← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

لى من هواك بعيده وقريبه ... ولك الجمال بديعه وغريبه يا من أعيذ جماله بجلاله ... حذرا عليه من العيون تصيبه إن لم تكن عينى فإنك نورها ... أو لم تكن قلبى فأنت حبيبه هل حرمة أو رحمة لمتيّم ... قد قلّ منك نصيره ونصيبه لم يبق لى سرّ أقول تذيعه ... عنى ولا قلب أقول تذيبه والنّجم أقرب من لقاك مناله ... عندى وأبعد من رضاك مغيبه والأبيات تسيل رقة ونعومة وهو فيها يحوط صاحبته بكل ما يستطيع من شباك التضرع والاستعطاف، فهو عاشق واله، وهى ليست جميلة فحسب بل هى أيضا جليلة، وهو يعيذ جمالها بجلالها حذرا من عيون الحاسدين. وهى نور عينه وحبّة قلبه، وهو يسألها متوسلا بالرحمة أو حرمة الحب لعلها تنيله شيئا من الود، ويعترف بأن آلامه فى حبها ذاعت وشاعت، وقلبه يصلى نار حبها حتى ذاب التياعا لطول يأسه من لقائها حتى ليظن أن النجم أقرب من لقائها منالا وأبعد من رضاها مغيبا. وهو فى غزله دائما ينصب شباك هذا التضرع الطريف كقوله: بتثنّى قوامك الممشوق ... وبأنوار وجهك المعشوق جد بوصل أو زورة أو بوعد ... أو كلام أو وقفة فى الطريق أو بإرسالك السلام مع الرّ ... يح وإلا فبالخيال الطّروق وتدل تمنياته فى وضوح على خفة ظله، وأنه رقيق رقة مفرطة مع الدماثة والظرف والتدله فى الحب واتقاد جذوته فى فؤاده. ولكل ذلك سماه معاصروه بحق «الشاب الظريف». وله وراء ما ذكرنا من شعره موشحات ورباعيات بنفس الروح ونفس اللغة. حسن (١) البورينىّ هو حسن بن محمد البورينىّ، ولد بالأردن فى قرية صفّورية لسنة ٩٦٣ للهجرة، ونزل مع أبيه دمشق وهو غلام، واختلف فيها إلى حلقات العلماء، ولم يلبث أبوه أن بارحها إلى بيت

стр. 3012

المقدس، وفيه أتم تعلمه. وعاد إلى دمشق فاشتغل فيها بالتدريس فى مدارسها والوعظ فى مساجدها، وتولى منصب القضاء فى الحج الشامى سنة ١٠٢٠. وكان عالما ثبتا حفظة فصيح العبارة. وله شرح على ديوان ابن الفارض الصوفى بحسب المعنى الظاهر، دون أى محاولة لإقحامه بين المتصوفة المتفلسفين أصحاب أفكار الحلول ووحدة الوجود. وكان سنّيّا شافعيا. وله كتاب فى تراجم الأعيان لا يزال مخطوطا بدار الكتب المصرية، وأفاد منه المحبى فى كتابه خلاصة الأثر. وكان البورينى شاعرا مجيدا، وجمع ديوان شعره، ومنه مخطوطة فى مكتبة كوبريلى بالآستانة، ويقول فيه الشهاب الخفاجى: «ديباجة الدنيا ومكرمة الدهر، ونكتة عطارد التى يفتخر بها الفخر» وروى له طائفة من غزله، وهو فيه يستقى من نفس المعين الذى استقى منه الشاب الظريف، ونقصد معين الشعر الصوفى وما فيه من وجد ملتاع، ويكفى أنه قرأ ديوان ابن الفارض بل لقد شرحه ووقف عند كل معنى من معانيه وكل لفظ من ألفاظه، فطبيعى أن يتأثر بحبه الإلهى الظامئ أبدا وما فيه من خوالج وخواطر لا تكاد تحصى، تصور الحب الملتاع الذى يصحبه دائما الفراق والحرمان، فما يكاد يهنأ بالحب لحظة حتى ينعق له غراب البين، ويظل فى نعيقه وهو يتلهف أشد التلهف على رؤية صاحبته بمثل قوله: يقولون فى الصبح الدعاء مؤثّر ... فقلت نعم لو كان ليلى له صبح ويا عجبا منّى أروم لقاءه ... وفى جفنه سيف ومن قدّه رمح وإنسان عينى كيف ينجو وقد غدا ... يطول له فى لجّ مدمعه سبح وليس عجيبا أنّ دمعى أحمر ... وفى مهجتى قرح وفى مقلتى رشح فهو يعيش بدون صاحبته فى ليل لا آخر له، ويعجب كيف يريد لقاءها وهى مسلحة بجفنها الساحر وقوامها الممشوق، إنه لم يعد له منها سوى الدموع التى يغرق فيها إنسان عينيه، وما زالت عيناه تدمع حتى استحال دمعها دما، ويشعر كأن فى مهجته جرحا لا يبرأ وفى مقلته رشحا لا يرقأ. ويقول: وكنّا كغصنى بانة قد تألّفا ... على دوحة حتى استطالا وأينعا يغنّيهما صدح الحمام مرجّعا ... ويسقيهما كأس السحائب مترعا سليمين من خطب الزمان إذا سطا ... خليّين من قول الحسود إذا سعى

стр. 3013

ففارقنى من غير ذنب جنيته ... وأبقى بقلبى حرقة وتوجّعا عفا الله عنه ما جناه فإننى ... حفظت له العهد القديم وضيّعا وهى قطعة طريفة، إذ يتصور البورينى أنه هو وصاحبته كانا مثل غصنين لشجرة ضخمة من شجر البان ولدا معا وعاشا معا صيفا وشتاء وتغذيا معا وتناولا الحياة تناولا واحدا، ينعمان بشدو الحمام وينهلان من كئوس السحاب منتشين هانئين، لا عذول ولا حسود. وفجأة تهجره صاحبته من غير ذنب جناه. ويصطلى قلبه بنار الحب المحرقة وأوجاع الهجران المؤلمة، ومع ذلك يدعو الله أن يغفر لصاحبته جنايتها، إذ ضيعت العهد والميثاق القديم، أما هو فلا يزال ذاكرا له بل حافظا أمينا. ويقول: منازل هذا القلب كنّ أو اهلا ... وها هى من بعد الفراق طلول ويا ظبى هل بعد النّفار تأنّس ... ويا بدر هل بعد الأفول قفول ويا منزل الأحباب أين ترحّلوا ... وهم فى فؤادى-ما حييت-نزول يميلون عنى للوشاة وإننى ... إليهم وإن طال الصدود أميل علىّ لهم حفظ الوداد وإن جنوا ... وليس إلى نقض العهود سبيل وقد فارقته صاحبته وأصبحت منازل قلبه طلولا دارسة، وإنه ليتساءل متحسرا هل بعد النفور تألف وهل بعد أفول البدر قفول ورجوع، ويسأل منزل الجيبة وقومها أين ترحلوا، ويقول إنهم نزول فى قلبه لا يفارقونه أبدا، وحتى إن هم سمعوا للوشاة وأطالوا له الصدود والهجران فسيظل متعلقا بهم حافظا لودادهم لا ينقض العهود ولا ينكثها، بل سيزداد تعلقه وحبه واستمساكه. وما يلبث أن يخاطب فى نفس القصيدة قمريا أو كما يسميه ابن ورقاء أى حمامة رمادية اللون قائلا: وما هاجنى إلا ابن ورقاء سحرة ... له فوق أفنان الرياض هديل يردّد فى صحف الرياض قصائدا ... من الشوق يمليها لنا ويميل يخيّل أن البين آذى فؤاده ... وكيف ولما ينأ عنه خليل ولم تحتكم فيه الليالى ولم يبن ... عليه لبين رقّة ونحول أما والهوى لو ذقت ما ذقت فى الهوى ... لما ازدان بالأطواق منك تليل

стр. 3014

ألا إنه ما فارق الإلف دهره ... ومالى إلى وصل الحبيب وصول وهو يوازن بينه وبين قمرى يتغنى سحرا بأشواق ما ينى يرددها فى صحف الرياض ويمليها مخيّلا كأنه يشكو من آلام بين مبرّح ولا بين ولا فراق، فحبيبته بجانبه لم تفارقه ليلة، ولا أصابه لفراقها ضنّى ونحول. ويقسم له بالهوى لو ذاق أو جاعه وتباريحه ما ازدان تليله أو عنقه بطوق، ويقول له إنه لم يفارق أليفته يوما بينما هو يتلظى بنار الفراق والهجران. وكان يعرف الفارسية وقد ترجم عنها قوله: ورق الغصون دفاتر مشحونة ... مملوءة بأدلّة التوحيد ولعل فيما قدمنا ما يدل على روعة غزلياته، وهو فيها دائما مشوق يتمنى الوصل وأن تذوب حجب الهجران. وما زال يردد هذا المعنى وما يتصل به، حتى لبى نداء ربه بدمشق لسنة ١٠٢٤ للهجرة. ٢ - شعراء الفخر والهجاء موضوعا الفخر والهجاء من موضوعات الشعر القديمة منذ الجاهلية، ومعروف أن شعر الفخر والحماسة الحربية غلب عليها قديما، حتى سمى أبو تمام مختاراته الشعرية الكبرى باسم الحماسة تغليبا لهذا الموضوع على موضوعات الشعر الأخرى عند العرب فى جاهليتهم وإسلامهم، وكان يزحمه من قديم شعر الهجاء، إذ كانوا يفخرون بانتصاراتهم الحربية ويهجون خصومهم بهزائمهم، يستثيرون بذلك قبائلهم لتخوض معارك جديدة أشد فتكا فى الأعداء. وكانت معارك العرب-على مر السنين-بينهم وبين الأمم وقودا مستمرّا للفخر والهجاء، فلم تخمد لهما نار، بل لقد اشتد أوارها كلما تقدمنا مع الزمن، وكان شعراء الشام يشاركون فى تلك المعارك بسهام شعرهم النارية. ونكتفى بذكر شاعرين كبيرين قريبين من هذا العصر هما أبو تمام والبحترى، وكانا أشبه بمكاتبين حربيين، فهما يحضران المعارك مع ثوار إيران ومع الروم فى آسيا الصغرى، ويصوران كيف احتدمت الحرب وبلاء الجيوش العباسية وقوادها فيها وما أنزلوا بالأعداء من محق لا يكاد يبقى منهم باقية. وبجانب هذا الفخر والهجاء الحربى كان هناك الفخر والهجاء السلميان اللذان ينظمهما الشعراء لبيان ما يشتملون عليه هم وأقوامهم، أو هم أنفسهم، من مثالية خلقية رفيعة وما يتصف به أعداؤهم

стр. 3015

أو بعض خصومهم من أخلاق شائنة يزدريها المجتمع. وهذا الفخر والهجاء الجماعيان والفرديان نجدهما عند أبى تمام والبحترى وغيرهما من الشعراء، وكثيرا ما كان يحدث ذلك بين الشعراء أنفسهم، فنجد-بعامل المنافسة-شاعرا يفاخر زميلا له ويهاجيه. وكل ذلك نراه شائعا فى هذا العصر: عصر الدول والإمارات، وكانت الحرب محتدمة فى أوائله بين سيف الدولة الحمدانى أمير حلب وبين الروم، وكان يكيل لهم ضربات قاصمة، مما جعل كثيرين من الشعراء يمدحون بطولته وبطولة جيوشه العربية مفاخرين الروم وهاجين منذرين جموعهم بمعارك تدق أعناقهم دقا ولا تبقى ولا تذر. وبجانب ذلك نجد الفخر والهجاء الفرديين محتدمين بين بعض شعراء حاشيته على نحو ما حدث بين الخالديين والسّرىّ الرّفاء. وشاعر الفخر الشامى الذى لا يبارى فى القرن الرابع الهجرى أبو فراس الحمدانى، وسنخصه بترجمة مفردة. وربما كانت أروع قصيدة فخر نظمها شعراء الشام فى القرن الخامس الهجرى قصيدة أبى العلاء المعرى التى أشرنا إليها فى ترجمته وفيها يقول (١): ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل تعدّ ذنوبى عند قوم كثيرة ... ولا ذنب لى إلا العلا والفضائل وقد سار ذكرى فى البلاد فمن لهم ... بإخفاء شمس ضوءها متكامل وإنى وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل ولى منطق لم يرض لى كنه منزلى ... على أننى بين السّماكين نازل ولما رأيت الجهل فى الناس فاشيا ... تجاهلت حتى ظنّ أنى جاهل وواعجبا كم يدّعى الفضل ناقص ... وواأسفا كم يظهر النّقص فاضل ينافس يومى فىّ أمسى تشرّفا ... وتحسد أسحارى علىّ الأصائل والقصيدة تناقض شخصية أبى العلاء المتشائمة الزاهدة فى الحياة وكل ما فيها من مجد، وإما نظمها تقليدا ومحاكاة لسابقيه فى فن الفخر، وإما نظمها فى ساعة غضب ردا على بعض شانئيه وخصومه. ومع ذلك فهى تصور مكانته فى الأدب العربى، وأنه فيه-بحق-السابق المجلّى، وهو يقول: من أين يلحقنى الذم وأنا أنهض بكل ما يكسبنى المجد والشرف من العفاف الطاهر

стр. 3016

والإقدام الجرئ والحزم النافذ والنائل أو الجود السابغ، ويقول إنه ليس فيه ذنوب ولا عيوب إلا إذا عدّت العلا والفضائل ذنوبا وعيوبا، ولن تعد المحاسن كذلك أبدا. وإن ذكره ليعم البلاد كما يعمها ضوء الشمس الغامر الذى لا يستطيع أحد إخفاءه، وإن كان زمانه قد تأخر فإنه أتى بما لم يستطعه الأوائل، ومع أنه بين السماكين فى السموات العلا لا يزال منطقه أو عقله يطلب منزلة أعلى شأنا. ولما رأى الجهل فاشيا تجاهل حتى ظن الأغبياء أنه جاهل، وتعجب من ادعاء الناقص الفضل وتحسّر على تظاهر الفاضل بالنقص. ويقول إن كل وقت يتمنى أن يكون فيه دون غيره من الأوقات، فأمسه يحسد عليه يومه وأصيل اليوم يحسد عليه سحره. ويمضى أبو العلاء فى القصيدة بهذا الصوت الضخم المجلجل كالرعد القاصف. وكان يعاصر أبا العلاء ابن سنان الخفاجى المتوفى سنة ٤٦٦ للهجرة، وله يفتخر بقومه وبلائهم فى حرب الثغور ضد الروم (١): أهل الثغور إذا تلمّ ملمّة ... بسطوا رماحا دونها وسواعدا وأولو التّقى فإذا مررت عليهم ... لم تلق إلا مكرما ومجاهدا إن حاربوا ملئوا البلاد مصارعا ... أو سالموا عمروا الديار مساجدا بيت له النسب الجلىّ وغيره ... دعوى تريد أدلّة وشواهدا وهو يفخر ببأس قومه وتقواهم وأنهم فى الحرب يملئون ساحات المعارك بينهم وبين الروم صرعى مقتولين. وإذا أفضوا إلى السلم ملئوا الديار مساجد، ويقول إن بيتهم عريق فى العرب لا يطاوله أى بيت. ومن شعراء الفخر فى زمن الفاطميين والأيوبيين أسامة بن منقذ وسنفرد له ترجمة-ولابن الساعاتى المار ذكره (٢): وإنى لآبى الضّيم من كل صاحب ... وأكره قلبى أن يكون له خدنا وإن بلد لم أغد فيه مكرّما ... نهضت فأعملت الجديليّة البدنا (٣) وما شان فضلى بين أهلى خموله ... وقد بلغت غاياته الإنس والجنّا فإنى كعود الهند هين بدوحه ... وقد عبّقت أنفاسه السّهل والحزنا

стр. 3017

فهو يأبى الضيم شاعرا بالكرامة شعورا عميقا، حتى لو أحسّ أن بلدا ينبو به رحل عنه إلى غير إياب، ويبالغ فى بيان فضله قائلا إنه شاع بين الإنس والجن، وإن اعتراه خمول بين أهله فمثله مثل عود الهند لا يعرف فضله فى دوحته، بينما رائحته العطرة تملأ السهل والحزن من الأرض. ونظل نستمع إلى هذا الصوت الأجش المعتز بنفسه وكرامته طوال أيام المماليك وبالمثل أيام العثمانيين كقول ابن الجزرى المار ذكره (١): يقدّمنى عزمى وحظّى مؤخّرى ... ويوصلنى حزمى ودهرى يقطّع وهمّى من الدنيا المعالى ونيلها ... وما همّ قلبى الرّقمتان ولعلع (٢) ولا رشأ أحوى ولا صوت قينة ... ولا قدح فيه الرّحيق المشعشع (٣) ولكنما لدن وأجرد سابح ... ومسرودة زغفا وأبيض يسطع (٤) وهو صاحب عزم وحزم ونفاذ فى الأمور وإن لم يسعفه الحظ والدهر. وهمه طلب المعالى والظفر بها لا بمن يسكن روضتى الرقمتين وجبل لعلع من سمر الشفاه، ولا بمن يتغنين غناء جميلا، ولا بالأقداح من رحيق الخمر وشرابه. إنما همه رمح لين قاتل وفرس مسرع ودرع واسعة محكمة وسيف ساطع يضئ فى غبار الحرب حين يسله على رقاب الأعداء. إنه من أهل العزم والحزم والمعالى لا يشغف بحب ولا بغناء ولا بخمر، إنما يشغف بالبأس فى الحرب وتقتيل الرجال وسفك دمائهم. وبجانب هذا الفخر كان يدور هجاء كثير، وخاصة لمن لا يجزون الشعراء الجزاء الوفر وكثيرا ما كانت تحتدم بينهم المنافسات، فيفزعون إلى سهام الهجاء يصوبها الخصم منهم إلى خصمه صباح مساء. وقد يصبح الهجاء سهاما سامة قاتلة، وقد يصبح سخرية جارحة، وقد يصبح دعابة وإن لم تخل من مرارة، كقول عبد المحسن الصورى وقد نزل ضيفا على أخ له (٥): وأخ مسّه نزولى بقرح ... مثل ما مسّنى من الجوع قرح بتّ ضيفا له كما حكم الده ... ر وفى حكمه على الحرّ قبح

стр. 3018

قال لى إذ نزلت وهو من السّك ... رة والهمّ طافح ليس يصحو لم تغرّبت قلت قال رسول ال ... لّه والقول منه نصح ونجح سافروا تغنموا فقال وقد قا ... ل تمام الحديث صوموا تصحّوا وهى دعابة تلسع لسع الإبر، فقد صور نزوله على مضيفه بقرح وهو ما يصيب الإنسان من عضّ السلاح ونحوه، كأنما نزوله عليه كان كارثة، وقال إنه مسّه من الجوع قرح لا يزال ينزّ ألما، وكأنما يستلهم آية سورة آل عمران: ﴿(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)﴾ أى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم يوم بدر. ويقول إن الدهر هو الذى حكم عليه هذا الحكم القبيح، ولقد أصابته سكرة من الشح والهم، فسأله سؤالا مزريا: لم تغربت ونزلت عندى، فأجابه لقول رسول الله ﷺ : سافروا تغنموا، فبادر إليه يقول: تمام الحديث: صوموا تصحّوا، وكأنه يطلب إليه أن يظل جائعا بل أن يصوم ويظل صائما ما ظل عنده. ويقول الغزى المتوفى سنة ٥٢٤ فى هجاء حاكم من حكام إيران يسمى شروانشاه (١): رأيت لؤما مصوّرا جسدا ... شيمته الاحتيال والكذب على سرير كالنّعش لا رهب ... يعلوه من هيبة ولا رغب يجبه بالهجر من يخاطبه ... بين السّعالى وبينه نسب (٢) يفرقه الناس للسّفاهة وال ... عقرب يخشى وخدّه ترب للجمع والمنع قائم أبدا ... كالفيل لا تنثنى له ركب وهو هجاء لاذع كوى به جلد هذا الحاكم، بل لقد تحولت الأبيات فى يد الغزى إلى ما يشبه سياطا بل شواظا من نار يصبه فوق رأسه صبا، فهو تمثال للؤم والكذب، يجلس لا على سرير بل على نعش لا يظله رهب منه ولا رغب فى ماله، لما عرف عنه من شحّ بغيض، وأنه يصكّ مخاطبه بكلام قبيح، وكأنما هو ليس من البشر، بل إن بينه وبين الغيلان نسبا ذميما. والناس يخشونه لسفاهته كما يخشون العقرب وخدها ملطخ بالتراب، وكأنما خلق كالفيل قائما أبدا إذ لا ينام فعيناه مشدودتان دائما لجمع المال ومنعه عن مستحقيه شحّا بغيضا لا يدانيه شح. وكان العرقلة الكلبى المتوفى سنة ٥٦٧ كثير الهجاء حتى هجا نفسه، وله من أبيات وقد أعطاه بعض من مدحهم لا مالا، بل شعيرا فقال (٣):

стр. 3019

يقولون لم أرخصت شعرك فى الورى ... فقلت لهم إذ مات أهل المكارم أجازى على الشعر الشعير وإنّه ... كثير إذا استخلصته من بهائم ومنذ زمن الغزّى يشكو الشعراء كثيرا من أنهم لا ينالون ما يستحقونه على أشعارهم من ممدوحيهم، بل إن منهم من يعطيهم رقعا مسطرة دون أن يفى بما فيها، وكأنها كلام كاذب بكلام. ومن كبار الهجائين فى أيام الأيوبيين بدر الدين عبد الرحمن بن المسجّف المتوفى سنة ٦٣٥ للهجرة، وله يهجو جماعة من إخوانه أو عصابته كما يقول (١): يا ربّ كيف بلوتنى بعصابة ... ما فيهم فضل ولا إفضال متنافرى الأوصاف يصدق فيهم ال ... هاجى وتكذب فيهم الآمال جبنا إذا استنجدتهم لملمّة ... لؤما إذا استرفدتهم بخّال هم فى الرّخاء إذا ظفرت بنعمة ... آل وهم عند الشدائد آل وهو يخلى عصابته من كل فضل ويراها جديرة بكل مذمّة فى مهجوّ إذ تكذب فيها دائما الآمال. ويصف أفرادها بأنهم جبناء عند الشدائد، لؤماء بخلاء، وهم فى الرخاء أهل أو آل كما يقول، وفى الضراء سراب أو آل يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. وولّى السلطان الظاهر بيبرس فى سنة ٦٦٤ قضاة أربعة يمثلون المذاهب الفقهية: المذهب المالكى والحنفى والشافعى والحنبلى ولقّب ممثلى هذه المذاهب ما عدا المذهب المالكى بلقب شمس الدين، فاتخذ الشعراء ذلك موضوعا للهجاء الفكه الساخر. من مثل قول بعضهم (٢): أهل الشآم استرابوا ... من كثرة الحكّام إذ هم جميعا شموس ... وحالهم فى ظلام وكان شرب الحشيش المخدّر عرف بين أراذل الناس يدخنونه ويمضغونه وقد يبلعونه، وشدّد الظاهر بيبرس النكير على من يتعاطونه، ونظم كثير من الشعراء فى ذمه كقول الشاب الظريف (٣):

стр. 3020

ما للحشيشة فضل عند آكلها ... لكنه غير مصروف إلى رشده صفراء فى وجهه خضراء فى فمه ... حمراء فى عينه سوداء فى كبده وهو يقبّحها غاية التقبيح بآثارها فى ما ضغها من صفرة تعترى وجهه وحمرة تشوب عينه وسواد لا يزول فى كبده. ويقول مجير الدين بن تميم المتوفى سنة ٦٨٤ للهجرة فى هجاء كحّال (١): دعوا الشيخ من كحل العيون فكفّه ... يسوق إلى الطّرف الصحيح الدواهيا فكم ذهبت من ناظر بسواده ... وألقت بياضا خلفها ومآقيا فكحله يعمى الأبصار ويقضى قضاء مبرما على سوادها ونظرها ولا يبقى بها بصيصا ولا غير بصيص. ولبعض شعراء دمشق فى هجاء القاضى شهاب الدين أحمد الباعونى الشافعى المتوفى سنة ٨١٦ للهجرة (٢): قضاء الشام أنشدنى ... بدينى لا تبيعونى صفعت بكلّ مصفعة ... وبعد الكلّ باعونى وكأنه أدخله فيما نزل بهذا القضاء من صفعات متوالية. وفى كلمة «باعونى» تورية واضحة فهو لا يقصد «باعونى» من البيع وإنما يقصد القاضى الباعونى. ويظل الهجاء على ألسنة الشعراء يرمون بسهامه من لا يروقهم من الحكام ومن لا يسبغ عليهم نواله حتى أيام العثمانيين، على شاكلة قول يوسف بن عمران الحلبى المتوفى سنة ١٠٧٤ للهجرة فى بخيل (٣): بخيل لو بيوم منه جادت ... أنامله لغالته النّدامه ولو فى النار ألقى ألف عام ... لما عرفت له يوما سلامه ولو صارت بسفرته رغيفا ... ذكاء لما بدت حتى القيامه فهو شحيح لو فاته شحّه يوما لظل نادما أبدا. وما ترجى له سلامة من النار بل سيظل خالدا فيها، وإن مائدته لتخلو دائما من كل طعام حتى من الخبز ورغفان العيش المستديرة كالشمس،

стр. 3021

ولو أنه ألقى رغيفا عليها ناسيا لا ستترت الشمس حتى القيامة كسوفا وخجلا أن يرى شبيهها على سفرته أو مائدته. وحرىّ بنا أن نترجم لنفر من شعراء الفخر والهجاء. أبو فراس (١) الحمدانى هو الحارث بن سعيد بن حمدان الحمدانى التغلبى، كان أبوه واليا على الموصل للخليفة الراضى، وكان مشهورا مثل إخوته وأبناء أسرته بالفروسية والشجاعة، واقترن برومية أنجب منها ابنه الحارث سنة ٣٢٠ ولقبه أبا فراس وهى كنية الأسد رمزا لفروسيته المستقبلة وهو رمز حققته الأيام. ولم يلبث سعيد أن قتل غدرا وابنه يخطو فى سنته الثالثة، وعنيت به أمه، وأحضرت له المعلمين فى صباه. ولم يلبث ابن عمه وزوج أخته سيف الدولة الحمدانى أن اشترك مع الأم فى العناية والرعاية، حتى إذا اقتطع لنفسه حلب وبعض ثغور الشام انتقل إليها ومعه أسرته سنة ٣٣٣ ومعه أبو فراس الذى كفله وقام على تربيته فارسا وأديبا خير قيام، إذ أعطاه لبعض المدربين يدرّبونه على الفروسية، ولبعض المعلمين والمؤدبين من مثل ابن خالويه. وسرعان ما ظهرت فروسيته ونجابته، فمنحه ضيعة بمنبج بلدة بقرب حلب، ولم يلبث أن ولاه عليها وهو شاب فى السادسة عشرة من عمره، وكان يلزم ابن عمه فى حروبه للروم وقد يسوق إليهم فيالق يقودها بنفسه ويعود إلى منبج، مفضيا أحيانا إلى الصيد وبعض اللهو، وفى ديوانه مزدوجة طردية. غير أن من الحق أنه لم يكن مشغوفا بصيد الحيوان إنما كان مشغوفا بصيد أعداء العروبة والإسلام من الروم. ومرّ بنا فى حديثنا عن شعراء التشيع أنه كان شيعى الهوى، وقد عرضنا لميميته الملقبة بالشافية التى دافع فيها عن العلويين ضد العباسيين دفاعا حارّا، وتشيّع الحمدانيين عامة مشهور وكانوا شيعة إمامية. وظل يركب فى مقدمة الصفوف مع ابن عمه وصهره لدقّ أعناق الروم، وحاول أن يستخلفه عنه بحلب فى إحدى غزواته، فاستعطفه راجيا أن يصحبه فى حربه. وكان دائما يبلى بلاء حسنا فى تقتيلهم وتمزيقهم شر ممزق، وفى يوم من أيام شوال سنة ٣٥١ كان عائدا إلى منبج من الصيد مع

стр. 3022

غلمانه وإذا بكتيبة من الروم بقيادة «تيودور» تباغته فيدافع إلى أن تثخنه الجراح ويصيبه سهم فى فخذه ويبقى نصله فيه، ويؤسر البطل المغوار، ويقدم به تيودور إلى خرشنة ويظل بها فترة. ثم ينقل إلى القسطنطينية، ويذوق ذل الإسار وألم الجراح، غير أن نفسه تظل صلبة عاتية لا تنكسر أبدا، بل تزداد مع الأيام عتّوا وصلابة. ويكبر الروم فى أبى فراس فروسيته وبطولته فينزلونه فى قصر على البحر ويخصصون له خادما يقوم بأمره، ويأبى أن يخلع دروعه وسلاحه، فيظل بهما فى أسره. ويطول الأسر أربع سنوات، فتكثر أشعار أبى فراس إلى أهله وسيف الدولة وإخوانه مؤملا فى الإسراع بفدائه، وكان مما أخره أن سيف الدولة يريده فداء عاما له ولكل من معه من المسلمين ممن وقعوا قهرا فى شراك الروم. وفى سنة ٣٥٥ يتفق الروم وسيف الدولة على اللقاء لفداء أسرى الطرفين، وفى شهر رجب ينزل أبو فراس مع ثلاثة آلاف أسير عربى بخرشنة، ويقدم سيف الدولة بأسرى الروم يفتدى بهم أبا فراس ومن معه من أسرى العرب. ويتم الفداء ويعود أبو فراس إلى حلب. وتأثر تأثرا شديدا لمرض سيف الدولة وما أصاب جنوده من انكسارات وانهزامات متلاحقة. ويتوفّى سيف الدولة فى السنة التالية، ويدور العام، ويحاول أبو فراس الاستيلاء على حمص من يد ابن سيف الدولة أبى المعالى ويلقاه مولاه قرغويه فى جمادى الأولى سنة ٣٥٧ ويكون فى ذلك حتفه، ويقال إنه سقط جريحا فى ساحة الحرب وشعر بدنو أجله فأنشد أبياتا يخاطب بها ابنته معزيا قائلا فى ختام أبياته بلسان حالها: زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتّع بالشباب وطبيعى أن لا يكون المديح الموضوع الذى يستنفد شعر هذا الأمير الفارس، إذ لم يكن فى حاجة إلى التكسب بشعره، وأن يكون الفخر هو الموضوع الذى يستغرق شعره: فخره بقبيلته تغلب وأمجادها منذ الجاهلية، وبأسرته الحمدانية ومناقبها وما قدمته للعباسيين من انتصارات على الخوارج والقرامطة، وعلى الروم البينزيطيين، وفخر بمثاليته الخلقية الكريمة وبطولته. وتعدّ رومياته أو أشعاره فى أسر الروم القطع الأرجوانية فى ديوانه، وفيها غزل ورثاء واستعطاف كثير لابن عمه سيف الدولة كى يرد إليه حريته ليعود معه لمنازلة الروم وقراعهم قراعا لا يبقى منهم ولا يذر، وبين قصائدها بائية يرد بها ردا عنيفا على الدمستق حين طعن فى العرب وبسالتهم الحربية، وفيها أخذ يذكره باندحاراتهم أمام سيف الدولة ومقتل أخيه فى مرعش وجرح أبيه بها فى

стр. 3023

وجهه وأسر ابن أخته فى اللّقان وما كان من فراره على وجهه لا يلوى. وهو فى رومياته يحنّ إلى ملاعب صباه وشبابه ويشتاق إلى زوجه وأبنائه ويرثى لأمه العليلة وهى تسأل عنه الركبان حين أسر قائلا على لسانها: يا من رأى لى بحصن خرشنة ... أسد شرى فى القيود أرجلها ويرد عليها مسرعا يا أمّتا هذه مواردنا ... نعلّها تارة وننهلها (١) فمواردهم الحرب، يقتلون الأعداء وتقتلهم ويأسرون الأعداء وتأسرهم ولا تنال القيود الثقيلة من أقدامهم. ويقول فى قصيدة ثانية: لولا أمى العجوز ما خفت أسباب المنية ولا طلبت الفداء من ابن عمى أبدا. ويقول لها: يا أمّتا لا تيأسى ... لله ألطاف خفيّه أوصيك بالصبر الجمي ... ل فإنه خير الوصيّه فهو واثق فى الله ثقة تامة، وهو لا ييأس أبدا من فضله ورعايته، مع عزة نفس لا تماثلها عزة بل مع صلابة روح لا تشبهها صلابة، وتبدو هذه الصلابة منذ أيامه الأولى فى الأسر ونزولهم به فى خرشنة، إذ سرعان ما أنشد: إن زرت خرشنة أسيرا ... فلقد حللت بها مغيرا ولئن لقيت الحزن في ... ك فقد لقيت بك السرورا ويقول إنهم طالما فتكوا بأهلها وسبوا نساءهم الحور الفاتنات، وكم أشعلوا بها نيرانا التهمت المنازل والقصور وأتت عليها كأن لم تكن شيئا مذكورا. ونشعر كأنما تجسدت فى روح أبى فراس كل معانى القوة العاتية التى تميز بها العرب وفتحوا بها العالم القديم من أواسط آسيا إلى شمالىّ إسبانيا، على الرغم من أسره وما كان يعانيه من ألم وحزن، وكأنما يحمل بين جنبيه روحا لا يمكن أن تقهر مهما نزل بها من كوارث وخطوب. وربما كان أروع قصائد أبى فراس حينئذ قصيدته الرائية التى نظمها حين قال الروم إن

стр. 3024

أبا فراس وحده من بين الأسرى هو الذى لم نسلب منه سلاحه، وقد بدأها بحوار بينه وبين إحدى صواحبه. أراك عصىّ الدمع شيمتك الصّبر ... أما للهوى نهى عليك ولا أمر بلى! أنا مشتاق وعندى لوعة ... ولكنّ مثلى لا يذاع له سرّ معلّلتى بالوصل والموت دونه ... إذا متّ ظمآنا فلا نزل القطر تسائلنى من أنت؟ وهى عليمة ... وهل بفتى مثلى على حاله نكر فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيّهم فهم كثر وقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا ... فقلت معاذ الله بل أنت والدّهر وهو حوار وغزل فيهما فتوة وقوة، فهو لا يبكى، بل هو صابر صبر الرجال الأشداء، مع ما يستعر فى قلبه من لوعة إزاء معللته بوصل لا يناله، وكأنما تغيّر كل ما فيه فلم تعرفه وتسأله من أنت؟ تجاهل العارف، فيقول لها قتيلك، فتسأله أيهم فهم كثيرون. وتقول له: لقد نال منك الدهر، يكنى بذلك عن أسره، فيقول لها معاذ الله: بل أنت والدهر. ويمضى فى حوارها قائلا لها: لا تنكرينى يا ابنة العم فإننى غير منكر فى معمعان المعارك وقيادة الكتائب المعوّدة النصر واقتحام المخاوف والمخاطر المهلكة إلى الروم أسفك دماءهم وأسبى نساءهم دون أن أهتك لهم سترا أو أكشف لهم ثوبا، وما يلبث أن يصيح بكل فتوته: أسرت وما صحبى بعزل لدى الوغى ... ولا فرسى مهر ولا ربّه غمر (١) ولكن إذا حمّ القضاء على امرئ ... فليس له برّ يقيه ولا بحر يمنّون أن خلّوا ثيابى وإنما ... علىّ ثياب من دمائهم حمر سيذكرنى قومى إذا جدّ جدّهم ... وفى الليلة الظّلماء يفتقد البدر ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصّدر دون العالمين أو القبر تهون علينا فى المعالى نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر أعزّ بنى الدنيا وأعلى ذوى العلا ... وأكرم من فوق التراب ولا فخر يقول: أسرت وورائى صحبى يشهرون السيوف فى الحرب ولا يغمدونها أبدا، إنهم فرسان

стр. 3025

أبطال، وما أسرت جبنا ولا كان فرسى مهرا صغيرا بل كان مدربا على القتال، وكان صاحبه فارسا شجاعا يحسن النزال والفتك بالأعداء، وإنما هو القضاء الذى لا معدى عنه ولا مفر منه فى بر أو بحر. ويتجه إلى الروم غاضبا لقولهم إنهم منّوا عليه بتركه لابسا لأمته وعدته الحربية، وهو استشعار للفتوة والقوة ما بعده استشعار. ويقول إن دروعه ملطخة بدمائهم، إذ طالما دقّ نصال سيوفه فى أعناقهم وصدورهم. ويلتفت إلى قومه فيقول إنهم سيذكرونه حين تدق أجراس الحرب، سيذكرون فروسيته وبطولته وبلاءه فى الأعداء. وكأنما يضع قوانين الشباب العربى والأمة العربية، إنها ترمى بنفسها فى أتون الحرب فإما الصدر دون العالمين أو القبر، وإن رجالها وأبطالها ليبذلون أرواحهم فى نيل المعالى، ومن خطب الحسناء لم يغله المهر ولم يعده باهظا، بل إنه يقدمه راضيا حتى لو كان روحه وقلبه. ويقول من مثلنا: نحن أعز الناس وأعلاهم وأكرمهم بذلا. والقصيدة تعويدة رائعة لفتوة العرب وصلابتهم، وهى جديرة بأن يضمّها كل شاب عربى إلى صدره وذاكرته يحفظها ويترنم بأبياتها البديعة. وحانت منه التفاته-وهو فى سجنه-إلى شجرة عالية فرأى على أحد غصونها حمامة وسمعها تنوح، فأنشد: أقول وقد ناحت بقربى حمامة ... أيا جارتا هل تشعرين بحالى معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوى ... ولا خطرت منك الهموم ببال (١) أتحمل محزون الفؤاد قوادم ... على غصن نائى المسافة عالى (٢) أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالى أقاسمك الهموم تعالى أيضحك مأسور وتبكى طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالى لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكنّ دمعى فى الحوادث غالى وقد أثار نواح هذه الحمامة بمرأى منه ومسمع الشجون فى نفسه، ويعيذها من نوى وفراق كفراقه وغربة كغربته وهموم كهمومه. ويتساءل هل تحمل قوادم هذه الحمامة فؤادا محزونا؟ ويقول إن الدهر لم ينصف بينهما ويتساءل كيف يضحك أسير فقد حريته وتبكى حرة طليقة؟ بل كيف يسكت محزون ويخرس لسانه وتندب سالية ندبا متصلا؟ ولا يلبث أن يقول لها: لقد كنت أولى منك بالبكاء بكاء لا تنقطع دموعه بل تظل منهمرة، غير أن دمعى فى الحوادث والنكبات غال لا يسيل أبدا، وإنه ليتجشّم أثقالها ويتحملها فى قوة. وشعر أبى فراس وراء رومياته يكتظ بالفخر

стр. 3026

والحماسة، وله قصيدة رائية فى ٢٢٥ بيتا فخر فيها فخرا مضطرما بمناقب أسلافه الحمدانيين وأيامهم فى الإسلام وما شادوه من إماراتهم فى الموصل وحلب. وشعره-بحق-يضرم الحميّة فى النفس العربية. عرقلة (١) هو حسان بن نمير الكلبى الدمشقى، ولد سنة ٤٨٦ وحفظ القرآن صغيرا ثم اختلف إلى حلقات العلماء، ولم تلبث ملكته الشعرية أن تفتحت، فغدا بشعره على أبواب حكام دمشق يمدحهم وينال جوائزهم. وكان لأسرة طغتكين نصيب كبير من مديحه، وخاصة آبق آخر حكامهم لدمشق قبل استيلاء نور الدين أمير حلب عليها. ويبدو أن الرحلة كانت محببة إليه، إذ نراه يرحل إلى حلب ويفقد إحدى عينيه فى تلك الرحلة، ولذلك لقبه معاصروه بعرقلة الأعور، ورحل إلى الموصل وبغداد ونزل فى قلعة جعبر ومدينتى آمد وماردين. وزار مصر وبقى بها مدة وتوثقت الصلة فيها بينه وبين الوزير طلائع بن رزيك وكان شيعيا أماميا، وله فيه طائفة من المدائح، ويذكر له فى إحدى مدائحه أنه شيعى قائلا: أنا من شيعة الإمام حسين ... لست من سنّة الإمام يزيد فهو ليس سنيّا ممن ارتضوا يزيد بن معاوية قاتل الحسين إماما لهم، بل هو شيعى من أنصار الحسين. وعاد إلى دمشق وكانت تابعة لنور الدين، وكان أيوب بن شاذى وأخوه أسد الدين شيركوه وابنه صلاح الدين فى مقدمة حاشية نور الدين ورجاله، وتولى بعضهم شئون دمشق وكان صلاح الدين على شرطتها فاتصل بهم يمدحهم وأسبغوا عليه عطاياهم، وكان خفيف الروح فقربوه منهم واتخذوه نديما لهم فى مجالس لهوهم وسمرهم. وكان صلاح الدين من بينهم يوده ويصادقه ويحضره مجالس أنسه. ووصفه العماد الأصبهانى حينئذ فقال: «لقيته بدمشق شيخا خليعا ربعة مائلا إلى القصر أعور مطبوعا حلو المنادمة لطيف النادرة معاشرا للأمراء، شاعرا مستطرف الهجاء، لم يزل خصّيصا بالأمراء السادة بنى أيوب ينادمهم ويداعبهم ويطايبهم قبل أن يملكوا مصر، والملك الناصر صلاح الدين يوسف أشغفهم بنكته، وأكلفهم بسماع نتفه، وله فيه

стр. 3027

مدائح، ولديه منه منائح». وكان صلاح الدين وعده أنه متى ملك مصر يعطيه ألف دينار، ووفى له بوعده غير أنه لم يلبث أن وافاه القدر سنة ٥٦٧. ويبدو أن عرقلة كان فى أوائل حياته يقصد أوساط الناس، ومدح شخصا مرة فأعطاه شعيرا. فغضب، وأنشد ما مرّ ذكره من قوله: يقولون: لم أرخصت شعرك فى الورى ... فقلت لهم إذ مات أهل المكارم أجازى على الشّعر الشّعير وإنّه ... كثير إذا استخلصته من بهائم واشتهر فى زمنه بأنه هجاء كبير ويقول العماد-كما أسلفنا-إنه كان مستطرف الهجاء، إذ كان يحاول فيه التندير إضحاكا لسامعه وجلبا لسروره، كقوله فى مغن ضارب على العود لم يعجبه صوته ولا ضربه وتلحينه: علىّ صوته سوط ... علينا لا على الفرس وجملة ضربه ضرب ... لمدّرع ومتّرس يقول السامعون له ... رماه الله بالخرس وخذ يا ربّ مهجته ... إذا غنّى: (خذى نفسى) فهو لا يجعل صوته يصكّ الأسماع فحسب، بل يجعله يكويها كى السياط للخيل، أما ضربه فكأنه ضرب حقيقى يضرب به دروعا وتروسا لا ألحانا تشجى السامعين وتطربهم، مما يجعلهم يدعون عليه بالخرس بل بالموت حين يغنى، وكان بالصدفة يغنى مقطوعة أولها: «خذى نفسى». ويقول لبعض مهجويه: لك وجه كأنّه ال ... بدر لكن إذا كسف وقوام كأنّه ال ... غصن لكن إذا انقصف وبنان كأنه ال ... بحر لكن إذا نشف وأب أكذب الأنا ... م ولكن إذا حلف وهو فى الأبيات الثلاثة الأولى يبدأ بالمدح لكن لا يلبث أن يمحوه بل أن يرده عليه هجاء وإقذاعا شديدا، فهو صاحب وجه كاسف وقوام قصير منقصف وبنان شحيح لا يقطر بأى خير،

стр. 3028

أما أبوه فكذاب أشر. وكان بدمشق فى زمنه طبيب يسمى أبا الحكم تصادف أن وقع ليلا فانشتر جفن إحدى عينيه، وكان هذا الطبيب كثيرا ما يرثى من يموت فقال عرقلة متندرا عليه: لنا طبيب شاعر أشتر ... أراحنا من شخصه الله ما عاد فى صبحة يوم فتى ... إلا وفى باقيه رثّاه فهو يدعو عليه بالموت حتى يريح العباد منه، إذ لا يعود ولا يزور أحدا صباحا حتى يكتب له قصيدة رثاء مساء. فهل وراء ذلك شؤم يتمنى الناس الخلاص منه. وكان يقذع أحيانا فى هجائه، حتى فى الموت. ويقول فى رثاء بعض خصومه: لقد حسنت به اليوم المراثى ... كما حسنت به أمس الأهاجى ولكن لجّ فى شتم البرايا ... وكان القتل عاقبة اللّجاج وهى شماتة تدل على أنه كان عدوانى المزاج، وله رثاء لاذع لبعض المجان، يقول فيه إن دنان الخمر وكئوسها وقيانها المغنيات يبكينه بكاء مرا. أسامة (١) بن منقذ هو أسامة بن مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكلبى، من أعلام بنى منقذ أصحاب قلعة شيزر إلى الشمال من حماة ومن علمائهم وفرسانهم. ولد لأبيه سنة ٤٨٨ وقد عنى بتعليمه وتدريبه على الفروسية وأتقنها سريعا، ولقى-وهو شاب-فى صيده أسدا فصرعه. ويقال إن أباه كان رجلا صالحا فترك إمارة القلعة لأخيه سلطان ولم يكن له ولد، فتبنّى أسامة وأخذ يعدّه للإمارة بعده. وكان اسم عماد الدين زنكى قد أخذ فى التألق منذ استيلائه على حلب سنة ٥٢٤ فالتحق به أسامة وأبلى بلاء حسنا فى حروبه ضد حملة الصليب، حتى إذا أغاروا على شيزر سنة ٥٣٢ عاد إليها مسرعا ودافع عنها دفاعا مستميتا حتى ارتدوا على أعقابهم خاسئين. وبمقدار فرحه

стр. 3029

بالنصر كان حزنه على أبيه إذ علم أنه توفى فى العام السابق لتلك المعركة. وصمم على المكث فى مسقط رأسه لحمايته غير أن عمّه لم يتركه طويلا، فقد أمره هو وإخوته بالرحيل عن القلعة، فتفرقوا فى البلاد. ومضى أسامة إلى دمشق ولقيه حاكمها معين الدين أنر مدير دولة أولاد طغتكين لقاء حسنا، وظل الجو بينهما صافيا حتى سنة ٥٣٩ إذا كفهّر الجو ولم يجد أسامة بدّا من مفارقة دمشق. فرحل إلى القاهرة ومعه أمه وزوجه وأبناؤه وأخوه محمد، وكان الخليفة الفاطمى حينئذ الحافظ (٥٣٤ - ٥٤٤ هـ) فأكرمه وأمر له بإقطاع سنىّ عاش به حياة رغدة. وخلف الحافظ ابنه الظافر (٥٤٤ - ٥٤٩ هـ» واتصل إكرامه وإكرام وزيره العادل بن سلاّر لأسامة، ويقول المؤرخون إنه لم يف للعادل، فقد أوغر صدر عباس الصنهاجى ابن زوجته عليه فقتله وخلفه على الوزارة. ولم يلبث أن أوغر صدر عباس وابنه نصر على الخليفة الجديد الظافر فقتلاه. وتطورت الأمور فتولّى الفائز بن الظافر الخلافة وهو صبى يحبو فى الخامسة من عمره، وكاتب أهل القصر طلائع بن رزّيك الوالى بالصعيد، فقدم فى جيش إلى القاهرة، وهرب عباس وابنه نصر وأسامة، وولوا وجوههم إلى الشام. وأسرعت أخت الظافر، فكتبت إلى حملة الصليب بعسقلان-وكانوا قد استولوا عليها حديثا-تعدهم بأموال طائلة إن هم ردوا إلى القاهرة الوزير وابنه نصرا، والتقوا بهم وواقعوهم، فقتل عباس، وردّ نصر إلى القاهرة، وفرّ أسامة فى نفر معه إلى دمشق. وحاول أسامة أن يوثق صلته بحاكمها الجديد نور الدين الذى استولى عليها فى سنة قدومه سنة ٥٤٩، ويبدو أنه كسب حينئذ رضاه، وكاتب طلائع بن رزيك الوزير بمصر ليرسل إليه أسرته، فأرسلها بحرا غير أن سفينتها أصابها عطب فى مياه عكا وكانت مع الصليبيين، فنهبوا كل ما كان مع الأسرة من مال ومتاع، وتجشمت الأسرة كثيرا من الصعاب حتى وصلت دمشق وكان لذلك أثر أليم فى نفس أسامة. ونزلت بأسامة فى سنة ٥٥٢ فاجعة أشد هولا، إذ دمرت الزلازل قلعة شيزر وأتت عليها ونزح عنها أهله وتشتتوا فى البلاد، وتملكها نور الدين خشية عليها من حملة الصليب، ويبدو أن أسامة كان يأمل أن يرد نور الدين الحصن عليه وعلى أسرته، ولعل ذلك ما جعله يقول فيه: سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا ... له فكلّ على الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة ... من المعاصى وفيها الجوع والعطش أما أن أيام نور الدين البطل المغوار مدوّخ الصليبيين طاهرة فهذا صحيح إلى أقصى حد، وأما

стр. 3030

أن فيها الجوع والعطش فغير صحيح إذ فيها غنائم لا تحصى أخذت قهرا من حملة الصليب، وفيها غير بلد عربى ردّ منهم إلى أهله. وقد شارك هو نفسه نور الدين فى بعض انتصاراته عليهم، وحضر معه حصاره لحصن حارم سنة ٥٥٩ للهجرة. وأدّته موجدته-فى رأينا-من نور الدين إلى أن يبرح دمشق إلى حصن كيفا بالموصل ويتخذها دار مقام له، وفيها يعكف على جمع ديوانه وتأليف كتبه، حتى إذا استولى صلاح الدين على دمشق سنة ٥٧٠ استدعاه. ولبّاه مبتهجا، فأعطاه دارا بدمشق وإقطاعا لمعاشه وفسح له فى مجالسه، حتى إذا كانت سنة ٥٨٤ للهجرة لبّى نداء ربه عن ستة وتسعين عاما. ورتب أسامة ديوانه على الموضوعات، فباب للغزل وباب للمديح وباب للشكوى وباب للفخر وباب للوصف إلى غير ذلك من أبواب، ولم يفرد للجهاد بابا وكأنه ترفع عنه إباء واحتشاما وحياء. وأهم أبواب شعره باب الفخر، إذ كان فارسا شجاعا، وشارك فى حرب حملة الصليب منذ شبابه دفاعا عن مسقط رأسه، وجلّى فى معارك عماد الدين زنكى ضدهم، وكأنه ظل طوال حياته شاهرا سيفه فى وجوههم حتى بلغ السبعين، يقول: لخمس عشرة نازلت الكماة إلى ... أن شبت فيها وخير الخيل ما قرحا (١) أخوضها كشهاب القذف مبتسما ... طلق المحيّا ووجه الموت قد كلحا (٢) بصارم من رآه فى قتام وغى ... أفرى به الهام ظن البرق قد لمحا (٣) فسل كماة الوغى عنى لتعلم كم ... كرب كشفت وكم ضيق بى انفسحا فهو قد نازل كماة الحرب أو شجعانها منذ سنته الخامسة عشرة، وظل ينازلهم حتى اشتعل رأسه شيبا لا يهن ولا يضعف بل تشتد قواه كما تشتد قوى الخيل حين يعلو سنها وتصبح قارحة مستتمة سنوات فحولتها. وإنه ليخوض أهوال الحرب كشهاب ساطع باسم الثغر متهلل الوجه وقد كشر الموت عن أنيابه. وإن سيفه ليلمع فى غبار الحرب-وهو يحطم به الرءوس حطما-كبرق يسطع، وما من شجاع إلا وهو يعلم كثرة ما كشف من كرب وهموم فى الحرب وكثرة ما انفسح له فيها من مضايق ومآزق. ومن قوله فى تنكيله بحملة الصليب فى غير موقعة:

стр. 3031

كم قد أبدت بسيفى كلّ مفتخر ... حامى الحقيقة يوم الجحفل اللّجب (١) وكم تركت بنى الإفرنج فى رعب ... فصرت أدعى لديهم جالب الرّعب وكم جررت إليهم جحفلا لجبا ... بالسّابريّة والماذىّ واليلب (٢) وهو يقول إنه كثيرا ما قضى قضاء مبرما على كل شجاع يفخر بشجاعته حاميا حمى أهله يوم النزال الطاحن. ويقول إنه كثيرا ما أنزل الرعب فى قلوب حملة الصليب حتى سموه-جزعا- جالب الرعب، وكم قاد إليهم جيوشا غفيرة شاكية السلاح تقتلهم وتسفك دماءهم. ويقول: سل بى كماة الوغى فى كلّ معترك ... يضيق بالنفس فيه صدر ذى الباس ينبّئوك بأنى فى مضايقها ... ثبت إذا الخوف هزّ الشاهق الرّاسى فهو يجلّى فى المعارك حامية الوطيس التى تبلغ فيها الروح الحلقوم ويرى الكماة فيها الموت نصب أعينهم، فإنه حينئذ يشق الجماجم ويدق الأعناق رابط الجأش ثابت الجنان حتى حين يهز الخوف والفزع الجبال الرواسى من الكماة العتاة. ولأسامة قصيده نظمها على لسان نور الدين مفاخرا معددا لانتصارات البطل على حملة الصليب وتمزيقه لصفوفهم وقد بلغت أكثر من تسعين بيتا وفيها يقول: أبى الله إلا أن يكون لنا الأمر ... لتحيا بنا الدنيا ويفتخر العصر جعلنا الجهاد همّنا واشتغالنا ... ولم يلهنا عنه السماع ولا الخمر بنا أيّد الإسلام وازداد عزّة ... وذلّ لنا من بعد عزّته الكفر بنا استرجع الله البلاد وأمّن ال ... عباد فلا خوف عليهم ولا قهر وحقا كان نور الدين مفخرة للعصر فى دكّ قلاع الصليبيين وحصونهم، وبه استرجع كثير من بلاد الشام وأمن فيها الناس، ووضع المكس أو الضرائب عن التجار وانتعشت الحياة وازداد الإسلام عزة. ونور الدين-بدون ريب-هو الذى هيأ لصلاح الدين حكم مصر وانتصاراته المدوية على الصليبيين واسترجاعه القدس الطاهر وتقليمه لأظافرهم. ويقول أسامة حين أقعدته سنواته السبعون عن الاشتراك فى نزال الصليبيين ووهنت منه رجلاه وقواه، فلم يعد يستطيع

стр. 3032

ركوب الخيل ليكون له شرف النضال عن حمى وطنه: رجلاى والسبعون قد أوهنت ... قواى عن سعيى إلى الحرب وكنت إن ثوّب داعى الوغى ... لبّيته بالطّعن والضّرب (١) أشقّ بالسيف دجى نقعها ... شقّ الدياجى مرسل الشّهب (٢) أنازل الأقران يرديهم ... من قبل ضربى هامهم رعبى (٣) فقد وهن عظمه وضعفت منّته، ولكن لا تزال روحه قوية، وإنه ليذكر ماضى فروسيته المشرف وكيف أنه كان حين يدعو الداعى للحرب يبادر إليها يطعن ويضرب يمينا وشمالا يشق الرءوس فى مثار النقع وغبار الحرب شق الشهب لحجب الظلام فاتكا بالأقران، بل إن رعبهم منه ليفتك بهم قبل سيفه فتكا ذريعا. ابن (٤) عنين هو محمد بن نصر بن الحسين المشهور باسم ابن عنين ، يرجع بنسبه إلى الأنصار، نزل أجداده الأولون الكوفة، وتركتها أسرته إلى زرع فى حوران بالشام. وهاجر منها أحد أجداده الأقربين واستقر فى دمشق، وفيها ولد لأبيه سنة ٥٤٩ للهجرة، وكان منزله جنوبى الجامع الأموى، فبعد أن حفظ القرآن أخذ يختلف إلى شيوخه وفى مقدمتهم الحافظ أبو القاسم بن عساكر. وكان فطنا ذكيا وسرعان ما جرى الشعر على لسانه وهو فى السادسة عشرة من عمره. ولا نعرف الأسباب التى جعلته يتجه بشعره فى بواكير حياته إلى الهجاء، ربما كان عدوانيا بطبعه، وربما رجع ذلك إلى أنه نشأ فى أسرة متواضعة، وأن أباه لم ينشّئه على حب الخير والشعور بالمروءة والكرامة والرغبة فى التسامى وطلب المعالى، وقد صرّح بذلك فى بعض شعره قائلا فيه: وجنّبنى أن أفعل الخير والد ... ضئيل إذا ما عدّ أهل المناسب

стр. 3033

بعيد عن الحسنى قريب من الخنا ... وضيع مساعى الخير جمّ المعايب إذا رمت أن أسمو صعودا إلى العلا ... غدا عرقه نحو الدّنيّة جاذبى ويبدو أنه أراد بهجائه للناس الانتقام لضعة أسرته وأبيه، ومن العجب أن صلاح الدين الأيوبى البطل المغوار الذى أذلّ حملة الصليب ودفع جموعهم إلى البحر المتوسط وما وراءه واستولى على بيت المقدس المعظم منهم وغيره. هذا البطل الذى احتل السويداء من أفئدة المسلمين حين استولى على دمشق وابن عنين فى العشرين من عمره لم يبادر إلى مدحه، بل على العكس عمد إلى هجائه هجاء مقذعا هو ووزيره القاضى الفاضل وكاتبه عماد الدين الأصبهانى وغيرهما من كبار حاشيته ورجاله وفيه يقول: سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب وكان القاضى الفاضل أحدب وكان من خيرة الرجال وصفوة الكتاب الشعراء كما كان سيوسا حاذقا بتدبير الدول. وذاعت لابن عنين فى دمشق قصيدة طويلة يقال إنها بلغت خمسمائة بيت سماها مقراض الأعراض، وضجّ الناس من لسانه وبهتانه، ورفعوا شكواهم منه إلى صلاح الدين، فأمر بنفيه عن دمشق، فمضى على وجهه يجوب البلاد من الشام إلى العراق والجزيرة وأذربيجان وخوارزم وخراسان وماوراء النهر وغزنة ودخل الهند. ثم رحل إلى اليمن وحاكمها من قبل صلاح الدين أخوه طغتكين (٥٧٧ - ٥٩٣ هـ.) فوفد عليه، وقدم إليه مدائحه فلقيه لقاء كريما وخفّ على قلبه فاتخذه نديما، وأخذ يكثر من مديحه وطغتكين يكثر من عطائه، حتى أثرى، وكثر فى يده المال، فرأى أن يستثمره، وتحول تاجرا يتردد بعروضه بين اليمن ومصر فى العقد التاسع من القرن السادس. وكان العزيز عثمان بن صلاح الدين ينوب عن أبيه بمصر حتى إذا توفّى صلاح الدين سنة ٥٨٩ أصبح العزيز عثمان سلطانها، ونرى ابن عنين يشكو منه لمطالبته بدفع ضريبة عن عروض التجارة التى يحملها إلى مصر، ولا نعرف هل هذه الشكوى كانت فى أيام نيابته عن أبيه أو فى أيام سلطنته، وهو فيها يهجوه بالشحّ بينما يمدح عمّه العزيز طغتكين بالكرم، يقول: ما كلّ من يتسمّى بالعزيز له ... فضل ولا كلّ برق سحبه غدقه (١) بين العزيزين بون فى فعالهما ... هذاك يعطى وهذا يأخذ الصّدقه

стр. 3034

وهو هجاء لاذع للعزيز عثمان إذ يجعله-لشدة شحه-شحاذا يأخذ الصدقة. ويبدو أنه ظل بمصر بعد وفاة العزيز طغتكين سنة ٥٩٣ ومكث بها مدة انعقدت فيها صداقة بينه وبين شعرائها، يقول ابن خلكان: «اتفق فى عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين وكان لهم مجالس يجرى بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها، ودخل فى ذلك الوقت شرف الدين بن عنين فاحتفلوا به وعملوا له دعوات، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش». وتوفى العزيز عثمان سنة ٥٩٥ وتولى بعده أخوه الأفضل وتطورت الظروف وتحول ملك صلاح الدين فى مصر والشام إلى أخيه الملك العادل، فولّى على مصر ابنه الكامل وعلى دمشق ابنه المعظم عيسى. وحنّ ابن عنين إلى العودة إلى دمشق فأخذ يستعطف العادل أن يعود إليها وأذن له فى العودة ولزم ابنه المعظم عيسى (٥٩٧ - ٦٢٤ هـ) يمدحه، وقرّبه منه واتخذه بأخرة من أيامه وزيرا له، حتى إذا توفى رثاه رثاء حارا. وأبقى له منزلته ابنه داود (٦٢٤ - ٦٢٦) وخلفه الأشرف موسى فلزم بيته واصطلحت عليه الأمراض، وتوفى سنة ٦٣٠ عن ٨١ عاما. والديوان موزع على أبواب المديح والرثاء والحنين إلى دمشق والوقائع والمحاضرات مما يتصل بظروفه والأحداث اليومية، ثم الدعابة والتهكم والسخرية والألغاز والهجاء. وألحق محقق الديوان بتلك الأبواب مستدركا بما عثر عليه من شعر ابن عنين فى كتب التاريخ والأدب. وهو فى مقدمة شعراء دمشق بزمنه إن لم يكن سابقهم المجلىّ، إذ كانت ملكته الشعرية خصبة، غير أنه استغلها أكبر استغلال فى الهجاء مما جعل صلاح الدين ينفيه-كما مر بنا-عن دمشق، وحتى من أكرموه كان يهجوهم غير مراع فيهم إلاّ ولا ذمة، إذ كان ما يلبث أن يعضّ أيديهم التى امتدت لإكرامه، من ذلك هجاؤه للسلطان العادل الذى فتح له أبواب دمشق، إذ ما لبث أن قال فيه بعد دخولها: إن سلطاننا الذى نرتجيه ... واسع المال ضيّق الإنفاق هو سيف كما يقال ولكن ... قاطع للرسوم والأرزاق وكان العادل يلقب سيف الدين، وأنقذه من تشتته وضياعه فى البلاد وردّه إلى دمشق حبيبة قلبه ومهوى فؤاده التى طالما تغنى بالحنين إليها، ومع ذلك جزاه بالهجاء. وحقّا له فيه مدائح رائعه، ولكن كان ينبغى أن يرد شيطان هجائه عن الإلمام بساحته. وأكرمه المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق إكراما إلى أقصى حد حتى جعله نديمه ومؤنسه ووزيره ومستشاره، ومع

стр. 3035

ذلك لم ينج من هجائه إذ يقول حين ولاه مع البها بن أبى اليسر التنوخى أمر الرعية: أرى ابن عنين؟ ؟ ؟ والبها مذ تولّيا ... على الناس ولّى الخير عن كل مسلم فو الله يا عيسى بمن شئت منهما ... لعنت ولو كنت المسيح بن مريم وحقّا هجا نفسه معه، ولكن هذا لا يعفيه من قسمه له بأنه لعن لتوليته هو وصاحبه. وهجا نفسه فى ديوانه غير مرة، وكأنه يعيد لنا الحطيئة شاعر الهجاء القديم وهجاءه لنفسه، وأيضا فإنه استعار منه-كما مرّ بنا-هجاءه لأبيه. وأهداه طبيب عيون-أو كما كانوا يقولون كحال-خروفا هزيلا جدا فكتب إليه أهجية طويلة يقول فيها: أتانى خروف ما شككت بأنّه ... حليف هوى قد شفّه الهجر والعذل إذا قام فى شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى فى ظلمة ماله ظلّ فناشدته ما تشتهى قال قتّة ... وقاسمته ما شفّه قال لى الأكل وظلّ يراعيها بعين ضعيفة ... وينشدها والدمع فى الخدّ منهلّ أتت وحياض الموت بينى وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل والبيت الأخير لأعرابى وضعه بدقة فى موضعه من القطعة، وقد جعل الخروف الهزيل نضو عشق شفه الهجر واللوم، ويقول كأنه خيال فى ظلام ليس له ظل، وهى صورة بديعة ويستحلفه ما يشتهى فيقول قتة أو عشب يابس وأحضرها له، فظل يراعيها بعين ذابلة توشك أن تودع الحياة ودموعه منهلة على خدوده، فقد أتته وهو يكاد يلفظ أنفاسه. وجادت عليه بوصل لم يعد ينفعه فروحه فى الحلقوم. ويصور ابن عنين بخيلا شحيح النفس كان يدعو أصدقاءه مرة كل عام ضجرا متبرما، متمنيا أن لا تتكرر هذه الدعوة أبدا، ومدّت المائدة وأخذ الأصدقاء يتناولون الطعام، ويصفه ابن عنين حينئذ قائلا: عهدى به واليد اليمنى يكفّ بها ... غرب المدامع والأخرى على الكبد يقول للخبز: لا يبعد مداك ولا ... أخنى عليك الذى أخنى على لبد ولبد آخر نسور لقمان فى قصة مشهورة، وهذا الشحيح يستر غرب دمعه بيد ويضع الأخرى

стр. 3036

على كبده خشية تفتته داعيا لخبزه أن لا يأتى الدهر عليه كما أتى على لبد. وكان يهاجى رشيد الدين عبد الرحمن النابلسى ويزعم أنه صفع وأنه معتاد الصفع دائما يقول: تعجّب قوم لصفع الرشيد ... وذلك ما زال من دابه رحمت انكسار قلوب النّعال ... وقد دنّسوها بأثوابه فو الله ما صفعوه بها ... ولكنهم صفعوها به وله أهاج كثيرة فى القاضى الفاضل وكبار رجال الدولة بدمشق وجهابذة قضاتها وشيوخها، وهو فيها أو على الأقل فى بعضها يفحش إفحاشا شديدا، مما دفعنا إلى إخلاء هذا الكتاب منها، لا لفحشها فحسب: بل لأن ما يخلو منها من الفحش أيضا إنما هو افتراء وبهتان. ابن (١) النحاس هو فتح الله بن النحاس الحلبى المعروف باسم ابن النحاس اشتهر بطوافه فى البلدان الشامية والمصرية والحجازية، كان جميل الصورة فى صباه ومطالع شبابه، ثم أصيب بمرض بدّل محاسنه وزهده فى الحياة. ونراه فى شعره يرثى تلك الأيام أسفا محزونا، ويقال إنه تزيّى بزى الزهاد ورحل عن بلده، ودخل دمشق فاستقبله أدباؤها وشعراؤها استقبالا كريما. وكان لهم مجالس يتطارحون فيها الشعر، وكانوا يجتمعون فى نزه دمشق، ويتحاورون ويتحدثون ويذكرون كثيرا من الدعابات والفكاهات. وانعقدت صلة متينة بينه وبين ابن منجك الذى تحدثنا عنه بين شعراء المديح، وله فيه مدائح كثيرة. ورحل عن دمشق إلى القاهرة فوجد من أدبائها أهلا ومكانا طيبا، وهاجر منها إلى مكة، وألقى عصا تسياره بالمدينة، إلى أن توفى سنة ١٠٥٢ للهجرة. ويقول فيه المحبى فى كتابه: نفحة الريحانة: «أنا لا أجد عبارة تفى فى حقه بالمدح، فأرسلت اليراع وما يأتى به على الفتح، وناهيك بشاعر لم يطنّ مثل شعره فى آذان الزمان، وساحر إذا أشربت كلماته العقول استغنت عن الكئوس والندمان». وابن النحاس شاعر مجيد، بالقياس إلى زمنه أيام العثمانيين، وشعره استنفده فى المديح، ويكثر فى مقدماته من الغزل، وقد يفزع إلى الفخر بمثل قوله:

стр. 3037

ألا إن لى نفس الوقور وعفّة ال ... قدير وقلبى فى المهمات قلّب وما كلّ معسول اللّمى يستفزّنى ... ولا كلّ مطلوب لدىّ محبّب (١) وأحتمل المكروه ممن يملّنى ... ولم ألو جيد الودّ عمن ينكّب إذا أنا لم أدفع عن النفس ضيمها ... فلا انجاب عنها من دجا الضّيم غيهب ولا وطئت خدّ الفيافى ركائبى ... ولا سال حزن بالمطىّ وسبسب وهو يقول عن نفسه إنه وقور عفيف قلّب يحتال فى قوة للأمور، ولا يستثيره جمال المرأة ولا يطلب ما يطلبه الناس، بل يطلب الأمانى الكبار، ويحتمل الأذى ممن ينصرف عنه، ولا ينصرف عمن يعرض عنه من الأودّاء الأصدقاء، ويدعو على نفسه إن لم يدفع الضيم الساقط عليه أن لا ينجاب عنه دجاه المظلم، وأن تهن قواه فلا تطأ الفيافى ركائبه ولا يسيل بها حزن من الأرض ولا مفازة. ويقول من قصيدة ثانية: يا دهر مثلى لا يقل ... قل عن سنام المجد جنبه أنا لا أبالى إن رمي ... ت وسبّ عرضى من أسبّه العين يدميها الذّبا ... ب ويعجز الآساد ذبّه والتّبر يعلوه التّرا ... ب وفضله باق ولبّه تكفى فتى العرفان خ ... لاّنا فضائله وكتبه وارقب خفوقى إن سكن ... ت فعاصفى يرجى مهبّه والبدر يشرق فى المطا ... لع بعد ما أخفاه غربه والروض يذبل ثم تك ... سى النّور والأوراق قضبه وهو يقول للدهر إن شيئا لا يستطيع أن يزعزعه عن مكانه من سنام المجد، وإنه ليرمى، ولا يهمه ما قد يلقى عليه من أذى السب والشتم، مثله فى ذلك مثل العين يدميها الذباب وحتى الأسد لا تستطيع ذبه ولا دفعه ومثل التبر يعلوه التراب وتظل له قيمته ونفاسته. ويفتخر بفضائله ومعارفه، ويقول لخصمه: ترقّب حركتى، فإنى كعاصف ساكن لا يلبث أن يثور ويندفع، وما مثلى إلا كمثل البدر يخفيه مغربه ولا يلبث أن تعم أضواؤه الآفاق، أو كمثل الروض تذيل

стр. 3038

أشجاره، حتى إذا كان الربيع كسى غصونه الأوراق والأزهار الأرجة. ويقول: لا أقبل الضيم كيف أقبله؟ ... والمجد يأباه فىّ والحسب والشمس صونا لضوء طلعتها ... قبل لحاق الظلام تحتجب يقول إنه لا يقبل الضيم وكيف يقبله ومجد آبائه وعشيرته يستدير من حوله هالة منيرة تحول بينه وبين الرضا بالهوان. وإنه ليصون نفسه وخصالها الكريمة كما تصون الشمس ضوءها، بل إنها لتحتجب قبل أن يلحقها الظلام ويرخى الليل سدوله على الآفاق. ٣ - شعراء المراثى والشكوى المراثى قديمة فى الشام منذ عصر بنى أمية فقلما كان يموت خليفة أموى إلا ويرثيه الشعراء من الشام والعراق والحجاز، ويدخل عصر الولاة ومنذ أواخر القرن الثانى تشارك الشام بقوة فى الشعر العربى، ولا يلبث أبو تمام الدمشقى أن يحمل راية الشعر وزعامته لا فى الشام وحدها بل أيضا فى العالم العربى جميعه، وتحتل المراثى بابا كبيرا فى ديوانه، ويخلفه تلميذه البحترى المنبجى الحلبى المتوفى سنة ٢٨٤ للهجرة وتشغل المراثى حيزا كبيرا فى شعره. ونلتقى فى أوائل هذا العصر: عصر الدول والإمارات بكشاجم. وله رثاء فى أبيه وأمه، وأروع من رثائه فيهما رثاء أبى فراس لأمه حين جاءه نعيها فى أسر الروم، فأحس فى عمق بفجيعته فيها وهو غائب عنها لا يملك إلا أن يذرف الدموع الحارة. وله مرثية بديعة فى أخت له يقول فيها (١): أتزعم أنك خدن الوفاء ... وقد حجب التّرب من قد حجب فإن كنت تصدق فيما تقول ... فمت قبل موتك مع من تحبّ وكنت أقيك إلى أن رمتك ... يد الدّهر من حيث لا أحتسب فلا سلمت مقلة لم تسحّ ... ولا بقيت لمّة لم تشب ولو ردّ بالرّزء ما تستحقّ ... لما كان لى فى حياتى أرب

стр. 3039

وهو يتمنى لو غيّب التراب مع شقيقته وصنو روحه حبالها ووفاء، ويأسى لنفسه أنه لم يستطع أن يرد عنها سهام المنية التى أصابتها فى الصميم تحت بصره، ولم يعد يملك لها إلا دموعا منهمرة ويتمنى أن لا يتوقف انهمارها، لعلها تشقى غلّة نفسه وحرقة فؤاده ويقول لو أن الرزء فيها يرد إلى أخته الحياة لما كان له فى حياته أرب ولقدّم روحه فداء لها. ولأبى العلاء مرثية رائعة لأمه، وكان قد بلغه نعيها وهو فى طريقه إليها من العراق، ويقول فى مطلعها إنه سمع بداهية أصمّت أذنه وصكّت سمعه، ويأسى أن تتقدمه إلى الموت، ويعظم أن يرثيها بلفظ يمر بلسانه ويسلك مسالك الطعام، ويقول إن ألفاظ رثائه تحطم نواجذ أضراسه فضلا عن مقادم أسنانه، وينشد (١): ومن لى أن أصوغ الشّهب شعرا ... فألبس قبرها سمطى نظام مضت وقد اكتهلت وخلت أنى ... رضيع ما بلغت مدى الفطام فياركب المنون أما رسول ... يبلّغ روحها أرج السّلام ذكيّا يصحب الكافور منه ... بمثل المسك مفضوض الختام وهو يكبرها عن أن يرثيها بألفاظ، إذ هى جديرة بأن يصوغ لها النجوم الساطعة عقود رثاء تزين جدثها الطاهر، ويحس فى عمق-وهو فى سن الكهولة-كأن السنوات الطويلة التى فصلته عن صدر أمه من القصر ليست إلا أياما قصيرة إذ لا يزال يشعر كأنه رضيع فقد أمه، وهو فى حاجة شديدة إليها، رضيع ضاع أى ضياع. ويتوسل إلى قوافل المنون التى تسرى فى ليل الأبدية أن تحمل منه إلى أمه سلاما ذكيا عطرا ينتشر أريجه من حولها ويسطع سطوعا. ويقول الماهر الدمشقى المتوفى سنة ٤٥٢ فى مرثية له (٢): برغمى أن أعنّف فيك دهرا ... قليلا فكره بمعنّفيه وأن أرعى النجوم ولست فيها ... وأن أطأ التّراب وأنت فيه ويقول الباخرزى تعليقا على البيتين: «هذا أرقّ ما يكون فى المراثى، إذ يكاد يفجّر عيون الأحجار، فتسيل بمدود الأنهار، بل بأمواج البحار». وتنشب الحروب الصلبية، وفى بعض حملات آبق أمير دمشق على حملة الصليب سنة ٥٠١

стр. 3040

يخون الحظ قائدا من قواده يسمى قول بن عثمان، فيقتله الصليبيون، ويبكيه ابن الخياط شاعر دمشق بمثل قوله (١): يا للرّجال لنازل لم يحتسب ... ولحادث ما كان بالمتوقّع تالله ما جار الزمان ولا اعتدى ... بأشدّ من هذا المصاب وأوجع يا قول قولة مكمد مستنزر ... ماء الشئون له ونار الأضلع أشكو إلى الأيام فيك رزيّتى ... لو تسمع الأيام شكوى موجع صل بعدها يا دهر أو فاكفف وخذ ... من شئت يا صرف المنية أودع وهى مرثية رائعة تمتلئ بأبيات تصور لوعات الدمشقيين فى هذا البطل وكارثتهم وفجيعتهم التى لا تماثلها فجيعة. وإن الشاعر ليستقلّ الدموع الغزار فيه وما وراءها من نار موقدة فى الصدور كمدا عليه، ولينزل الدهر بالدمشقيين بعدها فواجع أو فليكفّ، فلن يصيبهم مثلها فاجعة أو كارثة. وتوفى نور الدين محمود سنة ٥٧٠ فاهتزت الشام لفقده هزة شدة، وفى رثائه يقول العماد الأصبهانى فى إحدى مراثيه (٢): يا ملكا أيّامه لم تزل ... لفضله فاضلة فاخره غاصت بحار الجود مذ غيّبت ... أنملك الفائضة الزاخره ملكت دنياك وخلّفتها ... وسرت حتى تملك الآخره وتوفى بعده صلاح الدين بدمشق، وكانت لوفاته أوائل سنة ٥٨٩ رنة حزن عميقة فى جميع القلوب والديار لكثرة فتوحاته، وقد أزاح الصليبيين عن صدر الشام وافتتح بيت المقدس ولم يبق معهم إلا عكا وأنطاكية وبعض حصون وبلدان قليلة، وبكاه الشعراء وفى مقدمتهم عماد الدين الأصبهانى، وله فيه مرثية بديعة ختم بها كتابه البرق الشامى، وفيها يقول (٣): أين الذى شرف الزمان بفضله ... وسمت على الفضلاء تشريفاته

стр. 3041

لا تحسبوه مات شخصا واحدا ... قد عمّ كلّ العالمين مماته لو كان فى عصر النبىّ لأنزلت ... فى ذكره من ذكره آياته يا راعيا للدين حين تمكنت ... منه الذئاب وأسلمته رعاته فعلى صلاح الدين يوسف دائما ... رضوان ربّ العرش بل صلواته وحقا حامى صلاح الدين عن الإسلام حماية هائلة، عرضنا لها فى حديثنا عن السياسة بالشام ومصر، حماية جعلته فى الذروة من أبطال العرب الفاتحين، مع ما عمّره من المدارس والمساجد فى كل بلد بمصر والشام، ومع كثرة ما وقفه عليهما من أموال، ومع دولته الواسعة لم يخلّف ملكا ولا دارا ولا بستانا ولا مزرعة، إنما خلف بطولة أحنى لها حملة الصليب رءوسهم. ولا يكاد يتوفّى حاكم طوال هذا العصر ولا وزير ولا عالم ولا قاض إلا ويرثيه الشعراء، من ذلك قول الشهاب محمود فى ابن صصرى قاضى دمشق لأكثر من عشرين عاما المتوفى سنة ٧٢٣ للهجرة (١): قاضى القضاة ومن حوى رتبا سمت ... عن أن تسام سنا وبزّت من سعى شيخ الشيوخ العارفين ومن رقى ... رتب السلوك تعبّدا وتورّعا حاوى العلوم بما تفرّق فى الورى ... إلا الذى منها إليه تجمّعا وطبيعى أن يصفه بالتقوى والورع والعلوم الشرعية والفقه بها فقها دقيقا. ويقولون إنه كان يجمع بين الحسنيين: المعرفة بالمنقول والبراعة فى المعقول أو ما يحتاج إلى عقل وفهم وقياس وبصيرة. ويلقانا رثاء كثير أيام العثمانيين، من ذلك قول أحمد بن محمد الحسنى الحلبى المتوفى سنة ١٠٥٦ فى رثاء أخيه (٢): رزء ألمّ وحسرة تتوالى ... ومصيبة قد جذّت الآمالا وفراق إلف إن أردت تصبّرا ... عنه أردت من الزمان محالا كنا كغصنى دوحة قطع الرّدى ... منها الأغضّ الأرطب الميّالا أو كاليدين لذات شخص واحد ... كان اليمين لها وكنت شمالا وكان وتر الشكوى من الدهر والممدوحين والناس مشدودا فى أحوال كثيرة إلى قيثارات الشعراء

стр. 3042

يلحّنون عليه نوائب الدهر وتغافل الممدوحين وبؤس حظوظهم فى دنياهم وما يتجرّعون من صاب الدنيا وعلقمها المرير، وما يبلون فى الناس من الطمع والحقد والأنانية مما يوهى العلاقات حتى بين الأقرباء، ويملأ النفوس شقاء وعناء والقلوب حسرات ولوعات، من ذلك قول أبى فراس (١): أرانى وقومى فرّقتنا مذاهب ... وإن جمعتنا فى الأصول المناسب فأقصاهم أقصاهم من-مساءتى ... وأقربهم مما كرهت الأقارب غريب وأهلى حيثما كرّ ناظرى ... وحيد وحولى من رجالى عصائب وأعظم أعداء الرجال ثقاتها ... وأهون من عاديته من تحارب وهو يصور المحنة فى الناس حوله، فهم جميعا قومه يرجعون إلى أصل واحد ونسب واحد، وأقربهم منه لا يحبون له الخير، ويحبه له البعداء، مما يجعله يشعر فى عمق بالغربة بين أهله وذويه وعصاباته، ويهوله ذلك ويقلقه ويفزعه. وإنه ليوغل فى فهم الناس فيشعر بغير قليل من قلق النفس وضيق الصدر، فإن من يصادقك إنما يصادقك على الخداع، وهو لذلك ليس صديقا، بل هو أعظم أعدائك لأنك تأمنه وتجعله محل ثقتك، وهو لا يريد لك خيرا بل يريد لك الشر والأذى، وهو لذلك أعدى أعدائك، أما العدو الحقيقى فأنت تعالنه العداوة وتجاهره بالحرب والخصومة، فلن يصيبك منه أذى لأنك محترس منه دائما متق شره وخيانته وغدره. ويخاطب أبو العلاء الدهر بقوله (٢): يا دهر يا منجز إيعاده ... ومخلف المأمول من وعده أىّ جديد لك لم تبله ... وأىّ أقرانك لم ترده تستأثر العقبان فى جوّها ... وتنزل الأعصم من فنده (٣) إن زمانى برزاياه لى ... صيّرنى أمرح فى قدّه (٤) أفضل ما فى النفس يغتالها ... فنستعيذ الله من جنده وربّ ظمآن إلى مورد ... والموت لو يعلم فى ورده وهو يشكو من الدهر وأنه ينجز دائما الإيعاد والإنذار بالشرور والخطوب، ويخلف دائما

стр. 3043

الوعد بالخيرات والطيبات، وإنه ليأتى دائما على كل جديد وكل قرن يدّعى أنه يماثله فى القوة أو الشجاعة، فالكل أسراه: العقبان فى أجوائها العليا والعصم أو الوعول فى أعالى الجبال، فلا أحد ينجو من صولته. ويقول إنه ألف رزاياه ونكباته حتى صارت قدّا أو قيدا له ولحياته، وصار من طول ألفته لها يستحبها ويمرح فيها. ويعجب أن يكون أفضل ما فى النفس من حواس البصر والسمع وغيرهما يغتاله أو يهلكه ما سلّط عليه من آفات الهوى، ويجعلها كأنها جنود لله إذ تنتقم له من الإنسان بسوء سلوكه وأعماله. وهو لذلك يستعيذ من شرها، ويقول رب ظامئ إلى مورد يريد أن ينهل منه، فيكون فيه هلاكه. ويقول أسامة بن منقذ (١): حذّرتنى تجاربى صحبة العا ... لم حتى كرهت صحبة ظلّى ليس فيهم خلّ إذا ناب خطب ... قلت مالى لدفعه غير خلّى كلّهم يبذل الوداد لدى اليس ... ر ولكنهم عدى للمقلّ فاعتزلهم ففى انفرادك منهم ... راحة اليأس من حذار وذلّ وقد بلغ أسامة من ابتلائه للناس واختبارهم أن أصبح يمقتهم ويمقت كل ما فى العالم حتى ظله يكره أن يصحبه خوفا أن يكون فيه ما فى الناس من عدم الوفاء وخيانة الصحبة. ويقول إنه ليس فى الناس خل صادق العهد فى النعماء والبأساء، بل إذا نابت ضراء لم يسعفك ولم يساعدك، إنما يعرفك فى اليسر، أما فى العسر فلا يودّك ولا يعرف لك طولا ولا فضلا ولا يسدّ لك ثلمة ولا يقدم لك عونا، فاعتزل الناس وايأس من أن يردّوا لك معروفا أو جميلا تعش آمنا عزيزا. ويقول ابن عنين فى التشوق إلى دمشق بعد أن ظل منفيا عنها طويلا شاكيا محزونا لغربته وما لقى فيها من ضنك العيش بعد أن طوّف فى العراق وإيران وخراسان والهند واليمن (٢): فسقى دمشق ووادييها والحمى ... متواصل الإرعاد منفصم العرى فارقتها لا عن رضى وهجرتها ... لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا أسعى لرزق فى البلاد مشتّت ... ومن العجائب أن يكون مقتّرا لا عيشتى تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو ولا جفنى يصافحه الكرى فهو يدعو لدمشق-وكان يكثر من الحنين إليها-أن يسقيها سحاب متواصل الإرعاد

стр. 3044

أو الإمطار، منفصم العرى واهيه يهطل مدرارا. ويقول إنه برغمه فارقها قسرا، وهو إنما فارقها لهجوه أهلها وإفحاشه فى هجوه. ويقول إنه جاب البلاد يسعى لرزقه فكان لا يصيب منه إلا الكفاف وإلا ما يسدّ رمقه، فرزقه دائما مقتّر أو قليل، وعيشته دائما نكدة، وهواه معلق دائما بدمشق ودائما مسهّد لا يلم بجفونه الكرى أو النوم لما ملكت عليه من شغاف قلبه. وكان شعراء الشام وأدباؤه كثيرا ما ينزلون القاهرة فى عهد الأيوبيين والمماليك ويحنّون إلى الشام وبلدانه ورياضها الفيحاء شاكين من الغربة وأن عيونهم لا تكتحل بمناظر وطنهم ومشاهده الجميلة، فضلا عن رؤية الأهل والأصدقاء. ونزل القاهرة ابن حجّة الحموى صاحب خزانة الأدب المتوفى سنة ٨٣٧ وكان أحد ندماء السلطان المؤيد وولى عدة وظائف لعهده، ويقول متشوقا إلى بلدته حماة شاكيا غربته وطول فراقه لأهله (١): يا ساكنى مغنى حماة وحقّكم ... من بعدكم ماذقت عيشا طيّبا أرض رضعت بها ثدىّ شبيبتى ... ومزجت لذّاتى بكاسات الصّبا وقد التفتّ إليك يا دهرى بطو ... ل تعتبى ويحقّ لى أن أعتبا قرّرت لى طول الشتات وظيفة ... وجعلت دمعى فى الخدود مرتّبا وهو يشكو من غربته عن ملاعب صباه وشبابه وديار أحبائه فى حماة مسقط رأسه، ويعاتب الدهر الذى قضى عليه بفراقها وطول تشتته بعيدا عن قرة عينه، وإنه ليبكيها بدموع غزار. ولذلك عاد إلى حماة بمجرد أن توفى السلطان المؤيد سنة ٨٢٣ للهجرة. وتظل الشكوى من الزمان والناس طوال العصر، ومرت بنا ترجمة لحسين بن الجزرى أيام العثمانيين، وله يشكو شكوى مرة من الناس منشدا (٢): قد صرت أحترز الأنام وغدرهم ... إن الطبيب يخاف مسّ الدّاء وقطعت باليأس الرجاء لديهم ... واليأس يجدع أنف كلّ رجاء ولطالما أصفيت قبلك خلّتى ... من لا أراه موافقا لإخائى وبلوت منه ودّه فرأيته ... متلوّنا كتلوّن الحرباء لقد جرب الناس طويلا فرآهم غادرين ماكرين لا يصونون عهدا ولا يحفظون ودا، فيئس

стр. 3045

منهم يأسا لا يداخله أى رجاء، يأسا لا أمل معه فى وفاء ولا ما يشبه الوفاء، فقد طالت تجربته وطال اختباره ورجع دائما خائبا بل رجع شاعرا بمرارة، لرؤيته الصديق وقد تلوّن ألوانا كألوان الحرباء، إذ تتلون فى ساعات النهار ألوانا مختلفة. فاتخذ منها مثلا لتلونه. ونقف قليلا بإزاء نفر من شعراء الشكوى والرثاء. ابن سنان (١) الخفاجى هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجى الحلبى تلميذ أبى العلاء المعرى، وكان يتشيح وأنشدنا له فى حديثنا عن شعراء التشيع شعرا شيعيا، ولا نعرف تاريخ ميلاده. ويبدو أنه أحب خوض معمعان السياسة إذ نراه فى حاشية محمود بن نصر بن صالح حين صار إليه أمر حلب سنة ٤٥٢ وقد بعث به رسولا إلى صاحب القسطنطينية ملك الروم يستنجد به على عمه عطية بن صالح، وظل عندهم مدة وكتب إلى أهل حلب قصيدته المعروفة: هذا كتابى عن كمال سلامة ... عندى وحال شرحها فى الجملة همّ وإقتار وعمر ذاهب ... وفراق أوطان وبعد أحبّة وعاد إلى حلب فى عهد أميرها ثمال بن صالح سنة ٤٥٣ ولم يلبث أن توفى وخلفه أخوه عطية واستولى عليها منه ابن أخيه محمود بن نصر سنة ٤٥٤ ورأى أن يولى فى كل قلعة من قلاع إمارته حلبيا بحيث تكون ذريته وأبناؤه تحت يده. وطلب من وزيره ابن أبى الثريا أن يختار له من يوليه «عزاز» فقال: لا أجد لذلك إلا أبا محمد بن سنان الخفاجى وكان أبو نصر بن النحاس حاضرا فصوّب الرأى فيه، فأحضره محمود، وولاه قلعة عزاز بعد أن امتنع، وأخيرا أجاب. وبعد سنوات خشيه ابن سنان على نفسه واستوحش منه، فاستدعاه محمود مرارا إلى حلب وابن سنان يتعلل عليه ولا يحضر، وكان أبو نصر بن النحاس صديقه فكان يكتب إليه يحذره. ومع ذلك اضطر-بأمر محمود-أن يحمل إليه طعاما مسموما وكان ذلك سبب موت ابن سنان سنة ٤٦٦ ويقال إنه لما أحسّ بالموت أنشد. خف من أمنت ولا تركن إلى أحد ... فما نصحتك إلا بعد تجريب

стр. 3046

وكان مثقفا ثقافة أدبية وبلاغية علمية كما يتبين من وضعه لكتاب سر الفصاحة، وهو كتاب نفيس. وديوانه مطبوع قديما، ويكثر الرثاء فيه وهو يفتتحه بمرثية فى الكاتب على بن محمد بن عيسى العمرى، وكان عطية بن صالح يضطغن عليه لوقوفه مع محمود بن نصر فى حصاره لحلب فقتله وصلبه، وفى رثاء ابن سنان له يقول: ومعذّل جار على غلوائه ... يروى حديث نداه عن أعدائه عجلت عليه يد الحمام وعوده ... ريّان من خمر الشباب ومائه عجبا لحدّ السيف كيف أصابه ... ومضاؤه فى الرّوع دون مضائه ولمصعب ملأ الزمان هديره ... قادوه بعد شماسه وإبائه إن يرفعوه فقد غنوا بعلائه ... أو يشهروه فقد كفوا بثنائه وابن سنان يؤبّن صديقه تأبينا حزينا قائلا: إنه كان بحرا فياضا فى الجود وطالما كان الناس يلومونه ويروون أحاديث كرمه الذى شهد به أعداؤه. ويقول إن الموت اختطفه شابا غضا نضرا، ويعجب كيف أصابه السيف وعزمه فى الحرب وسفك الدماء أقوى من عزمه. وقد كان صعب القياد يهدر هدير الفحول ويزأر زئير الأسود. ويقول إن كانوا قد رفعوه فى الصلب، فقد أغناهم علاؤه فى السماكين، وإن كانوا قد شهّروا به فقد امتلأت الدنيا بالثناء عليه. وقال يرثى جماعة من أهله وأصدقائه: أيّها الظاعنون لا زال للغي ... ث رواح عليكم وبكور لست أرضى بالدمع فيكم فهل يم ... لك رىّ البحور إلا البحور قد رأينا دياركم وعليها ... أثر من عفاتكم مهجور عرصات كأنهن ليال ... فارقتها عند الكمال البدور بان ذلّ الأسى عليها فللغي ... ث بكاء وللنسيم زفير يا نجوم العلا غربتم وما فى اللّ ... يل من بعدكم نجوم تغور وهو يدعو لأجداثهم أن تظل تمطرها السحب فى البكور والرواح بل حرىّ أن تروى البحور من فيها من بحور الكرم. ويقول إنه مرّ بالديار فرأى آثار العفاة أو طلاب النوال قد هجرت منذ مات أصحابها، وقد أظلمت عرصاتها وساحاتها بمغيب بدورها، وبدا ذل الأسى والحزن عليها

стр. 3047

والسحب تبكى بدمع مدرار، وللرياح زفير وشهيق. ويقول لقد غربت نجومكم وما أظن بعدها فى الليل نجوم تغور فى سماء المجد والعلاء. وقال يرثى والدته حين توفيت بعد قدومها من حجّ بيت الله: أبكيك لو نهضت بحقّك أدمع ... وأقول لو أن النوائب تسمع لا يغبطنّ على البقاء مرزّأ ... إن المودّع إلفه لمودّع قبحا ليومك فالنوائب بعده ... جلل وكلّ رزيّة لا تفجع (١) لو كان ينفعنى السلوّ نبذته ... أسفا عليك فكيف إذ لا ينفع عجبا لمن يبقى ذخائر ماله ... ويظلّ يحفظهن وهو مضيّع ولغافل ويرى بكلّ ثنيّة ... ملقى له بطن الصفائح مضجع (٢) يا قبر فيك الصالحات دفينة ... أفما تضيق بهنّ أو تتصدّع وهو يقول إن أى دموع له لا تفى بحقوق أمه عليه وأى أنين له لا تسمعه النوائب، ويقول إن أحدا لا يغبط على بقائه، فما تلبث رحى الموت أن تطحن الباقين المودعين. وما أقبح اليوم الذى سمع فيه رزء أمه. فالنوائب بعده صغيرة والرزايا لا تفجعه، ولو ينفعه السلولسلا؟ ؟ ؟ ، ولكنه لا ينفع أى نفع. ويعجب لمن يجمع المال وعما قليل يضيع، وللغافل عن الموت وفى كل عطفة بطريق من طرقه مضجع معدّ له: حفرة وصفائحها من الحجارة. ويلتفت إلى قبر أمه ويعجب أنه لا يتصدع وفيه هذه الأم الكريمة. وفى ديوان ابن سنان وراء ذلك مدائح وغزليات وفيه عظات بديعة. الغزّىّ (٣) هو إبراهيم بن يحيى بن عثمان الكلبى الغزىّ، ولد بغزّة فى فلسطين سنة ٤٤١ للهجرة وبها نشأ وتعلم، وسال الشعر على لسانه، حتى إذا بلغ من عمره أربعين عاما دخل دمشق وسمع من شيوخها، ثم رحل إلى بغداد وأقام بها فى المدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير مدرس، ثم مضى إلى إيران وخراسان وامتدح بهما جماعة من الحكام والرؤساء. ويقول العماد الأصبهانى فى الخريدة: جاب البلاد وتغرّب، وأكثر التنقل والحركة وتغلغل فى أقطار كرمان بفارس وأقطار

стр. 3048

خراسان. ومن مداحه ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان، وعماد الدين طاهر قاضى القضاة بشيراز. ثم أوغل شرقا متنقلا بين الحكام والقضاة والوزراء إلى أن توفى سنة ٥٢٤ بين مرو وبلخ بخراسان، ونقل جثمانه إلى بلخ ودفن بها عن ثلاثة وثمانين عاما. وكان شاعرا بارعا وأكثر شعره فى المديح. وله غزل بديع أنشدنا منه قطعة فى حديثنا عن شعراء الغزل، ويبثّ فى أشعاره شكوى كثيرة، إذ كان يحس دائما بغربته وأنه لا يأخذ من الدنيا ما يأمله. شاعرا بأن سوق الآداب كسدت وأن الاجواد المؤمّلين قلوا فى البلاد، وفى ذلك يقول: قالوا هجرت الشعر؟ قلت ضرورة ... باب الدواعى والبواعت مغلق خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النّوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه-مع الكساد-ويسرق وهو لا يشكو من كساد الشعر فحسب. بل يشكو أيضا من أنه يسرق، وباب السرقات الشعرية فى النقد العربى باب واسع. ويقول العماد تعليقا على هذه الأبيات: «الغزى حسن المغزى وما يعزّ من المعانى الغرّ معنى إلا إليه يعزى، يعنى بالمعنى ويحكم منه المبنى، ويودعه اللفظ إيداع الدرّ الصدف، والبدر السّدف» ويورد طائفة من روائع أبياته منها قوله: إنى لأشكو خطوبا لا أعيّنها ... ليبرأ الناس من لومى ومن عذلى كالشّمع يبكى ولا يدرى أعبرته ... من صحبة النار أم من فرقة العسل فخطو به كثيرة بحيث لا يستطيع أن يعين منها خطبا دون خطب ولا أن يعلل لخطب دون خطب، فمثله كالشمع لا يعرف هل يبكى من فرقة الرّحيق أو من صحبة الحريق. ويقول شاكيا ضجرا من الأيام: حملنا من الأيام مالا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا وليل رجونا أن يدبّ عذاره ... فما اختطّ حتى صار بالفجر شائبا فلا تحمد الأيام فيما تفيده ... فما كان منها كاسيا كان سالبا والصور فى الأبيات بديعة، فقد حمل من الأيام خطوبا جعلته أشبه ما يكون بعظم كسير شدّت عليه العصائب وهو يتضوّر ألما، ويصور قصر الليل فما اختطّ عذاره الأسود حتى أسرع إليه الشيب. ويقول لا تحمد الأيام فيما تحمله إليك من نفع فإنها تنفث فيه سموما، وكل ما تظنه منها

стр. 3049

كاسيا يسلبك الكساء المظنون، فإذا بك تعرى حرمانا وابتئاسا. ويقول: الحظّ من جوهر الأشياء سله ولا ... تسأل من الله قدّا زانه الهيف فالقوس فى قبضة الرامى لعزّتها ... والسهم من هونه يرمى به الهدف لم يبق لى زمنى شيئا أسرّ به ... فالحمد لله لا فوز ولا أسف عرّى أكابره من ثوب محمدة ... فالقوم فى السابغات اللّبّس الكشف لم يقنعوا بحجاب البخل فاحتجبوا ... كما غلا بعد سوء الكيلة الحشف وإن جرى غلط منهم بمكرمة ... فييضة العقر لا يرجى لها خلف أعجب بهم قطّ فى الآراء ما اتفقوا ... على صواب وفى التقصير ما اختلفوا فهو يشكو حظّه التعس وأن الإنسان حرى أن يطلبه من ربه لا أن يسأل حبا وما يشبه الحب، فالحظ مدار الحياة وقطبها، يرفع الأدنى ويخفض الأعلى، وما أشبه الغزّى بقوس عزيز فى قبضة الرامى تصوّب منه السهام الهينة فتصيب الهدف، ألا ما أتعس الحياة! . ويقول إن الزمن قضى على كل ما يدخل على نفسه السرور، فلم يعد هناك شئ ينتظر أن يظفر به أو يأسف على ضياعه. ويقول إن الزمن عرّى أكابره من ثياب المحامد، وهم إن بدوا كاسين فحقيقتهم عارون مجردون من كل محمدة، وكأنما لم يكفهم حجاب البخل فاحتجبوا عن الناس جامعين بين سوءتين، كما يجمع بائع التمر بين حشفه أو أردئه وسوء كيله أو ميزانه. وإن غلط أحدهم وجاء بشئ كان ذلك بيضة العقر التى لا تبيض الدجاجة بعدها. ومن عجب أنهم لا يتفقون فى الرأى على شئ سوى ما كان من بخلهم وشح نفوسهم. يقول: وجفّ الناس حتى لو بكينا ... تعذّر ما تبلّ به الجفون فما يندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجوّ جبين فالناس قد جفوا بعد خصب وإيناع وورد وريحان حتى لو بكى الباكون ما وجدوا دموعا تبلّ جفونهم، إذ لم يعد هناك ممدوح يندى بنانه، ويغدق على الناس نواله، وأيضا لم يعد مهجو بخيل يندى جبينه خجلا وكسوفا. ويقول: حبل المنى مثل حبل الشمس متصلا ... يرى وإن كان عند اللّمس مبتوتا

стр. 3050

فلا تقل ليت صرف الدهر ساعدنى ... فإنّ فى ليت أوما يقطع اللّيتا (١) والصورة فى البيت الأول بديعة، فحبل المنى كحبل الشمس مبتوت غير موصول، فلا تقل أحداث الدهر ساعدتنى فإن فى ليت أوما أو عطشا شديدا دون ريه انبتات الليت أو صفحة العنق. فدع المنى والتمنى فإنهما يتعبان ولا يثمران شيئا. ووراء هذه الشكوى من الزمن والناس فى شعر الغزى مدائح وغزليات-كما قلنا-رائعة، وهو ديوان كبير جمعه بنفسه فى نحو خمسة آلاف بيت، ومنه نسخ كثيرة فى مكتبات العالم. فتيان (٢) الشاغورى هو فتيان بن على الأسدى الشاغورى ولد فى أوائل العقد الرابع من القرن السادس الهجرى ببانياس على ساحل حمص، وانتقل به أبوه صبيا إلى دمشق، وسكن الشاغور إحدى ضواحيها حينئذ وهى الآن من أحيائها، وألحقه بكتاب حفظ فيه القرآن، حتى إذا أتم حفظه أكبّ-مثل لداته-على دروس الشيوخ اللغوية والشرعية فى الجامع الأموى، وحين أتقن العربية وعلومها فكر فى أن يصبح معلما لها، يعلمها الناشئة ويدربهم عليها. واختار قرية الزّبدانى بالقرب من دمشق مقاما له لجمال الطبيعة فيها، فسكنها واتخذ لنفسه كتّابا يعلم فيه الناشئة، وله فى هذه القرية أشعار بديعة تصور مفاتن الطبيعة فيها. ومنذ أخذ صلاح الدين فى أواسط العقد الثامن من القرن يواقع الصليبيين ويسحقهم بجيشه المظفر نراه مثل غيره من شعراء الشام يشيد به وبانتصاراته فى مدائح كثيرة. وكان صلاح الدين قد أعطى ابنه الأفضل نور الدين دمشق منذ سنة ٥٨٢ وظل بها بعد وفاة أبيه حتى سنة ٥٩٢، واتخذ الأفضل مودود بن المبارك-وهو أخو عز الدين فرّخشاه ابن عم الأفضل لأمه-شحنة دمشق أو بعبارة أخرى ضابطا لشئونها ومصرفا لها. ويلتحق فتيان بخدمة مودود. ويقول مترجموه إنه اتخذ له حلقة لتعليم العربية بالجامع الأموى، ونظن ظنا أنه ابتدأها فى أثناء تلك الخدمة أى منذ العقد التاسع من القرن السادس، إن لم يكن بعد هذا التاريخ.
следующие страницы →