← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وكان مثقفا ثقافة أدبية وبلاغية علمية كما يتبين من وضعه لكتاب سر الفصاحة، وهو كتاب نفيس. وديوانه مطبوع قديما، ويكثر الرثاء فيه وهو يفتتحه بمرثية فى الكاتب على بن محمد بن عيسى العمرى، وكان عطية بن صالح يضطغن عليه لوقوفه مع محمود بن نصر فى حصاره لحلب فقتله وصلبه، وفى رثاء ابن سنان له يقول: ومعذّل جار على غلوائه ... يروى حديث نداه عن أعدائه عجلت عليه يد الحمام وعوده ... ريّان من خمر الشباب ومائه عجبا لحدّ السيف كيف أصابه ... ومضاؤه فى الرّوع دون مضائه ولمصعب ملأ الزمان هديره ... قادوه بعد شماسه وإبائه إن يرفعوه فقد غنوا بعلائه ... أو يشهروه فقد كفوا بثنائه وابن سنان يؤبّن صديقه تأبينا حزينا قائلا: إنه كان بحرا فياضا فى الجود وطالما كان الناس يلومونه ويروون أحاديث كرمه الذى شهد به أعداؤه. ويقول إن الموت اختطفه شابا غضا نضرا، ويعجب كيف أصابه السيف وعزمه فى الحرب وسفك الدماء أقوى من عزمه. وقد كان صعب القياد يهدر هدير الفحول ويزأر زئير الأسود. ويقول إن كانوا قد رفعوه فى الصلب، فقد أغناهم علاؤه فى السماكين، وإن كانوا قد شهّروا به فقد امتلأت الدنيا بالثناء عليه. وقال يرثى جماعة من أهله وأصدقائه: أيّها الظاعنون لا زال للغي ... ث رواح عليكم وبكور لست أرضى بالدمع فيكم فهل يم ... لك رىّ البحور إلا البحور قد رأينا دياركم وعليها ... أثر من عفاتكم مهجور عرصات كأنهن ليال ... فارقتها عند الكمال البدور بان ذلّ الأسى عليها فللغي ... ث بكاء وللنسيم زفير يا نجوم العلا غربتم وما فى اللّ ... يل من بعدكم نجوم تغور وهو يدعو لأجداثهم أن تظل تمطرها السحب فى البكور والرواح بل حرىّ أن تروى البحور من فيها من بحور الكرم. ويقول إنه مرّ بالديار فرأى آثار العفاة أو طلاب النوال قد هجرت منذ مات أصحابها، وقد أظلمت عرصاتها وساحاتها بمغيب بدورها، وبدا ذل الأسى والحزن عليها

стр. 3047

والسحب تبكى بدمع مدرار، وللرياح زفير وشهيق. ويقول لقد غربت نجومكم وما أظن بعدها فى الليل نجوم تغور فى سماء المجد والعلاء. وقال يرثى والدته حين توفيت بعد قدومها من حجّ بيت الله: أبكيك لو نهضت بحقّك أدمع ... وأقول لو أن النوائب تسمع لا يغبطنّ على البقاء مرزّأ ... إن المودّع إلفه لمودّع قبحا ليومك فالنوائب بعده ... جلل وكلّ رزيّة لا تفجع (١) لو كان ينفعنى السلوّ نبذته ... أسفا عليك فكيف إذ لا ينفع عجبا لمن يبقى ذخائر ماله ... ويظلّ يحفظهن وهو مضيّع ولغافل ويرى بكلّ ثنيّة ... ملقى له بطن الصفائح مضجع (٢) يا قبر فيك الصالحات دفينة ... أفما تضيق بهنّ أو تتصدّع وهو يقول إن أى دموع له لا تفى بحقوق أمه عليه وأى أنين له لا تسمعه النوائب، ويقول إن أحدا لا يغبط على بقائه، فما تلبث رحى الموت أن تطحن الباقين المودعين. وما أقبح اليوم الذى سمع فيه رزء أمه. فالنوائب بعده صغيرة والرزايا لا تفجعه، ولو ينفعه السلولسلا؟ ؟ ؟ ، ولكنه لا ينفع أى نفع. ويعجب لمن يجمع المال وعما قليل يضيع، وللغافل عن الموت وفى كل عطفة بطريق من طرقه مضجع معدّ له: حفرة وصفائحها من الحجارة. ويلتفت إلى قبر أمه ويعجب أنه لا يتصدع وفيه هذه الأم الكريمة. وفى ديوان ابن سنان وراء ذلك مدائح وغزليات وفيه عظات بديعة. الغزّىّ (٣) هو إبراهيم بن يحيى بن عثمان الكلبى الغزىّ، ولد بغزّة فى فلسطين سنة ٤٤١ للهجرة وبها نشأ وتعلم، وسال الشعر على لسانه، حتى إذا بلغ من عمره أربعين عاما دخل دمشق وسمع من شيوخها، ثم رحل إلى بغداد وأقام بها فى المدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير مدرس، ثم مضى إلى إيران وخراسان وامتدح بهما جماعة من الحكام والرؤساء. ويقول العماد الأصبهانى فى الخريدة: جاب البلاد وتغرّب، وأكثر التنقل والحركة وتغلغل فى أقطار كرمان بفارس وأقطار

стр. 3048

خراسان. ومن مداحه ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان، وعماد الدين طاهر قاضى القضاة بشيراز. ثم أوغل شرقا متنقلا بين الحكام والقضاة والوزراء إلى أن توفى سنة ٥٢٤ بين مرو وبلخ بخراسان، ونقل جثمانه إلى بلخ ودفن بها عن ثلاثة وثمانين عاما. وكان شاعرا بارعا وأكثر شعره فى المديح. وله غزل بديع أنشدنا منه قطعة فى حديثنا عن شعراء الغزل، ويبثّ فى أشعاره شكوى كثيرة، إذ كان يحس دائما بغربته وأنه لا يأخذ من الدنيا ما يأمله. شاعرا بأن سوق الآداب كسدت وأن الاجواد المؤمّلين قلوا فى البلاد، وفى ذلك يقول: قالوا هجرت الشعر؟ قلت ضرورة ... باب الدواعى والبواعت مغلق خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النّوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه-مع الكساد-ويسرق وهو لا يشكو من كساد الشعر فحسب. بل يشكو أيضا من أنه يسرق، وباب السرقات الشعرية فى النقد العربى باب واسع. ويقول العماد تعليقا على هذه الأبيات: «الغزى حسن المغزى وما يعزّ من المعانى الغرّ معنى إلا إليه يعزى، يعنى بالمعنى ويحكم منه المبنى، ويودعه اللفظ إيداع الدرّ الصدف، والبدر السّدف» ويورد طائفة من روائع أبياته منها قوله: إنى لأشكو خطوبا لا أعيّنها ... ليبرأ الناس من لومى ومن عذلى كالشّمع يبكى ولا يدرى أعبرته ... من صحبة النار أم من فرقة العسل فخطو به كثيرة بحيث لا يستطيع أن يعين منها خطبا دون خطب ولا أن يعلل لخطب دون خطب، فمثله كالشمع لا يعرف هل يبكى من فرقة الرّحيق أو من صحبة الحريق. ويقول شاكيا ضجرا من الأيام: حملنا من الأيام مالا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا وليل رجونا أن يدبّ عذاره ... فما اختطّ حتى صار بالفجر شائبا فلا تحمد الأيام فيما تفيده ... فما كان منها كاسيا كان سالبا والصور فى الأبيات بديعة، فقد حمل من الأيام خطوبا جعلته أشبه ما يكون بعظم كسير شدّت عليه العصائب وهو يتضوّر ألما، ويصور قصر الليل فما اختطّ عذاره الأسود حتى أسرع إليه الشيب. ويقول لا تحمد الأيام فيما تحمله إليك من نفع فإنها تنفث فيه سموما، وكل ما تظنه منها

стр. 3049

كاسيا يسلبك الكساء المظنون، فإذا بك تعرى حرمانا وابتئاسا. ويقول: الحظّ من جوهر الأشياء سله ولا ... تسأل من الله قدّا زانه الهيف فالقوس فى قبضة الرامى لعزّتها ... والسهم من هونه يرمى به الهدف لم يبق لى زمنى شيئا أسرّ به ... فالحمد لله لا فوز ولا أسف عرّى أكابره من ثوب محمدة ... فالقوم فى السابغات اللّبّس الكشف لم يقنعوا بحجاب البخل فاحتجبوا ... كما غلا بعد سوء الكيلة الحشف وإن جرى غلط منهم بمكرمة ... فييضة العقر لا يرجى لها خلف أعجب بهم قطّ فى الآراء ما اتفقوا ... على صواب وفى التقصير ما اختلفوا فهو يشكو حظّه التعس وأن الإنسان حرى أن يطلبه من ربه لا أن يسأل حبا وما يشبه الحب، فالحظ مدار الحياة وقطبها، يرفع الأدنى ويخفض الأعلى، وما أشبه الغزّى بقوس عزيز فى قبضة الرامى تصوّب منه السهام الهينة فتصيب الهدف، ألا ما أتعس الحياة! . ويقول إن الزمن قضى على كل ما يدخل على نفسه السرور، فلم يعد هناك شئ ينتظر أن يظفر به أو يأسف على ضياعه. ويقول إن الزمن عرّى أكابره من ثياب المحامد، وهم إن بدوا كاسين فحقيقتهم عارون مجردون من كل محمدة، وكأنما لم يكفهم حجاب البخل فاحتجبوا عن الناس جامعين بين سوءتين، كما يجمع بائع التمر بين حشفه أو أردئه وسوء كيله أو ميزانه. وإن غلط أحدهم وجاء بشئ كان ذلك بيضة العقر التى لا تبيض الدجاجة بعدها. ومن عجب أنهم لا يتفقون فى الرأى على شئ سوى ما كان من بخلهم وشح نفوسهم. يقول: وجفّ الناس حتى لو بكينا ... تعذّر ما تبلّ به الجفون فما يندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجوّ جبين فالناس قد جفوا بعد خصب وإيناع وورد وريحان حتى لو بكى الباكون ما وجدوا دموعا تبلّ جفونهم، إذ لم يعد هناك ممدوح يندى بنانه، ويغدق على الناس نواله، وأيضا لم يعد مهجو بخيل يندى جبينه خجلا وكسوفا. ويقول: حبل المنى مثل حبل الشمس متصلا ... يرى وإن كان عند اللّمس مبتوتا

стр. 3050

فلا تقل ليت صرف الدهر ساعدنى ... فإنّ فى ليت أوما يقطع اللّيتا (١) والصورة فى البيت الأول بديعة، فحبل المنى كحبل الشمس مبتوت غير موصول، فلا تقل أحداث الدهر ساعدتنى فإن فى ليت أوما أو عطشا شديدا دون ريه انبتات الليت أو صفحة العنق. فدع المنى والتمنى فإنهما يتعبان ولا يثمران شيئا. ووراء هذه الشكوى من الزمن والناس فى شعر الغزى مدائح وغزليات-كما قلنا-رائعة، وهو ديوان كبير جمعه بنفسه فى نحو خمسة آلاف بيت، ومنه نسخ كثيرة فى مكتبات العالم. فتيان (٢) الشاغورى هو فتيان بن على الأسدى الشاغورى ولد فى أوائل العقد الرابع من القرن السادس الهجرى ببانياس على ساحل حمص، وانتقل به أبوه صبيا إلى دمشق، وسكن الشاغور إحدى ضواحيها حينئذ وهى الآن من أحيائها، وألحقه بكتاب حفظ فيه القرآن، حتى إذا أتم حفظه أكبّ-مثل لداته-على دروس الشيوخ اللغوية والشرعية فى الجامع الأموى، وحين أتقن العربية وعلومها فكر فى أن يصبح معلما لها، يعلمها الناشئة ويدربهم عليها. واختار قرية الزّبدانى بالقرب من دمشق مقاما له لجمال الطبيعة فيها، فسكنها واتخذ لنفسه كتّابا يعلم فيه الناشئة، وله فى هذه القرية أشعار بديعة تصور مفاتن الطبيعة فيها. ومنذ أخذ صلاح الدين فى أواسط العقد الثامن من القرن يواقع الصليبيين ويسحقهم بجيشه المظفر نراه مثل غيره من شعراء الشام يشيد به وبانتصاراته فى مدائح كثيرة. وكان صلاح الدين قد أعطى ابنه الأفضل نور الدين دمشق منذ سنة ٥٨٢ وظل بها بعد وفاة أبيه حتى سنة ٥٩٢، واتخذ الأفضل مودود بن المبارك-وهو أخو عز الدين فرّخشاه ابن عم الأفضل لأمه-شحنة دمشق أو بعبارة أخرى ضابطا لشئونها ومصرفا لها. ويلتحق فتيان بخدمة مودود. ويقول مترجموه إنه اتخذ له حلقة لتعليم العربية بالجامع الأموى، ونظن ظنا أنه ابتدأها فى أثناء تلك الخدمة أى منذ العقد التاسع من القرن السادس، إن لم يكن بعد هذا التاريخ.

стр. 3051

وكان فتيان يمدح بجانب صلاح الدين بعض قواده وكاتبه عماد الدين الأصبهانى والأفضل نور الدين وأخاه غازى صاحب حلب منذ أعطاها له أبوه سنة ٥٨٢ حتى وفاته سنة ٦١٣. أما مودود بن المبارك فله فيه أكثر من عشرين قصيدة، ويقول مترجموه إنه عهد إليه-فيما عهد- بتعليم أولاده الخط والعربية. ونراه حين أصبح العادل مالك زمام الدولة الأيوبية بعد أخيه صلاح الدين يخصه ببعض مدائحه ويكثر من مديح وزيره المصرى صفى الدين بن شكر، ويبدو أنه كان يرسل إليه بمدائحه، لأنه لم يغادر الشام طوال حياته. وكان العادل قد جعل دمشق لابنه المعظم عيسى، وله فيه عشر مدائح، كما أعطى العادل ابنه الأشرف موسى الرها والجزيرة وله فيه نحو خمس عشرة مدحة. ومدح كثيرين من البيت الأيوبى فى مقدمتهم صاحب حماة تقى الدين عمر (٥٧٤ - ٥٨٧ هـ) أعطاها له عمه صلاح الدين، ومدح صاحب بعلبك فرّوخشاه (٥٧٥ - ٥٧٨ هـ) وابنه بهرام شاه (٥٧٨ - ٦٢٧ هـ). وعلى هذا النحو ظل يقدم مدائحه للأيوبيين حتى وفاته بدمشق سنة ٦١٥. وقد أنشدنا له فى حديثنا عن شعراء التشيع أشعارا تدل بوضوح على تشيعه. وطبيعى-وهو شاعر مدح كبير-أن تكون له مراثى لمن لبى نداء ربه من ممدوحيه، وخاصة من كان وثيق الصلة بهم، وكذلك لكبار رجال زمنه وشيوخه وعلمائه الأعلام. ومن أروع مراثيه مرثيته لشيخه الحافظ المؤرخ ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١، ويقول العماد الأصبهانى إنها مشتملة على حقيقة الشيخ وطريقته ووفائه ووفاته، وفيها يقول: أىّ ركن وهى من العلماء ... أىّ نجم هوى من العلياء إنّ رزء الإسلام بالحافظ العا ... لم أمسى من أعظم الأرزاء أقفرت بعده ربوع الأحادي ... ث وأقوت معالم الأنباء كان من أعلم الأنام بأسما ... ء رجال الحديث والعلماء كان علاّمة ونسّابة لم ... يخف عنه شئ من الأشياء أنت أعلى من أن تحدّ بوصف ... بلغته بلاغة البلغاء وفتيان فى المرثية محزون الفؤاد مكبر لفجيعة دمشق فى محدّثها الذى لا يبارى ومؤرخها الذى لا يجارى. وهو فى البيت الثانى يصور فى ألم إقفار المدرسة النورية من محدثها الأكبر وإقواء أو إقفار دمشق من مؤرخها العظيم صاحب تاريخها الذى يقال إنه كان يقع فى ثمانين مجلدا. وحقا كان من أعلم علماء عصره-إن لم يكن أعلمهم-بالحديث النبوى ورجاله وبتاريخ دمشق وأعلامها من

стр. 3052

مختلف الأجيال، مع الحلم ومع التقوى والورع، ومع ما ألقى عليه من محبة أهل زمنه وإجلالهم. ويتوفى بعده فى السنة التالية القاضى ابو الفضل كمال الدين محمد بن الشّهرزورى وكان قد ولى القضاء لعماد الدين زنكى فى الموصل، وتوفّى فالتحق بابنه نور الدين فولاّه القضاء فى دمشق وارتقى عنده إلى درجة الوزارة، وأقرّه صلاح الدين بعد وفاة نور الدين على عمله ومنصبه، ولم يلبث أن توفى. وفيه يقول فتيان من مرثية طويلة: عدم الإسلام معدوم المثال ... وهوت من أوجها شمس المعالى ولسان الشّرع قد ألبس عيّا ... بعد أن كان جريئا فى المقال وسماء الدين قد ران على ... بدرها النّقصان من بعد الكمال والقضايا قاضيات نحبها ... إثره حزنا على تلك الخلال مات من كان لأهل العلم كهفا ... وثمالا محسنا أىّ ثمال (١) وهو يبكى الإسلام والقضاء وعلوم الشريعة فيه، إذ كان له القضاء والفتوى كما كان له الفقه والشريعة. وكانت له فضائل كثيرة بجانب علمه وفقهه، إذ كان جوادا وغيثا مدرارا، كما كان مرجعا للعلماء-كما يقول فتيان-وثمالا وسندا لهم وموئلا. ويتوفّى تقى الدين عمر صاحب حماة فيؤبنه بمرثية يقول فيها: أباح ثغور الكفر بالسيف عنوة ... وسدّ ثغور السّلم بالطّعن فى الثّغر وكيف يلام المسلمون على الأسى ... وقد عدم الإسلام ناصره عمر لقد كان يلقى المرهفات بوجهه ... وسمر القنا بالصّدر فى الورد والصّدر (٢) وكان يردّ الجحفل المجر وحده ... يمسّون بالأيدى الظهور من الخور (٣) وهو يشيد ببسالته فى حرب حملة الصليب ويصور حزن المسلمين عليه، إذ خسروا فيه بطلا من أبطالهم طالما دوّخ الصليبيين، وطالما نازلهم راميا بنفسه فى أتون الحرب مقبلا دائما معرّضا وجهه للسيوف وصدره للرماح، وكم ردّ من جحافلهم الكثيرة وولوا أدبارهم فزعين مروّعين. ويتوفّى الملك الظاهر غازى بن صلاح الدين صاحب حلب، فيؤبنه بمثل قوله: لئن كان خلق الخلق من طين آدم ... فمن نور خلق الله خلقك يا غازى

стр. 3053

فمن لليتامى والأرامل بعده ... يقوم بإكرام عليهم وإعزاز مضى ملكه المحروس من عيب عائب ... ومن عبث الزّارى ومن عنت الرّازى وكان الغازى مهيبا حازما راعيا لشعبه يكسو العارى ويطعم الجائع عالى الهمة حسن التدبير والسياسة، محبا للعلماء، مجزلا العطاء للشعراء، فحمى ملكه-كما يقول فتيان-من عيب العائب وزراية المزرى وعنت الرازى أو الممتحن المختبر. ولفتيان بجانب مراثيه شكوى مريرة من الدهر والناس والحظ المقسوم كقوله: علام تحرّكى والحظّ ساكن ... وما نهنهت فى طلب ولكن أرى نذلا تقدّمه المساوى ... على حرّ تؤخّره المحاسن وهى شكوى قديمة عند الشعراء حين يقعد بهم الحظ ولا ينالون ما يتمنون أو ما يرون أنهم جديرون به. ويبلغ بهم ذلك أن يقولوا ما يقوله فتيان من أن لا فائدة فى الحركة وأن المساوى تقدم أصحابها بينما تتأخر المحاسن بأهلها وهو بعد فى الشكوى وإغراق فى التشاؤم. مصطفى (١) البابىّ هو مصطفى بن عبد الملك-وقيل عثمان-البابى، ولد بالباب إحدى قرى حلب فى القرن الحادى عشر الهجرى أيام العثمانيين، ونشأ بحلب وتتلمذ على شيوخها وأدبائها، وتركها إلى دمشق سنة ١٠٥١ للهجرة وأقام بها مدة يأخذ عن أدبائها وشيوخها، ورحل إلى إستانبول وأفاد من علمائها وعيّن قاضيا لطرابلس وتنقل قاضيا فى بلدان الدولة العثمانية بالعراق والحجاز فى المدينة المنورة، وتوفى بمكة فى أثناء حجه سنة ١٠٩١. وكان البابى شاعرا مجيدا، ويشغل المديح أكثر ديوانه على عادة الشعراء فى تلك الحقب، ويتخلل المديح أسراب من الشكوى. وقد يفرد للشكوى بعض القصائد، من ذلك قوله من قصيدة استهلها محزونا لتحول عهد مية، ويقول إنه مازال يبكى الأطلال حتى بكته بدمعها إشفاقا عليه، ويلتفت إلى الدهر شاكيا.

стр. 3054

أىّ ذنب نعاتب الدهر فيه ... وعتاب الأيام داء عضال أنا ما بين فرقة تجمع السّق ... م وبعد تدنو به الآجال وخطوب ألفتها يستعيذ ال ... خوف منها وتذعر الأهوال وأمان تجاذب الدهر ذيل ال ... حظّ والدهر جاذب جدّال همّة أرّقت جفون الأمانى ... بوعود للدهر فيها مطال أتمنّى من الزمان وفاء ... ووفاء الزمان أمر مجال يقول إن ذنوب الدهر عنده كثيرة فلا يدرى لكثرتها، أى ذنب يعاتبها فيه هل يعاتبها فى فرقة الأحباب أو فيما ينزله به من خطوب يستعيذ الخوف من شرها وتفزع الأهوال. وتلك أمانيه ما تزال تجاذب الدهر ذيل الحظ تريد أن تجذبه إليها والدهر أشد جذبا، بل إنه جدال يصرع من ينازعه، وفى صدره همة تؤرق جفون الأمانى بما تعرضه عليها من وعود ما يزال الدهر لا يفى بها، وكأن وفاءه أمر محال. ويقول من قصيدة يشكو فيها من الزمان: صاحبىّ ابغيا لنا خارج العا ... لم دارا فبئس دار الزّحام واصدقانى ألستما بين ليل ... ونهار مالى حليف ظلام واستعيرا لمقلتى هجعة ع ... لّ منامى يعود لو فى منام من أمور تقذى العيون وأخرى ... تصدع السمع مثل وخز السّهام مشرب كلّه قذى سوّغته ... إلف هذى النفوس للأجسام من أراد العيش الهنىّ فلا يع ... مل فكرا فالعيش عيش السّوام وقد بلغ به ذم العالم وكل ما فيه من أناسى وغير أناسى أنه يود لو خرج من هذا العالم جميعه، ويتساءل أليس يوجد مع الليل نهار بل إنهما يتعاقبان فلماذا هو يعيش فى ليل مسهدا لا ينام ولا تغفل عينه، فهل يجد هجعة أو لحظة من نوم حتى ولو فى الخيال والمنام، وهيهات فإن الدنيا مليئة بما يقذى العيون ويصك الأسماع من آلام، حتى لكأنها مورد من غسلين أو زقوم، وكل ذلك بسبب الأجسام وما تطلب من متاع مادى. ويقول من أراد أن يعيش هنيئا فلا يفكر، فالعيش عيش الجهال ومن يشبهون السوام الراعية من الإبل. وكل ذلك تشاؤم شديد، والغريب أنه كانت فيه مع ذلك كله نزعة صوفية جعلته يمدح القطب الربانى عبد القادر الجيلانى صاحب الطريقة الجيلانيّة فضلا عما فى ديوانه من مدائح نبوية وتوسلات ربّانية.

стр. 3055

٤ - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو لشعراء الشام من قديم عناية بوصف طبيعة بيئتهم ومشاهدها الخلابة، ومرت فى كتاب العصر العباسى الأول عناية أبى تمام بوصف الطبيعة فى مقدمات مديحه أو مستقلة فى بعض أشعاره، من ذلك وصفه للربيع، وكذلك وصفة للطير وأحاسيسه، على نحو ما عرضنا هناك من تصويره لقمرىّ وقمريّة يتساقيان رحيق الهوى، بينما هو محزون شديد الحزن. ووقفنا فى كتابنا العصر العباسى الثانى عند براعة البحترى فى وصفه للطبيعة وكان يحسن تصوير مناظرها الساحرة. ونلتقى فى أوائل عصر الدول والإمارات بكشاجم وله كتاب فى الصيد سماه المصايد والمطارد وهو منشور، وله قصائد مختلفة فى وصف كلاب الصيد وجوارح الطير وقصائد كثيرة فى وصف الرياض والسحب والأمطار من مثل قوله: غيث أتانا مؤذن بخفض ... متصل الويل حثيث الرّكض يضحك فى برق خفىّ الومض ... كالكفّ فى انبساطها والقبض والأرض تجلى بالنبات الغضّ ... فى حليها المحمرّ والمبيضّ وأقحوان كاللّجين محض ... ونرجس ذاكى النسيم بضّ مثل العيون رنّقت للغمض ... ترنو ويغشاها الكرى فتفضى وهو مطر متصل الوبل يؤذن-كما يقول-بخفض العيش واتساعه ويسره والبرق يلمع بين السحب ويتوارى كالكف تنبسط وسرعان ما تنقبض، والأرض كأنها فى حفل عرس تجلى بأزهارها وورودها والأقحوان يتلألأ كالفضة الخالصة والنرجس العطر النضر مثل العيون تنكسر جفونها للنوم، وهى تارة ترنو وتارة تستسلم للنوم فتغضى أو بعبارة أخرى تطبق جفونها الناعسة، وتنسب إلى سيف الدولة الحمدانى الأبيات التالية فى قوس قزح (١): لقد نشرت أيدى الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنا والحواشى على الأرض يطرّزها قوس الغمام بأصفر ... على أحمر فى أخضر تحت مبيضّ

стр. 3056

كأذيال خود أقبلت فى غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض يقول: رياح الجنوب نشرت على الجو ثيابا دكناء مغبّرة ملأت الآفاق بالطول والعرض وحواشيها على الأرض، وقوس قزح يطرّزها بألوانه البهيجة الكهرمانية والياوتية والزمردية، وكأنما شابة جميلة أقبلت فى غلالات أو ثياب رقيقة صبغت بألوان مختلفة بالطول والعرض وبعضها أقصر من بعض. وهى صورة بديعة. ويقول العرقلة من شعراء الخريدة (١): الشام شامة وجنة الدنيا كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلّق من آسها لك جنّة لا تنقضى ... ومن الشقيق جهنّم لا تحرق فعلام تصحو والحمام كأنها ... سكرى تغنّى تارة وتصفّق وتلوم فى حب الديار جهالة ... هيهات يسلوها فؤاد شيّق وهو يجعل الشام خالا فى وجنة الدنيا ويجعل «جلّق» اسم دمشق القديم إنسان مقلتها الغضيضة التى ترمقها باستحياء، لجمال أزهارها من آس وغير آس، وكأنما تخدّر بجمالها أحاسيس مشاهدها، فلا يصحو، والحمام من حوله فرح بهيج يغنى ويصفق طربا. وإن الشام لخليقة بحب أهلها وفتنتهم بها لجمال مناظرها الطبيعية. ويقول فتيان الشاغورى فى وصف قرية الزبدانى بشهر كانون شتاء والثلوج تتراكم على أشجارها ونباتاتها فى شهر كانون زمن الشتاء مهيئة لازدهار أزهارها فى زمن الربيع (٢): قد أجمد الخمر كانون بكل قدح ... وأخمد الجمر فى الكانون حين قدح يا جنّة الزّبدانى أنت مسفرة ... عن وجه حسن إذا وجه الزمان كلح فالثلج قطن عليك السّحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح وقد صور فتيان كل ما يحمل ماء فى الزبدانى بأقداح تحمل خمرا، وقد جمّدها القرّ الشديد وأخمد الجمر فى الكانون أو الموقد حين اتّقد. ويتصور قرية الزبدانى جنة من جنان الدنيا، وما يلبث أن يصوّر الثلج وهو يتساقط كالريش من السحب مثل قطن، والسحب تندفه بقوس قزح. والجو يحلجه. صورة بديعة.

стр. 3057

ويقول الوداعى على بن المظفر فى مناظر رأس العين ببعلبك (١): يا حادى الأظعان إن شارفت ... من بعلبكّ سفح لبنانه فاقرأ تحياتى على نازل ... فى محجر العين كإنسانه والروض يهدى مع نسيم الصّبا ... نشر خزاماه وريحانه وراسل القمرىّ ورقاءه ... شدوا على أوتار عيدانه وقد أشار الوداعى إشارة واضحة بمحجر العين إلى رأس العين منزل صاحبته، وأبدع فى البيت الأخير إذ جعل القمرى المترنم على عيدان الأشجار يراسل صاحبته شدوا وغناء على أوتار تلك العيدان. وتكثر مثل هذه الطرائف التصويرية عند معاصريه فى زمن المماليك، وبعدهم فى زمن العثمانيين كقول فتح الله بن النحاس فى وصف الربيع (٢): نثر الربيع ذخائر النّ ... وّار من جيب الغوادى والورد مخضوب البنا ... ن مضرّج الوجنات نادى حرسته شوكة حسنه ... من أن تمدّ له الأيادى والعندليب أمامه ... بفصيح نغمته ينادى من رام يعبث بالخدو ... د فدونها خرط القتاد (٣) والصور فى الأبيات جيدة فالربيع ينثر الأزهار من حبيب السحب الغوادى والورد أحمر البنان والوجنات تلمع عليه لألئ الندى، والشوك يحرسه من قطف الأيادى والعندليب ينادى: دون هذه الوجنات خرط القتاد، وهو مثل يضرب للشئ لا ينال إلا بمشقة شديدة، والقتاد: نبات صلب له شوك الإبر وخرطه: انتزاع إبره. وبجانب وصف الطبيعة كان للهو مجالسه فى متنزهات الغوطة بدمشق وغير الغوطة بالشام، إذ تمتلئ بالبساتين، وكان له مجالس أخرى فى الأديرة، مما أتاح لنظم خمريات كثيرة تارة تكون مستقلة وتارة تمتزج بوصف الطبيعة أو بالغزل، وتمادى بعض الشعراء فى مجونه وأسرف فى هزله على نحو ما نقرأ من أشعار لأبى الرقعمق (٤) الأنطاكى شاعر المعز الفاطمى وأبنائه ووزرائهم، وكان

стр. 3058

لا يستحى من التصريح بالفحش والمآثم على شاكلة أبى الحجاج ماجن العراق الذى تحدثنا عن مجونه وهزله فى الجزء الخامس من هذه السلسلة، ومن نظيف مجونه قوله (١): توهّمت أمرا فلم أنبس ... بحرف وناديت بالأكؤس حميّا كأن سنا نورها ... سنا بارق لاح فى الحندس (٢) يعاطيكها رشأ طرفه ... سريع إلى تلف الأنفس بخدّ يروقك توريده ... وعين تنوب عن النّرجس وهو يقول إن بعض الأوهام ساورته فلم ينبس ببنت شفة أو كلمة وانصرف إلى الخمر معشوقته التى تلعب حميّاها بخياله، فيظن كأن ضوءها ضوء برق لمع فى دجى الليل، وإن ساقية ساحرة الطّرف لتقدمها إليك فتصيبك فى الصميم بخد مورّد وعين فاتنة. ويقول الغزى الذى مرت ترجمته (٣): قم نفترعها كأنها الذهب ... بكرا، أبوها وأمّها العنب أرقّ من عبرة اليتيم ومن ... عبارة الصّبّ قلبه وصب مدامة تصقل القلوب إذا ... رانت عليها الهموم والرّيب كئوسها أنجم نضلّ بها ... لا يهتدى من تضلّه الشّهب لا فدم فينا ولا فدام لها ... عروس دنّ عقودها الحبب وهو يقول لصاحبه قم نفترعها أو نفتضها ونشربها، إنها فى رأيه-كعروس بكر-أبوها وأمها العنب، رقيقة رقة عبرة اليتيم وعبارة الصب أو المحب الوصب الموجع قلبه. ويقول إنها تجلو القلوب وتكشف عنها الهموم والريب أو الشكوك، ويعجب من كئوسها أن تكون أنجما ولا تهدى، بل تضل صاحبها وأى ضلال بينما عادة النجوم أن تهدى، ومن تضله لا يهتدى أبدا، لأنه فقد هداه. ويذكر أن ليس فى رفاقه فدم أو أحمق وأنه لا فدام لها أو مصفاة إذهى شديدة الصفاء، ويقول إنها عروس دنّ عقود جيدها لآلئ الحبب التى تعلو كئوسها حين يمتزج بها الماء. ويدعو فتيان الشاغورى صديقا إلى نزهة قائلا (٤):

стр. 3059

بادر إلينا فإن الراح ممكنة ... والكأس دائرة والشّمل مجتمع ويومنا طيّب صافى الأديم وما ... فيه هواء ولا فى رأسه قزع والطير ترقص فى الأغصان من طرب ... تكاد منه على هاماتنا تقع وفتيان يصور لصاحبه ما فيه من أنس مع رفاقه، فالكأس دائرة بينهم واليوم من أيام الربيع لا فيه عواصف ولا فى سمائه قزع أو قطع من السحاب المنتشر المنذر بالمطر، والطير ترقص على الأغصان طربا وفرحا بالربيع حتى تكاد لشدة فرحها وطربها تقع على هاماتهم أو رءوسهم. وتكثر مقطعات الشعر فى مجالس اللهو سواء فى الخمر أو فى الطبيعة ويشتهر بنظمها أربعة يفرد لهم الحموى فى خزانته فصولا طويلة هم مجير الدين بن تميم، وسنخصه بترجمة، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبى المتوفى سنة ٦٨٠ والقاضى محيى الدين بن قرناص الحموى معاصره وعلى بن المظفر الوداعى المتوفى سنة ٧١٦، ومن طريف ما أنشده الحموى لابن لؤلؤ الذهبى قوله (١): باكر إلى الروضة نستجلها ... فثغرها فى الصبح بسّام والنرجس الغضّ اعتراه الحيا ... فغضّ طرفا فيه أسقام وبلبل الدّوح فصيح على الأ ... يكة والشّحرور تمتام فعاطنى الصّهباء مشمولة ... عذراء فالواشون نوّام واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففى خلال الروض نمّام وهو خفيف الروح مثل زملائه المذكورين وكانوا جميعا يعنون بالتورية التى أشاعتها مصر منذ العصر الفاطمى عناية واسعة، وقد ورّى فى البيت الثانى بكلمة الحيا وهو الخجل عن الحيا بمعنى المطر. وجعل للبلبل لجمال غنائه وشدوه الفصاحة وللشحرور وهو نوع من العصافير التمتمة. ضرب من المقابلة. وجعل الصهباء مشمولة أو باردة طيبة واستتم الصورة بأنها بكر أو عذراء والواشون نوام. وعاد إلى التورية فى البيت الأخير بكلمة نمّام-وهو ضرب من السّعتر مزهر-عن النّمام الحقيقى من الأشخاص. ويقول محيى الدين بن قرناص (٢): روضة من قرقف أنهارها ... وغناء الورق فيها بارتفاع لا تلم أغصانها إن رقصت ... فهى ما بين شراب وسماع

стр. 3060

وقد ورّى محيى الدين بكلمة قرقف وهو الماء البارد الصافى عن الخمر وهو اسم من أسمائها، واستتم الصورة إذ جعل أنهار الروضة خمرا مسكرة بأن الحمام فيها أخذه السكر، بل إن الأغصان نفسها التى رويت من تلك الأنهار سكرت فرقصت، فلا عجب أن يشدو الحمام شدوا عاليا. وأنشد الحموى فى خزانته لابن قرناص مقطعات بديعة كثيرة فى الرياض ومثله الوداعى، وهو يكثر من التورية كثرة مفرطة. ويظل الغرضان: وصف الخمر ووصف الطبيعة حيّين طوال أيام المماليك وبالمثل أيام العثمانيين من مثل قول على بن محمد الحشرى الشامى المتوفى سنة ١٠٩٠ للهجرة (١): قم هاتها وضمير الليل منشرح ... والبدر فى لجّة الظلماء مستبح عجّل بها وحجاب الليل منسدل ... من قبل يبدو لنا فى وكره الصّبح واستضحك الدهر قد طال العبوس به ... لا يضحك الدهر حتى يضحك القدح ولا يطيب الهوى يوما لمغتبق ... حتى يكون له فى اليوم مصطبح وهو يخاطب ساقيا أن يناوله كأس الخمر والليل من حوله، مبتهج وأضواء البدر تلمع فى جوانبه ويطلب إليه أن يسرع بها وحجاب الليل منسدل عليه قبل أن يرفرف الصبح بجناحيه فيملأ الدنيا أنوارا. ويقول إن الدهر لا يقبل عليه ويضحك إلا إذا ضحك الكأس فى يده، ويزعم أن الهوى لا يطيب لمن يشرب الخمر غبوقا وهو شربها بالعشى حتى يكون له منها صبوح وهو شربها فى الصباح. ونقف عند نفر من شعراء الطبيعة واللهو. الوأواء (٢) الدمشقى هو محمد بن أحمد الغسانى المشهور ب الوأواء الدمشقى ، من أهل دمشق، ولد بها ونشأ، وكان ابنا لشخص من عامة الشعب. يدل على ذلك ما رواه الثعالبى فى اليتيمة من أنه لقبّ بالوأواء لأنه كان مناديا بسوق الفاكهة، أو كما كانوا يسمونها دار البطيخ، ينادى على الفواكه جلبا للمشترين. وقد ذكرنا مرارا فى حديثنا عن الشعراء أنهم-فى أغلب الأمر-كانوا من عامة الشعب وكانت لهم ملكات هيأتهم لنظمه بل للتفوق فيه. يلقانا ذلك فى بغداد وفى القاهرة وفى

стр. 3061

جميع بلدان العالم العربى. ومكّن لهم ذلك أن التعليم كان يعقد بالمساجد، وكانت دائما هى وحلقات الشيوخ مفتوحة للناشئة ينهلون منها كما يريدون، فكان من له استعداد حسن للتعلم من أبناء العامة ما يزال يتردد عليها حتى يحسن ما يريد من الفقه مثلا أو من رواية الشعر. ودائما كان يتخرج فى هذه الحلقات كثيرون شعراء وغير شعراء على نحو ما تخرج الوأواء المنادى على الفاكهة فى حلقات الشيوخ بمساجد دمشق. وليس بين أيدينا ولا فى ديوان الوأواء ما يوضح متى ولد. وأيضا ليس فى الديوان أخبار وأحداث تاريخية تصور حياته، وكل ما فيه أنه لزم شريفا من سادة دمشق ووجهائها يمدحه، وأنه أعطاه فى أول مدحة له عشرين دينارا، فأخذ يشتهر اسمه بين الشعراء. ومدحه بثلاث قصائد أخرى، دل فيها على شاعرية جيدة، ويذكرون أن اسم هذا الشريف العقيقى أحمد بن الحسين العلوى، فهو من أشراف العلويين وربما كان نقيبهم بدمشق. ويقول صاحب النجوم الزاهرة إنه كان جوادا ممدّحا، وكان على صلة بسيف الدولة فى أول إمارته لحلب فى العقد الرابع من القرن الرابع الهجرى. وربما كان هو الذى قدّم الوأواء إليه حين زار دمشق بين سنتى ٣٣٣ و ٣٣٤. وفى ديوانه ثلاث قصائد فى مديحه، ولذلك عدّ من شعرائه. ومن عطايا سيف الدولة والعقيقى أخذ الوأواء يعيش للشعر متكسبا به، وكانت فيه نزعة قوية للمتاع بالحياة، مما جعل أكثر شعره يدور حول محاور ثلاثة: الغزل والخمر ووصف الطبيعة، وكثيرا ما يمزج بينها جميعا مثل قوله فى الفصيدة الأولى من ديوانه: حاز الجمال بأسره فكأنما ... قسمت عليه محاسن الأشياء متبسّم عن لؤلؤ رطب حكى ... بردا تساقط من عقود سماء تغنى عن التفاح حمرة خدّه ... وتنوب ريقته عن الصّهباء فامزج بمائك نار كأسك واسقنى ... فلقد مزجت مدامعى بدمائى واشرب على زهر الرياض مدامة ... تنفى الهموم بعاجل السّراء لطفت فصارت من لطيف محلّها ... تجرى مجارى الروح فى الأعضاء والوأواء معروف بكثرة تصاويره فى أشعاره، فساقيته الخمر تبتسم عن أسنان لؤلؤية كأنها حبات برد تساقطت من عقود فى السماء، وحمرة خدها نضرة كحمرة التفاح، وريقها كأنه الصهباء أو الخمر. ويطلب إليها أن تمزج الخمر الحمراء بالماء كما امتزجت مدامعه بالدماء. ويقول لصاحبه اشرب على زهر الرياض الذكى الرائحة تلك الخمر التى تجلب السرور كما يقول، ويزعم

стр. 3062

أنها تجرى فى جسمه مجرى الروح فى الأعضاء. ومن قوله فى وصف الراح: وبنت كرم كأنها لهب ... تكاد منها الأكفّ تلتهب تلعب فى كأسها إذا مزجت ... كأنما يستفزّها طرب فى عرصة الكأس حين تمزجها ... سماء تبر نجومها ذهب وهو يتحدث عن الخمر باسم بنت الكرم، ويقول إنها حارّة كأنها لسان لهب، وإن الأكف فى زعمه تكاد تلتهب لشدة حرارتها. ويزعم أنها تلعب فى كأسها حين يمازجها الماء فيطفو حبابها وتضطرب بعض الاضطراب ويجعل للكأس عرصة أو ساحة ويقول إنها تشبه فيه-بزعمه سماء فضية من فتات التبر، نجومها-أى حبابها-ذهب. ويقول من قصيدة: اسقيانى ذبيحة الماء فى الكأ ... س وكفّا عن شرب ما تسقيانى إننى قد أمنت بالأمس إذ م ... تّ بها أن أموت موتا ثانى اسقنى القهوة التى تنبت الور ... د-إذا شئت-فى خدود الغوانى فى رياض تريك فى الليل منها ... سرجا من شقائق النّعمان كتبتها أيدى السحاب بأقلا ... م دموع على طروس المغانى وهو يتصور مزج الماء بالخمر إعدادا لشربها ذبحا، ويطلب إلى صاحبيه أن لا يسقياه الماء وإنما يسقيانه دم الخمر المسفوح. ويزعم أنه لا خوف عليه فقد أماته بالأمس ولن يموت ثانيا، ومثله من مدمنى الخمر يموتون مرارا. ويقول إن القهوة أى الخمر تضرّج خدود الغوانى بالخمرة فتصبح كالورد، ويقول إنه يحتسيها فى رياض تنير بها ليلا الورود المعروفة باسم شقائق النعمان. ويزعم أن أيدى السحاب كتبت تلك الشقائق بأقلام تستمد من محابر غريبة هى دموع العشاق التى استحالت دما قانيا وقد دوّنت على طروس، هى صحف المغانى أو الرياض. ودائما يعنى الوأواء فى شعره بالتصاوير والأخيلة، ومن أكبر الأدلة على ذلك بيته المشهور: فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد فقد استعار اللؤلؤ للدمع والنرجس للعين والورد للخد والعنّاب للأصابع والبرد للإنسان، وهى صور لا تحمل شعورا، فضلا عن وجد، غير أن معاصريه كانوا يعجبون بها عنده، وقد بنى الحريرى على هذا البيت نفسه مقامته الثانية. وذكر صاحب فوات الوفيات أنه بارح الدنيا فى عشر التسعين وثلاثمائة، وأكد أن كلمة التسعين مصحفة عن كلمة السبعين.

стр. 3063

ابن (١) قسيم الحموىّ هو مسلم بن الخضر بن قسيم التّنوخى الحموى، ولد ونشأ بحماة، ويقول العماد: «كان ثالث القيسرانى وابن منير بلغ إلى درجتهما. . وفاق شعرهما شعره، لكنه خانه عمره، وفلّ شبا (حدّ) شبابه، وحل شعوب (الموت) بشعابه، وذلك فى سنة نيف وأربعين وخمسمائة». والعماد يقول إنه توفى شابا ويبدو أن ميلاده لا يعدو العقد الأول من القرن السادس الهجرى كما يبدو أن موهبته الشعرية نضجت مبكرة، وسرعان ما عمد إلى التكسب بشعره فمدح صاحب حماة، وتطلع إلى الشهرة بين الشعراء وأحس من واجبه أن يسهم بشعره ضد حملة الصليب، وكان عماد الدين زنكى قد أخذ فى منازلتهم. وحدث أن خرج ملك الروم من القسطنطينية ومعه جيش كثيف سنة ٥٣٢ لغزو الشام واستولى على بزاغة وحاصر حصن شيزر بالقرب من حماة فاستغاث صاحبه سلطان ابن منقذ بزنكى فأسرع إليه فى عساكره، واضطر ملك الروم إلى الانسحاب، فغنم زنكى وعساكره من جيشه غنائم كثيرة سوى مجانيقه وآلات حصاره للحصن، ومدحه الشعراء وفى مقدمتهم ابن قسيم بقصيدة رائعة استهلها بقوله: بعزمك أيها الملك العظيم ... تذلّ لك الصعاب وتستقيم وكان ابن قسيم حينئذ فى ريعان شبابه، وطارت قصيدته كل مطار، وفى عام ٥٣٤ حاصر زنكى دمشق، وأعلن له أنر مدبر دولة أبناء طغتكين وقائد جيشهم دخول دمشق فى طاعته. وفى هذه الأثناء يفد ابن قسيم على دمشق ويمدح عماد الدين زنكى ويبدو أنه ظل بها مدة فإننا نراه يطارح شاعرها ابن منير مرارا، وأيضا فانه يمدح أنر مدبر دولة آبق بن محمد بن بورى، وكان زنكى قد ارتضى أن تظل بها أسرة طغتكين والقائم على دولتهم أنر. فاتصل به ابن قسيم ومدحه، وأسبغ عليه الجوائز كما أسبغها عليه من قبله زنكى، وله فيه مدحة أرخها العماد الأصبهانى بسنة ٥٤٢. ولا نرتاب فى أنه ظل متصلا بزنكى يمدحه وخاصة حين استولى على الرّها سنة ٥٣٩ وبمجرد أن توفى زنكى سنة ٥٤١ رجع جوسلين صاحب الرّها إليها بالاتفاق مع من بها من الأرمن، وأسرع إليه نور الدين فى عسكره، فهرب جوسلين. وافتتح نور الدين الرّها ثانية،

стр. 3064

وهنأه ابن قسيم بهذا الفتح المبين بقصيدة رائعة. وتوفّى الشاعر سريعا فى نفس السنة ويقول العماد الأصبهانى: إنه مات شابا. وقد استعرض العماد فى خريدته ديوان شعره واقتطف منه مختارات كثيرة، وهى تدور حول الغزل ووصف الطبيعة والخمر، ويبدو أنه كان يغرق فى اللهو والمجون، وإنه ليدعو بعض صحبه لمشاركته فيما يقترف منها بمثل قوله: خير ما أصبحت مخلوع العذار ... فانف عنك الهمّ بالكأس المدار قم بنا ننتهب اللذة فى ... ظلّ أيام الشباب المستعار إنما العار الذى تحذره ... أن ترانى من لباس العار عارى وسعيد من تقضّى عمره ... بين كاسات رضاب وعقار (١) فى اصطباح واغتباق واقترا ... ب واغتراب وانهتاك واستتار وهو يصرّح-ولا يخفى-بأنه يشرب الخمر المحرمة، غير آبه لما يجرّه عليه ذلك من عار بين أصحابه، إذ يجد فيها هناءته وسعادته، وهو لذلك يعكف عليها صباحا ومساء أو اصطباحا واغتباقا كما يقول، ويعكف عليها قارّا فى بلدته حماة ومغتربا فى دمشق وغير دمشق، وهو يشربها متواريا ومجاهرا بعصيان ربه منتهكا لحرماته. ومن قوله فى خمرية ثانية. باكرا شمس القنانى ... تدركا كلّ الأمانى وخذا فى لذّة العي ... ش على رغم الزمان قهوة ألبسها المز ... ج قميصا من جمان (٢) كخدود الورد من تح ... ت ثغور الأقحوان إنما البغية أن أص ... بح مخلوع العنان وهو يدعو إلى المتاع بالخمر، ويصورها بصور جميلة، إذا مزجت بالماء وكأنما لبست قميصا لؤلؤيّا. ويصورها فى حمرتها والماء آخذ بتلابيبها بثغور من الأقحوان الأبيض تعلوها خدود وردية. ولا يلبث أن يعلن فى أبيات تالية عصيانه لربه، فكل ما يبغيه أن يظل سادرا فى خلع عنانه-أو كما قال فى المقطوعة السابقة-فى خلع عذاره متهتكا ساجدا فى قبلة الكأس لتسبيح مثانى العود

стр. 3065

وأوتاره. وكأنه يعيد لنا صورة أو صورا من خمريات أبى نواس المتهتكة الخليعة المارقة. ولابن قسيم بجانب مجونه وغزلياته أشعار فى وصف الطبيعة وأشجارها وأزهارها وثمارها من ذلك قوله يصف رمّانة: ومحمرّة من بنات الغصو ... ن يمنعها ثقلها أن تميدا منكّسة التاج فى دستها ... تفوق الخدود وتحكى النّهودا تفضّ فتفترّ عن مبسم ... كأن به من عقيق عقودا كأن المقابل من حبّها ... ثغور تقبّل فيها خدودا وتصويره للرمانة بأنها منكّسة التاج فى دستها أو صدرها تصوير بديع لأنها تتهدل وتتدلى فى غصنها وعلى صدرها بقية نوّارها. ويتصور حباتها عقودا من عقيق، وكأنها تحمل بتلك الحبات وما يحيط بها من خيوط بيضاء ثغورا تقبل خدودا. وكان ابن قسيم شاعرا مجيدا، ومرّ بنا أنه كان يتشيع وأنشدنا له أبياتا من شعره الشيعى. مجير (١) الدين بن تميم هو مجير الدين محمد بن يعقوب المعروف بابن تميم، ولد بدمشق ونشأبها، وسال الشعر على لسانه وانتقل الى مدينة حماة وعمل فى جيش صاحبها الملك المنصور سيف الدين محمد (٦٤٢ - ٦٨٣ هـ) جنديا، إحساسا منه بفتوته وشجاعته، ويصور إقدامه وبسالته فى شعره قائلا: دعنى أخاطر فى الحروب بمهجتى ... إما أموت بها وإما أرزق فسواد عيشى لا أراه أبيضا ... إلا إذا احمرّ السّنان الأزرق وقرّبه منه الملك المنصور وأصبح له اختصاص به. ويقول صاحب فوات الوفيات: «هو فى التضمين الذى عاناه فضلاء المتأخرين (من الشعراء) آية، وفى صحة المعانى والذوق اللطيف غاية، لأنه يأخذ المعنى الأول ويحلّ تركيبه وينقله بألفاظه إلى معنى ثان، حتى كأن الناظم

стр. 3066

الأول، إنما اراد به المعنى الثانى وقد أكثر من ذلك حتى قال: أطالع كل ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيرى أضمّن كلّ بيت فيه معنى ... فشعرى نصفه من شعر غيرى ويقول أيضا صاحب الفوات فيه «كان جنديا محتشما شجاعا مطبوعا كريم الأخلاق بديع النظم رقيقه لطيف التخيل» ويقول صاحب النجوم الزاهرة: «كان من الشعراء المعدودين». ولا نعرف تاريخ مولده، أما وفاته فكانت سنة ٦٨٤ للهجرة. ومجير الدين بن تميم من أصحاب المقطّعات الطريفة فى الغزل والطبيعة والخمر، ولا يبارى فى ابتكار الصور والأخيلة وحشد التوريات فى مقطعاته، مع الظرف وخفة الروح والتعليلات الحسنة، ونقتطف بعض أمثلة من أشعاره، من ذلك قوله فى الساقية والطبيعة من حولها: تأمّل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعهما بين الرياض غزير كأن نسيم الروض قد ضاع منهما ... فأصبح ذا يبكى وذاك يدور ولكلمة «ضاع» معنيان: معنى سطوع الرائحة الطيبة التى يحملها النسيم عن الأزهار، ومعنى الفقد والهلاك، وبذلك تمت لابن تميم التورية التى يريدها من استخدامه للكلمة، وقد أراد المعنى الثانى. ويقول مفاخرا بين الأرض والسماء: يا جاعل الأفق مثل الأرض حجّته ... بالشمس إذ بزغت والبدر حين وضح كم من شموس وأقمار إذا سرحت ... فى الأرض طرت إليها خفّة وفرح ولا تقل: قزح فى الجوّ زيّنه ... فى كل غصن ترى فى الأرض قوس قزح فهو يعارض من يعلى السماء على الأرض بحجة بزوغ الشمس والقمر فيها قائلا إن فى الأرض شموسا وأقمارا من النساء والفتيات أجمل وأكثر حسنا. ويقول لصاحب السماء: لا تحتج بجمال قوس قزح، فأغصان الرياض فى الطبيعة تحمل ما لا يحصى من أقواس قزح نضرة أرجة. ويقول: سبقت إليك من الحديقة وردة ... وافتك قبل أوانها تطفيلا طمعت بلثمك إذ رأتك فجمّعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا

стр. 3067

وهى وردة فى بدء تفتحها وهى لا تزال فى كمّها، مما جعله يعلل تجمعها قبل أن تتفتح هذا التعليل البديع الدالّ على لطف تخيله كما قال صاحب فوات الوفيات. ويقول فى وصف ناعورة أو ساقية: ناعورة مذ ضاع منها قلبها ... ناحت عليه بأنّة وبكاء وتعلّلت بلقائه فلأجل ذا ... جعلت تدير عيونها فى الماء فقواديسها لا تهوى فارغة طلبا للماء والصعود به، وإنما تهوى بحثا عن قلبها الذى ضاع منها، وجعل لحونها الحزينة أنينا وبكاء عليه. ويقول: لم لا أميل إلى الرّياض وزهرها ... وأقيم منها تحت ظلّ ضافى والغصن يلقانى بثغر باسم ... والماء يلقانى بقلب صافى والثغر الباسم هو الأقحوان المتفتح والشعراء يشبهونه بالثغر كثيرا، وفى البيتين رقة ودقة حس وخفة روح. وقد يخلط الطبيعة بالغزل كما فى قوله: كيف السبيل لأن أقبّل خدّ من ... أهوى وقد نامت عيون الحرّس وأصابع المنثور تومى نحونا ... حسدا وتغمزها عيون النّرجس والمنثور زهر ذكى يزهو فى أعلى سيقانه، شبهه ابن تميم بالأصابع، وتشبيه الشعراء للنرجس بالعيون قديم. وقد استغلهما جميعا فى هذا التعليل، إذ لا يستطيع الاقتراب من صاحبته. ويقول فى الخمر مداعبا: روحى الفداء لمن أدار بلحظه ... صهباء فى عقلى لها تأثير فاعجب له أنّى يصون بلحظه ... مشمولة وإناؤها مكسور وكلمة «مكسور» إما من كسر الإناء بمعنى تهشمه وتحطمه، وإما كسر ما فيه من الخمر بالماء وهو كسر حميّاها وثورته، وهو المعنى المراد فى البيت. ويقول أيضا فى الخمر: وليلة بتّ أسقى فى غياهبها ... راحا تسلّ شبابى من يد الهرم مازلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظّلم

стр. 3068

ويريد بالغزالة الشمس وبنرجس الظلم النجوم. ولم يكن ماجنا مثل ابن قسيم، ولا ندرى هل كان يشرب الخمر حقا أو كان ينظم فيها محاكاة لمدمنيها تظرفا. ومن طرائفه فى الرياض قوله بعث النسيم رسالة بقدومه ... للروض فهو بقربه فرحان ولطيب ما قرأ الهزار بشدوه ... مضمونها مالت له الأغصان والهزار: طائر حسن الصوت يشتهر بلحونه الكثيرة. وواضح ما فى ميل الأغصان لسماع شدو الهزار من عنصر المفاجأة، وكل مقطوعات تميم تقوم على هذا العنصر وما يحدث فى النفس من هزة الارتياح والسرور لسماع مثل هذه المفاجآت الكثيرة عنده، وقد أنشد منها صاحبا الفوات والخزانه بدائع كثيرة. ابن (١) النقيب هو عبد الرحمن بن محمد الحسينى الملقب ب ابن النقيب ، ولد فى دمشق سنة ١٠٤٨ للهجرة لأبيه النقيب الشريف، وعنى بتربيته، فحفظ القرآن الكريم، واختلف إلى شيوخ أيامه بالإضافة إلى أبيه وما كان يلقنه من اللغة والحديث. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، واتجه بها إلى وصف الطبيعة ومجالس الأنس والغزل مع الإلمام بالمديح، ولم يكن فى حاجة إلى تكسب به، ولذلك يمكن أن تعد مدائحه فى باب الإخوانيات، وهى ليست الجوهر فى ديوانه المنشور، إنما الجوهر فتنته بالطبيعة الدمشقية ومتنزهاتها وبجمال الدمشقيات ووصف الراح من خلال الطبيعة الفاتنة. ويقول المحبى «ما أذكره له تشبيه زهر (حسان) أو زهر، أو وصف روض مطلّ على نهر، وهو ممن أغرى بهذين النوعين، وذلك أما لميل غريزى فى فطرته، أو لأن دمشق متروّح فكرته». ولم يطل به الدهر بين هذه المفاتن التى كانت تخلب لبه. فقد توفى فى الثالثة والثلاثين من عمره سنة ١٠٨١ للهجرة. ومن قوله فى نهر وروض على حافتيه: النّهر يصدا بهاتيك الظلال كما ... يصدا من الغمد حدّ الصارم الذّكر والزّهر يفرش فى شطّيه ما رقمت ... فيها السحائب من ريط ومن حبر ربيعة الوشى لا ينفكّ زبرجها ... يجلو لنا من حلاها أحسن الصّور (٢)

стр. 3069

ويشبه الشعراء الأنهار الضيقة والجداول بالسيوف لشدة لمعانها. وقد جعل ابن النقيب النهر يصدأ كما تصدأ السيوف، أما هى فتصدأ بأغمادها، وهو يصدأ بظلال الأشجار من حوله، والزهر يفرش فى شطيه ما رقمت أو نقشت فيهما السحائب من ريط وحبر أو ملاءات مخططة وحريرية ذات وشى ربيعى لا يزال زبرجه ونقشه يجلو من حلى الطبيعة وجواهرها أجمل الصور. . ويذكر مجلسا من مجالس أنسه فى بعض متنزهات دمشق قائلا: ومجلس حفّت الغصون بنا ... فيه ووجه الرياض مبتهج كأن أوراقها يرفّ بها ... فوق النّدامى نسيمها الأرج خضر من الأزر لا تزال بها ... مناكب الراقصات تختلج وهى صورة بديعة، إذ يجعل أوراق الاغصان-حين يرفّ نسيمها فوق الندامى-كأنها أزر أو شيلان تظلّ مناكب الراقصات المختلجة المتحركة فى أثناء رقصها ودورانها فيها. ويقول فى بدر يلوح ويحتجب من خلال أغصان: كأنما الأغصان يثنيها الصّبا ... والبدر من خلل يلوح ويحجب حسناء قد عامت وأرخت شعرها ... فى لجّة والموج فيها يلعب والصورة أيضا بديعة، فالبدر وهو يظهر ويغيب من خلال الأشجار كحسناء فى لجّة مرخية ذوائب شعرها وموج أضوائها من حولها يلعب فى فضاء الطبيعة الساحرة. وكان مغرى بوصف زهرة القرنفل، يصفها بيضاء وحمراء وبيضاء مشربة بحمرة كقوله: وزهر قرنفل فى الروض يحكى ... عقيق دم على صفحات ماء رأى وجنات من أهوى فأغضى ... فبان بوجهه أثر الحياء فاحمرار القرنفل إنما هو حياء وخفر منه حين رأى وجنات صاحبته، فأغضى عينيه وقارب بين جفونه استحياء. وله وراء شعر الطبيعة واللهو والمجون موشحات مختلفة منها ما عارض به لسان الدين بن الخطيب فى موشحته: «جادك الغيث إذا الغيث همى». وله أيضا شعر دورى تتألف المنظومة منه بيتين بيتين. وبدون ريب كان شاعرا بارعا، وحقا ما يقوله المحبى من أنه كان يتخيل التخيلات البعيدة البديعة فى التشابيه العجيبة».

стр. 3070

[٥ - ] شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية الشام من قديم دار عبادة ونسك وتقشف، وبها كان مهبط ديانتين: الديانة اليهودية والمسيحية، ومر بنا فى الفصل الأول استعراض لنسّاكها الأولين ورفضهم للمتاع الدنيوى وإقبالهم على ما عند الله من ثواب الآخره. وحين قام نظام الرهبنة فى المسيحية شاعت فيها الأديرة وشاع فيها النسك. وتعمها أضواء الإسلام، وتشيع فيها تعاليمه الزاهدة وينزلها كثيرون من زهاد الصحابة وأتقيائهم النساك وتشيع فيها التقوى، وتصبح ساحة كبرى من ساحات العبادة، كما تصبح مباءة لكثيرين من صلحاء الأمة، وتتطاير على ألسنتهم كلمات زاهدة تقية كثيرة، عرضنا لأطراف منها فى غير هذا الموضع، وطبيعى أن يجد ذلك صداه فى الشعر والشعراء الشاميين. ويلقانا فى ديوان أبى تمام باب للزهد، ويظل الشعراء بعده ينظمون فيه كقول أبى فراس (١): أما يردع الموت أهل النّهى ... ويمنع عن غيّه من غوى فيا لاهيا آمنا والحمام ... إليه سريع قريب المدى إذا ما مررت بأهل القبور ... تيقّنت أنك منهم غدا فلا أمل غير عفو الإله ... ولا عمل غير ما قد مضى وأبو فراس يقول: الموت خير واعظ للإنسان وإنه لجدير أن يردع الغوىّ عن غيّه ويرده إلى رشده، ويعجب من لاه آمن على نفسه ولا يفكر فى هول ما ينتظره من موت يوشك أن ينزل به، وغدا يطير إلى رمسه، ولا أمل له سوى عفو ربه فحرىّ به أن يكفّ عن كل موبقة ويأخذ من يوم حياته ليوم مماته، وإنه لقريب. ويتعمق أبو العلاء التفكير فى الحياة والموت نهاية كل حى وينشد (٢): هى النّفس تهوى الرّحب فى كل موطن ... فكيف بها إن ضاق فى الأرض قبرها وهل يرتجى خضر الملابس ظاعن ... وقد مزّقت فى باطن التّرب غبرها نوائب ألقت فى النفوس جرائحا ... عصى كلّ آس فى البريّة سبرها لى القوت فليغمر سرنديب حظّها ... من الدّرّ أو يكثر بغانة تبرها

стр. 3071

وأبو العلاء يضع أمام الإنسان مصيره وأنه لا بد مفارق للدنيا الرحبة الواسعة إلى القبر الضيق المظلم. وربما كان يكنى عن كل متاع الحياة بخضر الثياب يلبسها ظاعن راحل عن دنياه إلى قبر موحش تغبّر فيه هذه الثياب وتمزّق تمزيقا. ويقول تلك نوائب تصيب النفوس فى الصميم وتحدث فيها جراحا عميقة يستعصى سبرها ومعرفة غورها على كل طبيب، ويذكر أنه لا يفكر فى طيبات الحياة ولا تمر بخاطره، إذ هو قانع بقوته وما يسدّ رمقه، ولتمتلئ سرنديب-أو كما تسمى الآن سيلان-بمغاوص لآلئها من الدرر وليكثر بغانة فى غربىّ إفريقيا التبر كما يقولون، فحسبى قوتى. ومرّ بنا أنه كان زاهدا فى الدنيا ونعيمها، مكتفيا بالعدس والتين. ومر بنا أيضا أن ديوانه اللزوميات فى مجلدين، وقد بناه على تمجيد الله والتحذير من الدنيا ومتاعها الزائل كما قال فى مقدمته. ويقول ابن سنان الخفاجى (١): استغفر الله القديم وعذ به ... من شرّ غاو فى الحطام منافس وافعل جميلا لا يضيع صنيعه ... واسمح بقوتك للضعيف البائس واقنع ففى عيش القناعة نعمة ... لا تتقى كفّ الزمان الخالس لا تفخرنّ وإن فعلت فبالتّقى ... ناضل وفى بذل المكارم نافس وهو يستغفر الله من شر كل غاو منافس فى حطام الدنيا ومتاعها الزائل، ويوصى بفعل الجميل ومدّ اليد بالقوت للبائس الفقير. ويوصى أيضا بالقناعة ويقول إنها نعمة لأن الإنسان معها لا يخاف على شئ يختلسه منه الزمن، ويوصيه أن لا يفتخر إلا بالتقى ولا ينافس إلا فى المكارم والمحامد. ويقول الحسن بن طارق الحلبى من شعراء الخريدة (٢): عمرت دار فناء لا بقاء لها ... ظنّا بأنك عنها غير منتقل أتعبت نفسك لا الدنيا ظفرت بها ... وأنت لا شكّ فى الأخرى على وجل دار الإقامة أولى بالعمارة من ... دار نعيمك فيها غير متصل فاعمل لنفسك ما ترجو النجاة به ... فليس ينجيك إلا صالح العمل وهو يزهّد فى الدنيا والعمل على تحقيق المآرب فيها مع نسيان الآخرة دار الإقامة الحقيقية التى ينبغى أن يعمل لها الإنسان، وهى حقا الأجدر بأن يقدم لها كل ما يستطيع من تقوى وعمل صالح حتى يفوز برضوان ربه.

стр. 3072

ويقول الإمام النووى الفقيه الشافعى المتوفى سنة ٦٧٦ للهجرة (١). وجدت القناعة أصل الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك فلاذا يرانى على بابه ... ولاذا يرانى به منهمك وعشت غنيّا بلا درهم ... أمرّ على الناس شبه الملك وكان محيى الدين النووى إماما ورعا زاهدا مثابرا على التقوى والقناعة، فلا أحد من الحكام-كما يقول-يراه على بابه طالبا حاجة، ولا أحد يراه مشغولا به منهمكا، فانهماكه إنما هو فى العبادة والتهجد والنسك وفتوى الناس فى أمور دينهم وتدريس الفقه والحديث النبوى آخذا نفسه فى حياته بالتقشف الشديد. ويقول مصطفى البابى الذى مرت ترجمته: إن الأرض مقبرة كبرى تطؤها أقدامنا غير واعين، بل إنه يبعد فى خياله قائلا. قد غنينا عن الدروس بما تم ... لى علينا صحائف الأيام من عظات تتلى بغير لسان ... وسطور خطّت بلا أقلام ولو أنّ العيون زال غشاها ... لرأت كلّ أخمص فوق هام (٢) بل وفى كل وردة ألف خدّ ... وقضيب يميس ألف قوام فالحياة قصيرة والمصير للجميع الموت، وحرى بالإنسان أن يفكر فى هذا المصير المقدم عليه، وكم ملايين بل مئات الملايين ماتوا وواراهم أهلهم التراب، حتى لكأن أى مكان لا يخلو منهم، وحتى لكأننا نطؤهم بأقدامنا، فهم منبثون فى كل بقعة وفى كل مكان. ويقول البابى لوزالت الغشاوة عن أعيننا لرأينا-ويالهول ما نرى-أقداما تطأ رءوسا، ولها لنا أن الورد النابت من الأرض يستمد حمرته من ألف خد، وبالمثل قضيب الأغصان الأهيف المائس المختال يستمد اختياله من ألف قدّ. ويلاحظ المحبى أن المشهور فى هذا المعنى قول أبى العلاء. خفّف الوطء ما أظنّ أديم ال ... أرض إلا من هذه الأجساد

стр. 3073

وقول مهيار: رويدا بأخفاف المطىّ فإنما ... تداس جباه فى الثّرى وخدود وكأن البابى نظر إلى معنى البيتين جميعا، ويضيف المحبى أن منزع هذا كله قول المتنبى: ويدفن بعضنا بعضا ويمشى ... أواخرنا على هام الأوالى والأوالى: الأوائل. ولا يكتفى المحبى بذلك، بل يقول أن معنى بيتى البابى دقيق، وفى رباعيات عمر الخيام بالفارسية من نوعه أشياء كثيرة، وبذكر أنه ترجم له رباعية تحمل هذا المعنى على هذه الصورة: فى الاعتبار بمن مضى من قبلنا ... عبر وتلك هداية المسترشد فلكم طوت ترباؤنا أمما وهل ... ميت بغير ثرائها لم يلحد حتى كأن شقيقها دم أسرة ... سفكت دماءهم عيون الخرّد وبنفسج الروض الندىّ كأنه ... خيلان وجنات الخدود الورّد فالشقيق الأحمر القانى يستمد مما سفكته عيون الجميلات من دماء العشاق، والبنفسج الأحمر القاتم يستمد من خيلان وجناتهن. وكل ذلك بعد فى التصور والخيال. وكان يرافق الزهد منذ القرن الثالث الهجرى نساك-كما مر بنا فى الفصل الأول-أقرب إلى المتصوفة منهم إلى الزهاد فى مقدمتهم ابن الجلاّء، وكانت الشام ساحة كبرى للنساك يؤمونها. طوال هذا القرن والقرون التالية من العراق وإيران ومصر. واشتهرت جبال لبنان وأنطاكية بكثرة من كانوا يقيمون بها للنسك والعبادة، وامتد ذلك إلى دمشق وجبالها وغيرها من بلاد الشام. وذكرنا فى الفصل الأول نزول الغزالى بها سنة ٤٨٨ وأنه أخذ يستضئ بقوة بما كتبه أبو نصر السراج والقشيرى فى الوصل بين أهل الشريعة من الفقهاء وأهل الحقيقة من المتصوفة، فلا شريعة بدون عمل القلب وصدق السريرة ولا تصوف بدون أداء الفرائض والنوافل. وبذلك سدّ الثلمة التى كانت تفصل بين الجماعتين وأحكم الروابط الدينية بينهما. وزادها دعما نزول حملة الصليب بديار الشام مما جعل حكام دمشق التابعين للدولة السلجوقية يكثرون من بناء الخانقاهات والرباطات للمتصوفة. وتبعهم فى ذلك نور الدين حين أصبحت الشام فى قبضته، بل لقد اتسع فى العناية بهم ورصد النفقات عليهم. وظلت هذه العناية متصلة فى عهد صلاح الدين وخلفائه

стр. 3074

الأيوبيين والمماليك مما أتاح للتصوف ازدهارا عظيما. وكان قد أخذ يظهر فى التصوف تياران كبيران: تيار سنى كانت تتبعه جماهير الشعب، وفيه تأسست طرق صوفية متعددة، من أهمها الطريقتان القادرية والرفاعية على نحو ما صورنا ذلك فى غير هذا الموضع. وكان بجانب هذا التيار تيار فلسفى يقوم على أفكار الحلول والاتحاد بالله، ولم تكن له شعبية التيار الأول، وقد مثّله فى القرن السادس الهجرى يحيى السهروردى الذى ترجمنا له فى إيران وأنشدنا بعض أشعاره. ومثّل هذا التيار فى القرن السابع محيى الدين بن عربى الذى نشأ فى الأندلس، ثم رحل إلى البلاد العربية والأناضول وألقى عصاه فى دمشق، وله كتب كثيرة من أهمها الفتوحات المكية. وله أيضا دواوين بديعة، لأبياتها ظاهر وباطن، ظاهر يتفق مع السنة وباطن يتفق مع تصوفه الفلسفى. وشغف كثيرون من أهل الشام بأدبه وشعره منهم من يقف به عند ظاهره ومنهم من يتغلغل فى أعماقه. وأخذت أشعاره وتعاليمه الصوفية الفلسفية، وبالمثل أشعار السهروردى وأيضا أشعار ابن الحلاج الصوفى المتفلسف القديم تؤثر هى وأشعار التيار الصوفى السنى فى كثيرين بحيث أصبح للشام تراث صوفى شعرى. وبدون ريب أكد هذه النزعة الصوفية فى الناس ظهور الطريقة القلندرية التى ظهرت فى القرن السابع الهجرى مع ما داخلها من انحرافات ذكرناها فى الفصل الأول، وأيضا ظهور الطريقتين النقشبندية والبكتاشية لأواخر زمن المماليك. وسنترجم فيما بعد لثلاثة من شعراء الصوفية الذين تمثلوا التيار الصوفى الفلسفى، وهم ابن سوار وعفيف الدين التلمسانى وعبد الغنى النابلسى، أما ابن عربى فعداده فى الأندلسيين، وقد نزل دمشق بأخرة من عمره. وكان يقترن بنزعتى التصوف والزهد مديح نبوى كثير، وهو قديم منذ عهد الرسول ﷺ ومديح حسان بن ثابت وكعب بن زهير وغيرهما من الشعراء له تنويها بخلقه الكريم ورسالته العظمى وجهاده فى سبيل الله وفتوحه. وحين نشطت الحركات الشيعية نشط معها مديحه، إذ انبثّ كثير منه فى مدائحهم لأئمتهم العلويين وفى مراثيهم للحسين على نحو ما نجد عند الصنوبرى الذى ترجمنا له فى كتاب العصر العباسى الثانى. . ولأبى العلاء فى اللزوميات قصيدة فى مديحه، وفيها يشيد به وبرسالته النبوية الخالدة قائلا: دعاكم إلى خير الأمور محمد ... وليس العوالى فى القنا كالسوافل حداكم على تعظيم من خلق الضّحى ... وشهب الدّجى من طالعات وآفل فصلّى عليه الله ما ذرّ شارق ... وما فتّ مسكا ذكره فى المحافل

стр. 3075

وعوالى القنا أو الرماح هى الماضية القاطعة، ويذكر أنه دعا إلى توحيد الله الذى خلق الشمس وما تغمر به الكون من الضياء وخلق النجوم التى تبزغ تارة وتأفل تارة ثانية، فهو مدبر الكون وملكوته. ويدعو الله أن يحفّه ببركاته ما طلعت شمس وما عطر ذكره المحافل بمسك لا يضاهيه مسك. ويحتدم المديح النبوى مع الحروب الصليبية وحروب التتار، إذ أحسّ الشعراء-بحق-أنها حروب موجهة للإسلام ورسوله الكريم، فأخذوا يشيدون به وينوهون بمعجزاته وسيرته الذكية من مثل قول ابن الساعاتى شاعر صلاح الدين فى مدحة نبوية (١): هو البشير النذير العدل شاهده ... وللشهادة تجريح وتعديل لولاه لم تك لا شمس ولا قمر ... ولا الفرات وجاراه ولا النّيل مرتّل الوحى يتلوه ويدرسه ... ولم يكن لكلام الله ترتيل وسيّد الرّسل حقا لا خفاء به ... وشافع فى جميع الناس مقبول بثّت نبوّته الأخبار إذ نطقت ... فحدّثت عنه توراة وإنجيل ويقول ابن الساعاتى هو البشير النذير الذى أشاع العدل فى أمته، ويستلهم القائلين بالحقيقة المحمدية وأن الرسول ﵇ علة الكون ووجوده، فلولاه لم تك شمس ولا قمر ولا حياة فى الأرض ولا أنهار، ويقول إنه أول رسول رتّل الكلام، وإنه لسيد الخلق وشافع أمته يوم القيامة، وبه تحدثت الأخبار فى التوراة والإنجيل مبشرة برسالته العظمى. ويقول فتيان الشاغورى من مدحة نبوية مؤملا شفاعته فى يوم الحشر متمنيا زيارته (٢): أؤمّل من خير الأنام شفاعة ... بها فى نعيم بالجنان أخلّد وددت بأنى زرت قبرك راجلا ... وقبّلت تربا أنت فيها موسّد ومرّغت خدّى عند قبرك ضارعا ... بأرض حصاها لؤلؤ وزبرجد وذاك ضريح يحسد المسك تربه ... وكلّ شريف القدر لا شك يحسد وهو يؤمّل فى شفاعة الرسول بالغفران ودخول الجنان، يوم يطول وقوف الناس ف المحشر، ويقول لو استطاع لزار القبر راجلا وقبّله وعفّر خدّه بما حوله من التراب ضارعا متوسلا بأرض

стр. 3076

حصاها لؤلؤ وزبرجد وإن المسك ليحسد ترابه على ما يحمل من طيب لا يماثله طيب. وللسخاوى على بن محمد شيخ القراء بدمشق المتوفى سنة ٦٤٣ قصائد سبع فى المديح النبوى. وفى مدحة نبوية يقول الشاب الظريف منوها بالبقعة مثوى الرسول الكريم (١): أرض الأحبّة من سفح ومن كثب ... سقاك منهمر الأنواء من كثب يا ساكنى طيبة الفيحاء هل زمن ... يدنى المحبّ لنيل الحبّ والأرب أرض مع الله عين الشمس تحرسها ... فإن تغب حرستها أعين الشّهب وهو يدعو لأرض الحبيب المصطفى أن تهطل عليها الأمطار سفوحا وكثبانا من كثب أو قرب لتظل تزهر بالشذى العطر، ويتمنى زمنا يحقق أربه وأمنيته من زيارة الجدث الطاهر. ويقول إن عين الشمس تحرسه نهارا وتحرسه أعين النجوم الساطعة ليلا حراسة يرعاها الله جلّ علاه. وللشهاب محمود ديوان فى مديح الرسول ﷺ سقط من يد الزمن واحتفظ كتاب المدائح النبهانية النبوية لإسماعيل النبهانى بطائفة من مدائحه، وفى إحداها يصور الشهاب محمود ساعة وصول ركبه إلى المدينة المنورة حين بدا لهم العقيق فى غربيها ولم يلبثو أن زاروا القبر الزّكىّ، يقول (٢): وإذا شارفوا العقيق تراءت ... من رباه سنا القباب الزّهر وتلقّاهم بشير التلاقى ... بقبول تسرى قبيل الفجر وشذا الروضة التى بين أزكى ... منبر فى الدّنا وأشرف قبر حبذا ذاك من مقام كريم ... يشترى يومه بكلّ العمر وهو يصور فرحة ركبه أو قافلته بقرب لقاء الرسول حين أشرفوا على العقيق ورأوا قباب مسجده قبيل الفجر. والقبول أو ريح الصبا العليل تبشرهم بالتلاقى وعطر الروضة النبوية يفوح، وهو يشير إلى الحديث النبوى: «ما بين قبرى والمنبر روضة من رياض الجنة» ويقول إن فرحة المثول أمام القبر الطاهر يشترى يومها بالعمر كله. ولكمال الدين محمد بن على الزّملكانى المتوفى سنة ٧٢٧ للهجرة مدحة نبوية رائعة يقول فيها (٣):

стр. 3077

محمد خير خلق الله كلّهم ... وفاتح الخير ما حى كلّ إشراك قد نال مرتبة ما نالها أحد ... من أنبياء ذوى فضل وأملاك يا صاحب الجاه عند الله خالقه ... ما ردّ جاهك إلا كلّ أفّاك ها قد قصدتك أشكو بعض ما صنعت ... بى الذنوب وهذا ملجأ الشاكى عليك من ربّك الله الصلاة كما ... منا عليك السلام الطّيب الزّاكى والزملكانى يقرر حقيقة كبرى، فمحمد ﵇ خير خلق الله وما حى الكفر والإشراك وقد نال مرتبة لم ينلها الأنبياء ولا الأملاك أو الملائكة. ويتوسل إليه أن يستغفر له ربه وأن يحط عنه أوزاره كما يتبين من أبيات تالية، وقد زاره وحط رحاله فى حماه لنوال هذا الأمل المنشود. وتكثر مثل هذه الاستغاثة فى المدائح النبوية كما يكثر معها طلب الشفاعة. ويقول مصطفى البابى من مدحة نبوية بديعة (١): إليك رسول الله قد جاء ضارعا ... أخو عثرة يرجو الإقالة مذنب فبابك باب الله ما عنه مهرب ... وطالبه من غير بابك يحجب أغثنى تداركنى أجرنى فإننى ... لقى إن تراخى عنه لطفك يعطب وأبعد شئ أن تضيق برحبها ... شفاعتك العظمى بنا فهى أرحب وهو يضرع إلى الرسول الكريم أن يستغفر له ربه ليقيله ويخلصه من ذنوبه، ويستغيث به لائذا أن يكون شفيعه يوم القيامة، يوم يطول وقوف الناس فى المحشر، والجميع يضرعون إلى الله أن يخلصهم وينجيهم من النار، وسعيد من يشفع له الرسول فى هذا اليوم، فيفوز برضوان ربه. وللبابى يتوسل (٢): يا حىّ يا قيّوم قد ... بهر العقول سنا بهائك إنى سألتك بالذى ... جمع القلوب على ولائك نور الوجود خلاصة ال ... كونين صفوة أنبيائك إلا نظرت لمستغي ... ث عائذ بك من بلائك فالطف به فيما جرى ... فى طىّ علمك من قضائك

стр. 3078

والبابى يجأر إلى ربه ضارعا متوسلا برسوله الذى جمع أمته على الولاء له، ويقول إنه نور الوجود، فنوره يشاهد فى كل نور: فى نور الشمس والقمر والكواكب والنجوم وهو خلاصة الكونين وصفوة الأنبياء والمرسلين، ويتخذه وسيلة إلى ربه وشفيعه، حتى يلطف به فى قضائه وما جرى فى طى علمه. وحرى أن نترجم لنفر من المتصوفة وأحد شعراء الزهد والمديح النبوى وهو أول من نقف عنده. عبد (١) العزيز الأنصارى هو شرف الدين الصاحب عبد العزيز بن محمد بن يونس الأوسى الأنصارى، كان أبوه من فقهاء دمشق، وحين عهد بقضائها فى عهد صلاح الدين إلى ضياء الدين الشهرزورى سنة ٥٧٢ جعله من نوابه. ودار العام فاستعفى ضياء الدين من القيام على القضاء، ولا نعرف هل ترك والد الشاعر القضاء أو أنه ظل يعل فيه مع ابن أبى عصرون خليفة ضياء الدين. وأكبر الظن أنه بقى فى منصبه مدة، أو لعله عمل فى منصب آخر. ويقولون إنه كان يشتغل بالتجارة فى سوق الخوّاصين ولا ندرى هل كان يجمع بين عمله فى القضاء وبين التجارة أو كان يزاولها حين يعفى منه. وولد له ابنه عبد العزيز سنة ٥٨٦ وطبيعى أن يعنى القاضى بتربية ابنه، فأخذ يرعاه حتى حفظ القرآن الكريم ورأى أن يتزود من حلقات الشيوخ بدمشق فدفعه إليها وأكبّ عبد العزيز على تلك الحلقات ينهل منها، حتى إذا أحس أبوه أنه استوعب ما فيها نزل به بغداد فاستمع بها إل شيخ المدرسة النظامية، وكان لا يزال فى نحو العشرين من عمره. وسكن الأب حماة وتولى قضاءها لعهد صاحبها السلطان المنصور الأول (٥٨٧ - ٦١٧ هـ) وسكنها معه ابنه عبد العزيز، ويقربه منه المنصور وينظم فيه بعض مدائحه وكذلك فى زوجته عصمة الدين، ويتوفى المنصور ويغتصب إمارة حماة بعده السلطان قلج أرسلان (٦١٧ - ٦٢٦ هـ) ويظل بها عبد العزيز. وتولى الإمارة السلطان المظفر بن المنصور الأول (٦٢٦ - ٦٤٢) فابتسمت الدنيا له إذ اتخذه المظفر وزيره ومستشاره وشاعره، ويتوفى ويخلفه ابنه السلطان المنصور (٦٤٢ - ٦٨٣ هـ) وكان صبيا فى العاشرة

стр. 3079

من عمره وريما يكون سكن الشاعر لبعلبك ودمشق الذى ذكره مترجموه فى هذا التاريخ. وكان يلمّ بحلب، ونجده سنة ٦٤٧ فى صحبة أميرها الناصر يوسف فى زيارته لمصر. ويعود إلى حماة وتنعقد صلة وثيقة بينه وبين سلطانها المنصور إلى توفى سنة ٦٦٢ للهجرة. وكانت تعقد فى هذه البلدان جميعا لعبد العزيز الأنصارى الحلقات لسماع الحديث عنه، وممن سمعه منه الحافظ الدمياطى محدث مصر واليونينى محدث دمشق، ويقول ابن تغرى برى عنه: «برع فى الفقه والحديث والأدب وأفتى ودرس وتقدم عند الملوك وترسّل عنهم غير مرة، وكان شاعرا بارعا» وينقل صاحب الفوات عن الصفدى فى وصف شعره وشاعريته قوله: «لا أعرف فى شعراء الشام بعد سنة خمسمائة وقبلها من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح ولا أصنع ولا أسرى ولا أكثر، وإن له فى لزوم ما لا يلزم ديوانا كبيرا، وما رأيت له شعرا إلا وعلقته، لما فيه من النكت والتوريات الفائقة والقوافى المتمكنة والتركيب العذب واللفظ الفصيح والمعنى البليغ» وهو يمتاز بجمال موسيقاه وعذوبة ألفاظه وحسن جرسها حسنا بديعا. وطبيعى والأنصارى شيخ الشيوخ الفقيه المحدث أن يعنى فى شعره بالمديح النبوى والزهد والوعظ، ومن قوله فى أول مدحة نظمها للرسول الكريم وقد أنشدها تجاه حجرته الشريفة: يا خاتم الرّسل الكرام وفارج ال ... كرب العظام بفعله والمقول ها قد وردنا من ضريحك موردا ... نشفى به من كل داء معضل أدعوك للجلّى وتلك شفاعة ... لم ترض لى أنى أخاف وأنت لى ولقد أتيتك مادحا لتجيزنى ... فى الحشر كاسات الرّحيق السّلسل وهو يستغيث بالرسول الكريم ﷺ خاتم الرسل ومفرّج الكرب الذى ورد على جدثه الطاهر ومعينه العاطر الذى يشفى من كل داء عضال أن يكون شفيعا له يوم الحشر وأن يتيح له فيه-حين يشتد بالناس أوار العطش ولهيبه-كاسات من الرحيق الصافى. ويقول فى مدحة نبوية ثانية: ويلاى؟ ؟ ؟ من نومى المشرّد ... وآه من شملى المبدّد غصن نقا حلّ عقد صبرى ... بلين خصر يكاد يعقد فمن رأى ذلك الوشاح ال ... صّائم صلّى على محمّد

стр. 3080

أشرف من فى النهار ناجى ... وخير من فى الدّجى تهجّد وغير بدع لمستجير ... به إذا نال كلّ مقصد وموسيقى الأبيات بديعة. وقد تخلص تخلصا رائعا من الغزل إلى مديح المصطفى بذكر وشاح صاحبته الصائم كناية عن نحول خصرها مع لينه، فمن رآها-كما يقول-صلّى على الرسول إعجابا بها واستحسانا لها، ومضى يذكر مناجاة الرسول نهارا وتهجده ليلا وأن من يستجير به ينال كل مأمول ومطلب. وله مدحة عارض بها مدحة كعب بن زهير للرسول مقتبسا منها الشطور الثانية لقصيدته، فإن لم يقتبس شطرا اقتبس قافية. وزهديات الأنصارى كثيرة، وكان يصدر فيها عن زهد حقيقى فى متاع الحياة الدنيا. وفى إحداها يقول: ملك القناعة عزّ يذهب الذّلّه ... فمن حوى كنزه لم يؤت من قلّه تبّا لذى طمع مستعبد ومنى ... لا تستقرّ على رىّ بلا غلّه يسوم إبلاعه من ريقه بللا ... وليس يروى ولو أبلعته دجله فانقع غليلك من نهل بلا علل ... واقنع إذا أكلة أغنتك عن أكله فالقناعة-فى رأيه-عز ما بعده عز، ومن حوى كنزها الذى لا يفنى لم يشك من قلة، ويقول تبّا لصاحب طمع يستعبده ومنى لا تروى أبدا فدائما صاحبها يعانى من غلّة العطش وحرارته، ودائما يريد أن يبلّ ريقه، إذ لا يروى أبدا ولو أبلعته نهر دجلة، فاكتف بأن تنقع حرارة ظمئك من النهل أو الشّربة الأولى من الماء ولا تطلب العلل أو الشربة الثانية منه. واقنع بكفاف العيش، وطوبى لمن زهد وقنع وأعرض عن متاع الدنيا الزائل. يقول: وابغ أخرى دائم في ... ها نعيم وشقاء وتنصّل من خطيئا ... ت لها النار جزاء وإذا صحّ لك القو ... ت على الدنيا العفاء كلّ ما فى هذه الدّن ... يا قصاراه الفناء ولأهل الخلد فى الخل ... د ولله البقاء وهو ينصح الإنسان أن يسلو الدنيا ويطلب الأخرى دار النعيم للأتقياء والشقاء للعصاة، وأن

стр. 3081

يتوب إلى ربه مستغفرا من خطيئاته وذنوبه. ويقول له يكفيك من دنياك القوت الكفاف، وإذا حصلت عليه لا تتعلق من الدنيا بشئ فكل ما فيها هالك وفان، والسعادة إنما هى لأهل الجنة ولله البقاء والدوام. وفى الديوان أشعار كثيرة على طريقة لزوم ما لا يلزم. ومر بنا أن الصفدى قال إن له فيها ديوانا كبيرا. وقد عرض له الحموى فى خزانته طائفة من تورياته وطائفة أخرى من أشعاره وافرة النغم حسنة الجرس والاداء. محمد (١) بن سوّار هو محمد بن سوّار بن إسراءيل بن الخضر الشيبانى الدمشقى المولد والدار والوفاة، ولد سنة ٦٠٣ للهجرة. وتوفى سنة ٦٧٧. وبدأ بحفظ القرآن الكريم مثل لداته من الناشئة، واختلف إلى حلقات الشيوخ، ويبدو أنه شغف بالتصوف منذ أوائل حياته، ونظن ظنا أنه لزم ابن عربى المتوفى بدمشق سنة ٦٣٨ غير أن مترجميه يقولون إنه لزم على بن الحسين الحريرى المتصوف المتوفى سنة ٦٤٥ ومما يشهد لقولهم مرثيته له، وهو فيها يبكيه بكاء حارا بمثل قوله: خطب كما شاء الإله جليل ... ذهلت لديه بصائر وعقول ويعمّ بالخطب كل قطر ويزعم أن الحقائق الصوفية أصبح عليها ذلة وخمول وأن السالكين إلى التصوف غوى نهجهم وضلوا السبيل وسدل الحجاب الإلهى دون أبصار المتصوفة وختمت دنان خمر الحب الربانى. وإذا رجعنا إلى الحريرى عند من ترجموا له وجدنا فقهاء دمشق يفتون بقتله- كما أفتى فقهاء حلب بقتل السهروردى-لما اشتهر عنه من الإباحة وقذف الأنبياء والفسق وترك الصلاة، مما يجعلنا نظن ظنا أنه يتأثر السهروردى المقتول. ويبدو أن ملازمة ابن سوار للحريرى لم تؤد به إلى انحرافات، والسبب فى ذلك أنه كان متصوفا حقا، إذ يقولون إنه تجرّد ولبس المرقعات الصوفية ورحل فى البلاد على قدم الفقر والتصوف. ولقى-فيمن لقى-شهاب الدين السهروردى الصوفى السنى البغدادى وسمع عليه وأجلسه فى ثلاث خلوات. ولقى أيضا ابن الفارض متصوف

стр. 3082

مصر المشهور، ويذكر الرواه لذلك قصة هى أن ابن سوار حجّ، فرأى ورقة ملقاة فيها قصيدة- وكانت لابن الخيمى المتصوف المصرى تلميذ ابن الفارض-فادعاها لنفسه، فراجعه ابن الخيمى وعبثا حاول أن يقنعه، فتحا كما إلى ابن الفارض فطلب إلى كل منهما أن ينظم قصيدة على نفس الوزن والروى، وكانت القصيدة بائية، فنظم كل منهما على غرارها قصيدة، فحكم ابن الفارض بأن القصيدة لابن الخيمى. ولم نصل بين ابن سّوار والسهروردى البغدادى لأنه كان سنى التصوف وتصوف ابن سوار فلسفى ويتصل مباشرة بتصوف ابن عربى وما فيه من فكرة وحدة الوجود، ولذلك وصلناه به، كما يشهد بذلك شعره من مثل قوله: إن أمّ صحبى سمرا أو أراك ... فإنما مقصدهم أن أراك وإن ترنّمت بذكر الحمى ... فإنما عقد ضميرى حماك وإن بكى صبّ حبيبا فما ... أحسب إلا أنه قد بكاك ملأت كلّ الكون عشقا فما ... أعرف قلبا خاليا من هواك فصحبه إن أمّوا به شجر السّمر والأراك فمقصدهم أن يرى ربه محبوبه الذى يحل فى كل مكان، وهو حين يذكر فى غزله الحمى إنما يريد حماه، بل إن كل من بكى حبيبا إنما يبكيه لأنه يحلّ فى جميع الأشخاص والأشياء، فما يعشق الناس شخصا أو شيئا إلا ويعشقونه، وكأن كل شئ مرآة له، إذ يتراءى فى كل الوجود. ويقول من قصيدة ثانية: يا من يشير إليهم المتكلّم ... وإليهم يتوجّه المتظلّم وعليهم يحلو التأسّف والأسى ... ويلذّ لوعات الغرام المغرم هذا الوجود وإن تعدّد ظاهرا ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم وإذا نطقت ففى صفات جمالكم ... وإذا سألت الكائنات فعنكم وإذا سكرت فمن مدامة حبّكم ... وبذكركم فى سكرتى أترنّم وإذا نظمت تغزلا فى صورة ... فلأجل حسنكم المحجّب أنظم أنتم حقيقة كلّ موجود بدا ... ووجود هذى الكائنات توهّم والأبيات صريحة فى أنه مؤمن بوحدة الوجود. فالله يحل فى الوجود جميعه، وكل ما فيه من

стр. 3083

أشخاص وأشياء مظاهر له، وهو لذلك إن تحدث عن جميل أو سأل كائنا من الكائنات إنما يسأل الله ويتحدث عن جماله المشاهد فى كل جميل. وهو إذا سكر فسكره من خمر الحب الإلهى الذى يترنّم به ويشدو آناء الليل وأطراف النهار. وهو إذا تغزل فى صورة واستشعر وجدا إنما يستشعر الوجد الربانى. وإنه لينبثّ فى كل موجود وحدة متصلة بين الله ومخلوقاته. وهى نفس الأفكار التى تلقانا عند ابن عربى، ولذلك تكلم فيه أهل السنة، ورموه بأنه يؤمن بالاتحاد بين الله والموجودات. وعلى هذه الشاكلة قوله: خلا منه طرفى وامتلا منه خاطرى ... فطرفى له شاك وقلبى شاكر ولو أننى أنصفت لم تشك مقلتى ... بعادا ودارات الوجود مظاهر فالله يمتزج بروحه ولا يراه، لذلك طرفه يشكو وقلبه يشكر، ويقول إنه كان جديرا بمقلته أن لا تشكو بعاد الحبيب لأن دارات الوجود جميعا من حوله مظاهره، فكيف لا تبصره وهو متحد بكل الكائنات مشاهد فى كل الأشياء. وكان للمتصوفة لأيامه ليال يحيونها بالدفوف والذكر وإنشاد الشعر عليه إلى السّحر، ويروى أنه حضر مع نجم الدين بن الحكم الحموى ليلة من تلك الليالى فغنى المغنى من شعره: وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السرّ من هو ذائق فقال ابن الحكم: كفر، فقال ابن سوار: لا، ما كفر، لكن أنت ما تفهم، وتشّوش المجلس. وفى البيت وفى بقية الشعر ما يدل على ابن سوار يريد أن يقول-على أساس ما يزعمه من فكرة وحدة الوجود-إن الله هو الكون أو الوجود بجميع ما فيه، والفكرة بأساسها-كما يرفضها ابن الحكم-يرفضها-كما ذكرنا ذلك أيضا-أهل السنة وأصحاب التصوف السنى. عفيف (١) الدين التلمسانى هو سليمان بن على بن عبد الله الكوفى التلمسانى، وتدل نسبته إلى تلمسان فى الجزائر على أنه مغربى الأصل، كما تدل نسبته إلى الكوفة على أن بعض آبائه نزل الكوفة واستوطنها فيما يبدو،

стр. 3084

ولا نعرف شيئا عن نشأته، ويبدو أنه نشأ بدمشق وأنه اختلف إلى حلقات علمائها يأخذ كل ما عندهم، ولعل ذلك ما جعله يؤلف فى كل علم كما يقول صاحب الوفيات. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وعرف فضله وأدبه، ويقول مترجموه إنه خدم بعدة جهات يقصدون عدة مناصب، وأغلب الظن أنها جميعا كانت فى دمشق وفى دواوينها وخاصة فى بيت المال. وأخذ مبكرا يتصل بالمتصوفة ولزم صدر الدين القونوى أحد أتباع ابن عربى، ويبدو أنه اعتنق مذهبه فى وحدة الوجود على يده. ونزل معه فى العقد السادس من القرن السابع خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، ومكثا بها مدة، رزق فى أثنائها بابنه الشاب الظريف سنة ٦٦٦ وقد مرت ترجمته بين شعراء الغزل. ولقى فى القاهرة مع أستاذه صدر الدين القونوى ابن سبعين الأندلسى، وكان على شاكلة القونوى وابن عربى يؤمن بوحدة الوجود، فأكّدها فى نفس عفيف الدين. وعاد إلى دمشق، وتارة كان يعمل بها فى الدواوين، وتارة ثانية كان يفرغ للتصوف داعيا إلى طريقة ابن عربى، ومذهبه فى وحدة الوجود. وترك دمشق مدة إلى الأناضول، أو كما كانت تسمى حينئذ بلاد الروم، وعمل فيها أربعين خلوة صوفية، يخرج من واحدة ويدخل فى أخرى. ويقول مترجموه إنه كان حسن العشرة كريم الأخلاق له حرمة ووجاهة، ولعله لذلك لم يتعقبه الفقهاء، وظل موزعا بين عمله فى دواوين دمشق وعمله فى ميدان التصوف حتى توفى سنة ٦٩٠ للهجرة. وكان تصوف عفيف الدين-كما ذكرنا آنفا-تصوفا فلسفيا على طريقة ابن عربى، مما جعله يعنى بشرح أعقد كتبه فى التصوف ونقصد كتابه: «فصوص الحكم» وفى مكتبة ولى الدين بإستانبول مخطوطة منه. وأشعاره الصوفية أشعار غزلية حسية على طريقة ابن عربى فى ديوانه «ترجمان الأشواق» من مثل قوله فى قصيدته التى نظمها على غرار قصيدة ابن الخيمى المذكورة آنفا فى ترجمة ابن سوار: لولا الحمى وظباء بالحمى عرب ... ما كان فى البارق النّجدىّ لى أرب وفى رياض بيوت الحىّ من إضم ... ورد جنىّ ومن أكمامه النّقب لا تقدر الحجب أن تخفى محاسنه ... وإنما فى سناه الحجب تنحجب يا سالما فى الهوى مما أكابده ... رفقا بأحشاء صبّ شفّه الوصب هل السلامة إلا أن أموت بهم ... وجدا وإلا فبقياى هى العطب وعفيف الدين يستشعر وجد المحبين إزاء محبوبه الربانى، ويتحدث عنه حديثا رمزيا، فلولا

стр. 3085

حماه ما كان له أمل وراء البارق النجدى، ولا كان له ولوع بورد الخدود فى رياض بيوت الحى من إضم. ويتصور كأن الأقنعة أو الحجب التى تسدل على تلك الخدود هى أكمام الورود، ويقول إن الحجب لا تستطيع أن تخفى محاسنه إذ تذوب فى سناه وضيائه المشرق. ويذكر أن أحشاءه تستشعر أوجاع حبه وأن سلامته إنما هى فى أن يموت فى حب ربه وجدا وهياما، وإلا فبقاؤه هلاكه، ويقول إن السكارى يفيقون من سكرهم، وهو لا يفيق مما شرب من دنّ هذا الحب الإلهى: لا تحسبوا أننى عن حبّكم سالى ... وحقّكم لم يزل حالى بكم حالى يا ساكنين فؤادى وهو منزلكم ... لا عشت يوما أراه منكم خالى أنتم بقلبى أدنى من جوانحه ... حقّا على رغم حسّادى وعذّالى أوضحتم لمحبّيكم طريقكم ... حاشاكم تهجرونى بعد إيصالى وفى البيت الأول تورية واضحة فى كلمة «حالى الثانية» إذ ليس المراد معناها الظاهر كما فى «حالى السابقة» وإنما المراد أن حاله لا يزال بحبه لربه حاليا أو مزدانا بحلى بديعة. ويقول إن محبوبه الإلهى حال بفؤاده وأنه أدنى لقلبه من جوانحه وما يحيط بها من صدره، وكأنما يشير إشارة إلى فكرة الاتحاد بالذات الإلهية التى كان يؤمن بها ابن عربى. ويتضرع إلى محبوبه الربانى أن لا يهجره بعد وصله. ويقول: يا أصيحابى بذى سلم ... من أصيحابى وما السّلم أنا عنى اليوم فى شغل ... فاذكرونى إن نسيتكم وأشيعوا فى الحمى خبرى ... وأذيعوا السرّ واكتتموا لا يرانى الحبّ منثنيا ... بعد ما لاحت لى الخيم كنت قبل اليوم فى حلم ... وتقضّى ذلك الحلم فزمانى كلّه طرب ... دونه الأوتار والنّغم إنه على وشك أن يتحقق أمله فى الوصول إلى محبوبه الإلهى. وهو لذلك يخاطب أصحابه بذى سلم أحد المواضع النجدية التى يذكرها أصحاب الغزل العذرى. ويرجع إلى نفسه وقد لاحت له خيام محبوبه، كما يقول، فيعلن أنه فى شغل عن أصحابه وعن السلم، وأنه لن ينثنى عن طريقه إلى محبوبه الذى طالما حلم بوصله ولقائه، وقد انقضى عهد الحلم. وهو لذلك فرح
следующие страницы →