← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

كلّ يوم له على نوب الدّه ... ر وكرّ الخطوب بالبذل غاره ولأبى العلاء المعرى ديوان معروف يسمى «سقط الزّند» أكثره مدائح نظمها على سبيل التمرين لا قصدا لمديح شخص بعينه إلا ما ندر، فهو لم ينظم كثرتها طلبا للكسب ونيل العطاء، وإنما على سبيل التدريب اتباعا لشعراء المديح المنتشرين بزمنه فى كل مكان، ومن قوله على طريقتهم فى المديح بأولى قصائد سقط الزند: مكلّف خيله قنص الأعادى ... وجاعل غابه الأسل الطّوالا تكاد قسيّه من غير رام ... تمكّن من قلوبهم النّبالا فالخيل لكثرة ما جعلها الممدوح تمارس القتال تقتنص بنفسها الرجال. وإنه لأسد حقا غير أن عرينه ليس غابا بل رماحا طوالا تخطف الأرواح خطفا، وإن قسيّه لتصيب أعداءه فى الصميم دون رام ينزع عنها النبل والسهام، وهى مبالغة مألوفة عند أصحاب المديح لأيامه. ومرّ بنا أن بنى مرداس خلفوا الحمدانيين فى حلب، وعنى منهم خاصة محمود بن نصر بجمع الشعراء حوله فاجتمع فى حاشيته كثيرون منهم عبد الواحد الحلبى الربعى وابن حيّوس الدمشقى وابن النحاس الحلبى وابن سنان الخفاجى. وحدث أن قطبان أنطاكية أو بطريقها استولى فى شعبان سنة ٤٦١ على حصن «أسفونا» ونكّل تنكيلا شديدا بأهله، فحاصره محمود بن نصر وفتك بجميع رجاله، وكانوا نحو ألفين، وردّ محمود الحصن على أهله، وهنّأه ابن سنان الخفاجى بهذا النصر المبين قائلا فى إحدى قصائده (١). إن أظهرت لعلاك أنطاكيّة ... حزنا فقد ضحكت على قطبانها لما أطلّ له لواؤك خافقا ... عرفت وجوه الذّلّ فى صلبانها وحين زار حلب نظام الملك وزير ألب أرسلان السلجوقى قدّم له كثيرون من شعرائها مدائحهم، وكان وافر العقل بصيرا بتدبير الملك سيوسا بعيد النظر، فساس الدولة السلجوقية خير سياسة، وهو مؤسس المدارس أو الجامعات النظامية فى العراق وإيران، وله يقول محمد بن أحمد الشطرنجى الحلبى من مدحة طويلة على أبواب حلب (٢)

стр. 2942

يا خير من خفقت عليه راية ... وأجلّ معقود عليه لواء لك كلّ يوم منّة سيّارة ... فى الخافقين وغارة شعواء وذكرنا-فيما أسلفنا-أن بنى عمار استطاعوا أن يكوّنوا لهم فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى إمارة بطرابلس، وكانوا يقرّبون منهم الشعراء ويجزلون لهم فى العطاء، وذكر العماد الأصبهانى فى الخريدة نفرا من شعرائهم فى مقدمتهم ابن العلاّنى المعرى، وله من مدحة فى عمار بن محمد بن عمار: آخر أمرائهم (١): يحتاطك التوفيق لا يألوك فى ... تسهيله لك كلّ صعب أوعر دامت لك النعماء موصول بها ... توفيق منصور اللواء مظفّر وسقطت من يده طرابلس فى حجر الصليبيين، وكانت لذلك مناحة كبيرة بين المسلمين. وكان ابن العلانى-فيما يبدو-شيعيا، ولعله لذلك رحل إلى القاهرة وقدّم مدائحه إلى الوزير الأفضل بن بدر الجمالى، وله يقول فى إحدى مدائحه (٢): ليزدد علوّا ملك مصر فإنها ... به حرم الله العزيز المحرّم فمكة مصر، والحجيج وفوده ... ويمناه ركن البيت، والنّيل زمزم ومن كبار الشعراء الذين نشأوا فى حجر بنى عمار واستظلوا بما أحدثوا فى طرابلس من حركة أدبية الشاعر الدمشقى ابن الخياط وسنخصه بترجمة مستقلة. وأمراء حصن شيرز: بنو مقلّد بن منقذ على شاكلة بنى عمار فى طرابلس يتردد مديحهم على ألسنة الشعراء منذ استخلص على بن مقلد بن منقذ «شيزر» من أيدى الروم سنة ٤٧٤ وظلت أسرته تحكمها حتى أتى عليها زلزال شديد سنة ٥٥٢ هدمها من قواعدها وأهلك سكانها. وتغنى الشعراء طويلا باسم محررها فى القرن الخامس على بن منقذ وبخلفائه فى حكمها، كما نجد عند ابن منير والقيسرانى. ويلقانا فى أواخر القرن الخامس والربع الأول من القرن السادس شاعر فلسطينى هو الغزّى إبراهيم بن يحيى المتوفى سنة ٥٢٤ وقد ترك غزة مسقط رأسه مبكرا إلى دمشق يختلف الى شيوخها، ثم رحل إلى بغداد وظل بالمدرسة النظامية فترة طويلة مدح فيها ورثى كثيرين من علمائها، ثم تركها

стр. 2943

إلى كرمان وشيراز فى فارس وهراة فى أفغانستان وكلما ألم ببلد مدح أمراءها ووزراءها حتى وفاته فهو شاعر جوّال، وله أشعار كثيرة رائعة فى المديح وغير المديح، وله فى ابن مكرم وزير كرمان مدائح بديعة من مثل قوله (١): ما دعوناه من بنى الدّهر إلا ... أهّل الدّهر نفسه للتّهانى جمع الأسد والكواكب والأب ... حر والناس منه فى إنسان واستجابت له مناقب شتّى ... لم تجل فى خواطر الإمكان ويتنبه البطل المغوار أتابك الموصل عماد الدين زنكى منذ أوائل العقد الثالث من القرن السادس الهجرى إلى أن تخاذل المسلمين أمام حملة الصليب مرجعه إلى تفرق البلدان الإسلامية المجاورة لهم وأنه لا بد من جمع كلمتها تحت لواء واحد. ويستولى على حلب وبعض بلدان سوريا الشمالية، وما توافى سنة ٥٣٤ للهجرة حتى يسوق إلى الصليبيين جيشا جرارا بقيادته، وينازلهم بالقرب من حماة ويعصف بجموعهم، ويستولى على حصن بارين بين حماة وحلب. وكأنما استيقظ الشعر حينئذ من سباته الطويل. ويتبارى الشعراء فى مديحه والإشادة بانتصاره، وفى مقدمتهم ابن منير والقيسرانى. ولم يلبث فى سنة ٥٣٩ أن فتح مدينة الرّها مزيلا منها جوسلين ودولته الصليبية إلى غير رجعة، وهلل الشعراء فى كل مكان لهذا الفتح المبين، وفيه يقول ابن منير (٢): فتح أعاد على الإسلام بهجته ... فافترّ مبسمه واهتزّ عطفاه أين الخلائف عن فتح أتيح له ... مظلّل أفق الدنيا جناحاه ومضى ابن منير فى القصيدة يعلى-بحق-هذا الفتح على فتح المعتصم لعمّورية أكبر مدن آسيا الصغرى فى زمنه، فقد قضى زنكى على المملكة الرابعة لحملة الصليب، وكانوا قد أسسوها شمالى العراق. وبدا حينئذ-فى الأفق-أمل كبير فى أن ممالكهم التى أسسوها فى أنطاكية وطرابلس وبيت المقدس لا بد أن تسقط فى أيدى المسلمين مهما طال الزمن. وامتدت إلى عماد الدين سنة ٥٤١ يد آثمة فى الظلام ففتكت بالبطل الباسل، وحمل الراية بعده ابنه نور الدين ومضى يجاهد الصليبيين، وغرّت الأمانى جوسلين فعاد إلى الرّها، واستردها

стр. 2944

سريعا نور الدين وفرّ جوسلين، وهنّأه الشعراء بهذا الفتح المبين، وفى مقدمتهم ابن قسيم الحموى بمثل قوله (١): تبدو الشجاعة من طلاقة وجهه ... كالرمح دلّ على القساوة لينه والدين يشهد إنه لمعزّه ... والشّرك يعلم إنه لمهينه فتح الرّها بالأمس فانفتحت له ... أبواب ملك لا يذال مصونه (٢) وولّى نور الدين وجهه نحو سوريا فاستولى من حملة الصليب على حصن أرتاح سنة ٥٤٤. ونازل صاحب أنطاكية وجموعه؛ وخرّ صريعا بيد أسد الدين شيركوه وفرّت جموع الصليبيين مهزومة مدحورة. وعاد نور الدين إلى حلب، والشعراء يهللون بمثل قول ابن منير فى مطلع قصيدة له (٣). أقوى الضلال وأقفرت عرصاته ... وعلا الهدى وتبلّجت قسماته وظلت أيام نور الدين محمود أعياد نصر على حملة الصليب، وظل الشعراء يدبجون فيه مدائح رائعة، وقد استولى من الصليبيين على أفامية سنة ٥٤٥ واستولى من بيت طغتكين على مدينة دمشق سنة ٥٤٩ ويهنئه عالمها وحافظها ابن عساكر قائلا (٤). لقد بلغت بحمد الله منزلة ... عليّة فاقصد العالى من القرب وطهّر المسجد الأقصى وحوزته ... من النّجاسات والإشراك والصّلب وفى نفس السنة يهزم الصليبيين بدلوك من ثغور حلب، ويتنازل له حملة الصليب فى أنطاكية عن نصف أعمال حارم. واستولى على شيزر وبعلبك وصرخد، وشغل بإرسال نور الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين إلى مصر سنة ٥٥٨ وتطورت الظروف وتملك صلاح الدين مصر. ونور الدين محمود يعدّ بحق منشئ الدولة الأيوبية. ولم يلبث فى سنة ٥٥٩ أن استولى على مدينة حارم، وأخذت حصون كثيرة تتساقط فى يده، ويتغنى بانتصاراته الرائعة العماد الأصبهانى قائلا فى مطالع إحدى قصائده (٥)

стр. 2945

يا واحدا فى النّصر غير مشارك ... أقسمت مالك فى البسيطة ثان كم وقعة لك فى الفرنج حديثها ... قد سار فى الآفاق والبلدان وجعلت فى أعناقهم أغلالهم ... وسحبتهم هونا على الأذقان ويحمل الراية بعد نور الدين فى منازلة حملة الصليب البطل المظفر صلاح الدين مؤسس الدولة الأيوبية، وفتوحه العظيمة مصوّرة فى الجزء الخاص بمصر، وما وافت سنة ٥٨٣ حتى تمت له هذه الفتوح بعد وقعة حطين المباركة التى استولى بعدها على بيت المقدس أهم مملكة كانت لحملة الصليب كما استولى على كثير من الحصون على الساحل الشامى، ولم يبق فى الشام ولا فى الموصل والعراق شاعر إلا وتغنى بفتوح هذا البطل الباسل، تغنى بها سبط بن التعاويذى البغدادى وموفق الدين الإربلىّ والشاتالى الموصلى وابن الساعاتى الدمشقى وله مدائح كثيرة متناثرة فى كتاب الخريدة، وللعماد فى هذه الفتوح قصيدة رائعة أنشدنا منها قطعة فى الجزء الخاص بمصر، ولابن الشحنة الموصلى فيه مدحة طارت شهرتها لقوله فيها هذين البيتين السائرين (١): وإنى امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق وقالت لى الآمال إن كنت لا حقا ... بأبناء أيوب فأنت الموفّق ودار الزمن ودانت مصر والشام-بعد صلاح الدين-لأخيه العادل، ولابن عنين الدمشقى فيه وفى ولديه المعظم عيسى والأشرف موسى مدائح مختلفة. وبينها رائية بديعة فى العادل يستعطفه بها فى العودة إلى دمشق وكان صلاح الدين نفاه منها لكثرة أهاجيه فى أهلها، وأذن له العادل فى العودة، وفيها يقول (٢): العادل الملك الذى أسماؤه ... فى كل ناحية تشرّف منبرا نسخت خلائقه الكريمة ما أتى ... فى الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا ملك إذا خفّت حلوم ذوى النّهى ... فى الرّوع زاد رزانة وتوقرّا ومعروف أن آل أيوب توزعوا فيما بينهم بلدان الشام، وكان لكل منهم شاعره الذى يتغنى بمناقبه وأعماله، ونذكر من بينهم نور الدين مودود شحنة دمشق ابن أخى صلاح الدين لأمه،

стр. 2946

وهو ممدوح فتيان الشاغورى دبّج فيه مدائح كثيرة. وحرى بنا أن نذكر ملوك حماة الأيوبيين، وكانوا ممدّحين. وممن أسبغ عليهم مدائحه الصاحب شرف الدين عبد العزيز الأنصارى، وله فى صاحبها المظفر محمود (٦٢٦ - ٦٤٢ هـ) وابنه المنصور سيف الدين محمد (٦٤٢ - ٦٨٣ هـ) مدائح كثيرة، وكان للثانى موقف محمود حين أحس بأن التتار سيغزون الشام إذ التجأ بأسرته إلى مصر حتى إذا التحم القتال بين المصريين والتتار فى عين جالوت كان فى مقدمة المحاربين البسلاء، ونوّه الصاحب الأنصارى بهذا الموقف الشجاع طويلا بمثل قوله (١): بعين جالوت خضت بحر وغى ... يخال فلكا بالأسد مشحونا وكنت للجيش غرّة شدخت ... أنوفهم فانثنوا مولّينا وطوال أيام المماليك كان يرتفع صوت الشعر للتنويه بأعمالهم. وكان لانتصاراتهم على التتار أو المغول بعد موقعة عين جالوت حظ كبير من الشعر، ومرّ بنا فى قسم مصر أن الظاهر بيبرس كان دائما يتعقبهم فى الموصل وعلى شواطئ الفرات وسمع بحشود لهم على شاطئه الشرق فخاض إليها لججه وخاضها جيشه معه ومزقهم شر ممزّق، وفى هذه الغزوة يقول الموفق عبد الله الأنصارى الدمشقى (٢). الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه بالأموال والأهل اقتحم الماء ليطفى به ... حرارة القلب من المغل ولم يستول الظاهر بيبرس ولا قلاوون ولا الأشرف خليل على حصن أو بلد من حملة الصليب إلا وجلجل الشعر، حتى إذا أنهى الأشرف خليل الحروب الصليبية باستيلائه على عكا آخر حصونهم أخذ شعر المديح فى الشام يتحوّل إلى شعر مناسبات لمديح الحكام حين يستولون على أزمة الأمور أو حين تمر بهم بعض الأعياد أو بعض الأحداث. ويظل الشعراء أيام العثمانيين يقدمون مدائحهم للحكام، وكان شعراء الشام حينئذ قريبين من إستامبول وكانوا لا يزالون غادين عليها رائحين، مما جعلهم يكثرون من مديح سلاطينهم، على نحو

стр. 2947

ما يلقانا فى ديوان مامية الرومى المتوفى سنة ٩٨٧ ومديحه فيه للسلاطين سليمان وسليم الثانى ومراد الثانى. ويكثر حينئذ مدح العلماء وأعيان البلدان فضلا عن حكامها، وأخذ الشعراء يكثرون مثل المصريين من التاريخ بالشعر يؤرخون قدوم حاكم أو مناسبة من المناسبات يجعلون ذلك فى آخر شطر بالمدحة إذ تحسب حروف الكلمات فيه بحساب الجمّل، فيكون المجموع سنة الولاية للحاكم أو سنة المناسبة. وجدير بنا أن نعرض نفرا من شعراء المديح النابهين. ابن الخياط (١) هو أبو عبد الله أحمد بن محمد التغلبى نسبة إلى قبيلة تغلب المولود بدمشق سنة ٤٥٠ لخياط اشتهر بنسبته إليه، فهو من أبناء عامة الشعب الدمشقى. ودائما يلقانا فى كل البلدان العربية شعراء من أولاد العامة، لأن الثقافة العربية الإسلامية كانت مناهلها مفتوحة الأبواب دائما، إذ كان الشيوخ فى المساجد يعرضونها على الناس جميعا شبانا وشيبا، وكانت المساجد أو الجوامع الكبرى تشتمل على مكتبات غاصة بالكتب فى كل علم وكل فن وكذلك بدواوين الشعراء، مما أتاح للشباب فى كل بلد عربى أن يتزود بماشاء من الثقافة علمية وأدبية وأن ينبغ بينهم علماء وأدباء وشعراء لا حصر لهم. وشهد ابن الخياط فى صباه دمشق ثائرة على حكم بدر الجمالى، حتى لقد أشعل أهلها النار فى قصره سنة ٤٦٠ وسرت النار إلى الجامع فسقطت سقوفه وتناثرت فصوصه المذهبة، ونهبت الدور والدكاكين، وظل هذا الاضطراب سائدا فى دمشق وأخذ السلاجقة يحاصرونها ابتغاء الاستيلاء عليها حتى تم لهم ذلك سنة ٤٦٨ وتملكها تتش أخو السلطان ألب أرسلان. ومعنى ذلك أن الحياة كانت سيئة سوءا شديدا بدمشق منذ سنة ٤٦٠ حتى نزلها تتش مما جعل كثير من أهلها يهاجرون منها إلى بلدان الشام الأخرى. وكان ممن هاجر منها فى هذه الأثناء ابن الخياط وكان لا يزال فى بواكير شبابه، وولّى وجهه نحو حماة، ووفد على أمير بها يسمى محمد بن مالك فقربه منه واتخذه كاتبا له، فعرف باسم ابن الخياط الكاتب، وفيه يقول: حبانى جوده عيشا كأنّى ... ظفرت به من الدّهر استراقا

стр. 2948

وكان شاعر بلدته ابن حيّوس حين اضطربت الأحوال فى دمشق سنة ٤٦٤ تركها إلى حلب وعاش بها فى كنف بنى مرداس، فرأى أن يتبعه هناك، ولقيه ابن حيوس لقاء حسنا ومنحه ثيابا ودنانير مع تنويهه بشعره. وأوصاه أن يفد على بنى عمار أصحاب طرابلس لرعايتهم الشعر والشعراء، إذ سيجد عندهم مبتغاه. غير أنه عاد إلى حماة، وكان كلما ألم بها أمير من أمراء بلدان الشام مدحه على نحو ما يلاحظ من مدحه للأمير الحلبى وثاب بن محمود بن صالح وله يقول: لقد لبست بك الدّنيا جمالا ... فلو كانت يدا كنت السّوارا ويبدو أنه مرّ بحماة على بن مقلّد بن منقذ بعد استيلائه على حصن شيزر، فاتصل به الشاعر ومدحه ومدح معه أسرته وما اشتهروا به من بسالة وما أتاحوا لحصنهم الأشم من مناعة، وفى ذلك يقول: هم غادروا بالعزّ حصباء أرضهم ... أعزّ منالا من نجوم الغياهب ونرى ابن الخياط فى سنة ٤٧٦ يأخذ بنصيحة مواطنه الشاعر الكبير ابن حيّوس، فينزل طرابلس قاصدا بنى عمار ويستقبلونه استقبالا حافلا، وكان يحكمها حينئذ منهم جلال الملك أبو الحسن على بن محمد بن عمار (٤٦٤ - ٤٩٤ هـ) وله فيه مدائح رائعة، وربما كانت أولاها داليته، وفيها نحسّ فرحته بلقائه من مثل قوله: كفى بندى جلال الملك غيثا ... إذا نزحت قرارة كلّ واد فمن ذا مبلغ الأملاك عنا ... وسوّاس الحواضر والبوادى بأنّا قد سكنّا ظلّ ملك ... مخوف البأس مرجوّ الأيادى فما نخشى محاربة الليالى ... ولا نرجو مسالمة الأعادى وهنئ بمقامه فى ظل بنى عمار بطرابلس، وصحب فيها طائفة من الأدباء كانوا يخرجون للمتنزهات وينعمون بمشاهدها الطبيعية البديعة. ومن حين إلى آخر كان يمدح جلال الملك فى المناسبات كمرور الأعياد. وله فى أخيه فخر الملك قصائد لا تقل روعة عن قصائده فيه، ومن قوله فى إحداها: أأرتجى غير عمّار لنائبة ... إذن فلا آمنتنى كفّه النّوبا

стр. 2949

المانع الجار لو شاء الزمان له ... منعا لضاق به ذرعا وإن رحبا الباذل المال مسئولا ومبتدئا ... والصّائن المجد موروثا ومكتسبا وظل فى طرابلس حتى سنة ٤٨٦ وفيها احترفت داره واحترق كل ما كان بها من أثاث، فحزن حزنا شديدا. وعبث بابن الخياط الحنين إلى دمشق مسقط رأسه وموطن خلاّنه بها أيام الشباب، فعاد إليها وكان ملكها حينئذ تتش السلجوقى وقربه منه وزيره هبة الله بن بديع الأصبهانى، واصطحبه معه إلى «الرىّ» بفارس وهناك أنشده مدحة فيه، ورحل إلى خراسان، ولم يلبث أن عاد إلى دمشق سنة ٤٨٧ وامتدح أمير قبيلة بنى كلب حسان بن مسمار بقصيدتين، وفتح له أمير الجيش عضب الدولة آبق أبوابه فمدحه بقصيدة بائية ربما كانت أروع قصائده، وتوالت مدائحه فيه حتى توفى سنة ٥٠٢ ومن قوله فى البائية: وما آبق إلا حيا متهلّل ... إذا جاد لم تقلع مواطر سحبه أغرّ غياث للأنام وعصمة ... يعاش بنعماه ويحمى بذبّه ولم ير يوما راجيا غير سيفه ... ولم ير يوما خائفا غير ربّه حبيت حياء فى سماح كأنه ... ربيع يزين النّور ناضر عشبه والقصيدة رائعة حقا، نوه بها القدماء طويلا كما نوهوا بغزلها وسننشد منه قطعة فى حديثنا عن شعراء الغزل. وكان الصليبيون قد استولوا على بيت المقدس سنة ٤٩٢ وأخذوا بعد ذلك عدة بلدان على الساحل الشامى فى السنوات التالية وكثرت الشكايات منهم، وواقعهم طغتكين صاحب دمشق على سواد طبريّة سنة ٤٩٩ وفى السنة التالية حاصر بلدوين صاحب القدس صيداء، وفى ديوان ابن الخياط قصيدة يحض فيها عصب الدولة أمير الجيش فى دمشق على منازلة الصليبيين، وفيها يقول مستنفرا الدمشقيين للجهاد: لقد جاش من أرض إفرنجة ... جيوش كمثل جبال تردّى ؟ ؟ ؟ أتوما على مثل هدّ الصّفاة ... وهزلا وقد أصبح الأمر جدّا وكم من فتاة بهم أصبحت ... تدقّ من الخوف نحرا وخدّا

стр. 2950

فحاموا على دينكم والحريم ... محاماة من لا يرى الموت فقدا فقد أينعت أرؤس المشركين ... فلا تعفلوها قطافا وحصدا وله وراء هذه القصيدة مرثية لبطل استشهد فى حرب حملة الصليب سننشد منها قطعة فى الحديث عن شعراء الرثاء والشكوى أنشدها كالقصيدة السالفة عضب الدولة المتوفى-كما مرّ بنا- سنة ٥٠٢. ولا نجد له وراء هاتين القصيدتين شعرا حماسيّا ضد حملة الصليب مع أنه عاش حتى سنة ٥١٧ مما يجعلنا نظن ظنا أن شعراء الشام فى الربع الأول من القرن السادس على الأقل قصّروا فى استثارة الأمة ضد حملة الصليب حينئذ. وله فى هذه الفترة التى عاشها بعد عضب الدولة مدائح فى بعض الرؤساء والوزراء ورجال الشرطة الدمشقيين وغيرهم من الأعيان والقواد، وآخر قصيدة له نظمها فى مرضه الأخير يسترفد ابن القلانسى المؤرخ، وفيها يثنى على أدبه وكتابته بمثل قوله. له فقر لو تجسّدن لم ... يفضّلن إلا بهنّ العقود فيظلمن إن قيل نور نضير ... ويبخسن إن قيل درّ نضيد ويبدو من شعره أنه كانت له مجالس مع بعض الأدباء يتنادمون فيها على الشراب ويسترسلون فى اللهو والطرب بسماع بعض المغنين، كما كانت له نزه كثيرة فى الغوطة وبساتينها، ويبدو أنه كان يولع بلعب النّرد مع بعض رفاقه، وله فيه قصيدة بديعة بديوانه، رواها العماد الأصبهانى فى خريدته. وواضح أن شاعرية ابن الخياط كانت شاعرية خصبة كما يتضح من طول قصائده ومن لغتها الجزلة الناصعة دون تكلف للغرابة أو ما يشبه الغرابة، ومع جمال الموسيقى والجرس الصوتى وأنغامه، ومع تصاويره المبتكرة الفذة. ابن (١) القيسرانى هو أبو عبد الله محمد بن نصر، من سلالة خالد بن الوليد البطل العظيم، ولد بعكا سنة ٤٧٨

стр. 2951

وانتقل به أبوه وهو فى صباه إلى قيسارية (١)، فنسب إليها وقيل ابن القيسرانى إذ نشأ بها، ويبدو أنه هاجر منها مبكرا بعد استيلاء حملة الصليب عليها سنة ٤٩٤ وأبعد فى هجرته إلى الشمال إذ نزل حلب، وأقام فيها طويلا ربما نحو عقدين من السنين، ثم نزل دمشق. والقدماء مختلفون منهم من يقول إنه نزل حلب أولا ثم نزل دمشق، ومنهم من يقول بل نزل دمشق ثم نزل حلب، ودفعنا إلى ترجيح الرأى الأول أننا سنجده عما قليل أهم شاعر شامى عنى بتصوير البطولة العربية فى الفتك بحملة الصليب منذ سنة ٥٢٣ للهجرة وقد تجاوز الأربعين من عمره. وكانت دمشق كثيرا ما تشتبك مع الصليبيين فى حروب وتردهم على أعقابهم خاسرين كما حدث فى عهد حاكمها طغتكين سنة ٥٠٢ ويعود طغتكين مع مودود صاحب الموصل إلى كسرهم على طبريّة سنة ٥٠٧ واستطاع أن يهزمهم فى البقاع سنة ٥١٠ وهزم صاحب أنطاكية سنة ٥١٣. وكل هذه الأحداث والانتصارات العظيمة لطغتكين لا نجد لها أى ذكر أو صدى فى شعر ابن القيسرانى مما يدل على أنه كان غائبا عن دمشق طوال هذه المدة. على كل حال يدل غياب هذه الأحداث السالفة على أنه لم يكن بدمشق فى أثنائها وأنه نزل حلب أولا وأقام بها حتى نهابة العقد الثانى من القرن السادس ثم نزل دمشق بعد ذلك. ويدل دلالة قاطعة على أنه كان بها فى عهد بورى بن طغتكين (٥٢٢ - ٥٢٦ هـ) أننا نجده ينشده أولى قصائده فى الحروب الصليبية حين هزم حملة الصليب على أبواب مدينته فى أواخر سنة ٥٢٣ وفيها يقول: وافوا دمشق فظنوا أنها جدة ... ففارقوها وفى أيديهم العدم وغادروا أكثر القربان وانجفلوا ... وخلّفوا أكبر الصّلبان وانهزموا (٢) وكان-كما قال مترجوه-يتولى فى أثناء مقامه بدمشق إدارة الساعات بها إلى أن تولى شمس الملوك بن بورى (٥٢٦ - ٥٢٩ هـ) حكمها، فاصطدم به ابن القيسرانى، مما جعله يهجوه، وعلم بهجائه فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وفر منه بعيدا إلى العراق. وترك العراق سريعا إلى حلب حين سمع بانتصارات عماد الدين زنكى على حملة الصليب واستيلائه منهم على المعرة وبعرين، وتتأكد صلته به منذ سنة ٥٣٤ إذ نجده يشيد بانتصاره على جموع الصليبيين واستيلائه منهم على حصن بارين غربى حلب فى الطريق إلى حماة، ويشعر فى عمق ببطولة العرب وعماد الدين قائلا:

стр. 2952

حذار منا وأنّى ينفع الحذر ... وهى الصوارم لا تبقى ولا تذر وأين ينجو ملوك الشّرك من ملك ... من خيله النصر بل من جنده القدر ثم يكون نصر عماد الدين العظيم باستيلائه على الرّها من يدجوسلين ومحو عار هذه المملكة أو الدولة التى أقامها الصليبيون شمالى العراق آملين فى الانحدار منها إلى الجنوب، وإذا عماد الدين يستولى عليها بجيوشه وبطولته الخارقة سنة ٥٣٩ وتكون لذلك رنة فرح عظيم فى نفس ابن القيسرانى ونفوس المسلمين وينشد: سمت قبلة الإسلام فخرا بطوله ... ولم يك يسمو الدين لولا عماده (١) مصيب سهام الرأى لو أن عزمه ... رمى سدّ ذى القرنين أصمى سداده (٢) فقل لملوك الكفر تسلم بعدها ... ممالكها إن البلاد بلاده ونرى ابن القيسرانى-بعد هذا الفتح المبين-بنحو عام يزور أنطاكية، ويقول العماد إنه زارها لحاجة عرضت له، ولا ندرى هل كانت حاجة سياسية لأمير أو كانت حاجة شخصية، ويغلب على ظننا أنها كانت حاجة سياسية، والمهم أنه شبّب بإفرنجيات وبراهبات وتمادى فى هذا التشبيب، وسنذكر طرفا منه فى حديثنا عن شعراء الغزل. وعاد من رحلته إلى عماد الدين ووزيره جمال الدين بن أبى منصور، وله فيه مدائح بديعة. وتطورت الأمور سريعا فقتل عماد الدين بيد آثمة، كما أسلفنا وحمل لواء الجهاد بعده الملك العادل نور الدين، وتغرّ جوسلين الأمانى ووقوف الأومن معه، فيعود إلى الرها، ويخرجها منه نور الدين منكّلا بالأومن، ويهنئ ابن القيسرانى الوزير ابن أبى منصور بهذا الانتصار قائلا: ليهنك ما أفرج النصر عنه ... وما ناله الملك العادل وإن يك فتح الرّها لجّة ... فساحلها القدس والساحل وحقا عظم الأمل فى نور الدين أن يسترد للمسلمين القدس والمسجد الأقصى بل الساحل الشامى جميعه. ويحشد حملة الصليب فى سنة ٥٤٣ جيشا كثيفا لهم فى بقعة تسمى «يغرى» ويسحق نور الدين محمود الجيش سحقا ذريعا، وينشد ابن القيسرانى:

стр. 2953

مظفّر فى درعه ضيغم ... عليه تاج الملك معقود وصارم الإسلام لا ينثنى ... إلا وشلو الكفر مقدود (١) ويدور العام ويحشد صاحب أنطاكية وحملة الصليب حشودهم عند حصن «إنّب» ولقيهم نور الدين فمحقهم محقا. وقتل فى المعركة صاحب أنطاكية البرنس العاتى، ولم يفلت من القتل إلا من خبّر أهل أنطاكية من قومه بالاندحار والدمار. وجلجل ابن القيسرانى بصوته منشدا نور الدين على جسر الحديد الفاصل بين عمل حلب وعمل أنطاكية قصيدة رائعة استهلها بقوله: هذى العزائم لا ما تدّعى القضب ... وذى المكارم لا ما قالت الكتب (٢) أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة ... فؤاد روميّة الكبرى لها يجب (٣) غضبت للدين حتى لم يفتك رضا ... وكان دين الهدى مرضاته الغضب من كان يغزو بلاد الشّرك مكتسبا ... من الملوك فنور الدين محتسب (٤) فانهض إلى المسجد الأقصى بذى لجب ... يوليك أقصى المنى فالقدس مرتقب (٥) ولابن القيسرانى مدائح أخرى لنور الدين يردد فيها مجده وانتصاره الحربيين ضد حملة الصليب وما يأمله على يديه من رد بيت المقدس والساحل الشامى على أصحابهما المسلمين. ودائما يحوطه بهالة إسلامية هو جدير بها، فقد كان يحارب فى سبيل الله لا يبتغى مغنما، إنما يبتغى ما عند الله من الأجر والثواب، حتى ليقول له ابن القيسرانى فى نفس هذه القصيدة السالفة. إلا تكن أحد الأبدال فى فلك ال ... تّقوى فلا نتمارى أنك القطب وكأنه يعده قطب تقوى وإنقاذ للشام وأهل الشام. ولم يعش ابن القيسرانى حتى يمجد بقية انتصاراته المجيدة على الصليبيين، إذ توفى قبله بنحو عشرين عاما سنة ٥٤٨. وله مدائح فى بنى منقذ وفى مجير الدين آبق صاحب دمشق. ويقول العماد إنه كان له معرفة بالمنطق وعلوم الأوائل وإنه كان يتصنع للجناس أحيانا غير أن ذلك قليل فى شعره، فقد كان يطلب فيه النصاعة والسلاسة على غرار أستاذه ابن الخياط فهو تلميذه وخريجه وراوى ديوانه.

стр. 2954

ابن (١) الساعاتى هو بهاء الدين على بن محمد بن رستم الدمشقى خراسانى الأصل، ولد لأبيه بدمشق سنة ٥٥٣ وكان ماهرا فى صنع الساعات الفلكية، وأنعم عليه نور الدين محمود إنعاما وافرا حين صنع الساعات التى وضعت على باب الجامع الأموى، وأتاح له ذلك ثراء، نعم به ابنه على إذ شغف بالفروسية وببعض ضروب اللهو مثل النرد والشطرنج. ومثل لداته حفظ القرآن صبيّا واختلف إلى دروس العلماء والمؤدبين فى الجامع الأموى، ويبدو أن ابن سعيد خلط بينه وبين أخيه فخر الدين إذ قال إنه حين شبّ أرسل به أبوه إلى البديع الأسطرلابى بآمد ليتقن صناعة الآلات الفلكية، وكأنه لم يلاحظ أن البديع توفى قبل ميلاده بنحو عشرين عاما. وربما أرسله إلى أحد أولاده. ونراه بعد فتح صلاح الدين لآمد يمثل بين يديه مادحا له بقصيدة لامية سنة ٥٧٩ يقول له فيها: لولا مساعى صلاح الدين ما صلحت ... شمّ الممالك بعد الزّيغ والميل فليعلم القدس أن الفتح منتظر ... حلوله وعلى الآفاق فليطل (٢) وتحققت سريعا نبوءته بفتح القدس، ونراه بين من حفّوا بصلاح الدين فى موقعته الماحقة: موقعة حطّين على حافة طبريّة، وله يهنئه بهذا النصر العظيم وما أنزل بحملة الصليب من ضربة قاصمة لم يفيقوا بعدها أبدا، إذ كبّت الكثرة منهم على وجوهها، ووقع ملوكهم وصناديدهم فى أسر البطل العربى، وله يقول: جلت عزماتك الفتح المبينا ... وقد قرّت عيون المؤمنينا قضيت فريضة الإسلام منه ... وصدّقت الأمانى والظنونا فألمم بالسواحل فهى صور ... إليك وألحق الهام المتونا (٣) وقلب القدس مسرور ولولا ... سطاك لكان مكتثبا حزينا أدرت على الفرنج وقد تلاقت ... جموعهم عليك رحى طحونا

стр. 2955

ويذكر انتصارات صلاح الدين المتلاحقة على حملة الصليب فى بيسان وغير بيسان، وتتراءى له مدن الساحل الشامى، وهى تنتظر مخلصها ومنقذها من الظلمة الأشرار، وإن القدس ليكاد يطير فرحا فقد أصبح وشيك الخلاص، وفعلا لم تمض شهور حتى فتحت أبوابه لصلاح الدين وعاد، وعاد معه المسجد الأقصى إلى الإسلام والمسلمين، وإنه ليصيح مبتهجا فرحا: لقد ساغ فتح القدس فى كلّ منطق ... وشاع إلى أن أسمع الأسل الصّمّا (١) فليت فتى الخطّاب شاهد فتحها ... فيشهد أن السهم من يوسف أصمى حبا مكة الحسنى وثنّى بيثرب ... وأطرب ذيّاك الضريح وما ضمّا وأصبح ثغر الدين جذلان باسما ... وألسنة الأغماد توسعه لثما لقد فتح القدس عنوة، وإن قعقعة السلاح لتكاد تسمع الصّمّ، وقد عاد المسجد وعادت فيه الصلاة وتكبيرات المصلين وأذان المؤذنين. ويقرن فتح صلاح الدين للقدس فتحا حربيّا بفتح عمر بن الخطاب لها من قبل سلما. ويصور ابتهاج مواطن الوحى فى مكة ويثرب وابتهاج الرسول ﷺ بهذا الفتح المبين، وكيف عمت البهجة والفرحة القدس ثغر الدين، وكأنما ألسنة الأغماد تعانقه وتقبله: تقبل كل ركن فيه. وله وراء هذه القصائد فى صلاح الدين ست عشرة قصيدة. ونراه بعد وفاته يلزم ابنه نور الدين صاحب دمشق فيمدحه بقصائد مختلفة، غير أنه أخذ يتبرم بالشام وبمن حول نور الدين كما يتضح من قوله فى مدحة له: أبكتنى الأيام مذ ضحكت ... لى عن نيوب نوائب عصل (٢) أفسدن خلانى فمالى فى ال ... سّرّاء والضّراء من خلّ وكان هذا الشعور بأنه لم يعد له صديق وفىّ فى موطنه سببا فى أن يشدّ رحاله إلى القاهرة فينزل بها ويتخذها دار مقام له حتى وفاته سنة ٦٠٤ وشعر فيها بأنه حياته أصبحت رغدة ناعمة وذكر ذلك مرارا فى شعره، وكان قد وطد علاقاته بكثيرين من كبار رجال الدولة، وفى مقدمتهم القاضى الفاضل وله فيه اثنتا عشرة قصيدة. وبمجرد أن وضع قدمه فى القاهرة أصبح من ندماء العزيز عثمان بن صلاح الدين حتى وفاته سنة ٥٩٥ وله فيه أكثر من ثلاثين مدحة. وربما كانت أيام العزيز أسعد أيامه بمصر. وهو يصور فى مديحه منادمته له ومجالس أنسه. وله مدائح فى السلطان

стр. 2956

العادل أخى صلاح الدين، ولكن تنقصها الحرارة. وقد عاش بمصر يتملى بمشاهد الطبيعة وصوّر ذلك فى كثير من شعره، وفى دار الكتب المصرية ديوان له خاص بمقطعات النيل يبدو أنه اختيارات من ديوانه، وسنذكر بعضا من قصائده فى طبيعة دمشق وطبيعة مصر وأيضا بعضا من خمرياته. الشهاب (١) محمود هو محمود بن سليمان بن فهد الدمشقى الحنبلى، ولد بدمشق سنة ٦٤٤ وعنى بتربيته أبوه وكان فقيها حنبليا، فحفظ القرآن صبيا. وأخذ يختلف إلى حلقات الفقهاء الحنابلة والعلماء المختلفين مثل ابن مالك فى النحو وابن الظهير الإربلى فى الأدب وعليه تدرب فيه، وكان يجلّه ويوده مودة مخلصة، حتى إذا توفى سنة ٦٧٧ بكاه بقصيدة يقول فيها: بكته معاليه ولم ير قبله ... كريم مضى والمكرمات نوادبه وبرع محمود فى الأدب حتى فاق أقرانه مما جعل القائمين على ديوان الإنشاء فى دمشق يعّينونه فيه وهو فى نحو الثلاثين من عمره، وظل فيه حتى سنة ٦٩٢ إذ نقل إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة بعد وفاة محيى الدين بن عبد الظاهر، ورأس هذا الديوان فى عهد السلطان بيبرس البند قدارى سنة ٧٠٨ حتى إذا توفى عبد الوهاب بن فضل الله العمرى صاحب ديوان الإنشاء بدمشق نقل إلى وظيفته هناك وظل قائما عليها حتى توفى سنة ٧٢٥. ومعنى ذلك أنه كان أديبا كاتبا محسنا وظل يعمل بديوان الإنشاء فى دمشق والقاهرة نحو خمسين عاما. وله فى الكتابة الديوانية كتاب جيد يسمى «حسن التوسل» غير أننا رأينا أن نسلكه بين الشعراء لأنه كان شاعرا متفوقا كما كان كاتبا بارعا، بل أهم من ذلك أنه الشاعر الشامى الوحيد الذى صور حروب الظاهر مع التتار وحروبه وحروب قلاوون وابنه السلطان الأشرف خليل مع حملة الصليب تصويرا بديعا مما جعل ابن تغرى بردى يقتصر فى أغلب الأمر على وصفه لمعارك هؤلاء السلاطين. وأول سلطان أشاد الشهاب محمود بانتصاراته الظاهر بيبرس وكان قد علم بحشود للتتار شرقى

стр. 2957

الفرات فزحف إليهم من الشام بجيش جرار وخاض إليهم الفرات وفتك بجموعهم وكاد أن لا يبقى باقية منهم. وعاد الملك الظاهر إلى دمشق مؤزرا منصورا، وأنشده الشهاب قصيدة طنانة يقول فيها: سر حيث شئت لك المهيمن جار ... واحكم فطوع مرادك الأقدار خضت الفرات بسابح أقصى منى ... هوج الصّبا من نعله آثار حملتك أمواج الفرات ومن رأى ... بحرا سواك تقلّه الأنهار (١) رشّت دماؤهم الصعيد فلم يطر ... منهم على الجيش السعيد غبار ولم يلبث التتار أن حشدوا جموعا لهم سنة ٦٧٥ وأيدتهم جموع من عسكر الروم، وتعاقدوا على منازلة بيبرس، وعلم بتلك الجموع فباغتها محيطا بها من كل جانب، وقاتلت قتال الموت ولم يغن ذلك عنها شيئا، إذ كان يقتحم مع جنوده البواسل الأهوال كالأسد الضارية إلى أن انكسر التتار والروم وفروا معتصمين بجبال وراءهم، وأحاطت بهم العساكر المصرية وقتلت منهم مقتلة عظيمة وفى ذلك يقول الشهاب محمود: كذا فلتكن فى الله تمضى العزائم ... وإلا فلا تجفو الجفون الصوارم (٢) بجيش تظل الأرض منه كأنها ... على سعة الأرجاء فى الضيق خاتم يحيط بمنصور اللواء مظفّر ... له النصر والتأييد عبد وخادم مليك به للدين فى كل ساعة ... بشائر للكفار منها مآتم مليك لأبكار الأقاليم نحوه ... حنين كذا تهوى الكرام المكارم وسنذكر فى جزء مصر أن الظاهر بيبرس استولى على كثير من بلدان حملة الصليب وحصونهم مثل قيسارية وصفد والرملة ويافا وأنطاكية مزيلا منها مملكتهم، ولم يدوّن ابن تغرى بردى شيئا من شعر الشهاب محمود فى هذه الفتوح الضخمة. ويسير السلطان قلاوون سيرة الظاهر فى منازلة الصليبيين، ويستولى على طرابلس مملكتهم الثالثة التى أسسوها بعد مملكة بيت المقدس، وبذلك تكون جميع ممالكهم التى شادوها سقطت من قواعدها ولم يبق فى أيديهم إلا عكا وصور وصيداء

стр. 2958

وبيروت وبعض حصون قليلة، ولم يلبث قلاوون أن استولى منهم على حصن المرقب، ومجّد فتوحه الشهاب محمود قائلا. الله أكبر هذا النّصر والظّفر ... هذا هو الفتح لا ما تزعم السّير هذا الذى كانت الآمال إن طمحت ... إلى الكواكب ترجوه وتنتظر فانهض وسر واملك الدنيا فقد نحلت ... شوقا منابرها وارتاحت السّرر (١) إن لم يوفّ الورى بالشكر ما فتحت ... يداك فالله والأملاك قد شكروا وخلف قلاوون ابنه «السلطان الأشرف خليل»، وكان بطلا شجاعا مقداما وكان مخوف السطوة قوى البطش، وبمجرد أن استهلت سنة ٦٩٠ بعد جلوسه على عرش السلطنة بقليل تأهب لحصار عكا، فجمع الصناع لعمل آلات الحصار وخرج بعساكره من الديار المصرية حتى أحاط بعكا فى شهر ربيع الآخر، وكان المتطوعون أكثر من الجند ونصب عليها المجانيق، ولم يلبث أن زحف عليها بجيشه الجرار ودخلها بعد قتال عنيف. وطلب حملة الصليب البحر المتوسط فتبعتهم الجنود الإسلامية تقتل وتأسر فلم ينج منهم إلا القليل. وعصى الداويّة والإستاريّة فى أول الأمر معتصمين بأبراج عالية، غير أنهم اضطروا إلى التسليم، ومن غريب الصدف أنّ فتحها تم فى السابع عشر من جمادى الأولى سنة ٦٩٠ بالساعة الثالثة من النهار فى نفس الموعد الذى كانت قد سقطت فيه بيد حملة الصليب سنة ٥٨٩. وفى هذا الفتح المبين ينشد الشهاب محمود قصيدة بديعة مهنئا «الأشرف خليل» مفتتحها لها بقوله: الحمد لله ذلّت دولة الصّلب ... وعزّ بالترك دين المصطفى العربى هذا الذى كانت الآمال لو طلبت ... رؤياه فى النوم لاستحيت من الطلب ما يعد عكّا وقد هدّت قواعدها ... فى البحر للشرك عند البرّ من أرب (٢) لم يبق من بعدها للكفر مذ خربت ... فى البحر والبر ما ينجى سوى الهرب يا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت ... به الفتوح وما قد خطّ فى الكتب بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الرّتب وتفتح أبوابها مدينة صور لجند السلطان ويسلمها إليهم حملة الصليب وتليها مدينة صيداء

стр. 2959

وقلعة جبيل وعثليث وأنطرطوس وبيروت. ويدور العام ويستولى الأشرف على بقية حصونهم ويمد فتوحه إلى الشرق ويستولى على قلعة الروم غربى الفرات، ويهنئه الشهاب محمود بهذا النصر المتوالى قائلا من مدحة طويلة. وفتح بدا فى إثر فتح كأنما ... سماء بدت تترى كواكبها الزّهر وعلى هذا النحو سجّل الشهاب محمود فتوحات السلاطين الثلاثة: الظاهر بيبرس وقلاوون وخليل تسجيلا رائعا. وله وراء هذه المدائح الحماسية مدائح نبوية جمعها فى ديوان سماه: «أهنا المنائح فى أسنى المدائح» وهو مفقود، وسننشد له قطعا فى حديثنا عن شعراء التصوف والمديح النبوى. منجك (١) بن محمد بن منجك شركسى دمشقى نشأ فى بيت نعمة، فكان أميرا ابن أمير. ولد سنة سبع بعد الألف للهجرة وتوفى سنة ١٠٨٠ ونشأ مثل لداته الدمشقيين يعنى بالعلم والتعليم، فحفظ صغيرا القرآن الكريم، حتى إذا شبّ عن الطوق أخذ يختلف إلى علماء دمشق، آخذا القراءات على الشيخ عبد الرحمن العمادى والحديث النبوى عن الشيخ الشهاب أحمد الوفائى، وأبى العباس المقرى. أما الأدب الذى شغف به منذ نشأته فقد أخذه عن أحمد بن شاهين. وكان كريما مسرفا مبالغا فى إسرافه، فأنفق ما خلّفه له أبوه، حتى إذا تربت يداه وضاقت به دنياه ولّى وجهه نحو إستانبول، ولكنه لم يحقق فيها ما كان يأمله فعاد إلى دمشق، ولم يلبث أن خالط أصدقاءه القدماء. وله ديوان شعر جمعه فضل الله المحبى والد صاحب خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر بأمر من مفتى الدولة العثمانية: حسام زاده، وله فيه مدائح كثيرة. وديوانه يحمل كثيرا من المدائح والغزليات والخمريات، وأكثر مدائحه فى الفقها والعلماء من شيوخه وغير شيوخه، وفى مقدمة من مدحهم شيخه فى القراءات عبد الرحمن مفتى دمشق وفيه يقول: تندى أنامله ويشرق وجهه ... فيجود بالآلاء والّلألاء يقظ لأعقاب الأمور كأنما ... جليت عليه حقائق الأشياء

стр. 2960

ومهابة ساد الولاة ولاؤها ... محفوفة بجلالة وبهاء وشمائل رقّت كما خطرت على ... زهر الربيع بواكر الأنداء والصياغة رصينة جزلة، والألفاظ مختارة منتخبة. والمعانى مكررة فى المديح التقليدى، غير أن الشاعر يحاول أن يخرجها إخراجا طريفا على نحو ما يتضح فى البيت الأول الذى جمع فيه بين الكرم والبشر المترقرق فى وجه الممدوح، وبذلك جعله يجود بالآلاء والنعم كما يجود بلألاء الوجه وإشراقه وما يجرى فيه من بشر بهيج. والجناس بين الآلاء والألاء جناس بديع. وواضح كيف لاءم فى البيت الثانى بين معناه وبين الممدوح وكان مفتيا لدمشق، فوصفه بالفطنة ودقة الحدس، وبالمثل البيت الثالث وما جمع فيه بين المهابة والجلالة والبهاء مع حسن الصياغة. وقل ذلك نفسه فى البيت الرابع فشمائل. المفتى رقيقة عطرة كزهر الربيع باكرته النسائم والأنداء. وولى القضاء فى دمشق والشام حسام زاده قبل توليه منصب الإفتاء فى الدولة العثمانية وعم فضله وبرّه أدباءها، وله ألف البديعى كتابيه: «هبة الأيام فيما يتعلق بأبى تمام» و «الصبح المنبى فى الكشف عن حيثية المتنبى» ويقول منجك فى تهنئة له بالعيد: آلى الزمان عليه أن يواليكا ... يثنى عليك ولا يأتى بثانيكا إذا سطا فبأحكام تنفّذها ... وإن سخا فبفضل من مساعيكا من ذا يضاهيك فيما حزت من شرف ... ومن يدانيك فى حلم ويحكيكا أعيادنا كلّها يوم نراك به ... وليلة القدر وقت من لياليكا والملاءمة بين معانى الأبيات ومنصب المفتى-وكان حينئذ قاضيا بدمشق-واضحة، والمبالغة واضحة فى البيت الأول، ولكن الشاعر خففها بالجناس بين «يثنى وثانيكا» وعاد إليها بقوة فى البيت الأخير، وكان يكفيه أن تكون أيام لقائه للقاضى أعيادا، ولكنه أبى إلا المبالغة المسرفة إذ جعل ليلة القدر وقبول الدعاء بها ممن يحظون برؤيتها وقت من ليالى الشيخ. ولا ريب فى أن صياغته ناصعة، وأنه يغلب على شعره السلاسة، مع ما يوشيه به من جناس وطباق كما فى البيت الثانى. ودائما محسنات البديع عنده مقبولة، وقلما يمازجها الثقل والتكلف. وله مدحة فى أستاذه المقرى-وهو صاحب نفح الطيب-ويذكر أنه قرأ عليه كتاب «الشفا» وهو فى مدح المصطفى سيد المرسلين، وتموج المدحة بإجلاله لعلمه وتقواه، يقول: يقضى النهار بآراء مسدّدة ... ويقطع الليل تسبيحا وقرآنا

стр. 2961

وتلقانا وراء مدائحه فى الديوان وعند من ترجموا له ألغاز، ومعروف أن الشعراء كانوا قد أخذوا يتلاعبون بها منذ القرن الخامس الهجرى، وكثرت زمن المماليك والعثمانيين. وله غزليات وخمريات بديعة، سنذكر منهما بعض أبيات فى غير هذا الموضع. ٥ - شعراء الفلسفة والحكمة تشيع الحكمة فى الشعر العربى منذ العصر الجاهلى على نحو ما نجد عند زهير، فقد ضمن معلقته طائفة كبيرة من الحكم، وكأنهم أرادوا أن يصوروا لمعاصريهم خبرتهم بالحياة وإدراكهم لتجاربها حتى ينتفعوا بذلك أكبر نفع فى فهم شئون الدنيا وشئون الناس وأحوالهم فى سلوكهم. ومضى الشعراء بعد العصر الجاهلى يحاكون الجاهليين فى تغذية أشعارهم بتلك الحكم، حتى إذا كان العصر العباسى أخذ الشعراء يضيفون إلى تراثهم من الحكم عتادا جديدا من حكمة الفرس والهنود واليونان، وأخذ النابهون منهم يعتمدون على عقولهم الخصبة فى استخلاص الحكم من خبراتهم بأحوال الدنيا والناس، حتى ليبلغ بعضهم من ذلك أن تحصى حكمه بالعشرات، بل أحيانا بالمئات على نحو ما عرف عن أبى تمام الشاعر الدمشقى، فقد أحصى بعض البلاغيين حكمه فوجدها ثلاثمائة وأربعة وخمسين بيتا سوى تسعين شطرا. وعاش المتنبى أكثر سنوات عمره فى الشام وبواديها وقد بلغ الذروة فى تضمين مدائحه حكما رائعة، وأحصاها البلاغيون، فوجدوها أربعمائة، سوى مائة وثلاثة وسبعين شطرا. ولكثرة ما يتناثر فى شعره من حكم أفردها بعض الأسلاف بالتأليف، وحاول بعض النقاد الوصل بينها وبين حكم أرسطو، وهى مبالغة مفرطة فى التصور إذ أكثر حكمه من ثمار خبراته بالحياة خبرة فذة. وظل شعراء الشام يستظهرون-بعد المتنبى وأبى تمام-الحكم فى جوانب من أشعارهم، ولم تلبث الشام أن أهدت إلى الشعر العربى حكيما وفيلسوفا كبيرا، هو أبو العلاء المتوفى سنة ٤٤٩ وسنترجم له عما قليل. وكان الطّغرائى قد لمع اسمه بنظمه لامية العجم، وقد صاغها جميعا حكما وأمثالا على طريقة مزدوجة أبى العتاهية التى سماها ذات الأمثال، والتى ضمنها أربعة آلاف مثل. ولامية الطغرائى لا تبلغ مبلغها فى حشد آلاف من الأمثال، وليست من بحر الرجز وإنما هى من البسيط على شاكلة نونية البستى المشهورة. وقد أصبح تقليدا عند كثير من شعراء الشام وغيرهم أن يخصوا بعض

стр. 2962

قصائدهم برصف طائفة من الأمثال والحكم، ولابن منير الطرابلسى قصيدة من هذا الطراز يقول فيها (١): وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... فى منزل فالحزم أن يترحلا كالبدر لما أن تضاءل جدّ فى ... طلب الكمال فحازه متنقّلا سفها لحلمك أن رضيت بمشرب ... رنق ورزق الله قد ملأ الملا فارق ترق كالسيف سلّ فبان فى ... متنيه ما أخفى القراب وأخملا للقفر لا للفقر هبها إنما ... مغناك ما أغناك أن تتوسّلا وهى أمثال وحكم يراد بها النصح لسلوك الشخص الكريم على نفسه فى الحياة. فلا يرضى بمنزل هون، بل يرحل وينتقل، فكمال البدر وعز الشخص فى تنقله. ويزجر من يرضى المشرب الكدر ورزق الله قد طبق الملا أو الأرض وملأها بالطيبات، وهل يقطع السيف إلا بعد أن يسلّ من قرابه أو غمده، وعار ما بعده عار أن يتضرع الشخص ويتذلل لإنسان مثله، ولأن يركب القفر المجدب الخراب خير من أن يقف بباب. ودائما تلقانا هذه الحكم فى تضاعيف قصائد الشعراء ومقطوعاتهم، وفى كتاب طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة منها طائفة جرت على ألسنة أطباء الشام، ويلقانا منها أيضا منثورات فى كتب التاريخ كقول الشيخ شمس الدين الحمصى (٢): الدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم لا تسأل الدهر فى البأساء يكشفها ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم فكل شئ حائل وزائل ولا دوام لضر أو نفع ولا لبؤس أو نعيم، ولا دخل لدهر فى شئ من ذلك، ولا يأس مع رحمة الله فلا بؤس يدوم ولا ضر يدوم. وربما كانت أروع قصيدة من قصائد هذه الامثال والحكم فى العصر المملوكى قصيدة عمر بن الوردى المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة وهى فى أكثر من سبعين بيتا. وفيها يقول (٣):

стр. 2963

اعتزل ذكر الأغانى والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل واتّق الله فتقوى الله ما ... مازجت قلب امرئ إلا وصل قاطع الدنيا فمن عاداتها ... تخفض العالى وتعلى من سفل لا تقل أصلى وفصلى أبدا ... إنما أصل الفتى ما قد حصل مل عن النمّام واهجره فما ... بلّغ المكروه إلا من نقل والقصيدة جميعها على هذه الشاكلة حكم وأمثال ونصائح غالية وكأنها أعلام تهدى الإنسان فى سلوكه الطريق القويم. ويظل الشعراء بعد ابن الوردى ينظمون مثل هذه الحكم أيام المماليك وأيضا أيام العثمانيين، إذ نقرأ لبعض الشعراء حكما وأمثالا منثورة فى أشعارهم وتراجمهم، كقول حسين بن أحمد الجزرى الحلبى المتوفى سنة ١٠٣٤ للهجرة (١): حاذر عداك الأقربين من الورى ... فأضرّها القرباء والقرناء وتوقّ من كيد الحقود ولين ما ... يبدى فقد يصدى الحسام الماء ويذكر ابن معصوم لشاعر يسمى نجيب الدين على بن محمد العاملى رحلة أودعها أشعارا على طريقة ديوان الصادح والباغم لابن الهبّارية وما فيه من حكم ومعان خلقية تهذيبية، ويسوق ابن معصوم طائفة من حكمه كقوله (٢): المرء لا يسلم من حاسد ... أو شامت فى اليسر والعسر وتكثر الحكم أيضا فى كتاب نفحة الريحانة للمحبى، وهى من قديم كثيرة فى الشعر العربى كما أسلفنا. وحرى بنا أن نقف قليلا عند أبى العلاء أكبر شعراء الحكمة والفلسفة لا فى الشام وحدها بل فى العالم العربى جميعه. ونتلوه بكلمة عن منصور بن مسلم.

стр. 2964

أبو العلاء (١) المعرّىّ هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التّنوخى، ولد فى ربيع الأول سنة ٣٦٣ للهجرة فى بلدة تسمى «معرّة النعمان» من أعمال حمص بين حلب وحماة، وإليها ينسب، واشتهر بكنيته «أبى العلاء» وفى ذلك يقول: دعيت أبا العلاء وذاك مين ... ولكنّ الصحيح أبو النّزول وأسرته تنحدر من قبيلة تنوخ إحدى القبائل العربية الجنوبية، وما إن بلغ الرابعة من عمره حتى اعتلّ علة الجدرى وذهب فيها بصره، وكان يقول: «لا أعرف من الألوان إلا اللون الأحمر لأنى ألبست فى الجدرىّ ثوبا مصبوغا بالعصفر، لا أعقل غير ذلك». وكان بيته بيت قضاء وعلم وشعر، إذ ظل قضاء المعرة طويلا فيهم، وألم بهم ياقوت فى ترجمته له بمعجم الأدباء وذكر لهم طرائف من أشعارهم. وطبيعى أن يقتدى بهم فيكبّ بعد حفظه القرآن على كتب الدين الحنيف واللغة. وأيضا فإن فقده لبصره مبكرا جعله يعنى بطلب العلم. وتتلمذ على أبيه أولا ومن فى بلدته من تلامذة ابن خالويه، ولم يلبث حين أخذ ما عندهم جميعا أن رحل إلى حلب وحضر على علمائها وعاد منها وهو فى نحو العشرين من عمره سنة ٣٨٤. وحين بلغ الثلاثين من عمره سأل ربه إنعاما، ورزقه صوم الدهر، فلم يفطر فى السنة والشهر إلا فى العيدين. ورحل إلى بغداد فى أواخر سنة ٣٩٨ وبقى بها نحو سنة وسبعة أشهر، وكان من أسباب عودته منها سريعا نشوب خصومة بينه وبين المرتضى العلوى أخى الشريف الرضى بسبب تعصبه للمتنبى، وأيضا كان قد وصله خبر بمرض أمه، فعاد عجلا، ووجدها قد لبّت نداء ربها. وأخذ نفسه منذ

стр. 2965

هذا التاريخ فى سنة ٤٠٠ بحياة زاهدة خشنة ملازما داره وبلدته لا يبرحها، وإلى ذلك يشير بقوله: أرانى فى الثلاثة من سجونى ... فلا تسأل عن الخبر النّبيث (١) لفقدى ناظرى ولزوم بيتى ... وكون النفس فى الجسم الخبيث ثلاثة سجون أحاطت قضبانها به: سجن روحه فى جسده وسجن داره وسجن فقده لبصره، وظل يفرغ نحو خمسين عاما لنظم زومياته ولتأليف كتبه الكبرى، ومر بنا أن حلب تبعت مصر منذ سنة ٤٠٧ إلى سنة ٤١٥ وكان أول ولاتها للحاكم بأمر الله الفاطمى عزيز الدولة فاتك الوحيدى وله ألف أبو العلاء كتاب الصاهل والشاحج متحدثا فيه على لسان فرس وبغل، وقد حققته الدكتورة عائشة عبد الرحمن ونشرته دار المعارف، ويقول ابن العديم إنه ألفه لفاتك بسبب حق على بعض أقربائه. وله أيضا صنع كتابه «القائف» وهو أمثال على طريقة كليلة ودمنة، ولم يكد يتم الجزء الرابع منه حتى توفى فاتك سنة ٤١٣ فعدل عن إتمامه. وولى حلب بعد فاتك سند الدولة الكتامى سنة ٤١٤ وقدّم له أبو العلاء الرسالة السّندية فى مجلد واحد. واعتقل صالح بن مرداس أمير حلب فى سنة ٤١٨ سبعين رجلا من المعرّة هم مشايخها وأماثلها، واجتاز صالح بالمعرة، فخرج إليه أبو العلاء شافعا فيهم فقال له صالح: «قد وهبتهم لك أيها الشيخ». وعاد إلى داره وهو ينشد: بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأى فسد فيسمع منّى سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد ومنذ حبس نفسه فى داره أصبح ملاذا لطلاب العلم فى العالم العربى، فهم يغدون عليه ويروحون يأخذون عنه كتبه وشروحها، وبالمثل دواوينه وشروحها، وكثيرا من كتب اللغة وفى مقدمتها كتاب غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلام غير كتب لغوية أخرى كثيرة. ويقول ابن فضل الله العمرى: «أخذ عن أبى العلاء خلق لا يعلمهم إلا الله ، كلهم قضاة وأئمة وخطباء وأهل تبحّر وديانات. . وكان له أربعة من الكتّاب المجوّدين يكتبون عنه ما يكتبه إلى الناس وما يمليه من النظم والنثر والتصانيف والإجازات والسماع لمن يسمع منه ويستجيزه». وعقد ابن العديم فى كتابه عنه المسمى «الإنصاف والتحرى» فصلا ذكر فيه مشاهير تلاميذه.

стр. 2966

وكان أبو العلاء آية خارقة فى الذكاء وقوة الحافظة حتى قالوا إنه كان يلعب النرد والشطرنج، وإذا سمع حديثا بلغة غير العربية حفظه بحذافيره، وقد تحول يعبّ وينهل من ثقافات عصره حتى استوعبها جميعا سواء المترجم عن اليونانية من فلسفة وغير فلسفة، أو المترجم عن الفارسية والهندية فكل ذلك مضافا إلى الثقافتين: الإسلامية والعربية تمثّله أبو العلاء تمثلا حيّا خصبا، يرفعه إلى أعلى منزلة، يتمثّل صاحبها التراث الإنسانى جميعه. ومنذ سنّ الثلاثين اختار لنفسه صوم الدهر ما عدا أيام الأعياد كما أسلفنا، واختار لنفسه معه حياة زاهدة، وذكر ذلك فى شعره إذ قال إن طعامه العدس والتين أو كما يسميهما البلسن والبلس رافضا ما وراءهما من طيبات الطعام ولذائذه، إذ يقول: يقنعنى بلسن يمارس لى ... فإن أتتنى حلاوة فبلس ويقول ناصر خسرو فى رحلته المسماة «سفرنامه» إنه زاره سنة ٤٣٨ فوجده فى سعة من العيش مما جعل بروكلمان يشك فى أنه عاش معيشة زاهدة. وهو قول مدفوع بإجماع من ترجموا له من القدماء: أنه كان يعيش معيشة زهد وتقشف، حتى لنرى القفطى-وهو أحد من تحاملوا عليه ورموه بالإلحاد-يقول: لم يكن أبو العلاء من ذوى الأموال، وإنما خلّف له وقف يشاركه فيه غيره من قومه، وكانت له نفس تشرف عن تحمل المنن، فمشى حاله على قدر الموجود، فاقتضى ذاك خشن الملبوس والمأكل والزهد فى ملاذ الدنيا، وكان الذى يحصل له فى السنة مقدار ثلاثين دينارا قدّر منها لمن يخدمه النّصف، وأبقى النصف الآخر لمئونته، فكان أكله العدس-إذا أكل-مطبوخا وحلاوته التين، ولباسه خشن الثياب من القطن وفرشه من لباد (صوف) فى الشتاء وحصيرة من البردىّ فى الصيف، وترك ما سوى ذلك». وربما كان هذا الدخل القليل من أسباب تركه لأكل اللحم ومستخرجاته من البيض واللبن، لا أخذا بمذاهب الحكماء ولا اتباعا لمذهب البراهمة الهندى، كما قيل، بل لضيق ذات يده وإشفاقا على الحيوان، ولعله صنع ذلك مبالغة فى الزهد ورفض طيبات الحياة. وكان أبو العلاء يحسّ بعمق آلام الإنسان فى دنياه، ولعل ذلك ما جعله يعزف عن الزواج حتى لا يرزق بولد يكابد من دنياه ما كابده وصرّح بذلك قائلا: هذا جناه أبى علىّ ... وما جنيت على أحد ويقال إنه أوصى بكتابة هذا البيت على قبره حين أوشك على مفارقة الدنيا فى سنة ٤٤٩. وله

стр. 2967

رسائل كثيرة جمع منها أخيرا الدكتور عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللغة العربية الأردنى نحو أربعين رسالة، ونشرها فى ثلاث مجموعات، بدأها بالرسالة المنيحية التى أرسل بها إلى الوزير البغدادى أبى القاسم المغربى وتلاها بالرسالة الإغريضية المرسلة إلى الوزير نفسه. ويبدو أنه أرسل بالرسالتين إليه بعد فراره لعهد الحاكم بأمر الله من مصر، وسنعرض لهذه الرسائل فى غير هذا الموضع. ولأبى العلاء أيضا رسالة الملائكة وهى فى مسائل التصريف، طبعت قديما بالقاهرة. ورسالة الغفران له مشهورة، وسنلم بها وبكتابه الفصول والغايات فى حديثنا عن النثر. وله «ملقى السبيل» فى الوعظ والزهد، وهو فيه يصوغ المعنى نثرا ثم يصوغه شعرا. وله ديوان صغير سماه الدّرعيات وهو أشعار فى وصف الدروع، وقد طبع ملحقا بديوانه الكبير سقط الزّند. ونقف قليلا لنتحدث عن السقط ثم عن ديوانه الكبير الثانى اللزوميات، والسّقط أول ما يخرج من نار الزند وشرره، سمى أبو العلاء ديوانه الأول بهذا الاسم إشارة إلى أنه أول ما نظم وسمح به خاطره فشبهه بالسقط. وهو يجمع شعر الصبا ومنه قصيدة نظمها فى رثاء أبيه وهو فى الرابعة عشرة من عمره وشعر الشباب وبعض شعر له فى الكهولة ومنه قصيدة نظمها فى رثاء أمه وأخرى أرسل بها شاكرا مثنيا إلى خازن دار العلم ببغداد. وشرح أبو العلاء هذا الديوان وسمىّ شرحه «ضو السقط» وقد طبع فى مصر قديما. وطبعت دار الكتب المصرية الديوان ومعه ثلاثة شروح: شرح لتلميذه التبريزى وشرح لأبى محمد البطليوسى الأندلسى وشرح لأبى الفضل قاسم الخوارزمى، وهو فى خمس مجلدات كبيرة. والديوان يكتظ بالمديح والرثاء والفخر والنسيب والوصف وأكثره فى المديح، وجمهوره فى مديح أشخاص خياليين، وذكر ذلك فى مقدمته قائلا «لم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلبا للثواب وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السّوس (الطبع) فالحمد لله الذى ستربغفّة (بلغة) من قوام العيش». ونفس ممدوحيه القليلين لم يوجّه إليهم مديحه-كما قال-طلبا للثواب أو النوال وإنما هم بعض أصدقائه كتبوا إليه فرأى أن يحبيهم شعرا، وربما مدحهم شاكرا صنيعا لهم على نحو ما ذكرنا من ثنائه على خازن دار العلم ببغداد واصفا عونه الحميد له فى أثناء تردده على تلك الدار ومكتبتها الكبرى المشهورة. وطبيعى أن يخلو هذا الديوان من الهجاء والخمريات ووصف الصيد. وهو فى الديوان-بعامة-يحاكى المتنبى، وكان يرفعه فوق جميع الشعراء، وشرح ديوانه وسمّاه معجز أحمد بينما سمّى شرحه لديوان أبى تمام: «ذكرى حبيب» وشرحه لديوان البحترى «عبث الوليد» ويفجؤنا فى الديوان فخر عنيف على نحو ما نقرأ فى قصيدته:

стр. 2968

ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل وإنى وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل وهذا الصوت القوى المفاخر المباهى بالمجد والعبقرية يكاد يختفى بعد ذلك من الديوان، إذ يعود أبو العلاء إلى صوته الحقيقى: صوت اليأس من الناس والحياة والمعرفة بالدهر وتصاريف أيامه ولياليه. وهو يذكر الليل وظلمته كثيرا، ولعل ذلك بسبب فقده لبصره، وأيضا بسبب تشاؤمه وما حمل من أثقال الدنيا دون أن يجد معينا. وقد شكا كثيرا من أنه لا يجد فى الدنيا صديقا ولا أخا يصفيه الوداد، مع كثرة بغضه للانفراد، حتى ليقول: ولو أنّى حبيت الخلد فردا ... لما أحببت بالخلد انفرادا فلا هطلت علىّ ولا بأرضى ... سحائب ليس تنتظم البلادا ويبالغ أبو العلاء فى سوء ظنه بالناس فى نفس هذه القصيدة الدالية، فيقول إن الجوزاء منزل عطارد المنسوب إليه السّلم لو خبرت الناس خبرته وبلاءه وجرّبت من كيدهم ما جرّب وعرفت من خبث سرائرهم ما عرف لما طلعت عليهم ليلا ولا تراءت لهم مخافة أن يصل إليها كيد من كيدهم، يقول: فظنّ بسائر الإخوان شرّا ... ولا تأمن على سرّ فؤادا فلو خبرتهم الجوزاء خبرى ... لما طلعت مخافة أن تكادا ومضى يخفف حدة التشاؤم الأسود المعتم ببروق كثيرة من الفخر، فمكانه فى السؤدد فوق السموات السبع رفعة وعلاء، وإنه ليفلّ نوائب الأيام وكوارثها وحده بقوته ومضائه. وفى رأينا أن أروع قصائد أبى العلاء فى سقط الزند مراثيه لأنها تفصل من ذات نفسه ومن أهمها مرثيته لصديقه الفقيه. غير مجد فى ملّتى واعتقادى ... نوح باك ولا ترنّم شادى وشبيه صوت النّعىّ إذا قي ... س بصوت البشير فى كل نادى وواضح أنه يقول فى مطلعها إن البكاء الحزين كالغناء الفرح دلالتهما واحدة، إذ سرعان ما تتحول البشارة بالمولود-مهما طالت حباته-صراخا عليه، حتى لكأن الصوتين متشابهان أو مختلطان اختلاط شجو الحمامة فلا يدرى السامع أتبكى محزونة أم تغنى مبتهجة. ويمضى

стр. 2969

أبو العلاء فى مثل هذه الأفكار العميقة طالبا من قارئه أن يخفف من وطء أقدامه على الأرض. لأن ترابها من أديم آبائه وأجداده، وكأن الأرض مقبرة كبرى، وكم من لحد فيها يضحك من تزاحم الأضداد فيه بين صالح وطالح. ولا يلبث أن يقول إن الحياة كلها تعب وعناء وشقاء لاضفاف له، وإن الحزن على الميت والفجيعة فيه لأضعاف السرور ساعة ميلاده. ولأبى العلاء مرثية ثانية يرثى بها صديقا من أبناء عمومته، وهى تكتظ بالحكم من مثل قوله: لو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده أضحى الذى أجّل فى سنّه ... مثل الذى عوجل فى مهده ولا يبالى الميت فى قبره ... بذمّه شيّع أم حمده والواحد المفرد فى حتفه ... كالحاشد المكثر فى حشده وربّ ظمآن إلى مورد ... والموت لو يعلم فى ورده وديوانه الثانى اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم هو الأهم لأنه يحمل فلسفته أو تفكيره الفلسفى بجميع أسسه وشعبه، وقد تكلف فيه-كما يقول فى مقدمته-ثلاث كلف: الأولى أنه ينتظم حروف المعجم جميعها، والثانية أن رويّه يجئ بالحركات الثلاث ثم بالسكون، والثالثة أنه التزم مع كل روى فيه شيئا لا يلزم من باء أوتاء أو غير ذلك من حروف. وقد أوضحنا فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى أنه أضاف إلى هذه الكلف الثلاث كلفا كان يشغل بها الفراغ الطويل الذى نظم فيه اللزوميات إذ امتد الى نحو خمسين عاما. ومن هذه الكلف الدائمة ومنها العارضة أما الدائمة فاستخدامه للفظ الغريب وللجناس وقد التمس فيه ضروبا من التعقيد، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، إذ يجانس تارة بين القافية وكلمة فى البيت وتارة ثانية بينها وبين أول كلمة فيه وقد يضيف إليها حرفا أو أكثر من الكلمة التالية ليستتم نسق الجناس. وبجانب هاتين الكلفتين الدائمتين فى اللزوميات نجد كلفا عارضة من تصنعه الواسع لألفاظ الثقافات المختلفة، بحيث يعدّ أول من وسّع استعارة الشعراء لاصطلاحات العلوم والفنون فى أشعارهم. ومع كل هذه الكلف والصعوبات التى ضيّق بها الممرات إلى قوافى الديوان استطاع أن ينظم مجلدين ضخمين من الشعر، ضمنهما فلسفته أو تفكيره الفلسفى المتشائم وهو تفكير شغل فيه بإنسان عصره والإنسان عامة وبالقضية التى طالما شغلت كبار المفكرين قضية الشر الذى يصب على الإنسان والحياة الإنسانية صبّا دون أن يعرف أسبابه ودون أن يستطيع له دفعا أو ردّا. ويتسع به

стр. 2970

التفكير فى شرور الحياة الإنسانية وآلامها ويستولى عليه تشاؤم لا أول له ولا آخر، كما يستولى عليه يأس يثقل عليه ثقلا طويلا ويملأ نفسه شقاء وعناء. وإذا كانت الحياة على هذا النحو من الشر ففيم إذن تلقى الأبناء لها من آبائهم وفيم الزواج وهى شر متصل، شر يؤذن دائما بالكوارث والخطوب وتلاحق الفواجع والنكبات، ولا منقذ ولا مخلص: وهل يأبق الإنسان من ملك ربّه ... ويخرج من أرض له وسماء إنه أسير شرور الحياة وهو لا يستطيع منها فكاكا ولا خلاصا، وحرىّ به أن لا يتخذ ولدا حتى لا يرمى به فى أتون هذه الشرور المهلكة. ولا تشغل أبا العلاء فى لزومياته الشرور الكبرى التى تقع دائما على عاتق الإنسان بل تشغله أيضا الشرور الصغرى التى تحيط بإنسان عصره، وأى شرور؟ شرور الحكم الفاسد لمصر والشام: حكم الفاطميين الذين أحاطهم دعاتهم بهالة قدسية، حتى زعموا أن قدرة الله انتقلت إليهم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، ولججوا فى نعتهم بصفات الله حتى آمنت طائفة فى زمن أبى العلاء بتجسد الألوهية فى الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى. وهذا البهتان فى العقيدة كان يروّج له دعاتهم وخطباؤهم فى المساجد، وفى رأينا أنهم المقصودون بحملة أبى العلاء على علماء الدين فى أيامه بمثل قوله: نادت على الدين فى الآفاق طائفة ... يا قوم من يشترى دينا بدينار جنوا كبائر آثام وقد زعموا ... أنّ الصغائر تجنى الخلد فى النار وهو يتهمهم بأنهم باعوا باتباعهم المذهب الفاطمى دينهم بثمن بخس دراهم معدودة. وكما حمل على علماء الدين المروّجين للعقيدة الفاطمية حمل على الصوفية لقولهم بالحلول، وسخر كثيرا من ذكرهم وتواجدهم فيه، وسماه رقصا ومن قوله فيهم: تزيّوا بالتصوف عن خداع ... فهل رزت الرجال أو اعتميت (١) وقاموا فى تواجدهم فداروا ... كأنهم ثمال من كميت (٢) وهاجم الحكّام عامة الذين يرهقون الشعب بضرائب فادحة، دون أن يؤدوا بها أى نفع له أو أى مصلحة، وفى ذلك يقول:

стр. 2971

وأرى ملوكا لا تحوط رعيّة ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس ويقول فيهم: ظلموا الرعيّة واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجراؤها فهم أجراء عند الشعب يأخذون رواتبهم من كدّه ويعتصرونها من عرقه، ومع ذلك يظلمونه ويبغون عليه ويكيدون له ويأتمرون به. ويتسع بحملته، فيشمل بها الناس من حوله فلا أخ كما مر بنا ولا صديق، وقد شاع الطمع والحقد والمكر والخديعة والخلق الزرىّ المشين. ولم ينس المرأة فى إعلان هذا السخط، فقد وصفها بأنها لا تنصف فى الود ولا تفى للعهد، ولم ينصح بتعلمها، فحسبها فى رأيه-الغزل والنسيج والرّدن أو الحياكة: علّموهنّ النّسج والغزل والرّد ... ن وخلّوا كتابة وقراءه وإنما دفعه إلى ذلك-فى رأينا-فساد المجتمع فى بعض جوانبه. وقد دفعه شعوره بالرحمة على الفقراء لزمنه والرأفة بهم أن دعا إلى المساواة بين الناس فى السرّاء والضرّاء، يقول: كيف لا يشرك المضيقين فى النع ... مة قوم عليهم النّعماء وكل هذه جوانب تمس إنسان عصره وما كان يريد له من حياة كريمة، وليس هذا هو الشطر الأكبر فى اللزوميات، فقد أودعها كما مرّ بنا آنفا كل ما شعر به من آلام الإنسان وأصابه وأوجاعه فى دنياه إزاء ما يصبّ عليه من شرورها وهمومها وأفاعيها التى تلدغه صباح مساء. ويشيع أبو العلاء فى أشعاره حيرة تتراءى ظلالها فى اللزوميات مما جعل بعض القدماء والمعاصرين يقولون إنه كان يشك فى كل شئ ويتخذ الشك عقيدة له-كما اتخذه السوفسطائيون-ويسلطه على ما حوله حتى على الديانات، واستدلوا على ذلك بمثل قوله: هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ... ويهود حارت والمجوس مضلّله اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر ديّن لا عقل له والبيتان فى هجاء أصحاب هذه الديانات لزمنه لا الديانات نفسها، إذ توزعوا أيامه فرقا كثيرة، وكل فرقة تكفّر أختها فى داخل الدين الواحد، وكان المذهب الإسماعيلى الفاطمى قائما فى مصر ويدعو له الحكام وعلماء الدين فى الشام. وطبيعى أن يعجب ممن يدعو لهذا المذهب المسرف

стр. 2972

فى الغلو غلوّا شديدا، بل المسرف فى الانحراف عن الإسلام انحرافا مفرطا. وقد استعرضنا فى مقالنا عن التفكير الفلسفى فى شعر أبى العلاء بكتابنا «فصول فى الشعر ونقده» الأشعار التى قالوا إنه هاجم بها الديانات ووصموه من أجلها بالإلحاد وأثبتنا أن بينها منحولا كثيرا انتحله عليه خصومه. ويبدو أن أيادى شريرة امتدت إلى اللزوميات قديما وأدخلت عليها فسادا غير قليل، يدل على ذلك دلالة قاطعة أننا نقرأ فيها: قد ترامت إلى الفساد البرايا ... واستوت فى الضلالة الأديان والبيت على هذا النحو يلصق تهمة الالحاد بأبى العلاء، إذ ينسب الضلالة إلى جميع الأديان، غير أننا إذا رجعنا إلى كتاب شرح المختار من لزوميات أبى العلاء لابن السيد البطليوسى المتوفى سنة ٥٢١ بعد أبى العلاء بسبعين عاما وجدناه ينشده على هذا النمط. قد ترامت إلى الفساد البرايا ... ونهتنا-لو ننتهى-الأديان ورواية البطليوسى للبيت أوثق من رواية اللزوميات المطبوعة لأنها أقدم من مخطوطاتها التى اعتمدت عليها وأيضا من النسخ الخطية المحفوظة فى دار الكتب المصرية، مما يدل بوضوح على أن تحريفات (١) مقصودة لبعض ذوى الأهواء الملحدين أدخلت على اللزميات من قديم. ومن المؤكد أنه أضيفت إليه بعض أشعار الزنادقة (٢) مثل ابن الراوندى. وقرأ بعض المعاصرين عنده أبياتا ظنوا منها أنه يؤمن بقدم المادة والزمان والكواكب وخلودها مخالفا بذلك رأى المتكلمين المسلمين فى حدوثها جميعا وأنها ليست قديمة فلا قديم سوى الله، وهى فى واقع الأمر أبيات شبّهت عليهم من مثل قوله: أرى زمنا تقادم غير فان ... فسبحان المهيمن ذى الكمال وقوله: يا شهب إنك فى السماء قديمة ... وأشرت للحكماء كلّ مشار

стр. 2973

وهو فى البيت الأول جعل الله مسيطرا على الزمان مشيرا بذلك إلى أنه محدث من صنعه، وكل ما هناك أنه قال إن الزمان تقادم أى تعمق فى القدم، وجعل الشهب فى البيت الثانى قديمة وهو لا يقصد بالقدم فى البيتين ما يناقض الحدوث إنما يقصد ما يناقض الحداثة بشهادة قوله: وليس اعتقادى خلود النجوم ... ولا مذهبى قدم العالم فهو لا يقول بخلود الأفلاك والكواكب والمادة ولا بقدمها كما كان يقول فلاسفة اليونان. وإنما دخل الخطأ على بعض الباحثين من فهمهم القدم فى مثل البيتين السالفين-كما قلنا-بأنه يعنى نقيض الحدوث وهو إنما يعنى نقيض الحداثة، وقد بسطنا ذلك فى مقالنا عن أبى العلاء بكتابنا المذكور آنفا، وأوضحنا أنه فى أشعاره مؤمن إيمانا عميقا بالديانات السماوية والدين الحنيف ورسالته السامية، كما أوضحنا أن هذا الايمان أصل أساسى من أصول تفكيره الفلسفى العلائى، وأنشدنا له طائفة من الأشعار التى تصور بوضوح إيمانه بالتكاليف الشرعية وبالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكل ما يتصل به من بعث ونشور من مثل قوله: أقيم خمسى وصوم الدهر آلفه ... وأدمن الذكر أبكارا بآصال فهو صائم الدهر، فرض على نفسه الصوم حين بلغ الثلاثين من عمره كما مر بنا، وهو دائما يتجه إلى ربه مصليا الصلوات الخمس دون أى انقطاع واصلا صلاته بالصيام والدعاء والذكر والتبتل والاستغفار. ويعترف مرارا بالبعث والحساب وأن ملكين يكتبان عن يمينه وشماله حسناته وسيئاته، يقول: قد راعنى للحساب ذكر ... وغرّنى أنه بعيد وعن يمينى وعن شمالى ... بصحبتى حافظ قعيد وهو يستلهم فى البيتين قوله تعالى: (إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد). ويعترف بحساب القبر وسؤال الملكين منكر ونكير فيه للناس، يقول مخاطبا الليالى: خلّصينى من ضنك ما أنا فيه ... واطرحينى لمنكر ونكير ويشعر فى عمق بأنه مقصّر مهما قدم لربه من عبادة، ويأمل دائما فى عفوه ومغفرته يوم النشور، يقول ضارعا:

стр. 2974

ومغفرة الله مرجوّة ... إذا أصبحت أعظمى فى الرّمم ويا ليتنى هامد لا أقوم ... إذا نهضوا ينفضون اللّمم ونادى المنادى على غفلة ... فلم يبق فى أذن من صمم وجاءت صحائف قد ضمّنت ... كبائر آثامهم واللّمم (١) وليت العقوبة تحريقة ... فصاروا رمادا بها أو حمم (٢) فهو آمل فى غفران الله. ومع حياته الزاهدة الناسكة يخاف لقاء ربه حتى ليتمنى أن لا يبعث يوم القيامة ﴿يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ كما جاء فى سورة ق، فيهبّ الناس من رقادهم. ويقول أبو العلاء إنهم يسمعون النداء أو الصيحة بآذانهم، ويستلهم مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً.﴾ وما يلبث أن يقول ليت العقاب يوم القيامة كان تحريقا يصبح العصاة به رمادا أو حمما فيستريحون، ولكنه عذاب خالد، وقد تكرر ذلك فى القرآن كثيرا مثل: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.﴾ ولعل فى ذلك ما يسقط كل ما قاله عنه بروكلمان فى ترجمته له من أنه كان لا يعترف برسالة الإسلام وأيضا ما قاله بعض المعاصرين عنه من أنه كان منكرا للنبوات جاحدا بالرسالة المحمدية، وكيف يقال عنه إنه كان يجحدها، وله قصيدة رائعة فى مديح الرسول ﷺ ختمها بقوله بعد إشادة رائعة به وبرسالته النبوية: فصلّى عليه الله ما ذرّ شارق ... وما فتّ مسكا ذكره فى المحافل واقترن ذلك عنده-كما مر بنا-بالزهد والتقشف وهو فيهما يصدر عن الإسلام وروحه، وحقا كان متشائما تشاؤما عميقا يملأ حنايا نفسه، ولكن كان لا يزال يومض له بريق الأمل فى رحمة ربه وعفوه، يقول: وما أنا بائس من عفو ربّى ... على ما كان من عمد وسهو وذهب بعض المعاصرين إلى أنه اتخذ العقل إماما له، لا يثق ولا يستسلم ولا يلقى مقاليده إلا إليه، لمثل قوله: كذب الظنّ لا إمام سوى العق ... ل مشيرا فى صبحه والمساء

стр. 2975

وظنوا أن فى ذلك ما يتصل من بعض الوجوه لإنكاره-فى رأيهم للنبوات، وفاتهم أنه متابع فى تمجيده للعقل واعتزازه به للمعتزلة وقد مرت بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أبيات بشر بن المعتمر المعتزلى الرائعة فى تمجيد العقل، وما زال المعتزلة يشيدون به حتى نفذ الجبّائى وابنه أبو هاشم إلى إثبات شريعة عقلية بجانب شريعة الوحى السماوى وهى لا تخالفها بل تشهد لها وتسندها. وأبو العلاء يتابع الجبائى وابنه، وكان يخالفهما الأشعرى، ولذلك حمل عليه أبو العلاء فى رسالة الغفران. وكان-مثل المعتزلة-يفسح للظن، إذ الظن أساس المعرفة وأساس ما يصل إليه الإنسان من اليقين وفى ذلك يقول: أما اليقين فلا يقين وإنما ... أقصى اجتهادى أن أظنّ وأحدسا فمبلغ علمه الوصول إلى الظن، وهو بذلك يتفق مع المعتزلة القائلين بأن كثيرا من التكاليف العقلية والشرعية مرجعه فى الاجتهاد إلى الظن. ويذهب بعض دارسى أبى العلاء إلى أنه كان يؤمن بالجبر مكرّرا أن الإنسان يدخل الدنيا كارها ويخرج منها كارها، يقول: خرجت إلى ذى الدار كرها ورحلتى ... إلى غيرها بالرّغم والله شاهد وأبو العلاء إنما كان يؤمن بالجبر فى حياته وموته ووجوده فكل ذلك يحدث بإرادة الله ولا دخل لإرادة الإنسان فيه، إذ لا نخرج إلى الدنيا اختيارا ولا نرحل عنها اختيارا، وهو ما لا ينكره عليه أحد من القائلين بحرية الإرادة للإنسان إذ يريد بها المعتزلة-وهو معتزلى مثلهم-إرادة الأعمال والأفعال، ويقدّم على ذلك دليلا قاطعا حاسما قائلا: إن كان من فعل الكبائر مجبرا ... فعقابه ظلم على ما يفعل وهو بذلك ينكر الجبر صراحة فيما يقترف الإنسان من كبائر، ويرتب أبو العلاء عليه-عند القائلين به-نسبة الظلم إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وهو بذلك يصدر عن فكرة المعتزلة القائلة بوجوب العدل على الله كما يصدر عن فكرتهم أن الإنسان حر تام الحرية فى أفعاله وتصرفاته أما ما وراء ذلك من الأعمال الكونية فخاص بالله وارادته العليا ولذلك يقول: لا تعش مجبرا ولا قدريّا ... واجتهد فى توسّط بين بينا

стр. 2976

فمذهبه فى حرية الإرادة مذهب المعتزلة ومذهبه فيما يخرج عن إرادة الإنسان من نظام الكون والوجود مذهب الجبر ولا يخالفه معتزلى فى ذلك، لأن أحدا لا يستطيع أن يقول إنه يولد باختياره أو يموت باختياره، وإنما الجدل بين الجبرية والقدرية فى إرادة الإنسان إزاء تصرفاته وهل هو حر مختار يتصرف فى أفعاله وأعماله بمشيئته أو هو كريشة فى مهب رياح القضاء والقدر تسيّره كما تريد. واختار القدرية والمعتزلة الرأى الأول، وهو ما اختاره أبو العلاء بين ما اختاره من الأفكار الاعتزالية وقد صرّح مرارا بما قاله المعتزلة من تنزيه الله عن التجسيد والشبه بالمخلوقات: ولعل ما أسلفنا من الحديث يوضح فى إجمال كيف كان أبو العلاء فيلسوفا إسلاميا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وكيف أن فلسفته كانت تقوم على تشاؤم حاد يردّ إلى فقده لبصره صبيا وإلى ما أطبق على المجتمع لزمنه من شرور ومن حكم فاسد، كما تردّ إلى إحساسه العميق بآلام الإنسانية التى ملأت قلبه لوعة، مما جعله مفكرا إنسانيا عظيما. هذا جانب فى فلسفته، وجانب ثان استمدّه من الدين الحنيف وما فيه من دعوة إلى الزهد والتقشف والإيمان الصادق بالله وملائكته وكتبه وتكاليفه الشرعية واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، مع الاعتقاد بحدوث الكون وكلّ ما فيه من مادة وزمان وأفلاك وكواكب، فالله خالق الكون ومبدعه قال له: كن فكان. وجانب ثالث فى فلسفته استمده من الاعتزال وما فيه من تمجيد العقل وتقديسه، ومن وجوب العدل على الله وتنزيهه عن التجسيد، ومن الإيمان بحرية الإرادة للإنسان وأنه حر كامل الحرية فى أفعاله الشريرة الآثمة والخيّرة الطيبة. منصور (١) بن المسلم هو منصور بن المسلم التميمى الحلبى المعروف بالدّميك وبابن أبى الخرجين، ولد بحلب سنة ٤٥٧ وبها نشأ وحفظ القرآن كعادة لداته «اختلف إلى شوخها، وشغف خاصة بالعربية وأساتذتها، فتزود منها خير زاد، وأنس من نفسه رغبة فى تعليمها وانتقل عن حلب وسكن دمشق، وتحول بها مؤدبا يعلم الصبيان فى مسجد الرماحين وغيره، وظل فى هذا العمل يشغل به حياته حتى توفى سنة نيف وعشرين وخمسمائة. وكان يتقن العربية، مما جعله يصنف كتابا فى الرد على ابن جنى فى كتابه «إعراب الحماسة» ويقول مترجموه إنه دلّ فيه على تعمق فى العربية وجودة

стр. 2977

غوص. ويقول ياقوت كان له ديوان شعر وقفت عليه بخطه الرائق فوجدته مشحونا بالفوائد النحوية، وقد شرح ألفاظه اللغوية واعتنى بإعرابه فدلّ على تبحره فى علم العربية». وروى العماد الأصبهانى فى الخريدة طائفة من شعره، بينها غزل كثير يدل على رهافة حسه ودقة شعوره من مثل قوله: أأحبابنا إن خلّف البين بعدكم ... قلوبا ففيها للتفرّق نيران رحلتم على أن القلوب دياركم ... وأنكم فيها على النّأى سكّان ونمضى معه فى هذا الغزل الملتاع وإذا هو يذكر غربته فى دمشق، وينتقل من الغزل إلى سرد بعض خبرات له فى الحياة، مما تعمق نفسه فى غربته الطويلة عن ملاعب صباه وشبابه وعن مجالس إخوانه وخلاّنه، يقول: وما باختيار المرء تشعب نيّة ... فتبرح أوطار وتنزح أوطان (١) عسى مورد من ماء جوشن ناقع ... فإنى إلى تلك الموارد ظمآن وما كلّ إنسان ينال مراده ... ويسعده فيما يحاول إمكان وعيش الفتى طعمان حلو وعلقم ... كما حاله قسمان: رزق وحرمان وهو يألم لغربته ونزوحه عن وطنه، ويتمنى جرعة من ماء الآبار فى جبل جوشن المشرف على حلب ينقع بها لهيب ظمئه إلى موطنه ودياره. ويسوق ذلك فى عبارات عامة تحيل البيتين الأول والثانى حكمتين بديعتين، وكأنه يريد أن يعزى نفسه فينظم الحكمتين التاليتين، فليس كل إنسان تتحقق مناه ويعيش سعيدا، بل كان إنسان يذوق الحلو والمر فى حياته كما يذوق الرضا والحرمان. ويستهل قصيدة أخرى بالغزل أيضا وما يلبث أن يفضى إلى الحكم قائلا: رأيت الفتى يأتيه ما لا يناله ... بسعى ولو أنضى الرّكائب والرّكبا (٢) ومن رام إدراك المنى بفضيلة ... فقد رام أمر ليس يدركه صعبا ويذهب بالودّ المراء ويمترى ... حفائظ لا تبقى على صاحب صحبا (٣) توقّ قليل الشرّ خوف كثيره ... ولا تحقرنّ النّزر ربّتما أربى فإن صغير الشئ يكبر أمره ... وكم لفظة جرّت إلى أهلها حربا

стр. 2978

وهو يتكلم فى أول الأبيات عن الحظ وما يغدقه على الإنسان، دون سعى، من منى لو أضنى فيها الركائب والركب ما نالها أبدا، ومهما تذرع لها من فضيلة وخصال طيبة ما دنت قطوفها منه بحال، وينصح الأصدقاء أن لا ينشب بينهم مراء ولا جدال مقيت لأنه يثير حفائظهم ومكامن الغيظ منهم ويقطع ما بينهم من صلات. ويوصى الإنسان أن يتجنّب قليل الشر حتى لا يقع فى وهاده الكثيرة السيئة، وأن لا يظنه-مهما صغر وتضاءل-شيئا لا يؤبه به، فقد ينمو كما تنمو النار من بعض الشرر، وكم من شر قليل حقير نما واستفحل واستعصى علاجه، وكم من لفظة حمقاء أو قدت نار حرب مستطيرة. وينثر فى قصيدة ثالثة طائفة من الحكم كقوله: وقد يحبب الإنسان ما فيه نقصه ... ويبغض ما ينمى به ويزيد نريد من الأيام تصفو من الأذى ... وتضفو ولا يقضى بذاك وجود (١) وكيف نروم العيش خلوا من القذى ... وللماء من بعد الصّفاء ركود إذا كان يعطى المرء ما يستحقّه ... تساوى شقىّ فى القضا وسعيد ومن جرّب الدنيا على سوء فعلها ... يعيب ذميم العيش وهو حميد وقد ألهمه البيت الأول قوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرّ لكم) ويقول إننا نريد من الأيام صفاء من الشوائب وأن تكون ضافية سابغة رغدة ولا تقضى بذلك سنة الوجود، حتى فى الطبيعة، فالماء يركد بعد صفء وحركة دائبة. ولو أن كل شخص نال ما تمنى لخالف ذلك سنة الحياة وأن الناس منهم شقى وسعيد، وجدير بمن خبر الدنيا أن يرضى بميسور عيشه وأن يصبح فى رأيه حميدا لا كريها مذموما. ومن طريف شعره. الناس كالأرض ومنها هم ... من خشن اللّمس ومن لين مرو توقّى الرّجل منه الأذى ... وإثمد يجعل فى العين (٢) وهو تقسيم بديع للناس فهم كأمهم الأرض معادن مختلفة، منهم الصّلد الذى لا يأتى بخير بل قد يؤذى، ومنهم الكحل النافع الذى يبرئ العين ويزيدها حسنا وبهاء وجمالا. ولمنصور وراء ذلك أشعار يدعو فيها إلى الزهد فى الدنيا والتقوى والعمل الصالح.

стр. 2979

حسين (١) الجزرى هو حسين بن أحمد الجزرى الحلبى، ولد بحلب وبها نشأ لزمن العثمانيين فحفظ القرآن الكريم ثم اختلف إلى حلقات الشيوخ والأدباء وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وقصد به الرؤساء والحكام فى دمشق والعراق ودخل القسطنطينية واصطفاه بنو سيفا أمراء طرابلس لأنفسهم، فنظم فيهم كثيرا من مدائحه، وفيه يقول ابن معصوم: «أحد صاغة القريض. . العالم بشعار الأشعار والمقتفى لأبكار الأفكار. . راقت بدائع آدابه ورقّت، وملكت روائعه حرّ الكلام واسترقّت» ويقول الشهاب الخفاجى: «أديب له أوصاف حسنى، ومناقب هن الوشى بهجة وحسنا» توفى سنة ١٠٣٤ للهجرة. وله ديوان شعر نشر فى بيروت أولا ثم نشره الطباخ مع ديوانى مصطفى البابى والفتح بن النحاس فى مجموعته: العقود الدرية. وأشعاره موزعة بين المديح والغزل والفخر والشكوى، وكان يشغف بالحكمة ينثرها فى الشعر قائلا: الشعر ما شاقتك منه حكمة ... لا ما يشوّقك الكثيب الأوعسا (٢) فليس الشعر فى رأيه ما يصور نزعة الحب الإنسانية وإنما الشعر ما يفيد تجربة وخبرة وبصرا بالحياة. وهو لذلك لا يعد الشعر المشوق لديار الحبيبة ومعاهدها من كثبان وعساء وغير وعساء شعرا رفيع المنزلة فأرفع منه ما يزيدك إدراكا بالحياة من حولك، ويعرّفك كنهها وحقيقتها، يقول فى تضاعيف غزل له: إن المحبّة محنة لا منحة ... ومن الغرام برى المحبّ المغرما وإذا منعت الماء أول مرّة ... ووردته أخرى تذكّرت الظّما فى كل يوم روعة أو لوعة ... والفذّ تقعده الحوادث توأما ولقد ملئت تحاربا وتجاربا ... لن تلقنى إلا إناء مفعما وهى أفكار يعطيها صفة التعميم مما يجعلها حكما وأمثالا، فالحب محنة لا منحة يضنى صاحبه، ومن تصدّه صاحبته أول مرة كمن يصدّ عن الماء وهو شديد الظمأ إذ لا يزال يذكر ذلك حتى لو

стр. 2980

أتيح له الورود، فظمؤه ولهفته القديمان لا يبرحان ذاكرته، وهل فى الحب إلا صدّ وامتناع وعذاب، والمحب يصلى الروعة بعد الروعة واللوعة بعد اللوعة، ويقول إنه مفعم بالتجارب كما يفعم الإناء بالماء، وينشد: أرى اليأس عزّا والرّجا ذلّة الفتى ... وطول المنى عجزا وحبّ الغنى فقرا فلا تضجرن من حالة مستحيلة ... كما نلتها عسرا ستتركها يسرا وإن الفتى كالغصن مادام نابتا ... فآونة يكسى وآونة يعرى وهو يرى اليأس من الناس وتحقيق الآمال لا إحدى الراحتين فحسب، بل عزّا ما بعده عز، كما يرى الرجاء وخاصة فى الناس ذلا ما بعده ذل، واتساع الأمانى عجزا لا يشبهه عجز، والتطلع إلى الغنى فقرا لا يماثله فقر. فخير للانسان أن يقنع وأن يرضى من دنياه بالكفاف. ويوصيه أن لا يضجر من شدة تنزل به لانها لا بد أن تستحيل وتتحول، فكل عسر معه يسر، وما أشبه الإنسان بغصن شجرة يعرى من الأوراق ويكسى بها كل عام. ويقول: إن خصّنى بالبؤس دهرى دائما ... دون الورى فأنا بذلك أفضل هذى عقاقير العطارة كلّها ... لم يحترق منهن إلا المندل فهو يتقبل البؤس راضيا ويتعلل لبؤسه بأنه أشبه ما يكون بالمندل أو العود الطيب الرائحة فإنه يحرق وحده دون ما عند العطار من صنوف عطارة كثيرة. ويتردد فى أشعاره ذكر الحرمان وأن الكريم لا تضره قلة المال بينما اللئيم لا يجديه ولا ينفعه الثراء، ويحاول أن يجد له ولأمثاله من الأدباء والفضلاء تعلّلات للتضييق على نفر منهم فى الرزق بمثل قوله: لا تحسب الأرزاق تقسم باطلا ... كلا لقد ساوى المهيمن بينها فإذا رزقت الجهل أدركت المنى ... وإذا حرمت الجدّ أعطيت النّهى وكأن أهل الأرض فى رأيه اثنان: جاهل ثرى له كل ما يأمل ويتمنى وكأن الدنيا طوع أمره، وعاقل (أديب أو عالم) فقير حرم الجدّ أو الحظ وحرم معه إكسير الحياة من المال والثراء والنعيم. ويقول: غير بدع إذا ظلمت بدهر ... رزق الغمر فيه حظّا عظيما فالهواء الصحيح يدعى عليلا ... واللّديغ المصاب يدعى سليما
следующие страницы →