← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فى سرعتها بحمار وحش، يقاسى من لظى الصيف وعضّ أمثاله وتنهاقها عليه، فهو يسرع لا يلوى. ولا يمضى طويلا مع هذا الحمار، بل يتركه إلى ثور وحش يشبه به ناقته، ويصوره طاويا فى ليلة من ليالى الشتاء القاسية، وقد بات مستظلا بأغصان أرطاة، والمطر يسقط من حوله والفزع يأخذه من كل جانب، ولم تلبث نفسه أن راودته على الخروج من كناسه، فخرج يتوارى فى عراض الرمال وكثبانها، ولم تلبث كلاب الصيد أن رأته فأسرعت تحاول اللحاق به، وأسرع يحاول فوتها. والأعشى يشبه ناقته به وهى تترامى فوق الرمال مسرعة كأنما شئ يطلبها. وتتكرر مثل هذه الصورة لا عند الأعشى وحده، بل عند جميع شعراء الجاهلية، إذ يشبهون الناقة بوحش الفلاة، وخاصة حين يناضل كلاب الصيد، وإن كنا نلاحظ أن الأعشى لا يطيل فى تصوير ذلك إطالة النابغة أو لبيد أو غيرهما من الجاهليين، وربما جاءه ذلك من ذوقه المتحضر، فكان يوجز فى وصف الصحراء والناقة والحيوانات الوحشية، على حين كان يتسع فى الحديث عن الخمر والغزل. وحقا نجد عند الجاهليين تعرضا كثيرا للخمر، ولكنهم عادة يسوقونها مع الحديث عن فتوتهم وكرمهم وبذلهم، على نحو ما نرى فى معلقة طرفة، أما عند الأعشى فإننا نجدها فى فاتحة كثير من قصائده تالية لبعض غزله، ونحس كأنها لذته من الدنيا، فهو يطيل الحديث عنها وعن تأثيرها فى نفوس شاربيها، وكأنه يقدسها تقديسا، فهى وثنه وصنمه، ولذلك لم يكد يسمع من قريش-كما أسلفنا-أن الرسول ﷺ يحرمها حتى كفّ عن لقائه وانصرف لساعته. وهو يجيد وصفها إجادة لفتت القدماء إليه، فقالوا إنه أشعر الجاهليين إذا طرب (١)، يقصدون إذا شرب الخمر ووصفها، وهو وصف يفيض بالحيوية، إذ يجسم فيه بيئتها ومجالسها وما ينثر فيها من الورود والرياحين وما يقوم فيها من السقاة والمغنين والإماء الخليعات اللاتى يلبسن الشفوف الرقيقة وما يضرب عليه العازفون من آلات طرب كالصّنج والعود، واستمع إليه يقول فى معلقته:

стр. 352

وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول (١) فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفع عن ذى الحلية الحيل نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا ... وقهوة مزّة راووقها خضل (٢) لا يستفيقون منها وهى راهنة ... إلا بهات وإن علّوا وإن نهلوا (٣) يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... مقلّص أسفل السّربال معتمل (٤) ومستجيب تخال الصّنج يسمعه ... إذا ترجّع فيه القينة الفضل (٥) والساحبات ذيول الخزّ آونة ... والرّافلات على أعجازها العجل (٦) من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفى التجارب طول اللهو والغزل وهو يصف فى الأبيات يوما من أيام لهوه غدا فيه إلى خمار مع رفيق ناشط خفيف الحركة طيب النفس فى فتية كسيوف الهند مضاء وقوة ورونقا. ويقول إنهم تجاذبوا أغصان الريحان وخمرة مزة ما زالوا يتعاطونها، فراووقها لا يجف، وهم لا يسأمون من تعاطيها ولا يفيقون من شربها إلا ليقولوا للساقى: هات، ويكررون هذه اللفظة مهما شربوا. ويصف الساقى بأنه غلام أو شاب حدث، كان يعلق فى أذنه قرطا ويلبس قميصا قصيرا، وقد طبع على العمل بجد ونشاط. ويضيف إلى ذلك وصف عود كانت ألحانه تتسق مع صنج كانت تعزف عليه وتغنى قينة فى ثوب واحد رقيق، ومن ورائها نساء ترفل فى ثياب الخز والحرير، وقد علت أعجازهن كأنها قرب ممتلئة، فهى تهتز وترتجّ. ويختم أبياته بأنه تمتّع بكل ذلك

стр. 353

ولها به، وجرّبه مرارا وتكرارا والأعشى لا يصف مجالس الخمر فحسب، بل يصف وصفا دقيقا أوانيها وألوانها وما تفعله بعقول شاربيها وما تحدث فى قلوبهم من نشوة، مما يدل على أنه كان مشغوفا بها مفتونا، بل سكّيرا مغرقا فى السكر. وهو فى ذلك يقترب من ذوق جماعة المجّان فى العصر العباسى أمثال أبى نواس، وفى الوقت نفسه يفترق من ذوق معاصريه الذين لم يكونوا يسرفون على أنفسهم إسرافه فى اللهو والمجون. ولا نشك فى أن هذا جاءه من أثر الحضارات التى ألمّ بها فى الحيرة وغير الحيرة، بحيث تحول مدمنا لها، يلزم حوانيتها، فإن ولّى وجهه نحو منازل قومه حمل منها ما يكفيه هو ورفاقه هناك، فينهلون ويعلّون ولا يفيقون، وهو فى أثناء ذلك ينشدهم ما ينظمه فيها، وهم يصفقون استحسانا. ولم يكن يحسن وصفها فحسب، بل كان يضفى عليه حيوية بما يمزجه به من قصص على شاكلة قوله: أتانى يؤامرنى فى الشّمو ... ل ليلا فقلت له: غادها (١) أرحنا نباكر جدّ الصّبو ... ح قبل النفوس وحسّادها (٢) فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدّادها (٣) تنخّلها من بكار القطاف ... أزيرق آمن إكسادها (٤) فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء فى حبل مقتادها (٥) فقال: تزيدوننى تسعة ... وما ذاك عدلا لأندادها (٦) فقلت لمنصفنا: أعطه ... فلما رأى حضر شهّادها (٧) أضاء مظلّته بالسّرا ... ج والليل غامر جدّادها (٨)

стр. 354

دراهمنا كلّها جيّد ... فلا تحبسنّا بتنقادها (١) فقام فصبّ لنا قهوة ... تسكّننا بعد إرعادها (٢) كميتا تكشّف عن حمرة ... إذا صرّحت بعد إزبادها (٣) كحوصلة الرّأل فى جريها ... إذا جليت بعد إقعادها (٤) وجال علينا بإبريقه ... مخضّب كفّ بفرصادها (٥) فباتت ركاب بأكوارها ... لدينا وخيل بألبادها (٦) ورحنا تنعّمنا نشوة ... تجور بنا بعد إقصادها (٧) ولا تختلف هذه الأبيات المنتزعة من القصيدة الثامنة فى الديوان عن خمريات أبى نواس وأضرابه فى شئ، لولا ذكره للأكوار والألباد فى نهايتها، ولو حذفنا بيتهما لأصبحنا إزاء خمرية عباسية تعتمد على القصص والإطراف به. وهو فى أولها يذكر أن فتى طرقه قبل أن يسفر الصباح يدعوه أن يذهبا معا لتناول الخمر. وذهبا فى هزيع الليل الأخير-قبل أن تصيح الديكة وقبل أن يسبقهما أى كاشح حسود-إلى حانوت خمار أعجمى، كنى عنه بزرقة العين، وهو خمار حاذق لصنعته، استخلص خمره من بكار القطاف، فهى خمر معتقة ومثلها لا يكسد ولا يبور. وطلبا إليه أن يسقيهما بناقة قاداها إليه، وهى واقفة ببابه مزمومة بحبل غلامها، فلم تكفه وطلب فوقها تسعة دراهم، مشيدا بخمره وأن هذا الثمن ليس كفؤا لها. ويقول الأعشى إنه قال لصاحبه: اعطه ما يريد. ويضيئ الخمار خباءه أو حانوته، ويعدّ الدراهم ويتبينها خشية زيفها، حتى إذا اطمأن لها ولهم قام، فناولهم خمرا تمشت فى أجسادهم، فسكنوا إليها، وهى خمر حمراء فاقعة كأنها الفرصاد

стр. 355

أو التوت الأحمر، وما يزال صاحبها يسقيهم، وهم بها مشغوفون، حتى انبثقت أضواء الصباح، فنهضوا بركابهم وخيلهم، تستخفهم النشوة استخفافا خرجوا به عن أطوارهم وما تعودوه فى صحوهم من قصد واعتدال. وأنت تراه قد وصف الخمر ودنّها ولونها وخمّارها وحانوتها وتعرّض لصياح الديكة فى السحر ومساومة صاحبها فى ثمنها وأثرها فى النفس وما تصيب به شاربها من انتشاء يتمشى فى المفاصل. وهذه المعانى جميعها تدور فيها وفى أفلاكها خمريات العباسيين. واستمع إليه يقول: وأدكن عاتق جحل سبحل ... صبحت براحه شربا كراما (١) من اللاتى حملن على الرّوايا ... كريح المسك تستلّ الزّكاما (٢) مشعشعة كأنّ على قراها ... إذا ما صرّحت قطعا سهاما (٣) تخيّرها أخو عانات شهرا ... ورجّى أولها عاما فعاما (٤) يؤمّل أن تكون له ثراء ... فأغلق دونها وغلا سواما (٥) فأعطينا الوفاء بها وكنّا ... نهين لمثلها فينا السّواما (٦) كأنّ شعاع قرن الشمس فيها ... إذا ما فتّ عن فيها الختاما (٧) وواضح أنه يتحدث عن دن من دنان الخمر أسود عتيق، صبح به رفاقه، ويقول إنه من نادر الدنان التى تجتلب من البلاد البعيدة والتى تنفذ رائحة خمرها بطيبها إلى الأنف، فتستلّ منه الزكام. ويصف هذه الخمر فيقول إنها مروّقة صافية كأنها بياض الحرّ أو سرابه اللامع، وقد انتقاها صاحبها فى «عانات» وظل

стр. 356

يعلق عليها الآمال عاما بعد عام، مغاليا فى ثمنها، حتى اشتريناها منه. ويصورها وهى تسقط من دنّها بشعاع الشمس الوهاج، وهى من الصور التى أكثر العباسيون من تداولها، كما أكثروا من الحديث عن رائحتها ووصف دنانها، ومن قوله فى كأس من كئوسها: وكأس كعين الديك باكرت حدّها ... بفتيان صدق والنواقيس تضرب (١) سلاف كأنّ الزعفران وعندما ... يصفّق فى ناجودها ثم تقطب (٢) وهو يشبهها بعين الديك فى صفائها، ويقول إنه باكرها أو باكر سورتها برفاق مخلصين، يشربونها معه فى الأديرة على قرع النواقيس، ويحدثنا عن رائحتها وأثرها فى نفسه، حتى ليتصورها زعفرانا أحمر خلط بصبغ العندم، وقد سطعت منه رائحة زكية. وعلى هذا النحو ما يزال يصف الخمر وصف مفتون بها، معلنا إنه لا يستطيع عنها انصرافا، فهى كل لذته ومتاعه، يقول: وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها لكى يعلم الناس أنى امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها وما ينى يتحدث عن مجالسها وما ينثر فيها من ورود وما يكون فيها من قيان وآلات طرب، بنفس الصورة التى تلقانا عند أصحاب الخمر والمجون فى العصر العباسى. ونحن إنما سقنا ما وثّقناه من أشعاره، ومن يرجع إلى ديوانه وما رفضناه من قصائده يستطيع أن يلاحظ عبث الرواة بشعره، فقد أجروا على لسانه خمرية تزخر بالألفاظ الفارسية، وكأنه فارسى أبا وأمّا ممن أتقنوا الشعر العربى فى العصر العباسى وأتقنوا فن الخمرية بنوع خاص، وهى تفترق قصيدته رقم ٥٥ من قصائد أبى نواس وأضرابه فى شئ؟ إنها تكتظ بأسماء الرياحين والأزهار وآلات الطرب الفارسية، ولا يبخل عليه واضعها بذكره لنيل مصر فى تضاعيفها وإجرائه على لسان الأعشى بعض ما كان يجرى على لسان أبى نواس ونظرائه من أن صاحبها مجوسى يصلى عليها

стр. 357

ويزمزم. فماذا بقى لمجان الفرس فى العصر العباسى. وقل ذلك نفسه فى قصيدته رقم ٣٦ وقد رفضناها لما فيها من حديث عن هلاك الملوك الأولين، وهى ترفض أيضا لما فيها من صور خمرية تنبو على ذوق الجاهليين، إذ يوصف زقّها الأسود وقد طلى بالقار وطرح على الثرى بحبشى نام وانبطح، كما يوصف السكارى وقد تمددوا على الأرض وخذلتهم أرجلهم من غير كسح فلا يستطيعون حراكا بالحبال الممدودة لصيد بعض الطير. وإذا تركنا خمره إلى غزله لا حظنا أنه لا يقف طويلا عند الأطلال صنيع غيره من الجاهليين، بل يأخذ فى وصف صاحبته ووصف عواطفه نحوها. وقد يعمد إلى نفس الصورة القصصية المبثوثة فى معلقة امرئ القيس، فيتحدث عن مغامراته ووصوله إلى محبوباته من المتزوجات على شاكلة قوله: فظللت أرعاها وظلّ يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبّة قلبه وطحالها (١) حفظ النهار وبات عنها غافلا ... فخلت لصاحب لذّة وخلا لها فهو يخالس الزوج ويخاتله، حتى يظفر ببغيته. وطبيعى أن يكون غزله ماديّا صريحا لما رأينا من لهوه وخمره، غير أننا نلاحظ عنده رقة فى الغزل وشدة فى الوله والتعلق بالمحبوبة، حتى إن روحه لتكاد تسقط من بين جنبيه جزعا وصبابة، وخاصة حين الوداع. واستمع إليه يقول فى فاتحة معلقته: ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرّجل فهو يأمر قلبه أن يودعها قبل الرحيل، وسرعان ما يرجع إلى نفسه ينكر ما ظنه فيها من الصبر على الوداع. وهى صبابة لا نعرفها عند الجاهليين، إنما نعرفها عند الأعشى صاحب الذوق الرقيق الذى أثرت فيه الحضارة، وحولته دقيق الحس دقة شديدة فإذا هو يتذلل فى حبه ويخضع، وامض معه فى المعلقة فستجده يشبب بصاحبته منحرفا عن طريقة الجاهليين فى بكاء آثار الديار والأطلال، فهى موضوع حبه وغزله، ولا داعى لأن يذهب بعيدا مع الذكريات، وإذن

стр. 358

فليأخذ فى وصفها مفتنّا فى ذلك افتنانا، فتارة يصف بشرتها وشعرها وعوارضها وتارة يصف مشيتها الوانية وحليها، وتارة يصف تعلق الناس بطلعتها الفاتنة وما تغرق فيه من ترف ونعيم وعطور. ولا يلبث أن يورد علينا هذا البيت الغريب: علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيرى وعلّق أخرى غيرها الرّجل وهو يصور فيه شقاءه بحبها، فهو يحبها، وهى تعرض عنه، وتحب رجلا آخر، والرجل يعرض عنها ويحب فتاة أو امرأة ثانية. وسرعان ما يعود، فيتذكر كيف كانت تشفق عليه وعلى نفسها حين زارها ذات مرة، فقال: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلى عليك وويلى منك يا رجل فقد بالغ فى وصف ارتياعها وخوفها على نفسها وعليه، حتى إنها لتتفجع وتتوجع إشفاقا وضعفا. ولعل فى هذا كله ما يوضح غزل الأعشى وأنه يمتاز من ناحية بأنه حسى مادى ومن ناحية أخرى برقته المفرطة وتصويره لعواطف المحبين وأحاسيسهم التى يبوحون بها ولا يستطيعون كظمها ولا كتمها، بل يندفعون فى تصويرها معبرين عن ولههم وعشقهم. والحق أن الأعشى فى شعره جميعه يعد تمهيدا للشعر الحضرى الذى ظهر من بعده، سواء فى غزله وخمره أو فى هجائه ومديحه، فهو فى هذه الموضوعات جميعا يفصح عن ذوق متحضر، سواء فى خطاب الأمراء والأشراف والخضوع لهم أو فى خطاب النساء والتذلل لهن أو فى اللعب بمهجويّه والاستهزاء بهم والاستخفاف، أو فى وصف الخمر ومجالسها ودنانها وكئوسها. ولعلنا بعد ذلك لا نعجب إذا رأيناه يشبه العباسيين فى مبالغاتهم، فقد كان يسرف على نفسه مثلهم فى تصور ممدوحيه، فإذا هو يقول فى هوذة بن على الحنفى: فتى لو يبارى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر السّارى لألقى المقالدا (١) فهو لو يبارى الشمس لألقت قناعها خجلا ولو بارى القمر لذلّ له وانقاد صغارا. وهى مبالغة مفرطة، ومثلها قوله متغزلا:

стр. 359

لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر (١) فلو ضمت ميتا إلى نحرها لدبت فيه الحياة من جديد، وعجب الناس لما يرون من هذا الميت المبعوث. ويبالغ الأعشى أو قل يزيد مبالغته إفراطا، فيقول إن هذا الميت حين يبعث إلى دنياه يخلد فيها ولا ينقل إلى مقبرة من المقابر. ولا يلاحظ عنده إطرافه بمثل هذه المبالغات فحسب، بل يلاحظ أيضا تعمقه فى صنع الأخيلة والصور، فإذا هو يقع منها على مبتكرات كثيرة، نلاحظها لا فى موضوعه الجديد فحسب، ونقصد الخمر، وإنما فى أقدم الموضوعات وأكثرها دخولا فى البداوة، ونقصد وصف الناقة، إذ يقول فى بعض شعره إنها تجترع الآكام اجتراعا، لما تطوى منها، يقول: إذا ما الآثمات ونين حطّت ... على العلاّت تجترع الإكاما (٢) ويقول مصورا سرعة ناقته فى الهاجرة: بجلالة سرح كأنّ بدفّها ... هرّا إذا انتعل المطىّ ظلالها (٣) فهى تجرى مذعورة كأن هرّا يخدشها، وليس ذلك الذى يلفتنا عنده، إنما يلفتنا أنه عبر عن تقلص الظلال فى الهاجرة بأنه لم يبق لناقته إلا ظل أخفافها، وهى تنتعله فى خطاها. وتكثر عنده الصور المخترعة فى الخمر، وهى مبثوثة فما أنشدناه من شعره. ومن أهم ما يلاحظ عنده سهولة لفظه بالقياس إلى معاصريه وسابقيه من قبيلته أمثال طرفة، وما نشك فى أن هذا يرجع إلى أنه تأثر بالحضارة، فرقّت معانيه، ورقت ألفاظه رقة لم تعرف لشاعر جاهلى، وليس لفظه وحده الذى رقّ، بل إن نفسه رقّت هى الأخرى ولانت، فإذا هو يأتى بخمرياته وغزلياته السابقة. وحقّا تأثر النابغة مثله بالحضارة، ولكنا نحس عنده أنه يبقى على كثير من بداوته، ولذلك

стр. 360

لم يرقّ غزله ولا خاض فى الخمر، أما الأعشى فأقبل على اللهو والطرب والعكوف على الخمر والاستماع إلى القيان، فكان طبيعيّا أن يسهل الشعر عنده بأكثر مما يسهل عند النابغة، وأن تظهر فيه رقة الحضارة ونعومتها. ولا يظهر تأثير الحضارة فى سهولة ألفاظه فحسب، بل يظهر أيضا فى خفة أوزانه وجمال موسيقاها، وكأنما أثر فيه كثرة استماعه للمغنيات والغناء، فإذا هو يحيل شعره ألحانا وأنغاما خالصة. وهو كثير التنويع فى أوزانه يستخدم منها التام والمجزوء، ويحسن هذا الاستخدام إلى أقصى الحدود، إذ كان يقتدر على الإتيان بالألفاظ العذبة والكلمات الرشيقة والقوافى المتمكنة. على أنه ينبغى أن نلاحظ شيئين، هما كثرة ما نحل عليه، وقد أدّى ذلك إلى دخول ألفاظ فارسية فى بعض قصائده، حمل عليه من أجلها المرزبانى فى كتاب الموشح. والذى لا شك فيه أن هذا من صنع المنتحلين، ولا يصح أن نحمل على الأعشى بسببه بل ننحى عنه هذا الشعر على نحو ما نحينا عنه القصيدة رقم ٥٥. أما الشئ الثانى فهو أن الأسلوب عند الأعشى ينفك قليلا عن صورة الأسلوب الجاهلى، ولذلك مظهر واضح هو أننا نفتقد عنده الأبيات المفردة التى تدور فى الحكم والأمثال، وكأنما لم تكن لديه مقدرة زهير والنابغة فى التركيز وحشد المعانى فى الألفاظ القليلة. وربما كان هذا هو سبب كثرة التضمين فى أشعاره كقوله فى مطلع قصيدته الأولى فى ديوانه: ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالى فهل تردّ سؤالى دمنة قفرة تعاورها الصّي ... ف بريحين من صبا وشمال (١) فقد جاء بفاعل تردّ فى أول البيت الثانى. ومن ذلك قوله فى قصيدته التى يفخر فيها بتغلّب شيبان على الفرس فى يوم ذى قار: ولله عينا من رأى من عصابة ... أشدّ على أيدى السّعاة من التى (٢)

стр. 361

أتتنا من البطحاء يبرق بيضها ... وقد رفعت راياتها فاستقلّت (١) وهو يوازن فى البيتين بين بنى شيبان وجيوش الفرس، فيقول ألا سلمت عينا من رأى عصابة بنى شيبان وإنها لأشد على من يثيرون الحروب من تلك التى أتتنا من البطحاء تبرق خوذاتها وتخفق راياتها. وواضح أنه فصل بين الصلة والموصول فى البيتين، وكأنه لم يعترف بأن للبيت الأول نهاية يقف عندها. وهذا التضمين فى شعره أكثر من أن نمثل له، فليرجع إليه من أراد. والمهم أنه يدل على انفكاك التعبير عنده، فهو لا يتمه فى البيت، بل يتمه فى بيت ثان أو أبيات. ولعل ذلك هو سبب كثرة صيغة التفضيل التى اشتهر بها فى شعره، وذلك أنه حين يبتغى تفضيل شئ على شئ يجعل المفضل عليه مبتدأ منفيّا بها، ثم يسترسل فى وصفه، حتى إذا استوفى ما أراد من هذا الوصف جاء بخبر المبتدأ، على شاكلة قوله فى المعلقة يصف صاحبته وما ينتشر من طيبها: ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل (٢) يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل (٣) يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل (٤) فقد بدأ بالمبتدأ وهو الروضة، ووصفها فى بيتين مادحا جمالها وما تمدها به الأمطار وكيف تضاحك الشمس أزهارها ونباتاتها، ثم قال إن هذه الروضة على حسنها وشذاها العطر ليست أطيب من صاحبته شذى ولا أبهى نظما وواضح من كل ما قدمنا أن الأعشى يعدّ حلقة مهمة من حلقات الشعر الجاهلى، وهى حلقة تضيف جديدا واضحا إلى هذا الشعر سواء فى موضوعاته أو فى معانيه أو فى أحاسيسه أو فى سهولة ألفاظه أو فى خفة أوزانه وجمال أنغامه وألحانه.

стр. 362

الفصل الحادى عشر طوائف من الشعراء ١ - الفرسان رأينا القبائل فى الجاهلية تعيش معيشة حربية، فهى كتائب تنزل للرعى، وفى الوقت نفسه تجهّز بالأسلحة كى تدفع خصومها عن مراعيها، أو تغير عليهم وتسبى نساءهم وتنهب أموالهم من الإبل وغير الإبل. وكانوا يحاربون راجلين وركبانا على الإبل والخيل، وكانوا يرون فى الثانية مزية على الأولى لسرعتها فى الطّراد والإغارة، فأحبوها وعنوا بها وبتربيتها وصيانتها واستنتاج كرائمها وترويضها للحروب والسباق. وقد دارت أوصافهم لها فى شعرهم الجاهلى، فلم يكادوا يتركون عضوا من أعضائها إلا وصفوه، ولا خصلة ولا عيبا إلا ذكروه، وفى معلقة امرئ القيس صورة من وصفهم لخيلهم، وممن اشتهر بوصفها أبو دواد الإيادى وطفيل الغنوى وسلامة بن جندل التميمى. واشتهر كذلك جماعة من الفرسان الذين أظهروا بطولة نادرة فى حربهم عليها لخصومهم وأقرانهم، وهم كثيرون، فقد كان لكل قبيلة فارسها أو فرسانها الذين يتدربون على ركوب الخيل طويلا وكيف يقفزون عليها ويشهرون سيوفهم ويلوحون برماحهم وكيف يسددون ضرباتهم إلى أعدائهم. وتلقانا دائما أسماؤهم وخاصة فى حروبهم الطويلة مثل حرب البسوس وفارسها المهلهل التغلبى، وهو الذى أشعل نيرانها ثأرا لأخيه كليب، ويقال إنه أول من هلهل الشعر وأرقّه (١). وشعره يدور فى رثاء أخيه وتوعّد قبيلة بكر بما سينزله بها من هزائم لا تقل شدة ولا فتكا عن هزائمها السابقة. وكانت الحرب كما قدمنا فى غير هذا الموضع بين بكر وقبيلته تغلب

стр. 363

سجالا، تارة تنتصر هذه وتارة تنتصر تلك. وكان لا بنى يحمّس قومه ويدعوهم إلى مواصلة القتال، مفصحا فى أثناء ذلك عن رغبة حارة فى الانتقام، واسمعه يقول: (١) وإنى قد تركت بواردات ... بجيرا فى دم مثل العبير (٢) وهمّام بن مرة قد تركنا ... عليه القشعمان من النّسور (٣) وصبّحنا الوخوم بيوم سوء ... يدافعن الأسنّة بالنّحور (٤) كأنا غدوة وبنى أبينا ... بجوف عنيزة رحيا مدير (٥) فلولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض يقرع بالذكور (٦) وواضح أنه يفخر بانتصاراته على بكر فى موقعة واردات وموقعة عنيزة، وقد قتل فى الأولى بجير بن الحارث بن عباد أحد فرسان بكر كما قتل همام بن مرة أخا جساس، وكم قتلوا من عشيرة الوخوم، ولم يكن يوم عنيزة بأقل من يوم واردات فيما اصطلته بكر من حرّ اللقاء. ومن فرسانهم المشهورين عامر بن الطّفيل (٧) فارس بنى عامر بن صعصعة أقوى عشائر هوازن وأشدها بأسا، وكان بنو عامر ينتشرون فى أواسط نجد شرقى الحجاز، وجنوبى منازل عبس وذبيان، وغربى منازل بنى تميم، وكانت مراعيهم تمتد جنوبا حتى بنى حنيفة فى اليمامة وبنى الحارث بن كعب فى نجران ومذحج فى شمالى اليمن. ولما نشبت الحروب بين عبس وذبيان أخذوا صف عبس، فاصطدموا بذبيان وأحلافها، وقد جعلهم انتشارهم فى أواسط نجد يحاربون

стр. 364

قبائل كثيرة مضرية ويمنية. ولعامر بن الطفيل ديوان نشره لايل مع ديوان عبيد بن الأبرص فى سلسلة جب التذكارية. وهو فيه دائم الحديث عن فروسيته وحسن بلائه فى حروب قومه مع ذبيان فى يوم الرقم ويوم ساحوق وغيرهما من الأيام. وقد أظهر بطولة نادرة فى يوم فيف الريح وكان لقومه على بنى الحارث بن كعب النجرانيين وعشائر مذحج، وتغنّى به طويلا فى شعره على شاكلة قوله (١): لقد علمت عليا هوازن أننى ... أنا الفارس الحامى حقيقة جعفر (٢) وقد علم المزنوق أنى أكرّه ... على جمعهم كرّ المنيح المشهّر (٣) إذا ازورّ من وقع الرماح زجرته ... وقلت له: ارجع مقبلا غير مدبر (٤) وأنبأته أن الفرار خزاية ... على المرء ما لم يبل جهدا ويعذر (٥) ألست ترى أرماحهم فىّ شرّعا ... وأنت حصان ماجد العرق فاصبر (٦) وقد علموا أنى أكرّ عليهم ... عشية فيف الريح كرّ المدوّر (٧) وما رمت حتى بلّ نحرى وصدره ... نجيع كهدّاب الدّمقس المسيّر (٨) وهو يصور فى هذه القطعة اقتحامه للحروب، وكيف أنه لا يتخلّى عن بسالته الحربية، حتى يحمى عشيرته وضعفاءها ونساءها. ويقول إنه لا يزال يرد إلى الحرب فرسه المزنوق كلما خرج منها، وإن ازورّ عنها أو انحرف دفعه فيها دفعا، أما الفرار وعاره فدونه الموت. ويدعو فرسه إلى التأسى به، فالرماح تنوشه من كل جانب وهو يهجم على أعدائه غير مبال، ويدعو فرسه إلى الصبر معه، حتى

стр. 365

ينالا شرف النصر جميعا. ويلمع أمام عينيه يوم فيف الريح وما أظهر فيه من بسالة، ويقول إنه لم يبرح موضعه فى ميدان القتال، حتى غرق نحره وصدر فرسه بالدماء. واشتهر عامر كما مر بنا بمنافرته لعلقمة بن علاثة ابن عمه، بسبب منافستهما على سيادة عشيرتهما، وقد احتكما إلى هرم بن قطبة الفزارى، فسوّى بينهما-كما مر بنا- فى عبارته المأثورة إذ قال لهما: «أنتما كركبتى البعير الأدرم (الفحل) تقعان إلى الأرض معا». وقد تقدم أن الأعشى كان ممن وقفوا فى صف عامر ضد علقمة. وقد وفد عامر على الرسول ﷺ سنة تسع للهجرة، غير أن الله لم يوفقه للإسلام، فمضى على وجهه، والرسول غضبان عليه، ولم يلبث أن مات بالطاعون عن اثنتين وستين سنة. ولا نغلو إذا قلنا إن أهم فارس احتفظت به ذاكرة العرب فى أجيالهم التالية إلى يومنا الحاضر هو عنترة بن شداد (١) (وقيل ابن عمرو بن شداد) العبسىّ، وكان أبوه من أشراف عبس، أما أمه فكانت حبشية يقال لها زبيبة، وقد ورث عنها سواده، ولذلك كان يعد من أغربة العرب، كما ورث عنها تشقق شفتيه، ولذلك كان يقال له عنترة الفلحاء. وكان من عادة العرب فى الجاهلية إذا استولدوا الإماء أن يسترقوا أبناءهم ولا يلحقوهم بأنسابهم إلا إذا أظهروا نجابة وشجاعة. ومن ثم لم يعترف شداد بعنترة ابنا له إلا بعد ما أبداه من بسالة فى حروب داحس والغبراء وغيرها. وقد ظل يذكر هذا الجرح الذى أصابه فى الصميم، وفى ذلك يقول (٢): إنى امرؤ من خير عبس منصبا ... شطرى، وأحمى سائرى بالمنصل (٣) وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معمّ مخول (٤) وواضح أنه يشير إلى كرم أصله الأبوى فى شطره الأول، أما شطره الثانى من جهة أمه فتنوب عنه شجاعته واقتحامه للحروب حتى غدا فى قومه خيرا ممن

стр. 366

عمه وخاله من سادتهم، إذ لا يغنى القبيلة أحد غناءه ولا يذود عن حماها ذياده، ويصور لنا فى نفس القصيدة شجاعته وجرأته تصويرا باهرا إذ يقول: بكرت تخوّفنى الحتوف كأننى ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل (١) فأجبتها إن المنيّة منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل (٢) فاقنى حياءك لا أبالك واعلمى ... أنى امرؤ سأموت إن لم أقتل (٣) إن المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل (٤) والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل (٥) فهو لا يستمع إلى تخويف صاحبته له مما قد يلقاه من المكاره والمتالف بسبب تهافته على الحروب، بل إنه ليصمّ أذنيه عن ندائها قائلا لها إن المنية مورد كل إنسان ولا بد أن أموت، فليكن موتى شريفا فى ميدان الحروب. ويدعوها أن تصون حياءها، فهو ميت على كل حال، وخير له أن يموت مناضلا عن قومه مدافعا عن نسائهم وأطفالهم وضعفائهم. ولا يلبث إحساسه ببطولته أن يتضخم فى نفسه، فإذا هو يتصور أن المنية لو خلقت فى مثال لكانت فى مثل صورته وخلقته وهو يقتحم الصفوف، والخيل ساهمة من هول الحرب، والفرسان كالحة وجوههم كأنما يشربون من نقيع الحنظل. وقد طارت شهرة عنترة بالفروسية والشجاعة النادرة منذ الجاهلية، وما زالت ذاكره عالقة بأذهان العرب إلى اليوم، فهو مثلهم الأعلى فى البسالة والبطولة الحربية، وقد اتّخذت من أخباره نواة للملحمة المعروفة باسمه والتى يمكن أن تعد إلياذة العرب، وهو فيها يحارب فى الجزيرة العربية وخارجها فى الحبشة وإيران وبلاد الروم والفرنج وشمال إفريقية والأندلس، وينازل الصليبيين. وبذلك كانت هذه القصة أو السيرة تلخص تاريخ العرب وملحمة فروسيتهم فى الجاهلية وفى الفتوح الإسلامية وبعد الفتوح فى حروبهم مع الروم والصليبيين فى الشرق والغرب. ونحن لا نعنى الآن بعنترة الأسطورة، إنما نعنى بعنترة الفارس الجاهلى الذى

стр. 367

دوّخ الأقران والأبطال فى حروب داحس والغبراء، وبذلك غسل مذمة ولادته ولونه وفلح شفتيه، والذى لا شك فيه أنه كان على خلق عظيم وأنه كان يجمع إلى فروسيته المادية فروسية معنوية أو خلقية. ولا بد أن نلاحظ بصفة عامة أن الفروسية الجاهلية بعثت فى نفوس أصحابها ضربا من التسامى والإحساس بالمروءة الكاملة فإذا هم يتغنون دائما بمجموعة من الفضائل والخصال الحميدة، واقرأ فيهم فستراهم يتحدثون عن كرمهم الفياض ووفائهم وحلمهم وأنفتهم وعزتهم وصبرهم على الشدائد وتحمل المشاق وحفاظهم على العهد وحماية الجار. وهو جانب واضح فى أشعار عنترة، ونظن ظنا أنه نماه عنده ما قصه الرواة من أنه طلب عبلة من عمه مالك فأباها عليه لسواده، ولأنه ابن أمة، وقد ظل يتغنى بها طوال حياته تغنى المحب المحروم، وهو تغن نستشف فيه غير قليل من الإحساس بالحزن واليأس. ومن ثم كان يمكن أن يعد أبا لشعر الحب العذرى عند العرب، كما يعد فعلا أبا للفروسية العربية بخصالها وخلالها النبيلة السامية التى استرعت أنظار الصليبيين، فاتخذوا منها مثالا لفروسيتهم وما انطوى فيها من حب عذرى (١). وردّد البصر فى أشعار عنترة فستجده يأسر لبك بمثله الخلقية الرفيعة، فهو مع فروسيته وبذله لنفسه فى سبيل قومه سمح السجايا سهل المخالطة والمعاشرة لا يبغى على غيره ولا يحتمل البغى ولا يظلم ولكنه لا يستكين للظلم، فإن ظلم تحوّل كالإعصار العاصف حتى يأتى على ظالمه. وقد يشرب الخمر ولكنها لا تفسد مروءته، وإذا دعاه داعى المكرمات لبىّ باذلا كل ما يملك عن طيب نفس، يقول-فى معلّقته- مخاطبا ابنة عمه عبلة التى شغف قلبه بها حبّا: أثنى علىّ بما علمت فإننى ... سمح مخالقتى إذا لم أظلم فإذا ظلمت فإن ظلمى باسل ... مرّ مذاقته كطعم العلقم (٢)

стр. 368

وإذا شربت فإننى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكلم (١) وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى ويتحدث إليها عن فروسيته وبسالته فى الطعن والنزال وصراع الأقران وكيف ينصبّ عليهم كالقضاء النازل أو كشواظ من نار يحرق ويصمى. ولا يلبث أن يعود إلى الحديث عن كرم نفسه وشرف طباعه، فيقول: يخبرك من شهد الوقائع أننى ... أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم (٢) فهو يقدم فى أهوال الحروب وخطوبها، أما عند الأسلاب فيتردد ويحجم ويتعفف وكأنه ليس صاحبها. إنه لا يحارب من أجل الأسلاب والغنائم، وإنما يحارب ليكسب لقومه شرف الانتصار. وما يزال يحدثنا فى شعره عن كرامته، وشعوره القوى بعزته وأنه لا يقبل الضيم والهوان، يقول فى لاميته (٣): ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل فالجوع حتى الموت خير من الطعام الخبيث الدنئ. وعلى هذه الشاكلة ما تزال تلقانا فى أشعاره معان نبيلة، وهى معان ارتفعت عنده إلى أروع صورة للنبل الخلقى، حتى لنراه يرقّ لأقرانه الذين يسفك دماءهم، يقول-فى معلقته- وقد أخذه التأثر والانفعال الشديد لبطشه بأحدهم: فشككت بالرّمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرّم (٤) فهو يرفع من قدر خصمه، فيدعوه كريما، ويقول إنه مات ميتة الأبطال الشرفاء فى ساحة القتال. وكان يجيش بنفسه إحساس عميق نحو فرسه الذى يعايشه ويعاشره حين تنال منه سيوف أعدائه ورماحهم، يقول مصورا آلامه وجروحه الجسدية وقروحه النفسية:

стр. 369

فازورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم (١) لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلّمى وكأنما فرسه بضعة من نفسه. وبهذه الرقة والرحمة كان يعامل النساء سبيات وغير سبيات، فإذا سبى امرأة لم يقربها إلا بعد أداء صداقها إلى أهلها. وكما للسبية حرمتها كذلك لامرأة جاره، وخاصة إذا كانت زوجة صديق، فإنه يغض طرفه عنها ولا يتبعها قلبه وهواه، يقول (٢): ما استمت أنثى نفسها فى موطن ... حتى أوفّى مهرها مولاها (٣) أغشى فتاة الحىّ عند حليلها ... وإذا غزا فى الحرب لا أغشاها (٤) وأغضّ طرفى ما بدت لى جارتى ... حتى يوارى جارتى مأواها إنى امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللّجوج هواها وعنترة بهذا كله يصور لنا المروءة الجاهلية الكاملة، وهى مروءة طرزها حب عذرى عفيف لابنة عمه عبلة. وحقا إن هذا الحب إنما شاع فى بوادى نجد فى أثناء العصر الأموى، بسبب المعانى الروحية التى بثّها الإسلام فى نفوس العرب، وهو لم يشع فى الجاهلية، إنما ظهر عند بعض الأفراد من الفرسان مثل عنترة، فقد كان يتسامى لا فى خلقه فحسب، بل أيضا فى حبه، وقد جعله ذلك يستشعر غير قليل من الأسى والحزن حين رفض عمه يده، فلم يزوجه من ابنته. ومضى يحبها حبا عنيفا، أو قل حبا يائسا محروما فيه طهارة النفس ونقاؤها وفيه الفؤاد الملذع الذى يكظم حزنه فتفضحه عبراته، يقول (٥): أفمن بكاء حمامة فى أيكة ... ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل (٦)

стр. 370

فالحمام يهيجه كما يهيجه النسيم الذى يهب من صوبها، وكما تهيجه الرسوم والأطلال، إذ يعبث الحنين بعقله وبقلبه، يقول فى معلقته: حيّيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم (١) ولقد نزلت-فلا تظنّى غيره- ... منى بمنزلة المحبّ المكرم ودائما نراه يعبر عن ظمأ شديد إلى رؤيتها، لا لغاية حسية، ولكن ليمتع طرفه بجمالها. ومن أهم ما يلاحظ عنده أنه يقدم لها فى معلقته وغير معلقته مغامراته الحربية، فمن أجلها يحارب ويستبسل فى القتال، ومن أجلها يذود عن قومه ويحمى حماهم، ومن أجلها يسوق كل مناقبه ومحامده، وكان حين يشتد القتال يلمع خيالها أمام عينيه فيندفع كالثور الهائج، يقول: ولقد ذكرتك والرّماح نواهل ... منّى وبيض الهند تقطر من دمى فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسّم فهو دائم الذكر لها فى وغى الحرب، حتى حين تعبث به سيوف أعدائه ورماحهم، إنه من أجلها يحارب ويخاطر ويغامر، فلا غرو أن يذكرها فى ساعات القتال الحرجة، فإذا هو يتحول إلى أسد ضار لا يعبس، بل يبتسم، لأنها تتراءى له من خلال بريق السيوف، فيؤمن بأنه منتصر. وعلى هذا النحو تكاملت الفروسية عند عنترة، فلم تصبح فروسية حربية فحسب، بل أصبحت فروسية خلقية سامية، فيها الحب الطاهر العفيف الذى يجعل من المحبوبة مثلا أعلى والذى يرتفع صاحبه عن الغايات الجسدية الحسية إلى غايات روحية تنم عن صفاء النفس ونقاء القلب، وفيها التسامى عن الدنايا والنقائص الذى يملأ النفوس بالأنفة والإباء والعزة والكرامة والحس المرهف والشعور الدقيق. ويقال إنه قتل فى غارة له على بنى نبهان الطائيين بعد أن تقدمت به السن، إذ أصابه أحد رماتهم بسهم من سهامه، ويقال بل مات حتف أنفه (٢).

стр. 371

٢ - الصعاليك (١) الصعلوك فى اللغة الفقير الذى لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة، ولم تقف هذه اللفظة فى الجاهلية عند دلالتها اللغوية الخالصة، فقد أخذت تدل على من يتجردون للغارات وقطع الطرق. ويمكن أن نميز فيهم ثلاث مجموعات: مجموعة من الخلعاء الشذاذ الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة جرائرهم مثل حاجز الأزدى وقيس بن الحدّادية وأبى الطمحان القينى. ومجموعة من أبناء الحبشيات السود، ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بهم لعار ولادتهم مثل السّليك بن السّلكة وتأبّط شرّا والشّنفرى، وكانوا يشركون أمهاتهم فى سوادهم فسموا هم وأضرابهم باسم أغربة العرب. ومجموعة ثالثة لم تكن من الخلعاء ولا أبناء الإماء الحبشيات، غير أنها احترفت الصعلكة احترافا، وحينئذ قد تكون أفرادا مثل عروة بن الورد العبسى، وقد تكون قبيلة برمتها مثل قبيلتى هذيل وفهم اللتين كانتا تنزلان بالقرب من مكة والطائف على التوالى. وتتردد فى أشعارهم جميعا صيحات الفقر والجوع، كما تموج أنفسهم بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، ويمتازون بالشجاعة والصبر عند البأس وشدة المراس والمضاء وسرعة العدو حتى ليسمون بالعدّائين، وحتى لتضرب الأمثال بهم فى شدة العدو، فيقال: «أعدى من السّليك» و «أعدى من الشّنفرى» وتروى عنهم أقاصيص كثيرة فى هذا الجانب، من ذلك ما يقال عن تأبط شرا من أنه «كان أعدى ذى رجلين وذى ساقين وذى عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء، فينتقى على نظره أسمنها، ثم يجرى خلفه، فلا يفوته، حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله (٢)». وكما كانوا يحسنون العدو كان كثير منهم يحسن ركوب الخيل والإغارة عليها، ويقال إنه كان للسليك فرس يسمى النّحّام (٣)،

стр. 372

وللشنفرى فرس يسمى اليحموم (١)، أما اسم فرس عروة بن الورد فقرمل (٢) وكانوا يغيرون أحيانا فرادى وأحيانا فى جماعات. وكانت أكثر المناطق التى يغيرون عليها مناطق الخصب، وكانوا يرصدون طرق القوافل التجارية وقوافل الحجاج القاصدة إلى مكة، ومعنى ذلك أنهم كانوا ينتشرون حولها فى جبال السّراة كما كانوا ينتشرون بالقرب من الطائف والمدينة وأطراف اليمن الشمالية ففى كل هذه الجهات يكثر هؤلاء الذؤبان من قطاع الطرق وقراصنة الصحراء. وهم فى أشعارهم يتغنون بمغامراتهم ونراهم فى أثناء ذلك يتمدحون بالكرم كما نرى فيهم كثيرا من البر بالأقارب والأهل، وأيضا فإننا نحس عندهم غير قليل من الترفع والشعور بالكرامة فى الحياة، ويصور لنا ذلك أبو خراش الهذلىّ فيقول (٣): وإنى لأثوى الجوع حتى يملّنى ... فيذهب لم يدنس ثيابى ولا جرمى (٤) وأغتبق الماء القراح فأنتهى ... إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم (٥) أردّ شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيرى من عيالك بالطّعم مخافة أن أحيا برغم وذلّة ... وللموت خير من حياة على رغم فهو يفتخر لزوجه بأنه يصبر على الجوع، حتى ينكشف عنه، دون أن يلحقه فيه ضيم، وإنه ليكفيه الماء القراح بينما يتخم من حوله أشحاء النفوس بالطعام، أما هو فحتى إن وجد الطعام آثر به عياله وأولاده. وكل ذلك يصنعه حتى لا يوصم بعار الذل. وسنرى عما قليل عروة بن الورد يعبّر عن مثالية خلقية رفيعة لا تقل جمالا عن مثالية عنترة. وكأنما تحولت الصعلكة فى أواخر العصر الجاهلى إلى نظام يشبه نظام الفروسية، وهى حقا تقوم على السلب والنهب، ولكنهم كانوا لا يسلبون ولا ينهبون سيدا كريما، واقرأ فى صعاليك هذيل من مثل أبى كبير والأعلم وفى السليك وتأبط شرا وغيرهم فستجد للصعلوك مثاليته فى الحياة أو على

стр. 373

الأقل ستجد من بينهم من يصورون مستوى خلقيّا رفيعا من البرّ، وإن كان ذلك لا يمنع من أن فريقا منهم عاش سفاحا لا يرعى عهدا ولا ذمة. ونقف قليلا عند أكثرهم دورانا على الألسنة، وهم تأبّط شرا والشّنفرى وعروة بن الورد. أما تأبّط شرّا فمن قبيلة فهم واسمه ثابت (١) بن جابر بن سفيان ويعد فى أغربة العرب، إذ كان ابن أمة حبشية سوداء، فورث عنها سوادها، وقيل بل أمه حرة من فهم تسمى أميمة. واختلف القدماء فى تعليل لقبه «تأبط شرا» فقيل لقبته به أمه إذ تأبط سيفا وخرج، فلما سئلت عنه قالت: تأبط شرا ومضى لوجهه، وقيل بل سمته أو لقبته بذلك لأنها رأته يتأبط جرابا مليئا بالأفاعى. وربما كانت قبيلته هى التى لقبته بهذا اللقب لكثرة ما كان يرتكب من جنايات وجرائر، أى أنه يحمل دائما فى أطوائه شرّا يريد أن ينفذه. ويظهر أن أباه مات وهو صغير، فتزوجت أمه بأبى كبير الهذلى، وكان صعلوكا كبيرا، فخرّجه على شاكلته، وربما كان لسواده وتعيير عشيرته له به وبأنه ابن أمة أثر فى تصعلكه. وكان يرافق الشّنفرى فى كثير من غاراته كما كان يرافقهما صعلوك آخر يسمى عمرو بن برّاق. وليس له ديوان شعر مطبوع، غير أن له أشعارا كثيرة منثورة فى كتب الأدب، وتروى له مغامرات كثيرة، غير أنها مطبوعة بطابع القصص الشعبى، مما أتاح للانتحال أن يلعب دورا واسعا فيما نسب إليه من أشعار، فمن ذلك لاميته التى أنشدها أبو تمام فى حماسته يرثى بها خاله والتى تستهل بقوله «إن بالشّعب الذى دون سلع» فقد ذكر بعض الرواة أنها مما نحله إياه خلف الأحمر (٢). ويمكن أن ندخل فى هذا الباب من الانتحال ما يروى له من أشعار يقص علينا فيها لقاءه للجنّ أو للغول. وقد روى له صاحب المفضليات قصيدة طويلة جعلها فاتحة كتابه، وهو يستهلها بالحديث عن الطيف، ولا يلبث أن يحدثنا عن إحدى غاراته أو مغامراته الفاشلة مع صديقيه الشنفرى وعمرو بن براق على بجيلة فى الطائف، إذا أرصدوا لهم كمينا على ماء أوثقهم غير أنه وصاحبيه دبروا حيلة بارعة، نجوا بها عدوا على الأقدام، ويصور لنا عدوه وشدّه السريع حينئذ فيقول:

стр. 374

ليلة صاحوا وأغروا بى سراعهم ... بالعيكتين لدى معدى ابن برّاق (١) كأنما حثحثوا حصّا قوادمه ... أو أمّ خشف بذى شثّ وطبّاق (٢) لا شئ أسرع منى ليس ذا عذر ... وذا جناح بجنب الرّيد خفّاق (٣) حتى نجوت ولما ينزعوا سلبى ... بواله من قبيض الشّدّ غيداق (٤) وواضح أنه يذكر كيف فات عدّائى بجيلة ليلة صاحوا به وأسرعوا من خلفه هو وصاحبه ابن براق، ويقول إنهم أثاروه حتى غدا أسرع من الظليم والظبية، وحتى أصبحت الخيل الجياد لا تلحق شأوه، بل حتى الطير أصبحت تقصر عن عدوه، وكأنما جنّ جنونه. ويمضى فيرسم لنا صورة الصعلوك من أمثاله الذى يقدره ويجلّه، قائلا: لكنما عولى إن كنت ذا عول ... على بعير بكسب الحمد سبّاق (٥) سبّاق غايات مجد فى عشيرته ... مرجّع الصّوت هدّا بين أرفاق (٦) عارى الظّنابيب ممتدّ نواشره ... مدلاج أدهم واهى الماء غسّاق (٧) حمّال ألوية شهّاد أندية ... قوّال محكمة جوّاب آفاق (٨) فذاك همّى وغزوى أستغيث به ... إذا استغثت بضافى الرأس نعّاق (٩)

стр. 375

فهو إنما يعوّل على هذا الصعلوك المثالى الذى يشركه فى غزواته والذى يتصف بسبقه إلى المحامد فى عشيرته، كما يتصف بجهارة صوته وزعامته بين الرفاق وبضمور جسمه وقوته وصلابته وجرأته فى اقتحام الليالى المظلمة الممطرة حتى إذا كانت الحرب كان المقدم فيها الذى يحمل لواءها، وإذا كانت السلم كان ذا رأى صائب يتردد فى مجالس العشيرة وأنديتها. ولا ينسى أن يضيف إلى هذه الخصال خصلة الكرم، ويجعلها حوارا بينه وبين شخص يعذله على كثرة كرمه وإفراطه فيه، حتى إنه لا يبقى على شئ لغده، ويزجره زجرا شديدا، يقول: بل من لعذّالة خذّالة أشب ... حرّق باللوم جلدى أىّ تحراق (١) يقول أهلكت مالا لو قنعت به ... من ثوب صدق ومن بزّ وأعلاق (٢) عاذلتى إن بعض اللّوم معنفة ... وهل متاع وإن أبقيته باق (٣) ولعل فى هذه الأبيات وما سبقها ما يدل فى وضوح على أن الصعلوك الذى كان يقطع الطريق فى الجاهلية كانت تنعكس عليه أحيانا صفات الفروسية وما بعثت لعصره من سمو فى الأخلاق. وما زال تأبط شرا يقوم بمغامراته حتى قتل فى إحدى غاراته بمنازل هذيل أما الشّنفرى فكان من عشيرة الإواس (٤) بن الحجر الأزدية اليمنية، فهو قحطانى النسب، ويدل اسمه، ومعناه الغليظ الشفاه (٥)، أن دماء حبشية كانت تجرى فيه من قبل أمه، فهى أمة حبشية، وقد ورث عنها سوادها ولذلك عدّ فى أغربة العرب. ولا نراه ينشأ فى قبيلة الأزد، إنما ينشأ فى قبيلة فهم، ويضطرب الرواة فى سبب نزوله مع أمه وأخ له بها، وربما كان أقرب ما يروونه من ذلك أن قبيلته قتلت أباه، فتحولت أمه عنها إلى بنى فهم، ومما يرجح ذلك أننا نجده يخص بغزواته بنى سلامان الأزديين معلنا فى أشعاره أنه يقتصّ لنفسه منهم. ويقال

стр. 376

إن الذى روّضه على الصعلكة وقطع الطرق تأبط شرا، فكان يغير معه، حتى صار لا يقام لسبيله (١). وما زال يغير على الأزد، وينكل بها، حتى قتل، فيما يقص الرواة، تسعة وتسعين، انتقاما لأبيه، وأخيرا يرصدون له كمينا، فيقع فيه، ويمثلون به تمثيلا فظيعا، يقطعون فيه جسده تقطيعا، ويرمون به للسباع، ويقال إن رجلا عثر بجمجمته، فعقرته، فمات. وبذلك يبلغ قتلاه من الأزد مائة. وخيوط الأسطورة واضحة فى مقتل الرجل المكمل للمائة، وتلعب هذه الخيوط فى أخباره جميعا كما تلعب فى أخبار تأبط شرا رفيقه. وللشنفرى ديوان شعر صغير طبع فى لجنة التأليف والترجمة والنشر بمجموعة الطرائف الأدبية، ومما اشتهر له لامية العرب، وهى مما نحل عليه، فقد نصّ الرواة على أنها من صنع خلف الأحمر (٢)، وقد أحكم صناعتها وساق فيها اسم موضع فى جنوبى اليمن هو إحاظة ليدل على أن قائلها كان يتجول فى هذه الأنحاء، وحتى يكون ذلك أدعى إلى تصديقها والثقة بها. وهى تصور تصويرا حيّا حياة الصعلوك الجاهلى وروحه البدوية الوحشية. وبجانب هذه القصيدة المنتحلة نجد له قصيدته التائية الطويلة التى رواها المفضل فى مفضلياته، «ثم مجموعة من المقطوعات. ويبدو فى أشعاره على شاكلة تأبط شرا هزيلا نحيلا يلبس ثيابا بالية ونعالا ممزقة. ولو لم يصلنا إلا تائيته لكان ذلك كافيا فى تصور حياته ومغامراته، وقد سبق أن تمثلنا بأبيات منها فى وصف زوجته أميمة نعتها فيها بأخلاقية مثالية ممتازة، ثم مضى يصف غارة أغارها على بنى سلامان فى جمع من رفاقه الصعاليك وعلى رأسهم تأبط شرا، ونراه فى مستهل وصفه يحدثنا أنه كان يقودهم ويعرفنا بالطريق الذى سلكوه، وأنهم كانوا راجلين، يقتحمون الصعاب، غير هيابين ولا وجلين، يقول: وباضعة حمر القسىّ بعثتها ... ومن يغز يغنم مرّة ويشمّت (٣) خرجنا من الوادى الذى بين مشعل ... وبين الجبا، هيهات، أنشأت سربتى (٤)

стр. 377

أمشّى على الأرض التى لن تضرّنى ... لأنكى قوما أو أصادف حمّتى (١) أمشّى على أين الغزاة وبعدها ... يقرّبنى منها رواحى وغدوتى (٢) وهو يعترف فى البيت الأول بأنهم قد يرجعون خائبين أو مهزومين من غارتهم أو غزوتهم، ولكن ذلك لا يردهم عن الغزو، بل يدفعهم دفعا إليه، فهم لا يتهيبون الموت ولا وعثاء الطريق. ويصور لنا كيف كان تأبط شرا يحمل زادهم ويقتّر عليهم فى الطعام خيفة أن تطول الغزاة بهم فيموتوا جوعا، ويقص علينا ذلك فى مداعبة طريفة له، إذ يدعوه أمهم، وهو وأصحابه عيالها، يقول: وأمّ عيال قد شهدت تقوتهم ... إذا أطعمتهم أو تحت وأقلّت (٣) تخاف علينا العيل إن هى أكثرت ... ونحن جياع، أىّ آل تألّت (٤) مصعلكة لا يقصر السّتر دونها ... ولا ترتجى للبيت إن لم تبيّت (٥) لها وفضة فيها ثلاثون سيحفا ... إذا آنست أولى العدىّ اقشعرّت (٦) وتأتى العدىّ بارزا نصف ساقها ... تجول كعير العانة المتلّفت (٧) إذا فزعوا طارت بأبيض صارم ... ورامت بما فى جفرها ثم سلّت (٨) حسام كلون الملح صاف حديده ... جراز كأقطاع الغدير المنّعت (٩) تراها كأذناب الحسيل صوادرا ... وقد نهلت من الدّماء وعلّت (١٠)

стр. 378

وواضح أنه ينتقل من تصوير شحّ هذه الأم بالطعام إلى بيان أنها ليست أمّا حقيقية، فهى صاحبة صعاليك، لا تتخذ الستر ولا تبيت فى الخيام، ولها جعبة سهام، تناضل بها عن أصحابها حين يفجؤهم بعض الأعداء. وما تزال ترعاهم رعاية حمار الوحش لأتنه، حتى إذا دهمهم غزاة أو مغيرون بادرت إلى سهامها، ثم نازلتهم هى ومن معها بسيوفهم القاطعة اللامعة التى تنهل من دمائهم وتعل، فتّرى وكأنها أذناب الحسيل، وهى أولاد البقر المستأنسة. ووقف لايل فى ترجمته للمفضليات عند هذا التشبيه واتخذ منه دليلا على أصل الشنفرى وأنه يمنى حقا، لأن البقر المستأنس كما يقول لم يعرف عند العرب قديما إلا فى بلاد اليمن (١). ونمضى مع الشنفرى فى القصيدة فإذا هو يحدثنا عن أهداف غارته وأنه كان يقصد بها بنى سلامان، حتى يأخذ بثأره لأبيه ويشفى حقده وغليله، يقول: جزينا سلامان بن مفرج قرضها ... بما قدّمت أيديهم وأزلّت (٢) وهنّئ بى قوم وما إن هنأتهم ... وأصبحت فى قوم وليسوا بمنبتى (٣) شفينا بعبد الله بعض غليلنا ... وعوف لدى المعدى أوان استهلّت (٤) وإنى لحلو إن أريدت حلاوتى ... ومرّ إذا نفس العزوف استمرّت (٥) وهو يصرح بأنه جزى بنى سلامان بما قدمت أيديهم، ويأسى أن يكونوا قومه ولا ينتفعوا به وببأسه، وأن يقعد لهم ويقعدوا له، لما بينه وبينهم من ثأر قديم، ويحدثنا أنه شفى بعض غليله بقتله لرجلين منهم هما عبد الله وعوف، ويقول إنه حلو لأصداقائه مر على أعدائه كأنه الحنظل. وهكذا كانت حياته غارات ومغامرات، حتى أصاب أعداؤه منه مقتلا فقتلوه. وثالث صعاليك الجاهلية المشهورين عروة بن الورد العبسى (٦)، وكان أبوه

стр. 379

من شجعان قبيلته وأشرافهم (١)، ومن ثم كان له دور بارز فى حرب داحس والعبراء أما أمه فكانت من نهد من قضاعة، وهى عشيرة وضيعة لم تعرف بشرف ولا خطر، فآذى ذلك نفسه، إذ أحسّ فى أعماقه من قبلها بعار لا يمحى، يقول (٢) وما بى من عار إخال علمته ... سوى أن أخوالى-إذا نسبوا-نهد فهى عاره، الذى حلّت البلية عليه منه، والذى دفعه دفعا إلى الثورة على الأغنياء، وهى ثورة كانت مهذبة، إذ لم يتحول إلى سافك دماء ولا إلى متشرد يرود مجاهل الصحراء، فقبيلته لم تخلعه، بل ظل ينزل فيها مرموق الجانب لسيرة كانت تروع معاصريه ومن جاءوا بعدهم، إذ اتخذ من صعلكته بابا من أبواب المروءة والتعاون الاجتماعى بينه وبين فقراء قبيلته وضعفائها، ومن أجل ذلك لقّب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا فى غزواتهم وضاقت بهم الدنيا. وفى الأغانى «كان عروة بن الورد، إذا أصابت الناس سنة (أزمة جدب) شديدة وتركوا فى دارهم المريض والكبير والضعيف، يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته فى الشدة، ثم يحفر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف (الحظائر) ويكسبهم. ومن قوى منهم-إما مريض يبرأ من مرضه أو ضعيف تثوب قوته- خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين فى ذلك نصيبا. حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كلّ إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمى عروة الصعاليك (٣)». وفى خبر آخر أن عبسا كانت إذا أجدبت أتى ناس منها ممن أصابهم جوع شديد وبؤس فجلسوا أمام بيت عروة، حتى إذا أبصروا به صرخوا، وقالوا أيا أبا الصعاليك أغثنا، فكان يرق لهم ويخرج بهم فيصيب معاشهم (٤). وعروة بذلك كله يعبر عن نفس كبيرة، فهو لا يغزو للغزو والنهب وكالشّنفرى وتأبط شرا، وإنما يغزو ليعين الهلاّك والفقراء والمرضى والمستضعفين من قبيلته، والطريف أنه لم يكن يغير على كريم يبذل ماله للناس، بل كان يتخير

стр. 380

لغارته من عرفوا بالشح والبخل ومن لا يمدون يد العون للمحتاج فى قبائلهم، فلا يرعون ضعفا ولا قرابة ولا حقّا من حقوق أقوامهم (١). وبذلك كله تصبح الصعلكة عنده ضربا من ضروب النبل الخلقى، وكأنها أصبحت صنوا للفروسية، بل لعلها تتقدمها فى هذه الناحية من التضامن الاجتماعى بين الصعلوك والمعوزين فى قبيلته. وبلغ عروة من ذلك أنه كان لا يؤثر نفسه بشئ على من يرعاهم من صعاليكه، فلهم مثل حظه غزوا معه أو قعد بهم المرض والضعف. وهو يضرب بذلك مثلا رفيعا فى الرحمة والشفقة والبذل والإيثار. ولعروة ديوان برواية ابن السكيت، طبع مرارا، فى جوتنجن والجزائر والقاهرة وبيروت، وتردّد أشعاره فيه هذه المعانى الكريمة التى قدمناها، وهى معان جعلت معاصريه ومن جاءوا بعدهم يعجبون به إعجابا شديدا، فقد كانت قبيلته تأتم به فى خلاله وخصاله، وكان معاوية يقول: «لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم (٢)» أما عبد الملك بن مروان فكان يقول: «من زعم أن حاتما أسمع الناس فقد ظلم عروة بن الورد» (٣) وكان يقول أيضا: «ما يسرّنى أن أحدا من العرب ولدنى ممن لم يلدنى إلا عروة بن الورد لقوله: إنى امرؤ عافى إنائى شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد (٤) أتهزأ منى إن سمنت وأن ترى ... بجسمى شحوب الحق، والحقّ جاهد أفرّق جسمى فى جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء، والماء بارد (٥) وعروة يعبر عن معنى إنسانى رفيع، إذ تعرّض له بعض أصحابه يعيبه بأنه مضنئ هزيل شاحب اللون، فقال له: إننى يشركنى كثيرون من العفاة والسائلين ذوى الحاجة فى إنائى أو طعامى، أما أنت فلا يشركك أحد، ولذلك سمنت أما أنا فأصبحت ضامرا نحيلا، وما شحوب وجهى إلا أثر من آثار نهوضى بحقوق هؤلاء المحتاجين والمعوزين، فلست أنا الخليف بالهزؤ والسخرية، إنما الخليق بذلك السمين

стр. 381

البطين. وما لبث أن قال: إنه يقسم طعامه بينه وبين الفقراء أو بعبارة أدق يقسم جسمه فى جسومهم، بل كثيرا ما يؤثرهم على نفسه بكل طعامه مع جوعه ومسغبته مكتفيا بشرب الماء البارد، على حين يعصف الشتاء بزمهريره. والذى لا ريب فيه أنه طمح إلى مثل نبيل فى البرّ والإيثار ودفع غوائل البؤس والشقاء عن البؤساء والضعفاء. ونحن نقف عند قصيدة أنشدها له الأصمعى فى أصمعياته (١)، وهى بذلك من أوثق شعره وأصدقه. وهو يستهلها بتوجيه الخطاب إلى امرأته سلمى التى تلومه على كثرة مخاطراته ومغامراته فى الغزوات والغارات، وقد ردّ عليها بأنه يبغى حسن الأحدوثة وبقاءها، وأنه إنما يرمى بنفسه فى المهالك من أجلها، حتى يغنيها، وحتى لا تشعر بالحاجة من بعده أو بالذل والهوان، وهى تماريه شفقة عليه: تقول: لك الويلات هل أنت تارك ... ضبوءا برجل تارة وبمنسر (٢) فهى تقول له إنك لن تنتهى عن غاراتك بالصعاليك من الراجلين تارة ومن الفرسان تارة ثانية، وحرى بك أن تكف عن ذلك، حتى لا تلقى حتفك. ويرد عليها: أبى الخفض من يغشاك من ذى قرابة ... ومن كلّ سوداء المعاصم تعترى (٣) ومستهنئ، زيد أبوه، فلا أرى ... له مدفعا، فاقنى حياءك واصبرى (٤) فهو لا يستطيع القعود عن الغزو كما تريد زوجه، لما عليه من واجبات وحقوق لأقربائه المحتاجين من قبيلته، ونسائها المعوزات، والعفاة، طلاّب العطاء من الضعفاء، فهو إنما يغزو من أجل الوفاء بحقوق هؤلاء جميعا. ويعرض عليها صورتين للصعلوك، صورة رديئة، وصورة جيدة، أما الصورة الأولى ففيها يتراءى الصعلوك خاملا، حسبه أن ينال أكلة من فتات مائدة، لا يهمه أهله ولا عياله

стр. 382

ولا قوتهم، يقول: لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليله ... مضى فى المشاش آلفا كلّ مجزر (١) يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسّر (٢) ينام عشاء ثم يصبح قاعدا ... يحثّ الحصا عن جنبه المتعفّر (٣) يعين نساء الحىّ ما يستعنّه ... فيضحى طليحا كالبعير المحسّر (٤) وواضح أنه ينعته بأنه ضعيف الهمة فحسبه لقمة تشبعه، مما يتساقط من فضلات الموسرين، وإنه لينام ملء جفونه فليس هناك ما يشغله، وحتى هو فى النهار ليس هناك ما يعمله سوى خدمة النساء، فهو ذليل مهين يعيش عالة على مجتمعه. ومثل هذا الصعلوك جدير بكل ملامة، لأنه يحيا حياة وضيعة، أما الصعلوك الآخر الشريف فهو جدير بكل ثناء وتشجيع من الزوجة وغير الزوجة، يقول فى وصفه: ولله صعلوك صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنوّر (٥) مطلاّ على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهّر (٦) وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوّف أهل الغائب المتنظّر (٧) فذلك إن يلق المنيّة يلقها ... حميدا، وإن يستغن يوما فأجدر فهذا هو الصعلوك الذى يعجب به عروة، صعلوك وجهه مشرق بأعماله المجيدة، لا يزال يطل على أعدائه ويشرف عليهم، فيظفر منهم بكل ما يريد، رغم صياحهم به وزجرهم له. وهم مهما بعدوا لا يأمنون غزوه، بل إنهم لينتظرونه انتظار أهل

стр. 383

الغائب له، علما منهم بأنه لا بد راجع إليهم ومصيب منهم. ويقول إن مثل هذا الصعلوك المغامر الجرئ، إن يمت تظل ذكراه خالدة لمحامده ومناقبه. ويمضى فيحدثنا عن غزواته وغاياتها، يقول: أيهلك معتمّ وزيد ولم أقم ... على ندب يوما ولى نفس مخطر (١) ستفزع بعد اليأس من لا يخافنا ... كواسع فى أخرى السّوام المنفّر (٢) نطاعن عنها أول القوم بالقنا ... وبيض خفاف وقعهنّ مشهّر (٣) ويوما على غارات نجد وأهله ... ويوما بأرض ذات شثّ وعرعر (٤) يريح علىّ الليل أضياف ماجد ... كريم ومالى سارحا مال مقتر (٥) وهو فى أول هذه الأبيات يستنكر أن تهلك عشيرتى معتم وزيد، وهو قاعد فى الحى، لا يخاطر بنفسه من أجلهما فذلك عار ما بعده عار. لقد خلق لرعاية الضعفاء والهلاّك من قبيلته، وهو لذلك لا بد مقتحم مع رفاقه من الصعاليك الفرسان حمى بعض القبائل ليسوقوا منها ما يشاءون من الإبل السائمة، وهم يهجمون تارة فى الحجاز وتارة فى نجد. وكل ذلك حتى يغنم ما يقدمه لضيفانه، وكم يغنم! إلا أنه لا يبقى على شئ فى يده، فماله مال مقتر أو فقير مقل. والحق أن عروة كان صعلوكا شريفا، وأنه استطاع أن يرفع الصعلكة وأن يجعلها ضربا من ضروب السيادة والمروءة، إذ كان يستشعر فى قوة فكرة التضامن الاجتماعى وما يطوى فيها من إيثار وبر بالفقراء، فهو لا يسعى لنفسه فحسب، وإنما يسعى قبل كل شئ للمعوزين من عشيرته حتى يدفع عنهم كل ما يجدون من بؤس وشقاء.

стр. 384

٣ - شعراء آخرون مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن جماعات من اليهود نزلت فى أواخر القرن الأول للميلاد وأوائل الثانى بالمدينة والواحات المنثورة فى شماليها بالحجاز مثل فدك وخيبر ووادى القرى وتيماء. واضطرتهم مواطنهم الجديدة إلى تعلم العربية، وإن ظلوا على دينهم. ومما يلفت النظر أنهم لم يتركوا أى أثر مكتوب. وقد عنى هؤلاء اليهود بالزراعة والصناعات اليدوية. وأخبارهم فى الجاهلية توحى بأن العرب لم يأمنوهم، إذ كانوا يعدونهم من أعدائهم، وكانوا يزدرونهم ازدراء شديدا. ومن يتابع موقفهم من الإسلام وكيف أن الرسول ﷺ اضطر -لكيدهم له ونقضهم لما بينهم وبينه من عهود موثقة مرارا وتكرارا-إلى إجلائهم عن المدينة، وأتم عمر من بعده هذا الإجلاء عن الجزيرة، من يتابع ذلك يعرف أن العرب كانوا فى الجاهلية يجفونهم وينفرون منهم ومن دينهم، فلم يؤثروا فيهم شيئا، وعلى العكس نجد اليهود يتعلمون العربية، وينفذ بعضهم إلى النّظم بها. على أنه ينبغى أن نحتاط إزاء ما يحدثنا الرواة عن شعرائهم وأشعارهم، فلا نثق بكل ما رووه فى هذا الصدد، فقد يكون بعض أبنائهم ممن أسلموا هم الذين زيفوا هذه الأشعار ووضعوها على ألسنتهم. ويظهر أن هذا الوضع قديم فنحن نجد ابن سلام يفتح لشعرائهم فصلا (١) فى كتابه «طبقات فحول الشعراء» يسوق فيه ذكر ثمانية من شعرائهم وينشد لكل شاعر بعض ما اشتهر له، وهم على التوالى السموأل بن الغريض بن عادياء والربيع بن أبى الحقيق وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران وشعية بن الغريض أخو السموأل وأبو قيس بن رفاعة وأبو الذيّال ودرهم بن يزيد. ويضيف أبو الفرج فى الأغانى (٢) وابن هشام فى السيرة النبوية أسماء أخرى مثل أوس بن دنىّ وسمّاك والغريض بن السموأل.

стр. 385

وأشهرهم جميعا السموأل (١) صاحب حصن الأبلق بتيماء، وكان معاصرا لامرئ القيس، ومرت بنا أسطورته معه وما قالوا من أن امرأ القيس استودعه سلاحه، فسار إليه الحارث بن أبى شمر الغسانى أو الحارث بن ظالم المرى على اختلاف الروايات، فطلب منه سلاح امرئ القيس، فأغلق حصنه من دونه، وتصادف أن كان له ابن خارج الحصن، فأخذه الحارث، وهدده إن لم يعطه السلاح قتل ابنه، فقال له: اقتله، فلن أعطيه لك. وبذلك وفى على غير عادة قومه! . وسبق أن قلنا إن هذا من باب الأساطير، كما سبق أن اتهمنا قصيدة الأعشى التى عرضت لهذه القصة فى إسهاب. ومما نسب إلى السموأل خطأ القصيدة المشهورة: إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل وهى لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى (٢)، وهو شاعر إسلامى. وقد نشر لويس شيخو ديوانا له برواية نفطويه فى مجلة المشرق ببيروت سنة ١٩٠٩ وهى رواية ضعيفة، إذ تشتمل على مقطوعات كثيرة يتضح فيها أنها منحولة. وروى الأصمعى تائية (٣) له، لا نكاد نقرأ فيها حتى نحس أثر الصنعة والانتحال، وهى تستهل بالحديث عن نشأة الإنسان وحياته وبعثه بعد موته على هذا النمط: نطفة ما منيت يوم منيت ... أمرت أمرها وفيها وبيت (٤) كنّها الله فى مكان خفىّ ... وخفىّ مكانها لو خفيت أنا ميت إذ ذاك ثمّت حىّ ... ثم بعد الحياة للبعث ميت وصلة هذه الأبيات بما جاء فى القرآن الكريم عن نشأة الإنسان وأنه من نطفة يمنى وأنه يحيى ثم يموت ثم يبعث فهو ينتقل من موت إلى حياة، وما حياته الثانية فى الآخرة بمستغربة، إنها تلى موته وحياته الأولى التى تحوّل إليها من ماء دافق يخرج من بين الصّلب والترائب، ويقول جلّ وعز: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ﴾

стр. 386

﴿مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»﴾. وتردّد هذا المعنى فى الذكر الحكيم هو الذى يجعلنا نشك فى هذه القصيدة، ونعتقد اعتقادا أنها نظمت فى العصور الإسلامية على هدى التنزيل العزيز، ويدل على ذلك دلالة قاطعة أننا نحس إزاء بعض أبياتها أنها نظم مباشر لبعض آى القرآن الكريم مثل: ليت شعرى! وأشعرنّ إذا ما ... قيل إقرأ عنوانها وقريت (١) وأصل هذا البيت قوله تعالى فى سورة الإسراء: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً، اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»﴾ وعلى هذه الشاكلة: ميت دهر قد كنت ثم حييت ... وحياتى رهن بأن سأموت فإن البيت ترديد لمثل قوله سبحانه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»﴾. والحق أن الشعر المضاف إلى يهود الجاهلية من أمثال السموأل ينبغى أن نحذر منه، وخاصة حين يعلى من أخلاقهم ويسمو بها، أو حين يندمج فى بعض ما يردده القرآن الكريم من أفكار ومعان لم تكن معروفة قبله، ولعله من أجل ذلك لم يرو المفضل الضبى فى مفضلياته شعرا ليهودى، وكأنه لم يثبت عنده شعر لهم. وإذا كان العرب الشماليون فى الجاهلية استشعروا البغضاء لليهود فلم يتهود منهم أحد، فإنهم لم يحسوا نفس الإحساس إزاء النصرانية والنصارى، وإن ظلوا فى الجملة يحتفظون بدينهم الوثنى ويرون فيه رمز استقلالهم وسيادتهم، وأنه ينبغى أن لا تتخطفهم الديانات من حولهم. وقد كانت المسيحية أمامهم فى الشام دينا للدولة، ودخل فيها الغساسنة كما قدمنا فى غير هذا الموضع، وكانت منتشرة بين الآراميين فيما بين النهرين بالعراق، واعتبقها اللخميون فى أواخر القرن

стр. 387

السادس للميلاد، وكانت منتشرة قبل اعتناقهم لها فى جمهور عربى من سكان الحيرة سمى بالعباديين، وتشير الكلمة التى سموا بها، إلى أنهم عباد الله، وكانوا أخلاطا من قبائل شتى. وقد انتشرت فى الجنوب بنجران فكانت مركزا مهمّا من مراكزها، كما انتشرت فى القبائل الشمالية والشرقية مثل قضاعة وكلب وطيئ وبكر وتغلب وتنوخ وتميم، ويزعم اليعقوبى أن نفرا من مكة تنصروا قبيل الإسلام (١). وكل ذلك معناه أن المسيحية كانت منبثة فى الجزيرة وأن كثيرين من العرب الجاهليين دخلوا فيها، ويتردد عند شعرائهم الوثنيين ذكر الراهب المسيحى، وكأنه كان شخصية شعبية معروفة للجميع. وأشهر شعراء المسيحية فى الجاهلية عدىّ بن زيد (٢) شاعر الحيرة المشهور، وهو من العباديين ومن بيت شريف من بيوتهم النصرانية، خدم أبوه فى دواوين الفرس وفى دواوين المناذرة بالحيرة، ولما أيفع ابنه عدى عنى بتربيته وتأديبه على الطريقة الفارسية، فكان يحسن لغة الفرس كما كان يحسن لغة العرب، وتعلّم الرمى بالنشّاب ولعب العجم على الخيل بالصّوالجة. ولم يلبث أن التحق بديوان كسرى أبرويز بن هرمز (٥٩٠ - ٦٢٨ م) وعهد إليه فيه بالشئون العربية، ويقال إن كسرى أرسله إلى ملك الروم فى بيزنطة بهدية، فلما أتاه بها أكرمه. وفى أثناء عودته مر بدمشق وهناك انطلق لسانه بالشعر. وعاد إلى الحيرة فوجد أباه قد توفى. وظل مدة متنقلا بين الحيرة والمدائن، وما نلبث أن نرى الأمور تفسد بينه وبين النعمان أبى قابوس، مع أنهم يقولون إنه لعب دورا فى توليته على الحيرة بعد أبيه دون بقية إخوته. ويقال إن الذى أفسد ما بينهما بعض بنى مرينا، إذ زعموا للنعمان أنه يقول إنه عامله وإنه هو الذى ولاه ما ولاّه. فاضطغن عليه النعمان، وانتهز فرصة مجيئه من لدن كسرى ذات مرة، وأمر بحبسه، ولم يجده عنده استعطافه ولا ما نظمه فيه من أشعار. وعلم كسرى فكتب إلى النعمان يأمره

стр. 388

بإطلاقه، غير أن الرسول وجد عديّا قد مات فى سجنه مختنقا. وغضب كسرى حين علم بذلك على النعمان غضبا شديدا، وربما كان هذا الغضب أهم الأسباب فى قضائه عليه كما مر بنا فى غير هذا الموضع. وأهم الموضوعات التى يدور فيها شعر عدىّ الخمر، وذكر الموت والفناء، وهو فى الموضوع الأول يعد أبا لشعراء الخمر فى الجاهلية من مثل الأعشى، ثم لمن ظهروا فى العصور الإسلامية بعد ذلك من مثل الوليد بن يزيد وأبى نواس. وفى أخبار الوليد أنه كان من ندمائه القاسم بن الطويل العبادى، وكان أديبا ظريفا شاعرا، وكان لا يصبر عنه. ونظن ظنا أنه هو الذى وصله بشعر عدى، إذ كان يرويه له ويغنّى فيه معبد وغيره من المغنين بمثل هذا الصوت (١): بكر العاذلون فى وضح الصّب ... ح يقولون لى ألا تستفيق لست أدرى وقد جفانى خليلى ... أعدوّ يلومنى أم صديق ثم قالوا ألا اصبحونا فقامت ... قينة فى يمينها إبريق (٢) قدّمته على عقار كعين ال ... دّيك صفّى سلافها الرّاووق (٣) وواضح أن الأبيات من نفس الألحان والأنغام المعروفة للوليد ومن جاوا بعده من شعراء الخمريات، وكأن القاسم العبادى هو الذى وجه الوليد ليحتذى فى خمرياته على أسلوب عدى وليجرى فى طريقته. ويروى الرواة لعدى بجانب شعره فى الخمر أشعارا فى الفناء وزوال الحياة، وهى تأخذ عنده أسلوبين: أسلوبا يتحدث فيه عن الحياة والموت وأن الدنيا غير باقية، وأسلوبا قصصيّا يتخذ فيه من التاريخ وهلاك الملوك والأوائل وسيلة إلى العظة والعبرة. ومن الأسلوب الأول قوله على لسان المقابر (٤): من رآنا فليحدّث نفسه ... أنه موف على قرن زوال (٥) وصروف الدّهر لا يبقى لها ... ولما تأتى به صمّ الجبال

стр. 389

ربّ ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزّلال (١) عمّروا دهرا بعيش حسن ... آمنى دهرهم غير عجال ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودى بالرجال وكذاك الدهر يرمى بالفتى ... فى طلاب العيش حالا بعد حال فالدنيا إلى زوال وكلّ من عليها فان، حتى صمّ الجبال، ولا يغرنك ما يغرق فيه بعض الناس من ترف ونعيم، فعمّا قليل يعصف بهم الدهر كما عصف بمن قبلهم. ومن الأسلوب الثانى قوله (٢): أيّها الشامت المعيّر بالدّهر ... أأنت المبرّأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيّام ... بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير (٣) أين كسرى: كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... رّوم لم يبق منهم مذكور ويستمر فى ذكر ملوك مختلفين شيدوا قصورا شامخة، وانتهى أمرهم إلى الفناء، وطوتهم الحفر والقبور كأن لم يكونوا شيئا مذكورا، إلى أن يقول: ثم بعد الفلاح والملك والإمّ ... ة وارتهم هناك القبور (٤) ثم صاروا كأنهم ورق ... جفّ فألوت به الصّبا والدّبور (٥) ويكثر البحترى فى حماسته من إنشاد مثل هذه الأبيات لعدى بن زيد التى يتحدث فيها عن الحياة والموت ومصير الملوك السابقين. ونحن لا نطمئن إلى كل هذه الأشعار، بل نقف منها موقفنا من نظيرها عند الأعشى، فإن القصّاص والوعاظ على ما يظهر أضافوا إليه أشعارا كثيرة. ولعل ذلك ما جعل اللغويين

стр. 390

يرفضون الاستشهاد بشعره، ولاحظ ابن سلام كثرة الوضع عليه فقال: «عدى بن زيد كان يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شئ كثير وتخليصه شديد (١)». وأكبر الظن أن هذا هو السبب فى أن المفضل والأصمعى لم يثبتا له فى مجموعتيهما شيئا من شعره. وقد قلنا فى غير هذا الموضع إنه لا يفصح فى شعره عن فكرة التثليث المسيحية، وينبغى أن لا نغلو فى فهم مسيحية أمثال عدى فى الجاهلية، فإنها لم تكن تتعمق نفوسهم، وإن كان من المؤكد أنها أثرت فيهم، بل لقد سقط منها تأثيرات إلى الشعراء الوثنيين فرأيناهم يذكرون أحيانا الرهبان والنواقيس ومحاريب الكنائس أو قد يذكرون بعض الأنبياء مما جعل لويس شيخو يسلك أكثر شعراء الجاهلية فى النصرانية، وهو مخطئ فى ذلك خطأ بينا. وربما كان أهم شاعر جاهلى وثنى ظهر عنده واضحا التأثر بأهل الكتاب أمية (٢) ابن أبى الصلت الثّقفى، وهو من الطائف ويقال إنه اتصل بالأحبار وتحنّف ولبس المسوح وتنسّك. وكان يزور مكة قبل البعثة، وله مدائح فى سيد من سادتها المشهورين هو عبد الله بن جدعان، الذى يقول له فى بعض مديحه (٣): أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إن شيمتك الحياء كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء وأرضك كلّ مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لهم سماء (٤) ويقول أيضا (٥): عطاؤك زين لامرئ قد حبوته ... بخير، وما كلّ العطاء يزين وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك، كما بعض السؤال يشين ولما بعث رسول الله ﷺ إلى قومه أضلّه الله فعاداه، وزيّن له الشيطان سوء عمله وأغواه، فلم يسلم، بل أخذ فى معاندة الرسول ومحادّته بلسانه،
следующие страницы →