← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

يتوب إلى ربه مستغفرا من خطيئاته وذنوبه. ويقول له يكفيك من دنياك القوت الكفاف، وإذا حصلت عليه لا تتعلق من الدنيا بشئ فكل ما فيها هالك وفان، والسعادة إنما هى لأهل الجنة ولله البقاء والدوام. وفى الديوان أشعار كثيرة على طريقة لزوم ما لا يلزم. ومر بنا أن الصفدى قال إن له فيها ديوانا كبيرا. وقد عرض له الحموى فى خزانته طائفة من تورياته وطائفة أخرى من أشعاره وافرة النغم حسنة الجرس والاداء. محمد (١) بن سوّار هو محمد بن سوّار بن إسراءيل بن الخضر الشيبانى الدمشقى المولد والدار والوفاة، ولد سنة ٦٠٣ للهجرة. وتوفى سنة ٦٧٧. وبدأ بحفظ القرآن الكريم مثل لداته من الناشئة، واختلف إلى حلقات الشيوخ، ويبدو أنه شغف بالتصوف منذ أوائل حياته، ونظن ظنا أنه لزم ابن عربى المتوفى بدمشق سنة ٦٣٨ غير أن مترجميه يقولون إنه لزم على بن الحسين الحريرى المتصوف المتوفى سنة ٦٤٥ ومما يشهد لقولهم مرثيته له، وهو فيها يبكيه بكاء حارا بمثل قوله: خطب كما شاء الإله جليل ... ذهلت لديه بصائر وعقول ويعمّ بالخطب كل قطر ويزعم أن الحقائق الصوفية أصبح عليها ذلة وخمول وأن السالكين إلى التصوف غوى نهجهم وضلوا السبيل وسدل الحجاب الإلهى دون أبصار المتصوفة وختمت دنان خمر الحب الربانى. وإذا رجعنا إلى الحريرى عند من ترجموا له وجدنا فقهاء دمشق يفتون بقتله- كما أفتى فقهاء حلب بقتل السهروردى-لما اشتهر عنه من الإباحة وقذف الأنبياء والفسق وترك الصلاة، مما يجعلنا نظن ظنا أنه يتأثر السهروردى المقتول. ويبدو أن ملازمة ابن سوار للحريرى لم تؤد به إلى انحرافات، والسبب فى ذلك أنه كان متصوفا حقا، إذ يقولون إنه تجرّد ولبس المرقعات الصوفية ورحل فى البلاد على قدم الفقر والتصوف. ولقى-فيمن لقى-شهاب الدين السهروردى الصوفى السنى البغدادى وسمع عليه وأجلسه فى ثلاث خلوات. ولقى أيضا ابن الفارض متصوف

стр. 3082

مصر المشهور، ويذكر الرواه لذلك قصة هى أن ابن سوار حجّ، فرأى ورقة ملقاة فيها قصيدة- وكانت لابن الخيمى المتصوف المصرى تلميذ ابن الفارض-فادعاها لنفسه، فراجعه ابن الخيمى وعبثا حاول أن يقنعه، فتحا كما إلى ابن الفارض فطلب إلى كل منهما أن ينظم قصيدة على نفس الوزن والروى، وكانت القصيدة بائية، فنظم كل منهما على غرارها قصيدة، فحكم ابن الفارض بأن القصيدة لابن الخيمى. ولم نصل بين ابن سّوار والسهروردى البغدادى لأنه كان سنى التصوف وتصوف ابن سوار فلسفى ويتصل مباشرة بتصوف ابن عربى وما فيه من فكرة وحدة الوجود، ولذلك وصلناه به، كما يشهد بذلك شعره من مثل قوله: إن أمّ صحبى سمرا أو أراك ... فإنما مقصدهم أن أراك وإن ترنّمت بذكر الحمى ... فإنما عقد ضميرى حماك وإن بكى صبّ حبيبا فما ... أحسب إلا أنه قد بكاك ملأت كلّ الكون عشقا فما ... أعرف قلبا خاليا من هواك فصحبه إن أمّوا به شجر السّمر والأراك فمقصدهم أن يرى ربه محبوبه الذى يحل فى كل مكان، وهو حين يذكر فى غزله الحمى إنما يريد حماه، بل إن كل من بكى حبيبا إنما يبكيه لأنه يحلّ فى جميع الأشخاص والأشياء، فما يعشق الناس شخصا أو شيئا إلا ويعشقونه، وكأن كل شئ مرآة له، إذ يتراءى فى كل الوجود. ويقول من قصيدة ثانية: يا من يشير إليهم المتكلّم ... وإليهم يتوجّه المتظلّم وعليهم يحلو التأسّف والأسى ... ويلذّ لوعات الغرام المغرم هذا الوجود وإن تعدّد ظاهرا ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم وإذا نطقت ففى صفات جمالكم ... وإذا سألت الكائنات فعنكم وإذا سكرت فمن مدامة حبّكم ... وبذكركم فى سكرتى أترنّم وإذا نظمت تغزلا فى صورة ... فلأجل حسنكم المحجّب أنظم أنتم حقيقة كلّ موجود بدا ... ووجود هذى الكائنات توهّم والأبيات صريحة فى أنه مؤمن بوحدة الوجود. فالله يحل فى الوجود جميعه، وكل ما فيه من

стр. 3083

أشخاص وأشياء مظاهر له، وهو لذلك إن تحدث عن جميل أو سأل كائنا من الكائنات إنما يسأل الله ويتحدث عن جماله المشاهد فى كل جميل. وهو إذا سكر فسكره من خمر الحب الإلهى الذى يترنّم به ويشدو آناء الليل وأطراف النهار. وهو إذا تغزل فى صورة واستشعر وجدا إنما يستشعر الوجد الربانى. وإنه لينبثّ فى كل موجود وحدة متصلة بين الله ومخلوقاته. وهى نفس الأفكار التى تلقانا عند ابن عربى، ولذلك تكلم فيه أهل السنة، ورموه بأنه يؤمن بالاتحاد بين الله والموجودات. وعلى هذه الشاكلة قوله: خلا منه طرفى وامتلا منه خاطرى ... فطرفى له شاك وقلبى شاكر ولو أننى أنصفت لم تشك مقلتى ... بعادا ودارات الوجود مظاهر فالله يمتزج بروحه ولا يراه، لذلك طرفه يشكو وقلبه يشكر، ويقول إنه كان جديرا بمقلته أن لا تشكو بعاد الحبيب لأن دارات الوجود جميعا من حوله مظاهره، فكيف لا تبصره وهو متحد بكل الكائنات مشاهد فى كل الأشياء. وكان للمتصوفة لأيامه ليال يحيونها بالدفوف والذكر وإنشاد الشعر عليه إلى السّحر، ويروى أنه حضر مع نجم الدين بن الحكم الحموى ليلة من تلك الليالى فغنى المغنى من شعره: وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السرّ من هو ذائق فقال ابن الحكم: كفر، فقال ابن سوار: لا، ما كفر، لكن أنت ما تفهم، وتشّوش المجلس. وفى البيت وفى بقية الشعر ما يدل على ابن سوار يريد أن يقول-على أساس ما يزعمه من فكرة وحدة الوجود-إن الله هو الكون أو الوجود بجميع ما فيه، والفكرة بأساسها-كما يرفضها ابن الحكم-يرفضها-كما ذكرنا ذلك أيضا-أهل السنة وأصحاب التصوف السنى. عفيف (١) الدين التلمسانى هو سليمان بن على بن عبد الله الكوفى التلمسانى، وتدل نسبته إلى تلمسان فى الجزائر على أنه مغربى الأصل، كما تدل نسبته إلى الكوفة على أن بعض آبائه نزل الكوفة واستوطنها فيما يبدو،

стр. 3084

ولا نعرف شيئا عن نشأته، ويبدو أنه نشأ بدمشق وأنه اختلف إلى حلقات علمائها يأخذ كل ما عندهم، ولعل ذلك ما جعله يؤلف فى كل علم كما يقول صاحب الوفيات. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وعرف فضله وأدبه، ويقول مترجموه إنه خدم بعدة جهات يقصدون عدة مناصب، وأغلب الظن أنها جميعا كانت فى دمشق وفى دواوينها وخاصة فى بيت المال. وأخذ مبكرا يتصل بالمتصوفة ولزم صدر الدين القونوى أحد أتباع ابن عربى، ويبدو أنه اعتنق مذهبه فى وحدة الوجود على يده. ونزل معه فى العقد السادس من القرن السابع خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، ومكثا بها مدة، رزق فى أثنائها بابنه الشاب الظريف سنة ٦٦٦ وقد مرت ترجمته بين شعراء الغزل. ولقى فى القاهرة مع أستاذه صدر الدين القونوى ابن سبعين الأندلسى، وكان على شاكلة القونوى وابن عربى يؤمن بوحدة الوجود، فأكّدها فى نفس عفيف الدين. وعاد إلى دمشق، وتارة كان يعمل بها فى الدواوين، وتارة ثانية كان يفرغ للتصوف داعيا إلى طريقة ابن عربى، ومذهبه فى وحدة الوجود. وترك دمشق مدة إلى الأناضول، أو كما كانت تسمى حينئذ بلاد الروم، وعمل فيها أربعين خلوة صوفية، يخرج من واحدة ويدخل فى أخرى. ويقول مترجموه إنه كان حسن العشرة كريم الأخلاق له حرمة ووجاهة، ولعله لذلك لم يتعقبه الفقهاء، وظل موزعا بين عمله فى دواوين دمشق وعمله فى ميدان التصوف حتى توفى سنة ٦٩٠ للهجرة. وكان تصوف عفيف الدين-كما ذكرنا آنفا-تصوفا فلسفيا على طريقة ابن عربى، مما جعله يعنى بشرح أعقد كتبه فى التصوف ونقصد كتابه: «فصوص الحكم» وفى مكتبة ولى الدين بإستانبول مخطوطة منه. وأشعاره الصوفية أشعار غزلية حسية على طريقة ابن عربى فى ديوانه «ترجمان الأشواق» من مثل قوله فى قصيدته التى نظمها على غرار قصيدة ابن الخيمى المذكورة آنفا فى ترجمة ابن سوار: لولا الحمى وظباء بالحمى عرب ... ما كان فى البارق النّجدىّ لى أرب وفى رياض بيوت الحىّ من إضم ... ورد جنىّ ومن أكمامه النّقب لا تقدر الحجب أن تخفى محاسنه ... وإنما فى سناه الحجب تنحجب يا سالما فى الهوى مما أكابده ... رفقا بأحشاء صبّ شفّه الوصب هل السلامة إلا أن أموت بهم ... وجدا وإلا فبقياى هى العطب وعفيف الدين يستشعر وجد المحبين إزاء محبوبه الربانى، ويتحدث عنه حديثا رمزيا، فلولا

стр. 3085

حماه ما كان له أمل وراء البارق النجدى، ولا كان له ولوع بورد الخدود فى رياض بيوت الحى من إضم. ويتصور كأن الأقنعة أو الحجب التى تسدل على تلك الخدود هى أكمام الورود، ويقول إن الحجب لا تستطيع أن تخفى محاسنه إذ تذوب فى سناه وضيائه المشرق. ويذكر أن أحشاءه تستشعر أوجاع حبه وأن سلامته إنما هى فى أن يموت فى حب ربه وجدا وهياما، وإلا فبقاؤه هلاكه، ويقول إن السكارى يفيقون من سكرهم، وهو لا يفيق مما شرب من دنّ هذا الحب الإلهى: لا تحسبوا أننى عن حبّكم سالى ... وحقّكم لم يزل حالى بكم حالى يا ساكنين فؤادى وهو منزلكم ... لا عشت يوما أراه منكم خالى أنتم بقلبى أدنى من جوانحه ... حقّا على رغم حسّادى وعذّالى أوضحتم لمحبّيكم طريقكم ... حاشاكم تهجرونى بعد إيصالى وفى البيت الأول تورية واضحة فى كلمة «حالى الثانية» إذ ليس المراد معناها الظاهر كما فى «حالى السابقة» وإنما المراد أن حاله لا يزال بحبه لربه حاليا أو مزدانا بحلى بديعة. ويقول إن محبوبه الإلهى حال بفؤاده وأنه أدنى لقلبه من جوانحه وما يحيط بها من صدره، وكأنما يشير إشارة إلى فكرة الاتحاد بالذات الإلهية التى كان يؤمن بها ابن عربى. ويتضرع إلى محبوبه الربانى أن لا يهجره بعد وصله. ويقول: يا أصيحابى بذى سلم ... من أصيحابى وما السّلم أنا عنى اليوم فى شغل ... فاذكرونى إن نسيتكم وأشيعوا فى الحمى خبرى ... وأذيعوا السرّ واكتتموا لا يرانى الحبّ منثنيا ... بعد ما لاحت لى الخيم كنت قبل اليوم فى حلم ... وتقضّى ذلك الحلم فزمانى كلّه طرب ... دونه الأوتار والنّغم إنه على وشك أن يتحقق أمله فى الوصول إلى محبوبه الإلهى. وهو لذلك يخاطب أصحابه بذى سلم أحد المواضع النجدية التى يذكرها أصحاب الغزل العذرى. ويرجع إلى نفسه وقد لاحت له خيام محبوبه، كما يقول، فيعلن أنه فى شغل عن أصحابه وعن السلم، وأنه لن ينثنى عن طريقه إلى محبوبه الذى طالما حلم بوصله ولقائه، وقد انقضى عهد الحلم. وهو لذلك فرح

стр. 3086

مبتهج، وزمانه من حوله كله طرب طربا يفوق طرب الأوتار والأنغام واللحون. ولما فى هذه القطعة وسابقتها من وجد صوفى مندلع خمّسهما عبد الغنى النابلسى مع أبيات متصلة بهما لم ننشدها، وهو وجد كان لا يزال يملأ قلب عفيف الدين غبطة وابتهاجا. عبد الغنى (١) النابلسى هو عبد الغنى بن إسماعيل النابلسى الدمشقى الحنفى، كان أبوه من فقهاء دمشق الأحناف، وكانت له حلقة بجامعها الأموى. ودرس فيها بالمدرسة القيمرية وبجامع السلطان سليم، ورحل إلى حلب والقسطنطينية والقاهرة واستقر بدمشق. وولد له فيها ابنه عبد الغنى سنة ١٠٥٠ للهجرة، وعنى بتعليمه بعد حفظه للقرآن الكريم، فلقنه المذهب الحنفى، ودفعه إلى حلقات العلماء فى دمشق يأخذ عنهم العربية والفقه والحديث النبوى والتفسير، وأكبّ على كتب الصوفية يقرؤها. وسرعان ما نضج علميا وهو لا يزال فى العشرين من عمره فأخذ يقرأ الدروس ويلقيها على طلابه، مما جعله يكثر من التأليف والتصنيف حتى لتبلغ مصنفاته ٢٢٣ مصنفا، وقد استغرقت فى كتاب سلك الدرر للمرادى سبع صفحات. واستيقظت ملكته الشعرية مبكرة، وأخذ يعنى بالتصوف، فانتظم فى الطريقة القادرية ثم فى الطريقة النقشبندية، وله فيها مخطوطة بدار الكتب المصرية عنوانها: مفتاح المعية فى الطريقة النقشبندية، ثم جذبه إليه مذهب ابن عربى الصوفى الفلسفى، وكأنما عاش به وفيه وله، إذ يصدر عنه بوضوح فى ديوانه الصوفى. ديوان الحقائق ومجموعة الرقائق، وهو فيه يجاهر بأنه يؤمن بوحدة الوجود التى آمن بها من قبله إمامه ابن عربى، ويردّد دائما: ليس فى الكون سواه، فلا موجود إلا به، وما الكائنات إلا صورة له، يتجلّى فيها بأسمائه وصفاته، يقول: إنه الله وجود واحد ... حكمة فينا حرام وحلال وهو حقّ وسواه باطل ... قال فى القرآن والسبع الطّوال أينما أنتم تولّوا ثمّ وج ... هـ الإله الحقّ محمود الفعال

стр. 3087

وهو يستدل على صحة القول بنظرية وحدة الوجود بقوله تعالى فى سورة البقرة: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ والآية إنما تشير إلى ان أى مكان من المشرق والمغرب يأمرهم الله باتخاذه قبلة تكون هناك جهته التى أمرهم بالاتجاه إليها لا أنه موجود فيها حالّ بها ومتحد معها كما يذهب النابلسى وابن عربى زاعمين أن ذاته هى ذات جميع الكائنات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ويقول النابلسى متحدثا بلسان الذات العلية: ألا إن ذاتى ذات كلّ الخلائق ... وسل عنه ذا علم كريم الخلائق ولا صفة إلا ومنّى تعيّنت ... لموصوفها إذ كنت أصل الدقائق أنا الجوهر السّارى بغير سراية ... ألوح وأخفى فى جميع الحقائق أنا النور نور العين منى تكوّنت ... عيون البرايا من مشوق وشائق فالله جوهر الوجود، يلوح ويخفى ولا سواه، إذ كل ما فى الكون مظاهر له، يصبغها بوجوده. ويحاول النابلسى جاهدا أن يفرّق بين القول بالحلول وأن الله يحلّ فى جميع الموجودات وبين ما يزعمه هو وابن عربى من وحدة الوجود، وإنها لتبلغ به أن يقول فى مخاطبة ربه، «ها أنت أنا وليس فى الحضرة ثانى» أو كما يقول: اثنان نحن وفى الحقيقة واحد ... لكن أنا الأدنى وأنت الأكبر فهو والله واحد بل جميع الكائنات والله- ﷻ -واحد. وهى نفسها فكرة وحدة الوجود التى يحاول جاهدا الخلاص منها ولا خلاص فهو غارق فيها. وهو بذلك من أصحاب التصوف الفلسفى على طريقة ابن عربى. وله شرح على ديوان ابن الفارض حاول أن يحيله رموزا خالصة على نحو ما نجد فى شرحه لأول بيت فى القصيدة اليائية بالديوان: سائق الأظعان يطوى البيد طىّ ... منعما عرّج على كثبان طىّ يقول: «سائق الأظعان هو الله تعالى، والأظعان: الناس وكثبان طىّ كناية عن المقامات المحمدية التى عددها كرمال الكثيب، فكأنه يلتمس من الله تعالى أن يوصّله-كما يوصّل جميع المؤمنين-إليها». وابن الفارض لم يقصد إلى شئ من هذا كله، إنما خاطب سائق الأظعان المتجه إلى منازل طى على حافتى نجد والحجاز ليتمهّل قليلا حتى يحيّى من يمر بهم فى طريقه إلى الحجاز معبرا بذلك عن حنينه إليه. وطبيعى وهو قد قرأ ابن الفارض وابن عربى وتمثل كثيرا من

стр. 3088

أشعار المتصوفة مخمسا لها ومشطرا كما يتضح فى ديوانه الصوفى أن نراه تارة يتغزل فى بثينة وعلوة وسلمى وزينب وسعاد، وهى كلها رموز للذات الربانية، وتارة ثانية يصف الخمر وساقيها وكأسها وشرابها وحبابها وما تحدث فى روحه من نشوة وفى عقله من شطح. ونراه يهاجم علم الكلام والمتكلمين إذ يدعون إلى ضرورة العلم بالله عن طريق النظر العقلى الفلسفى لا كما يؤمن المتصوفة بأن هذا العلم إنما يستمد من القلب، وشتان بين علم العقل والفلسفة وعلم المحبة القلبية. وله قصيدة بديعة فى الاستغفار من ذنوبه وخطاياه امتدت إلى ٩٢ بيتا تلاها بالصلاة على الرسول الكريم وآله وأصحابه والتابعين وقصيدة ثانية توسل فيها بأسماء الله الحسنى أن يدفع عنه كل شر ويسبغ عليه كل خير، وختمها أيضا بالصلاة على رسول الله وآله وأصحابه، وله فى الرسول غير قصيدة نبوية وغير موشح وقد افتتح موشحا له بقوله: نور طه المصطفى منه جميع الكائنات ... وبه كان الترقى فى جميع الدّرجات ونحسّ فى الموشح إيمانه بفكرة الحقيقة المحمدية السارية فى الكون بأسره التى تحفظ عليه كيانه وتصون وجوده، فكل وجود مستعار من وجوده وكل نور مستمد من نوره. وفى الديوان موشحات ودوبيتات أو رباعيات كثيرة، وتكثر مثلها المواليا العامية، وفى الديوان أيضا منظومة صوفية من وزن «كان وكان» العامى. ٦ - شعراء شعبيون لا نقصد بشعبية الشعراء فى الشام أنهم نشأوا فى بيئاتها الشعبية من سلالة عامتها، فذائما جمهور الشعراء فى كل بلد عربى انحدروا من أسر شعبية ولم ينحدروا من أسر أرستقراطية، وإذا استثنينا أبا فراس وبعض أفراد أسرته الحمدانية ممن أنشد أشعارهم الثعالبى وأيضا بهرام شاه الأيوبى صاحب بعلبك المتوفى سنة ٦٢٨ للهجرة ونفرا من أفراد أسرته ممن ترجم لهم العماد فى خريدته بقسم الشام ومن جاء بعدهم مثل الملك الأشرف صاحب «حصن كيفا» حفيد الملك العادل أخى صلاح الدين المتوفى سنة ٦٣٦ إذا استثنينا هؤلاء الأمراء وهم قلة بجانب الكثرة الغامرة من الشعراء وجدنا من عداهم من أبناء الشعب. وكان بينهم غير شاعر يحترف عملا يكفل له عيشه، مثل يحيى الخباز الحموى الذى أنشد له صاحب الخزانة طرائف كثيرة من تورياته، وبالمثل صنع مع

стр. 3089

شمس الدين محمد بن إبراهيم المتوفى سنة ٨١١ واشتهر باسم صنعته. شمس الدين المزين: لا نريد إذن بشعبية الشعراء التالين نشأتهم فى أوساط شعبية، وإنما نريد أنهم اتخذوا لغة الشعب العامية لسانا لهم فى أشعارهم. وكانت قد أخذت تشيع فى الشعر لهذا العصر فنون شعرية عامية هى: الزجل والمواليا، والقوما والكان وكان، ومعروف أن الزجل نشأ فى الأندلس أولا عند ابن قزمان وصحبه فى القرن الخامس ثم شاع فى البلاد العربية. أما المواليا والقوما والكان وكان فنشأت أولا بالعراق ثم أخذت تشيع فى البلاد العربية منذ القرن السابع. وربما كان الزجل أكثرها شيوعا فى الشام يدلّ على ذلك أكبر الدلالة أننا نجد صفى الدين الحلى المتوفى سنة ٧٥٠ للهجرة فى كتابه: «العاطل الحالى» ينوّه بشيوع الزجل لزمنة هناك، ويقول إنه لقى من أعلامه بدمشق شهاب الدين أحمد الأمشاطى إمام هذا الفن الشعبى بها كما لقى بحلب راوية ثقة من أكبر رواته هو ابن الضرير الشيخ الصالح إمام الفردوس، وكان قد جلب لنفسه نسخة وثيقة مقابلة على الأصل من ديوانى الزجالين الأندلسيين الكبيرين: ابن قزمان ومدغليّس حملت إليه من المدرسة الأشرفية بدمشق. ويذكر صفى الدين أنه كان قد حصل على الديوانين فى زيارته لمصر (٧٢٣ - ٧٢٦ هـ) غير أنهما كانا بخط مغربى تعسر قراءة بعضه، فصحح الديوانين بمقابلة نسخة ابن الضرير ومراجعته، وأجاز له بخطه ما نقله عن نسخته، وعرّفه بمشايخ الزجل فى حلب. ومن أعلامه البارعين حينئذ بحماة علاء الدين بن مقاتل، وسنترجم له عما قليل. ولعلنا لا نعجب بعد أن رأينا إقبال أهل الشام على قراءة ابن قزمان ورواية أزجاله أن تكون هى القطر الوحيد الذى احتفظ إلى عصرنا بمخطوطة أزجال ابن قزمان الوحيدة التى عثر عليها جنز برج سنة ١٨٩٦ ونشرها بطريقة الزنكغراف. ولعل من الطريف أن نعرف أن. . فقيها محدثا كبيرا هو شمس الدين بن الصائغ المتوفى سنة ٧٧٦ للهجرة ألّف شرحا على بردة البوصيرى باسم رقم البردة، استشهد فيه بشعر أهل زمنه فيما عرض له من أنواع البديع وأيضا استشهد بطائفة من محاسن أزجالهم (١)، وفى دار الكتب المصرية مخطوطة من هذا الشرح. وهو اعتراف قوى بالزجل وصلاحيته ليكون مادة لتعليم البلاغة والتطبيق على محسناتها المختلفة. وكانت المواليا شائعة أيضا، وإن لم يقصر بعض الشعراء نفسه على النظم فيها، وكأنما كان الشعراء يضيفونها إلى شعرهم الفصيح استطرافا، وقلما تصاغ صياغة فصيحة، إذ تطّرد فيها

стр. 3090

العامية، ومما يلقانا من طرائفها قول جوبان بن مسعود الدمشقى المتوفى فى حدود سنة ٦٨٠ للهجرة (١): أفارقه وأول إنى قد انسلّيت ... وريحت قلبى وزال الهم واتخلّيت واذكر مساويه فى حقى إذا ولّيت ... وإذا رجع نسيت الكلّ واتخلّيت والتورية واضحة فى كلمة «واتخلّيت» المكررة قافية للبيتين، والأولى من التخلّى بمعنى أنه أصبح خاليا من الهم والغم، والثانية كلمة عامية من الخلل، تقول العامة أصابه خلل واختل عقله. ويريد أنه إذا لقى صاحبته أصابه ذهول، فنسى كل ما كان فيه من فكر فيها وسلوى عنها وبعد عن الهم. ونلتقى بمعاصره عز الدين بن السويدى المتوفى سنة ٦٩٠ وهو من سلالة سعد بن معاذ الأوسى سيد قومه الصحابى الجليل. وكان شيخ الأطباء بدمشق، وكان-كما يقول بعض من ترجموا له-من أسرع الناس بديهة فى قول الشعر وأحسنهم إنشادا، وله مواليا (٢): البدر والسّعد ذا شبهك وذا نجمك ... والقدّ واللّحظ ذا رمحك وذا سهمك والبغض والحب ذا قسمى وذا قسمك ... والمسك والحسن ذا خالك وذا عمك فصاحبته تشبه البدر ونجمها أو حظها السعد، وقدها مستو ممشوق مثل الرمح ولحظها فاتك قاتل مثل السهم، والبغض قسمها ونصيبها والحب قسمه ونصيبه، والمسك خال الحسن على وجنتيها والحسن يعم كل أعضائها وفى كلمة «عمّك» تورية واضحة. وله مواليا أخرى فكهة: ذى قايله لاختها والقصد تسمعنا ... ما النحو؟ قالت لها: نحنا بأجمعنا الرفع والنصب نا وانتى ومن معنا ... للجر، والزوج حرف جاء للمعنى والدعابة للنحو والنحاة واضحة، وكلمة نحنا هى نحن بالفصحى. ونظم أصحاب المواليا فى جميع أغراض الشعر من غزل ومديح وهجاء وخمر وطبيعة، واستغلّها المتصوفة فنظموا مواليات كثيرة. ونلتقى فى ديوان عبد الغنى النابلسى بنحو ثمانين مواليا نكتفى منها بقوله (٣):

стр. 3091

الباطن السابق الظاهر هو المسبوق ... والكل واحد فكن أعلى من العيّوق واخرج عن الكل أنت الكل يا معتوق ... أما الجميع هو الخالق أو المخلوق فليس فى الكون إلا وجود واحد هو وجود الله المتمثل فى جميع مخلوقاته، أو بعبارة أخرى هى وحدة وجود تغمر الكون كله. ومعروف أن القوما اخترعها المغنون والمنشدون ببغداد لإيقاظ الناس كى يتناولوا سحورهم استعدادا للصوم، وكانوا يختتمون كل بيتين منها أو دور بكلمة «قوما للسحور» ومن هنا أخذت اسمها وشاعت فى البلدان العربية. أما الكان وكان فقد اخترع البغداديون وزنه لنظم الحكايات والخرافات وأحداث التاريخ، ثم اتسعوا به فنظموا فيه المواعظ والزهديات والحكم كما مر بنا فى قسم مصر. ولابن الوردى المتوفى سنة ٧٤٩ منظومة (١) منه صور فيها أحداث وباء الطاعون الذى امتحنت به الشام ومصر سنة وفاته. وفى ديوان عبد الغنى النابلسى منظومة صوفية منه فى عشرين (٢) بيتا تصور عقيدته فى وحدة الوجود. وحرى بنا أن نتحدث بكلمة مجملة عن أبى العلاء بن مقاتل الزجال. أبو (٣) العلاء بن مقاتل هو على بن مقاتل الحموى ولد سنة ٦٧٤ بحماة، ويقول ابن حجر إنه «تعانى الأدب فتعلم الشعر قليلا، وغلب عليه نظم الأزجال فاشتهر بها، وأزجاله فى ديوان مفرد فى مجلدين. . وكان هذا الفن قد انتهى إليه فى زمنه. . وكانت وفاته فى أوائل سنة ٧٦١» ويذكر ابن حجر أن له زجلا مشهورا فى الملك المؤيد صاحب حماة (٧١٠ - ٧٣٢) أنشده إياه وعنده ابن نباتة والصفى الحلى. وكان الصفى قد نزل حماة ومدح المؤيد وابنه الأفضل فى أواخر العقد الثانى وأوائل الثالث من القرن الثامن. ويشيد به ابن حجة الحموى فى خزانته قائلا: «وكان الشيخ علاء الدين بن مقاتل إذا ذكر الزجل كان ابن بجدته وأبا عذرته، وممن سلّمت إليه مقاليد هذا الفن. وأورد الشيخ صلاح الدين الصفدى نبذة من غرر أزجاله فى تذكرته وتاريخه تغنى عن الإكثار فى ترجمته». وينشد الحموى زجله المشهور آنف الذكر وهو يستهله على هذا النمط:

стр. 3092

قلبى يحب تيّاه ليس يبعشق إلا إياه ... فازمن وقف وحيّاه يرصد على محيّاه بدر السّما لو يطبع ... من رام وصالو يعطب صغيّر يحيّر فى أمرو غزال قهر بسمرو ... ليث الهوى ونمرو فاعجب لصغر عمرو ريم ابن عشر وأربع ... أردى الأسود وأرعب أذكر نهار تبعتو وروحى كنت بعتو ... وخيّب ما فيه طمعتو فقال وقد سمعتو ارجع ولالى تتبع ... أخشى عليك لتتعب كم قدامو وخلفو مشيت مطيع لحلفو ... ورمت لثم كفّو قال دع مناك وكفّو فإنّ لثم إصبع ... من الثريّا أصعب وبمجرد أن نسمح هذا الصوت نعرف أن صاحبه زجال مبدع لقدرته على اختيار الألفاظ بحيث يعانق بعضها بعضا منذ الدور الأول «فتيّاه» تجذب إياه و «حيّاه» تجذب محياه، وبالمثل «يطبع» فى القفل تجذب يعطب. وكأننا فى مرقص للألفاظ وبذلك يتسق النغم فى الزجل اتساقا بديعا، وكأنه عطر للآذان تستروحه مع روعة التصاوير وخفتها ورشاقتها، فصاحبته بدر فى السماء لا تصل إليه الأيدى، وهى غزال تقهر بعينيها الكحيلتين أو السمراوين. . مع صغرها الليوث والنمور. وتهلكها وترعبها رعبا. ونصحته أن لا يتبعها، فأمله فيها سراب كاذب. ويحاول لثم كفها أو أنملا من أناملها فتقول له الثريا وأخواتها من نجوم السماء أقرب لك. وهى صنعة زجلية رائعة منتهى الروعة. وقد تلاعب بالجناس المقلوب فى الأفعال تلاعبا يدل على مبلغ مهارته، فيطبع تقابلها يعطب، وأربع تقابلها أرعب، وتتبع تقابلها تتعب وإصبع تقابلها أصعب. وبذلك كله يتحول الزجل باللغة اليومية العادية التى لا تحتوى فنا إلى لغة زجلية شجية النغم كأنها تغريد عندليب مع ما يحمّل العندليب أنغامه من تلاوين الصور والأخيلة، وبحق يقول صاحب الخزانة عن هذا الزجل: «سارت به الركبان». وأنشد له صاحب الخزانة زجلين آخرين بديعين.

стр. 3093

الفصل الخامس النثر وكتابه ١ - الرسائل الديوانية عرفت الشام الرسائل الديوانية منذ عهد معاوية أول خلفاء بنى أمية، لما كان من اتخاذه لديوان الرسائل، واتخذ معه ديوانا للخراج وديوانا ثانيا للخاتم (١) أو ختم الرسائل التى تصدر عنه إلى الولاة، ويهمنا خاصة الديوان الأول: ديوان الرسائل، إذ مضى معاوية ومن تلاه من الخلفاء الأمويين على اختيار من يقومون عليه، بحيث يكونون فى الذروة من البيان والبلاغة لزمنهم، وقد ظلوا طوال القرن الأول يختارونهم من العرب، ويذكر الجهشيارى أثباتا طويلة بأسمائهم. أما ديوان الخراج فكان يقوم عليه كتاب من الموالى فأصبح كتابه من العرب، وسرعان ما عنى الكتاب الأجانب بتعلم العربية وأخذوا يشاركون فى ديوان الرسائل (٢) وما نصل إلى زمن الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك (١٠٤ - ١٢٤ هـ) حتى يصبح زمام ديوان الرسائل فى دمشق بيد مولى لهشام هو سالم (٣)، وكان يتقن اليونانية ونقل عنها بعض رسائل لأرسططاليس (٤)، ومعنى ذلك أنه كان مثقفا ثقافة عريضة بالعربية والإسلام واليونانية، وعدّه صاحب الفهرست أحد البلغاء العشرة الأول فى تاريخ العرب وأدبهم ويقول إن له رسائل تبلغ نحو مائة ورقة (٥) واحتفظ الطبرى برسالة له كتبها عن هشام إلى خالد القسرى، وهى تحمل عناية واضحة بالأسلوب وما يوفره له من الازدواج والترادف الصوتى. وتبعه فى النهوض بالرسائل

стр. 3094

السياسية تلميذان: أحدهما من بيته هو ابنه عبد الله، وثانيهما من غير بيته هو عبد الحميد الكاتب الذى انتهت إليه رياسة ديوان الرسائل فى أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، وهو أبلغ كتاب الدواوين وأشهرهم حتى زمنه، لبلاغته وقد ضربت بها الأمثال، فقيل: «بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد» (١) ويقول ابن النديم: «عنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا، وهو الذى سهّل سبيل البلاغة فى الترسل (٢)» ويقول المسعودى إنه «أول من استخدم التحميدات فى الكتب (٣)» واشتهر برسالة وجّه بها إلى الكتاب، وهى تدل على نمو طائفتهم وأنهم أخذوا يشكّلون فئة بارزة فى حياة الدولة والمجتمع، وفيها ينصحهم أن يلموا بالثقافة الإسلامية والعربية والأجنبية (٤). وكان يعرف الفارسية، ويقول صاحب الصناعتين إنه استخرج أمثلة الكتابة التى رسمها لمن بعده من اللسان الفارسى فحوّلها إلى اللسان العربى (٥)» وذكر الجاحظ أنه ترجم بعض كتب من الفارسية. وتحتفظ الكتب الأدبية ببعض رسائله السياسية، ومنها رسالة (٦) طويلة كتب بها عن لسان مروان بن محمد إلى ابنه وولى عهده عبد الله حين وجّهه لمحاربة بعض الخوارج، وهى أشبه بكتّيب يشتمل على دستور محكم لقواد الدولة يضع لهم نظاما دقيقا لجيوشهم وتدبير شئونها من الوجهتين المادية والحربية. وبمجرد أن تحولت الخلافة من الأمويين إلى العباسيين وحلت بغداد محل دمشق أصبحت هى والشام جميعه ولاية تابعة للعباسيين، ولم يعد لديوان الإنشاء كبير أمر فى عصر الولاة والطولونيين والإخشيديين، بل لقد تعطل تماما، ولم نعد نسمع لدمشق أو للشام بكاتب كبير، إذ تحولت الكتابة الديوانية وتحول معها ديوان الإننشاء إلى بغداد، وأصبحنا طوال القرون: الثانى والثالث والرابع مشدودين إلى ديوان بغداد وكتّابه العظام، وأخذت الدولة الطولونية تعنى فى الفسطاط بهذا الديوان وظهر فيه ابن عبد كان وأضرابه، واستمر هذا النشاط زمن الإخشيديين ولكن شيئا منه لم يسقط إلى الشام، إذ كانت حينئذ ولاية تابعة للطولونيين والإخشيديين جميعا، وظل كثير من بلدانها تابعا لمصر فى زمن الدولة الفاطمية، ولم ينشأ حينئذ فى دمشق أو غيرها ديوان إنشاء ينهض الكتاب فيه بالكتابة الديوانية، حتى إذا أظلّ دمشق حكم دولة الأتابكة البوريين (٤٩٧ - ٥٤٩ هـ) رأيناها تعنى

стр. 3095

بهذا الديوان، ويشتهر ببلاغه الكتابة فيه كتاب مختلفون، لعل أهمهم سنى الدولة (١) ابن أخى الشاعر ابن الخياط الذى ترجمنا له بين شعراء المديح، ويذكر له العماد قطعا مختلفة من منشوراته وتقاليده، من ذلك قوله فى منشور بالوزارة: «لما كان محله عندنا خطيرا، ومكانه لدنيا مكينا أثيرا، لا قرين يجاريه، ولا نظير يماثله ويباريه، ولا متطاول يطمع فى إدراك معاليه، شددنا بركنه أركانها، وسددنا به مكانها، وعوّلنا عليه فيها، واستنهضناه لتوليها، ورأيناه كفأها وكافيها». وكتاباته على هذا النحو دائما مسجوعة سجعا فيه غير قليل من الرشاقة والعذوبة. وكتب بعده لسلاطين دمشق البوريين عبد الله بن أحمد الحميدى المعروف باسم ابن النقاد (٢) الكاتب الدمشقى، وظل يكتب لهم إلى أن تملكها منهم نور الدين محمود، وكتب له مدة يسيرة، وتوفى سنة ثمان أوتسع وستين وخمسمائة، ولم يذكر العماد شيئا من كتاباته. ويظلّ حلب ودمشق. وبلدان الشام الشمالية عهد نور الدين (٥٤١ - ٥٦٩ هـ) وكان وزيره ومستوفى دواوينه وكتابة الإنشاء فيها خالد بن محمد بن القيسرانى، وهو ابن الشاعر المترجم له بين شعراء المديح، ويقول العماد فيه: «كان نور الدين رفعه واصطنعه، وبلغ منه مبلغا من الأمر كأنه أشركه فى الملك معه» (٣) ويذكر له ابن واصل توقيعا كتبه باسم نور الدين لرفع المكوس والضرائب الباهظة عن كاهل رعيته فى البلدان التى أظلها حكمه جاء فيه (٤). «وقد علمتم-معاشر الرعايا وفقكم الله ورعاكم-ما كان مرتبا من المظالم المجحفة بأحوالكم والمكوس المستولية على شطر أموالكم، والرسوم المضيّقة عليكم فى أرزاقكم، والمؤن التى تساهمكم فى منافع أملاككم، واستمرار ذلك عليكم إلى أن فوّض الله- -لنا-تدبير أموالكم، واسترعانا على كبيركم وصغيركم، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولا فأولا، ولم نبتغ فى إقراره على وجوهه شبهة ولا تأولا». ويلى ذلك بيان بما أسقط نور الدين عن كل بلد من المكوس والضرائب. وكان من كتابه أبو اليسر (٥) شاكر بن عبد الله المعرى كاتب الإنشاء بدمشق، واستعفاه من الخدمة سنة ٥٦٣

стр. 3096

فأقام العماد الأصبهانى مقامه، وأضاف إليه-كما هو معروف-التدريس فى مدرسته المعروفة باسم المدرسة النورية الشافعية. ووصله القاضى الفاضل بصلاح الدين فرسم باستكتابه فى ديوانه بالشام، وسنفرد له ترجمة مجملة، وهو أكبر كتاب الدولة الأيوبية فى دمشق والشام غير منازع. وتتحول الشام إلى إقطاعات بعد زمن صلاح الدين، حتى ليوشك أن يكون لكل بلد أمير أيوبى، ويتخذ كل أمير لنفسه كاتب رسائل نابه، وكان بينهم غير مصرى مثل ابن النبيه كاتب الأشرف موسى، وهو مشهور بين شعراء الغزل فى مصر، ومثل عبد الرحيم بن على بن شيث المتوفى سنة ٦٢٥ صاحب ديوان الإنشاء للمعظم عيسى الأيوبى صاحب دمشق، وله كتاب فى عمل الدواوين وتقاليد الكتابة الديوانية لزمن الدولة الأيوبية سماه «معالم الكتابة ومغانم الإصابة» وهو مطبوع قديما ببيروت، وهو أحد مصادر كتاب صبح الأعشى للقلقشندى. ويكثر منذ هذه الدولة ودولة المماليك أن يعهد برياسة ديوان الإنشاء بمصر إلى من يظهرون تفوقا فى إسناد هذا الديوان إليهم بدمشق، ونذكر منهم تاج الدين أحمد بن الأثير الحلبى المنشئ المتوفى سنة ٦٩١ للهجرة، عمل فى ديوان الإنشاء بدمشق، ثم انتقل منه إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة فى عهد الظاهر بيبرس وقلاوون، وظل يترقى إلى أن ولى كتابة السر، ويقول ابن تغرى بردى: «لكلامه رونق وطلاوة» ويذكر من إنشائه كتابا عن قلاوون إلى صاحب اليمن بفتحه لطرابلس واستيلائه عليها من أيدى الصليبيين نوّه فيه باستعلاء قلاوون على غيره من الحكام القاعدين عن منازلة حملة الصليب الغارقين فى اللهو، يقول (١): «وكانت الخلفاء والملوك ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه، مكب على مجلس أنسه، يرى السلامة غنيمة، وإذا عنّ له وصف الحرب لم يسأل منها إلا عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرتبة وقنع من ملكه بالسّكّة والخطبة، وأموال تنهب، وممالك تذهب». ويريد بالسكة ضرب النقود ونقش أسمائهم عليها كما يريد بالخطبة دعاء خطباء المساجد لهم فى ختام خطابتهم يوم الجمعة. وتولى بعده كتابة السر فى القاهرة ابنه عماد الدين حتى توفى سنة ٦٩٩ وشغل مكانه أخوه علاء الدين على فى عهد محمد الناصر بن قلاوون. وأكبر كتاب الشام الذين رأسوا ديوان الإنشاء بدمشق والقاهرة الشهاب محمود المتوفى سنة ٧٢٥، وقد مرت ترجمته بين شعراء المديح واحتفظ القلقشندى فى صبحه بنماذج كثيرة من رسائله

стр. 3097

وتوقيعاته الديوانية، وذكر هو نفسه منها طائفة فى كتابه «حسن التوسل إلى صناعة الترسل» وذكر ابن حجر عن الصفدى أن رسائله تدخل فى ثلاثين مجلدا وأن بعض الفضلاء اختار منها مجلدين، ومن قوله فى التهنئة بتقليد سيف (١): «وقلده مننا: سيفا تلمع مخايل النصر من غمده، وتشرق جواهر الفتح فى فرنده، وإذا سابق الأجل إلى النفوس عرف الأجل قدره فوقف عند حدّه، ومتى جرده على ملك من ملوك العدا وهت عزائمه، وعجز جناح جيشه أن تنهض به قوادمه، وعلم أنه سيفنا الذى على عاتق الملك الأعز نجاده وفى يد جبار السموات قائمه». ومن كبار كتاب الشام الذين عملوا فيها وفى مصر فى دواوين الإنشاء صلاح الدين الصفدى المتوفى سنة ٧٦٤ وسنخصه بكلمة، ومنهم ناصر الدين محمد بن محمد الحموى المعروف بابن البارزى المتوفى سنة ٨٢٣ تولى قضاء حماه ثم كتابة سرها وصحب السلطان المؤيد شيخ أيام نيابته بدمشق، وقدم معه إلى مصر حين تسلطن عليها سنة ٨١٥ وعينه كاتب السر بها إلى أن توفى، وقد احتفظ القلقشندى له بعهد عن الإمام المستعين (الخليفة العباسى المقيم بمصر حينئذ) للسلطان المؤيد شيخ، وفيه يقول (٢): «الحمد لله الذى جعل الدين بنصره مؤيدا، وانتضاه لمصالح الملك والدين فأصبح ومن مرهفات عزمه بادئة بائدة العدا، وفتح على فقر الزمان بشيخ ملك زويت له عوارف العدل ومعارف الفضل، فاستغنى ولله الحمد-بسعيد السعدا، وأصلح فساد الأحوال بأحكام رأيه وإحكام حكمه، فأصبحت مأمونة الرّداء، آمنة من الرّدى، وامتنّ على أولياء الدولة الشريفة بمن لم يزل سهم تدبيره الشريف فيهم مسدّدا». وقدرة ابن البارزى الإنشائية تتضح فى هذه السطور، إذ يطيل سجعاته وقد جعل الدال قوافيها جميعا، وهو إنما يطيل سجعاته ليضيف إليها الجناس كما فى «بادئة وبائدة» و «أحكام وإحكام» و «الرّداء: الثوب (كناية عن الأحوال) والرّدى: الهلاك. ويفسح أيضا للسجع الداخلى فى السجعة مثل: «عوارف العدل ومعارف الفضل».

стр. 3098

وعيّن ابن البارزى فى ديوان الإنشاء أديبا مواطنا له هو ابن حجّة الحموى المتوفى سنة ٨٣٧ وسنفرد له كلمة قصيرة، وخلف ابن البارزى فى كتابة السر ابنه كمال الدين، وكان تارة يعزل وتارة يعود إلى كتابة السر حتى وفاته سنة ٨٥٦. ووراء هؤلاء الكتاب الديوانيين الذين بلغ من نبوغهم فى الكتابة الديوانية أن نقلتهم الدولة إلى القاهرة فى ديوانها الكبير كتّاب كثيرون كانوا يكتبون لحكام البلدان الشامية، وأهمهم كتّاب ديوان دمشق إذ كان بها نائب السلطان، وكان ديوانها لذلك أهم الدواوين الشامية، ونذكر من كتّابها علاء الدين على بن محمد بن سلمان المعروف بابن غانم المتوفى سنة ٧٣٧ ومن نثره فى وصف قلعة (١): «لا ترى العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر سكانها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بمالها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفّها كالبحر إلا أن هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج». ونذكر من أهم كتّاب السر فى دمشق أو بعبارة أخرى رؤساء ديوان الإنشاء بها حفيد تاج الدين بن الأثير المذكور آنفا، وهو كمال الدين محمد بن إسماعيل ثم ابنه عبد الله، تولّى كتابة السر بدمشق فترة وعزل سنة ٧٦٤ وتولاها فتح (٢) الدين بن الشهيد حتى توفى سنة ٧٩٣ وكان بارعا فى الشعر وكتابة الرسائل، ونظم السيرة لابن هشام فى رجز بلغت عدته خمسين ألف بيت. ومنهم صدر الدين على بن محمد المعروف بابن الأدمى المتوفى سنة ٨١٦ ولى نظر جيش دمشق، ثم كتابة سرها ثم قاضى قضاتها، ونقله معه المؤيد شيخ حين أصبح سلطانا لمصر سنة ٨١٥ وجمع له بين القضاء والحسبة وفيه يقول صاحب النجوم الزاهرة: «كان إماما بارعا أديبا فصيحا ذكيا (٣)». وما زالت الكتابة الديوانية مزدهرة بدمشق إلى أن استولى عليها العثمانيون سنة ٩٢٢ وأصبحت اللغة التركية اللغة الرسمية للدواوين فيها وفى غيرها من بلدان الشام. ونقف قليلا عند ثلاثة من كتابها النابهين.

стр. 3099

العماد (١) الأصبهانى هو عماد الدين محمد بن محمد بن حامد، ولد بأصبهان سنة ٥١٩ وقدم به أبوه إلى بغداد واستقرّ بها. وانتظم هو فى سلك المدرسة النظامية مع لداته من الناشئة، وتفقه بها، وثقف علوم العربية، وعاد مع أبيه إلى أصبهان سنة ٥٥٢، ولم يلبث أن رجع إلى بغداد، واتصل بوزيرها عون الدين بن هبيرة فولاه نظر البصرة ثم نظر واسط. وتوفى ابن هبيرة سنة ٥٦٠ وسجن العماد فيمن سجن من أتباعه، وردّت إليه حريته سريعا، غير أنه لم يستطع أن يستردّ مكانته، ورأى أن يفارقها، وولّى وجهه نحو دمشق، ونزلها سنة ٥٦٢ وكانت قد أصبحت تابعة لنور الدين محمود، وقدّمه قاضى دمشق كمال الدين بن الشهرزورى إلى أمير مهم من أمراء نور الدين هو نجم الدين أيوب، فاكتسب حظوته وحظوة ابنه صلاح الدين، ثم قدمه القاضى إلى نور الدين فأعجب به واتخذه صاحب سره، وبعث به رسولا إلى الخليفة المستنجد ببغداد، ونجح فى مهمته. وعاد ففوض إليه نور الدين سنة ٥٦٧ التدريس فى مدرسته النورية التى أنشأها بدمشق لدراسة الفقة الشافعى، وقد سماها من أجله تكريما له المدرسة العمادية. ولم يلبث أن أضاف إليه رياسة ديوان الإنشاء. ولما توفى نور الدين سنة ٥٦٩ عزلت حاشية ابنه اسماعيل العماد من وظائفه، فترك دمشق قاصدا بغداد، ومرض فى طريقه إليها بالموصل، وعلم أن صلاح الدين قدم من القاهرة إلى دمشق للاستيلاء عليها، فعادتوّا، والتقى بصلاح الدين فى حمص، وقدمه إليه وزيره القاضى الفاضل، ورغبّه فى إلحاقه معه بخدمته، فاستكتبه صلاح الدين وظل يلزمه فى الشام ورحل معه ذات مرة إلى الديار المصرية. ولما توفى صلاح الدين سنة ٥٨٩ كتب من بعده لابنه نور الدين حاكم دمشق، حتى إذا استوزر ضياء الدين بن الأثير استعفاه من عمله. وزار مصر حينئذ، ثم عاد إلى دمشق، فلزم داره يصنف ويؤلف حتى توفى سنة ٥٩٧. و العماد الأصبهانى أديب كبير: كاتب وشاعر، وكان له ديوان كبير فى أربعة مجلدات وديوان صغير كله رباعيات، وقد أنشدنا بعض شعره فى حديثنا عن شعراء المديح والرثاء، وكان يجيد الفارسية

стр. 3100

لغة موطنه، ومنها نقل كتاب كيمياء السعادة للإمام الغزالى. ومرّ بنا فى حديثنا عن التاريخ وكتبه ذكر مؤلفاته التاريخية: كتاب البرق الشامى الذى وصف فيه أحداث حياته منذ انتقاله من العراق إلى دمشق وأثناء خدمته لنور الدين وصلاح الدين وفتوحاتهما وهو فى سبعة مجلدات، وكتاب الفيح القسى فى الفتح القدسى فى وصف فتح صلاح الدين لبيت المقدس، وكتاب نصرة الفطرة وعصرة القطرة فى تاريخ السلاجقة ووزرائهم. وذكرنا-فى غير هذا الموضع-أن الفتح البندارى اختصره باسم «زبدة النصرة ونخبة العصرة» وأنه طبع فى القاهرة باسم تاريخ دولة آل سلجوق. والكتاب الرابع كتاب خريدة القصر وجريدة العصر، وهو فى شعراء القرن السادس من الأندلس إلى أواسط آسيا حتى تاريخ كتابته فى أوائل العقد الثامن من القرن السالف. وله وراء ذلك كتب تاريخية لم تصلنا منها كتاب العثبى والعقبى فى بيان الأحداث التى تلت وفاة صلاح الدين حتى سنة ٥٩٢ وكتاب نحلة للرحلة وصف فيه رحلته إلى مصر بعد وفاة صلاح الدين، وكتاب خطفة البارق وعطفة الشارق فى ذكر أحداث من سنة ٥٩٣ حتى سنة وفاته. وقد عمم العماد فى كتاباته التاريخية السجع وبعض المحسنات البديعية وخاصة الجناس، مما يدل-رغم ما فيها من تكلف-على مهارة أدبية رائعة. وكانت له رسائل ديوانية كثيرة تشغل المجلدات الضخام، وكان كلما فتح صلاح الدين فتحا دحر فيه حملة الصليب ومزّقهم تمزيقا كتب بذلك إلى الخليفة ببغداد وإلى القائمين على البلدان من الحكام، يبشر بالنصر المبين فى سبيل الدين. ونقتطف قطعة من كتاب عن صلاح الدين إلى الخليفة يخبره فيه بضم الموصل-بعد موت صاحبها غازى بن مودود-إلى دولته ومملكته، يقول فيه العماد: «لا خفاء أن مصر إقليم عظيم وبلد كريم، أنقذها الله من عبيد بنى عبيد الفاطميين وأطلقها بمطلقات أعنّتنا إليها من عناء كل قيد، وفيها شيعة القوم، وهم غير مأمونى السر إلى اليوم. وطوائف أقاليم الروم والفرنج بها مطيفة فمن حقها أن يتوافر عسكرها، فلو حصل-والعياذ بالله- بها فتق لأعضل رتقه، واتسع على الراقع خرقه، واحتجنا لحفظ بلاد الشام وثغور الاسلام إلى استصحاب العسكر المصرى إليها، وله خمس سنين فى بيكارها (حربها) منتقما من كفارها متحملا لمشاقّها على غلاء أسعارها». وقد جانس العماد فى أول القطعة بين «عبيد وعبيد» وبين «أطلقها وبمطلقات». وتدل القطعة دلالة واضحة على أن جيش صلاح الدين المدمر لحملة الصليب كان مصريا على الأقل فى

стр. 3101

جمهوره الأكبر. ويذكر صاحب الروضتين كثرة ما كان يكتبه العماد من البشارات فى كل انتصار لصلاح الدين على حملة الصليب، وما كان أكثر انتصاراته، ويذكر أنه حين فتح بيت المقدس كتب العماد سبعين بشارة، وكانت البشارات رسائل طويلة يصف العماد فيها المواقع وصفا تفصيليا. ويسوق المؤرخون بشارته بهذا الفتح العظيم التى كتب بها إلى الخليفة ببغداد، وفيها يقول، بعد إطنابه فى تحميدها وشكر الله على سابغ نعمائه على الإسلام والمسلمين. «هذا الفتح العظيم، والنّجح الكريم، قد انقرضت الملوك الماضية، والقرون الخالية، على حسرة تمنّيه، وجيرة ترجّيه، ووحشة اليأس من تسنّيه (انفكاك عقدته) وتقاصرت عنه طوال الهمم، وتخاذلت عن الانتصار له أملاك الأمم، فالحمد لله الذى أعاد القدس (الشريعة) إلى المقدس، وأعاذه من الرّجس، وحقق من فتحة ما كان فى النفس، وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس، وجعل عزّ يومه ماحيا ذلّ أمس، وأسكنه الفقهاء والعلماء بعد الجهاد والضلال من البطرك والقسّ، وعبدة الصليب ومستقبلى الشمس. . وأخرج من بيته المقدس يوم الجمعة أهل الأحد (يريد يوم الأحد) وقمع من كان يقول: إن الله ثالث ثلاثة بمن يقول هو الله أحد، وأعان الله بإنزال الملائكة والروح، وأتى بهذا النصر الممنوح، الذى هو فتح الفتوح». والطباق كثير فى القطعة، والجناس ينثر فيها من حين لآخر. وقد يكثر منه فى بعض رسائله كثرة مفرطة، بل هو أهم محسن بديعى أكثر من استخدامه، وعابه الصفدى بهذا الإكثار، متمثلا بقوله فى جواب مكاتبة: «وقف الخادم على الكتاب وأفاض فى شكر فضل فيضه المستفيض، وتبلّج (إشراق) وجه وجاهته وتأرّج (انتشار) نبأ نباهته ما عرّفه من عوارفه (فواضله) البيض». يقول الصفدى معقبا على هذه السجعة الطويلة وجناساتها الكثيرة: «انظر إلى قلق هذا التركيب وتعسّفه فى هذا الترتيب». ويقول السبكى معلقا على كلام الصفدى: «الأمر كما وصف، ولقد مجّ سمعى فواتح أبواب كتاب خريدة القصر، لما يكثر فيها من الجناس وردّ العجز على الصدر». على أن الصفدى نفسه يلاحظ أنه «حين يخلو كلام العماد المسجوع فى رسائله وكتبه من الجناس الكثير يعذب فى السمع وقعه، ويتسع فى الإحسان صقعه (جانبه) ويرشف اللّبّ مدامه، ويكون عند من له ذوق أطيب من تغريد حمامه».

стр. 3102

الصّفدى (١) هو صلاح الدين خليل بن أيبك الصّفدى، ولد بصفد فى فلسطين سنة ٦٩٦ وعنى فى أول حياته بصناعة الرسم، ثم اتجه إلى علوم الشريعة والعربية، وتنقل بين دمشق والقاهرة يأخذهما عن كبار العلماء، وأولع بالأدب. وكان أول ما ولى من الأعمال كتابة الدّرج بموطنه صفد، يكتب ما يوقّع به كبار الكتاب فى دواوينها لجودة خطه، ثم انتقل إلى القاهرة وشغل نفس العمل بدواوينها، ومضى يختلف إلى حلقات العلماء والأدباء بها، وتركها إلى دمشق، وكان رئيس الديوان بها حينئذ الشهاب محمود إذ نقل إليها من القاهرة منذ سنة ٧١٧ وأعجب بالشاب الصفدى، وعيّنه فى كتابة الدّست، حتى يعاونه فى عمله وما يتصل به من إنشاء بعض الرسائل، وانعقدت صلة وثيقة بينه وبين ابن نباتة، وتخرج على يديه شاعرا، كما تخرج على يدى الشهاب محمود كاتبا مجيدا. وتوفى الشهاب محمود سنة ٧٢٥ على نحو ما مرّ بنا فى ترجمته، وظل الصفدى يعمل فى دواوين الشام، وعيّن رئيسا لديوان الإنشاء بحلب وقتا، وعاد إلى دمشق وإلى وظيفته بها فى كتابة الدّست مساعدا لرئيس ديوان الإنشاء بها وخاصة فى كتابة التواقيع والمراسيم الخاصة بتعيين القضاة وكبار الموظفين. وأضيفت إليه حينئذ وكالة بيت المال، واستمر فى الوظيفتين إلى أن توفى بدمشق سنة ٧٦٤ وكان قد تصدى قبيل وفاته فى الجامع الأموى للتدريس، وكان يحضر حلقة دروسه أحيانا بعض شيوخه مثل الذهبى وابن كثير. ويقول صاحب النجوم الزاهرة: كان إماما بارعا كاتبا ناظما ناثرا شاعرا، وديوان شعره مشهور بأيدى الناس وهو من المكثرين. ويقف الحموى فى خزانته مرارا ليذكر أن ابن نباتة لا حظ كثرة سرقاته لمعانى شعره وأنه ألف كتابا فى سرقاته منه سماه «خبز الشعير» يشير بذلك إلى أن عمله مذموم نفس مذمة خبز الشعير وأكله. وشعره فى جملته متوسط وهو يكثر فيه من التورية، ومن طريف ماله قوله: بسهم ألحاظه رمانى ... فذبت من هجره وبينه

стр. 3103

إن متّ مالى سواه خصم ... فإنه قاتلى بعينه ويعد من أكبر المصنفين فى التراجم والأدب والبديع والنقد، وعلى رأس مصنفاته فى التراجم كتاب الوافى بالوفيات، وهو فى نحو ثلاثين مجدا، ونشرت طائفة من أجزائه. واستخلص منه مع إضافات جديدة كتابه «أعوان النصر وأعيان العصر» من الأدباء والشعراء وهو فى ستة مجلدات، وفى دار الكتب المصرية منه مجلدات متفرقة. وألف فى مشاهير المكفوفين كتابه: نكت الهميان فى نكت العميان، وهو منشور. وله التذكرة الصفدية وهى مختارات أدبية وكتاب تشنيف السمع فى انسكاب الدمع: دمع المحبين والعشاق، وله فى المحسنات البديعية كتاب فض الختام عن التورية والاستخدام وكتاب جنان الجناس، وله فى النقد نصرة الثائر (وهو ابن أبى الحديد) على المثل السائر لابن الأثير، والغيث المسجم فى شرح لامية العجم، وهو شرح ملئ بالملاحظات النقدية، وبه دفاع بديع عن ابن سناء الملك إزاء ما اتهمه به خصومه من استخدام بعض الألفاظ العامية، وشرح رسالة ابن زيدون الجدية بشرح سماه «تمام المتون». وله وراء ذلك كتب أخرى سقطت من يد الزمن، كما أن له بعض مقامات، ويقال إنه كتب وصنّف مئين من المجلدات وخلّف كثيرا من الرسائل بينها مجموع باسم ألحان السواجع فى مجلدين سجل فيه الرسائل المتبادلة بينه وبين أدباء عصره. وكانت رسائل الصفدى الديوانية تشغل مجلدات كثيرة، ولم يحتفظ منها القلقشندى إلا برسائل قليلة، من ذلك توقيع لأمين الملك ومدبر شئون دمشق من أمن وضرائب وأوقاف وغير أوقاف، وله يقول باسم صاحب الأمر: «لما كانت دمشق فى الدنيا أنموذج الجنّة التى وعد بها المتقون، ومثال النعيم للذين عند ربهم يرزقون، وهى زهرة ملكنا ودرّة سلكنا. . تعيّن أن ننتدب لها من جرّبناه بعدا وقربا، وهززناه مثقّفا (١) وسللناه عضبا (٢) وخبأناه فى خزائن فكرنا فكان أشرف ما يدّخر، وأعزّ ما يخبأ، كم نهى فى الأيام وأمر، وكم شد أزرا لما وزر، وكم غنيت به أيامنا عن الشمس وليالينا عن القمر، وكم علا ذرى رتب تعزّ على الكواكب الثابتة فضلا عمن يتنقّل فى المباشرات (٣) من البشر، وكم كانت الأموال جمادى (٤) فأعادها ربيعا غرّد به طائر الإقبال وصفر. فليتلقّ هذه الولاية بالعزم الذى نعهده، والحزم الذى شاهدناه ونشهده، والتدبير الذى يعترف الصواب له

стр. 3104

ولا يجحده، حتى يثمّر الأموال فى أوراق الحسّاب، وتزيد نموا وسموا فتفوق الأمواج فى البحار وتفوت القطر من السحاب». وواضح ما فى السجعة الأولى من اقتباس لبعض ألفاظ القرآن الكريم، ويلتمس الصفدى بعض صور الطباق والجناس ولكن دون إسراف، كما يلتمس بعض الاستعارات، ويبدو فيها غير قليل من التكلف، كما يبدو التكلف أحيانا فى اجتلاب السجعات. ومن توقيعاته توقيع كتب به لكاتب السر بدمشق: ناصر الدين محمد بن يعقوب بالتدريس فى المدرسة الناصرية الجوانية جاء فيه: «إن مدارس العلم الشريف لها الذكر الخالد والشرف الطارف والتالد (١) بها تتبين فوارس الجلاد فى مضايق الجدال، وتتجلى بدور الكلام فى مطالع الكمال، وتبدو شموس الجمال فيما لها من فسيح المجال. والمدرسة الناصرية-أثاب الله تعالى واقفها-هى الواسطة فى عقودها. والدرة الثمينة بلا كفء لها بين قيمّ نقودها، قد تدبّج فيها البناء وتأرّج عليها (٢) الثناء، وتخرّج عنها الحسن فإن له بها مزيد اعتناء. . فلذلك رسم بالأمر العالى أن يعاد إلى تدريسها لأن العود أمدح وأحمد، والرجوع الى الحق أسعف وأسعد». وواقع ما فى التوقيع على هذا النحو من التصنع للجناس المقلوب فى مثل «جلاد وجدال» و «كلام وكمال» و «جمال ومجال» و «أمدح وأحمد» و «أسعف وأسعد» كل ذلك ليقع من نفس رئيس ديوان الإنشاء موقعا حسنا. ولم يكن الصفدى يتكلف دائما مثل هذه الكلف فى جناساته، بل هى تأتى عنده نادرة إذ كان حسبه أن يأتى بالجناسات الطبيعية دون هذه المشقة فى التكلف. وكثير من جوانب توقيعاته سلس سائغ. وكان محببا إلى أهل زمنه حسن المعاشرة جميل المودة.

стр. 3105

ابن حجة (١) الحموى هو تقى الدين أبو بكر بن على بن عبد الله المعروف ب ابن حجّة الحموى ، ولد بحماة سنة ٧٦٧ ونشأ بها، ودرس على شيوخها وأساتذتها، وأخذ عنهم فنونا من العلم والأدب، وارتحل إلى دمشق والقاهرة يتزود من حلقات علمائهما وأدبائهما. وانعقدت صلات كثيرة بينه وبين بعض أدباء مصر من مثل ابن مكانس الذى مرت ترجمته، وعاد إلى دمشق وأخذ يتردد بينها وبين القاهرة، ويبدو أنه عمل فى دواوين حماة ثم دمشق حين كان يتولى ابن البارزى مواطنه كتابة السر بهما، وكانت قد توثقت علاقة ابن البارزى بالمؤيد شيخ حين أصبح نائبا لسلطان مصر بدمشق، فلما استدعى إلى مصر لتولى السلطنة اصطحبه معه واتخذه كاتب سره كما مر بنا، واصطحب ابن البارزى معه ابن حجة وولاه كتابة الإنشاء بالقاهرة سنة ٨١٥ فبلغ ذروة مجده الأدبى، وظل قائما على هذا العمل طوال حياة ابن البارزى وحكم المؤيد شيخ (٨١٥ - ٨٢٤ هـ) وظل كاتبا للإنشاء بعده عاما وأشهرا وشهد حينذاك تحول السلطة من الملك المظفر ابن المؤيد إلى الملك الظاهر ططر فابنه الملك الصالح وتولى السلطان برسباى سنة ٨٢٥ وتوقف أمره، فعاد سريعا إلى موطنه حماة، وظل بها مكبّا على التصنيف والتأليف حتى توفى سنة ٨٣٧ هـ. واشتهر بقصيدته: البديعية فى المديح النبوى وما حمّل أبياتها من محسنات البديع لزمنه، وهى فى مائة واثنين وأربعين بيتا وكل بيت يحمل محسنا من تلك المحسنات. وشرحها شرحا مطولا، متوسعا فى سرد الشواهد الشعرية والنثرية الكتابية مع مالا يكاد يحصى من ملاحظات على استخدام الشعراء للمحسنات البديعية، بحيث أصبح الشرح-كما سماه-خزانة أدب. وتعد مرجعا أساسيا للشعر والشعراء فى زمن الأيوبيين والمماليك حتى أيامه. وله فى البديع كتاب كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام. وله كتاب أدب طريف سماه «ثمرات الأوراق» طبع مرارا يعرض فيه مختارات نثرية وشعرية وكثيرا من المحاضرات والمساجلات، مع الإلمام ببعض القواعد المهمة التى ينبغى ان تراعى فى الكتابة الديوانية، ومع الإلمام أيضا ببعض رسائل القاضى الفاضل وابن نباته وأيضا ببعض رسائله. والكتاب فى مجموعة أشبه بكتب المحاضرات والنوادر. واختصر بعض

стр. 3106

الأعمال، من ذلك اختصاره للصادح والباغم لابن الهبارية بإشارة من ابن البارزى سنة ٨١٣ كما ذكر فى الخزانة بباب إرسال المثل، وسمى مختصره تغريد الصادح وصدّره من نظمه بأبيات تقوم مقام الديباجة. وله كتب متعددة مذكورة فى كتاب البدر الطالع سقطت من يد الزمن. وله مقامة سنعرض لها فى غير هذا الموضع، وكان شاعرا، كما كان كاتبا، وأنشد فى الخزانة كثيرا من شعره، ويقول الشوكانى: «قد يأتى فى نظمه بما هو حسن وبما هو فى غاية الركة والتكلف. . ونثره أحسن من نظمه». وفى الخزانة رسائل كثيرة له، وخاصة فى أبواب براعة الاستهلال والسجع وحسن الختام. وفى «ثمرات الأوراق» كما أسلفنا-بعض رسائله، وجمع ما أنشأه أولا بالشام ثم ما أنشأه فى عهد المؤيد ثم فى عهد الملوك المظفر والظاهر ططر والصالح فى كتاب سماه «قهوة الإنشاء» فى مجلدين، ومنه مخطوطة فى دار الكتب المصرية، وفى الدار أيضا كتاب له محفوظ بأسم تأهيل الغريب يشتمل على كثير من رسائله ومكاتباته مع الأدباء، ونقتطف قطعة من بشارة له بوفاء النيل كتبها سنة ٨١٩ عن الملك المؤيد شيخ: «ونبدى لعلمه الكريم ظهور آية النيل الذى عاملنا الله فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا فى طرق الوفاء على أجمل عادة. . دقّ قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع (١) عليه، وقبّل ثغور الإسلام وأرشفها ريقه الحلو فمالت غصونها إليه. . وخضنّ مشتهى الروضة فى صدره وحنا عليها حنّو المرضعات على الفطيم: وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذّ من المدامة للنديم وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات، وأدخله إلى جنات النخيل والأعناب فالق النّوى والحبّ، فأرضع فى أحشاء الأرض جنين النبت وأحيا له أمهات العصف والأبّ. . ونسى الزهر بحلاوة لقائه مرارة النّوى، وهامت به مخدّرات (٢) الأشجار فأرخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوى. . ودارت دوائره على وجنات الدهر عاطفة، وثقلت أرداف أمواجه على خصور الجوارى واضطربت كالخائفة». والسجع فيه عذوبة ودلالة واضحة على طواعيه قوافيه لابن حجة، وأنه كان كاتبا مجيدا إن لم يكن بارعا، وأطال السجعات ليحمّلها ما يريد من التوريات، وهى كثيرة فى القطعة، وما نمضى فيها حتى يذكر مديد النيل أو امتداده والمديد من بحور الشعر، يستغل ذلك فى التورية بكلمة

стр. 3107

الأبيات فلا يريد أبيات الشعر إنما يريد الدور والمساكن. واختار أمهات العصف، وهو ورق الشجر والزرع مما تأكله الأنعام ليجلب كلمة الأب مورّيا بها فهو لا يريد الأبّ الحقيقى كما يظن من ذكر الأمهات، وإنما يريد الأب بمعنى العشب أخذا من قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ واختار مع حلاوة اللقاء مرارة النوى، وهو لا يريد نوى التمر الحقيقى وإنما يريد النوى بمعنى البعد لأن وفاء النيل وفيضانه يكون من عام إلى عام، وبالمثل يمكن أن يكون فى كلمة الهوى تورية لأن لها معنيين: العشق والريح، وأيضا فى كلمة الجوارى تورية إذ لا يريد الجوارى الحقيقيات مع ما يوشح لها من ذكر الخصور وإنما يريد السفن الجارية. وكان تعيين كبار موظفى الدولة من وزراء وقضاة وغير قضاة يصحبه تقليد بتعيينهم فى شكل رسالة مطولة يكتبها منشئ الديوان، ولابن حجة تقليد طويل كتبه لجلال الدين البلقينى الشافعى بقضاء القضاة وفيه يقول مصورا علمه: «هو أبو العلماء الذى ولّد من الأم أفراحهم، وأبو المهمات الذى شهر من العدّة الكاملة فى ميدان الفرسان سلاحهم، وإليه انتهت الغاية فإنه ما برح يأتينا فى وجيز تقريبه بالعجاب، ويغنينا عن موضح القشيرى فإنه يغذينا فى إبانته باللباب. . وقد وقع التمويه فى الفروق بينه وبين الغير عند أهل التبصرة والهداية، وهو نهاية المطلب وعيون المسائل وتاج رءوسها والمذهب الذى تهذيبه فى أدب القاضى كفاية، وهو البحر الذى ما دخلنا بسيطه المبسوط إلا قالت التورية إنه فى البسيط كامل، ولا نظرنا إلى حليته الجلالية إلا غنينا عن المصباح بنوره الشامل». والقطعة مليئة بتوريات عن أمهات الفقه الشافعى، وقد بدأها فى السجعة الأولى بذكر كتاب الأم للإمام الشافعى، وتلاه بالإشارة إلى كتاب الغاية فى اختصار النهاية للعز بن عبد السلام، والنهاية هى نهاية المطلب فى دراسة المذهب لإمام الحرمين الجوينى، وأشار معه فى نفس السجعة إلى وجيز الإمام الغزالى وتقريب القفّال الشاشى، ثم ذكر اللّباب وهو لباب الألباب للآمدى فى علم الأصول، وأضاف إليه الإبانة مشيرا إلى كتاب الإبانة فى فقه الشافعية للفورانى، ولم يلبث أن أشار إلى التبصرة لأبى إسحاق الشيرازى ونهاية المطلب المذكورة آنفا والمذهب لأبى شامة المقدسى والتهذيب للبغوى وأدب القاضى للماوردى والبسيط للغزالى والشامل لإمام الحرمين الجوينى. وقد بلغ ابن حجة من دقة الصنعة أن من يقرأ الإشارة إلى هذه الكتب وغيرها مما جاء فى التقليد لا يتنبه إليها إلا بعد رويّة وتأمل فيما ابتغاه عنها من توريات.

стр. 3108

٢ - الرسائل الشخصية مرّ بنا أن الشام هى التى وضعت التقاليد الأولى للكتابة الديوانية بحكم أتخاذ الأمويين دمشق حاضرة للدولة الاسلامية الضخمة الممتدة من أواسط آسيا إلى مشارف البرانس، وتهيأ لها حينئذ من كبار الكتاب من لا تزال أسماؤهم تتردد على الألسنة مثل سالم مولى هشام، وعبد الحميد الكاتب وله رسائل شخصية بديعة (١) تتداولها كتب الأدب تتميز بأسلوبها الجزل الناصع مع السلاسة والعذوبة ومع ما عرف به من إحكام الترادف حتى يروع الآذان كما يروع الأذهان. ومن البلغاء الذين اشتهروا بروعة كتاباتهم فى القرن الثانى الهجرى وأوائل الثالث العتّابى كلثوم بن عمرو، وله بدوره-رسائل شخصية (٢) تموج بالتصاوير ودقائق الأفكار مع حسن التعبير وجمال الصياغة. وكان السجع منذ القرن الرابع أخذ يشيع فى الرسائل الديوانية، فشاع فى الرسائل الشخصية لسبب طبيعى هو أن أكثر كتابها كانوا من كتاب الدواوين، وقد أصبح السجع ديدنهم ولغتهم فى كتاباتهم فعمّموه فى رسائلهم الشخصية. ولعل كاتبا فى بلاط سيف الدولة الحمدانى لم يشتهر بالكتابة كما اشتهر أبو الفرج عبد (٣) الواحد بن نصر المعروف بلقبه «الببّغاء» المتوفى سنة ٣٩٨ للهجرة وكان شاعرا مبدعا وكاتبا بارعا، وفى كتاباته يقول الثعالبى «نثره مستوف أقسام العذوبة وشروط الحلاوة والسهولة» ويتضح ذلك فيما روى الثعالبى من رسائله كقوله مثنيا، مطريا. «شهاب ذكاء، وطود وفاء، وكعبة فضل، وغمامة بذل، وحسام حق، ولسان صدق، فالليالى بأفعاله مشرقة، والأقدار لخوفه مطرقة، تحمده أولياؤه، وتشهد له بالفضل أعداؤه». وقوله: «من كان جميل رأى سيدنا عدّته، أمن من الدهر شدته، ومن فزع إلى إحسانه، استظهر على زمانه، ومن توجه برغبته إليه، لم تقدم الأيام عليه».

стр. 3109

(ا) رسائل أبى العلاء لأبى العلاء رسائل أدبية مشهورة مثل رسالة الغفران ورسالة الملائكة، وله بجانب ذلك رسائل شخصية كثيرة، عنيت بطبعها المطبعة الأدبية ببيروت لأواخر القرن الماضى سنة ١٨٩٤ وطبعها مرجليوث فى أكسفورد بعد ذلك بأربع سنوات، وحققها الدكتور عبد الكريم خليفة ونشرها بعمان فى الأردن سنة ١٩٧٦ وقد بلغت عنده ٤٢ رسالة. وأولاها رسالة المنيح وهو القدح الثامن من قداح الميسر التى ليس لها نصيب فى القمار، وكأنه كنى به عن نفسه فى تلك الرسالة التى وجّه بها إلى أبى القاسم الحسين بن على المغربى ردّا على رسالة أرسل بها أبو القاسم إليه. ونراه يستهل رسالته بقوله: «إن كان للآداب-أطال الله بقاء سيدنا-نسيم يتضوّع (١)، وللذكاء نار تشرق وتلمع، فقد فغمنا (٢) على بعد الدار أرج (٣) أدبه، ومحا الليل عنا ذكاؤه بتلهّبه، وخوّل (٤) الأسماع شنوفا (٥) غير ذاهبة، وأطلع فى سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة، وذلك أنا-معشر أهل هذه البلدة-وهب لنا شرف عظيم، وألقى إلينا كتاب كريم، صدر عن حضرة السيد الحبر (٦)، ومالك أعنة النظم والنثر، قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون. جلّ (٧) عن التقبيل فظلاله المقبّلة، ونزّه أن يبتذل فنسخة المبتذلة، وإنه عندنا لكتاب عزيز. ولولا الإلاحة (٨)، على ما ضمن من الملاحة، والخشية على دجى مداده من التوزّع، ونهار معانيه من التشتت والتقطع، لعكفت عليه الأفواه باللّثم، والموارن (٩) بالانتشاء (١٠) والشّمّ، حتى تصير سطوره لمّى (١١) فى الشفاه، وخيلانا على مواضع السجود من الجباه، ولولا ما حظره الدين من القمار لضربنا عليه بالسبعة الفائزة، والثلاثة التى ليست لحظّ

стр. 3110

بالحائزة. . فيا شرفه من صكّ بالفخر، يبجح به على النّظراء حيرىّ (١) الدهر، موشّحا بكل شذرة أعذب من سلاف العنقود، وأحس من الدينار المنقود، فجاء كلوائح البروق، أو يوح (٢) عند الشروق». وإذا مضينا بعد ذلك فى قراءة رسالة المنيح-وهى طويلة-أخذت أمواج الألفاظ الغريبة تتوالى، حتى ليصعب على أى عالم لغوى أن يمضى فيها دون أن يعود إلى المعاجم يستبين منها ما يقرأ لا من حين إلى آخر، بل مع كل سجعة، بل مع غير لفظ فى كل سجعة، وكأنما كان يطلبه طلبا فى سجعاته، أو كأنما كان يعده زينة ينبغى أن لا تخلو منه سجعة. وهو لذلك يملأ الرسالة بالألفاظ الغريبة المبعدة فى الإغراب مما قرأه فى الشعر القديم وفى كتب اللغة، ولا يهمه أن تكون الكلمة مما دوّن فى المعاجم، بل لعله كان يطلب ذلك استكمالا لغرابتها، ومن هنا تصبح قراءته صعبة إلى أقصى حدود الصعوبة. ولم يكن يكتفى بذلك فى بعض رسائله، فقد كان يضيف صعوبة ثانية هى حشد ألفاظ المصطلحات العلمية وخاصة مصطلحات العلوم اللغوية على نحو ما نقرأ فى رسالته المعروفة برسالة الإغريض وهو ما ينشق عنه الطلع من الحبيبات، والرسالة موجهة أيضا إلى أبى القاسم المغربى وفيها يقول: «حرس الله سيدنا حتى تدغم الطاء فى الهاء، فتلك حراسة بغير انتهاء. . وهما فى الجهر والهمس، بمنزلة غد وأمس، وجعل الله رتبته التى هى كالفاعل والمبتدأ، نظير الفعل فى أنها لا تنخفض أبدا، فقد جعلنى إن حضرت عرف شانى، وإن غبت لم يجهل مكانى، كيا فى النداء، والمحذوف من الابتداء، إذا قلت زيد أقبل، والإبل الإبل، بعد ما كنت كهاء الوقف، إن ألقيت فبواجب، وإن ذكرت فغير لازب (٣)، إنى وإن غدوت فى زمن كثير الدّد (٤) كهاء العدد، لزمت المذكر فأتت بالمنكر، مع إلف يرانى فى الأصل كألف الوصل، وتكون تارة حرف لين، وتارة مثل الصامت (٥) الرصين، فهى لا تثبت على طريقة، ولا تدرك لها صورة فى الحقيقة» وهو يدعو لأبى القاسم أن تظل تحرسه عناية الله إلى أبد الآبدين أو كما يقول إلى أن تدغم الطاء

стр. 3111

فى الهاء وهى لا تدغم فيها أبدا، إذ الطاء حرف مجهور الصوت-كما يقول-والهاء حرف مهموس لا يكد صوته يبين، فهما من طبيعتين مختلفتين ولذلك لا يدّغمان أبدا ولا يتحدان كالأمس والغد. ويدعو أبو العلاء له أن تصبح رتبته أرفع الرتب فى الدولة، كرتبة الفاعل والمبتدأ فى النحو، إذ هما بسبب رفعهما فى أعلى الرتب. ويدعو له أن لا يلحقه خفض فى رتبته كالفعل لا يلحقه خفض ولا جرّ أبدا. ويقول إن أبا القاسم جعله معروفا رفيع الشأن حضر أو غاب مثل ياء النداء فمكانها محفوظ ذكرت مع المنادى أو لم تذكر، ومثلها المبتدأ ذكر أو حذف فمكانه محفوظ، فتقول: محمد أى يا محمد، وتقول كتاب الأدب أى هذا كتاب الأدب. ويقول إنه كان قبل أن يضعه أبو القاسم فى منزلته الرفيعة كالهاء التى تلحق ببعض الكلمات فى الوقف، مثل: لم تقول فيها لمه، فهى تطرح وتذكر دون أن يكون لها شأن فى الكلمة. ويقول إنه كان يشعر بنبو مكانه على نحو ما يلاحظ فى هاء العدد أوتائه من ثلاثة إلى عشرة، فإنها تلحق عددها مع المذكر وتطرح مع المؤنث، وكان القياس فى العربية العكس. ولا يكتفى بذلك فيقول إنه كان كألف الوصل مع أصحابه، تذكر حين الابتداء بالساكن وتسقط فى درج الكلام. ويقول إن حاله كانت مثل الهمزة تبدل أحيانا عينا فى لغة تميم، فيقولون فى أن عن، وقد تنطق بين الهمزة المحققة وأختها المسهلة أو كما يقول «بين بين» وقد تسهّل تماما فتصبح حرف لين مثل سال فى سأل، وقد تحقق وخاصة فى أول الكلمات فلا تسهّل مثل أمر، فهى كما يقول أبو العلاء لا تثبت فى العربية على طريقة. وأبو العلاء بذلك يصعّب نثره على قارئه، بحيث لا يستطيع قراءته وفهمه إلا العالم اللغوى لكثرة الألفاظ الغريبة فيه، وليس ذلك فحسب، فإن هذه القطعة فى الرسالة لا يستطيع أن يفهمها إلا من عرف مصطلحات علمى النحو والصرف، وقد مضى فى الرسالة يستظهر مصطلحات علم التجويد والقراءات وعلم العروض وتلاحين الموسيقى ومصطلحات علم الفلك مع معارف كثيرة عن الخيل والحيوان. وله مناظرة طويلة بين الصاهل والشاحج أو بين الفرس والبغل، وهو كتاب نفيس نشرته بنت الشاطئ بدار المعارف. وتتكاثر فى الرسالة المعارف عن المرأة وحليها ولا بأس من إيداعها شيئا من التاريخ. وكل ذلك يصعّبها: سجع وأوابد لفظية وأوابد أو مصطلحات علمية ومعارف شتى. وكأنما استأثرت بالشطر الأكبر من هذا كله الرسالة الإغريضية. وتقل المصطلحات العلمية فى بقية رسائله غير أنه لا يزال يستظهرها فيها من حين إلى حين، ومرجع ذلك إلى أنه كان يكتب برسائله إلى علماء فى عصره، فكان يسوق إليهم هذه

стр. 3112

المصطلحات تصويرا لمهارته البيانية. وتحفل الرسائل بنقد خلقى واجتماعى وسياسى وأدبى، وأكثرها فى الثناء على من يكتب إليهم، وبينها رسائل شفاعة وتهنئة وتعزية وشوق، وتكتظ بسجعات بديعة كقوله فى فواتح رسالة كتب بها من بغداد إلى خاله أبى طاهر المشرّف بن سبيكة الحلبى: «شوقى إلى سيدى الشيخ شوق البلاد الممحلة، إلى السحابة المسحلة (١)، وانتفاعى بقربه انتفاع الأرض الأريضة، بالأمواه الغريضة (٢)، وتشّوفى لأخباره تشوّف راعى أنعام (٣) أجدب فى عام بعد عام، لبارق (٤) يمان، هوله مرتقب ممان (٥). وأسفى لفقده أسف وحشيّة (٦)، رادت (٧) بالعشيّة، فخالفها السّرحان إلى طلا (٨) راد فحار (٩) فهى تطوف حول أميل (١٠)، وترى صبرها ليس بجميل. وتذكرى لأوقاته تذكر الفطيم ثدى الوالدة، والمقسم بالملح لبنى خالدة وانتظارى لقدومه انتظار تاجر مكة وفد (١١) الأعاجم، وربّ الماشية ظهور النّبت الناجم (١٢)». وبدون ريب تعدّ رسائل أبى العلاء الشخصية فى الذروة من البلاغة، وهو دائما يعنى فيها بالسجع إلا قليلا، وقد يلتزم فيه ما لا يلزم كما فى هذه القطعة، فإن السجعتين فيها تتفقان لا فى الحرف الأخير فحسب المقابل للروى فى الشعر، بل فى حرفين أو ثلاثة حروف، ودائما نلتقى فى رسائله بالألفاظ الآبدة الممعنة فى الغرابة وإن لم تمعن فيها بهذه القطعة. وهو يستغل فى سجعاته معارفه الكثيرة التاريخية وغير التاريخية على نحو ما يلقانا فى هذه القطعة من إشارته إلى أن العرب كانوا يتعاقدون ويتعاهدون على الملح، وذكر عهدا لهم أقسموا فيه بالملح لبنى خالدة وهى خالدة بنت أرقم أم كردم وكريدم ابنى شعبة الفزاريين. والجناس الناقص مثل: «الممحلة والمسحلة» واضح فى القطعة، وكان يوشى سجعاته به وبغيره من محسنات البديع وخاصة الطباق والتصاوير.

стр. 3113

(ب) رسائل متنوعة طبيعى أن تكثر الكتابات الشخصية على ألسنة الأدباء، شاكرين صنيعا أو مهنئين على منصب كبير أو معاتبين أو مثنين مادحين أو معتذرين أو مستعطفين أو معزين عن خطب ألمّ بأصدقائهم أو فى فقيد عزيز، وتارة يؤيّنون وتارة يبكون وقد خنقتهم العبرات. وكثيرا ما كانوا يتراسلون، من ذلك مراسلات الطّغرائى الشاعر الكاتب والغزّى إبراهيم بن عثمان الذى مرت ترجمته بين الشعراء، ويقول العماد الأصبهانى: «كانت بينهما مكاتبات مفيدة وبينهما لنسب الفضل المودّة الوكيدة» ويسوق العماد للغزى رسالة اعتذار كتب بها إلى صاحبه جاء فيها (١): لسان الحسود-أدام الله أيام المجلس السامى دام ساميا، ولبيضة المجد حاميا-إذا علق بعرض الكرام كان كالنار فى المندلىّ (٢)، يبوح بسرّ طيّه الخفىّ. . فإن وقع من السفهاء إفك فداعيته ما ظهر لهم من انتمائه، وانتساب مزنته إلى سمائه». وانتخاب الغزى لألفاظه واضح، فهو يجيد الكتابة كما يجيد الشعر، وهو يعنى فيها بالتصاوير، وكان خصب الخيال، ومرت بنا فى ترجمته روائع طريفة من أشعاره. وكان ابن منير الطرابلسى الذى ترجمنا له بين الشعراء نزح عن دمشق إلى قلعة شيزر فى الشمال خوفا من ابن الصوفى وزير حاكمها آبق، وحاول صديق له هو زين الدين بن حليم أن يسترجعه إلى دمشق فكتب إليه يستدعيه، وأجابه ابن منير برسالة طويلة معتذرا يقول فيها (٣). «إن جراحى إلى الآن لم تذق حلاوة الاندمال، وقروحها تزداد قرحا مع الحلّ والتّرحال، وبين جوانحى من الأين (٤)، لما لقيت بدمشق من الغبن، ما لا يحلّه إلا عقد الكفن، ولا يرفع حدثه إلا التيمم بصعيد (٥) المدفن. ويلقاك فلان وفلان من كل ذى خلق دميم (٦)، وخلق ذميم، وأصل لئيم، وفرع زنيم (٧)، ووجه لطيم، وقفا كليم (٨)، وهلم جرّا من عذاب أليم، وصراط فى الود غير مستقيم». ولغة ابن منير لغة أدبية بديعة، وكما كان شاعرا بارعا كان كاتبا بارعا، تواتيه الكلمة وتنزل فى

стр. 3114

مواقعها ومستقرها من السجع الرائع الذى لا تطول عباراته، فإذا الكلمات وكأنها تتلاقى وتتعانق لجمالها فى الجرس وحسن الأداء. ويورد العماد فى الخريدة مراسلة بين القاضى الفاضل وزير صلاح الدين وكاتبه وبين أسامة بن منقذ، ويذكر أولا كتاب القاضى الفاضل ثم يذكر جواب أسامة، وله يقول من رسالة طويلة مادحا مثنيا على بلاغته، متحدثا عنه بضمير الغيبة (١): «ما عسى أن يقول مطريه ومادحه والفضل نغبة من بحره الزاخر، وقطرة من سحابه الماطر، تفرّد به فما له فيه من نظير، وسبق من تقدّمه فى زمانه الأخير، فتق عن البلاغة أكماما تزينت الدنيا منها بالأعاجيب، وأتى بآيات فصاحة كادت أن تتلى فى المحاريب، إذا استنطقت ازدحمت عليها العقول والأسماع، ووقع على الإقرار بإعجازها الاتفاق والإجماع. . هو سحر لكنه حلال، ودرّ إلا أن بحره حلّو سلسال». ونمضى إلى أيام المماليك ويلقانا الشهاب محمود رئيس ديوان إنشائهم فى دمشق والقاهرة وقد ترجمنا له بين شعراء المديح، وله-كما أسلفنا-كتاب فى رسوم الكتابة الديوانية، وبه كثير من رسائله الرسمية، وبعض رسائله الشخصية أو الإخوانية، سماه «حسن التوسل إلى صناعة الترسل» وله بجانبه كتاب ثان سقط من يد الزمن سماه «زهر الربيع فى الترسل البديع» وعنه ينقل كثيرا القلقشندى فى الجزء التاسع من صبحه، ومما نقله عنه رسالة فى التهنئة بعيد الأضحى جاء فيها (٢): «جعله الله أبرك الأعياد وأسعدها وأيمن الأيام وأمجدها، وأجمل الأوقات وألذّها وأرغدها ولا برح مسرورا مستبشرا، منصورا على الأعداء مقتدرا، مسعودا محمودا، معانا بملائكة السماء معضودا، مهنّأ بالسعود الجديدة والجدود السعيدة، والقوة والناصر، والعمر الطويل الوافر. . ألبسه الله من السعادة أجمل حلّة، ومنحه من المكارم أحسن خلّة». وكان الشهاب محمود يعنى بتزيين سجعاته بمحسنات البديع وألوانه الزاهية من جناس وغير جناس، وكان يشغف شغفا شديدا بصور الجناس المعكوس كما نرى فى قوله: «مهنّأ بالسعود الجديدة والجدود السعيدة». ونلتقى بعمر بن الوردى وكان شاعرا وأديبا كاتبا، وله تعزية بوفاة الفقيه الشافعى شرف الدين البارزى المتوفى سنة ٧٣٨، وفيها يقول (٣):

стр. 3115

«بلغنى انهداد الطود الشامخ، وزوال الجبل الراسخ، الذى بكته السماء والأرض، وقابلت فيه المكروه بالندب وذلك فرض، فشرقت (١) أجفان المملوك بالدموع، وأحرق قلبه بين الضلوع، فالعلوم تبكيه، والمحاسن تعزّى فيه، والأقلام تمشى على الرءوس لفقده، والمصنفات تلبس حداد المداد من بعده. . ولا خاصّ إلا حزن قلبه، ولعامّ إلا طار لبّه». وكان يجنح فى نثره وشعره إلى استخدام المصظلحات العلمية، وقد تصنع فى هذه القطعة القصيرة لحشد المصطلحات الفقهية: المكروه والندب والفرض، وأيضا فإنه كان يعنى بجلب صور مختلفة من التوريات، وواضح أنه ورّى هنا بالمصطلح الفقهى: الندب عن معناه الحقيقى وهو بكاء المتوفى وتعداد محاسنه. وجعل الأقلام تمشى على رءوسها حزنا وهى فعلا تمشى على رءوسها أو بعبارة أخرى تكتب برءوسها، فاستغل ذلك فى تعزيته. ولابن حجة الحموى رسالة يصف فيها سكّينا أهداها إليه بعض أصدقائه جاء فيها قوله (٢): «الملوك ينهى وصول السكّين التى قطع بها أوصال الجفا، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفا، وتالله ما غابت إلا وصلت الأقلام من تقشيرها إلى الحفا. . ما شاهدها موسى إلا سجد فى محراب النّصاب (٣)، وذلّ بعد أن خضعت له الرءوس والرّقاب. . أنملة صبح تقمّعت بسواد الدجى، فعوّذتها ب (الضحى والليل إذا سجا). . تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وبإقامتها الحدّ حافظت الأقلام على مواظبة الخمس». والتكلف واضح فى القطعة، فقد ذكر الجفا أى البعد، وفكر فى سجعة معه فجاء بالشفا والحفا وأصله رقة الخف ويريد المبالغة فى تشذيب الأقلام، وكل ذلك تكلف، ولم يلبث أن جنح إلى التورية بموسى الرسول لما ذكر معه من السجود والمحراب عن موسى الحلاّق. وكان نصاب السكين أسود فحاول أن يستغل ذلك ليقتبس فاتحة سورة الضحى، وعاد إلى التورية بإقامة الحد على الجناة وهو يريد إقامة حد السكين، وورى أيضا بمواظبة الخمس إذ لا يريد المعنى المتبادر من مواظبة الصلوات الخمس، إنما يريد مواظبة الأصابع الخمس على الكتابة بتلك الأقلام. ونمضى إلى أيام العثمانيين ونظل نقرأ رسائل شخصية متعددة فى تراجم الأدباء، من ذلك قول مرعى الكرمى المتوفى سنة ١٠٣٣ للهجرة فى معاتبة (٤):

стр. 3116

«الصديق لفظ على الألسنة موجود، ومعناه فى الحقيقة مفقود، فهو كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر، أو كالعنقاء والغول، لفظ يوجد بلا مدلول. وهذه شيم غالب أبناء الزمان، من الأخلاء والإخوان، فمثلهم. . كلمع السراب، المستحيل فيه الشراب، أو كالخيال الذى يبدو فى المنام، وهو فى الحقيقة أضغاث أحلام». ويسوق المحبى فى نفحة الريحانة رسائل مختلفة لأبيه وجدّه، منها رسالة هزلية لأبيه كتب بها على لسان فرس إلى مفت بالقسطنطينية. وانعقدت صداقة وثيقة بين المحبى وبين عبد الغنى النابلسى الصوفى، وله يقول متوددا مثنيا مشيدا بنسكه وتصوفه وسلوكه الروحى (١): «مولاى الذى سار فى بروج الفضل مسير الشمس، وقامت فضائله فى جسم العالم مقام الحواسّ الخمس، لا زال فى السكون والحركة، مرافق اليمن والبركة، يفرح به كل قطر ينازله، كأنه البدر والدنيا منازله، ومن شايعه مسعود يومه وغده، وله من العيش أهناه وأرغده. . أنا شعبة من دوحتك (٢)، وغصن من سرحتك (٣)، بل نبت سقته أياديك، وزهر تفتح بما أفاضته غواديك» (٤). ويطبع نثر الرسائل الشخصية حينئذ بنفس الطوابع التى رأيناها فى أيام المماليك، فهو يعتمد دائما على السجع، ويوشى بالبديع ومحسناته. ٣ - المقامات كان لبديع الزمان الهمذانى فضل السبق الى استحداث فن المقامات فى العربية، وقد بناه على أقاصيص تصور حياة أديب متسول لا يزال يحتال على سامعيه بعباراته المسجوعة الرشيقة كى يسبغوا عليه شيئا من عطائهم يعينه على سدّ حاجاته فى الحياة. وجعل له راوية يتابعه ويقص حكاياته وأخباره من بلدة إلى أخرى. وتبعه الحريرى فأوفى بهذا الفن على الغاية، سواء من حيث جمال القصّ فيه أو من حيث جمال الحوار بين الراوى والأديب المتسول أو بين الأديب وبين من يعرض عليهم أفانين بلاغته. وطبيعى أن لا تعرف الشام-مثل بقية البلدان العربية-المقامات قبل بديع

стр. 3117

الزمان، بل أيضا قبل الحريرى المتوفى سنة ٥١٦ للهجرة، ويبدو أنها ظلت طويلا لا تعرفها أو على الأقل لا تحاول محاكاة الحريرى وبديع الزمان فيها، وكأنما اشتغالها بالحروب الصليبية ثم المغولية حتى منتصف القرن السابع الهجرى ألهاها عن هذا الفن، حتى إذا أخذت الأحوال السياسية تستقر فيها لأيام المماليك وجدناها تعنى به، وتلقانا نماذج متنوعة من هذه العناية منذ النصف الثانى من القرن السابع، وهى نماذج تختلف عن صورة المقامات عند بديع الزمان والحريرى، إذ لا تعتمد مثلها على أديب متسول وقصّ احتيالاته الأدبية قصّا حواريا، إنما تعتمد على الوصف أو المناظرة بين بعض الأشخاص أو بين بعض الأزهار أو بعض الثمار، وقد تعنى بالوعظ أو بعرض بعض المسائل فى العلوم المختلفة، من ذلك مقامة فى المفاخرة بين التوت والمشمش لتاج الدين بن عبيد الصرخدى المدرس بالمدرسة النورية بدمشق المتوفى بعد سنة ٦٧٠ ومن ذلك أيضا مقامة فى مصر والنيل والروضة لمحمد بن عبد الرحمن بن قرناص الحموى المتوفى حوالى سنة ٦٧٢. وتلقانا مقامة للشاب الظريف محمد بن عفيف الدين التلمسانى الذى ترجمنا له بين شعراء الغزل سماها مقامة أو مقامات العشاق، وفيها يصور شغفه باللهو والتنزه فى الرياض ولقاءه فيها ذات مرة لعاشقين وكيف حاورهما حوارا طريفا، وهو يفتتحها على هذا النمط (١): «لم أزل مذ بلغت سن التمييز، أتولّع بنظم الأراجيز، ومذ شبّ عمرى عن الطّوق، مغرى بالغرام والتّوق، وأهيم بالشّمول (٢) والشمائل، وأشرب فى زجاجة صفراء كالأصائل، وأقدم على رشف ثغور البيض. . وأتنزه فى كل ناد وواد. . فخرجت بعض الأيام إلى الغياض (٣)، وولجت (٤) بين حياض ورياض». ويذكر صاحب فوات الوفيات للشهاب محمود الذى مرت ترجمته بين الشعراء مقامة تسمى مقامة (٥) العشاق، ولعله حاكى بها مقامة الشاب الظريف. ولعمر بن الوردى المتوفى سنة ٧٤٩ أكثر من مقامة. وسنخصه بترجمة قصيرة، وللصفدى معاصره الذى مرت ترجمته مقامة سماها «رشف الرّحيق فى وصف الحريق» وصف فيها حريق دمشق الذى أتى على كثير من أحيائها وأسواقها وعمائرها لسنة ٧٤٠ ومن قوله فى تلك المقامة الملتاعة (٦):

стр. 3118

«سألت عن الخبر، ممن غبر، فقال إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وأنظر إلى شبح الجو كيف انتشرت فيه عقائق (١) اللهب اللامع، فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيت النار وقد نشرت فى حداد الظلام معصفرات (٢) ذوائبها، وصعدت إلى السماء عذبات ذوائبها. . وعلت فى الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف فى الميدان يراها وهى (ترمى بشرر كالقصر)، فكم زمر أضحت لذلك الدخان جاثية، وكم نفس كانت فى النازعات وهى تتلو (هل أتاك حديث الغاشية) ولم تزل النار تأكل ما يليها وتفنى ما يسفلها ويعتليها». وواضح فى سجعاته طلبه للجناس. فهو يجانس بين الخبر وغبر، والجامع واللامع، واللحم والشحم، ويمضى فى مثل هذه الجناسات الناقصة، واشتهر لزمنه بالتصنع الشديد للجناس. وجعلته عنايته بالجناس يستخدم كلمة ذوائبها مرة من الذوبان جمعا لذائب ومرة بمعنى مقدم الشعر فى الرأس جمع ذؤابة وجعله هذا المعنى يتصنع لذكر العذبات وهى أطراف العمائم التى تطرح عليها، وتكلف أشد التكلف حين ذكر ملائكة النصر مع هذا الحريق الذى إبتليت به دمشق وأهلها بلاء عظيما. وإنما أغراه به محاولته اقتباس الآية القرآنية (ترمى بشرر كالقصر) وهى فى وصف جهنم وما يتصاعد من شررها ووقودها كالقصر فى ارتفاع بنائه وعلوه الشاهق. وقد مضى يتصنع لذكر طائفة من أسماء السو، فذكر (الزمر) أى الجماعات و (الدخان) و (الجاثية) من الجثو وهو الجلوس على الركب من شدة الهول، كما ذكر (النازعات) والآية الأولى فى سورة (الغاشية) والغاشية القيامة. وواضح أن المقامة أشبه برسالة اتخذت موضوعا لها وصف حريق دمشق، وأكثر المقامات حينئذ كانت على هذه الشاكلة ينقصها القصّ والحوار، وكأنها تختص بموضوع أدبى تعالجه. وغلب عليها ذلك أيضا فى أيام العثمانيين ونلتقى فى نفحة الريحانة للمحبى بمقامة سميت بالمقامة الربيعية لعبد الرحمن بن محمد الدمشقى من بنى النقيب، وفيها تتوالى تشبيهات الزهور والطيور على هذا النحو (٣). «نرجس نعته الفتور، وورد كأنما انتزع من أوجه الحور.

стр. 3119

وشقيق كأنه أقداح العقيق (١)، قد رسب بقرارتها مسك فتيق وآذريون (٢) كأنه مداهن عسجد، على سواعد زبرجد وسوسن كبياض السوالف، أو جياد (٣) الوصائف وقرنفل كأنما توقّد بالجمر، وانعقد من الخمر» ويظل طويلا فى وصف الأزهار، ويخرج منها إلى وصف الأطيار، بمثل هذه الأسجاع المليئة بالتشبيهات والاستعارات. وروى المحبى لعبد الغنى النابلسى الصوفى الذى مرت ترجمته مقامة وصف فيها نزهة مع صديق عثرا فيها على قصر عالى البنيان فدخلاه، يقول (٤): «فصعدنا إلى قصر مشيد (٥)، مزخرف الجوانب بألوان الأطلية وأنواع الشّيد (٦)، فيه الغرف الرفيعة ذات التزيين، والمقاصير المصنوعة لقاصرات (٧) الطّرف عين. قد طلّت شبابيكه على تلك الأرجاء الموفقة، والجداول المتدفقة، وأرضه مفروشة بأفخر الوشى والديباج، وقد أطلقت فيه مباخر الطيب فزاد فى الابتهاج. . فحلست أنا وصاحبى على تلك الأرائك الممنوعة (٨)، والفرش المرفوعة، نتناشد الأشعار، ونتشبّث بأذيال الأفكار». ويلقاه هو وصاحبه رفيق، فيسأله أين كنت؟ ومن أين توجهت؟ وما يلبث أن يقول له: «ما ذلك القصر الموصوف سوى جبّتى هذه وثوبى هذا الصوف، والشبابيك جيوبه وأطواقه، ولا عجب أن نفحت فيه مباخر الطيب فإنها قراطيسه وأوراقه». وكأن كل ما فى المقامة رموز صوفية جلاها عبد الغنى النابلسى فى تصاوير الرياض والقصر وتهاويله. وحرى بنا أن نقف قليلا عند ابن الوردىّ أهم كتّاب المقامة الشاميين.

стр. 3120

ابن (١) الوردىّ هو زين الدين عمر بن المظفر المعروف ب ابن الوردى ، ولد فى المعرة بلدة أبى العلاء سنة ٦٨٩ وبها نشأ ودرس على شيوخها، ويقول ابن حجر فى الدرر: بل نشأ بحلب وهى حاضرة إقليم المعرة، وخاصة على قاضيها وفقيهها ومفتيها الشافعى شرف الدين البارزى. وتنقل فى بلاد الشام يأخذ عن شيوخها، وعرف فضله فى الفقه والفتوى، فولاه ابن الزّملكانى قاضى قضاة الشام قضاء حلب، وكان شاعرا. وله فى ابن الزملكانى مدائح كثيرة، اعترافا منه بصنيعه، ورأى ابن الزملكانى فيما بعد عزله عن حلب وتوليته قضاء منبج، فامتعض ابن الوردى لنفسه أن يعزل عن حلب ويولّى قضاء بلدة صغيرة من بلدان إقليمها، وعبثا حاول أن يسترضيه وأن يرده إلى حلب، فاعتزل القضاء وعاش للتأليف ونظم الشعر وصوغ النثر حتى توفى سنة ٧٤٩. وله مؤلفات علمية مختلفة شعرا ونثرا، فقد نظم كتاب الحاوى فى الفقه الشافعى فى منظومة بلغت أكثر من خمسة آلاف بيت، وله مصنفات لغوية ونحوية، منها شرح على ألفية ابن مالك وآخر على ألفية ابن معطى. وهو معدود فى شعراء القرن الثامن النابهين، ويقول ابن شاكر: «أجاد فى المنثور والمنظوم، فنظمه جيد إلى الغاية وفضله بلغ النهاية». وديوانه كبير وهو مطبوع فى الآستانة من قديم، وله بعض رباعيات وبعض موشحات، أنشد منهما السبكى فى ترجمته، وله خمس مقامات، ورسائل كثيرة منشورة مع ديوانه، وفى رأينا أن نثره أروع من شعره، ولذلك اخترنا أن نتحدث عن أبدع ما له من كتابات أدبية، ونقصد مقاماته. وأولى المقامات فى الديوان المقامة الصوفية، ومنها يجرى ابن الوردى حوارا بين مواطن له من المعرة سافر إلى بيت المقدس وبين عشرة من الصوفية فى مقدمتهم شيخ كبير، وكانوا يتبادلون فيما بينهم أحاديث وكلمات صوفية رمزية، وأشركوا معهم فى الحديث هذا الوافد المعرى، وأخذ يسألهم عن أحوالهم ورموزهم وإشاراتهم وتقصير ثيابهم وعاداتهم والشيخ يجيب. وأحيانا ينتقد صوفية زمنه وأنهم لا يتبعون المنهج السديد لأسلافهم حتى ليقول: «إن المتصوفة اليوم أصحاب
следующие страницы →