فمذهبه فى حرية الإرادة مذهب المعتزلة ومذهبه فيما يخرج عن إرادة الإنسان من نظام الكون والوجود مذهب الجبر ولا يخالفه معتزلى فى ذلك، لأن أحدا لا يستطيع أن يقول إنه يولد باختياره أو يموت باختياره، وإنما الجدل بين الجبرية والقدرية فى إرادة الإنسان إزاء تصرفاته وهل هو حر مختار يتصرف فى أفعاله وأعماله بمشيئته أو هو كريشة فى مهب رياح القضاء والقدر تسيّره كما تريد.
واختار القدرية والمعتزلة الرأى الأول، وهو ما اختاره أبو العلاء بين ما اختاره من الأفكار الاعتزالية وقد صرّح مرارا بما قاله المعتزلة من تنزيه الله عن التجسيد والشبه بالمخلوقات:
ولعل ما أسلفنا من الحديث يوضح فى إجمال كيف كان أبو العلاء فيلسوفا إسلاميا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وكيف أن فلسفته كانت تقوم على تشاؤم حاد يردّ إلى فقده لبصره صبيا وإلى ما أطبق على المجتمع لزمنه من شرور ومن حكم فاسد، كما تردّ إلى إحساسه العميق بآلام الإنسانية التى ملأت قلبه لوعة، مما جعله مفكرا إنسانيا عظيما. هذا جانب فى فلسفته، وجانب ثان استمدّه من الدين الحنيف وما فيه من دعوة إلى الزهد والتقشف والإيمان الصادق بالله وملائكته وكتبه وتكاليفه الشرعية واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، مع الاعتقاد بحدوث الكون وكلّ ما فيه من مادة وزمان وأفلاك وكواكب، فالله خالق الكون ومبدعه قال له: كن فكان. وجانب ثالث فى فلسفته استمده من الاعتزال وما فيه من تمجيد العقل وتقديسه، ومن وجوب العدل على الله وتنزيهه عن التجسيد، ومن الإيمان بحرية الإرادة للإنسان وأنه حر كامل الحرية فى أفعاله الشريرة الآثمة والخيّرة الطيبة.
منصور (١) بن المسلم
هو منصور بن المسلم التميمى الحلبى المعروف بالدّميك وبابن أبى الخرجين، ولد بحلب سنة ٤٥٧ وبها نشأ وحفظ القرآن كعادة لداته «اختلف إلى شوخها، وشغف خاصة بالعربية وأساتذتها، فتزود منها خير زاد، وأنس من نفسه رغبة فى تعليمها وانتقل عن حلب وسكن دمشق، وتحول بها مؤدبا يعلم الصبيان فى مسجد الرماحين وغيره، وظل فى هذا العمل يشغل به حياته حتى توفى سنة نيف وعشرين وخمسمائة. وكان يتقن العربية، مما جعله يصنف كتابا فى الرد على ابن جنى فى كتابه «إعراب الحماسة» ويقول مترجموه إنه دلّ فيه على تعمق فى العربية وجودة
стр. 2977
غوص. ويقول ياقوت كان له ديوان شعر وقفت عليه بخطه الرائق فوجدته مشحونا بالفوائد النحوية، وقد شرح ألفاظه اللغوية واعتنى بإعرابه فدلّ على تبحره فى علم العربية». وروى العماد الأصبهانى فى الخريدة طائفة من شعره، بينها غزل كثير يدل على رهافة حسه ودقة شعوره من مثل قوله:
أأحبابنا إن خلّف البين بعدكم ... قلوبا ففيها للتفرّق نيران
رحلتم على أن القلوب دياركم ... وأنكم فيها على النّأى سكّان
ونمضى معه فى هذا الغزل الملتاع وإذا هو يذكر غربته فى دمشق، وينتقل من الغزل إلى سرد بعض خبرات له فى الحياة، مما تعمق نفسه فى غربته الطويلة عن ملاعب صباه وشبابه وعن مجالس إخوانه وخلاّنه، يقول:
وما باختيار المرء تشعب نيّة ... فتبرح أوطار وتنزح أوطان (١)
عسى مورد من ماء جوشن ناقع ... فإنى إلى تلك الموارد ظمآن
وما كلّ إنسان ينال مراده ... ويسعده فيما يحاول إمكان
وعيش الفتى طعمان حلو وعلقم ... كما حاله قسمان: رزق وحرمان
وهو يألم لغربته ونزوحه عن وطنه، ويتمنى جرعة من ماء الآبار فى جبل جوشن المشرف على حلب ينقع بها لهيب ظمئه إلى موطنه ودياره. ويسوق ذلك فى عبارات عامة تحيل البيتين الأول والثانى حكمتين بديعتين، وكأنه يريد أن يعزى نفسه فينظم الحكمتين التاليتين، فليس كل إنسان تتحقق مناه ويعيش سعيدا، بل كان إنسان يذوق الحلو والمر فى حياته كما يذوق الرضا والحرمان.
ويستهل قصيدة أخرى بالغزل أيضا وما يلبث أن يفضى إلى الحكم قائلا:
رأيت الفتى يأتيه ما لا يناله ... بسعى ولو أنضى الرّكائب والرّكبا (٢)
ومن رام إدراك المنى بفضيلة ... فقد رام أمر ليس يدركه صعبا
ويذهب بالودّ المراء ويمترى ... حفائظ لا تبقى على صاحب صحبا (٣)
توقّ قليل الشرّ خوف كثيره ... ولا تحقرنّ النّزر ربّتما أربى
فإن صغير الشئ يكبر أمره ... وكم لفظة جرّت إلى أهلها حربا
стр. 2978
وهو يتكلم فى أول الأبيات عن الحظ وما يغدقه على الإنسان، دون سعى، من منى لو أضنى فيها الركائب والركب ما نالها أبدا، ومهما تذرع لها من فضيلة وخصال طيبة ما دنت قطوفها منه بحال، وينصح الأصدقاء أن لا ينشب بينهم مراء ولا جدال مقيت لأنه يثير حفائظهم ومكامن الغيظ منهم ويقطع ما بينهم من صلات. ويوصى الإنسان أن يتجنّب قليل الشر حتى لا يقع فى وهاده الكثيرة السيئة، وأن لا يظنه-مهما صغر وتضاءل-شيئا لا يؤبه به، فقد ينمو كما تنمو النار من بعض الشرر، وكم من شر قليل حقير نما واستفحل واستعصى علاجه، وكم من لفظة حمقاء أو قدت نار حرب مستطيرة. وينثر فى قصيدة ثالثة طائفة من الحكم كقوله:
وقد يحبب الإنسان ما فيه نقصه ... ويبغض ما ينمى به ويزيد
نريد من الأيام تصفو من الأذى ... وتضفو ولا يقضى بذاك وجود (١)
وكيف نروم العيش خلوا من القذى ... وللماء من بعد الصّفاء ركود
إذا كان يعطى المرء ما يستحقّه ... تساوى شقىّ فى القضا وسعيد
ومن جرّب الدنيا على سوء فعلها ... يعيب ذميم العيش وهو حميد
وقد ألهمه البيت الأول قوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرّ لكم) ويقول إننا نريد من الأيام صفاء من الشوائب وأن تكون ضافية سابغة رغدة ولا تقضى بذلك سنة الوجود، حتى فى الطبيعة، فالماء يركد بعد صفء وحركة دائبة. ولو أن كل شخص نال ما تمنى لخالف ذلك سنة الحياة وأن الناس منهم شقى وسعيد، وجدير بمن خبر الدنيا أن يرضى بميسور عيشه وأن يصبح فى رأيه حميدا لا كريها مذموما. ومن طريف شعره.
الناس كالأرض ومنها هم ... من خشن اللّمس ومن لين
مرو توقّى الرّجل منه الأذى ... وإثمد يجعل فى العين (٢)
وهو تقسيم بديع للناس فهم كأمهم الأرض معادن مختلفة، منهم الصّلد الذى لا يأتى بخير بل قد يؤذى، ومنهم الكحل النافع الذى يبرئ العين ويزيدها حسنا وبهاء وجمالا. ولمنصور وراء ذلك أشعار يدعو فيها إلى الزهد فى الدنيا والتقوى والعمل الصالح.
стр. 2979
حسين (١) الجزرى
هو حسين بن أحمد الجزرى الحلبى، ولد بحلب وبها نشأ لزمن العثمانيين فحفظ القرآن الكريم ثم اختلف إلى حلقات الشيوخ والأدباء وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وقصد به الرؤساء والحكام فى دمشق والعراق ودخل القسطنطينية واصطفاه بنو سيفا أمراء طرابلس لأنفسهم، فنظم فيهم كثيرا من مدائحه، وفيه يقول ابن معصوم: «أحد صاغة القريض. . العالم بشعار الأشعار والمقتفى لأبكار الأفكار. . راقت بدائع آدابه ورقّت، وملكت روائعه حرّ الكلام واسترقّت» ويقول الشهاب الخفاجى: «أديب له أوصاف حسنى، ومناقب هن الوشى بهجة وحسنا» توفى سنة ١٠٣٤ للهجرة. وله ديوان شعر نشر فى بيروت أولا ثم نشره الطباخ مع ديوانى مصطفى البابى والفتح بن النحاس فى مجموعته: العقود الدرية. وأشعاره موزعة بين المديح والغزل والفخر والشكوى، وكان يشغف بالحكمة ينثرها فى الشعر قائلا:
الشعر ما شاقتك منه حكمة ... لا ما يشوّقك الكثيب الأوعسا (٢)
فليس الشعر فى رأيه ما يصور نزعة الحب الإنسانية وإنما الشعر ما يفيد تجربة وخبرة وبصرا بالحياة. وهو لذلك لا يعد الشعر المشوق لديار الحبيبة ومعاهدها من كثبان وعساء وغير وعساء شعرا رفيع المنزلة فأرفع منه ما يزيدك إدراكا بالحياة من حولك، ويعرّفك كنهها وحقيقتها، يقول فى تضاعيف غزل له:
إن المحبّة محنة لا منحة ... ومن الغرام برى المحبّ المغرما
وإذا منعت الماء أول مرّة ... ووردته أخرى تذكّرت الظّما
فى كل يوم روعة أو لوعة ... والفذّ تقعده الحوادث توأما
ولقد ملئت تحاربا وتجاربا ... لن تلقنى إلا إناء مفعما
وهى أفكار يعطيها صفة التعميم مما يجعلها حكما وأمثالا، فالحب محنة لا منحة يضنى صاحبه، ومن تصدّه صاحبته أول مرة كمن يصدّ عن الماء وهو شديد الظمأ إذ لا يزال يذكر ذلك حتى لو
стр. 2980
أتيح له الورود، فظمؤه ولهفته القديمان لا يبرحان ذاكرته، وهل فى الحب إلا صدّ وامتناع وعذاب، والمحب يصلى الروعة بعد الروعة واللوعة بعد اللوعة، ويقول إنه مفعم بالتجارب كما يفعم الإناء بالماء، وينشد:
أرى اليأس عزّا والرّجا ذلّة الفتى ... وطول المنى عجزا وحبّ الغنى فقرا
فلا تضجرن من حالة مستحيلة ... كما نلتها عسرا ستتركها يسرا
وإن الفتى كالغصن مادام نابتا ... فآونة يكسى وآونة يعرى
وهو يرى اليأس من الناس وتحقيق الآمال لا إحدى الراحتين فحسب، بل عزّا ما بعده عز، كما يرى الرجاء وخاصة فى الناس ذلا ما بعده ذل، واتساع الأمانى عجزا لا يشبهه عجز، والتطلع إلى الغنى فقرا لا يماثله فقر. فخير للانسان أن يقنع وأن يرضى من دنياه بالكفاف. ويوصيه أن لا يضجر من شدة تنزل به لانها لا بد أن تستحيل وتتحول، فكل عسر معه يسر، وما أشبه الإنسان بغصن شجرة يعرى من الأوراق ويكسى بها كل عام. ويقول:
إن خصّنى بالبؤس دهرى دائما ... دون الورى فأنا بذلك أفضل
هذى عقاقير العطارة كلّها ... لم يحترق منهن إلا المندل
فهو يتقبل البؤس راضيا ويتعلل لبؤسه بأنه أشبه ما يكون بالمندل أو العود الطيب الرائحة فإنه يحرق وحده دون ما عند العطار من صنوف عطارة كثيرة. ويتردد فى أشعاره ذكر الحرمان وأن الكريم لا تضره قلة المال بينما اللئيم لا يجديه ولا ينفعه الثراء، ويحاول أن يجد له ولأمثاله من الأدباء والفضلاء تعلّلات للتضييق على نفر منهم فى الرزق بمثل قوله:
لا تحسب الأرزاق تقسم باطلا ... كلا لقد ساوى المهيمن بينها
فإذا رزقت الجهل أدركت المنى ... وإذا حرمت الجدّ أعطيت النّهى
وكأن أهل الأرض فى رأيه اثنان: جاهل ثرى له كل ما يأمل ويتمنى وكأن الدنيا طوع أمره، وعاقل (أديب أو عالم) فقير حرم الجدّ أو الحظ وحرم معه إكسير الحياة من المال والثراء والنعيم.
ويقول:
غير بدع إذا ظلمت بدهر ... رزق الغمر فيه حظّا عظيما
فالهواء الصحيح يدعى عليلا ... واللّديغ المصاب يدعى سليما
стр. 2981
وهو يواسى من يحسّون بأنهم مظلومون فى دنياهم لم ينالوا حظهم الطبيعى من الرزق والعيش الكريم، بينما المغمورون يعيشون فى بحبوحة من الثراء والنعيم. ويقول إن النسيم المنعش الصحيح يدعى عليلا واللديغ يدعى سليما من تسمية الأضداد، ولعل فى ذلك بعض المواساة للمظلومين المحرومين. ويقول:
رويدك إن بعد الضّيق مخرج ... وصبرك عنده أبهى وأبهج
وكم من كربة عظمت وجلّت ... وعند حلولها الرحمن فرّج
وهو يدعو إلى الصبر عند الشدة والضيق إذ لا بد من رباطة الجأش دون أى تبرم ودون أى خور وضعف ودون أى يأس، مع الاعتصام بالله والأمل الدائم فى رحمته، وأنه لا بد كاشف الكرب والأهوال مهما اشتدت وإن فرجه لقريب، وإنه لدائما مع الصابرين الذين لا ييأسون أبدا من عونه. ولابن الجزرى وراء هذه الحكم وما يماثلها فى أشعاره-كما قدمنا-مدائح كثيرة، وله فيها أبيات بديعة من مثل قوله:
يلبّيك من قبل السؤال نواله ... ويأتيك دون الإنتظار نضاره
وله أبيات مختلفة فى الشكوى من الناس والأصدقاء، وفى غزله أبيات كثيرة جيدة، وقد كان شاعرا محسنا مجوّدا.
٦ - شعراء التشيع
مرّ بنا فى حديثنا عن التشيع أنه عرف فى سلمية بالشام مع حركة عبد الله بن ميمون القدّاح حوالى منتصف القرن الثالث الهجرى الداعى لمذهب الإسماعيلية المعروف، وهذا إنما يصدق على تلك الحركة الشيعية. ويبدو أن أفرادا من الشام كانوا يتشيعون قبل هذا التاريخ، لا التشيع الغالى المفرط ولكن التشيع المعتدل المقتصد، ويسلك فيهم بعض الباحثين أبا تمام لمثل قوله عن قصيدة له مخاطبا المأمون (١):
ووسيلتى منها إليك طريفة ... شام يدين بحبّ آل محمد
стр. 2982
وقد ذهبنا فى كتابنا العصر العباسى الأول إلى أن أبا تمام لم يكن يصدر فى مثل ذلك للمأمون عن تشيع إنما كان يريد أن يتقرب للخليفة بذكره لآل البيت. ومعروف أن المأمون كتب إلى الآفاق بتفضيل علىّ على أبى بكر وعمر، مما جعل الشاعر يشيد بعلى ومواقفه فى عهد الرسالة.
ويلقانا بعده ديك الجن الحمصى المتوفى سنة ٢٣٥ للهجرة وتشيعه أوضح من تشيع أبى تمام إذ نجد عنده أشعارا فى أهل البيت ومراثى تندب الحسين وتبكى مصرعه من مثل قوله فى افتتاح إحدى مراثيه (١):
يا عين لا للغضا ولا الكثب ... بكا الرّزايا سوى بكا الطّرب (٢)
يا عين فى كربلا مقابر قد ... تركن قلبى مقابر الكرب
من البهاليل آل فاطمة ... أهل المعالى والسادة النّجب
كم شرقت منهم السيوف وكم ... روّيت الأرض من دم سرب (٣)
ويقول أبو الفرج عن هذه المرثية إنها مشهورة عند الخاص والعام ويناح بها، كما يقول إنه كان يتشيع تشيعا حسنا (٤)، فتشيعه كان تشيعا معتدلا.
ولم تعرف الشام التشيع المفرط الغالى إلا منذ القدّاح ودعوته الإسماعيلية التى اتخذ لها سلمية بالقرب من حمص وحماة مركزا، وأخذ القرامطة يشيعون هذه الدعوة بين بدو الشام، غير أن دمشق ظلت بعيدة عن التشيع على الأقل حتى أوائل القرن الرابع إذ نجد النسائى صاحب كتاب السنن يلم بها سنة ٣٠٣ وكان يتشيع، فسألوه عن معاوية وما روى من فضائله فأبى أن يفضله، فما زالوا يدفعونه من المسجد، ويقال: داسوه بالأقدام. وخرج من دمشق خائفا يترقب إلى الرملة فمات بها. ويبدو أن الدعوة الشيعية-لقيت لها آذانا صاغية بحلب منذ مطالع القرن الرابع، ويلقانا هناك الصنوبرى المتوفى سنة ٣٣٤ وكان يتشيع-فيما يبدو-تشيعا معتدلا. ونراه يذكر- ما يؤمن به الشيعة من وصية الرسول ﵇ لعلى بالإمامة بعده، وله مراث فى الحسين تبكيه بكاء حارا من مثل قوله (٥):
стр. 2983
يوم الحسين هرقت دم ... ع الأرض بل دمع السماء
من ذا لمعقور الجوا ... د ممال أعواد الخباء
من للطريح الشّلو عر ... يانا مخلّى بالعراء
من للمحنّط بالتّرا ... ب وللمغسّل بالدماء
ومن أهم شعراء الشيعة الإماميين بعده أبو فراس الحمدانى المتوفى سنة ٣٥٧، ومعروف أن الحمدانيين كانوا شيعة إمامية، ويشتهر أبو فراس بقصيدة ميمية تصور عقيدته الشيعية وفيها هاجم العباسيين هجوما عنيفا ودافع عن العلويين دفاعا حارا، وتسمى الشافية افتتحها بقوله (١):
الدين مخترم والحقّ مهتضم ... وفئ آل رسول الله مقتسم
والفيئ: غنيمة الحرب، وهو يشير إلى فدك وكانت فيئا لرسول الله فى غزوته لخيبر والقرى حولها. وكانت السيدة فاطمة الزهراء فكرت فى إرثها عن أبيها الرسول ﷺ ، فذكّرها أبو بكر الصديق بقوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» فاستجابت توّا الرأيه وكان ينبغى أن يستجيب له أيضا أبو فراس. والقصيدة فى واحد وستين بيتا. ويعلن فى ديوانه مرارا أنه شيعى إمامى، ويذكر أئمتهم الاثنى عشر فى مثل قوله (٢):
شافعى أحمد النّبىّ ومولا ... ى علىّ والبنت والسّبطان
وعلىّ وباقر العلم والصا ... دق ثم الأمين ذو التّبيان
وعلىّ والمتّقى ابن علىّ ... وعلىّ والعسكرىّ الدانى
والإمام المهدىّ فى يوم لا ين ... فع إلا غفران ذى الغفران
والأئمة الاثنا عشر فى الأبيات مرتبون، وهم على بن أبى طالب وابناه سبطا الرسول، الحسن والحسين وعلى زين العابدين بن الحسين وابنه محمد الباقر وابن الباقر جعفر الصادق وابنه الأمين موسى الكاظم ونجل الكاظم على الرضا وابنه محمد الملقب بالمتقى والجواد ثم ابنه على الهادى ونجله حسن العسكرى ثم ابنه محمد المهدى ويسميه القائم فى مقطوعة ثانية ذكر فيها الأئمة الاثنى عشر حتى انتهى إلى العسكرى بن الهادى قائلا (٣):
стр. 2984
وابنه العسكرىّ والقائم المظ ... هر حقىّ محمد بن علىّ
ويعتقد الإمامية وخاصة الغلاة أن محمدا المهدى لم يمت وأنه غاب وسيعود ويسمونه قائم الزمان. وسنعرض هذه الفكرة عرضا أكثر تفصيلا فى حديثنا عن بهاء الدين العاملى. ويلقانا فى القرن الخامس الهجرى ابن سنان الخفاجى المتوفى سنة ٤٦٦ وهو شيعى إمامى، ومن آثار تشيعه فى شعره قوله (١):
وقالوا قد تغيّرت الليالى ... وضيّعت المنازل والحقوق
وأقسم ما استجدّ الدهر خلقا ... ولا عدوانه إلا عتيق
أليس يردّ عن فدك علىّ ... ويملك أكثر الدنيا عتيق
وهو يأسى لعلى وزوجته فاطمة الزهراء أنها ردّت عن ميراث فدك وقد كانت فكرت كما ذكرنا ذلك آنفا فى أن ترثها، وذكّرها أبو بكر بحديث أبيها ﷺ واستجابت له راضية. وكبرت كلمة تخرج من فم ابن سنان أن يقول عن الصدّيق الزاهد الذ أنفق أمواله فى دعوة الإسلام: إنه ملك أكثر الدنيا، وهو لم يملك شيئا، إن يقول إلا بهتانا وزورا.
وكان يعاصره كشاجم وكان أصغر منه سنا، وكان يتشيع لمذهب الإمامية، وسنخصّه بترجمة عما قليل. وربما كان أهم شعراء الشيعة بالشام فى القرن الخامس الهجرى ابن حيوس الشاعر الدمشقى، وسنفرد له الآخر ترجمة. ويلقانا بعده عند العماد الأصبهانى فى كتابه الخريدة شعراء شاميون شيعيون متعددون عاشوا فى القرن السادس الهجرى، غير أنه لا يعنى بشعرهم الشيعى إلا بعض مقطوعات قلما توضح لهم مذهبا أو نحلة، منهم ابن قسيم الحموى المتوفى سنة ٥٤١ وقد أنشد له العماد فى حب آل البيت قوله (٢):
ويد بآل محمّد علقت ... منّى فلست بغيرهم أرضى
جعل الإله علىّ حبّهم ... وعلى جميع عباده فرضا
فأثار ذلك من زنادقة ... حسدا فسمّوا حبّهم رفضا
وعجبت هل يرجو الشفاعة من ... ينوى لآل محمد بغضا
стр. 2985
وهو يعلن حبه لآل البيت حبا لا يماثله حب، وهو حب يراه فرضا مكتوبا على كل مسلم مخلص لدينه. ويبدو أنه كان يغلو فى هذا الحب غلو الرافضة، إذ يسمى أعداءهم زنادقة، ويعجب أن يفكر فى شفاعتهم يوم القيامة مبغض لهم تأكل نار بغضهم قلبه. وكان يعاصره ابن منير المتوفى سنة ٥٤٨ ويقول عنه العماد: كان غاليا متشيعا (١) ولم يرو شيئا من شعره الشيعى الغالى. وكان طلائع بن رزّيك وزير الخليفتين الفاطميين: الفائز والعاضد شيعيا إماميا، وكان من مقربيه ثقة الملك الحسن من بنى أبى جرادة الحلبيين المتوفى سنة ٥٥٥، وله فيه مدائح بها إشارات لبعض عقائد الشيعة (٢)، ويبدو أن أسرته كانت تعتنق مذهب الشيعة الإمامية مثلها فى ذلك مثل أهل حلب موطنها. ومن شعراء الشام الشيعة فى الخريدة عرقلة الدمشقى حسان بن نمير المتوفى سنة ٥٦٧ وينشد العماد مقطوعة طويلة يذكر فيها تشيعه قائلا (٣):
أنا من شيعة الإمام حسين ... لست من سنّة الإمام يزيد
وهو يريد يزيد بن معاوية الذى قتل الحسين أيام خلافته، وسماه الإمام تهكما وسخرية. ونظل فى زمن الأيوبيين والمماليك نستمع إلى أشعار تبكى الحسين أو تمدح آل البيت على نحو ما نجد عند فتيان الشاغورى الدمشقى المتوفى سنة ٦١٥ للهجرة، ويلقانا فى مطالع ديوانه باكيا الحسين ذارفا عليه الدمع مدرارا منشدا (٤):
لم لا أسحّ بيوم عاشوراء ... من مقلتىّ دما يمازج ماء
يوما به قتل الحسين بكربلا ... قتلا حوى كربا به وبلاء
ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وفيه استشهد الحسين على نحو ما هو معروف.
ولفتيان قصيدة طويلة فى حب آل البيت يقول إنه نظمها مؤملا عفو الله ورضاه، وفيها يشيد بالرسول ورسالته المحمدية الكبرى، ويسترسل فى التنويه بعلى بن أبى طالب وانتصاراته المجيدة على أعداء الإسلام وينوه بعلمه وزهده وتقشفه، ثم يفيض فى الحديث عن مصرع الحسين المفجع بمثل قوله (٥):
ألهفى للحسين غداة أضحى ... هناك «بكربلا» شلوا قتيلا
стр. 2986
يمزّق جسمه دوس المذاكى ... وقد أعلت ولاياه العويلا (١)
شكا ظمأ فما عطفوا عليه ... ولا ألووا ولا أرووا غليلا
رسول الله سمّاه «حسينا» ... وقبّل ثغره زمنا طويلا
ويقسم فتيان مرارا وتكرارا بعلى والحسين وأصحاب العباء أو الكساء إشارة إلى حديث ترويه الشيعة عن أم سلمة زوج رسول الله ﷺ قالت: «دخل على وفاطمة ومعهما الحسن والحسين فوضعهما الرسول فى حجره فقبّلهما واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى، وجعل عليهم جميعا كساء أسود وقال: اللهم إليك لا إلى النار». ولم يكن فتيان غاليا فى تشيعه بل كان معتدلا، يشهد لذلك قوله فى على والحسين وآلهما (٢):
لم أهوهم أبدا ببغضى غيرهم ... كلاّ ومن فرض الصلاة ووقّتا
فهو يقسم بربه فاض الصلاة أنه لم يحب آل البيت مبغضا لأبى بكر وعمر مثل غلاة الشيعة، بل هو يحب الجميع وإن كان حبه لهم أزيد وأكثر، كما تشهد بذلك قصيدته السالفة.
ونلتقى فى زمن المماليك بالوداعى المتوفى سنة ٧١٦ ويقول صاحب الفوات: كان شيعيا، ومما يدل على ذلك قوله (٣):
سمعت بأن الكحل للعين قوة ... فكحّلت فى عاشور مقلة ناظرى
لتقوى على سحّ الدموع على الذى ... أذاقوه دون الماء حرّ البواتر
فهو قد تكحل فى يوم عاشوراء يوم ذكرى مصرع الحسين ليسح الدموع ويذرفها على الحسين الذى قتلوه دون جرعة ماء يحتسيها بالسيوف القواطع، وكان بعض معاصريه يتهمه بالرفض والغلو فى التشيع فكان ينكر ذلك منحيا على من يتهمه بالسبّ واللعن، وفى ذلك يقول (٤):
قل للذى بالرفض أت ... همنى أضلّ الله قصده
أنا رافضىّ ألعن ال ... شّيخين أبّاه وجدّه (٥)
وواضح أنه يقول إنه رافضى تهكما على خصومه. ونظل نلتقى بشعر شيعى على هذه الشاكلة
стр. 2987
لا فى أيام المماليك فحسب، بل أيضا فى أيام العثمانيين، وممن يظنّ تشيعه حينئذ درويش (١) الطالوى المتوفى سنة ١٠١٤ وحسين (٢) بن عبد الصمد العاملى وهو أبو بهاء الدين العاملى أكبر شعراء الإمامية حينئذ، وسنترجم له عما قليل.
كشاجم (٣)
هو أبو الفتح محمود بن محمد بن الحسين بن السندى بن شاهك اشتهر بلقبه كشاجم، وضبطه صاحب القاموس بضم الكاف، وفى تاج العروس شرح القاموس وشرح درة الغواص للشهاب الخفاجى أنه بفتحها، وقيل إن هذا اللقب مركب من أوائل كلمات تدل على صناعاته، فالكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جميل والميم من منجم أو من مغن، وفى ذيل زهر الآداب: «أنه كان مغنيا وله فى الغناء كتاب مليح».
وكان جده السّندى من حرس الرشيد ويقول ابن خلكان فى ترجمته لموسى الكاظم الإمام عند الشيعة الإمامية: «وكان الموكّل به فى مدة حبسه السندى بن شاهك» وربما تلقّن عنه حينئذ عقيدة الإمامية، وبقيت العقيدة منذ هذا التاريخ فى بيته. وأصبح السندى بعد وفاة الرشيد من كبار حاشية الأمين، ويقال إنه ولاه الشام، وربما توفى بها، وبقيت أسرته بعده فيها إذ يسلك حفيده كشاجم فى شعراء الشام، وكان يسكن فى شبيبته بلدة الرّملة بفلسطين. ونظن ظنا أنه ولد لأبيه حوالى سنة ٢٩٠ للهجرة. ويبارح الرملة والشام جميعا فى سن مبكرة إلى الموصل حيث التحق بخدمة أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة، وكان قد ولى الموصل مرارا بين عامى ٢٩٣ و ٣١٧ وبها انعقدت بين الشاعر وبين الشعراء هناك صلات مودة وخاصة بينه وبين الخالديين. وينزل عند سيف الدولة الحمدانى أمير حلب، ويقال إنه كان يشرف على إعداد طعامه أو على مكتبته. ويبدو أنه لم يمكث عنده طويلا. ونزل مصر وأقام بها فترة، وأرسل حينئذ إلى جعفر بن على أمير الزاب قصيدة فى مديحه أثابه عليها بألف دينار كما يقول ابن شرف
стр. 2988
القيروانى، وترك مصر إلى الشام ثم عاد إليها وهو ينشد.
قد كان شوقى إلى مصر يؤرّقنى ... فالآن عدت وعادت مصر لى دارا
وتروى روايات مختلفة عن تاريخ وفاته، فقيل توفى سنة ٣٥٠ وقيل بل سنة ٣٦٠ ولعل التاريخ الأخير هو الصحيح.
وهو يتناول فى شعره الأغراض المختلفة المعروفة من مديح ورثاء وشكوى وهجاء وخمريات ووصف للطبيعة والأطعمة وأدوات الحضارة. وله أشعار مختلفة فى الصيد والطرد وله كتاب فيهما سماه المصايد والمطارد، وأيضا له كتاب فى أدب النديم وهما منشوران. وكان شيعيا إماميا إما-كما قلنا-مثل أهل بيته وإما استقلالا منه ودراسة للنحلة دفعته إلى اعتناقها، ويشهد لذلك ما رواه ابن شهر آشوب*إن صحّ ما رواه-من قوله:
نبيّى شفيعى والبتول وحيدر ... وسبطاه والسجّاد والباقر المجد
بجعف بموسى بالرّضا بمحمد ... بنجل الرّضا والعسكريين والمهدى
والبتول: السيدة فاطمة الزهراء، وحيدر: الإمام على، ويتوالى بعده أئمة الإمامية أو الاثنى عشرية وهم اثنا عشر إماما: على، والحسن والحسين ابناه سبطا رسول الله، والسجاد: على زين العابدين بن الحسين والباقر ابنه محمد، ورخّم جعفر فى قسمه، والترخيم فى غير المنادى شاذ، وموسى هو موسى الكاظم الإمام السابع، والرضا هو على الرضا ابنه، ومحمد هو محمد الجواد نجل الرضا، ويليه على الهادى فالحسن العسكرى، وقد سماهما العسكريين والمهدى هو محمد المهدى المنتظر الذى مات صبيا حوالى سنة ٢٦٠ للهجرة. وسماهم جميعا كشاجم-كما رأينا-فى بيتيه واتخذهم شفعاء له عند ربه، مما يقطع-إن صحّ أنه ناظم البيتين-بتشيعه وإماميته أو اعتناقه نحلة الإمامية.
وفى ديوان كشاجم ثلاث قصائد طويلة، يبكى فى أولاها الحسين ومن قتلوا معه من آله فى كربلاء قائلا فى مطالعها:
يا بؤس للدّهر حين آل رسو ... ل الله تجتاحهم جوائحه
أظلم فى كربلاء يومهم ... ثم تجلّى وهم ذبائحه
لا برح الغيث كلّ شارقة ... تهمى غواديه أو روائحه (١)
стр. 2989
على ثرى حلّه ابن بنت رسو ... ل الله مجروحة جوارحه.
وسيق نسوانه طلائح أح ... زان تهادى بهم طلائحه
والقصيدة تفيض-على هذا النحو-أسى ولوعة لمقتل الحسين وبعض آله معه، ويسمىّ ذلك ذبحا، فيبلغ كل ما يريد من التأثر لسبط رسول الله ﷺ ، ويدعو له الغيث أن يظل يهمى كل شارقة أو كل يوم على الثرى الذى ضم هذا الجسد الطاهر الجريح. ويصور بشاعة العدوان الأثيم حين ساق مرتكبوه نساء آل البيت منهكات معييات، حتى لقد أصاب الإبل التى حملتهن ما أصابهن من الإعياء والإجهاد والكلال. ويمضى فى القصيدة فيتحدث عن على بن أبى طالب وشجاعته وبأسه وخدماته للإسلام ورسالته، كما يتحدث عن علومه الزاخرة. ويستهل كشاجم القصيدة الثانية، وهى همزية بإعلان حبه لأهل الكساء الخمسة الذين تحدثنا عنهم:
الرسول والسيدة فاطمة وعلى بن أبى طالب وابناه: الحسن والحسين. ويذكر ما يعتقده الشيعة من أن الرسول أوصى بالإمامة لعلى فى غدير خمّ، ويذكر أن له معجزات جمة وأنه بحر علوم سماوية، ثم يأخذ فى بكاء الحسين وأن الأمويين ثأروا فيه لقتلاهم فى غزوة بدر يقول:
لئن وتر القوم فى بدرهم ... لقد ثأر القوم فى كربلاء
بها هتكت حرم المصطفى ... وحلّ بهنّ عظيم البلاء
وساقوا رجالهم كالعبيد ... وحازوا نساءهم كالإماء
ولو كان جدّهم شاهدا ... لشيّع أظعام بالبكاء
والأبيات بالغة التأثير فى وصفها لهول يوم كربلاء وما كان فيه من هتك لحرمة نساء آل البيت ورجالهم، أما الرجال فساقوهم سوق العبيد، وساقوا النساء سوق الإماء، فيا للفظاعة، ولو شاهد الرسول هذه المأساة ما اكتفى بالدموع كما يقول كشاجم، بل لأعاد غزوة بدر ثانية، دفاعا عن سبطه وآله.
ويلمّ كشاجم فى القصيدة الثالثة بالحسين وآل البيت وما أصابهم فى كربلاء إلماما سريعا، وكأنما أراد أن يفردها لعلى سيد الأوصياء كما يقول، الجواد البطل، ويسترسل فى فضائله قائلا:
وكم شبهة بهداه جلا ... وكم خطّة بججاه فصل
وكم أطفأ الله نار الضّلال ... به وهى ترمى الهدى بالشّعل
стр. 2990
وكم ردّ خالقنا شمسه ... عليه وقد جنحت للطّفل
وكم ضرب الناس بالمرهفات ... على الدّين ضرب غراب الإبل
وحقا كان علىّ ملهما فى معرفة الحكم الفاصل فى أى مشكلة تعرض له أو لغيره، حتى قال فيه عمر: قضية ولا أبا حسن لها، وكم أعز الله به الإسلام، وكم ضرب بالسيوف المرهفة أعداء الإسلام ضرب العرب لغرائب الإبل. أما أن الشمس كانت تردّ عليه حين تجنح للغروب فتلك مبالغة، علىّ فى غنى عنها، بل هى بهتان، ومثلها بهتانا ما زعمه فى القصيدة من تفضيل علىّ درجات فوق أبى بكر الصديق وأنه كان أجدر بالخلافة منه لأن الرسول أوصى أن يكون خليفة بعده. وتمادى فى بهتانه على الصديق، فقال إن الرسول نحّاه عن الصلاة بالناس حين اشتد به المرض، وقد صلى بالناس سبع عشرة صلاة، وصلى به الرسول مؤتما ركعة ثانية من صلاة الصبح ثم صلى الركعة الباقية وقال: «لم يقبض نبىّ حتى يؤمّه رجل من قومه». وكلّ ذلك متواتر معروف غير أن غلاة الشيعة ينكرونه. ولا يلبث أن ينحى باللائمة، بل أن يهجو-غير خجل ولا مستح-أبا بكر وعمر، لأنهما منعا السيدة فاطمة حقها فى ميراث الرسول وما آل إليه فى غزوة خيبر، وهما إنما صدعا فى ذلك عملا بقول رسول الله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقه» ولعل فى ذلك كله ما يدل على تشيع كشاجم وغلوه فى تشيعه.
ابن حيّوس (١)
هو محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس الدمشقى، كان جده حيوس على شئ غير قليل من الثراء مما جعله يشيّد بدمشق دارا فخمة توارثها بنوه من بعده إلى زمن الشاعر. وكانت أمه بنت قاضى غوطة دمشق، فهو قد ورث الثراء عن آبائه، والعلم عن جده لأمه وأخواله. ولد لأبيه بدمشق سنة ٣٩٤ وحفظ مثل لداته القرآن وأخذ يختلف إلى العلماء وفى مقدمتهم خاله ابن الجندى الغسانى، وكانت دمشق حينئذ تابعة لمصر، ويبدو أن أباه كان موظفا فى دواوينهم هناك إذ نجد أحد قواد الحاكم بأمر الله الفاطمى المسمى أنوشتكين الدّزبرىّ ينزل ضيفا على أبيه لسنة ٤٠٦. ويعود فيما بعد حاكما لدمشق سنة ٤٢٠ حتى سنة ٤٣٣. وكانت موهبة الشاعر تفتحت،
стр. 2991
فانعقدت صلة وثيقة بينهما وأخذ كل منهما يهدى صاحبه هدايا عظيمة، الشاعر يهديه روائع من مديحه بلغت أربعين قصيدة، والدّ زبرى يهديه أموالا جزيلة. ويتولى دمشق بعده ناصر الدولة الحسن بن الحسين الحمدانى حتى سنة ٤٤٠ وله فيه عشر مدائح ويخلفه على دمشق حيدرة بن الحسين بن مفلح، ويتولى مرارا متقطعة حتى سنة ٤٥٥ وله فيه قصيدة واحدة. ويبدو أنه اتجه فى ولايته على مدينته إلى القاهرة، فلزم الحسن بن على اليازورى وزير الخليفة الفاطمى المستنصر من سنة ٤٤٢ إلى سنة ٤٥٠ وقدم إليه إحدى عشرة قصيدة، بعضها قدمها إليه فى القاهرة وبعضها أرسلها إليه من دمشق. وولى الوزارة بعده أبو الفرج محمد بن جعفر المغربى فمدحه بقصيدتين وعزل سريعا فمدح الوزير بعده بمدحة واحدة.
وفى هذه السنوات التى تبلغ أكثر من ستين عددا كان ابن حيوس شاعر ولاة الدولة الفاطمية الإسماعيلية ووزرائها وكان يصدر عن عقيدتها فى مدائحهم، وتضطرب الأمور فى القاهرة ودمشق، ويصمت الشاعر إزاءها حتى إذا ازداد الاضطراب فى دمشق وخشى الشاعر على نفسه من استيلاء السلاجقة السنيين أعداء الفاطمين الإسماعيليين عليها رأيناه يهاجر منها لسنة ٤٦٤ إلى طرابلس وبنى عمار ولاتها، ويتصادف لقاؤه فيها بعلى بن منقذ صاحب حصن شيزر فينصحه أن يصحبه إلى محمود بن نصر المرداسى صاحب حلب فإنه سيجد عنده الظل الظليل، وكان يغلب على الناس هناك مذهب الشيعة الإمامية. فلم يجد الشاعر بأسا من تلبيته النصيحة، وقدم على الأمير محمود بن نصر، فمدحه بقصيدة بديعة وأعطاه ألف دينار، ومازال الشاعر يوالى مدائحه فيه إلى وفاته سنة ٤٦٧ حتى بلغت عشرا وهو يوالى عطاياه عليه. وخلفه ابنه نصر، فمضى يجزل للشاعر فى العطاء حتى بلغت مدائحه فيه مدة إمارته، وكانت عاما، عشر قصائد، وولى بعده أخوه سابق وظل يوالى عطاءه له حتى قضى مسلم بن قريش العقيلى لسنة ٤٧٣ على آل مرداس مستوليا منهم على حلب، ومدحه ابن حيوس بقصيدة طنانة يقول له فيها:
أنت الذى نفق الثّناء بسوقه ... وجرى النّدى بعروقه قبل الدّم
وأجازه بألفى دينار، وفى نفس السنة توفى ابن حيوس عن نحو ثمانين عاما. ولا ريب فى أن ابن حيوس انصرف عن عقيدته الإسماعيلية حين ولّى وجهه نحو بنى مرداس، ونراه يجاهر بذلك قائلا:
وكلّ نوء بمصر جادنى زمنا ... فداء نوء سقانى الرّىّ فى حلب
стр. 2992
وشاء له القدر أن يهدر مسئوليته لآل مرداس فى الأيام الأخيرة من حياته بعد أن أثروه-كما يقول ابن خلكان-وأسبغوا عليه نعما ضخمة، مما جعله يبنى دارا فخمة له بحلب، وكان قد كتب على بابها:
دار بنيناها وعشنا بها ... فى نعمة من آل مرداس
قل لبنى الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس
ولم ينفعهم ما صنعوه فبمجرد أن أزال مسلم بن قريش العقيلى دولتهم استأذنه فى إنشاد مديحه. ومن المؤكد أنه ظل إلى سن الستين يستلهم العقيدة الإسماعيلية الفاطمية فى مدائحه لو لاة الفاطميين بدمشق ووزرائهم بالقاهرة إما عن اقتناع بها وإما رياء لذوى السلطان وقد تحدثنا عن هذه النحلة فى كتابينا «العصر العباسى الثانى» و «عصر الدول والامارات» وأوضحنا مبادئها وكيف أن داعيتها القداح اتخذ سلمية بالقرب من حماة مركزا لها، وكانوا يزعمون أن تاريخ العالم ينقسم إلى حلقات وكل حلقة يمثلها سبعة من الأئمة وسابعهم الإمام الناطق الذى ينسخ بشريعته الشرائع. وقالوا إن جسم الإمام ليس جسما ماديا، بل هو شبح يكن فيه اللاهوت النورانى ويبالغ بعض شعرائهم فيزعم أن الإمام صفو شفاف لا تشويه الأكدار، فهو نورانى خالص. وأضفوا أسماء الله الحسنى فى القرآن الكريم على أئمتهم وجعلوهم علة الوجود ومدبّرى الكون إلى غير ذلك من مبادئ تصور غلوهم المفرط. ومن هذه المبادئ قبس ابن حيّوس فى مدحه للدّزبرى سنة ٤٢٧ قوله فى مديح المستنصر حين ولى الخلافة بعد أبيه الظاهر لدين الله:
أمّت خلافته ريح النّدى يسرا ... وظل نشر الدّنا من نشرها عطرا (١)
وخصّ بالشّرف المحض الذى ارتفعت ... له النواظر والنور الذى بهرا
هم الألى أخذ الله العهود لهم ... والناس ذرّ على من برّ أو فجرا (٢)
لأجلهم خلق الدّنيا وأسكنها ... وذنب آدم لولاهم لما غفرا
وإن آلاءه مالا يحيط بها ... وصف على أنها تستنطق الحجرا
مناقب عدد الأنفاس ما تركت ... لفاخر من جميع الناس مفتخرا
стр. 2993
وواضح أنه فى البيت الثانى يشير إلى اللاهوت النورى المتنقل فى الأئمة-بزعم الإسماعيليين- حتى انتهى إلى المستنصر. ويزعم أن الله اتخذ على الناس عهدا بطاعتهم قبل خلق العالم وأنهم علة الوجود، ولولاهم لم يغفر ذنب أبيهم آدم. ويقول إن آلاء المستنصر ونعمه لا يحيط بها وصف وكأنها آلاء الله العىّ. ويكثر ابن حيّوس من ذكر إمام العصر وغياث المسلمين وتنقل النور فى الأئمة وأن طاعتهم فرض، يقول للدزيرى فى إحدى قصائده:
يا سيف من عصيانه وولاؤه ... جعلا شقيّا فى الورى وسعيدا
فالسعيد من أطاع الإمام الفاطمى والشقى حطب النار من عصاه. ونراه فى مديح الوزير اليازورى يحرضه مرارا على العراق وقد جعل موضوعا لقصيدة دالية له تدبير اليازورى المعروف لفتنة البساسيرى فى سنتى ٤٤٧ و ٤٤٨ واستيلائه على بغداد والموصل ودعوته فيهما للخليفة الفاطمى، وفيها يقول للخليفة العباسى القائم بأمر الله:
عجبت لمدّعى الآفاق ملكا ... وغايته ببغداد الرّكود
ومن مستخلف بالهون راض ... يذاد عن الحياض ولا يذود
وهو يريد أن ملكه لا يتجاوز بغداد، وأنه يرضى بالخزى والذل والصغار إذ ليس فى يده من الحكم والسلطان شئ مع الملك السلجوفى طغرلبك. وما يزال يدور فى الفلك الإسماعيلى الفاطمى حتى سن الستين إذ ينزل حلب عند محمود بن نصر المرداسى وكان قطع الخطبة للخليفة الفاطمى المستنصر وخطب للقائم بأمر الله فأنشده مدحة يقول فيها:
ولك الأدلّة أوضحت حتى رأى ... إثبات فضلك من رأى التعطيلا
غرّوا بأن شرّقت عنهم مذهبا ... فى الرّأى ما عرفوا له تأويلا
وهو فى البيتين يعرّض بالفاطميين وأنهم يدعون إلى تعطيل إرادة الله وإنفاذ إرادة الأئمة، كما يدعون دعوة واسعة إلى التأويل فى القرآن الكريم حسب عقيدتهم وأهوائهم، وكأنه يريد أن يعلن تبرّؤه منهم وأنهم ضالون مضلون. وأشعار ابن حيّوس تمتاز بالقوة والصلابة والجزالة والنصاعة، ويستخدم فيها أحيانا المحسنات البديعية دون إسراف أو إفراط.
стр. 2994
بهاء الدين (١) العاملى
هو محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملى، كان أبوه من فقهاء المذهب الإمامى الشيعى يتنقل فى بلدان الشام ولبنان، ثم رحل إلى إيران فتنقل بين بلدانها وأوغل فيها حتى هراة فى أفغانستان. واستقر به المقام فى «البحرين» حيث توفى بها سنة ٩٨٤ وقد ولد له ابنه بهاء الدين فى بعلبك سنة ٩٥٣ وصحبه معه إلى إيران، وحبّبت إليه الرحلة مثل أبيه، فجاب البلاد الإيرانية والعربية. وزار مصر وبها ألف كتابه «الكشكول» المنشور فى مجلدين كبيرين، وهو موسوعة أدبية عرض فيها بهاء الدين معارفه أو قل بعض معارفه فى الحديث النبوى والدراسات الدينية واللغوية والصوفية والاعتزالية والفلسفية والهندسية والفلكية سوى ما فيه من أشعار كثيرة تدل على ذوق جيد. وعلى غراره كتابه «المخلاة». وبعد ثلاثين سنة من رحلاته فى البلاد الإيرانية والعربية ألقى عصا تسياره فى أصفهان، وقرّبه سلطانها شاه عباس وأكثر من إغداقه عليه، وولاه مشيخة العلماء الإمامية فى أصفهان حتى وفاته سنة ١٠٣١ للهجرة. وفى أثناء إقامته بمصر انعقدت صداقة بينه وبين محمد بن الحسن البكرى وبالمثل انعقدت صداقة بينه وبين الحسن البورينى فى دمشق.
وقد هيأته إمامية أبيه ونشأته فى إيران مركز المذهب الإمامى إلى أن يصبح فقيها إماميا كبيرا، وإلى أن يؤلف كتبا فى الحجاج للمذهب بالعربية والفارسية، وله مؤلفات كثيرة فى التفسير وفى الأصول وفى الفقه وفى العربية وفى الفلك، وكان شاعرا مبدعا.
ويقول الشهاب الخفاجى: «شعره باللسانين العربى والفارسى مهذب محرر، وبالفارسية أحسن وأكثر» وأنشد له الحقاجى فى الريحانة وابن معصوم فى سلافة العصر والمحبى فى نفحة الريحانة وخلاصة الأثر أشعارا كثيرة تتناول أغراضا مختلفة: غزلا وخمرا ومديحا ورثاء، وأنشد له مترجموه رباعيات متعددة. وهو فى شعره ليس إماميا فحسب، بل هو إمامى غال. وكان الامامية يعتقدون أن إمامهم الثانى عشر محمدا المهدى المنتظر لم يمت حوالى سنة ٢٦٨ وإنما اختفى وسيعود، ويسمونه إمام (٢) الوقت وقائم الزمان، ويؤمنون أن بعض الصفوة من علمائهم على
стр. 2995
اتصال شخصى به وأنهم يستوضحونه بعض المسائل الشرعية، ويفصح لهم عن رغباته وأوامره، بل إنهم يجعلونه خليفة الله المصرف لشئون الكون والعباد، ولبهاء الدين قصيدة عن هذا الإمام صاحب الزمان أو قائمه يغلو فيها هذا الغلو المفرط أنشدها فى كتابه الكشكول وفيها يقول:
خليفة ربّ العالمين وظلّه ... على ساكن الغبراء من كل ديّار (١)
هو العروة الوثقى الذى من بذيله ... تمسّك لا يخشى عظائم أوزار
علوم الورى فى جنب أبحر علمه ... كغرفة كفّ أو كغمسة منقار
به العالم السفلىّ يسمو ويعتلى ... على العالم العلوىّ من غير إنكار
همام لو السبع الطّباق تطابقت ... على نقض ما يقضيه من حكمه الجارى
لنكّس من أبراجها كلّ شامخ ... وسكّن من أفلاكها كلّ دوّار
أيا حجّة الله الذى ليس جاريا ... بغير الذى يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفّه ... وناهيك من مجد به خصّه البارى
وبهاء الدين يجعل محمدا المهدى الغائب فى رأى الإمامية خليفة الله فى تنفيذ أحكامه على الناس وظله الذى يستظل به كل مظلوم، ويجعله العروة الوثقى أخذا من الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ ويجعل من يتمسك به تغفر له ذنوبه، ويبالغ فى سعة علمه اللدنّى بالقياس إلى علم الناس الذى لا يعدّ شيئا مذكورا بجانب بحار علومه.
ويزعم أن العالم السفلى وهو الأرض شرف به وفضل على العالم السماوى، ويزعم أن السموات السبع لو اتفقت على نقض ما يبرمه لانقلبت أبراجها وخرجت من قواعدها وسكن منها كل دائر متحرك من أبراجها. ويصفه بأنه حجة الله على الخلق وأن الأقدار الإلهية طوع أمره لا تعصاه أبدا وأن مفاتيح الزمان وخزائنه بيده. والقصيدة تمتلئ بهذا الغلو المفرط الذى يجعل هذا الإمام لا يزال حيا يصرّف أمور الكون، ويدبر شئون العباد، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، ومقاليد الدنيا بكفه، وكل شئ يجرى فيها بإرادته، وكأن قائم الزمان فوق جميع الأنبياء والمرسلين. وهو غلو ما يماثله غلو.
وطبيعى وقد بلغ بهاء الدين من الغلو فى عقيدته كل هذا المبلغ أن يدعو إلى سبّ من وقفوا-
стр. 2996
فى رأى الشيعة-ضد على وحقه فى الخلافة وفى مقدمتهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق على نحو ما نلقاه فى مثل قوله:
يا أيها المدّعى حبّ الوصىّ ولم ... يسمح بسبّ أبى بكر ولا عمرا
كذبت والله فى دعوى محبّته ... تبّت يداك ستصلى فى غد سقرا
فإن تكن صادقا فيما نطقت به ... فابرأ إلى الله ممن خان أو غدرا
وأنكر النصّ فى خمّ وبيعته ... وقال إن رسول الله قد هجرا
أتيت تبغى قيام العذر فى فدك ... أتحسب الأمر بالتمويه مستترا
وبهاء الدين يجعل سب أبى بكر وعمر فريضة من لم يؤدها صلى نار الجحيم وعذابها الأليم، ويدعو صاحبه أن يبرأ من الشيخين الجليلين-كبرت كلمات خبيثة تخرج من فمه-ويعلل لما قاله بأنهما أنكرا نصّ غدير خم ووصية الرسول ﷺ فيه لعلى بالإمامة والخلافة، وهو نص لم يثبت، بل الثابت أن الرسول استخلف أبا بكر عنه فى الحج حتى إذا مرض استخلفه فى الصلاة كما هو معروف. وكل ذلك يؤذن بأن الرسول استخلف أبا بكر الصديق بعده واستخلف أبو بكر عمر، وبهما انتشر الإسلام وفتح العالم القديم له أبوابه. ويتعلل بهاء الدين بأنهما منعا السيدة فاطمة الزهراء رضوان الله عليها من إرث فدك فيئ رسول الله، وإنما منعاها بوصية الرسول-كما ذكرنا مرارا-إذ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». وما من ريب فى أن للشيخين الجليلين قدسية عظيمة فى نفوس المسلمين. ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور كيف أن بهاء الدين العاملى كان رافضيا غاليا فى الرفض، سواء فى مهاجمته أبا بكر وعمر أو فى خلعه على الإمام القائم صفات الله وكأنه يشركه فى تدبير الكون وتسخير المقادير، تعالى الله علوا كبيرا عن كل مالجّ فيه من رفع إمامه الخفى عن المستوى البشرى حتى للأنبياء المصطفين الأخيار.
стр. 2997
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل
يكثر شعر الحب فى الأدب العربى منذ الجاهلية إلى اليوم كثرة مفرطة، وحتى فى إغراض الشعر الأخرى مديحا وغير مديح يقدم الشعراء لقصائدهم فيها أبيات من الغزل أو النسيب جذبا للأسماع، ولذلك لا تغلو إذا قلنا إن النسيب والغزل والحب يكاد يكون الغرض الأساسى للشعر العربى، وهو أمر طبيعى لأنه يتناول عاطفة الحب الإنسانى الخالدة بجميع أحاسيسها ومشاعرها وانفعالاتها وانعكاساتها على حياة الشاعر المحب أو العاشق منذ تستهويه امرأة، فيقع فريسة لحبها، وتملأ قلبه وجدا وشوقا إلى رؤيتها، وقد تعرف منه هذا الحب فتلقاه أو تنظر إليه نظرة أو تومئ إليه إيماءة فيزداد ولعابها وغراما، وقد تتدلل عليه وتمتنع وقد تنأى عنه وتهجره فتضطرم بين جوانحه نار شوق لا تخمد، وعبثا يتذلل لها ويستعطف ويتضرّع، ومع ذلك لا يذوى الأمل فى نفسه بلقائها أبدا، فهو دائما مؤمل فى اللقاء بعد الهجران وعلى الأقل فى الرؤية بعد الحرمان. وبلغ الحب ببعض الشعراء قديما حد الجنون، واسم قيس مجنون ليلى يشيع على كل لسان، فقد ظل يغنى باسمها وعيناه مصوّبتان إلى خيالها، فهو لا يرى فى ليله ولا فى نهاره سواها، إذ تشغل من حوله كل وقت وكل مكان وهو يسبح فى البوادى معاشرا آرامها، إذ هجر حيّها، بل هجر عالم الإنسان، إنه لا يعرف سوى عالمها، فهو العالم الفسيح الذى لا يزال بصره فيه شاخصا إليها.
أما عالم قومه أو بعبارة أخرى عالم الإنسان فما أضيق ساحاته، وإنه ليفر منه منطويا على نفسه حالما بليلى وعالمها الساحر خالعا الوهم على الحقيقة ذاهلا عن كل ما حوله ذهول المجانين، ولذلك سماه القدماء مجنون ليلى. وقلة فقط هم الذين بلغ بهم الحب هذا المبلغ المغرق فى الخيال، ومع ذلك فكل محب يشعر كأن صاحبته فوق مستوى كل من حولها من الفتيات والنساء، وكأنما تحيط بها
стр. 2998
هالة سحرية، وبذلك تستحيل فى خيال الشاعر المحب لها أو العاشق إلى كائن شعرى ساحر. وقد يفيق المحب من حبه وسحره، وقد يظل رهينا به لا ينفك عنه أبدا ولا يفيق بتاتا.
ونستطيع أن نلاحظ ذلك على شاعر شامى من شعراء العصر العباسى الأول هو ديك الجن الحمصى، فقد ظل يتغنى بمحبوبته «ورد» طوال حياته حتى بعد أن وسوس له شيطان الغيرة الحمقاء أن يحرقها ظلما وبهتانا، فقد ظل يبكيها بكاء قلب مزقه الندم والألم. وظل البحترى مثله يتغزل بصاحبته «علوة الحلبية» حتى شيخوخته على نحو ما صورنا ذلك فى كتابنا «العصر العباسى الثانى». ومن المؤكد أن شعراء الغزل العربى-على مر الأزمنة-أتاحوا بحبهم وأشعارهم لغير امرأة أن تنال حظا من الشهرة قليلا أو كثيرا. ولولا ديك الجن ما اشتهرت «ورد» ولا عرفها أحد ولولا البحترى ما اشتهرت علوة ولا حفل بها أحد، وقد ظلت دارها قائمة معروفة بحلب حتى زمن ياقوت صاحب معجم البلدان فى القرن السابع الهجرى. على أن بين الشعراء من لم يقتصر فى غزله على واحدة بعينها فتغزل بكثيرات وقليل منهم من نشعر عنده بلوعة حقيقية. ومنذ الجاهلية يتنوع الغزل، ففيه العفيف النقى الذى أضاف إليه الإسلام بمثاليته عفة على عفة وطهرا على طهر، والشاعر المحب يصور فيه وجده وهيامه وكلفه بصاحبته كلفا شديدا وعذابه فى هذا الكلف عذابا متصلا. وفى الغزل بجانب ذلك الغزل الحسى الذى يصور جمال المرأة ومفاتنها تصويرا ماديا تطغى فيه الغرائز وتجمح العواطف. وظل هذان النوعان: الملائكى الطاهر والمادى الصريح يتقابلان فى الغزل العربى طوال الحقب الماضية. والحديث عن الغزل وشعر الحب عند شعرائنا يطول فلندع ذلك إلى أمثلة مختلفة من غزل هذا العصر بديار الشام، وأول ما نسوق من ذلك قول كشاجم فى صاحبة له (١):
السّحر فى ألحاظها الفاتكه ... والرّوح من إعراضها هالكه
والقهوة الصّهباء من ريقها ... والمسك من أصداغها الحالكه
من لم ير الدرّ وتأليفه ... فى سلكه فليرها ضاحكه
قد كتب الحسن على خدّها ... طلّ دم أنت له سافكه
والأبيات تخلو من العاطفة المشبوبة، إذ ليس فيها حرارة، إنما فيها تشبيهات واستعارات
стр. 2999
محفوظة، فريق صاحبته خمر والشعر على أصداغها مسك وأسنانها درّ، وربما كانت الصورة فى البيت الأخير بديعة، إذ تخيل كأن حمرة خديها الساطعة دم سفكته، وهى مبالغة فى الخيال والتصور. ولأبى فراس الحمدانى أبيات فيها غير قليل من نشوة الحب وحرارته، إذ يقول (١):
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنّوم عن عينى تمايله
وما السلاف دهتنى بل سوالفه ... ولا الشّمول ازدهتنى بل شمائله
ألوى بلبّى أصداغ لوين له ... وغال قلبى ما تحوى غلائله
وهو يقول إنه انتشى من لحظ صاحبته وعينيها الفاتنتين لا من الخمر الحقيقية، ويقول ليست السلافة أو الخمر هى التى دهته بل صفحتا جيدها البديع، وكذلك ليست الخمر أو الشّمول هى التى استخفّته بل خصالها الحلوة وما أروع أصداغ شعرها المنسدلة على خديها فقد ألوت وذهبت بلبه، وما أجمل كل ما تشتمل عليه غلائلها وثيابها مما سرق منه قلبه. وله مقطوعة وصف فيها ليلة من ليالى حبه على طريقة عمر بن أبى ربيعة (٢)، إذ يقول إنهما ظلا يقتطفان زهرات الحب إلى أن بدا ضوء الصباح فتفرّقا. ولابن زمرك موشحات وأشعار على هذا الغرار، يحاكى فيها أبا فراس وابن أبى ربيعة، وظن بعض المستشرقين أنها من تجديداته، وهى قديمة فى الشعر العربى. ولابن سنان الخفاجى (٣):
أترى طيفكم لما سرى ... أخذ النوم وأعطى السّهرا
أم ذهلنا وتمادى ليلنا ... فتوهمنا العشاء السّحرا
يا عيونا بالحمى راقدة ... حرّم الله عليكنّ الكرى
سل فروع البان عن قلبى فقد ... وهم البارق فيما ذكرا
وليس فى الأبيات لهفة ولا لوعة، ودعاؤه على صاحبته أو صواحبه-فى البيت الثالث-أن لا يذقن النوم دعاء ناب على ذوق المحبين. ولم يكن من أصحاب الحب. وإنما هى أبيات فى الغزل أو النسيب كان يقدم بها لقصائده حكاية واقتداء بالشعراء قبله. ولابن الخياط أشعار غزلية
стр. 3000
كثيرة يقدم بها لمدائحه نحس فيها لوعة المحب وحرقة فؤاده من مثل قوله (١):
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
تذكّر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحبّ يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه
إذا خطرت من جانب الرّمل نفحة ... تضمّن منها داءه دون صحبه
أغار إذا آنست فى الحىّ أنّة ... حذارا وخوفا أن تكون لحبّه
فحب صاحبته النجدية استأثر بقلبه حتى ليطلب له الأمان من صبا نجد مخافة عليه أن يطير شعاعا، وإنه ليذكرها ليل نهار وتصبيه، وييأس لهجرانها ولأسنة أهلها وسيوفهم كما يقول فى القصيدة. ويظل يرجو لقاءها وإنه ليتنسّم فى الصّبا المقبلة من ديارها نفحة من عطرها تحمل له نفس الداء، داء الحب وعذابه. ويبالغ فى وصف غيرته عليها، حتى ليخشى أن تكون كل أنّة يسمعها فى الحى من محب لها محموم بحبها ودائه العضال. ولمعاصره الغزّى المتوفى سنة ٥٢٤ للهجرة (٢):
إشارة منك تغنينى وأحسن ما ... ردّ السلام غداة البين بالعنم (٣)
حتى إذا طاح عنها المرط من دهش ... وانحلّ بالضّمّ سلك العقد فى الظّلم (٤)
تبسّمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبّات منتثر فى ضوء منتظم
وهو تكفيه الإيماءة من بعيد والإشارة بالبنان الجميل الأحمر حمرة زهر العنم، ويقول إنه سقط عنها المرط أو الإزار وانحل سلك العقد الملتف حول جيدها، وتبسمت فأضاء ظلام الليل وأخذت تلتقط حبات العقد المتناثرة فى ضوء اللؤلؤ المنتظم فى ثغرها البرّاق الفاتن.
ودخل القيسرانى مدينة أنطاكية فى أثناء حكم الصليبيين لها سنة ٥٤٠ لحاجة عرضت له، وكان فى الثانية والستين من عمره، فنظم مقطّعات يشبّب فيها بإفرنجيات، أشهرهن مغنية تسمى ماريّا، خلبت لبه، وله فيها غزليات كثيرة، ومن بديع غزله قوله (٥):
стр. 3001
عفائف إلا عن معاقرة الهوى ... ضعائف إلا فى مغالبة الصّبّ
ولما دنا التوديع قلت لصاحبى ... حنانيك سر بى عن ملاحظة السّرب
تقضّى زمانى بين بين وهجرة ... فحتام لا يصحو فؤادى من حبّ
وأهوى الذى يهوى له البدر ساجدا ... ألست ترى فى وجهه أثر التّرب
والصورة فى البيت الأخير رائعة فقد جعل كلفة البدر من أثر الترب العالق بجبهته لتوالى سجوده لصاحبته ولجمالها الساحر. ويقول إن زمانه تقضّى فى حرمان متلاحق من البعاد والهجرة المتصلة. ولحماد الخراط المتوفى سنة ٥٦٥ قوله (١):
ألا هل لماضى العيش عندك مرجع ... وهل فيه بعد اليأس للصّبّ مطمع
لقد أولعت بالصّدّ عنى وإننى ... لفرقتها، ما عشت، بالوجد مولع
أضاحك حسّادى فيغلبنى البكا ... وأكتم عوّادى وإنى لموجع
إذا خطرت من ذكرها لى خطرة ... تكاد لها أنياط قلبى تقطّع
وهو يائس من اللقاء ومع ذلك لا يزال حبل الرجاء ممدودا، مع ولوعها بالصد عنه والإعراض ومع تعلقه بها ووجده وجدا ملتاعا. ويضاحك حساده تمويها ويغلبه البكاء ويكاتم زواره وهو موجع القلب والحشا، حتى إذا ذكر اسمها عفوا أحسّ كأن نياط فؤاده وعلائقه تتقطع تحسرا ولوعة. وقد أنشد له العماد غزلا كثيرا. ويشكو ابن النقار كاتب الإنشاء الدمشقى المتوفى سنة ٥٩٢ شكوى مرة من صاحبته قائلا (٢):
من منصفى من ظالم متعنّت ... يزداد ظلما كلما حكّمته
ملّكته روحى ليحفظ ملكه ... فأضاعنى وأضاع ما ملّكته
وهى تظلمه ولا ترحمه ولا تعطف عليه أى ضعف، وويل له لقد ملّكها روحه لتحفظها وتصونها وتقوم بحقوقها فإذا هى تضيعها وتضيع صاحبها إذ أصبح خواء بلا روح، فما أشقاه:
ويقول فتيان الشاغورى متغزلا (٣).
ومهفهف بلغ المنى بصفاته ... حركات غصن البان من حركاته
стр. 3002
والشمس تخجل من ضياء جبينه ... والجلّنار يغار من وجناته
أضحى الجمال بأسره فى أسره ... فكأن يوسف حاز بعض صفاته
لا تطمعن يا عاذلى فى سلوتى ... عنه فما أسلوه، لا وحياته
وهو يصور صاحبته مهفهفة أو بعبارة أخرى ضامرة دقيقة الخصر بلغت كل ما تتمناه المرأة من حسن وجمال، ويقول إن غصن البان الذى يميد ملاحة حركته مشتقة من حركاتها، ويجعل الشمس تصفرّ خجلا من ضياء جبينها، بينما يغار الجلنار أو بعبارة أخرى ورد الرمان وزهره الأحمر من وجناتها المشربة بالحمرة القانية، ويجعلها تحوز الجمال بأسره، حتى لكأن يوسف ﵇ إنما حاز منه أطرافا! ويتوجه إلى عاذله باللوم، فلن يكفّ عن حبه ولن يسلو صاحبته أبدا.
ويقول بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبى المتوفى سنة ٦٨٠ للهجرة (١):
وتنبّهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبّهت أشواقى
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق (٢)
أنّى تبارينى جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقى
وأنا الذى أملى الجوى من خاطرى ... وهى التى تملى من الأوراق
وهو يقارن بين جواه وحبه وأساه ودموعه وبين جوى الحمامة الورقاء وصبابتها لأليفها وحزنها الدفين، ويقول إنه يملى من خاطره حرقته ولوعته، بينما هى تملى من أوراق الشجر وتروى عنه ذلك الوجد. ويقول المحّار الحلبى المتوفى سنة ٧١١ للهجرة (٣)
ما بثّ شكواه لولا مسّه الألم ... ولا تأوّه لولا شفّه السّقم
ولا توهّم أن الدمع مهجته ... أذابها الشوق حتى سال وهو دم
يبدى التجلّد والأجفان تفضحه ... كالبرق تبكى الغوادى وهو يبتسم
يمسى ويصبح لا صبير ولا جلد ... ولا قرار ولا طيف ولا حلم
والمحار يقول إنه لم يشك إلا بعد أن برح به الألم ولا أنّ إلا بعد أن شفه السقم وما كان ليتوهم
стр. 3003
أن نار الهوى أذبت مهجته حتى سال الدمع دما قانيا. ويمسى ويصبح وقد عزه الصبّر والتجلد وتملكه قلق لا حدّ له، وضاع منه كل شئ حتى الطيف فى المنام، وحتى الأحلام إذ لا يزال مسهّدا لا ينام.
ونمضى إلى زمن العثمانيين ونجد الغزل وشعر الحب على كل لسان من مثل قول فتح الله بن النحاس المتوفى سنة ١٠٥٢ للهجرة (١):
طرقت طروق الطيف وهنا ... ميّالة الأعطاف حسنا
مصقولة الخدّين مث ... ل السّيف ألحاظا ومتنا
فى حلّة من جنس ما ... يكسو الربيع الغصن دكنا
الدّلّ ينبت من مسا ... حب ذيلها والحسن يجنى
لو خاطبت وثنا لح ... نّ مع الجمود لها وأنّا
وليس فى القطعة لوعة، بل هو يصف جمال صاحبته ودلّها وحسنها، ويقول: لو خاطبت وثنا من الأحجار لحنّ لها وأنّ أنينا لا ينقطع. ولم يكن فتح الله بن النحاس من شعراء الحب والوجد مثل محمد الحشرى المتوفى سنة ١٠٩٢ للهجرة القائل (٢):
من عذيرى فى حبّ طفل لعوب ... عوّدوه سفك الدّما فحلا له
كلما صدّ عن سواى دلالا ... صدّ عنى تبرّما وملاله
لست أنسى يوم الفراق وقد أد ... رك من شملنا النّوى آماله
غصب البين من يدى كلّ قدّ ... سرق الغصن لينه واعتداله
مرّ نشوان من جوى يتثنّى ... ثقّل الورد غصنه فأماله
والقطعة تزخر بتصاوير بديعة، تصور خصب الخيال عند الحشرى، فقد عوّدوا صاحبته الطّفلة الناعمة الرقيقة سفك الدماء فحلالها أن تديم هذا السفك. ويزعم أن الغصن سرق لينه واعتداله من قد صاحبته وقوامها اللين الممشوق وينفذ إلى صورة طريفة، فصاحبته تتثنى لثقل الورد المتوهج على خدودها الفائقة. وحرى بنا أن نترجم فى إجمال لبعض شعراء العصر الغزلين.
стр. 3004
عبد (١) المحسن الصورى
هو عبد المحسن بن محمد الصورى، أحد الشعراء المجيدين المبدعين، وفيه يقول الثعالبى:
«أحد المحسنين الفضلاء المجيدين الأدباء، وشعره بديع الألفاظ حسن المعانى رائق الكلام، مليح النظام، من محاسن أهل الشام» ويقول ابن خلكان: «له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان.
توفى سنة ٤١٩ وعمره ثمانون سنة أو أكثر»، وكان ابن حيّوس الذى ترجمنا له بين شعراء الشيعة مغرى بشعره، وكان يفضله على أبى تمام والبحترى والمتنبى. ويروى أنه مرّ فى طريقه إلى حلب بشاعر المعرّة بل الشام بل العالم العربى لزمنه: أبى العلاء، وجرى بينهما حديث فى الشعر والشعراء وعاب أبو العلاء عبد المحسن الصورى بقصر أشعاره وأنه لا ينظم فى الغالب إلا مقطّعات فقال له ابن حيوس: هو أشعر من طويلك يقصد المتنبى، فمدّ إليه أبو العلاء يده وقبض على أعلى ثوبه قائلا: الأمراء لا يناظرون، يعنى أنه لا يقارن بالمتنبى. وكان أبو العلاء معجبا بالمتنبى إعجابا شديدا حتى سمى شرحه لديوانه باسم معجز أحمد. على أن قصر أشعار عبد المحسن الصورى لا يدفع أنه مجيد فى قصاره إجادة رائعة. وهو فيها يقترب فى فنه من أبى تمام فى دقائق تصاويره وأخيلته.
ولعل ذلك ما جعل ابن خفاجة الأندلسى يعجب بأشعاره حتى ليقرنه فى مقدمة ديوانه بالشريف الرضى ومهيار قائلا: إنه تملّكته فى شبابه محاسن أشعارهم الرائعة الرائقة، وألفاظهم الشفافة الشائقة. ويتوقف مرارا فى ديوانه ليدلنا على أن عبد المحسن الصورى ألهمه هذه المقطوعة أو القصيدة أو تلك، وهو فيها جميعا يتغزل غزلا رقيقا ممتزجا بالطبيعة وجمالها الهاجع فى الكون، وكأنه يضع أيدينا على خصائص عبد المحسن فى غزله، فهو فيه يمزج بين المحبوب وعناصر الطبيعة مزجا فيه كثير من الطرافة فى التصوير كقوله:
بالذى ألهم تعذي ... بى ثناياك العذابا
والذى ألبس خدّي ... ك من الورد نقابا
والذى صيّر حظّى ... منك هجرا واجتنابا
يا غزالا صاد باللّح ... ظ فؤادى فأصابا
ما الذى قالته عينا ... ك لقلبى فأجابا
стр. 3005
فهو يصل بين رضاب الثنايا فى ثغر صاحبته وبين المياه العذبة الحلوة، ويجعل الحمرة على وجنتيها وردا تنتقب به. وهو بعد فى التصوير. ويجعلها غزالا من نوع غريب، فهى غزال لا يصاد، بل يصيد بشباك لحظه، وإنه ليخلب القلوب فتلبيه طائعة مستجيبة.
وقد استهلم ابن خفاجة هذا الجانب فى غزل عبد المحسن الصورى واستضاء به، كما استضاء واستلهم فى أشعار أخرى له جانبا ثانيا فى غزل عبد المحسن، ونقصد جانب الرقة والدمائة والنعومة على نحو ما نجد فى قوله:
أترى بثار أم بدين ... علقت محاسنها بعينى
فى لحظها وقوامها ... ما فى المهنّد والرّدينى
وبوجهها ماء الشبا ... ب خليط نار الوجنتين
بكرت علىّ وقالت اخ ... تر خصلة من خصلتين
إما الصدود أو الفرا ... ق فليس عندى غير ذين
فأجبتها ومدامعى ... منهلّة كالمرزمين (١)
لا تفعلى إن حان ص ... دّك أو فراقك حان جينى
وكأنما قلت اذهبى ... فمضت مسارعة لبينى
والأبيات تسيل رقة وعذوبة، مما يجعلها تطير من الفم بخفة طيرانا لرشاقتها ونعومتها، والألفاظ مختارة اختيارا دقيقا، وبالمثل موسيقاها الخفيفة المقتطفة من وزن الكامل المجزوء. وكان يعرف كيف يختار موسيقاه ولحونها وأنغامها، وكيف يختار لها الألفاظ التى تمكن لها بحلاوتها وعذوبتها فى الآذان، بل فى القلوب والأفئدة. ويقول فى صدغ شعر مرسل بين أذن صاحبته ووجنتيها وقد توقف مائلا منحنيا:
جنى ما جنى وانصرف ... وأنكر ثم اعترف
سلوا صدغه لم جرى ... ولما جرى لم وقف
وكان على أنّه ... يجوز المدى فانعطف
وهو تصوير بديع لهذا الصدغ وانعطافه ذات اليمين أو ذات اليسار دون استرساله، وكأنه لجماله وحسنه كان ينتظر أن لا ينعطف، وقد بث فيه حركة طريفة فهو يجرى ثم يقف، وهو يسترسل ثم
стр. 3006
ينعطف. وكان الشعراء يغارون على صواحبهم، ويذكرون ذلك فى أشعارهم، أما عبد المحسن فيقول:
تعلّقته سكران من خمرة الصّبا ... به غفلة عن لوعتى ولهيبى
وشاركنى فى حبّه كلّ أغيد ... يشاركنى فى مهجتى بنصيب
فلا تلزمونى غيرة ما عرفتها ... فإن حبيبى من أحبّ حبيبى
وهو فى ذلك رقيق منتهى الرقة، فهو لا يغار ممن يحب حبيبه ولا يكرهه أو يمقته، بل أعجب العجب أنه يحبه، وهى مبالغة مفرطة فى الرقة ورهافة الشعور.
ابن (١) منير
هو أحمد بن منير الطرابلسىّ، ولد فى طرابلس سنة ٤٧٣ لأب كان ينشد الأشعار ويغنى فى أسواقها، وأخذ ابنه فى نشأته بالتعليم فحفظ مثل لداته القرآن الكريم، وتعلم اللغة والأدب وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وقدم دمشق وسكنها. ويقول العماد الأصبهانى كان شيعيا غاليا، ويقول ابن خلكان: «كان رافضيا». وكان هجاء خبيث اللسان، وكثر هجاؤه فسجنه بورى بن طغتكين صاحب دمشق (٥٢٢ - ٥٢٥ هـ.) وعزم على قطع لسانه، وشفع فيه الحاجب يوسف بن فيروز، فأطلقه بورى على أن يغادر دمشق، ورجع إليها بعد وفاته. غير أن حكامها بعد بورى ظلوا ينفونه مرارا، مما جعله ينزل فى بلدان شامية متعددة وخاصة حماة وشيزر ومدح كثيرين من حكام البلدان الشامية وخاصة أمراء شيزر، وكان فى أثناء مقامه بتلك المدينة يتردد على حلب. وتغنى طويلا بانتصارات عماد الدين زنكى على الصليبيين فى بادين وغيرها من ساحات الحرب فى الشام. وجلجل بصوته حين فتح مدينة الرّها وأزال منها إلى غير رجعة إحدى الممالك التى أسّسها حملة الصليب. وأقام ابن منير حينئذ بحلب، ونشأت بينه وبين ابن القيسرانى-بسبب المنافسة-معركة هجاء حامية الوطيس. وتوثقت العلاقة بينه وبين نور الدين بعد وفاة أبيه زنكى، وأشاد ببطولته وانتصاراته على حملة الصليب، وكان يصحبه فى غزواته، واتخذه نور الدين سفيرا إلى حاكم دمشق فى بعض المهام، ولم يلبث أن توفى بحلب سنة ٥٤٨.
стр. 3007
وتناول ابن منير فى شعره أغراضا مختلفة فى مقدمتها المديح، ومرّ بنا-فى غير هذا الموضع حديث عن مديحه لعماد الدين زنكى وابنه نور الدين فى انتصاراتهما الرائعة على حملة الصليب، ويشيد العماد الأصبهانى بشعره وروعته. وكان يكنى أبا الحسن ويلقّب المهذب وقال فى وصف شعره أحد معاصريه: شعره ككنيته حسن ونظمه كلقبه مهذب، أرقّ من الماء الزّلال، وأدق من السحر الحلال، وأطيب من نيل الأمنية، وأعذب من الأمان من المنية. وله هجاء كثير.
وكان يجيد الغزل وشعر الحب إلى أبعد حد، وفى رأينا أن مرجع ذلك إلى حزن تنطوى عليه نفوس الشيعة جميعا منذ مقتل الحسين، وهو حزن صفّى مشاعره ورقق أحاسيسه وملأه بوجد متقد لا تخمد ناره، ومن رائع غزله قوله:
من ركّب البدر فى صدر الرّدينىّ ... وموّه السحر فى حدّ اليمانىّ
وأنزل النّير الأعلى إلى فلك ... مداره فى الكساء الخسروانىّ
طرف رنا أم قراب سلّ صارمه ... وأغيد ماس أم أعطاف خطّىّ
أذلّنى بعد عزّ والهوى أبدا ... يستعبد الّليث للظّبى الكناسىّ (١)
أما وذائب مسك من ذوائبه ... على أعالى القضيب الخيزرانىّ
وما يجنّ عقيقىّ الشّفاه من ال ... رّيق الرّحيقىّ والثّغر الجمانىّ
أربى علىّ بشتى من محاسنه ... تألّفت بين مسموع ومرئىّ
والصور فى الأبيات طريفة غاية الطرافة، فهو يتعجب من بدر يراه فى صدر رمح ردينى مهيّئ لإصابة المحب فى الصميم، وإنه ليعجب أن يكون سحر العينين مموّها فى حد السيف اليمانى وأن يرى القمر أمام عينيه يدور على الأرض فى كساء فارسى حريرى. ويعجب هل العين طرف يديم النظر أو غمد سلّ سيفه القاطع، وهل هو بإزاء قدّ شائق ناعم يتثنى أو بإزاء أعطاف رمح خطّىّ قاتل، ويقول إن الهوى يستعبد الليث الفاتك للظبى الوداع الذى يعيش فى كناسه أو مأواه الآمن، ويرى ذوائب الشعر على أعالى هذا الغصن الخيزرانى الأملس الناعم تقطر ذوب المسك، أما الشفاه فوراءها الثغر الفضى من الأسنان والريق الرحيقى السائغ. وهى صور تدل على خصب الخيال عند ابن منير وقدرته على عرض الصور الشعرية عرضا طريفا. ويقول:
أترى يثنيه عن قسوته ... خدّه الذائب من رقّته
стр. 3008
أفأستنجده وهو الذى ... لوّن الدمع على صبغته
ولهذا قوسه موترة ... تستمدّ النّبل من مقلته
قمر لا فخر للبدر سوى ... أنه صيغ على صورته
صدغه كرمة خمر قسّمت ... بين خدّيه إلى نكهته
أتخال الخال يعلو خدّه ... نقط مسك ذاب من طرّته
ذاك قلبى سلبت حبّته ... واستوت خالا على وجنته
والقطعة تموج بالصور، فخدّ صاحبته يذوب رقة، وقد لون دموعه بلونه الأحمر القانى، وإن قوس حاجبها لمشدود والنبل فى مقلتها يستمده. وقد بلغت من الجمال وسحره مبلغا عظيما حتى ليفخر البدر بأنه صيغ على صورتها، وكأن صدغيها أو خصلتى الشعر المرسلتين على خديها كرمة خمر قسمت بينهما واستحالت رضابا فى ثغرها يرشفه المحب. ويقول: لا تظن الخال على خدّها نقطة مسك سقطت من طرّة شعرها، بل هو حبّة فؤاده سلبتها من قلبه وأتاحتها لوجنتها الفاتنة.
وتكثر مثل هذه الصور البديعة فى شعره وغزله، من ذلك قوله:
وتوقّدت فى الرّوض من وجناته ... نار الحياء يشبّها ماء الصّبا (١)
وقوله:
وكم له فى كبدى لسعة ... برودها الدّرياق من فيه (٢)
وقوله:
سلّمت فازورّ يزوى قوس حاجبه ... كأننى كأس خمر وهو مخمور
وقوله:
قمر ما طلعت طلعته ... قطّ إلا سجد البدر لها
وغزلياته تتردد بين الجزالة والنصاعة فى الألفاظ وبين الرشاقة والعذوبة، وله قصيدة رائية من مجزوء الكامل فى مملوكه «تتر» أنشدها الحموى فى خزانته تدل على خفة روحه وميله إلى الدعابة، وبحق كان شاعرا بارعا من شعراء زمنه.
стр. 3009
الشاب (١) الظريف
هو شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان التلمسانى، نشأ أبوه فى دمشق، وخدم الدولة فى عدة جهات، وعمل كاتبا وشيخا للصوفية وانتظم فى سلكهم، ووفد على القاهرة ونزل بها فى خانقاه الصوفية الكبيرة المعروفة باسم «سعيد السعداء» وولد له حينئذ ابنه شمس الدين سنة ٦٦١. وعنى بتربيته وبدأ بحفظ القرآن الكريم، حتى إذا أتمه أخذ يختلف إلى حلقات الشيوخ، وتفتحت ملكته الشعرية مبكرة، وأخذ ينظم مدائح وغير مدائح، غير أن أباه رأى أن يعود إلى دمشق وعاد معه وظل يذكر صباه بمصر فى مثل قوله:
يا ساكنى مصر شمل الشوق مجتمع ... بعد الفراق وشمل الشكر أجزاء
والتحق أبوه بالدواوين فى دمشق، وولى هو عمالة الخزانة بها، وعاش مكفوف الرزق، وأفضى مع أنداده من شباب دمشق إلى حياة فيها غير قليل من اللهو يجتمعون فى دورهم أو فى المتنزهات، غير أنه لم يعش طويلا، إذ عاجلته المنية فى الثامنة والعشرين من عمره سنة ٦٨٨.
وقد تناول الشاب الظريف فى شعره أغراضا مختلفة من المديح وغير المديح، وأهم غرض أبدع فيه واشتهر به بين معاصريه ومن جاءوا بعدهم الغزل، لسبب طبيعى وهو أنه طالما تردد على سمعه شعر أبيه الصوفى وغيره من أشعار ابن الفارض وابن عربى، وكأنما تمثل ما فى أشعارهم جميعا من وجد قوى حار، وبثّ منه الكثير فى غزله، مصورا ما يثير الحب فى القلوب من المشاعر والعواطف والأهواء، عارضا ذلك فى لغة عذبة سهلة تلذ الألسنة والآذان والأفئدة. وفيه وفى شعره ورقته ينقل ابن شاكر عن ابن فضل الله العمرى صاحب مسالك الأبصار قوله عنه وعن شعره:
«نسيم سرى، ونعيم جرى، وطيف لا بل أخف موقعا منه فى الكرى، لم يأت إلا بما خف على القلوب، وبرئ من العيوب، رقّ شعره فكاد أن يشرب، ودقّ فلا غرو للقضب (الأغصان) أن ترقص والحمام أن يطرب، ولزم طريقة دخل فيها بلا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان. . وأكثر شعره بل كله رشيق الألفاظ، سهل على الحفّاظ، ل يخلو من الألفاظ العذبة، وما تحلو به المذاهب الكلامية، فلهذا علق بكل خاطر، وولع به كل ذاكر».
стр. 3010
وهى شهادة قيمة لابن فضل الله فى الشاب الظريف وشعره غزلا وغير غزل، إذ يموج شعره بالرقة وحسن الجرس وجمال التناسق، مع خفة الروح، وكأنما حمل فى صباه منها غير قليل من أهل القاهرة الذين عاشرهم فى نشأته ومطالع حياته، ومن طريف غزله قوله:
لا تخف ما فعلت بك الأشواق ... واشرح هواك فكلّنا عشّاق
فعسى يعينك من شكوت له الهوى ... فى حمله فالعاشقون رفاق
لا تجزعنّ فلست أول مغرم ... فتكت به الوجنات والأحداق
واصبر على هجر الحبيب فربما ... عاد الوصال وللهوى أخلاق
يا ربّ قد بعد الذين أحبّهم ... عنى وقد ألف الفراق فراق
والأبيات تسيل رقة وعذوبة، وهى تلتصق بالنفس لا لما قاله ابن فضل الله العمرى من أن الشاب الظريف كان يستخدم الكلمات العامية، فليس فيها من العامية شئ، وربما كان أدق من ذلك أن نقول إنه كان يستخدم أساليب وألفاظا أشبه بألفاظ وأساليب اللغة اليومية المتداولة على ألسنة العامة مع أنها عربية فصيحة، مما يشيع الاستواء فى عباراته وانسجامها انسجام الماء العذب فى تحدره ورقته وانطلاقه دون أى عائق لفظى، بل مع العذوبة والحلاوة والرشاقة، على شاكلة قوله:
أعزّ الله أنصار العيون ... وخلّد ملك هاتيك الجفون
وضاعف بالفتور لها اقتدارا ... وإن تك أضعفت عقلى ودينى
وأبقى دولة الأعطاف فينا ... وإن جارت على قلبى الطّعين
وأسبغ ظلّ ذاك الشّعر منه ... على قدّ به هيف الغصون
وهو دعاء لصاحبته ملئ بالظرف والرّقّة والدمائة، فهو يدعو لأمثاله من العشاق المفتونين بسحر العيون أن يعزهم الله وأن يخلد للعيون أو الجفون هذا الملك العريض من عالم الجمال والسحر، ويدعو للعيون أن تزداد فتورا حتى يزداد سحرها وشرره تأثيرا فى القلوب. ويدعو لمثل قوامها وأعطافه أو جوانبه البديعة بالحياة السعيدة وإن أصابته فى الصميم: فى قلبه. ويستمر فى دعائه: أن يسبغ الله ظل ذاك الشعر على قدها الأهيف الضامر ضمور الغصون اللدنة المليئة بالنضرة، ويقول:
стр. 3011
لى من هواك بعيده وقريبه ... ولك الجمال بديعه وغريبه
يا من أعيذ جماله بجلاله ... حذرا عليه من العيون تصيبه
إن لم تكن عينى فإنك نورها ... أو لم تكن قلبى فأنت حبيبه
هل حرمة أو رحمة لمتيّم ... قد قلّ منك نصيره ونصيبه
لم يبق لى سرّ أقول تذيعه ... عنى ولا قلب أقول تذيبه
والنّجم أقرب من لقاك مناله ... عندى وأبعد من رضاك مغيبه
والأبيات تسيل رقة ونعومة وهو فيها يحوط صاحبته بكل ما يستطيع من شباك التضرع والاستعطاف، فهو عاشق واله، وهى ليست جميلة فحسب بل هى أيضا جليلة، وهو يعيذ جمالها بجلالها حذرا من عيون الحاسدين. وهى نور عينه وحبّة قلبه، وهو يسألها متوسلا بالرحمة أو حرمة الحب لعلها تنيله شيئا من الود، ويعترف بأن آلامه فى حبها ذاعت وشاعت، وقلبه يصلى نار حبها حتى ذاب التياعا لطول يأسه من لقائها حتى ليظن أن النجم أقرب من لقائها منالا وأبعد من رضاها مغيبا. وهو فى غزله دائما ينصب شباك هذا التضرع الطريف كقوله:
بتثنّى قوامك الممشوق ... وبأنوار وجهك المعشوق
جد بوصل أو زورة أو بوعد ... أو كلام أو وقفة فى الطريق
أو بإرسالك السلام مع الرّ ... يح وإلا فبالخيال الطّروق
وتدل تمنياته فى وضوح على خفة ظله، وأنه رقيق رقة مفرطة مع الدماثة والظرف والتدله فى الحب واتقاد جذوته فى فؤاده. ولكل ذلك سماه معاصروه بحق «الشاب الظريف». وله وراء ما ذكرنا من شعره موشحات ورباعيات بنفس الروح ونفس اللغة.
حسن (١) البورينىّ
هو حسن بن محمد البورينىّ، ولد بالأردن فى قرية صفّورية لسنة ٩٦٣ للهجرة، ونزل مع أبيه دمشق وهو غلام، واختلف فيها إلى حلقات العلماء، ولم يلبث أبوه أن بارحها إلى بيت
стр. 3012
المقدس، وفيه أتم تعلمه. وعاد إلى دمشق فاشتغل فيها بالتدريس فى مدارسها والوعظ فى مساجدها، وتولى منصب القضاء فى الحج الشامى سنة ١٠٢٠. وكان عالما ثبتا حفظة فصيح العبارة. وله شرح على ديوان ابن الفارض الصوفى بحسب المعنى الظاهر، دون أى محاولة لإقحامه بين المتصوفة المتفلسفين أصحاب أفكار الحلول ووحدة الوجود. وكان سنّيّا شافعيا. وله كتاب فى تراجم الأعيان لا يزال مخطوطا بدار الكتب المصرية، وأفاد منه المحبى فى كتابه خلاصة الأثر.
وكان البورينى شاعرا مجيدا، وجمع ديوان شعره، ومنه مخطوطة فى مكتبة كوبريلى بالآستانة، ويقول فيه الشهاب الخفاجى: «ديباجة الدنيا ومكرمة الدهر، ونكتة عطارد التى يفتخر بها الفخر» وروى له طائفة من غزله، وهو فيه يستقى من نفس المعين الذى استقى منه الشاب الظريف، ونقصد معين الشعر الصوفى وما فيه من وجد ملتاع، ويكفى أنه قرأ ديوان ابن الفارض بل لقد شرحه ووقف عند كل معنى من معانيه وكل لفظ من ألفاظه، فطبيعى أن يتأثر بحبه الإلهى الظامئ أبدا وما فيه من خوالج وخواطر لا تكاد تحصى، تصور الحب الملتاع الذى يصحبه دائما الفراق والحرمان، فما يكاد يهنأ بالحب لحظة حتى ينعق له غراب البين، ويظل فى نعيقه وهو يتلهف أشد التلهف على رؤية صاحبته بمثل قوله:
يقولون فى الصبح الدعاء مؤثّر ... فقلت نعم لو كان ليلى له صبح
ويا عجبا منّى أروم لقاءه ... وفى جفنه سيف ومن قدّه رمح
وإنسان عينى كيف ينجو وقد غدا ... يطول له فى لجّ مدمعه سبح
وليس عجيبا أنّ دمعى أحمر ... وفى مهجتى قرح وفى مقلتى رشح
فهو يعيش بدون صاحبته فى ليل لا آخر له، ويعجب كيف يريد لقاءها وهى مسلحة بجفنها الساحر وقوامها الممشوق، إنه لم يعد له منها سوى الدموع التى يغرق فيها إنسان عينيه، وما زالت عيناه تدمع حتى استحال دمعها دما، ويشعر كأن فى مهجته جرحا لا يبرأ وفى مقلته رشحا لا يرقأ.
ويقول:
وكنّا كغصنى بانة قد تألّفا ... على دوحة حتى استطالا وأينعا
يغنّيهما صدح الحمام مرجّعا ... ويسقيهما كأس السحائب مترعا
سليمين من خطب الزمان إذا سطا ... خليّين من قول الحسود إذا سعى
стр. 3013
ففارقنى من غير ذنب جنيته ... وأبقى بقلبى حرقة وتوجّعا
عفا الله عنه ما جناه فإننى ... حفظت له العهد القديم وضيّعا
وهى قطعة طريفة، إذ يتصور البورينى أنه هو وصاحبته كانا مثل غصنين لشجرة ضخمة من شجر البان ولدا معا وعاشا معا صيفا وشتاء وتغذيا معا وتناولا الحياة تناولا واحدا، ينعمان بشدو الحمام وينهلان من كئوس السحاب منتشين هانئين، لا عذول ولا حسود. وفجأة تهجره صاحبته من غير ذنب جناه. ويصطلى قلبه بنار الحب المحرقة وأوجاع الهجران المؤلمة، ومع ذلك يدعو الله أن يغفر لصاحبته جنايتها، إذ ضيعت العهد والميثاق القديم، أما هو فلا يزال ذاكرا له بل حافظا أمينا. ويقول:
منازل هذا القلب كنّ أو اهلا ... وها هى من بعد الفراق طلول
ويا ظبى هل بعد النّفار تأنّس ... ويا بدر هل بعد الأفول قفول
ويا منزل الأحباب أين ترحّلوا ... وهم فى فؤادى-ما حييت-نزول
يميلون عنى للوشاة وإننى ... إليهم وإن طال الصدود أميل
علىّ لهم حفظ الوداد وإن جنوا ... وليس إلى نقض العهود سبيل
وقد فارقته صاحبته وأصبحت منازل قلبه طلولا دارسة، وإنه ليتساءل متحسرا هل بعد النفور تألف وهل بعد أفول البدر قفول ورجوع، ويسأل منزل الجيبة وقومها أين ترحلوا، ويقول إنهم نزول فى قلبه لا يفارقونه أبدا، وحتى إن هم سمعوا للوشاة وأطالوا له الصدود والهجران فسيظل متعلقا بهم حافظا لودادهم لا ينقض العهود ولا ينكثها، بل سيزداد تعلقه وحبه واستمساكه. وما يلبث أن يخاطب فى نفس القصيدة قمريا أو كما يسميه ابن ورقاء أى حمامة رمادية اللون قائلا:
وما هاجنى إلا ابن ورقاء سحرة ... له فوق أفنان الرياض هديل
يردّد فى صحف الرياض قصائدا ... من الشوق يمليها لنا ويميل
يخيّل أن البين آذى فؤاده ... وكيف ولما ينأ عنه خليل
ولم تحتكم فيه الليالى ولم يبن ... عليه لبين رقّة ونحول
أما والهوى لو ذقت ما ذقت فى الهوى ... لما ازدان بالأطواق منك تليل
стр. 3014
ألا إنه ما فارق الإلف دهره ... ومالى إلى وصل الحبيب وصول
وهو يوازن بينه وبين قمرى يتغنى سحرا بأشواق ما ينى يرددها فى صحف الرياض ويمليها مخيّلا كأنه يشكو من آلام بين مبرّح ولا بين ولا فراق، فحبيبته بجانبه لم تفارقه ليلة، ولا أصابه لفراقها ضنّى ونحول. ويقسم له بالهوى لو ذاق أو جاعه وتباريحه ما ازدان تليله أو عنقه بطوق، ويقول له إنه لم يفارق أليفته يوما بينما هو يتلظى بنار الفراق والهجران. وكان يعرف الفارسية وقد ترجم عنها قوله:
ورق الغصون دفاتر مشحونة ... مملوءة بأدلّة التوحيد
ولعل فيما قدمنا ما يدل على روعة غزلياته، وهو فيها دائما مشوق يتمنى الوصل وأن تذوب حجب الهجران. وما زال يردد هذا المعنى وما يتصل به، حتى لبى نداء ربه بدمشق لسنة ١٠٢٤ للهجرة.
٢ - شعراء الفخر والهجاء
موضوعا الفخر والهجاء من موضوعات الشعر القديمة منذ الجاهلية، ومعروف أن شعر الفخر والحماسة الحربية غلب عليها قديما، حتى سمى أبو تمام مختاراته الشعرية الكبرى باسم الحماسة تغليبا لهذا الموضوع على موضوعات الشعر الأخرى عند العرب فى جاهليتهم وإسلامهم، وكان يزحمه من قديم شعر الهجاء، إذ كانوا يفخرون بانتصاراتهم الحربية ويهجون خصومهم بهزائمهم، يستثيرون بذلك قبائلهم لتخوض معارك جديدة أشد فتكا فى الأعداء. وكانت معارك العرب-على مر السنين-بينهم وبين الأمم وقودا مستمرّا للفخر والهجاء، فلم تخمد لهما نار، بل لقد اشتد أوارها كلما تقدمنا مع الزمن، وكان شعراء الشام يشاركون فى تلك المعارك بسهام شعرهم النارية. ونكتفى بذكر شاعرين كبيرين قريبين من هذا العصر هما أبو تمام والبحترى، وكانا أشبه بمكاتبين حربيين، فهما يحضران المعارك مع ثوار إيران ومع الروم فى آسيا الصغرى، ويصوران كيف احتدمت الحرب وبلاء الجيوش العباسية وقوادها فيها وما أنزلوا بالأعداء من محق لا يكاد يبقى منهم باقية. وبجانب هذا الفخر والهجاء الحربى كان هناك الفخر والهجاء السلميان اللذان ينظمهما الشعراء لبيان ما يشتملون عليه هم وأقوامهم، أو هم أنفسهم، من مثالية خلقية رفيعة وما يتصف به أعداؤهم
стр. 3015
أو بعض خصومهم من أخلاق شائنة يزدريها المجتمع. وهذا الفخر والهجاء الجماعيان والفرديان نجدهما عند أبى تمام والبحترى وغيرهما من الشعراء، وكثيرا ما كان يحدث ذلك بين الشعراء أنفسهم، فنجد-بعامل المنافسة-شاعرا يفاخر زميلا له ويهاجيه.
وكل ذلك نراه شائعا فى هذا العصر: عصر الدول والإمارات، وكانت الحرب محتدمة فى أوائله بين سيف الدولة الحمدانى أمير حلب وبين الروم، وكان يكيل لهم ضربات قاصمة، مما جعل كثيرين من الشعراء يمدحون بطولته وبطولة جيوشه العربية مفاخرين الروم وهاجين منذرين جموعهم بمعارك تدق أعناقهم دقا ولا تبقى ولا تذر. وبجانب ذلك نجد الفخر والهجاء الفرديين محتدمين بين بعض شعراء حاشيته على نحو ما حدث بين الخالديين والسّرىّ الرّفاء. وشاعر الفخر الشامى الذى لا يبارى فى القرن الرابع الهجرى أبو فراس الحمدانى، وسنخصه بترجمة مفردة.
وربما كانت أروع قصيدة فخر نظمها شعراء الشام فى القرن الخامس الهجرى قصيدة أبى العلاء المعرى التى أشرنا إليها فى ترجمته وفيها يقول (١):
ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل
تعدّ ذنوبى عند قوم كثيرة ... ولا ذنب لى إلا العلا والفضائل
وقد سار ذكرى فى البلاد فمن لهم ... بإخفاء شمس ضوءها متكامل
وإنى وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
ولى منطق لم يرض لى كنه منزلى ... على أننى بين السّماكين نازل
ولما رأيت الجهل فى الناس فاشيا ... تجاهلت حتى ظنّ أنى جاهل
وواعجبا كم يدّعى الفضل ناقص ... وواأسفا كم يظهر النّقص فاضل
ينافس يومى فىّ أمسى تشرّفا ... وتحسد أسحارى علىّ الأصائل
والقصيدة تناقض شخصية أبى العلاء المتشائمة الزاهدة فى الحياة وكل ما فيها من مجد، وإما نظمها تقليدا ومحاكاة لسابقيه فى فن الفخر، وإما نظمها فى ساعة غضب ردا على بعض شانئيه وخصومه. ومع ذلك فهى تصور مكانته فى الأدب العربى، وأنه فيه-بحق-السابق المجلّى، وهو يقول: من أين يلحقنى الذم وأنا أنهض بكل ما يكسبنى المجد والشرف من العفاف الطاهر