الحلال والحرام عن خير الأنام، وله شروح كثيرة. ولمؤلف العمدة كتاب الكمال فى معرفة أسماء الرجال، وصنع له تهذيبا المزى جمال الدين يوسف بن الزكى وأكمل التهذيب مغلطاى الذى مرّ ذكره. وأخذ المذهب الحنبلى يشيع فى مصر منذ أنشأ السلطان الصالح نجم الدين أيوب مدرسته الصالحية سنة ٦٤١ إذ جعل للمذهب الحنبلى ودراسته فيها إيوانا بجانب أواوين المذاهب الثلاثة السابقة، ودعم ذلك الظاهر بيبرس بضم قضاة للحنابلة والمالكية والحنفية بجانب قاضى الشافعية.
وتوالى اهتمام المماليك، فى تأسيس مدارسهم، بالفقه الحنبلى وفقهائه بجانب فقهاء المذاهب الثلاثة الأخرى على نحو ما مر بنا فى صدر هذا الفصل. ويترجم السيوطى فى حسن المحاضرة لعشرين من فقهاء المذهب وقضاته فى مصر مثل نجم (١) الدين أحمد بن حمدان الحرانى المتوفى سنة ٦٩٥ مؤلف الرعاية الكبيرة وعمر (٢) بن عبد الله المقدسى قاضى الديار المصرية المتوفى سنة ٦٩٦ وموفق (٣) الدين عبد الله بن عبد الملك المقدسى قاضى الديار المصرية لنحو ثلاثين سنة توفى سنة ٧٦٩، وناصر (٤) الدين نصر الله بن أحمد الكنانى المتوفى سنة ٧٩٥ ناب عن موفق الدين فى قضاء الحنابلة ثم استقل به ستّا وعشرين سنة، وعماد (٥) الدين الحنبلى أبو بكر بن أبى المجد المتوفى سنة ٨٥٤ صنّف تجريد الأوامر والنواهى من كتب الصحاح الستة، واختصر تهذيب الكمال للمزّى.
ويختم السيوطى فقهاء الحنابلة زمن المماليك بأستاذه أحمد (٦) بن إبراهيم الكنانى العسقلانى الأصل المصرى المولد، وفيه يقول: ولى قضاء الحنابلة بالديار المصرية، ودرّس للحنابلة بغالب مدارس القاهرة، وله تعاليق وتصانيف ومسودات كثيرة فى الفقه وأصوله والحديث والعربية، ومنها مختصر كتاب المحرر للرافعى توفى سنة ٨٧٦. ويظل الفقه الحنبلى ناشطا بمصر زمن العثمانيين، وفى كتاب تاريخ الجبرتى أسماء كثيرين من فقهاء الحنابلة ومن أكبر ائمتهم مرعى (٧) بن يوسف المتوفى سنة ١٠٣٣ وله مؤلفات كثيرة فى المذهب، منها غاية المنتهى. ويبدو أن المذهب الظاهرى ظل معروفا بمصر وظل علماء يعنون به ويتدارسونه، ونلتقى فى كتب التراجم من حين إلى آخر
стр. 3292
بأسماء من كانوا يعتقنون هذا المذهب مثل بدر الدين محمد بن إبراهيم المعروف بالبشتكى المتوفى سنة ٨٣١.
ومعروف أنه حين حكم الفاطميون مصر كانوا يولون على القضاء فقهاء من عقيدتهم، ومرّ بنا فى الفصل الأول بيان لمبادئ عقيدتهم الأساسية وإشارة إلى بعض آرائهم الفقهية التى خالفوا فيها الجماعة، وأول قضاتهم بمصر النعمان (١) بن منصور التميمى الملقب بأبى حنيفة الشيعة، كان فى أول أمره مالكيا، ثم تحول إلى مذهب الإمامية الشيعى، ثم انتقل إلى عقيدة الإسماعيلية فى خدمة المعز لدين الله بإفريقية، وقدم معه إلى مصر فأسند إليه القضاء، ولم يلبث أن توفى سنة ٣٦٣. وله مصنفات فقهية شيعية مختلفة أهمها كتابه «دعائم الإسلام فى الحلال والحرام والقضايا والأحكام عن أهل بيت رسول الله» وهو المصدر الأساسى فى الفقه وعلم الكلام عند الشيعة الإسماعيلية.
ونشر له المرحوم الدكتور محمد كامل حسين كتاب الهمة فى آداب اتباع الأئمة، وذكر فى مقدمته له كثيرا من الكتب الفقهية الإسماعيلية.
وظل القضاء الفاطمى بعده فى بيته إلى نهاية القرن الرابع الهجرى. وينزل مصر سنة ٤٠٧ كبير دعاة الفاطميين وفقهائهم فى الشرق حميد (٢) الدين الكرمانى ولا يلبث أن يتوفى سنة ٤٠٨ ومن أهم مصنفاته كتاب «راحة العقل» الذى حققه ونشره المرحومان: الدكتور محمد مصطفى حلمى والدكتور محمد كامل حسين، وهو يزخر بمسائل فلسفية وعقيدية متشابكة. وينزل مصر بعده المؤيد (٣) فى الدين هبة الله الشيرازى أكبر دعاة الفاطميين وفقهائهم فى القرن الخامس، وقد ظل بها نحو ٣٠ عاما حتى توفى سنة ٤٧٠ وأهم مصنفاته المجالس المؤيدية، وهى ثمانمائة مجلس فى العقيدة الفاطمية وتشتمل على كثير من المسائل العقيدية والفقهية، ونشر الدكتور محمد عبد القادر عبد الناصر فى القاهرة ملخصا لهذه المجالس من صنعة حاتم بن إبراهيم. ونعيد هنا ما قلناه فى الفصل الأول من أن هذه العقيدة وكل ما اتصل بها من فقه وغير فقه، ظلت غريبة فى مصر، وظل المصريون مبتعدين عنها حتى انتهت تلك الدولة الشيعية المتطرفة.
стр. 3293
ومرّ بنا أن الشافعى هو الذى أسس علم أصول الفقه ورفع أركانه وشاد بنيانه، فكان طبيعيا أن تظل مصر بعده عاكفة على هذا العلم وأن يلقانا كثيرون من فقهاء الشافعية منكبّين عليه، وسرى ذلك منهم إلى فقهاء الحنفية، بل أيضا إلى فقهاء المالكية والحنابلة. ولن نستطيع أن نلم بما كتب فى هذا الميدان لكثرته، ولذلك سنكتفى بذكر بعض كتبه المهمة، من ذلك كتاب الإحكام فى أصول الأحكام لسيف (١) الدين الآمدى نزيل مصر سنة ٥٩٢ المتوفى سنة ٦٣١ وهو من أجمع وأروع ما وضع فى هذا العلم. ولابن الحاجب الذى مر ذكره بين النحاة مختصر له شرح مرارا وتكرارا، ولشمس (٢) الدين الأصفهانى بعده المتوفى سة ٦٨٨ شرح كبير لكتاب المحصول فى علم الأصول لفخر الدين الرازى. ولبهاء الدين السبكى المذكور فى فقهاء الشافعية كتاب بديع فى الأصول سماه جمع الجوامع.
ولم ينشأ فى مصر مذهب مستقل فى علم الكلام، فقد كانت تعتمد دائما على ما يأتيها من الخارج، غير أنه يلاحظ أنه منذ عهد صلاح الدين غلب مذهب الأشعرى الذى يقف بين المعتزلة وأهل السنة، يقول المقريزى فى الحديث عن مذاهب أهل مصر: «وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة الشيخ أبى الحسن على بن إسماعيل الأشعرى. . وشرط ذلك فى أوقافه التى بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعى من القرافة والمدرسة التى عرفت بالشريفية بجوار جامع عمرو بن العاص والمدرسة المعروفة بالقمحية وخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، فاستمر الحال على عقيدة الأشعرى بديار مصر وبلاد الشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضا لإدخال ابن تومرت رأى الأشعرى إليها» (٣). ولعل أكبر كتاب أشعرى ألف فى مصر كتاب أبكار الأفكار لسيف الدين الآمدى المذكور آنفا وفيه مباحث كبرى عن العلم والنظر وأقسام المعلوم والنبوات والمعاد. ويظل التأليف فى علم الكلام على مذهب الأشعرى ناشطا حتى نهاية زمن العثمانيين.
стр. 3294
٥ - التاريخ
نشطت مصر فى كتابة التاريخ منذ مطالع القرن الثالث للهجرة، وقد كتبت فى جميع ألوانه:
فى التاريخ العام أو تاريخ الدول العربية، وفى التاريخ الخاص تاريخ دولها وحكامها المختلفين.
وفى تاريخ المدن وخاصة القاهرة والإسكندرية، وتاريخ الرجال وتاريخ العلماء من كل صنف وتاريخ الشعراء والأدباء. وبجانب ذلك عنيت بكتابة السيرة. ولها فى كل ذلك نشاط واسع، ولعل من الخير أن نتعقبه على مر القرون.
وأول ما يلقانا من ذلك فى القرن الثالث للهجرة، السيرة النبوية لعبد (١) الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨ وقد طبّقت شهرتها العالم الإسلامى، ولمصر فضل إهدائها إلى هذا العالم وتداولها فيه إلى اليوم، وإنها لتعد أوثق مصدر يرجع إليه مؤرخو السيرة المحمدية. ويلقانا بعدها كتاب فتوح مصر والمغرب لعبد (٢) الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧. ويكتب محمد بن عبد الله بن الحكم المتوفى سنة ٢٦٨ سيرة لعمر بن عبد العزيز، وهى مطبوعة بالقاهرة.
ويلقانا من المؤرخين المصريين فى القرن الرابع الهجرى مؤرخ قبطى هو سعيد (٣) بن البطريق الذى تقلد منصب بطريرك الإسكندرية سنة ٣٢١ وظل يشغله حتى توفى سنة ٣٢٨ وله تاريخ سماه نظم الجوهر، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه ثلاث مقالات أو ثلاثة أبواب: باب عن النصارى وصومهم وإفطارهم وتاريخهم وأعيادهم، وباب أو مقالة عن تواريخ الخلفاء والملوك المتقدمين، ومقالة أو باب عن تاريخ البطاركة وأحوالهم وما جرى فى ولاياتهم. وكتاب سعيد
стр. 3295
إشارة قوية إلى تعرب القبط حينئذ واستيعابهم العربية. وذيّل على هذا الكتاب يحيى بن سعيد الأنطاكى بتكملة أرخ فيها من سنة ٣٢٦ حتى سنة ٤٢٥ وكان قد نزل أنطاكية سنة ٤٠٣ ووجد بها من الوثائق عن الدولة البيزنطية وبطاركة أنطاكية والقسطنطينية فى تلك الحقبة ما ضمه إلى أخبار بطاركة الإسكندرية وأخبار الدولتين العباسية والفاطمية. وكان يعاصر سعيد بن البطريق أحمد (١) بن يوسف بن الداية المتوفى سنة ٣٤٠ وله كتاب سيرة أحمد بن طولون، وضمن ابن سعيد فى كتابه المغرب-القسم الخاص بالفسطاط-أكثر هذه السيرة، وعليه اعتمد البلوى فيما كتبه عن ابن طولون وآله. ولابن الداية أيضا كتاب فى أخبار الأطباء مفقود، وكتاب فى السياسة نشر فى بيروت، وسنعرض فى حديثنا عن النثر لكتابه «المكافأة». وكان يعاصره عبد الرحمن (٢) بن أحمد بن يونس الصدفى المتوفى سنة ٣٤٧ وقد وضع فى التراجم كتابين: كتابا عن علماء مصر وكتابا عن الغرباء الواردين على مصر، وهما مفقودان مثل كتاب ثالث له ذكره صاحب كشف الظنون، وهو فى تاريخ الصعيد. ونلتقى بمحمد (٣) بن يوسف الكندى المتوفى سنة ٣٥٠ وله كتابان: ولاة مصر أو أمراؤها حتى سنة ٣٣٥ وكذلك قضاتها، نشرهما جيست، وهما كتابان نفيسان. ونلتقى فى أوائل زمن الفاطميين بابن (٤) زولاق الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة ٣٨٧ وله كتاب سيرة محمد بن طغج الإخشيد، احتفظ بأكثره ابن سعيد فى كتاب المغرب: قسم الفسطاط، وكانت له أيضا-وفقدت-سيرة جوهر وسيرة المعز وسيرة العزيز وتاريخ السنين، وتكملة لكتاب الولاة وكتاب القضاة للكندى وطبع له كتاب أخبار سيبويه المصرى. ويلقانا بعده الطحان أبو القاسم يحيى (٥) بن على الحضرمى المتوفى سنة ٤١٦ وله ذيل على تاريخ ابن يونس الصدفى، كما يلقانا الروذ بارى أحمد (٦) بن الحسين معاصره وله كتاب فى تاريخ خلفاء مصر حتى زمن الحاكم سماه «بلشكر الأدباء» وينقل ابن سعيد عنه فى قسم القاهرة من كتابه المغرب مرارا،
стр. 3296
وعليه اعتمد فيما ذكره من أخبار الحاكم. وكان يعاصره هو والطحان المسبحى (١) الأمير المختار عز الملك محمد بن عبيد الله المتوفى سنة ٤٢٠، وقد ترجم له ابن سعيد فى المغرب ترجمة ضافية ذكر فيها مصنفاته الكثيرة. وأهمها تاريخه الكبير عن مصر وولاتها وخلفائها الفاطميين، سماه «كتاب أخبار مصر وفضائلها وعجائبها وطرائفها وغرائبها وما بها من البقاع والآثار وسير من حلّها من الولاة والأمراء والأئمة الخلفاء آباء أمير المؤمنين» وقد نشرت منه هيئة الكتاب قطعة صغيرة تؤرخ سنتى ٤١٤ و ٤١٥ للهجرة. وتلقانا سيرتان إيام الفاطميين: سيرة جوذر الصقلى أحد رجال الدولة الفاطمية قبل استيلائها على مصر، وهى منشورة، وأهم منها السيرة المؤيدية للمؤيد الشيرازى داعى دعاة الفاطميين المار ذكره، وفيها يتحدث عن حياته من سنة ٤٢٩ حتى سنة ٤٥٠ ويذكر بعض رسائله ومناظراته العلمية.
ومن أهم المؤرخين فى زمن الفاطميين على (٢) بن منجب الصيرفى المتوفى سنة ٥٥٠ وله كتاب فى وزراء الفاطميين سماه الإشارة إلى من نال الوزارة ألفه للوزير الفاطمى البطائحى.
وللرشيد (٣) بن الزبير أحمد بن على المتوفى سنة ٥٦٣ كتاب فى شعراء مصر سماه «جنان الجنان ورياض الأذهان» ألفه سنة ٥٥٨ وهو أهم كتاب ألف عن الشعر الفاطمى وعليه اعتمد ابن سعيد فى جزأى الفسطاط والقاهرة من مصنفه «المغرب» فى كثير من تراجمه. وبجانب ذلك نجد فى أواخر زمن الفاطميين مصنفات فرعية مثل «الرسالة المصرية» لأمية بن عبد العزيز الأندلسى المعروف باسم أبى الصلت، وعداده فى الأندلسيين. ومن ذلك مصنّف للقاضى الجليس فى شعراء طلائع ابن رزيك، ورسالة لابن جبر يحيى بن حسن ألفها فى مدائح بنى أسامة سنة ٥٢٥. ونلتقى بالقرطى محمد (٤) بن سعد الذى ألف لشاور وزير الخليفة العاضد (٥٥٥ - ٥٦٧ هـ) كتابا فى تاريخ مصر، وتاريخ وفاته غير معروف. وعنه نقل ابن سعيد مقتطفات كثيرة فى قسمى الفسطاط والقاهرة من كتابه المغرب. وكان يعاصره على بن أبى السرور الرّوحى وله تحفة الظرفاء فى أخبار الأنبياء والخلفاء إلى الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمى المتوفى سنة ٤٢٧ ويظنّ أنه ألفه بالإسكندرية
стр. 3297
سنة ٥٦٧ وطبع فى القاهرة مع تكملة إلى العاضد آخر الخلفاء الفاطميين وتكملة ثانية إلى المستعصم سنة ٦٤٠.
وفى أواخر زمن الفاطميين وأوائل عهد الأيوبيين نلتقى بأبى صالح الأرمنى، وله كتاب عن الكنائس والأديرة بمصر وما يجاورهما من البلاد ابتدأ تأليفه سنة ٥٦٤ نشر الجزء الأول منه فى أكسفورد سنة ١٨٩٥. ويلقانا فى زمن الأيوبيين أبو طاهر السّلفى المار ذكره وله معجم السفر لشيوخه ومن لقيهم. وتتكاثر هذه المعاجم فيما بعد، إذ تكثر ترجمة العلماء لشيوخهم، مما يلقى أضواء كثيرة على الحركة الثقافية لعهودهم. وكان يعاصره الشريف النسابة محمد (١) بن أسعد الجوّانىّ الحسينى، المتوفى سنة ٥٨٨ وله كتاب طبقات الطالبيين وتاج الأنساب.
وكتب إبراهيم بن وصيف شاه قبل سنة ٦٠٦ كتاب جواهر البحور ووقائع الأمور وعجائب الدهور وأخبار الديار المصرية. ولعلى بن ظافر الأزدى المتوفى سنة ٦٢٣ كتاب الدول المنقطعة فى أربعة مجلدات وفيه يذكر تاريخ الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والعباسيين حتى سنة ٦٢٢.
ومرّ بنا ذكر الحافظ عبد الغنى بين الحنابلة وأن له كتاب الإكمال فى معرفة أسماء الرجال. وأكبر مؤرخ للرجال زمن الأيوبيين القفطى (٢) على بن يوسف المتوفى سنة ٦٤٦ وله كتاب إنباه الرواة على أنباه النحاة وكتاب المحمدين من الشعراء، وهما مطبوعان وله أيضا كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء. اختصره الزوزنى محمد بن على المعاصر له وسمى مختصره «تاريخ الحكماء» طبع فى ليبزج والقاهرة، وهو مبثوث فى هوامش هذا الجزء.
ونمضى إلى زمن المماليك وفى عهدهم تزدهر كتابة التاريخ العام والخاص وتاريخ التراجم والسير، ويلقانا المكين (٣) بن العميد، وهو جرجيس (أو عبد الله) بن أبى اليسيرين أبى المكارم المولود بالقاهرة سنة ٦٠٢ والمتوفى بدمشق سنة ٦٧٢ وله كتاب المجموع المبارك وهو تاريخ عام للعالم فى قسمين: القسم الأول من بداية الخلق إلى الرسول ﷺ والقسم الثانى من الرسول إلى سنة ٦٥٨ وقد نقل إلى اللاتينية وطبع مع الأصل العربى فى ليدن سنة ١٦٢٥ للميلاد وترجم إلى الانجليزية وطبع فى لندن ثم إلى الفرنسية وطبع فى باريس. وكان يعاصره ابن ميسر (٤) تاج الدين محمد بن على بن يوسف المتوفى سنة ٦٧٧ مصنف تاريخ مصر وهو ذيل أو تكملة لكتاب المسبّحى
стр. 3298
آنف الذكر. وللشاعر المعروف باسم الجزار المتوفى سنة ٦٧٩ قصيدة تاريخية سماها العقود الدرية فى الأمراء المصرية حتى الملك الظاهر بيبرس احتفظ بها السيوطى فى كتابه حسن المحاضرة. ولابن (١) الراهب القبطى أبى شكر بطرس المتوفى سنة ٦٨١ كتاب فى التاريخ العام يشتمل على تاريخ ملوك الروم والبطاركة والخلفاء والأمراء إلى سنة ٦٥٧ ترجم إلى اللاتينية سنة ١٦٥١ وعنى به اليسوعيون ببيروت ونشروه سنة ١٩٠٣. وحرى بنا أن نذكر هنا ابن (٢) خلكان أكبر كتاب التراجم وأوثقهم المتوفى سنة ٦٨١ وحقا نشأ بالموصل، ولكنه أقام فترات طويلة بالقاهرة وفيها بدأ تأليف كتابه النفيس: وفيات الأعيان سنة ٦٥٤ وأتمّه بها سنة ٦٧٢. ويلقانا محيى (٣) الدين بن عبد الظاهر المتوفى سنة ٦٩٢ وله سيرة نفيسة فى السلطان قلاوون» باسم: تشريف الأيام والعصور فى سيرة الملك المنصور قلاوون وهى منشورة، وله أيضا سيرة فى السلطان الظاهر بيبرس وسيرة ثالثة فى الأشرف خليل بن قلاوون، وأيضا له خطط القاهرة.
ونلتقى فى القرن الثامن بالدوادار (٤) ركن الدين بيبرس المنصورى المتوفى سنة ٧٢٥ وله زيدة الفكرة من تاريخ الهجرة، وهو تاريخ عام للدولة الإسلامية حتى سنة ٧٢٤ مرتب على السنين فى أحد عشر مجلدا، وفى مكتبة جامعة القاهرة مصورات لبعض أجزائه. وكان يعاصره النويرى الذى تحدثنا عنه بين الجغرافيين مشيرين إلى موسوعته الكبرى نهاية الأرب. وبها سيرة نبوية مطولة وتاريخ عام للدولة الإسلامية، وأشرنا هناك أيضا إلى ابن فضل الله العمرى وموسوعته مسالك الأبصار، وبها مجلدات ضخمة لتراجم الأطباء والفقهاء والعلماء من كل صنف والشعراء والكتاب لا فى مصر وحدها بل فى العالم العربى جميعه. ونلتقى بالحافظ ابن (٥) سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ وسيرته النبوية: «عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير». وبها إضافة مهمة إذ لا تكتفى بما فى كتب السيرة كسيرة ابن هشام، بل تضيف إلى ذلك المراجعة على كتب الحديث مثل صحيح البخارى. ويلقانا الإدفوى (٦) جعفر بن ثعلب المتوفى سنة ٧٤٨ مصنف الطالع
стр. 3299
السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد. وكان يعاصره المفضل بن أبى الفضائل القبطى وله ذيل على تاريخ المكين بن العميد باسم «النهج السديد والدر الفريد فيما يعد تاريخ ابن العميد» ويشمل تاريخ سلاطين المماليك من الظاهر بيبرس إلى الناصر بن قلاوون وتاريخ بطاركة الإسكندرية والمسلمين فى اليمن والهند وتاريخ التتار، نشر منه القسم الخاص بسلاطين (١) المماليك. ونلتقى بالحافظ مغلطاى المار ذكره بين المحدثين، وله سيرة نبوية باسم «الزهر الباسم فى سيرة أبى القاسم» ومنها مخطوطة فى دار الكتب المصرية.
ويلقانا بهاء الدين السبكى الذى ذكرناه بين فقهاء الشافعية، وله كتابه النفيس «طبقات الشافعية». ونراه يصل التاريخ بالمجتمع فى كتابه «معيد النعم» وهو يلتقى بكتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابى، والكتابان إنما يعرضان للحياة السياسية والاجتماعية فى المدينة عرضا مثاليا، والسبكى يتجه فى «معيد النعم» نفس الوجهة فى المجتمع المصرى، فيصور المثالية، ولا يكتفى بذلك، بل يعمد إلى تصوير الواقع مقابلا بينه وبين المثال، ولكى يصل إلى ذلك استعرض عناصر المجتمع، وهى تبلغ عنده مائة واثنى عشر عنصرا: من السلطان ونوابه وموظفى الدولة وقواد الجيش والقائمين على الضرائب والأسواق والقضاة والعلماء والوعاظ والصوفية وخزنة الكتب ومعلمى الكتاتيب والوراقين وأصحاب الصيد والزراعة والصناعة والتجارة وأصحاب الحرف المختلفة، وحتى البوابين والقائمين على إصطبلات الخيول والشحاذين. كل هؤلاء يستعرض حياتهم بواقعها وما ينبغى أن تكون عليه من صورة مثالية.
وبذلك رسم المجتمع المصرى بكل معايبه وما ينبغى أن يكون عليه من هيئة فاضلة.
ويلقانا فى مطالع القرن التاسع ابن (٢) الفرات ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم المتوفى سنة ٨٠٧ وله كتاب «تاريخ الدول والملوك» بلغ فيه نهاية سنة ٨٠٣ وكان فى عشرين مجلدا. وكان يعاصره ابن دقماق (٣) صارم الدين إبراهيم بن محمد المذكور بين الجغرافيين والمتوفى سنة ٨٠٩ وله كتاب الانتصار لواسطات عقد الأمصار، خص كل جزء منه بمدينة، وقد نشر فولرز منه الجزءين الخاصين بالقاهرة والإسكندرية، وله كتاب فى تراجم الصوفية، وله فى تاريخ مصر كتاب نزهة الأنام فى اثنى عشر مجلدا وتاريخ لحكام مصر حتى سنة ٨٠٥ صنفه للسلطان برقوق وله فيه سيرة
стр. 3300
سماها «عقد الجواهر فى سيرة الملك الظاهر برقوق» وتكثر فى هذا العصر كتابة سير السلاطين. وقد ذكرنا بين الجغرافيين القلقشندى المتوفى سنة ٨٢١ وكتابه صبح الأعشى، وهو سجل تاريخى حافل بمعلومات نفيسة عن مكاتبات الحكام فى العالم العربى على مر العصور بجانب أنه معلمة جغرافية رائعة. وله مصنفات مختلفة.
ونلتقى بالمقريزى المتوفى سنة ٨٤٥ وقد مر ذكره بين الجغرافيين مع الإشارة إلى كتابه «الخطط» وفيه يتحدث عن البيئة الطبيعية-كما أسلفنا-لمصر، ويفيض فى الحديث عن القاهرة وآثارها وأحيائها ومساجدها ومدارسها وحماماتها ومارستانها ومصانعها وخزائن كتبها وما كان بها من حركة علمية، ويتحدث عن الدول التى أظلتها، وبذلك يلتقى فى الكتاب تاريخ مصر الفكرى بتاريخها السياسى والاجتماعى والروحى والحضارى، إذ حوّل المقريزى التاريخ إلى دراسة اجتماعية وعقلية وسياسية مع تصوير عادات السكان وتقاليدهم ومستوى معيشتهم ونزعتهم الصوفية وكل ما اختلف على أهل مصر والقاهرة من صور الحياة. وله سيرة نبوية فى ستة مجلدات باسم «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع» وله اتعاظ الحنفا بأخبار الفاطميين الخلفا فى تاريخ الدولة الفاطمية وهو مطبوع وكتاب المقفى فى تراجم أمراء مصر وأعيانها رتبه على الحروف الأبجدية، وكتاب السلوك لمعرفة دول الملوك فى تاريخ مصر من سنة ٥٧٧ - ٨٤٤ وكتاب درر العصور الفريدة فى تراجم الأعيان المفيدة، وكتاب البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب إلى غير ذلك من كتب تاريخية نفيسة. وكان يعاصره ابن حجر (١) الذى مر ذكره بين المحدثين، وعنى بالتأليف فى التراجم، وله كتاب الإصابة فى تراجم الصحابة وكتاب رفع الإصر عن قضاة مصر وكتاب تهذيب التهذيب فى اثنى عشر مجلدا وكتاب لسان الميزان وكتاب الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، وكل هذه الكتب مطبوعة، وله أنباء الغمر بأبناء العمر، وعنى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بطبعه.
ويلقانا أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغرى (٢) بردى المتوفى سنة ٨٧٤، وله كتابه النفيس «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» يؤرخ فيه لمصر منذ دخلها عمرو بن العاص وأضاءت فيها
стр. 3301
أنوار الدين الحنيف حتى سنة ٨٧٢ وهو تاريخ على السنوات. وعادة يقدم لسنوات كل وال أو خليفة أو حاكم أو سلطان بكلمة عامة عن حكمه وما وقع فيه من أحداث مهمة وما يداخل زمنه من بعض الشئون الاجتماعية مع الاهتمام بالنواحى العلمية. وهو فيه لا يؤرخ لمصر وحدها، بل يذكر مع سنواتها دائما تاريخ الدول العربية، ومع كل سنة وفيات الأمراء والعلماء والأدباء فى العالم العربى، وأيضا مع تصوير الحياة العربية فى جميع مناحيها. وكانت له عقلية فذة استطاع بها أن يبرز الأحداث السياسية فى وطنه والأوطان العربية مع سوق كثير من الطرائف الأدبية والاجتماعية. والكتاب مطبوع فى ستة عشر مجلدا. وله مصنفات تاريخية مختلفة بجانبه أهمها كتابه المنهل الصافى وهو معجم نفيس لمشاهير الرجال الذين توفوا من سنة ٦٤٨ حتى أيامه، ويشمل نحو ثلاثة آلاف ترجمة لمن عاشوا فى مصر والشام فى تلك المدة ومن عاصروهم من أهل العراق والحجاز واليمن والتتار وبلاد المغرب والأندلس من الملوك والسلاطين والأمراء والوزراء والقواد والعلماء والكتاب والشعراء والمؤرخين والأطباء والمهندسين والتجار وأرباب المهن وغيرهم، وصنع له مختصرا باسم الدليل الشافى على المنهل الصافى وهو منشور فى مجلدين.
وكان يعاصره ابن قطلوبغا الذى مرّ ذكره بين الأحناف، وقد أشرنا هناك إلى أن له كتابا فى تراجم الحنفية سماه «تاج التراجم» وهو مبثوث فى هوامش هذا الجزء. ونلتقى بشمس (١) الدين السخاوى محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٩٠٢ وله كتاب الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع وهو معجم بديع لتراجم هذا القرن، وقد عدنا إليه مرارا فيما أسلفنا من حديث، وله ذيل على كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك لأستاذه المقريزى، وذيل آخر لكتاب أستاذه الثانى ابن حجر:
رفع الإصر عن قضاة مصر، وقد خصبه بترجمة لحياته.
ويتوج السخاوى هذا النشاط التاريخى العظيم بكتابه: «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» وهو محاولة رائعة لوضع علم التاريخ الإسلامى العربى. واسم الكتاب يوحى بأنه دفاع عن التاريخ، وقد بدأ ببيان معنى كلمة التاريخ لغة واصطلاحا وبيان موضوعه وأنه الزمان والإنسان، وأخذ يصور فوائده فى التربية الدينية والخلقية والشئون الاقتصادية وأيضا الشئون السياسية بما يدفع إليه الحكام من العدل فى الرعية والقواد من تدبير شئون الجيش، وبالمثل الشئون الاجتماعية وما يتصل بها من الكمالات والنواقص فى المجتمعات. ويعرض بالتفصيل لما ينبغى أن يتوفر فى
стр. 3302
المؤرخ من شروط العدالة والتحرى والتدقيق فى الأخبار مما ينبغى معه رفض الإسرائيليات والأساطير. ويطيل فى بيان أنه ينبغى على المؤرخ أن لا يستشعر عداوة من يعاديهم لأسباب عقيدية أو مذهبية أو شخصية، ويصور الاختلاف العنيف بين المتصوفة وأهل السنة وكذلك بين الشيعة وخصومهم. وينحى باللائمة على الذهبى فى تراجمه لاستطالته على المتصوفة وكثيرين من أئمة الشافعية والحنفية والأشاعرة لمخالفتهم له فى العقيدة الحنبلية. وينقل عن السبكى أنه ينبغى أن لا يؤخذ بكلامه فى ذم أشعرى والثناء على حنبلى. ويفيض فى بيان التحرى فى الروايات والرواة ويبسط الحديث فى نقد المؤرخين وكتاباتهم التاريخية. والكتاب بالغ الروعة والنفاسة.
وكان يعاصره السيوطى الذى مر ذكره بين اللغويين والنحاة والمحدثين وفقهاء الشافعية، وله طبقات الحفاظ وهو مختصر من طبقات الحفاظ للذهبى، وطبقات المفسرين وبغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة، وحسن المحاضرة وهو مبثوث فى الهوامش، وتاريخ الخلفاء والسلاطين من عهد أبى بكر الصديق إلى زمن السلطان قايتباى، ومسالك الحنفا فى والدى المصطفى، ولب اللباب هذب فيه اللباب لابن الأثير ويشتمل على نحو تسعة آلاف اسم وكل هذه الكتب منشورة.
وله وراءها مصنفات أخرى منها سيرة للإمام مالك وسيرة للنووى. ويحتم زمن المماليك بابن إياس محمد بن أحمد الذى عرضنا له بين الجغرافيين، وله تاريخ مفصل عن مصر سماه «بدائع الزهور فى وقائع الدهور، وهو يتناول فيه باختصار تاريخ مصر، حتى إذا وصل إلى زمن قايتباى (٨٧٤ - ٩٠٣ هـ) أفاض فى التاريخ إفاضة واسعة، حتى ليذكر وفيات كل شهر، ومن أهم ما كتبه وصفه لاحتلال العثمانيين مصر مبينا ما ألحقوه بها من دمار ونهب لكنوزها وصناعاتها وعلمائها وصناعها المهرة، حتى ليقول إنهم أبطلوا من مصر خمسين صنعة.
وتظل للتاريخ بقية من النشاط فى زمن العثمانيين، وأول مؤرخ نلتقى به فى عهدهم ابن زنبل الرمال أحمد بن على المتوفى سنة ٩٦٠ وقد مر ذكره بين الجغرافيين وكان موظفا فى ديوان الجيش العثمانى، وله كتاب فتح مصر أو أخذها من الجراكسة على يد السلطان سليم. ويصف معاركه مع الجراكسة فى شمالى الشام وفى القاهرة وعودته إلى عاصمته إستانبول. ويلقانا عبد الوهاب الشعرانى المتوفى سنة ٩٧٣ وقد ألممنا به فى حديثنا عن المتصوفة فى الفصل الماضى، وله طبقاته الكبرى فى تراجم الصوفية على مر السنين حتى زمنه، وهى مطبوعة مرارا. ويلقانا فى القرن الحادى عشر الهجرى زين الدين بن أبى السرور البكرى محمد الصديقى وابنه شمس الدين محمد ولهما كتب
стр. 3303
مختلفة فى العثمانيين، وأهم منهما عبد (١) الرءوف المناوى المتوفى سنة ١٠٣١ وله الكواكب الدرية فى تراجم السادة الصوفية، وصنف كتابا فى الأحكام السلطانية وكتابا فى معجم الحديث سماه كنوز الحقائق. وكان يعاصره الإسحاق محمد بن عبد المعطى المتوفى سنة ١٠٣٢ وله لطائف أخبار الأول فيمن تصرف فى مصر من أرباب الدول» وهو مطبوع. ونلتقى بنور (٢) الدين الحلبى على بن إبراهيم المولود بمصر المتوفى سنة ١٠٤٤ وله السيرة النبوية الحلبية المشهورة، وهى مطبوعة مرارا. ويلقانا شهاب (٣) الدين الخفاجى أحمد بن محمد المتوفى سنة ١٠٦٩ وله ريحانة الألبّا ترجم فيها لشعراء الشام والمغرب والحجاز ومصر أيام العثمانيين وهو مطبوع مرارا. وألفت كتب كثيرة فى السيرة النبوية، منها سيرة خير البرية للصبان المذكور بين النحاة والمتوفى بأخرة من زمن العثمانيين سنة ١٢٠٦. وظلت مصر موئلا للعلماء-مؤرخين وغير مؤرخين-فى زمنهم كما كانت فى الأزمنة السابقة. ومن كبار المؤرخين الذين نزلوها حينئذ المقرى المتوفى سنة ١٠٤١ مؤلف كتابى نفح الطيب وأزهار الرياض الموسوعتين الأندلسيتين المشهورتين.
стр. 3304
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
١ - تعرب مصر
كان بمصر قبل الفتح العربى الإسلامى لغات وعناصر جنسية مختلفة، فقد كان بها إغريق منذ عهد البطالمة، وكانت اللغة الإغريقية-منذ زمانهم وفى عهد الرومان-اللغة الرسمية للدولة.
وكان بها بعض السريان فى الإسكندرية وبعض الأديرة، وكانوا يهتمون بالطب، ونقل من لغتهم السريانية فيما بعد لعمر بن عبد العزيز كتاب فى الطب لأهرون القس. وكان بها رومان، وكثرتهم كانت من جنود الاحتلال الرومانى. وطبيعى أن يتكلموا لغتهم اللاتينية. وكان بها بعض اليهود وخاصة فى الإسكندرية وكانوا يتكلمون العبرية. وأهم من تلك العناصر جميعا جماهير مصر من القبط، . وهم عامة الشعب وسواده، وكانوا يتكلمون القبطية، وكانت لها لهجات تتفاوت بتفاوت الأقاليم والبلدان المصرية البحرية والقبلية.
وبمجرد أن نزل العرب مصر لم يعد للاتينية أى شأن، فقد طردت بقايا الرومان مع الجيش البيزنطى الذى غادر البلاد مدحورا مهزوما. وانحازت السريانية إلى الأديرة وأخذت فى الزوال.
واضمحلت العبرية. أما اللغة الإغريقية فظلت حية فى الدواوين على ألسنة الموظفين بها وفى كتاباتهم حتى سنة ٨٧ للهجرة إذ أمر الوليد بن عبد الملك أخاه عبد الله والى مصر بنقل الدواوين من اليونانية إلى العربية (١)، وسرعان ما هجرت ونبذت إلا كلمات قليلة سقطت فى العربية إما من الإغريقية مباشرة وإما منها عن طريق القبطية.
أما اللغة القبطية فظلت بعد اللغة الإغريقية منتشرة على كل لسان فى البلاد، إذ كانت لغة
стр. 3305
التخاطب اليومى، غير أنها كانت متخلفة، إذ لم تحتفظ لنفسها بشئ من التراث الأدبى الفرعونى عند أمثال حوتب الكاتب وبنتاءور الشاعر، واستحالت لغة فقيرة مجدبة فى معجمها اللغوى وفى أساليبها البيانية، وكل ما كانت تحمله حين الفتح كتابات دينية جافة (١)، ليس فيها شئ من روعة البيان، كتبت فى العهد الرومانى أو قبيل الفتح وبعده. وحتى من كان لديه حينئذ ملكة شعرية خصبة من القبط آثر أن ينظم شعره باليونانية محاكيا لهوميروس أو لغيره من شعراء اليونان (٢). ومعنى ذلك أنه لم يكن للقبطية تراث أدبى تستطيع أن تثبت به أمام العربية وتراثها الأدبى البديع. فأخذت تكتسحها وتظفر بألسنة القبط عاما بعد عام.
وعاملان قويان أخذا يعملان بسرعة على تعرب مصر، أما أولهما فدخول كثيرين من القبط فى الإسلام لما رأوا من تعاليمه السامية، ولما استقر فى نفوسهم من أن من يسلم منهم يصبح له جميع حقوق العربى الفاتح فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، يقول بتلر: «كان فى ذلك باعث قوى لكثير منهم على الدخول فى الإسلام لا سيما وقد طحن المقوقس الحاكم الرومانى أو البيزنطى عقيدتهم (الأرثوذكسية) طحنا» (٣). ومعروف أن الرومان أوقل البيزنطيين ساموا القبط خسفا لا يطاق، وكانوا ينهبون طيبات مصر نهبا، ويعتصرون خيراتها اعتصارا، فكان الإسلام للقبط ملاذا وملجئا، وعدّوا العرب مخلصين لهم من ظلم لا يطاق، وأخذوا يدخلون فى دين الله الحنيف، ويمضى بتلر قائلا: «وكذلك دخل فى الإسلام كثير من الروم بعضهم من الجنود وبعضهم ممن حلّ منهم فى مصر». وكلما قطعنا شوطا زمنيا بعد الفتح تزايد عدد الداخلين من القبط فى الإسلام، يدل على ذلك تناقص ضريبة الدفاع المسماة بالجزية التى كانت تؤخذ من القبط، وكانت لا تؤخذ إلا من القادرين على حمل السلاح، فلا تؤخذ من شيخ ولا صبى ولا امرأة ولا راهب، وقلما كانت تزيد على دينار، وربما أصبحت نصف دينار، وكان مقدارها زمن عمر بن الخطاب اثنى عشر ألف ألف دينار، فنقصت فى عهد معاوية إلى خمسة آلاف ألف (٤)، مما يدل بوضوح على دخول كثيرين من القبط فى الإسلام فى الفترة الأولى من الفتح العربى، بحيث لو قلنا إنه دخل نحو نصف السكان فى الإسلام لم نكن مغالين. وظل عدد من
стр. 3306
يسلمون فى ازدياد مع السنين حتى إذا ولى حيّان بن شريح لعمر بن عبد العزيز بعد نحو ثمانين عاما من الفتح رأيناه يكتب إلى عمر: إن الإسلام قد أضرّ بالجزية، حتى اضطررت إلى اقتراض عشرين ألف دينار أتممت بها عطاء أهل الديوان، وكأنه كان يريد أن يبقى الجزية على من يسلمون من القبط، فكتب إليه عمر كتابا شديد اللهجة قائلا: «أما بعد فقد بلغنى كتابك، وقد ولّيتك جند مصر وأنا عارف بضعفك وقد أمرت رسولى بضربك عشرين سوطا على رأسك. فضع الجزية عمن أسلم قبّح الله رأيك، فإن الله إنما بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا يجمع الأموال (١)». وكان كل هؤلاء المسلمين من القبط منذ عهد عمر بن الخطاب يقبلون على حفظ بعض آيات القرآن الكريم واستظهار بعض الحديث النبوى وتعلم العربية مما عمل بوضوح على تعرب مصر.
وعامل ثان لا يقل عن هذا العامل خطرا فى تعريب مصر، هو هجرات القبائل العربية إليها بعد الفتح حين سمعت بخصبها وزروعها وثمارها. وعادة يقف المؤرخون عند هجرات كبيرة لتلك القبائل مثل هجرة القبائل القيسية فى عهد هشام بن عبد الملك ومثل هجرة بنى سليم والقبائل الهلالية فى عهد الدولة الفاطمية. غير أنه كان وراء هذه الهجرات سيل متدفق من هجرة القبائل وعشائرها إلى مصر. وكان كل وال فى العهد الأموى يصحبه كثير من الجند. وكانت مصر قريبة من الجزيرة العربية فنزلها كثيرون من قبائل الشمال وقبائل الجنوب والغرب والشرق. وتعنى كتب ببيان هذه القبائل المهاجرة ومنازلها بمصر مثل كتاب البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب للمقريزى. وطبيعى أن تختلط هذه القبائل بسكان مصر لا فى مدنهم فحسب. بل أيضا فى ريفهم. فقد سنّ لهم عمرو بن العاص أو قل سن لجنده أن يرتبعوا أو يقضوا الربيع فى ريف مصر ثم يعودوا إلى الفسطاط. ونشأ عن هذا الاختلاط سريعا ضروب من المصاهرة بين بعض العرب والقبط عقب الفتح إذ يسمى ابن عبد الحكم طائفة من أبناء السلطيسيات القبطيات (٢). من بينهم عون بن خارجة القرشى وعبد الرحمن بن معاوية بن حديج. وخارجة ومعاوية جميعا ممن حضروا الفتح. ولا بد أن اتسع ذلك فيما بعد. مع كثرة هجرة العرب. ومع اختلاطهم بالقبط.
مما جعلهم يتعلمون لسانهم لكى يحسنوا التفاهم معهم. وكانت حاجتهم من وجهات كثيرة تدعو إلى ذلك، فقد كان منهم من يقوم على جمع خراج الأرض للعرب وجمع الجزية. وكانت
стр. 3307
تصلهم رسائل من الدواوين ويضطرون للرد عليها، فاضطروا لتعلم العربية، واضطرهم إلى ذلك أيضا النظام القضائى، فكان القبطى المدعى فى قضية أو المتهم فى حاجة إلى معرفة شئ من العربية. وكل ذلك عمل على ذبول القبطية، ولكن غير صحيح أنها أخذت فى الزوال من لسان القبط بعد نحو قرن من الفتح العربى كما زعم رونود وبعض الباحثين فقد ظلت حية، يدل على ذلك أكبر الدلالة ما رواه المؤرخون من أن المأمون حين زار مصر لسنة ٢١٧ بعد الفتح بنحو قرنين كان ينزل فى قرى مصر وضياعها ويستمع إلى القبط وما قد يكون لديهم من شكوى، والتراجمة بين يديه يترجمون له ما يقولونه بالقبطية (١). ويدور العام ويتولى الخلافة أخوه المعتصم، فيأمر كيدر واليه على مصر أن يقطع عطاء العرب من الديوان (٢). وكان ذلك بدءا حقيقيّا لتعرب مصر، فإن كل من كان بها من العرب حتى جند الدولة اضطروا إلى أن يزاولوا مع القبط حياتهم ابتغاء الكسب، فأخذوا يشاركونهم فى الزراعة، وهى مشاركة أقدم من ذلك منذ هجرة القبائل العربية الكبيرة إلى الحوف الشرقى فى أواخر العصر الأموى، غير أنهم جميعا الآن لم يعد لهم بدّ من هذه المشاركة لا فى الزراعة وحدها بل أيضا فى التجارة والصناعة. وبذلك أصبح العرب فى مصر جميعا مصريين، يشاركون القبط فى حياتهم المصرية وألوان الكسب فيها مشاركة تامة، وكان ذلك إيذانا بأن يتم تعرب مصر نهائيا، وأن تأخذ القبطية فى الزوال والامّحاء من ألسنة القبط فى الريف والقرى وتحل محلها العربية فى جميع الألسنة.
والحق أن موجة التعرب كانت حادة وقوية منذ زمن الفتح بسبب كثرة من اعتنقوا الإسلام من القبط حتى ليقول بتلر: «إن التاريخ لم يذكر فى حوادثه أمر أعجب من أن القبط انقسموا قسمين: قسم منهم امتزج كل الامتزاج بالإسلام، والقسم الآخر بقى على دينه» (٣). وهو يريد بامتزاج القسم الأول بالإسلام اعتناقه له ويعجب من ذلك، ولا عجب، لأنه يعرف السبب، كما مرّ بنا، وهو سماحة الإسلام والمساواة فى الحقوق بين من يسلم وبين الفاتحين وما يفرضه الدين الحنيف بين الطرفين من أخوة وثيقة. والمهم أن هذه الآلاف ممن أسلموا بل ربما الملايين، كما يدل على ذلك نقص ضريبة الجزية مما أشرنا إليه، أقبلوا على تعلم العربية، حتى يحسنوا أداء شعائر الإسلام. ولم يلبث أن نبغ منهم كثيرون تترجم لهم كتب التاريخ فى الفقه والشريعة من مثل
стр. 3308
يزيد بن أبى حبيب الذى أقامه عمر بن عبد العزيز بأخرة من القرن الأول الهجرى للفتيا بين الناس، وقد ذكرناه فى الفصل الماضى. كما ذكرنا من كبار القراء بمصر ورشا. وهو أيضا من سلالة القبط، وتقرأ البلاد المغربية إلى اليوم بقراءته. ولا نلبث أن نلتقى بعد ورش بذى النون المصرى الإخميمى وله فضل تأسيس التصوف فى العالم الإسلامى. وهذه الأسماء المنحدرة من سلالة من أسلم من القبط إنما هى رموز فقط. ووراءهم من لا يكاد يحصى من أفذاذ العلماء فى كل فن.
وهذه الموجة الحادة من التعرب لم تقف عند من دخلوا فى الإسلام من القبط. فقد أخذت العربية تشيع على ألسنة كثيرين من القبط أنفسهم، ويبدو أن كثيرين من الرهبان عنوا بتعلمها إذ نجد شماسا يسمى بنيامين كان يلزم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان فى أثناء ولاية أبيه على مصر يترجم له فصولا من الإنجيل ويشرحها (١). وحتى علماء الإسكندرية نراهم يقبلون على تعلم العربية، حتى ليرسل خالد بن يزيد بن معاوية-كما مر بنا فى الفصل الماضى-بطلب جماعة منهم لينقلوا له بعض كتب الكيمياء والطب، وذكرنا هناك أن عمر بن عبد العزيز استقدم من الإسكندرية الطبيب ابن أبجر، وأسلم على يده، وربما ألف أو نقل له بعض رسائل طبية. ومر بنا أيضا أن ألدومييلى ذكر كتابين فى الكيمياء ألفهما عالم مصرى أو علماء لأوائل القرن الثالث الهجرى، وكان سعيد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون يتقن العربية، كما تدل على ذلك ترجمته (٢) فى طبقات ابن أبى أصيبعة. ونلتقى بعده بسعيد بن البطريق بطريرك الإسكندرية (٣٢١ - ٣٢٨ هـ) وقد ذكرنا فى الفصل الماضى له كتابا بالعربية فى تاريخ البطاركة والخلفاء.
وذكر له ابن أبى أصيبعة كتابا فى الطب بالعربية. وكل تلك شواهد تؤكد أن مصر بقبطها ورهبانها وبطاركتها تعربت أو كادت فى القرن الثالث الهجرى، يدل على ذلك أننا نجد ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين المتوفى فى أواخر القرن الرابع الهجرى يشكو شكوى مرة من ندرة اللسانين القبطى واليونانى فى مصر. وليس معنى ذلك أن القبطية طردت نهائيا من مصر ومن كنائسها وأنه لم يعد بين القبط ورهبانهم من يعرفها، بل معناه أنها أخذت فى الزوال وحلت محلها فى ألسنة القبط العربية وخاصة فى لغة التخاطب اليومى، أما هى فانحازت إلى الأديرة والصوامع البعيدة فى الصحراء والصعيد. من ذلك ما يذكره المقريزى المتوفى سنة ٨٤٥ للهجرة عن نصارى
стр. 3309
أديرة درنكة (١) بالقرب من أسيوط من أنهم لا يكادون يتكلمون إلا بالقبطية، وأن لهم معرفة تامة بالرومية يريد اليونانية. على كل حال هذه أسراب قليلة حافظ عليها نصارى بعض الأديرة النائية، أما الكتلة القبطية فإنها تعربت-كما قدمنا-مبكرة منذ القرن الثالث الهجرى.
٢ - كثرة الشعراء
كان نشاط الشعر بمصر محدودا زمن الأمويين. وقد يرجع ذلك إلى أن أكثر الفاتحين لمصر كانوا يمنية، والشعر لا ينشط على ألسنة اليمنيين نشاطه على ألسنة المضريين والقيسيين. على أن القبائل القيسية والمضرية أخذت جموعها تنزل فى مصر طوال الحقب الأموية. ولذلك ربما كان أولى من هذا التعليل لضعف الشعر بمصر حينئذ أن ما نظم منه لم يسجله الرواة ولا اهتم أصحابه بتسجيله، ولولا ما سجله منه الكندى فى كتاب الولاة والقضاة وابن عبد الحكم فى كتابه فتوح مصر والمقريزى فى الخطط لظل مجهولا لنا تماما. على أن ما سجلوه قليل، وأكثره يتصل ببعض الأحداث التاريخية. وهو شعر فى جملته متوسط، وربما كان خير شعرائه أيام الأمويين ابن أبى زمزمة، والشعر المنسوب إليه قليل ولا يوضح شخصيته. وحقا نشط الشعر بمصر زمن ولاية عبد العزيز بن مروان عليها (٦٥ - ٨٦ هـ) فقد كان جوادا ممدّحا فانتجعه وقدم إليه مدائحه شعراء كثيرون حجازيون ونجديون وعراقيون، منهم جميل صاحب بثينة وكثيرّ صاحب عزّة وعبد الله بن الحجاج التغلبى وأيمن بن خريم. وممن جذبه جوده ابن قيس الرقيات وله فيه مدائح بديعة (٢) ويصف فى إحدى مدائحه لعبد العزيز رحلة نيلية من الفسطاط إلى حلوان وأهم شاعر حجازى امتدحه ولزمه نصيب وكان مسترقّا لكنانى، وحين وفد عليه واستمع إلى مديحه أعجب به إعجابا شديدا، وردّ إليه حريته مما أثر فى نفسه آثارا عميقة، وأخذ يوالى نائله الغمر عليه، وهو يوالى مديحه مديحا رائعا، وله ترجمة فى كتابنا العصر (٣) الإسلامى. وفى كتاب الأغانى تفاصيل كثيرة بتراجم هؤلاء الشعراء الوافدين على عبد العزيز، وما أضفى عليهم من النوال وأضفوا عليه من المديح.
стр. 3310
ونمضى إلى زمن العباسيين وولاتهم وقضاتهم المتعاقبين على مصر. وتلقانا فى كتاب الولاة والقضاة أشعار كثيرة تتصل بالأحداث أو بهجاء بعض القضاة أو بمدحهم، ويصور ذلك إسحاق بن معاذ فى مديحه للمفضل بن فضالة الذى ولى قضاء مصر سنة ١٦٨ للهجرة، وعاد فهجاه (١). كما يصوره يحيى الخولانى فى هجائه لعبد الرحمن العمرى الذى ولى قضاء مصر فى أيام هرون الرشيد سنة ١٨٥ لكثرة ما اتخذ من الشهود ورضاه بانتساب بعض المصريين من سلالة الأقباط فى العرب، وهجاه أيضا بشغفه بالغناء وقبوله-فيما زعم-للرشوة (٢). وفى هذه الأثناء نزل مصر أبو نواس الشاعر البغدادى المعروف قاصدا الخصيب بن عبد الحميد متولى الخراج (٣) بها حوالى سنة ١٨٠ وأخذ ينثر عليه مدائح رائعة، ومدحته الرائية له: (أجارة بيتنا أبوك غيور) مشهورة. وأهم شعراء مصر حين زارها أبو نواس سعيد بن عفير والمعلّى الطائى، ولسعيد أشعار فى الولاة والقضاء للكندى تتصل بالأحداث والأشخاص بين سنتى ١٦٨ ر ٢٠٩. والمعلى الطائى- بدون ريب-أشعر منه، وأشعاره عند الكندى تتردد بين سنتى ١٩٠ و ٢١٤ وروى له ابن سعيد فى قسم الفسطاط من كتاب المغرب أبياتا فى هجاء القاضى العمرى يصفه فيها بالظلم وأنه يتردد إلى المغنيات لسماع الغناء، وله مرثية رائعة لجارية له اختطفها منه القدر كانت تسمى «وصفا» وفيها يقول (٤):
ياموت كيف سلبتنى وصفا ... قدّمتها وتركتنى خلفا
وأخذت شقّ النفس من بدنى ... فقبرته وتركت لى النّصفا
ونراه يتصل بالولاة ويمدحهم واحدا تلو الآخر، وممن اتصل بهم ومدحهم عبد الله بن طاهر حين ولى مصر سنة ٢١١ وله يقول من مدحة طويلة (٥)
يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة ... وأظلم الناس عند الجود للمال
لو أصبح النيل يجرى ماؤه ذهبا ... لما أشرت إلى خزن بمثال
ونزل مصر أبو تمام فى بواكير حياته، ويبدو أنه نزلها مرتين: مرة قاصدا عباس بن لهيعة الحضرمى القائم على الشرطة والخراج لواليها المطلب الخزاعى بأخرة من القرن الثانى، ومرة ثانية
стр. 3311
حين وليها عبد الله بن طاهر قاصدا له بالمدح، وظل بها حتى سنة ٢١٤ كما تدل على ذلك أشعاره التى أنشدها الكندى فى مديح عبد الله بن طاهر وكذلك أشعاره فى رثاء عمير بن الوليد الوالى بعده. ويبدو أن صداقة انعقدت بينه وبين المعلى الطائى وابنه حطّان. إذ نجده ينشد فى ديوان الحماسة قطعة بديعة لحطّان يصور فيها عاطفة الأبوة الرحيمة الشفيقة إزاء البنات والأولاد بمثل قوله (١):
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشى على الأرض
وهو بجانب من التعاطف الحميم فى الأسرة المصرية سنلتقى به مرارا عند الشعراء المصريين.
وأهم شاعرين مصريين فى النصف الأول من القرن الثالث الهجرى ذو النون المصرى الإخميمى مؤسس التصوف الإسلامى المتوفى سنة ٢٤٥ وهو ينحدر من سلالة مصرية خالصة، والشاعر الثانى الجمل الأكبر الحسين بن عبد السلام المتوفى سنة ٢٥٨ للهجرة، وفيه يقول ياقوت: «كان شاعرا مفلقا مدح الخلفاء والأمراء» ولحق أحمد بن طولون ولكن القدر لم يمهله.
ومرّ بنا أن أحمد بن طولون ولى إمارة مصر سنة ٢٥٤ وأسس بها الدولة الطولونية، وقد أخذ ينهض بعمرانها فأنشأ قصرا ضخما، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، وألحق به ميدانا فسيحا للعب الكرة. وأنشأ خمارويه ابنه بعده بستانا كان من عجائب الدنيا لما فيه من الزهر من كل لون وشكل. ومرّ بنا حديث مفصل عن كل هذه المنشآت. وعنى أحمد بن طولون ومثله ابنه خمارويه بالشعر والشعراء فأسبغا عليهم العطايا وأسبغ عليهما الشعراء مدائح كثيرة. ولعل ذلك ما جعل كثيرين من الشعراء يندبون دولتهم حين أزالها العباسيون سنة ٢٩٢ للهجرة، ويذكر ابن تغرى بردى منهم إسماعيل بن أبى هاشم وسعيد القاضى الملقب بقاضى البقر ومحمد بن طشويه وأحمد بن إسحق (٢)، ويقول المقريزى: رأيت كتابا قدر اثنتى عشرة كراسة مضمنة فهرستا بأسماء الشعراء الذين بكوا الدولة الطولونية» ويعلق على ذلك بقوله: «فإذا كانت أسماء الشعراء فى اثنتى عشرة كراسة فكم يكون شعرهم؟ مع أنه لا يوجد من ذلك الآن ديوان واحد» (٣). وفى هذا ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء بمصر حينئذ، ومما يدل على ذلك أيضا أن نرى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ يؤلف كتابا فى أخبار شعراء مصر (٤). فالشعراء تكاثروا بمصر منذ زمن الدولة الطولونية، ومنذ
стр. 3312
أخذ تعريب مصر يتكامل كما أسلفنا. ومن أهم شعراء هذه الدولة القاسم بن يحيى المريمى شاعر خمارويه، وله مدائح فيه وأشعار فى وصف السفن والخيل والصيد. وللبحترى مدائح مختلفة فى خمارويه وأبيه أحمد بن طولون، ويذكر ابن تغرى بردى أنه زار مصر لمديح خمارويه (١) وأغلب الظن أن مديحه له ولأبيه إنما كان حين لقيهما فى الشام، فقد كانت تتبعهما، وكانا ينزلان بها كثيرا، ومر بنا فى الفصل الماضى أن خمارويه قتل بدمشق على يد غلمانه. ونزل مصر لعهد تلك الدولة الناشى الأكبر أبو العباس المعروف بابن شرشير المتوفى بها سنة ٢٩٣ وكان من الشعراء المجيدين، ويقول ابن خلكان إنه يعدّ فى طبقة ابن الرومى والبحترى ونظرائهما (٢)، وقد ترجمنا له فى كتابنا العصر العباسى الثانى، وأنشدنا له بعض أشعاره فى جوارح الصيد وآلاته، وله فيها أشعار بديعة كثيرة، وأنشدنا أيضا أشعارا له رائعة فى الغزل تملأ النفس إعجابا. وكانت له قصيدة من الشعر التعليمى تتناول فنونا من العلم فى نحو أربعة آلاف بيت، وقصيدة تاريخية فى نسب الرسول ﷺ تبلغ نحو ألف بيت وكان له كتاب نقدى فى الشعر وفضله. وبدون شك التفّ حوله كثير من المصريين وأفادوا من شعره وعلمه ونقده بدليل أنه آثر المقام بينهم إلى مماته. ونزل مصر مثله منصور (٣) بن إسماعيل الفقية المشهور بمقطعاته فى الزهد. ويدور بنا الزمن دورة وتظلّ مصر الدولة الإخشيدية (٣٢٣ - ٣٥٨ هـ) ويظلّ الشعر ناشطا فى أيامها، ويترجم الثعالبى فى كتابه اليتيمة لطائفة كبيرة من شعرائها مثل صالح بن مؤنس ومحمد بن هرون الأكتمى وعبيد الله بن أبى الجوع والحسن بن محمد الشهواجى وصالح بن رشدين وابن أبى العصام وابن طباطبا الحسنى الرّسّى (٤). ونزل مصر فى عهد كافور المتنبى، كما مرّ بنا فى الفصل الماضى، فأحدث نزوله حركة أدبية واسعة، وكان ابن رشدين وابن أبى الجوع من كبار المعجبين به فعنيا برواية شعره، وظلا يدرسانه للطلاب بعد مبارحته مصر. وممن نزلها زمن كافور كشاجم شاعر الشام المتوفى سنة ٣٦٠ وله فى أديرتها شعر كثير. ونزلها أيضا فى زمنه الناشى الأصغر وامتدحه وامتدح وزيره ابن حنزابة (٥).
ويؤسس الفاطميون دولتهم بمصر وتظل نحو قرنين من الزمان، تتحول فيهما مصر إلى ما يشبه إمبراطورية ضخمة، إذ يمتد سلطانها من شواطى إفريقيا الشمالية إلى الفرات شرقا واليمن جنوبا،
стр. 3313
وقد جاءها المعز أول خلفائها الفاطميين وبرفقته شاعره المؤمن بعقيدته الإسماعيلية ابن هانى الأندلسى، ومعه ابنه تميم الشاعر الشاب الفذ، وكان المعز نفسه شاعرا، روى ابن تغرى بردى بعض شعره (١)، وكان ابنه العزيز نزار الذى ولى الخلافة الفاطمية بعده أيضا شاعرا (٢) وكذلك كان الحاكم (٣) والمستنصر (٤)، فطبيعى أن يبعثوا نهضة شعرية فى البلاد، خاصة أنهم كانوا يعنون بالدعاية لعقيدتهم الإسماعيلية، وقصدهم الشعراء فأغدقوا عليهم الأموال والعطايا. وكان يصنع صنيعهم وزير المعز والعزيز: يعقوب بن كلّس، وكان يهوديا وأسلم، ودبّر دولتهما تدبيرا جيدا ومهد لهما قواعد الدولة، وكان الشعراء يترددون عليه ينشدونه المدائح، ولعل مما يدل على كثرتهم حينئذ أننا نجد الذهبى وغيره من المؤرخين يقولون إنه لما توفى سنة ٣٨٠ رثاه مائة شاعر (٥).
ولا بد أن من رثوا المعز وابنه العزيز كانوا أيضا كثيرين، فضلا عمن كانوا ينثرون عليهما أشعار المديح. غير أنه ينبغى أن نعود فنقيد هذا الكلام بعض التقييد لأن أهل مصر لم يكونوا راضين عن الفاطميين لعقيدتهم الإسماعيلية المفرطة فى التشيع المنحرف، كما مر بنا فى غير هذا الموضع.
فلا يصح أن نتخذ من مديح الخلفاء الفاطميين مقياسا لمدى نشاط الشعر فى مصر، فقد كان أوسع من ذلك وأكبر.
وإذا مضينا بعد المستنصر إلى عهد الخليفة الفاطمى الآمر (٤٩٥ - ٥٢٤ هـ) وجدنا خبرا مهما يسوقه المقريزى عنه إذ يذكر أنه بنى ببركة الحبش منظرة بها طاقات صوّر فيها جميع الشعراء، كل شاعر واسمه وبلده، وعلى جانب كل طاقة قطعة قماش كتب عليها عند رأس كل شاعر قطعة من مدحه، وبجانب صورة كل شاعر رفّ مذهب. فلما دخل المنظرة وقرأ الأشعار أمر أن يوضع على كل رفّ صرّة مختومة فيها خمسون دينارا، وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرّته بيده (٦) وكان وزيره الأفضل بن بدر الجمالى شاعرا، وروى ابن ميسّر فى أخبار مصر بعض شعره، وكان يجزل العطاء للشعراء. فمدحه كثيرون منهم. ويعرض أمية بن أبى الصلت فى رسالته المصرية أسماء طائفة من مدّاحه وبعض مدائحهم ويلم ببعض من هجوه وهجائهم. ويسمى العماد الأصبهانى فى القسم المصرى من كتابه الخريدة أسماء طائفة من شعرائه. وكان الوزير طلائع بن رزّيك بأخرة من العصر الفاطمى شاعرا، والتف حوله كثير من الشعراء، وخصّهم شاعره الجليس بن الحباب بمصنف
стр. 3314
نقل منه العماد الأصبهانى تراجم طائفة منهم، ومن أهم شعرائه الرشيد بن الزبير وله كتاب فى شعراء مصر فى العهد الفاطمى سماه «جنان الجنان ورياض الأذهان» وهو مفقود، غير أن العماد الأصبهانى انتفع يتراجمه، وبالمثل ابن سعيد فى كتاب المغرب. ووفد على مصر زمان الفاطميين كثيرون من الشعراء النابهين فى البلاد العربية أمثال أبى الرقعمق الأنطاكى وصريع الدلاء البغدادى والتهامى المكى وابن حيّوس الدمشقى وأمية بن أبى الصلت الأندلسى المار ذكره آنفا.
ويظل نشاط الشعر المصرى فى زمن الأيوبيين بل يزداد نشاطا على نحو ما يصور ذلك كتاب بدائع البدائه لعلى بن ظافر الأزدى، وهو يسجّل الأشعار التى كان ينظمها الشعراء فى مجالسهم على البديهة. ونلقى هذه المجالس فى كل مكان إذ يجتمع الشعراء ويتخذون موضوعا طريفا لنظم أشعار على البديهة دون بطء ودون أناة كأن ينظموا فى بعض الأزهار إذا كان مجلسهم فى حديقة أو ينظموا فى فانوس السحور برمضان إذا كان مجلسهم فى ليلة من لياليه، ونحس فى هذا الكتاب كأن الشعر كان على لسان. ومن الأدلة على ازدهار الشعر فى أوائل زمن الأيوبيين وأواخر زمن الفاطميين أننا نجد العماد فى خريدته يخصّ مصر بمجلدين ترجم فيهما لمائة وأربعين شاعرا. وكان القاضى الفاضل فى الدولة الأيوبية مثل طلائع بن رزّيك والأفضل بن بدر الجمالى فى الدولة الفاطمية ممدّحا، والتف حوله عشرات من الشعراء، وكان بدوره شاعرا كبيرا. وأطلقت فتوح صلاح الدين وانتصاراته المدوية على الصليبيين ألسنة الشعراء فى مصر وجميع البلدان العربية حتى لم يكد يبقى شاعر نابه إلا قصده مادحا كما يقول ابن خلكان (١). ونرى فاضل بن راجى الله العطار المصرى يقدم لابنه سلطان مصر بعده العزيز (٥٨٩ - ٥٩٥ هـ) كتابا فى شعراء مصر لزمنه سماه «الشعراء العصرية بالديار المصرية» (٢). ويفد على مصر بأخرة من زمن الأيوبيين على بن سعيد الأندلسى كما يفد عليها ابن العديم علم حلب لزمنه ويصحبه معه إلى بلدته، وفيها يكتب له بين سنة ٦٤٤ و ٦٤٧ نسخة من كتابه المغرب، وفيه قسم كبير خاص بمصر وبلدانها فى الوجهين البحرى والقبلى، وقد اشتركت فى نشر القسم الخاص منه بالفسطاط وبه طائفة كبيرة من شعرائها، ونشر القسم الخاص بالقاهرة وبه أيضا شعراء أيوبيون كثيرون.
وتعنى كتب التاريخ والتراجم بشعراء مصر زمن الأيوبيين والمماليك، وفى مقدمتها وفيات الأعيان لابن خلكان وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبى والوافى بالوفيات للصفدى وكتاب الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة لابن حجر وكتاب الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع
стр. 3315
للسخاوى وكتاب النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى وكتابى السلوك والخطط للمقريزى وكتاب بدائع الزهور لابن إياس. ولا يكاد يوجد شاعر نابه زمن الأيوبيين والمماليك إلا وله ديوان مطبوع فقد طبعت دواوين القاضى الفاضل وابن سناء الملك وابن النبيه والبهاء زهير وابن مطروح وابن الفارض والبوصيرى والقيراطى وابن نباتة وغيرهم، بل طبعت دواوين لبعض الشعراء الفاطميين مثل تميم بن المعز وابن وكيع والشريف العقيلى والمؤيد الشيرازى وظافر الحداد وطلائع بن رزيك وابن قلاقس.
ويظل لمصر نشاطها الشعرى زمن العثمانيين، ويؤلف شهاب الدين الخفاجى المتوفى سنة ١٠٦٩ كتابا فى شعراء زمنه سماه «ريحانة الألبّا»، خص مصر بالقسم الثالث منه ويذيّل على الريحانة؟ ؟ ؟ المحبى المتوفى سنة ١١١١ بكتاب سماه «نفحة الريحانة» جعل لشعراء مصر قسما كبيرا منه، وبالمثل يذيل على نفحة الريحانة ابن معصوم المدنى المتوفى سنة ١١١٧ بكتاب سماه «سلافة العصر» ترجم فيه لطائفة من شعراء مصر لزمنه. وتلقانا تراجم مختلفة للشعراء المصريين فى شذرات الذهب للعماد وهو لا يتجاوز بتراجمه القرن العاشر. ونلتقى بطائفة منهم عند المحبى فى كتابه خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر وكذلك عند المرادى المتوفى سنة ١٢٠٦ فى كتابه «سلك الدرر فى أعيان القرن الثانى عشر» وأهم منه ومن العماد تاريخ الجبرتى، وهو يعنى فى الجزءين الأولين بتراجم شعراء مصر حتى نهاية القرن الثانى عشر أى حتى نهاية أيام العثمانيين.
٣ - شعر دورى ورباعيات وموشحات وبديعيات
(ا) الشعر الدورى
ذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول ما نفذ إليه الشعراء العباسيون من تجديد فى الأوزان، وأهم من ذلك ما نفذوا إليه من تجديد فى القوافى أتاح لهم أن يستحدثوا اللون الشعرى المعروف باسم المزدوج، وقد خصّوا به منظومات الشعر التعليمى، وفيه تتحد القافية فى كل شطرين متقابلين وتتغير من بيت إلى بيت، وكأن الوحدة فيه لم تعد البيت، وإنما أصبحت الشطر. ويكثر بمصر كما يكثر بغيرها من الأقاليم العربية نظم المزدوجات التعليمية، وكادوا لا يتركون علما دون أن ينظموا فيه الأراجيز المزدوجة، وأكثروا من ذلك فى النحو واللغة والقراءات، حتى الطب تلقانا فيه مزدوجات كثيرة. ومن أوائل ما يلقانا بمصر مزدوجة لابن وكيع التنيسى المتوفى سنة ٣٩٣
стр. 3316
للهجرة فى وصف فصول السنة، وأهم من ذلك أن له مزدوجة مربعة بناها من أدوار، كل دور بيتان تتحد شطورهما فى القافية افتتحها بهذا الدور (١):
رسالة من كلف عميد ... حياته فى قبضة الصدود
بلّغه الشوق مدى المجهود ... ما فوق ما يلقاه من مزيد
وتلاه بأربعة وأربعين دورا. وقد كثر هذا النظام الدورى المكون من بيتين بيتين، وشاع خاصة فى العصر الحديث إلى اليوم.
ونظام دورى ثان هو المسمّطات شاع مبكرا وعرضنا له فى كتاب العصر العباسى الاول واستشهدنا له بمسّمطين لأبى نواس، أحدهما من أربعة شطور والثانى من خمسة. والمسمّط مشتق من السّمط وهو قلادة تلتقى فيها عدة سلوك عند جوهرة كبيرة، وكل دور فى المسمط كأنه سلك يلتقى مع الأدوار أو الأسلاك الأخرى فى قافية الشطر الأخير من الدور، وكأنها الجوهرة التى تتجمّع عندها الأسلاك. وتتحد الشطور السابقة للشطر الأخير فى قافيتها وتتغير من دور إلى دور.
وممن كان يشغف من المصريين بصنع المسمطات تميم ابن الخليفة المعز الفاطمى وكان شاعرا مجيدا.
ومن مسمطاته مخمّس مدح به أخاه العزيز استهلّه على هذا النمط (٢):
دم العشّاق مطلول ... ودين الصّبّ ممطول (٣)
وسيف اللحظ مسلول ... ومبدى الحبّ معذول
وإن لم يصغ للائم
ويتوالى بعد هذا الدور ثلاثون دورا على هذه الشاكلة، فالشطور الأربعة الأولى تتّحد قافيتها، وقافية الشطر الخامس دائما ميمية، وهى عمود المسمط وقطبه الذى يدور عليه. وقد تدور المسمطات على شطر رابع أو على شطر سادس أو سابع، وتسمى مربعات وسداسيات وسباعيات. وأنشد العماد الأصبهانى مسمطا سباعيّا (٤) لشاعر إسكندرى يسمى موسى بن على وأخذ الشعراء المصريون فى العصور المتأخرة يكثرون من هذه المسمطات وأولعوا بتسميط بعض القصائد المشهورة مثل بردة البوصيرى وهمزيته فى مديح الرسول ﷺ . ويحصى بروكلمان من تخميسات البردة وتسبيعاتها وتتسيعاتها عشرات أكثرها لمصريين (٥).
стр. 3317
وتظل المسمطات وخاصة المخمسات تلقانا أيام العثمانيين فى كتب التراجم من مثل ريحانة الألبا ونفحة الريحانة وتاريخ الجبرتى. ولأبى السعود الشعرانى المتوفى سنة ١٠٨٨ من مخمّس نبوى (١):
يا حادى العيس إن حفّت بك الكرب ... الحق-هديت-بركب ساقه الطّرب
وقل لصبّ غدا بالشوق ينتحب ... لمهبط الوحى حقّا ترحل النّجب
وعند هذا المرجّى ينتهى الطلب
وتستمر فى المخمس قافية الشطر الخامس فى الشطور الخامسة من الأدوار التالية بائية على نحو ما قدمنا فى قاعدة نظمه.
(ب) الرباعيات
مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول كثرة الرباعيات عند أبى نواس وأبى العتاهية. والرباعية أربعة شطور من الشعر تؤلف بيتين، تتحد شطورهما الأولى والثانية والرابعة فى القافية، أما الشطر الثالث فقد يتحد مع تلك الشطور فى قافيته وقد لا يتحد. ولم يكن شعراء العصرين: العباسى الأول والثانى يقصرون الرباعية على وزن معين. حتى إذا مضينا فى هذا العصر: عصر الدول والإمارات وجدنا الفرس يكثرون من استخدامها مع تسميتها باسم «دو بيت» أى بيتين.
ويشركهم شعراء العرب فى ذلك، واستحدثوا جميعا لها وزنين هما: «فعلن فعلن مستفعلن مستفعلن» و «فعلن متفاعلن فعولن فعلن» على نحو ما صورنا ذلك فى حديثنا عن الرباعيات فى قسم العراق بالجزء الخامس من هذه السلسلة، وما نمضى فى زمن الدولة الأيوبية حتى نجد الشعراء يكثرون من الرباعيات، من مثل قول ابن ممّاتى (٢):
يا غصن أراك حاملا عود أراك ... حاشاك إلى السّواك يحتاج سواك
قل لى أنهاك عن مجيئك نهاك ... لو تمّ وفاك بست خدّيك وفاك
وممن نظموا فيها ابن النبيه وابن مطروح وابن قزل وغيرهم، ويقول ابن سعيد الأندلسى الذى زار القاهرة بأخرة من تلك الدولة كما مر بنا: «كثير من أهل القاهرة من يقول الدّوبيت»
стр. 3318
أو الرباعيات. . ولم أسمع بها من شعرائها أحسن مما أنشدنيه لنفسه ابن أبى الإصبع:
قبّلت ثنايا كجمان العقد ... منه وعدلت عن نضار الخدّ
نادى ماذا؟ فقلت: طبع عربى ... يشتاق أقاح الروض دون الورد» (١)
ويسهم فى نظم الرباعيات أصحاب الشعر الصوفى وفى مقدمتهم ابن الفارض، وله رباعيات تفوح بوجد مبرّح من مثل قوله:
روحى لك يا زائر فى الليل فدا ... يا مؤنس وحشتى إذا الليل هدا
إن كان فراقنا مع الصبح بدا ... لا أسفر بعد ذاك صبح أبدا
فهو يبذل روحه لمحبوبه الربّانى مخلصا صادقا، ويتمنى أن يظل نوره يضئ دجاه وأن لا يسفر عليه صباح ولا تتفلت أضواؤه من الأفق إن كانت لحظات التجلى تنقطع مع النهار وأنواره.
وتظل الرّباعيات حية فى أيام العثمانيين، وكانت تستخدم أحيانا فى المديح النبوى كقول الشهاب الخفاجى صاحب ريحانة الألبّا (٢):
ما جرّ لظلّ أحمد أذيال ... فى الأرض كرامة كما قد قالوا
هذا عجب ويا له من عجب ... والناس بظلّه جميعا قالوا
وهو يشير فى الرباعية إلى ما قيل من أنه ﵊ كان لا يقع ظله على الأرض لأنه نور روحانى، والنور لا ظل له. وفى البيتين تورية واضحة فى كلمة قالوا، فالأولى فى البيتين من القول والثانية من القيلولة بمعنى استظلوا ونعموا.
(ج) الموشحات
فى أثناء ظهور الرباعيات والمسمطات أخذ يظهر شكل جديد من أشكال المنظومات الشعرية الدورية هو الموشحات، ويذهب بعض الباحثين وخاصة من المستشرقين الإسبان إلى أنها فن أندلسى خالص نشأ من أغان إسبانية أعجمية. ويذهب باحثون آخرون من المستشرقين غير
стр. 3319
الإسبان إلى أنها فن تطور عن الشعر العربى المشرقى (١) وفى رأيى أنها فعلا تطورت عن شعرنا المشرقى وبالذات عن المسمطات والمخمسات، أليست تتكون من أدوار مثلها وغاية ما فى الأمر أن الشطر الأخير فى دور المسمط يتعدد مع اتحاده فى جميع الأدوار، فقد يصبح شطرين متقابلين أو عدة شطور، ويسمى قفلا. ويشهد لذلك نفوذ ديك الجن المتوفى سنة ٢٣٥ إلى صنع منظومة موشحة (٢)، وكأنما اطلع عليها بعده بعض شعراء الأندلس، وأخذوا فى محاكاتها واتسعوا فى هذه المحاكاة، بحيث أخذت الموشحة عندهم صورا كثيرة، حتى لقد ينظمونها من أوزان مهملة، بل حتى أصبحت كأنها محتكرة لهم، وكأنهم هم الذين صاغوها وأهدوها إلى الشعر العربى وشعرائه فى أقاليمه المختلفة. ومعروف أن الموشحة تتكون من أدوار أو أغصان كما أشرنا إلى ذلك، ومن شطور تسمى قفلا، ومن خرجة وتطلق على القفل الأخير. وتتحد شطور الأقفال دائما فى قوافيها المتقابلة فى الموشح كله، بينما تختلف قوافى الشطور فى الأغصان من غصن إلى غصن مثلها فى ذلك مثل أدوار المسمطات.
وقد أخذ شعراء المشرق العربى فى محاكاة نماذجها الأندلسية منذ القرن السادس الهجرى على الأقل، ومن أقدم صور هذه المحاكاة بمصر موشحة تقف بين النمط الأندلسى وبين المسمط المشرق المشرقى، وهى لعلى بن عيّاد الإسكندرى المتوفى سنة ٥٢٦، فقد روى له العماد موشحة على هذا النمط (٣):
يا من ألوذ بظلّه ... فى كل خطب معضل
لازلت من أصحابه ... متمسّكا بيد السلامه
آمنا من كل باس ... فى الحوادث والصّروف
وتتردد قافية الشطرين الأخيرين مع كل شطرين يعقبان الأدوار التالية، وبذلك اتخذ منهما ابن عياد قفلا لموشحة على شاكلة الأندلسيين إذ يوحّدون قوافى الشطور فى الأقفال، بينما ينوعون فى قوافى الأدوار كما ينوع أصحاب المسمّطات. وعادة يبتدئ الوشّاح الأندلسى بالقفل ويتلوه بالدور، وقد يبتدئ بالدور ويتلوه بالقفل كما فى هذه الموشحة. ولظافر الحداد مواطن ابن عياد
стр. 3320
المتوفى سنة ٥٢٩ موشحة طريفة يحتفظ بها ديوانه (١).
وكان طبيعيّا أن يتعرف المشارقة على الموشحات الأندلسية لكثرة الوافدين عليهم فى الإسكندرية والقاهرة من الأندلس، إما للحج وإما لطلب العلم فكانوا ينشدونهم موشحات مختلفة، وممن لا نشك فى أنه كان يكثر من إنشادها للمصريين: إسكندريين وقاهريين أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، وفيه يقول ابن سعيد: «كان منشئا للمنثور والمنظوم» وأقام بمصر عشرين سنة، وصنّف فى الألحان وعنه أخذها أهل إفريقية (٢)، ولا بد أنها كانت مصحوبة بموشحات أنشدها لهم، وقد توفى سنة ٥٢٩. ونزل مصر اليسع بن عيسى بن اليسع بعده فى عهد صلاح الدين وألف باسمه كتابه المغرب فى أخبار محاسن المغرب (٣)، ولا بد أن يكون قد ضمنه بعض الموشحات. ونزلها أيضا حكيم الزمان عبد المنعم الجليانى الأندلسى (٤)، ومدح صلاح الدين الأيوبى مدائح كثيرة، وكان له عشرة دواوين ثامنها يشتمل على موشحاته. ومرّ بنا ذكر معجم السلفى محدث الإسكندرية وقد سجّل فيه لبعض من تتلمذوا عليه من الأندلسيين بعض ما أنشدوه من الموشحات الأندلسية.
وهذه كلها إنما هى إشارات قاصرة إلى ما حدث فى القرن السادس الهجرى بمصر من انتشار الموشحات بها انتشارا هيأ لظهور وشاح كبير فيها هو ابن سناء الملك المولود سنة ٥٥٠ ويحدثنا العماد الأصبهانى عن لقائه به سنة ٥٧١ ويشيد بشاعريته وينشد موشحة مبكرة له (٥). وكأنما اختارت المقادير ابن سناء الملك لا ليكون وشاحا مصريا ممتازا، بل لما هو أبعد من ذلك: ليضع عروض الموشحات ونظامها كما وضع الخليل بن أحمد عروض الشعر العربى ونظامه، على نحو ما يوضح ذلك كتابه النفيس: «دار الطراز» الذى ألفه فى عهد السلطان الأفضل (٦) بن صلاح الدين (٥٩٥ - ٥٩٦ هـ) وقد استهله بمبحث واسع فى الموشحات وأقفالها وعدد شطورها وأنها تتردد فى الموشح ست مرات فى التام وخمس مرات فى الأقرع (٧) وقد تصل الأقفال إلى أحد عشر جزءا (٨).
ويقول عن الخرجة، وهى القفل الأخير فى الموشحة، هى «أبراز الموشح وملحه وسكّره
стр. 3321
ومسكه وعنبره» ويقول إنه ينبغى أن يسبق إليها خاطر الوشاح قبل أن يتقيد بوزن وقافية معينة (١)، ويقول أيضا إن اللحن يستحسن فيها كما يستحسن أن تكون ما جنة. ويلاحظ أن الموشحات من حيث الوزن قسمان: قسم يجرى على أوزان العرب وأشعارهم، وقسم لا وزن له (٢)، إنما يزنه الإيقاع. والقسم الأول هو الأكثر وهو الذى دار على ألسنة العلماء والشعراء.
واختار ابن سناء الملك فى كتابه للأندلسيين أربعا وثلاثين موشحة، واختار لنفسه خمسا وثلاثين، وله وراءها موشحات كثيرة إذ أنشد له أحمد السخاوى فى كتابه: «سجع الورق المنتحبة فى جمع الموشحات المنتخبة» أربعا وثمانين موشحة سوى ما أنشده النواجى فى كتابه:
«عقود اللآل فى الموشحات والأزجال».
ومعروف مدى ما وفره الوشاحون الأندلسيون لموشحاتهم من جمال الجرس والإيقاع متخذين لذلك وسيلتين مهمتين هما صفاء الألفاظ وعذوبتها ورشاقتها، وقصر الشطور، حتى تصبح نغما خالصا يلذّ الأسماع والقلوب، وعرف ابن سناء الملك كيف يمتلك هاتين الوسيلتين، فإذا موشحاته لا تقل روعة موسيقية عن موشحات الأندلسيين من مثل قوله فى مطلع موشحة رواها ابن سعيد (٣):
البدر يحكيك ... لولا تثنّيك
وأنت جنّة (٤) ... الصديق
لولا تجنّيك
لم يلق نعمى ونعيم ... من لم يلاقك
حمّلتنى كلّ عظيم ... يوم فراقك
وإن لى ذنبا قديم ... على عناقك
بالضّمّ أجنيك ... للصّدر أدنيك
لأن لى قلبا رقيق (٥) ... عساء يعديك
والكلمات تطير بخفة عن الفم لحلاوة جرسها وعذوبتها فى النطق والسمع وجمال وقعها فى النفوس والأفئدة، وموشحاته فى دار الطراز أنغام حلوة وصور بديعة، على نمط هذا الدور أو الغصن فى إحدى موشحاته:
وجهك يا أحسن البريّة ... قد جمع الملح والملاحه
стр. 3322
نرجسة فيه مستحيّه ... ووردة تحتها أقاحه
والخال فى الوجنة المضيّه ... فى الماء لا يحسن السّباحه
وقد جمع فى الدور أروع صورة للملاحة، فالعين ملأى بالخفر والحياء، والوجنة ورد ناضر، تحتها أقحوان الثغر المتلألى والخال فى الوجنة غارق فى ماء النضارة والحسن لا يريم.
وبذلك أعدّ ابن سناء الملك المصريين بعده لكى يبرعوا براعة فائقة فى نظم الموشحات، ويتوفى سنة ٦٠٨ وكان يعاصره مظفر (١) الأعمى العيلانى المتوفى سنة ٦٢٣ صاحب الموشحة المشهورة:
كلّلى يا سحب ... تيجان الرّبى بالحلى
واجعلى سوارها ... منعطف الجدول
والموشحة تفيض بكئوس الفرحة بالخمر والحديث عن ليلة الوصل والبهجة بالمحبوب، بهجة ما بعدها بهجة. وكان يعاصره ابن النبيه المتوفى سنة ٦١٩ وفى ديوانه موشحة بديعة يقول فيها (٢):
قل لمن يلوم ... فى مهفهف أسمر
ثغره النّظيم ... مسكر وسكّر
آه لو سقانى اطفأت نيرانى ... درّة ثمينه فى الياقوت مكنونة
وواضح تعبيره عن رضاب الثغر بأنه يطفئ نيران قلبه وأن ياقوت الشفتين يحمل درة بل دررا ثمينة وهى كناية بديعة. ونمضى إلى زمن المماليك فنلتقى بكثير من الوشاحين، وفى مقدمتهم العزازى وابن الوكيل. وظلت الموشحات مزدهرة فى أيام المماليك على لسان ابن نباتة وغيره (٣) وشاع استخدامها على لسان المتصوفة فى أذكارهم، ولعلى بن محمد بن وفا شيخ الطريقة الوفائية فى زمنه المتوفى سنة ٨٠٧ ديوان موشحات صوفية لا يزال مخطوطا، وأنشد منه السخاوى فى سجع الورق المذكور آنفا خمسا وخمسين موشحة ونخص كلاّ من العزازى وابن الوكيل بكلمة.
العزازىّ (٤)
هو شهاب الدين العزازى أحمد بن عبد الملك وكان تاجرا بقيسارية جهاركس فى القاهرة
стр. 3323
قرب حى الغوريّة الحالى ويقول ابن تغرى بردى: كان أديبا مطبوعا ظريفا له النظم الرائق الفائق ولا سيما نظمه للموشحات فإنه غاية فى ذلك. ويقول ابن حجر: له فى الموشحات يد طولى توفى سنة ٧١٠ وله ثلاث وثمانون سنة. وفى دار الكتب المصرية نسختان من ديوانه غير تامتين، والديوان فى خمسة أقسام: فى مدائح الرسول وأهل بيته وفى مدائح الأمراء والوزراء والكتاب والقضاة، وفى النكت والملح والأفغاز والأحاجى، وفى الغزل والتهانى والتعازى، وفيما وقع بين أدباء عصره وشعراء زمانه، وفى غرائب الأوزان من المخمسات والموشحات. وفى مكتبة جامعة القاهرة مصوّرة منتخبة من ديوانه بخط الصفدى. ويذكر ابن تغرى بردى بعض موشحاته، وبالمثل يذكر طائفة منها ابن شاكر فى فوات الوفيات والنواجى فى عقود اللآل فى الموشحات والأزجال، ومن أطرفها موشحة موزعة بين النشوة بالخمر وبالحب وبجمال الطبيعة استهلّها بقوله:
يا لهلة الوصل وكأس العقار ... دون استتار علّمتمانى كيف خلع العذار (١)
اغتنم اللذات قبل الذهاب ... وجرّ أذيال الصّبا والشباب
واشرب فقد طابت كئوس الشّراب
واختتمها بقوله:
يا ليلة أنعم فيها وزار ... شمس النّهار حيّيت من بين الليالى القصار
وله فى مطلع موشحة بديعة:
ما سلّت الأعين الفواتر ... من غمد أجفانها الصّفاح (٢)
إلا أسالت دما المحاجر ... من غير حرب ولا كفاح (٣)
ومن طريف موشحاته موشحة بناها من رباعيات، كما يقول ابن شاكر، وهى فى الحقيقة مخمس رباعى، وهو يدل كما تدل موشحاته على غزارة ينبوع الشعر عنده، وأنه كان يتدفق على لسانه تدفقا، مع الحلاوة وحسن الألفاظ وجمال النغم والإيقاع.
стр. 3324
ابن الوكيل (١)
هو محمد بن عمر بن المرحل المعروف بابن الوكيل الدمياطى، ولد بدمياط سنة ٦٦٥ وانتقل مع أبيه إلى دمشق، ونشأ بها، وتولى التدريس فى غير مدرسة هناك، ثم انتقل إلى القاهرة، وأسند إليه التدريس بها فى زاوية الشافعى والمشهد الحسينى والمدرسة الناصرية إلى أن توفى سنة ٧١٦. ويقول السبكى: كان إماما كبيرا بارعا فى مشهد الشافعى يضرب به المثل فى البحث نظارا مفرط الذكاء عجيب الحافظة. وبجانب ما كان يحفظ من كتب الفقه والحديث النبوى كان يحفظ مقامات الحريرى وديوان المتنبى، ويشيد مترجموه بما كان له من شعر ورباعيات وموشحات.
وكانت له مشاركة فى الشعر الشعبى: الزجل والبلاليق التى تدور فى الهزل. ومن قوله فى إحدى موشحاته:
ما أخجل قدّه غصون البان ... بين الورق
إلا وسبا المها مع الغزلانى ... حسن الحدق
الصحة والسقام فى مقلته ... والجنّة والجحيم فى وجنته
ما أبدع معنى لاح فى صورته ... كالورد حواه ناعم الرّيحان
بالطّلّ سقى
والقدّ يميل ميلة الأغصان ... للمعتنق
أحيا وأموت فى هواه كمدا ... من مات جوى فى حبّه قد سعدا
يا عاذل لا أترك وجدى أبدا
وقد استخدم ابن الوكيل فى هذه الموشحة وزن الرباعيات، ليدل على قدرته فى ضبط النغم واللحن، وأنه لا يقل عن المحّار الحلبى معاصره الذى حاكاه فيها وفى وزنها إبداعا وافتنانا.
стр. 3325
وله موشحة جعل الشطور الثانية من نونية ابن زيدون المشهورة مضمنة فى مطلعها وأقفالها كقوله فى المطلع:
غدا منادينا محكّما فينا ... يقضى علينا الأسى لولا تأسّينا
ويسرى التكلف إلى الموشحات بعد ابن الوكيل والعزازى، غير أنها تظل حية وناشطة حتى أيام العثمانيين على نحو ما يلاحظ فى كتب التراجم عند الشهاب الخفاجى وغيره، وتلقانا عند المحبى موشحة بديعة لزين العابدين البكرى المتوفى سنة ١١٠٧ للهجرة عارض بها موشحة لابن سناء الملك، ومن قوله فيها (١):
اعجبوا من حسن تلوين العيون ... تلكم حانه وهاتيكم كنانه
بأبى مرّ الجفا بالدّرّ حالى ... قدره قد حطّ من قدر العوالى
مطلبى من ثغره كنز اللآلى
والموشح يسيل عذوبة، وأنشد الجبرتى لقاسم بن عطاء الله المتوفى سنة ١٢٠٤ موشحا (٢) عارض به موشحا مشهورا للسان الدين بن الخطيب.
(د) البديعيات
إذا تركنا الموشحات إلى البديعيات وجدناها قديمة فى الشعر المصرى، على الأقل منذ زار مصر أبو نواس وأبو تمام، واستمع شعراؤها إلى ما فى أشعارهما من طرائف البديع ومحسناته، ولم يكن الشعراء المصريون يكثرون من استخدام تلك المحسنات والطرائف، إذ كانوا يستخدمونها من حين إلى حين دون إفراط، وظل ذلك دأبهم فى الحقب الأولى من زمن الدولة الفاطمية على نحو ما يلاحظ فى شعر ابن وكيع التنيسى المتوفى سنة ٣٩٢. وإذا مضينا إلى القرن الخامس لقينا أهم شعرائه الشريف العقيلى شاعر الخمر والطبيعة، وشعره زاخر بالتشبيهات والاستعارات والجناس والطباق والمشاكلة، ويتصنع فى قلة لاستظهار بعض المصطلحات العلمية، ولكن
стр. 3326
ذلك كله لا يثقل عنده ولا نحس فيه بتكلف، ونجد عنده التورية التى اشتهر بها المصريون فى مثل قوله (١):
وشاعر شعره فنون ... لكل بيت له طنين
تسخن عين العدوّ منه ... قصائد كلّها عيون
فقد ورّى فى كلمة عيون المقابلة لعين العدو وهو إنما يقصد بها أبيات الشاعر النفيسة.
وللتورية أمثلة أخرى فى شعره ذكرناها فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى»، ونجدها كثيرة عند الشعراء بعده، مما يدل على أن ظهورها بمصر لم يتأخر حتى زمن القاضى الفاضل وأيام الدولة الأيوبية كما ظن ذلك صاحب الخزانة (٢). ومن يرجع إلى القسم المصرى من كتاب الخريدة للعماد الأصبهانى وما ترجم فيه من شعراء مصر فى القرن السادس الهجرى يلاحظ شيوع محسنات البديع على ألسنة شعراء القاهرة والإسكندرية، كقول ابن قلاقس فى وصف مغن (٣):
لا أشرب الرّاح إلا ... ما بين شاد وشادن
قم يا نديمى فأنصت ... والليل داج لداجن
طاوع على القصف والعز ... ف كلّ حاس محاسن
والقطعة جميعها على هذا النمط من الجناس بين القافية والكلمة السابقة لها، فشاد أى مغن تسبق كلمة شادن أى غزال، وكلمة داج أى مظلم تسبق كلمة داجن أى مغن، وكلمة حاس أى للشراب تسبق كلمة محاسن. وهو بذلك يصعب المرور إلى جناسه. وكانوا يكثرون فى أشعارهم من الطباق ولهم فيه صور كثيرة طريفة كقول ابن هانى الصغير فى وصف سيف (٤):
ومهنّد سبح الفرند بصفحه ... وطفا فيحسب معمدا مسلولا
والفرند ما يرى فى صفحة السيف مما يشبه دبيب النمل أو الغبار. ومن حين إلى حين نرى عندهم الاقتباس من الذكر الحكم وتضمين بعض الشطور للجاهليين والإسلاميين والعباسيين كما
стр. 3327
نرى التورية معانقة لجناس تام فى قول ابن قادوس (١):
لام العواذل مغرما ... فى حبّ ملهية وقينه
ولو انهنّ رأين تأ ... ثير الغرام به وقينه
والتورية والجناس واضحان فى كلمة «وقينه» المكررة فى نهاية البيتين، والواو فى الأولى عاطفة وفى الثانية من أصل الفعل: «وقى» وهى موضع التورية. وبجانب ذلك نجد عند الشعراء لعهد الفاطميين عناية بمراعاة النظير فى الصور والكلمات، واستخدموا فى قلة شديدة مصطلحات العلوم وتسمّى باسم التوجيه، وحتى الألغاز نجدها مبثوثة فى أشعارهم، ويذكر العماد شاعرا من بينهم تسمى ابن مجبر كان يعنى بصنع الألغاز فيما يبدو عناية شديدة (٢).
ويحمل لواء هذه البديعيات فى زمن الدولة الأيوبية القاضى الفاضل وزير صلاح الدين الذى نشأ وتربّى فى الدواوين الفاطمية على أمثال ابن قادوس وغيره من الشعراء والكتاب الفاطميين.
ويجعله ابن حجّة الحموى والصفدى إمام الشعراء فى زمنه وبعد زمنه (٣) فى استخدام المحسنات البديعية من تورية وغير تورية، ويقولان إنه سار فى دربه على منواله ونهجه ابن سناء الملك ومن خلفوه من شعراء الدولتين الايوبية والمملوكية أمثال الجزار المتوفى سنة ٦٧٢ وناصر الدين ابن النقيب المتوفى سنة ٦٨٧ ومحيى الدين بن عبد الظاهر المتوفى سنة ٦٩٢ والوراق المتوفى سنة ٦٩٥ وابن دانيال المتوفى سنة ٧١٠ ونصير الدين الحمامى المتوفى سنة ٧١٢. ونستطيع أن نضم إلى من سميناهم من شعراء القرن السابع من جاءوا بعدهم طوال هذا العصر من أمثال ابن نباتة المتوفى سنة ٧٦٨ والقيراطى المتوفى سنة ٧٨١ وابن مكانس المتوفى سنة ٧٩٤. وحتى شعراء الصوفية من أمثال ابن الفارض نجدهم يستخدمون هذه المحسنات بكثرة. وجعلها النقاد القطب الذى تدور عليه كتاباتهم فى فن الشعر، يتقدمهم فى ذلك ابن أبى الإصبع المصرى المتوفى سنة ٦٥٤ على نحو ما هو معروف عنه فى كتابه «تحرير التجبير».
وتصبح البديعيات المقياس أو المقاييس الدقيقة لإبداع الشعراء. وتتضمنها قصائد فى مديح الرسول ﷺ تسمى البديعيات وتشرح شروحا مطولة، ومن أهم هذه القصائد قصيدة للسيوطى أو بديعية سماها «نظم البديع فى مدح خير شفيع» وله عليها شرح، وكانت تعاصره عائشة
стр. 3328
الباعونية المتوفاة سنة ٩٢٢ وقد جعلت بديعتها فى مائة وثلاثين بيتا. ويلاحظ أن استخدام الشعراء المصريين طوال هذا العصر للمحسنات لم يسمج ولم يثقل ولم يتحول إلى صور من التكلف المقيت حتى أيام العثمانيين، وكأنما حالت العذوبة التى تنطوى عليها نفوسهم وأمزجتهم والتى تجرى بها مياه النيل فى أرضهم، بين كل ذلك وبين ما استخدموه من محسنات البديع وتلاوينه. وقديما لاحظ ذلك ابن سعيد صاحب كتاب المغرب حين نزل الفسطاط والقاهرة واختلط بشعرائهما، إذ لم يلبث أن أنشد (١):
أيا ساكنى مصر غدا النّيل جاركم ... فأكسبكم تلك الحلاوة فى الشّعر
وكان بتلك الأرض سحر وما بقى ... سوى أثر يبدو على النظم والنّثر
وسنذكر نفثات من آثار هذا السحر وما طوى فيه من حلاوة وعذوبة فى تراجم الشعراء لتلك الأزمنة
٤ - شعراء المديح
يكتظ الشعر العربى فى مصر بالمديح منذ زمن الولاة المبكر أيام الدولة الأموية، وخاصة فى ولاية عبد العزيز بن مروان إذ كان جوادا ممدّحا، فانتجعه شعراء الحجاز ونجد والعراق، ويظل شعر المديح يجرى على ألسنة الشعراء أيام الدولة العباسية، ويزور أبو نواس مصر لمدح والى الخراج بها: الخصيب، ويضفى عليه مدائح رائعة، ولا يلبث أن يزورها أبو تمام، ويمدح عياش بن لهيعة الحضرمى القائم على الشرطة والخراج كما مر بنا، كما يمدح واليها عبد الله بن طاهر. ومن أهم شعراء مصر حينئذ المعلّى الطائى، وأنشدنا فى غير هذا الموضع بعض مديحه فى عبد الله بن طاهر والى مصر للمأمون. ويظلّها عهد الدولة الطولونية ويتبارى شعراؤها فى مديح أحمد بن طولون.
وأهمهم فى بواكير حكمه لمصر الحسن (٢) بن عبد السلام المشهور بلقبه الجمل الأكبر المتوفى سنة ٢٥٨، وله من قصيدة فى مديحه:
стр. 3329
له يد كم خلّدت من يد ... سحابة عمّت بأنوائها
انظر إلى مصر بسلطانه ... تر الهدى فاض بأرجائها
ومن شعراء الطولونيين المريمى (١) القاسم بن يحيى المنسوب إلى جده أبى مريم السلولى أحد أصحاب الرسول ﷺ ، وهو شاعر أبى الجيش خمارويه اختصّ به وأسبغ عليه كثيرا من نواله، وفيه يقول:
يقولون لى ما بال رحلك دائما ... بمصر وإنّى لست عن غيرها أرضى
وكيف رحيلى عن بلاد غدا بها ... أبو الجيش والنّيل الذى ملأ الأوضا
وتوفى المريمى سنة ٣١٦.
وكان الشعراء قد أخذوا يتكاثرون بالفسطاط منذ الدولة الطولونية كما مرّ بنا، واطّرد تكاثرهم فى عهد الدولة الإخشيدية، وفى أيامها بدأ عصر الدول والإمارات الذى نؤرخ له فى هذا الجزء وكان الإخشيد قد ملك مصر والشام وثغور الروم وخطب له بالحجاز واليمن. ولذلك يقول شاعره سعيد (٢) بن فاخر من قصيدة يمدحه بها:
يا ملك الشام ومصر إلى ... أقصى ثغور الروم والشام
واليمن الأبعد لاوال [مل ... ككم] رفيعا قادرا حامى
ويتوفى الإخشيد سنة ٣٣٤ بعد أن أوصى لمولاه أبى المسك كافور الحبشى بتدبير الدولة لابنيه:
أو نوجور وعلى، ويتوفى أولهما سنة ٣٤٩ ويخلفه أخوه على ويتوفى سنة ٣٥٤ وقيل سنة ٣٥٥.
ويستقلّ كافور بالملك حتى وفاته سنة ٣٥٧ وكان ساعده الأيمن فى حكمه وزيره جعفر بن الفرات المعروف باسم ابن حنزابة. وكان كافور ممدّحا، فقصده الشعراء من كل فجّ وفى مقدمتهم كشاجم شاعر الشام، والمتنبى إمام الشعراء لزمنه وبعد زمنه وكان أول ما أنشده يائيته، وفيها يقول:
стр. 3330
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقين واليا
وظل المتنبى نحو أربع سنوات ينتظر أن يولّيه كافور على بعض بلدان الشام التابعة لمصر. حتى إذا نفد صبره ارتحل إلى العراق بليل وهجاه هجاء مرا.
وتستقبل مصر سريعا عهد الدولة الفاطمية، إذ ينزلها جوهر الصقلى ويؤسس بها القاهرة ومسجدها العظيم الأزهر ويتبعه المعز الخليفة الفاطمى، وتصبح القاهرة حاضرة لدولته الضخمة ودولة أبنائه وأحفاده من بعده ولا يلبث المعز أن يتوفى سنة ٣٦٥ ويخلفه ابنه العزيز (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) ويتخذ يعقوب بن كلّس وزيرا له، وكانا يجزلان العطاء للشعراء، مما جعل ألسنتهم تلهج بمديحهما، على شاكلة قول عبيد الله بن أبى الجوع فى إحدى مدائحه (١):
لولا العزيز وآراء الوزير معا ... تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما
ولتميم بن المعز فى أبيه وأخيه العزيز مدائح طنانة، ونزل القاهرة فى عهد المعز أبو الرّقعمق الأنطاكى: أحمد بن محمد، وأقام بها زمانا طويلا حتى توفى سنة ٣٩٩ ويقول ابن خلكان:
«معظم شعره فى ملوك مصر ورؤسائها: مدح بها المعز وولده العزيز والحاكم بن العزيز والقائد جوهرا والوزير يعقوب بن كلّس وغيرهم من أعيانها» (٢) وينشد له قصيدة فى مديح ابن كلس.
وكان محمد بن القاسم بن عاصم الملقب بصنّاجة الدوح شاعر الحاكم، وأنشده فى زلزلة حدثت بمصر من قصيدة فى مديحه (٣):
بالحاكم العدل أضحى الدين معتليا ... نجل العلا وسليل السادة الصّلحا
ما زلزلت مصر من كيد يراد بها ... لكنها رقصت من عدله فرحا
ويلى الحاكم ابنه الظاهر، وينزل مصر فى أول عهده صريع (٤) الدلاء البغدادى، ويمدحه