم كتاب عامّون لم يخصوا قطرا عربيا بعينه ولا طائفة من الطوائف بعينها، نذكر منهم الذهبى فى كتابه سير أعلام النبلاء ويقع فى نحو خمسة عشر مجلدا، نشر معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بعض أجزائه. ومنهم ابن (١) شاكر الكتبى الحلبى المتوفى سنة ٧٦٤ وله كتاب فوات الوفيات يقصد كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان، وكأنه تكملة لما فاته، وبه أكثر من ثمانمائة ترجمة لعلماء من كل صنف ولكتّاب وشعراء وصوفية وحكّام. وكان يعاصره الصفدى خليل بن أيبك المتوفى أيضا سنة ٧٦٤ وسنلم به فى حديثنا عن النثر، وهو أهم من أنجبتهم الشام فى كتابة التراجم، وله فيها كتابه الضخم الوافى بالوفيات ويدخل فى نحو ثلاثين مجلدا نشرت منها طائفة. وله بجانبه «نكت الهميان فى نكت العميان» فى تراجم من فقدوا بصرهم من مشاهير الأكفّاء فى العالم العربى على توالى الحقب، وأيضا «أعيان العصر وأعوان النصر» فى مشاهير معاصريه فى نحو تسعة مجلدات، وهو حرى بالنشر. ويعنى نجم (٢) الدين الغزى المتوفى سنة ١٠١٦ بتراجم القرن العاشر ويؤلف فيها كتابه الكواكب السائرة، وعنيت جامعة بيروت الأمريكية بنشره، ويصنف المحبى (٣) محمد أمين المتوفى سنة ١١١١ للهجرة كتابه: «خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر» كما يصنف المرادى (٤) محمد خليل المتوفى سنة ١٢٠٦ كتابه: «سلك الدرر فى أعيان القرن الثانى عشر».
ويؤلف العماد الاصبهانى كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر» وهو كتاب تراجم لشعراء العالم العربى فى القرن السادس الهجرى حتى نحو سنة ٥٧٠ وهم موزعون على أقطارهم من إيران إلى الأندلس، نشرت منه أقسام مصر والشام والأندلس والمغرب ونشرت أجزاء العراق. وصنّفت بعد العماد فى الشام كتب عن الشعراء مثل طبقات الشعراء لمحمد (٥) بن عمر بن شاهنشاه
стр. 2916
صاحب حماة المتوفى سنة ٦١٧ وكان فى عشر مجلدات، سقط هو وغيره مما يماثله من أيدى الزمن.
ومما وصلنا نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة للمحبى المذكور فى بيان محاسن الشعراء بدمشق وحلب والعراق واليمن والحجاز ومصر والمغرب وبلاد الروم، طبع فى مجلدين كبيرين.
واهتم الأطباء بصنع كتب تحمل تراجمهم، وشاركت الشام فى هذا العمل عن طريق ابن أبى أصيبعة الذى مر ذكره بين الأطباء فألف كتابه «طبقات الأطباء» استقصاهم حتى زمن وفاته، وهو أوسع كتب الأطباء تفصيلا لحياتهم وأعمالهم. وتعنى الشام بكتب الرجال من رواة الحديث، ويصنف عبد الغنى الجمّاعيلى-كما مر بنا-كتاب «الكمال فى معرفة أسماء الرجال» عن رواة الحديث النبوى فى كتب الصحاح الستة. وأضاف إليه المزى المار ذكره بين المحدثين تكملات وتصحيحات بعنوان تهذيب الكمال فى اثنى عشر مجلدا، وللنووى كتاب فى رجال صحيحى البخارى ومسلم باسم رياض الصالحين فى ذكر رجال الصحيحين. وعنى الذهبى باختصار هذا التهذيب وإحسان ترتيبه وإضافة زيادات إليه، وسمى كتابه «تذهيب تهذيب الكمال» فى خمسة مجلدات. وللذهبى كتاب المشتبه فى الأسماء والأنساب خصه بتراجم الأسماء المتشابهة فى رواة الحديث وغيره. وللذهبى أيضا ميزان الاعتدال فى نقد الرجال أى رواة الحديث النبوى رتبه على حروف المعجم وهو مطبوع فى ثلاثة مجلدات، .
وللذهبى كتابان فى حفاظ الحديث النبوى وعلمائه: كبير هو تذكرة الحفاظ فى أربعة مجلدات ومختصر منها هو طبقات الحفاظ. واختصر السيوطى الأخير مع تكملات وأبقى لصنيعه الاسم، والكتب الثلاثة مطبوعة. وللذهبى كتاب فى طبقات القراء لم يكتب له الذيوع إنما كتب لغاية النهاية فى طبقات القراء لابن الجزرى المذكور بين القراء المتوفى سنة ٨٣٣، وكتابه يتردد فى الهوامش باسم طبقات القراء. ووضعت للقضاة كتب مختلفة من أهمها قضاة دمشق لابن طولون المذكور بين الجغرافيين المتوفى سنة ٩٥٣ وهو مطبوع. وللفقهاء كتب كثيرة فى رجالهم وطبقاتهم، وقد صنّف كثير من الكتب عنهم على اختلاف مذاهبهم، فللأحناف كتبهم وكذلك للشافعية والحنابلة، أما المالكية فلم يصادفنى كتاب شامى عن فقهائهم، ولعل فى هذا ما يدل على أنهم ظلوا فى الشام قليلين. وكثر التأليف فى الحنفية بأخرة من العصر، فلابن طولون السابق ذكره كتاب الغرف العلية فى متأخرى الحنفية».
وللحنفية كتب فى طبقاتهم كانت متداولة ومشهورة مثل الجواهر المضيّة فى طبقات الحنفية لعبد القادر بن أبى الوفا وتاج التراجم لابن قطلوبغا. وكان التأليف كثيرا فى طبقات الشافعية،
стр. 2917
ولابن الصلاح المار ذكره بين المحدثين كتاب كبير فيها اختصره النووى ورتبه على حروف المعجم وممن اشتهر كتابه فى تلك الطبقات السبكى وكتابه مذكور مرارا وتكرارا فى الهوامش. وكتاب ابن (١) قاضى شهبة الدمشقى المتوفى سنة ٨٥١ ترجم فيه لأعلام الشافعية حتى سنة ٨٤٠ وهو مطبوع. ونشط الحنابلة فى كتابة تراجم فقهائهم ولابن رجب (٢) الدمشقى الحنبلى المتوفى سنة ٧٩٥ كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى المتوفى سنة ٥٢٦ وهو مطبوع فى مجلدين.
ولمحمد (٣) بن عبد القادر النابلسى المتوفى سنة ٧٩٧ مختصر للطبقات مطبوع، ونختم كلامنا فى هذا الفصل بالاشارة إلى كتاب الدارس فى تاريخ المدارس للنعيمى (٤) المتوفى سنة ٩٢٧ وهو يصور الحركة بل النهضة العلمية التى ظلت أضواؤها تشع فى الشام، حتى مع ما غشيها من سحب العثمانيين.
стр. 2918
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
١ - تعرب الشام
كان بالشام قبل الفتح الإسلامى العربى لغات متعددة وعناصر جنسية مختلفة، فقد كان بها ساميون هم سلالة الشعوب التى نزلتها قديما من أموريين وكنعانيين وفينيقيين وعبرانيين وآراميين، وكان بها عناصر من شعوب البحر المتوسط فى مقدمتهم الإغريق نزلاؤها منذ فتحها الإسكندر المقدونى سنة ٣٣٣ قبل الميلاد وخلفته بها الدولة السلوقية الإغريقية لنحو قرنين ونصف. وكان بها سلالات رومية منذ احتلّ الرومان الشرط الأكبر منها فى أواسط القرن الأول قبل الميلاد، وظلت اليونانية لعهدهم لغة الثقافة، ودعم ذلك انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى غربية عاصمتها روما وشرقية عاصمتها بيزنطة أو القسطنطينية وتبعتها الشام، وتألق فيها كما مر بنا غير شاعر ومتفلسف اتخذوا الإغريقية لسانهم وأداتهم فى التعبير الوجدانى والفكرى.
وهيأ كل ذلك لأن تتعدد اللغات فى الشام قبل الفتح العربى الإسلامى، وكان من أكثرها شيوعا اللغتان اليونانية والآرامية، ولم نذكر حتى الآن اللغة العربية. مع أن عوامل كثيرة جعلتها تتغلغل فى الشام من قديم، لا لجواره للجزيرة العربية وموقعه شمالى الحجاز وغربى بادية السماوة فحسب، بل لقيام ثلاث دول عربية على حدوده وحفافه الشرقية والجنوبية طوال ثمانية قرون أو تزيد قبل الإسلام، وهى دول الأنباط وتدمر والغساسنة. وسبق أن ألممنا بها فى فاتحة الفصل الأول، ونبسط الحديث عنها الآن بعض البسط (١). أما دولة الأنباط فقد ظهرت على صفحات
стр. 2919
التاريخ منذ القرن الثالث قبل الميلاد، متخذة بطرا عاصمة لها جنوبية. واستطاعت فى مطالع القرن الأول قبل الميلاد أن توسع حدودها شمالا حتى منطقة حوران وجبل الدروز، متخذة بصرى بالقرب من دمشق عاصمة لها شمالية. ويذكر المؤرخون أنه فى سنة ٨٥ قبل الميلاد احتل الملك الحارث الثانى النبطى دمشق وغوطتها الخصبة، وبذلك بلغت هذه الدولة ذروة مجدها السياسى، إذ كانت تضم شمالى الجزيرة العربية وشرقى الأردن وجنوبى فلسطين وسوريا الجنوبية، ولم يلبث الرومان أن قضوا عليها فى مطالع القرن الثانى للميلاد. والأنباط عرب كانوا يتكلمون العربية فى حياتهم اليومية، فهم عرب أصلاء، ولا ريب فى أن أنحاء من الشام وخاصة تلك التى سيطروا عليها أخذت تتعرب وتنطق بالعربية لعهدهم. وقد أخذوا عن الآراميين أبجديتهم وكتبوا بها نقوشهم وكلماتها العربية، ومضى خطهم يتطور فى بيئتهم وشمالى الحجاز حتى بعد زوال دولتهم، إلى أن نشأ عنه الخط العربى الذى كتب به القرآن الكريم والذى يتداوله العرب إلى اليوم.
والدولة العربية الثانية تدمر أقامتها القبائل العربية الشمالية بعد سقوط دولة الأنباط داخل بادية السماوة شمالى الجزيرة العربية بين الشام والعراق، متخذين منها مركزا كبيرا للتجارة مع بلدان البحر المتوسط وبلدان فارس والهند والصين. وبلغت هذه الإمارة أوج مجدها فى منتصف القرن الثالث الميلادى لعهد أذينة الذى بسط سلطانه على الشام، مما أتاح للقبائل العربية فى دولته التغلغل فى ديارها، وكان عاملا فى تعرب بعض سكانها حينئذ، غير أن الرومان لم يلبثوا أن قضوا على تلك الدولة فى عهد الزباء زوجة أذينة. وبذلك انكمش ثانية التأثير اللغوى العربى فى ديار الشام.
على أنه سرعان ما استعاد هذا التأثير فاعليته فى عهد الدولة العربية الثالثة: دولة الغساسنة، وقد أخذت فى الظهور مع سقوط تدمر، ويرجع النسابون بالغساسنة إلى اليمن وأن قبيلتهم فارقته بعد خراب سدّ مأرب، واستقرت فى شرقى الأردن. وشقت-فيما بعد-طريقها شمالا إلى حوران، واصطدمت فى تلك الأنحاء بقبيلة عربية تسمى الضجاعم تمت لها الغلبة عليها، وكانت تتجول فى هذه المنطقة الواسعة مع إعلان ولائها للدولة البيزنطية. ويقول النسابون إن جدها الأعلى كان يسمى جفنة بن عمرو مزيقياء، ولذلك يسمى النسابون الغساسنة أحيانا باسم آل جفنة. وقد اعتنقوا المسيحية منذ القرن الرابع للميلاد، مما يدل على عمق صلتهم وامتزاجهم بأهل الشام المسيحيين. وتاريخ ملوكهم غامض، وأهمهم الحارث بن جبلة (٥٢٨ - ٥٦٩ م.) وقد منحته الدولة البيزنطية لقب فيلارك أى شيخ القبائل وأميرها، كما منحته لقب البطريق وهو أعظم
стр. 2920
الألقاب فى الدولة البيزنطية بعد لقب الإمبراطور. وأهم من ذلك أنه زار بيزنطة واستطاع أن يقنع إمبراطورها وحواشيه بتعيين يعقوب البرادعى أسقفا على الكنيسة المونوفيستية السورية، وكانت تخالف العقيدة الرسمية للكنيسة البيزنطية. ويقال إن يعقوب رسم مائة ألف كاهن ونصّب تسعة وثمانين أسقفا فى البلاد. ومعنى ذلك أن الحارث بن جبلة كان يعد أقوى سيد فى سوريا والشام، ولذلك دلالته البعيدة فى نفوذ القبيلة بالشام وفى مدى ما حدث حينئذ من تعرب بعض الشاميين وخاصة من رجال الكنيسة اليعقوبية. وكان الغساسنة كثيرى الحركة والتنقل من بقعة إلى أخرى، وتتردد على ألسنة مادحى ملوكهم من الشعراء ذكر جلّق وكانت منازل بالقرب من دمشق على نهر بردى المشتهر ببساتينه، وأشهر من جلّق الجابية وكانت على مسافة يوم من دمشق إلى الجنوب الشرقى.
وإنما أطلنا فى بيان ذلك كله لندل على أن الشام كانت قد أخذت تستعرب منذ قرون عدة قبل الإسلام، ولا ريب فى أن الفتح الإسلامى العربى زاد هذا الاستعراب حدة وقوة، وخاصة أن قبائل الغساسنة وقضاعة وغيرهما ممن كانوا اعتنقوا النصرانية نبذوا سريعا الدين المسيحى ودخلوا فى الدين الحنيف، ودخله معهم كثيرون من أهل الشام لما رأوا فى شريعته السمحة من الإنصاف والمساواة بين الناس ومن العدل الذى لا تصلح حياة أمة بدونه. وكان حكامهم البيزنطيون قد أساءوا معاملتهم إلى أبعد حد وساموهم ضروبا من العذاب والخسف وأرهقوهم بالضرائب الفادحة إرهاقا لا يطاق، بينما رأوا حكامهم المسلمين الجدد يرفعون عنهم كل ظلم وكل ثقل فى الضرائب مسوّين بين كل من يسلم منهم وبين الجند الفاتح فى جميع الحقوق، غير مستأثرين لأنفسهم بشئ، مهما يكن قليلا أو تافها. فلا عجب أن يدخلوا فى الدين الحنيف أفواجا.
وقد استوطن الشام كثير من الجند الفاتحين له، وكانوا من قبائل مختلفة شمالية وجنوبية، وظلت الجزيرة العربية ترفدهم بسيول طوال الحقب الأولى للحكم الأموى، واستقرت منها عشائر وبطون فى بلدان الشام حتى بلدانه الداخلية مثل حمص وطرابلس وبيروت وقيسارية وغيرها من مدن سوريا ولبنان وفلسطين. وبذلك حدث مزج قوى بين العرب المهاجرين وبين أهل الشام لا عن طريق الإقامة والاستيطان فحسب بل أيضا عن طريق المصاهرة والاختلاط اليومى بين الأسر والناس، مما دفع بقوة إلى استعراب الشام سريعا. وظل من أهم دوافعه دخول الأسر الشامية أو بعض أفرادها فى الإسلام، إذ جزء لا يتجزأ منه تلاوة القرآن، ولن يستطيع أحد أن يتلوه تلاوة سديدة دون تعلم لغته، أو بعبارة أخرى دون استعرابه. وربما كان مما يؤكد كثرة من
стр. 2921
اعتنقوا الإسلام بعد الفتح مباشرة الخبر الذى مر بنا فى الفصل الماضى عن أبى الدرداء قاضى دمشق المتوفى سنة ٣٢ للهجرة أن عدد من كان يشرف عليهم يوميا فى تلاوة القرآن بمسجد دمشق ألف وستمائة ونيف، وكان وراءهم آلاف مستعربون لا يحتاجون إلى من يعلمهم تلاوة القرآن الكريم.
ونظن ظنا أن الاستعراب فى الشام أصبح أمنية أهلها جميعا: من أسلم منهم ومن ظل على دينه المسيحى لسببين مهمين: أولا لتفوق العربية على الآوامية التى كانت شائعة على الألسنة، إذ لم يكن لها تراث أدبى كالعربية، ولا كان لها جمالها فى الجرس وحسن الإيقاع، وثانيا لأن الدولة الأموية اتخذت دمشق عاصمة لها واستعانت بكثير من أهلها المسيحيين فى الإدارة وشئون الخراج والمال، فأكبّ كثير من المسيحيين على العربية يحاولون أن يتعلموها وأن يتقنوا الأداء بها حديثا وكتابة. وينبغى أن لا ننسى ما كان قد حدث من استعراب هذه العناصر المسيحية قبل الإسلام وخاصة بين التجار ورجال الكنيسة اليعقوبية.
وربما كان من أكبر الأدلة على ما كان قد حدث من استعراب كثيرين من أهل الشام الأصليين قبل الإسلام أننا نجد أسرة مسيحية مستعربة تعمل مع معاوية وخلفائه الأمويين فى إدارة الشئون المالية، ونقصد أسرة سرجيوس (وفى بعض المصادر سرجون) ويظن أنه كان حاكما لدمشق قبل الفتح العربى الإسلامى واتخذه معاوية مستشارا له فى الشئون المالية مع بقائه معتنقا لدينه المسيحى، وكان حفيده يوحنا الدمشقى يشرف على الشئون المالية بدوره لعهد عبد الملك بن مروان، وما زالت هذه الأسرة المسيحية تعاون الخلفاء فى شئون المال والخراج حتى أمر الوليد بن عبد الملك بتعريب الدواوين كما هو معروف.
ومن أكبر الأدلة أيضا على استعراب العناصر المسيحية أننا نجد نفرا منهم يعنى بترجمته ترجمة مبكرة لبعض العلوم اليونانية، على نحو ما ذكر صاحب الفهرست عن خالد بن يزيد بن معاوية من أنه ترجمت له كتب الطب والنجوم والكيمياء (١). ولا شك فى أن هؤلاء المترجمين كانوا مستعربين، بل كانوا يحذقون العربية حتى استطاعوا أن ينقلوا منها لخالد بن يزيد ما نقلوه من المعارف المتصلة بتلك العلوم. ويسمى ابن خلكان فى ترجمته لخالد أحد أولئك المترجمين وهو مريانوس الراهب الرومى الذى أخذ عنه خالد علم الكيمياء أو كما كانوا يسمونه علم الصنعة.
ويقول ابن خلكان إن لخالد فيها ثلاث رسائل تضمنت إحداهن ماجرى له مع مريانوس الراهب المذكور وصورة تعلمه منه والرموز التى أشار إليها (٢).
стр. 2922
ولم نتحدث عن اليونانية التى كانت معروفة فى الشام قبل الإسلام، وأكبر الظن أنها انحازت إلى الأديرة، وقد رأينا آنفا أن خالد بن يزيد بن معاوية استعان فى علم الصنعة وما ترجم إليه منه براهب رومى، وأكبر الظن أن الرهبان فى دمشق ومدن الشام من أنطاكية إلى غزة كانوا قد أخذوا فى التعرب ليستطيعوا الحديث إلى مسيحيى الشام المستعربين، ولعل فى كل ما تقدم ما يوضح العوامل الكثيرة التى دفعت إلى تعرب الكتلة الكبرى من أهل الشام مسلمين ومسيحيين.
٢ - كثرة الشعراء
يلاحظ أن عرب الشام قبل الإسلام لم يكن لهم نشاط يذكر فى تاريخ الشعر العربى لا عند الغساسنة ولا عند غيرهم من القبائل الشامية، حتى إذا كانت الفتوح وهاجر كثيرون من القبائل القيسية مثل عامر وسليم إلى فلسطين وسوريا أخذ الشعر ينشط فى الشام وأخذ الشعراء يتكاثرون وخاصة مع الأحداث الكبرى على نحو ما يلقانا فى المعارك التى نشبت بعد وفاة يزيد بن معاوية وتولّى مروان بن الحكم للخلافة بين القبائل اليمنية وفى مقدمتها قبيلة كلب والقبائل القيسية منذ موقعة مرج راهط وغيرها من المواقع. ونلتقى عقب هذه المواقع بشاعرين كبيرين للشام هما عدى بن الرّقاع العاملى اليمنى والطرماح الطائى اليمنى، أما عدى بن الرقاع فشاعر عبد الملك بن مروان والخلفاء من بعده، وله ترجمة فى كتابنا العصر الإسلامى بين شعراء بنى أمية، وأما الطرماح فنشأ فى الشام ونزل الكوفة مع بعض جيوشها واستقر بها، واعتنق فيها مذهب الصفرية من الخوارج، وله ترجمة فى كتابنا المذكور بين شعراء الخوارج.
وكانت الشام طوال عصر بنى أمية تغصّ بشعراء الحجاز ونجد والعراق الوافدين على الخلفاء لمديحهم وأخذ نوالهم وعطائهم. وما نبغ شاعر واشتهر فى هذه البيئات إلا رحل إلى دمشق يمدح هذا الخليفة أوذاك، والخلفاء يغدقون على الشعراء جوائزهم وصلاتهم على نحو ما هو معروف عن شعراء العراق: الفرزدق والأخطل وجرير وعبد الله بن الزّبيروذى الرّمّة والعجّاج وابنه رؤبة. ومثلهم من شعراء الحجاز كثيّر والأحوص وابن قيس الرقيات. ومدحهم من شعراء نجد كثيرون فى مقدمتهم الراعى النّميرى. وكان الأمويون يعدّونهم ألسنتهم ودعاتهم فى بيئاتهم، فأجزلوا لهم فى العطاء، وكانوا ما يزالون غادين عليهم رائحين بقصائد طنانة يرويها الرواة فى كل مكان بالشام وغير الشام.
стр. 2923
وليس ما قدمناه كل ما كان بالشام من نشاط الشعر والشعراء لعهد بنى أمية، فقد شارك غير خليفة فى هذا النشاط، إذ كان بينهم شعراء بارعون هم يزيد بن معاوية ويزيد بن عبد الملك وابنه الوليد، واشتهر الوليد بأنه يعيش للهو والقصف وجلب المغنين والمغنيات من الحجاز وإقامة الحفلات لهم فى قصره، وشعره يستغرقه الغزل والتغنى بالخمر حتى بعد خلافته، مما أعدّ بسرعة لسقوط الدولة الأموية، وله ترجمة فى كتابنا العصر الإسلامى.
وتنتقل الخلافة فى العصر العباسى إلى بغداد، ويظل للشام نشاطها فى الشعر، وهو نشاط لا يقف عند مجرد نظمه على طريقة الإسلاميين والجاهليين، إذ نرى شعراءها يصدرون فى شعرهم عن النزعات التجديدية التى نظم الشعر العربى على أضوائها فى صدر الدولة العباسية. ومن كبار شعرائها الذين لمعت أسماؤهم فى القرن الثانى الهجرى عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى معاصر الرشيد، وكان من الفلجة «من أرض دمشق»، وترجم له ابن المعتز فى كتابه «طبقات الشعراء» وأشاد بشعره إشادة رائعة. وممن كان يعاصره من الشعراء الشاميين العتّابى وكان يحتذى-كما يقول الجاحظ-حذوبشار بن برد فى البديع وله ترجمة فى كتابنا العصر العباسى الأول. وعلى غراره تلميذه منصور النمرى الشامى، وله أيضا ترجمة فى كتابنا العصر العباسى الأول. وبالمثل فى هذا الكتاب ترجمة لشاعر شامى مهم عاش فى القرنين الثانى والثالث هو ديك الجن. فالشام لم تنشط فى الشعر طوال العصر العباسى الأول فحسب، بل قدمت إليه أعلام من الشعراء النابهين شاركوا فى نهضته وازدهاره بل أكثر من ذلك لقد تطورت بصور البديع الحسية التحديدية وأضافت إليها فى نهضته وازدهاره بل أكثر من ذلك لقد تطورت بصور البديع الحسية التحديدية وأضافت إليها صورا جديدة من بديع وزخرف معنويين رائعين، وبذلك استحدثت للشعر العربى مذهبا جديدا هو مذهب التصنيع أو التنميق الحسى والفكرى، على نحو ما هو معروف عن أبى تمام أستاذ هذا المذهب الذى أعطاه صيغته النهائية، وقد أوضحنا ذلك إيضاحا تاما فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى». وتلاه تلميذه البحترى، ولم يكن له ثقافته وتعمقه فى النفوذ إلى دقائق الأفكار، ومع ذلك تمسك بالمذهب وبخاصة جوانب البديع الحسى مع تمسك شديد بمقومات الشعر العربى وتقاليده فى الصياغة، وكان لا يبارى فى الضرب على قيثارة الشعر العربى واستخراج أروع النغم منها وأحلاه. وأكبّت الأجيال التالية فى العالم العربى على دراسته ودراسة أستاذه متخذة منه نموذجا للتمسك بعمود الشعر العربى وصياغته، كما اتخذت من أستاذه نموذجا للبديع الحسى والمعنوى الذى يرضى المتفلسفة والمتعمقين فى المعانى. وانقسم النقاد مع الشاعرين وفنهما إلى صفين متقابلين، وكل ذلك حاولنا تصويره فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» ولأبى تمام ترجمة
стр. 2924
فى كتابنا «العصر العباسى الأول» وللبحترى ترجمة فى كتابنا «العصر العباسى الثانى». ونشرف بعد البحترى على نهاية القرن الثالث، ولا تزال للعصر العباسى الثانى بقية زمنية، وفيها يسطع نجم شاعر الطبيعة الحلبى الصّنوبرى وله ترجمة فى كتاب هذا العصر.
ونمضى فى عصر الدول والإمارات، وقد عنى بالحديث عن شعراء القرن الرابع الهجرى ومطالع القرن الخامس الثعالبى فى يتيمته، متحدثا عن الشعراء النابهين فى أقاليمه من أواسط آسيا إلى الأندلس. ويلاحظ فى فواتح كتابه أن كفّة الشعر العراقى التى كانت تجعله يرجح على جميع الأقاليم العربية شاما وغير شام قد خفّت وخلفتها كفة الشام، إذ يستهل يتيمته بقوله: «الباب الأول من القسم الأول فى فضل شعراء الشام على شعراء سائر البلدان وذكر السبب فى ذلك ثم يقول: «لم يزل شعراء عرب الشام وما يقاربها أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها فى الجاهلية والإسلام. . والسبب فى تبريز القوم قديما وحديثا على من سواهم فى الشعر قربهم من خطط العرب ولا سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورتهم للفرس ونبط (فلاحى) العراق ومداخلتهم إياهم. . ورزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدان. . وهم بقية العرب، والمشغوفون بالأدب والمشهورون بالمجد والكرم، والجمع بين أدوات السيف والقلم، وما منهم إلا أديب جواد يحب الشعر وينتقده، ويثيب على الجيد منه فيجذل ويفضل». ولسنا نريد أن نناقش الثعالبى فى هذا الحكم، فإنه-على ما فيه من مبالغة- يدل على ما حدث بالشام مع مطالع عصر الدول والإمارات من نهضة شعرية حقيقية تنبئ عنها الأبواب التالية فى اليتيمة، فقد جعل الثعالبى الباب الثانى لسيف الدولة الحمدانى أمير حلب وشمالىّ الشام وملح شعره وغزواته الحربية المظفرة على لسان شعرائه. وقصر الباب الثالث على أبى فراس الحمدانى الشاعر والفارس المشهور. وخص الباب الرابع بملح أشعار آل حمدان أمراء الشام وقضاتهم وكتابهم. وأفرد الباب الخامس للمتنبى شاعر سيف الدولة المبدع. وجعل الأبواب:
السادس والسابع والثامن لبعض المادحين لسيف الدولة من شعراء الشام والعراق.
ومرّ بنا كيف أن حلب فى زمن سيف الدولة (٣٣٣ - ٣٥٦ هـ) استحالت أكبر مركز علمى وفلسفى ولغوى، إذ نزلها كثير من العلماء والمتفلسفة واللغويين من أمثال الفارابى وأبى على الفارسى وابن جنى غير من كان بها من الأطباء وعلماء الفلك. ولا يهمنا الآن بيان ذلك إنما يهمنا أنها أصبحت مركز الشعر والشعراء فى تلك الحقب، إذ لم يبق شاعر كبير فى الشام أو فى العراق أو فى إيران إلا أمّها وأسبغ عليه سيف الدولة من نواله، حتى ليقول الثعالبى إنه لم يجتمع قط بباب أحد
стр. 2925
من الملوك-بعد الخلفاء-ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر» منهم كشاجم-ويقال إنه كان طبّاخة-والخالديان-وكانا خازنى مكتبته-والسّلامى والسّرى الرفّاء والوأواء الدمشقى والنامى المصيصى وابن نباتة السعدى والببّغاء، وكل هؤلاء كانوا شعراء، وترجم لهم الثعالبى، ووراءهم كثيرون كانوا يفدون على سيف الدولة مادحين ثم يعودون بالعطاء إلى أوطانهم شاكرين مثنين.
ومضت الشام فى نهضتها الشعرية وظهر فيها أمثال عبد المحسن الصورى وأبى الرقعمق والواسانى وجميعهم ترجم لهم الثعالبى، ويعنى الباخرزى فى دمية القصر بذكر طائفة من شعراء الشام خاصة من مدح منهم الوزير السلجوقى نظام الملك، وترجم لأبى العلاء المعرى وابن سنان الخفاجى تلميذه ترجمة قصيرة. وبعض من ترجم له ألم به العماد الأصبهانى فى الخريدة. ولم يعن أحد من أصحاب التراجم الشعرية بشعراء النصف الثانى من القرن الخامس ومطالع القرن السادس، ومن أعلام الشعراء الشاميين فى تلك الحقبة ابن حيّوس وله ديوان ضخم فى مجلدين.
ويعرض العماد الأصبهانى فى خريدة القصر تراجم مستفيضة لنحو مائة وثلاثين شاعرا جمهورهم من شعراء القرن السادس حتى زمن كتابته أو تأليفه للخريدة فى أوائل العقد الثامن من القرن، وهم يشغلون ثلاثة أجزاء، أولها خاص بشعراء دمشق والشعراء الأمراء من بنى أيوب، ونراه فى مطلع هذا الجزء يشيد بشعر الشاميين ويرفعه درجات على شعر أهلى العراق، بالضبط كما صنع الثعالبى، يقول: «شعر الشاميين أصح وزنا، وأسحّ مزنا، وأمتن صيغة، وأحسن صبغة، وأحكم صنعة، وأسلم رقعة، وأرفع نسجا، وأنفع مزجا، وأقوم معنى، وأحكم مبنى» ويشيد بطائفة من قدمائهم مثل البحترى وأبى تمام وطائفة من محدثيهم بعدهما مثل عبد المحسن الصورى وابن سنان الخفاجى وابن حيوس، وكأنى به نسى أبا العلاء عامدا لشهرته الواسعة. ويترجم فى هذا الجزء لابن الخياط الدمشقى تلميذ ابن حيوس وديوانه مطبوع. وتلا العماد ذلك بجزء اشتمل على خمسة وأربعين شاعرا بينهم أهم من أنجبتهم الشام فى القرن السادس الهجرى من الشعراء أمثال الغزى وابن منير الطرابلسى والقيسرانى وعرقلة وديوانه مطبوع وفتيان الشاغورى وديوانه مثله مطبوع وابن قسيم الحموى وأسامة بن منقذ وديوانه مطبوع. ويتبع ذلك جزء به نحو ثمانين شاعرا عرض فيه العماد بيوتا وشعراءها كبيت آل المعرى وبيت بنى الدويدة وبيت بنى الحصين، ويذكر طائفة من شعراء حلب ربما كان أهمها حماد الخرّاط. وكأن العماد لم يترك فى الشام لزمنه شاعرا كبيرا ولا صغيرا إلا ترجم له.
стр. 2926
واهتمت كتب التاريخ والتراجم بشعراء الشام بعد زمن العماد فى أيام الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وفى مقدمتها وفيات الأعيان لابن خلكان وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبى والوافى بالوفيات للصفدى ومطالع البدور للغزولى والدرر الكامنة لابن حجر والضوء اللامع للسخاوى وريحانة الألبا للخفاجى ونفحة الريحانة للمحبى وسلك الدرر للمرادى. فكل هذه الكتب تحمل عشرات من شعراء الشام فى حقب وأزمنة مختلفة، وكثير من نابهيهم فى تلك الأزمنة والحقب أيام الأيوبيين ومن بعدهم لهم دواوين مطبوعة مثل ديوان ابن الساعاتى والصاحب شرف الدين الأنصارى وأيدمر المحيوى والشاب الظريف وأبيه عفيف الدين التلمسانى وابن الوردى وابن النقيب الدمشقى، وتموج رفوف المكتبات فى العالمين العربى والغربى بدواوين كثيرة لشاميين لا تزال مخطوطة.
٣ - شعر دورى-رباعيات-موشحات-بديعيات-تعقيدات
(ا) الشعر الدورى
منذ ابتدع الشعراء فى العصر العباسى الأول الشعر المزدوج الذى يتكون من شطرين متقابلين، وتتوالى فيه الشطور المتقابلة، والشعراء يكثرون منه فى جميع الأقاليم الإسلامية، وهيأ ذلك لظهور أنماط مختلفة من الشعر الدورى الذى تتكون فيه القصيدة من أدوار متعاقبة، ويغلب أن يكون كل دور بيتين، وتقل الأدوار وتكثر حسب رغبة الشاعر. وتفرّع عن هذا النمط من قديم عند أبى نواس وأضرابه نمط المسمطات وعادة يتكون الدور فيه من أربعة شطور يليها شطر خامس تتحد قافيته فى كل الأدوار، بينما تتنوع القوافى فى الشطور الأربعة السابقة له من دور إلى دور، وكأن الشطر الخامس بقافيته المكررة ياقوتة فى عقد تلتقى عندها أسلاكه المختلفة، وتسمى هذه القافية المكررة عمود القصيدة. وكلما تقدمنا فى العصر كثرت هذه المسمطات، وهى قد تكون رباعية بمعنى أن قافية الشطر الرابع هى المكررة، وقد تكون خماسية كما ذكرنا، وقد تكون سباعية أو تساعية، وممن عنى بالنظم فيها أسامة بن منقذ ففى ديوانه منها أربعة مسمطات خماسية، ومن قوله فى أحدها (١):
стр. 2927
كم رضت نفسى بالسلوان فامتنعت ... وكم أضاعوا مواثيق الهوى ورعت
وما نقمت عليهم غدرة فصغت (١) ... ولا أضعت لهم عهدا ولا اطّلعت
على ودائعهم فى صدرى التّهم
وقافية الشطر الأخير مكررة فى الشطر الخامس من كل دور، وواضح أن المسمط خماسى الشطور، وتلقانا أمثلة للمسمطات فى دواوين ابن الساعاتى والصاحب شرف الدين الأنصارى وأيدمر المحبوى زمن الأيوبيين، ومضى الشعراء فى الحقب التالية يكثرون منها وخاصة صلاح الدين الصفدى، ونظل نلتقى بها فى الحقب المتأخرة.
(ب) الرباعيات
معروف أن الرباعية أربعة شطور تؤلّف بيتين، وتتحد الشطور: الأول والثانى والرابع فى القافية وقد يتحد مع تلك الشطور الشطر الثالث فى القافية وقد يختلف. وللرباعية وزنان هما:
«فعلن فعلن مستفعلن مستفعلن» و «فعلن متفاعلن فعولن فعلن» وقد أخذت تشيع على ألسنة الشعراء فى هذا العصر وخاصة منذ القرن السادس، نجدها عند ابن قسيم الحموى المتوفى سنة ٥٤١ للهجرة وعند عرقلة المتوفى سنة ٥٦٧ وفى خاتمة ديوانه منها اثنتا عشرة رباعية، منها قوله:
ويلاه على المهفهف الميّاس ... ما أحسنه ولو بقلب قاس
يهتزّ كأنه قضيب الآس ... سكران ولم يذق حميّا الكاس
وذكر ابن خلكان أنه كان للعماد الأصبهانى ديوان صغير جميعه دوبيتات أو رباعيات، وطائفة فيها كانت بلسان نور الدين فى الحث على جهاد حملة الصليب وتمزيق جموعهم، من مثل قوله (٢):
لا راحة لى فى العيش إلا أغزو ... سيفى طربا إلى الطّلى يهتزّ (٣)
فى ذلّ ذوى الكفر يكون العزّ ... والقدرة فى غير جهاد عجز
стр. 2928
وكان لفتيان الشاغورى المتوفى سنة ٦١٥ ديوان جميع ما فيه دوبيتات، رآه ابن خلكان وأنشد منه فى ترجمته قوله:
الورد بوجنتيك زاه زاهر ... والسّحر بمقلتيك واف وافر
والعاشق فى هواك ساه ساهر ... يرجو ويخاف فهو شاك شاكر
ونظل نلتقى بالرباعيات فى دواوين الشعراء أيام المماليك بل أيضا أيام العثمانيين عند حسن البورينى وبهاء الدين العاملى وعبد الغنى النابلسى وغيرهم من الشعراء (١) وحين شاعت التورية بثها الشعراء فى رباعياتهم كقول على بن المظفر الوداعى الحلبى المتوفى سنة ٧١٦ متغزلا (٢):
لما حجب الكرى عن الآماق ... وانقاد مع العدا على العشّاق
ناديت وقد تزايدت أشواقى ... يا غصن رضيت منك بالأوراق
والتورية واضحة فى كلمة الأوراق، إذ لها معنينان قريب وهو أوراق الغصن وبعيد وهو أوراق الرسائل المتبادلة بينه وبين صاحبته، وهو المراد.
(ج) الموشحات
الشائع المعروف أن الموشحات من اختراع الأندلسيين وأنهم سبقوا إليها المشارقة، ومعروف أنها تتألف من شطور تسمى قفلا وشطور تليها تسمى أداورا أو أغصانا، ومن خرجة يسمّى بها القفل الأخير فى الموشحة. ومن ينعم النظر فيها يؤمن بأنها تطورت من أشكال المسمطات، واستقلت بهذه الصورة، ويبالغ المستشرقون الإسبان-خاصة-قائلين إنها فن أندلسى خالص تطور عن أغان رومانسية كانت معروفة فى القرنين الرابع والخامس للهجرة، ولم يقدموا أغنية واحدة تشهد لذلك، بينما يوجد لدينا شكل من أشكال المسمط نظمه ديك الجن الحمصى المتوفى سنة ٢٣٥ للهجرة نظن ظنا أنه الأب الحقيقى للموشحات الأندلسية إذ يجرى على هذا النمط (٣):
قولى لطيفك ينثنى ... عن مصجعى عند المنام
стр. 2929
عند الرّقاد عند الهجوع ... عند الهجود عند الوسن
فعسى أنام فتنطفى ... نار تأجّج فى العظام
فى الفؤاد فى الضلوع ... فى الكبود فى البدن
ويستمر المسمط الموشح على هذه الصورة، وواضح أنه نشأ من فكرة بسيطة هى تكرار قافية البيت بروىّ جديد. وكأنما وقع هذا المسمط الغريب أو قل هذا الموشح الفريد لمقدم بن معافى شاعر الأمير الأندلسى عبد الله بن محمد المروانى (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) فنظم على صورته بعض منظوماته وكتب لهذه الصورة عنده أن تشيع بعده فى الأندلس باسم الموشحات على نحو ما أوضحنا ذلك مرارا فى كتاباتنا. وحملها إلى المشرق الأندلسيون المهاجرون إلى مصر والشام ووضع لها ابن سناء الملك قوانينها الموسيقية فى كتابه «دار الطراز» وبذلك فتح أبواب تلك الموشحات على مصاريعها للمشارقة كى ينظموا على غرارها منذ زمنه فى أواخر القرن السادس. وأيضا فإنه كان قد نزل الشام بعض الأندلسيين من ناظميها، فكانوا من أسباب إشاعتها مثل عبد المنعم الجليانى الأندلسى الطبيب نزيل دمشق فى زمن صلاح الدين وظل بها إلى وفاته، وله فيه مدحة سميت التحفة الجوهرية، ويقول ابن أبى أصيبعة: له «ديوان غزل وتشبيب وموشحات ودو بيتات» أو رباعيات. ونظل فى زمن الأيوبيين والمماليك نلتقى بوشاحين مختلفين. وللصلاح الصفدى المتوفى سنة ٧٦٤ كتاب فى الموشحات سماه: توشيع (١) التوشيح ذكر فيه إحدى وستين موشحة من عيون الموشحات الأندلسية والمصرية والعراقية والشامية، وذكر موشحا طريفا لشمس الدين محمد بن على الدهان المتوفى سنة ٧٢١، ويقول ابن شاكر إنه كان يحترف صناعة الدهان وينظم الشعر الرقيق وكان على علم بالموسيقى والألحان، فكان ينظم الشعر ويلحنه ويغنى فيه المغنون (٢)، ويسوق نفس الموشح الذى ذكره الصفدى، ويستهله بقوله:
بأبى غصن بانة حملا ... بدر دجى بالكمال قد كملا
أهيف
فريد حسن ماماس أو سفرا ... إلا أغار القضيب والقمرا
يبدى لنا بابتسامه دررا
стр. 2930
والموشح وافر الموسيقى واللحن والنغم. وذكر الصفدى بجانب هذا الموشح موشحا لجمال الدين يوسف الصوفى المتوفى سنة ٧٥٠، وهو يفيض بالعذوبة وجمال اللفظ والصور كقوله:
ساحر بالدلال ساخر بالصّبّ ... فائق فى الكمال لائق بالحبّ
بشذا المسك فاح ... ثغر هذا الغزال
باسم عن أقاح ... كفريد اللآل
ردّ نور الصباح ... كظلام الليال
وأنشد الصفدى لنفسه فى كتابه سبعا وثلاثين موشحة، وكثير منها معارضات لموشحات مشهورة لأندلسيين وغير أندلسيين، وقلما يحلّق إلى أفق الموشحات التى يعارضها، ويغلب التكلف على موشحاته، وفى أحيان قليلة يسلس فى بعض الموشحات وبعض المقاطع كقوله فى معارضة موشحة لابن اللبّانة الأندلسى:
بات بدرى وهو معتنقى ... أحتسى فاه وأرتشف
وبه أمسيت متّحدا ... بعد ما قد كنت منفردا
وغدا بدر السما كمدا
وقد أنشد النواجى فى كتابه عقود اللآل تسع موشحات لابن حبيب الحلبى وموشحتين لابن حجة الحموى (١).
ويلقانا وشاحون مختلفون فى زمن العثمانيين على نحو ما يذكر المحبى عن أبى بكر العمرى وأبى بكر العصفورى (٢). ولابن النقيب المتوفى سنة ١٠٨١ موشح استلهم فيه موشحا مشهورا للسان الدين ابن الخطيب استهله بقوله (٣):
يا ليالى السّفح من عهد الصّبا ... يا سقى مغناك صوب الدّيم
كم تسرّقت بها بين الرّبى ... خلسا مرّت كطيف الحلم
стр. 2931
وتكثر الموشحات الصوفية عند عبد الغنى النابلسى كثرة مفرطة. ونقف قليلا عند وشّاحين مهمين هما أيدمر المحيوى والمحّار الحلبى.
أيدمر المحيوىّ (١)
لا نعرف شيئا عن نشأة هذا الشاعر ومرباه، وكل ما بأيدينا عنه أنه عتيق محيى الدين محمد بن محمد بن سعيد بن ندى وزير الجزيرة لسلاطينها من الأيوبيين، وقد طبعت له دار الكتب المصرية مختارات من ديوانه، وهو فيها يمدح الملك الكامل سلطان مصر مشيدا بانتصاره على حملة الصليب فى موقعة دمياط سنة ٦١٨. وكان يسكن دمشق ويزور مصر كثيرا وله مدائح فى الصالح نجم الدين أيوب حين كان يلى شئونها منذ سنة ٦٣٦ إلى سنة ٦٤٧ ويبدو أنه لم يعش بعد هذا التاريخ طويلا، وله غزليات وأشعار طريفة فى الطبيعة، وله-بجانب ذلك-موشحان فى المديح يستهلهما بغزل بديع، وقد عارض فى موشحه الأول ابن زهر فى موشح له مشهور، ومن قوله فيه على نسقه.
هزّ عطف الغصن من قامته ... مطلعا للشمس من طلعته
ثم نادى البدر فى ليلته ... أيها البدر تغيّب ويحكا
ما احتياج الناس للبدر معى
وعذوبة موسيقاه واضحة فى هذا الموشح، وكان يضيف إليه فى أحيان كثيرة محسنات البديع من طباق وجناس وتورية، ولا تفارقه هذه العذوبة حتى حين يجنح إلى التكلف على نحو ما نلقاه فى موشحه الثانى وفيه يقول:
بات وسمّاره النجوم ساهر ... فمن ترى علّمك السّهد ياجفون
صبا إلى مذهب التصابى صابى ... لا يعدل
فجنبه خافق الجناب نابى ... مبلبل
والطّرف من دائم انسكاب كابى ... مخبّل
стр. 2932
وواضح أنه بدأ موشحه بالدور أو الغصن لا بالقفل، وتلا القفل بالدور فى ثلاثة أبيات، وكل بيت مكوّن من ثلاثة أجزاء، الجزء الثانى مستخرج من آخر الجزء الأول، فصابى مستخرج من التصابى وبالمثل نابى مستخرج من الجناب، وكابى مستخرج من انسكاب. وهو تكلف واضح ولكنهم كانوا يعدونه فى الموشحات والأشعار آية براعة فائقة.
المحّار (١) الحلبى
هو سراج الدين عمر بن مسعود الحلبى الملقب بالمحار لأنه نشأ يمحر الكتان أى يغسله ويبيضه ثم اشتغل بالأدب والشعر ومهر فيهما، ففارق موطنه حلب إلى حماة ورعاه صاحبها الملك المنصور (٥٨٧ - ٦١٧ هـ) إلى أن توفى بدمشق سنة ٧١١. وربما كان أروع وشاح أنجبته الشام على مر الأزمنة والحقب، ومن موشحاته المشهورة موشحة عارض بها أيدمر المحيوى فى موشحته المذكورة آنفا ويستهلها على هذا النمط:
ما ناحت الورق فى الغصون إلاّ هاجت على ... تغريدها لوعة الحزين
هل ما مضى لى مع الحبايب آيب ... بعد الصدود
أوهل لأيامنا الذواهب واهب ... بأن تعود
بكل مصقولة التّرائب كاعب ... هيفاء رود
والموشح يموج على هذه الشاكلة بعذوبة الجرس وجمال الإيقاع والنغم رغم محاولة المحار فيه أن يستخرج الجزء الثانى فى الدور من آخر كلمة فى جزئه الأول، فقد كان من القدرة على حسن التلحين لكلماته بحيث لا يقف دونه أى عائق، بل إن العائق نفسه يصبح إكمالا بديعا للتلحين والتنغيم على نحو ما يتضح فى كلمات «آيب-واهب-كاعب». . ولا يقل عن هذه الموشحة عذوبة ورشاقة وحلاوة فى النغم موشحته التى عارض بها موشحة أحمد بن الحسن الموصلى المار ذكره فى العراق، افتتحها بقوله:
مذشمت سنا البروق من نعمان ... باتت حدقى
стр. 2933
تذكى بمسيل دمعها الهتّان نار الحرق (١) ...
ما أومض بارق الحمى أو خفقا ... إلا وأجدّ لى الأسى والحرقا
هذا سبب لمحنتى قد خلقا
وتصويره لمسيل الدموع المتدفق بأنه يضرم نار الحرق تصوير بديع. وموشحات المحّار على هذا النمط تمتع الأذن والقلب والخيال بصفاء موسيقاها ورقتها وما يطوى فيها من جمال التصاوير.
(د) البديعيات
مرّ بنا أن الشام-منذ أواخر القرن الثانى الهجرى-تطورت بصور البديع الحسية التجديدية من جناس وطباق وتصاوير إلى إشراك صور جديدة معها من زخرف الفكر ووشيه على نحو ما هو معروف عن أبى تمام، نافذة بذلك إلى إرساء مذهب جديد فى فن الشعر سميته فى كتاب «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» باسم مذهب التصنيع أى التنميق الناشئ عن استخدام محسنات البديع المعروفة وأيضا عن استخدام طرائف فكرية لا تكاد تحصى. وتبع البحترى-كما ذكرنا-أستاذه أبا تمام فى المذهب ولم تكن له ثقافته الفلسفية ولا بعد غوره فى الأفكار. وكان أبو تمام يكثر من الجناس فلم يتابعه البحترى فى هذا الإكثار وإن ظل يستخدمه كما يستخدم الطباق والتصاوير من تشبيهات واستعارات. ونجد الجناس بعده على كل لسان فكل شاعر شامى يحاول أن ينفذ فيه إلى أبيات بديعة كقول أبى فراس الحمدانى (٢):
وما السلاف دهتنى بل سوالفه ... ولا الشّمول دهتنى بل شمائله
ولعل شاعرا شاميّا لم يكثر من استخدام الجناس كما أكثر أبو العلاء، وسنراه يدخل عليه ألوانا من التعقيد سنعرض لها عما قليل، وكان يعاصره ابن حيّوس المتوفى سنة ٤٧٣ وكان يتابع أبا تمام فى الإكثار من المحسنات البديعية جناسا وغير جناس. ونرى العماد الأصبهانى فى الخريدة يتوقف مرارا ليثبت على هذا الشاعر أو ذاك كثرة استخدامه للجناس، وسجّل ذلك مرارا على الشعراء
стр. 2934
الثلاثة الذين افتتح بهم الجزء الأول من شعراء الشام وهم الغزى وابن منير والقيسرانى وفيه يقول:
«صاحب التطبيق والتجنيس، وناظم الدر النفيس» (١). وعلى شاكلتهم شعراء الخريدة لا فى استخدام الجناس وحده بل فى استخدام المحسنات البديعية جميعا، وكذلك من تلاهم من الشعراء الشاميين.
وكانت قد تكونت بمصر منذ أواخر أيام الفاطميين مدرسة حملت لواء المحسنات البديعية وأشاعتها فى شعرها ونثرها مضيفة إليها لونا جديدا هو لون التورية الذى يصور مزاج المصريين وميلهم من قديم إلى النكتة، وكان من السابقين إلى حمل هذا اللواء بأخرة من الدولة الفاطمية ابن قادوس وابن قلاقس، وحمله بعدهما القاضى الفاضل وابن سناء الملك وغيرهما. وكانت ديار الشام جميعها توحدت مع مصر لعهد صلاح الدين، وسرعان ما وجدنا ذوق هذه المدرسة المصرية يعم بلدان الشام، كما لاحظ ذلك الصفدى ونقله عنه ابن حجّة الحموى فى خزانته إذ ذكر السابقين فى المدرسة من شعراء مصر ثم قال: «وجاء من شعراء الشام جماعة تأخر عصرهم وتأزّر نصرهم» وعدّ منهم سيف الدين المشد المتوفى سنة ٦٥٦ والشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصارى شيخ شيوخ حماة المتوفى سنة ٦٦٢ وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبى المتوفى سنة ٦٨٠ ومجير الدين بن تميم المتوفى سنة ٦٨٤ والشاب الظريف شمس الدين محمد بن العفيف المتوفى سنة ٦٨٨ ومحيى الدين بن قرناص الحموى المتوفى سنة ٧١٢ وتمثل ابن حجة فى خزانته بأشعارهم فى محسنات البديع المختلفة وفتح لكل منهم فصلا طريفا فى باب التورية، واستطاعوا فى أحوال كثيرة أن يجعلوا لتورياتهم نفس خفة الروح التى تلقانا فى توريات المصريين مثل قول ابن لؤلؤ (٢):
يمرّ بى كلّ حين ... وكلما مرّ يحلو
وهو لا يريد «مر» من المرور وهو المعنى المتبادر لكلمة يمر فى أول البيت، وإنما يريد مرّ من المرارة عكس الحلاوة، وهو المعنى البعيد، ومثل قول مجير الدين بن تميم (٣):
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه فى الرياض طيور
ولضاع معنيان: أولهما من ضاع الزهر يضوع إذا فاحت رائحته، وثانيهما من ضاع الشئ
стр. 2935
يضيع إذا فقد والأول المراد. ومثل قول الشاب الظريف وقد احتجب بعض أصحابه عنه (١):
ولقد أتيت إلى جنابك قاضيا ... باللّثم للعتبات بعض الواجب
وأتيت أقصد زورة أحظى بها ... فرددت-يا عينى-هناك بحاجب
وواضح أنه ليس المراد حاجب العين، وإنما البوّاب المشرف على الزيارة. وتظل التورية شائعة على ألسنة الشاميين، ويشيد الحموى فى خزانته باستخدام الوداعى على بن المظفر المتوفى سنة ٧١٦ لها وإكثاره منها كقوله (٢):
قال لى العاذل المفنّد فيها ... يوم وافت فسلّمت مختاله
قم بنا ندّعى النبوّة فى العش ... ق فقد سلّمت علينا الغزاله
وللغزالة معنيان: معنى قريب وهو الشمس ومعنى بعيد وهو صاحبته الجميلة التى تشبه الغزالة وهو المراد.
ويتتبع ابن حجة ما أخذه ابن نباتة من موائد التورية عند الوداعى، وبالمثل يتتبع ما أخذه الصفدى من ابن نباتة من تورياته البديعة، وكان الصفدى يعنى عناية شديدة باصطناع المحسنات البديعية وخاصة التورية والجناس، وله فيهما كتابان.
ومضى شعراء الشام-بعد الصفدى-كشعراء مصر يعنون بتلك المحسنات بقية زمن المماليك، يشترك فى ذلك فتح الدين بن الشهيد المتوفى سنة ٧٩٣ وعلى بن أيبك الدمشقى المتوفى سنة ٨٠١ وابن الأدمى المتوفى سنة ٨١٦ وابن حجّة الحموى صاحب الخزانة المتوفى سنة ٨٣٧. ويطرد اصطناع المحسنات البديعية فى أيام العثمانيين، ومن أهم ألوانها الاقتباس من القرآن الكريم وتضمين شطور أو أبيات فى قصيدة الشاعر لشعراء سابقين، وقد اقتبس الصاحب شرف الدين عبد العزيز الأنصارى فواصل «سورة الشمس» فى قطعة غزلية له مستهلا لها بقوله (٣).
قسما بشمس جبينه وضحاها ... ونهار مبسمه ﴿(إِذا جَلاّها)﴾
стр. 2936
وتوالت قوافيه: (يغشاها-زكّاها-تقواها-أشقاها). ومن طريف الاقتباس فى الغزل قول فتح الدين بن الشهيد (١):
فى صدرها رمّان نهد زانه ... حلى ﴿(يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ)﴾
ويريد بوسوسة الحلى صوته الخفى، واقتبس-كما هو واضح-آية سورة الناس وما فيها من الاستعاذة من الشيطان الوسواس بما لا نفع فيه ﴿الَّذِي (يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ).﴾ وأكثر الشعراء من التضمين لأبيات المتنبى وغير المتنبى من كبار الشعراء، كقول مجير الدين بن تميم مضمنا لبيت من أبيات المتنبى فى وصفه لزهر اللّوز إذ يقول (٢):
أزهر اللّوز أنت لكلّ زهر ... من الأزهار يأتينا إمام
«لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك فى فم الدهر ابتسام»
وعنى كثيرون باقتباس الشطور الثوانى من معلقة امرئ القيس وتضمينها فى قصائدهم. وسنلتقى بأمثلة كثيرة من ألوان هذه البديعيات فى ترجماتنا للشعراء.
(هـ) التعقيدات
إذا كانت الشام نفذت-على لسان أبى تمام-إلى ابتكار مذهب التصنيع والتنميق فى الشعر العربى، فإنها هى أيضا التى نفذت إلى ابتكار مذهب التصنع والتعقيد فى الشعر أو قل هى التى أعطته صيغته النهائية، فقد أخذ الشعراء-منذ أوائل هذا العصر-يتكلفون فى صورهم البيانية ومحسناتهم البديعية ألوانا شتى من التكلف عرضناها فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» وما نصل إلى أبى العلاء المعرى حتى يبلغ هذا التصنع أقصاه فى ديوانه: «لزوم ما لا يلزم» وهو فى مجلدين ضخمين. والقصائد فيه تنتظم حروف المعجم حرفا حرفا، وفى كل حرف يأتى بالروى ساكنا ومتحركا بالحركات الثلاث: الضمة والفتحة والكسرة، والتزم مع كل روى حرفا معينا يسبقه كالباء والتاء وغيرهما. وبذلك أصبح لقصائد هذا الديوان الضخم رويّان يلزمانها فى حتمية شديدة. وليس هذا كل ما فى الديوان من تعقيد، فقد يكون ذلك أخف ما فيه من ألوانه، إذ نراه يعنى فيه بعرض كلمات غريبة لا تكاد تحصى، وشغف بالجناس وعقّده بدوره إذ طلبه بين القافية
стр. 2937
وما يسبقها من كلمات البيت، بل لعله ظن ذلك لا يزال شيئا سهلا فطلب أن يكون بين أول كلمة فى البيت وبين القافية كقوله (١):
أشراك ذنبك والمهيمن غافر ... ما كان من خطأ سوى الإشراك
ومعنى أشراك: أغراك وأوقعك فى الإثم. ويكثر هذا الجناس المعقد فى لزوم ما لا يلزم أو فى اللزوميات، ولا يكتفى أبو العلاء بعقد الجناس واللفظ الغريب والروى المتعدد بل يطلب عقدا أخرى من ألفاظ الثقافات وما يتصل بها من اصطلاحات الفلسفة والعلوم الإسلامية وعلوم الأوائل من فلك وغير فلك وعلوم العربية من عروض وغير عروض مثل (٢):
بقائى الطويل وغيىّ البسيط ... وأصبحت مضطربا كالرّجز
والطويل والبسيط والرجز من بحور الشعر وأوزانه كما هو معروف، والرجز أكثرها اضطرابا لكثرة ما يجرى فيه من زحافات وعلل.
ولعل فى ذلك ما يوضح كيف أرسى أبو العلاء فى الشام مذهب التصنع والتعقيد الشديد وكيف رفعه على دعائم متينة لا فى قصيدة واحدة أو فى قصيدتين، بل فى ديوان كبير. وتبعه شعراء الشام لا ينظمون دواوين مثله يلتزمون فيها ما لا يلزم من اللوازم التى التزمها جميعا، ولكنهم يستخدمونها فى الحين بعد الحين كقول ابن حيّوس متغزلا (٣):
أو صاب جسمى من جناية بعدكم ... والصبر صبر بعدكم أوصاب
فقد جانس بين أول كلمة فى البيت وبين القافية المكونة من حرف العطف «أو» وكلمة صاب مثل كلمة صبر أى مرّ. وعلى هذه الشاكلة قول ابن عنين (٤):
خبّروها بأنه ما تصدّى ... لسلوّ عنها ولو مات صدّا
والجناس واضح بين آخر الشطر الأول والقافية، وهو فيها مكون من كلمتين. ويكثر ذلك عند شعراء العصر حتى نهايته زمن العثمانيين. ويقول الحموى فى خزانته: «كان الشيخ صلاح
стр. 2938
الدين الصفدى يستسمن ورمه ويظنه شحما فيشبع أفكاره منه ويملأ بطون دفاتره (شعرا ونثرا) ويأتى فيه بتراكيب تخفّ عندها جلاميد الصخور». ويسوق من هذه الجلاميد أمثلة لعل أخفها قول الصفدى (١).
وكم شمت لما قست مقدار ودّكم ... بوارق يأس فى بوار قياس
والجناس فى الشطر الثانى، وهو مركب من كلمتين يختلفان معنى وبناء كما هو واضح، وفيه غير قليل من الثقل فما بالنا بما وراءه من أمثلة ساقها الحموى للصفدى. ولا نعدم أن نجد بين الشعراء من يزرى على هذا التصنع الشديد لجناسات كأنها قطع الصخر كما يقول الحموى مما يجعلها تصك الآذان صكا عنيفا، ولعله لذلك حمل زين الدين بن الوردى معاصر الصفدى المتوفى سنة ٧٤٩ على من يجعل الجناس له مذهبا فى نظمه، يقول ناصحا شعراء عصره (٢):
إذا أحببت نظم الشعر فاختر ... لنظمك كلّ سهل ذى امتناع
ولا تقصد مجانسة ومكّن ... قوافيه وكله إلى الطّباع
وقليلون هم الذين استمعوا إلى نصحه إذ أصبح التصنع منذ زمن أبى العلاء فى القرنين الرابع والخامس ظاهرة عامة تشمل جمهور الشعراء إلا من ندر، ولهم فى ذلك كثير من الأفانين.
وينشد العماد الأصبهانى فى خريدته صورا كثيرة من هذه الأفانين، وخاصة عند ابن قسيم الحموى المتوفى سنة ٥٤١ وهو شاعر نور الدين وأبيه عماد الدين، وبدأ العماد بصورة معقدة من تصنعه فى القوافى إذ نظم أبياتا على خمس قواف، يقول فيها مادحا (٣):
قل للأمير أخى النّدى والنائل ... الهطّال للشعراء والقصّاد
لازلت تنتهك العدا بالذابل ... العّسال فى الاحشاء والأكباد
ووقيت من صرف الرّدى والنازل ... المغتال للأعداء والحسّاد
وواضح أنه يمكن أن تفصل الشطور الأولى من كل بيت وحدها وأن يضاف لكل منها الكلمة التالية أو الكلمتان أو الأربعة، ومع كل صورة يتكون بيت مستقل، وهى مهارة تصور قدرة على
стр. 2939
التصنع والتعقيد. وينشد العماد لابن قسيم مقطوعة طويلة تتوالى الكلمات فيها بحيث لا تخلو أولاها من صاد وثانيتها من سين أو العكس (١). ومما أنشده العماد فى خريدته من هذه الصور المتكلّفة قصيدة لشاعر من شعراء المعرة التزم فى كل كلمة من كلماتها أن لا تخلو من حرف النون (٢)، وأنشد لشاعر آخر من شعراء المعرة قطعة تقرأ على سبعة أوزان (٣). ولابن عنين حين ألم فى رحلته الكبيرة إلى المشرق بالفخر الرازى فى «هراة» قصيدتان (٤) فى مديحه تشتمل كل كلمة فى أولاهما على حرف السين كقوله فيها.
حسنت سريرته وقدّس سنخه ... وسما بأسلاف سراة شوس (٥)
بينما تشتمل كل كلمة فى ثانيتهما على حرف الحاء. وتعلق كثير من الشعراء فى العصر بصنع الألغاز والإجابة عنها، وأفرد كثيرون لها أبوابا فى دواوينهم على نحو ما يلقانا فى ديوان ابن عنين وأيضا فى ديوان مامية الرومى الدمشقى فى زمن العثمانيين. وظل غير شاعر يتصنع لما لا يلزم فى بعض مقطوعاته وقصائده وكان للصاحب عبد العزيز الأنصارى مجلد كبير فيه (٦).
٤ - شعراء المديح
يكثر شعراء المديح فى الشام منذ القرن الثانى الهجرى، وذكرنا أسماء نفر منهم فى غير هذا الموضع، وقد أهدت الشام فى القرن الثالث إلى الشعر العربى أكبر شاعرين مدّاحين فيه، وهما أبو تمام والبحترى. ويتكاثر شعراء المديح كثرة مفرطة فى أول هذا العصر: عصر الدول والإمارات بحلب زمن بطلها سيف الدولة الحمدانى الذى تحول بها إلى أكبر مركز علمى وفلسفى وأدبى، على نحو ما مرّ بنا، وغدت مقصد الأدباء وحلبة الشعراء، وجاءوها من كل بلد فى العراق وإيران فضلا عن الشام، وفى مقدمتهم المتنبى. وظل سيف الدولة نحو عشرين عاما يمزق جموع البيزنطيين ويستولى على كثير من الحصون والبلدان، والشعراء من حوله ينثرون عليه قصائدهم
стр. 2940
ومدائحهم بالعشرات-إن لم يكن بالمئات-مسجلين للبطل العربى مجده الحربى العظيم، وقد صورنا فى قسم العراق من هذا التاريخ للأدب العربى مدائح المتنبى فيه، ولن نستطيع أن نعرض هنا مدائح غيره من شعراء العراق مثل ابن نباتة وأبى الفرج الببغاء، فكتاب اليتيمة للثعالبى يحمل من مدائحها ومدائح غيرهما لسيف الدولة روائع بديعة. ويكفى أن نشير إلى من حفّوا به من شعراء الشام أمثال كشاجم والوأواء الدمشقى وأبى العباس أحمد بن محمد المصّيصىّ المشهور باسم النامى، وكان عند سيف الدولة يتلو أبا الطيب فى المنزلة والرتبة، وكان شاعرا بارعا، ومن قوله فيه بإحدى مدائحه (١):
أمير العلا إن العوالى كواسب ... علاءك فى الدّنيا وفى جنّة الخلد
يمرّ عليك الحول، سيفك فى الطّلا ... وطرفك ما بين الشّكيمة واللّبد (٢)
ويمضى عليك الدّهر، فعلك للعلا ... وقولك للتّقوى وكفّك للرّفد
فسيف الدولة دائما محارب يدق أعناق البيزنطيين بسيفه المسلول، ودائما ساهر شاكى السلاح وبصره مصوّب إلى فرسه الذى يعلك باستمرار شكيمته استعدادا للنزال. وما الإنسان إلا فعل وقول وفعل سيف الدولة دائما للعلا ومنازله الرفيعة وقوله للتقوى ومحافة الله، أما كفه فللعطاء والنوال السابغ.
وكان سيف الدولة-ومثله الحمدانيون عامة-من الشيعة الإمامية، مما جعل كثيرين من أهل حلب يعتنقون هذه النحلة، ومر بنا أن تفرعت عنها فرقة النّصيرية الشديدة الغلو لما تزعمه- كما مرّ بنا-من ألوهية على بن أبى طالب. ومكّن لانتشار التشيع فى الشام استيلاء الدولة الفاطمية على فلسطين ودمشق وكثير من بلدان سوريا منذ سنة ٣٥٩ ونرى نفرا من شعراء الشام ينزلون القاهرة معتنقين-على ما يبدو-لتلك النحلة ويتغنون بمديح الخليفة الفاطمى العزيز (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) ووزيره يعقوب بن كلّس وفى مقدمتهم أبو الرّقعمق أحمد بن محمد الأنطاكى، وله فى الخليفة ووزيره غير قصيدة، ومن قوله فى ابن كلّس بإحدى قصائده (٣):
لم يدع للعزيز فى سائر الأر ... ض عدوّا إلا وأخمد ناره
стр. 2941
كلّ يوم له على نوب الدّه ... ر وكرّ الخطوب بالبذل غاره
ولأبى العلاء المعرى ديوان معروف يسمى «سقط الزّند» أكثره مدائح نظمها على سبيل التمرين لا قصدا لمديح شخص بعينه إلا ما ندر، فهو لم ينظم كثرتها طلبا للكسب ونيل العطاء، وإنما على سبيل التدريب اتباعا لشعراء المديح المنتشرين بزمنه فى كل مكان، ومن قوله على طريقتهم فى المديح بأولى قصائد سقط الزند:
مكلّف خيله قنص الأعادى ... وجاعل غابه الأسل الطّوالا
تكاد قسيّه من غير رام ... تمكّن من قلوبهم النّبالا
فالخيل لكثرة ما جعلها الممدوح تمارس القتال تقتنص بنفسها الرجال. وإنه لأسد حقا غير أن عرينه ليس غابا بل رماحا طوالا تخطف الأرواح خطفا، وإن قسيّه لتصيب أعداءه فى الصميم دون رام ينزع عنها النبل والسهام، وهى مبالغة مألوفة عند أصحاب المديح لأيامه.
ومرّ بنا أن بنى مرداس خلفوا الحمدانيين فى حلب، وعنى منهم خاصة محمود بن نصر بجمع الشعراء حوله فاجتمع فى حاشيته كثيرون منهم عبد الواحد الحلبى الربعى وابن حيّوس الدمشقى وابن النحاس الحلبى وابن سنان الخفاجى. وحدث أن قطبان أنطاكية أو بطريقها استولى فى شعبان سنة ٤٦١ على حصن «أسفونا» ونكّل تنكيلا شديدا بأهله، فحاصره محمود بن نصر وفتك بجميع رجاله، وكانوا نحو ألفين، وردّ محمود الحصن على أهله، وهنّأه ابن سنان الخفاجى بهذا النصر المبين قائلا فى إحدى قصائده (١).
إن أظهرت لعلاك أنطاكيّة ... حزنا فقد ضحكت على قطبانها
لما أطلّ له لواؤك خافقا ... عرفت وجوه الذّلّ فى صلبانها
وحين زار حلب نظام الملك وزير ألب أرسلان السلجوقى قدّم له كثيرون من شعرائها مدائحهم، وكان وافر العقل بصيرا بتدبير الملك سيوسا بعيد النظر، فساس الدولة السلجوقية خير سياسة، وهو مؤسس المدارس أو الجامعات النظامية فى العراق وإيران، وله يقول محمد بن أحمد الشطرنجى الحلبى من مدحة طويلة على أبواب حلب (٢)
стр. 2942
يا خير من خفقت عليه راية ... وأجلّ معقود عليه لواء
لك كلّ يوم منّة سيّارة ... فى الخافقين وغارة شعواء
وذكرنا-فيما أسلفنا-أن بنى عمار استطاعوا أن يكوّنوا لهم فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى إمارة بطرابلس، وكانوا يقرّبون منهم الشعراء ويجزلون لهم فى العطاء، وذكر العماد الأصبهانى فى الخريدة نفرا من شعرائهم فى مقدمتهم ابن العلاّنى المعرى، وله من مدحة فى عمار بن محمد بن عمار: آخر أمرائهم (١):
يحتاطك التوفيق لا يألوك فى ... تسهيله لك كلّ صعب أوعر
دامت لك النعماء موصول بها ... توفيق منصور اللواء مظفّر
وسقطت من يده طرابلس فى حجر الصليبيين، وكانت لذلك مناحة كبيرة بين المسلمين.
وكان ابن العلانى-فيما يبدو-شيعيا، ولعله لذلك رحل إلى القاهرة وقدّم مدائحه إلى الوزير الأفضل بن بدر الجمالى، وله يقول فى إحدى مدائحه (٢):
ليزدد علوّا ملك مصر فإنها ... به حرم الله العزيز المحرّم
فمكة مصر، والحجيج وفوده ... ويمناه ركن البيت، والنّيل زمزم
ومن كبار الشعراء الذين نشأوا فى حجر بنى عمار واستظلوا بما أحدثوا فى طرابلس من حركة أدبية الشاعر الدمشقى ابن الخياط وسنخصه بترجمة مستقلة.
وأمراء حصن شيرز: بنو مقلّد بن منقذ على شاكلة بنى عمار فى طرابلس يتردد مديحهم على ألسنة الشعراء منذ استخلص على بن مقلد بن منقذ «شيزر» من أيدى الروم سنة ٤٧٤ وظلت أسرته تحكمها حتى أتى عليها زلزال شديد سنة ٥٥٢ هدمها من قواعدها وأهلك سكانها. وتغنى الشعراء طويلا باسم محررها فى القرن الخامس على بن منقذ وبخلفائه فى حكمها، كما نجد عند ابن منير والقيسرانى.
ويلقانا فى أواخر القرن الخامس والربع الأول من القرن السادس شاعر فلسطينى هو الغزّى إبراهيم بن يحيى المتوفى سنة ٥٢٤ وقد ترك غزة مسقط رأسه مبكرا إلى دمشق يختلف الى شيوخها، ثم رحل إلى بغداد وظل بالمدرسة النظامية فترة طويلة مدح فيها ورثى كثيرين من علمائها، ثم تركها
стр. 2943
إلى كرمان وشيراز فى فارس وهراة فى أفغانستان وكلما ألم ببلد مدح أمراءها ووزراءها حتى وفاته فهو شاعر جوّال، وله أشعار كثيرة رائعة فى المديح وغير المديح، وله فى ابن مكرم وزير كرمان مدائح بديعة من مثل قوله (١):
ما دعوناه من بنى الدّهر إلا ... أهّل الدّهر نفسه للتّهانى
جمع الأسد والكواكب والأب ... حر والناس منه فى إنسان
واستجابت له مناقب شتّى ... لم تجل فى خواطر الإمكان
ويتنبه البطل المغوار أتابك الموصل عماد الدين زنكى منذ أوائل العقد الثالث من القرن السادس الهجرى إلى أن تخاذل المسلمين أمام حملة الصليب مرجعه إلى تفرق البلدان الإسلامية المجاورة لهم وأنه لا بد من جمع كلمتها تحت لواء واحد. ويستولى على حلب وبعض بلدان سوريا الشمالية، وما توافى سنة ٥٣٤ للهجرة حتى يسوق إلى الصليبيين جيشا جرارا بقيادته، وينازلهم بالقرب من حماة ويعصف بجموعهم، ويستولى على حصن بارين بين حماة وحلب. وكأنما استيقظ الشعر حينئذ من سباته الطويل. ويتبارى الشعراء فى مديحه والإشادة بانتصاره، وفى مقدمتهم ابن منير والقيسرانى. ولم يلبث فى سنة ٥٣٩ أن فتح مدينة الرّها مزيلا منها جوسلين ودولته الصليبية إلى غير رجعة، وهلل الشعراء فى كل مكان لهذا الفتح المبين، وفيه يقول ابن منير (٢):
فتح أعاد على الإسلام بهجته ... فافترّ مبسمه واهتزّ عطفاه
أين الخلائف عن فتح أتيح له ... مظلّل أفق الدنيا جناحاه
ومضى ابن منير فى القصيدة يعلى-بحق-هذا الفتح على فتح المعتصم لعمّورية أكبر مدن آسيا الصغرى فى زمنه، فقد قضى زنكى على المملكة الرابعة لحملة الصليب، وكانوا قد أسسوها شمالى العراق. وبدا حينئذ-فى الأفق-أمل كبير فى أن ممالكهم التى أسسوها فى أنطاكية وطرابلس وبيت المقدس لا بد أن تسقط فى أيدى المسلمين مهما طال الزمن.
وامتدت إلى عماد الدين سنة ٥٤١ يد آثمة فى الظلام ففتكت بالبطل الباسل، وحمل الراية بعده ابنه نور الدين ومضى يجاهد الصليبيين، وغرّت الأمانى جوسلين فعاد إلى الرّها، واستردها
стр. 2944
سريعا نور الدين وفرّ جوسلين، وهنّأه الشعراء بهذا الفتح المبين، وفى مقدمتهم ابن قسيم الحموى بمثل قوله (١):
تبدو الشجاعة من طلاقة وجهه ... كالرمح دلّ على القساوة لينه
والدين يشهد إنه لمعزّه ... والشّرك يعلم إنه لمهينه
فتح الرّها بالأمس فانفتحت له ... أبواب ملك لا يذال مصونه (٢)
وولّى نور الدين وجهه نحو سوريا فاستولى من حملة الصليب على حصن أرتاح سنة ٥٤٤.
ونازل صاحب أنطاكية وجموعه؛ وخرّ صريعا بيد أسد الدين شيركوه وفرّت جموع الصليبيين مهزومة مدحورة. وعاد نور الدين إلى حلب، والشعراء يهللون بمثل قول ابن منير فى مطلع قصيدة له (٣).
أقوى الضلال وأقفرت عرصاته ... وعلا الهدى وتبلّجت قسماته
وظلت أيام نور الدين محمود أعياد نصر على حملة الصليب، وظل الشعراء يدبجون فيه مدائح رائعة، وقد استولى من الصليبيين على أفامية سنة ٥٤٥ واستولى من بيت طغتكين على مدينة دمشق سنة ٥٤٩ ويهنئه عالمها وحافظها ابن عساكر قائلا (٤).
لقد بلغت بحمد الله منزلة ... عليّة فاقصد العالى من القرب
وطهّر المسجد الأقصى وحوزته ... من النّجاسات والإشراك والصّلب
وفى نفس السنة يهزم الصليبيين بدلوك من ثغور حلب، ويتنازل له حملة الصليب فى أنطاكية عن نصف أعمال حارم. واستولى على شيزر وبعلبك وصرخد، وشغل بإرسال نور الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين إلى مصر سنة ٥٥٨ وتطورت الظروف وتملك صلاح الدين مصر. ونور الدين محمود يعدّ بحق منشئ الدولة الأيوبية. ولم يلبث فى سنة ٥٥٩ أن استولى على مدينة حارم، وأخذت حصون كثيرة تتساقط فى يده، ويتغنى بانتصاراته الرائعة العماد الأصبهانى قائلا فى مطالع إحدى قصائده (٥)
стр. 2945
يا واحدا فى النّصر غير مشارك ... أقسمت مالك فى البسيطة ثان
كم وقعة لك فى الفرنج حديثها ... قد سار فى الآفاق والبلدان
وجعلت فى أعناقهم أغلالهم ... وسحبتهم هونا على الأذقان
ويحمل الراية بعد نور الدين فى منازلة حملة الصليب البطل المظفر صلاح الدين مؤسس الدولة الأيوبية، وفتوحه العظيمة مصوّرة فى الجزء الخاص بمصر، وما وافت سنة ٥٨٣ حتى تمت له هذه الفتوح بعد وقعة حطين المباركة التى استولى بعدها على بيت المقدس أهم مملكة كانت لحملة الصليب كما استولى على كثير من الحصون على الساحل الشامى، ولم يبق فى الشام ولا فى الموصل والعراق شاعر إلا وتغنى بفتوح هذا البطل الباسل، تغنى بها سبط بن التعاويذى البغدادى وموفق الدين الإربلىّ والشاتالى الموصلى وابن الساعاتى الدمشقى وله مدائح كثيرة متناثرة فى كتاب الخريدة، وللعماد فى هذه الفتوح قصيدة رائعة أنشدنا منها قطعة فى الجزء الخاص بمصر، ولابن الشحنة الموصلى فيه مدحة طارت شهرتها لقوله فيها هذين البيتين السائرين (١):
وإنى امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وقالت لى الآمال إن كنت لا حقا ... بأبناء أيوب فأنت الموفّق
ودار الزمن ودانت مصر والشام-بعد صلاح الدين-لأخيه العادل، ولابن عنين الدمشقى فيه وفى ولديه المعظم عيسى والأشرف موسى مدائح مختلفة. وبينها رائية بديعة فى العادل يستعطفه بها فى العودة إلى دمشق وكان صلاح الدين نفاه منها لكثرة أهاجيه فى أهلها، وأذن له العادل فى العودة، وفيها يقول (٢):
العادل الملك الذى أسماؤه ... فى كل ناحية تشرّف منبرا
نسخت خلائقه الكريمة ما أتى ... فى الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
ملك إذا خفّت حلوم ذوى النّهى ... فى الرّوع زاد رزانة وتوقرّا
ومعروف أن آل أيوب توزعوا فيما بينهم بلدان الشام، وكان لكل منهم شاعره الذى يتغنى بمناقبه وأعماله، ونذكر من بينهم نور الدين مودود شحنة دمشق ابن أخى صلاح الدين لأمه،