← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

ذلك كله لا يثقل عنده ولا نحس فيه بتكلف، ونجد عنده التورية التى اشتهر بها المصريون فى مثل قوله (١): وشاعر شعره فنون ... لكل بيت له طنين تسخن عين العدوّ منه ... قصائد كلّها عيون فقد ورّى فى كلمة عيون المقابلة لعين العدو وهو إنما يقصد بها أبيات الشاعر النفيسة. وللتورية أمثلة أخرى فى شعره ذكرناها فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى»، ونجدها كثيرة عند الشعراء بعده، مما يدل على أن ظهورها بمصر لم يتأخر حتى زمن القاضى الفاضل وأيام الدولة الأيوبية كما ظن ذلك صاحب الخزانة (٢). ومن يرجع إلى القسم المصرى من كتاب الخريدة للعماد الأصبهانى وما ترجم فيه من شعراء مصر فى القرن السادس الهجرى يلاحظ شيوع محسنات البديع على ألسنة شعراء القاهرة والإسكندرية، كقول ابن قلاقس فى وصف مغن (٣): لا أشرب الرّاح إلا ... ما بين شاد وشادن قم يا نديمى فأنصت ... والليل داج لداجن طاوع على القصف والعز ... ف كلّ حاس محاسن والقطعة جميعها على هذا النمط من الجناس بين القافية والكلمة السابقة لها، فشاد أى مغن تسبق كلمة شادن أى غزال، وكلمة داج أى مظلم تسبق كلمة داجن أى مغن، وكلمة حاس أى للشراب تسبق كلمة محاسن. وهو بذلك يصعب المرور إلى جناسه. وكانوا يكثرون فى أشعارهم من الطباق ولهم فيه صور كثيرة طريفة كقول ابن هانى الصغير فى وصف سيف (٤): ومهنّد سبح الفرند بصفحه ... وطفا فيحسب معمدا مسلولا والفرند ما يرى فى صفحة السيف مما يشبه دبيب النمل أو الغبار. ومن حين إلى حين نرى عندهم الاقتباس من الذكر الحكم وتضمين بعض الشطور للجاهليين والإسلاميين والعباسيين كما

стр. 3327

نرى التورية معانقة لجناس تام فى قول ابن قادوس (١): لام العواذل مغرما ... فى حبّ ملهية وقينه ولو انهنّ رأين تأ ... ثير الغرام به وقينه والتورية والجناس واضحان فى كلمة «وقينه» المكررة فى نهاية البيتين، والواو فى الأولى عاطفة وفى الثانية من أصل الفعل: «وقى» وهى موضع التورية. وبجانب ذلك نجد عند الشعراء لعهد الفاطميين عناية بمراعاة النظير فى الصور والكلمات، واستخدموا فى قلة شديدة مصطلحات العلوم وتسمّى باسم التوجيه، وحتى الألغاز نجدها مبثوثة فى أشعارهم، ويذكر العماد شاعرا من بينهم تسمى ابن مجبر كان يعنى بصنع الألغاز فيما يبدو عناية شديدة (٢). ويحمل لواء هذه البديعيات فى زمن الدولة الأيوبية القاضى الفاضل وزير صلاح الدين الذى نشأ وتربّى فى الدواوين الفاطمية على أمثال ابن قادوس وغيره من الشعراء والكتاب الفاطميين. ويجعله ابن حجّة الحموى والصفدى إمام الشعراء فى زمنه وبعد زمنه (٣) فى استخدام المحسنات البديعية من تورية وغير تورية، ويقولان إنه سار فى دربه على منواله ونهجه ابن سناء الملك ومن خلفوه من شعراء الدولتين الايوبية والمملوكية أمثال الجزار المتوفى سنة ٦٧٢ وناصر الدين ابن النقيب المتوفى سنة ٦٨٧ ومحيى الدين بن عبد الظاهر المتوفى سنة ٦٩٢ والوراق المتوفى سنة ٦٩٥ وابن دانيال المتوفى سنة ٧١٠ ونصير الدين الحمامى المتوفى سنة ٧١٢. ونستطيع أن نضم إلى من سميناهم من شعراء القرن السابع من جاءوا بعدهم طوال هذا العصر من أمثال ابن نباتة المتوفى سنة ٧٦٨ والقيراطى المتوفى سنة ٧٨١ وابن مكانس المتوفى سنة ٧٩٤. وحتى شعراء الصوفية من أمثال ابن الفارض نجدهم يستخدمون هذه المحسنات بكثرة. وجعلها النقاد القطب الذى تدور عليه كتاباتهم فى فن الشعر، يتقدمهم فى ذلك ابن أبى الإصبع المصرى المتوفى سنة ٦٥٤ على نحو ما هو معروف عنه فى كتابه «تحرير التجبير». وتصبح البديعيات المقياس أو المقاييس الدقيقة لإبداع الشعراء. وتتضمنها قصائد فى مديح الرسول ﷺ تسمى البديعيات وتشرح شروحا مطولة، ومن أهم هذه القصائد قصيدة للسيوطى أو بديعية سماها «نظم البديع فى مدح خير شفيع» وله عليها شرح، وكانت تعاصره عائشة

стр. 3328

الباعونية المتوفاة سنة ٩٢٢ وقد جعلت بديعتها فى مائة وثلاثين بيتا. ويلاحظ أن استخدام الشعراء المصريين طوال هذا العصر للمحسنات لم يسمج ولم يثقل ولم يتحول إلى صور من التكلف المقيت حتى أيام العثمانيين، وكأنما حالت العذوبة التى تنطوى عليها نفوسهم وأمزجتهم والتى تجرى بها مياه النيل فى أرضهم، بين كل ذلك وبين ما استخدموه من محسنات البديع وتلاوينه. وقديما لاحظ ذلك ابن سعيد صاحب كتاب المغرب حين نزل الفسطاط والقاهرة واختلط بشعرائهما، إذ لم يلبث أن أنشد (١): أيا ساكنى مصر غدا النّيل جاركم ... فأكسبكم تلك الحلاوة فى الشّعر وكان بتلك الأرض سحر وما بقى ... سوى أثر يبدو على النظم والنّثر وسنذكر نفثات من آثار هذا السحر وما طوى فيه من حلاوة وعذوبة فى تراجم الشعراء لتلك الأزمنة ٤ - شعراء المديح يكتظ الشعر العربى فى مصر بالمديح منذ زمن الولاة المبكر أيام الدولة الأموية، وخاصة فى ولاية عبد العزيز بن مروان إذ كان جوادا ممدّحا، فانتجعه شعراء الحجاز ونجد والعراق، ويظل شعر المديح يجرى على ألسنة الشعراء أيام الدولة العباسية، ويزور أبو نواس مصر لمدح والى الخراج بها: الخصيب، ويضفى عليه مدائح رائعة، ولا يلبث أن يزورها أبو تمام، ويمدح عياش بن لهيعة الحضرمى القائم على الشرطة والخراج كما مر بنا، كما يمدح واليها عبد الله بن طاهر. ومن أهم شعراء مصر حينئذ المعلّى الطائى، وأنشدنا فى غير هذا الموضع بعض مديحه فى عبد الله بن طاهر والى مصر للمأمون. ويظلّها عهد الدولة الطولونية ويتبارى شعراؤها فى مديح أحمد بن طولون. وأهمهم فى بواكير حكمه لمصر الحسن (٢) بن عبد السلام المشهور بلقبه الجمل الأكبر المتوفى سنة ٢٥٨، وله من قصيدة فى مديحه:

стр. 3329

له يد كم خلّدت من يد ... سحابة عمّت بأنوائها انظر إلى مصر بسلطانه ... تر الهدى فاض بأرجائها ومن شعراء الطولونيين المريمى (١) القاسم بن يحيى المنسوب إلى جده أبى مريم السلولى أحد أصحاب الرسول ﷺ ، وهو شاعر أبى الجيش خمارويه اختصّ به وأسبغ عليه كثيرا من نواله، وفيه يقول: يقولون لى ما بال رحلك دائما ... بمصر وإنّى لست عن غيرها أرضى وكيف رحيلى عن بلاد غدا بها ... أبو الجيش والنّيل الذى ملأ الأوضا وتوفى المريمى سنة ٣١٦. وكان الشعراء قد أخذوا يتكاثرون بالفسطاط منذ الدولة الطولونية كما مرّ بنا، واطّرد تكاثرهم فى عهد الدولة الإخشيدية، وفى أيامها بدأ عصر الدول والإمارات الذى نؤرخ له فى هذا الجزء وكان الإخشيد قد ملك مصر والشام وثغور الروم وخطب له بالحجاز واليمن. ولذلك يقول شاعره سعيد (٢) بن فاخر من قصيدة يمدحه بها: يا ملك الشام ومصر إلى ... أقصى ثغور الروم والشام واليمن الأبعد لاوال [مل ... ككم] رفيعا قادرا حامى ويتوفى الإخشيد سنة ٣٣٤ بعد أن أوصى لمولاه أبى المسك كافور الحبشى بتدبير الدولة لابنيه: أو نوجور وعلى، ويتوفى أولهما سنة ٣٤٩ ويخلفه أخوه على ويتوفى سنة ٣٥٤ وقيل سنة ٣٥٥. ويستقلّ كافور بالملك حتى وفاته سنة ٣٥٧ وكان ساعده الأيمن فى حكمه وزيره جعفر بن الفرات المعروف باسم ابن حنزابة. وكان كافور ممدّحا، فقصده الشعراء من كل فجّ وفى مقدمتهم كشاجم شاعر الشام، والمتنبى إمام الشعراء لزمنه وبعد زمنه وكان أول ما أنشده يائيته، وفيها يقول:

стр. 3330

قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقين واليا وظل المتنبى نحو أربع سنوات ينتظر أن يولّيه كافور على بعض بلدان الشام التابعة لمصر. حتى إذا نفد صبره ارتحل إلى العراق بليل وهجاه هجاء مرا. وتستقبل مصر سريعا عهد الدولة الفاطمية، إذ ينزلها جوهر الصقلى ويؤسس بها القاهرة ومسجدها العظيم الأزهر ويتبعه المعز الخليفة الفاطمى، وتصبح القاهرة حاضرة لدولته الضخمة ودولة أبنائه وأحفاده من بعده ولا يلبث المعز أن يتوفى سنة ٣٦٥ ويخلفه ابنه العزيز (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) ويتخذ يعقوب بن كلّس وزيرا له، وكانا يجزلان العطاء للشعراء، مما جعل ألسنتهم تلهج بمديحهما، على شاكلة قول عبيد الله بن أبى الجوع فى إحدى مدائحه (١): لولا العزيز وآراء الوزير معا ... تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما ولتميم بن المعز فى أبيه وأخيه العزيز مدائح طنانة، ونزل القاهرة فى عهد المعز أبو الرّقعمق الأنطاكى: أحمد بن محمد، وأقام بها زمانا طويلا حتى توفى سنة ٣٩٩ ويقول ابن خلكان: «معظم شعره فى ملوك مصر ورؤسائها: مدح بها المعز وولده العزيز والحاكم بن العزيز والقائد جوهرا والوزير يعقوب بن كلّس وغيرهم من أعيانها» (٢) وينشد له قصيدة فى مديح ابن كلس. وكان محمد بن القاسم بن عاصم الملقب بصنّاجة الدوح شاعر الحاكم، وأنشده فى زلزلة حدثت بمصر من قصيدة فى مديحه (٣): بالحاكم العدل أضحى الدين معتليا ... نجل العلا وسليل السادة الصّلحا ما زلزلت مصر من كيد يراد بها ... لكنها رقصت من عدله فرحا ويلى الحاكم ابنه الظاهر، وينزل مصر فى أول عهده صريع (٤) الدلاء البغدادى، ويمدحه

стр. 3331

ويخلفه المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧.) ويعتلى الوزارة بدر الحمالى سنة ٤٦٨ ويصبح الأمر والسلطان منذ هذا التاريخ بيد الوزراء. ويخلفه على الوزارة ابنه الأفضل (٤٨٧ - ٥١٥ هـ). وكان شاعرا كما كان ممدحا، فبعث نهضة قوية فى الشعر، وصفها-كما مر بنا-أمية بن أبى الصلت فى رسالته المصرية، معددا فيها أسماء الشعراء فى زمنه ممن مدحوه وهجوه جميعا، ومن كبار مدّاحه ظافر الحداد وسنترجم له بين شعراء التشيع، وحسن بن زيد الأنصارى وسنترجم له بين الكتاب، وله فيه مدائح رائعة من مثل قوله (١). أيامك الغرّ مصقول عوارضها ... كأن آصالها من رقّة بكر أخملت ذكر ملوك كنت خاتمهم ... وأنجم الليل فى الإصباح تستتر بعض الورى أنت لكن فقتهم شرفا ... إن الحجارة منها الدرّ والمدر تخال راحته والمشرفىّ بها ... سحابة ظلّ فيها البرق يستعر ولفظه جزل متين وصوره بديعة، مما يدل على شاعرية خصبة. ويلقانا بأخرة من الدولة الفاطمية الوزير طلائع بن رزّيك، وكان مثل الأفضل الجمالى راعيا لكثير من الشعراء مثل ابن قادوس والقاضى الجليس والمهذب بن الزبير وأخيه الرشيد. وتزخر الخريدة وكتب الأدب بمدائحهم لطلائع. وكانت هناك مواسم كثيرة فى زمن الدولة الفاطمية يقدم فيها الشعراء مدائحهم للخلفاء. فى مقدمتها الأعياد وموالد الرسول ﷺ والإمام على بن أبى طالب والسيدة فاطمة الزهراء وابنيهما الحسن والحسين والخليفة الذى بيده صولجان الحكم وعيد الغدير ويوم عاشوراء وليالى رمضان وأول رجب وأول شعبان وأول السنة وأعياد النصارى وليلة الغطاس وليلة النّيروز ووفاء النيل وما يقترن به من فتح الخليج. وفى كل هذه الأعياد وما يماثلها كانت تقام احتفالات ضخمة، وكان الشعراء يهنئون بها الخلفاء، وكل يحاول أن يكون له قصب السبق على أقرانه. ويصور لنا ذلك المقريزى من بعض الوجوه فى احتفال بوفاء النيل سنة ٥١٧ لعهد الآمر (٤٩٥ - ٥٢٤ هـ). إذ يذكر بعض الأشعار التى أنشدت وما كان يصحبها من نقد يبديه بعض لمستمعين، من ذلك (٢) أن ابن جبر أنشد فى هذا الاحتفال مدحة استهلّها بقوله:

стр. 3332

فتح الخليج فسال منه الماء ... وعلت عليه الراية البيضاء فصفت موارده لنا فكأنه ... كفّ الإمام فعرفها الإعطاء فانتقد عليه الناس قوله: «فسال منه الماء» قالوا أى شئ يخرج من النهر غير الماء. وبذلك ضيّعوا عليه ما قاله بعد هذا المطلع. وأنشد شاعر مدحة افتتحها بقوله: لمن اجتماع الخلق فى ذا المشهد ... للنّيل أم لك يابن بنت محمّد فهلّل الناس لمطلعه، فأمر له الخليفة الآمر على الفور بخمسين دينارا وخلع عليه وزيد فى جاريه. ومرّ بنا حديث المنظرة التى بناها الآمر للشعراء ببركة الحبش ورفوفها وما كان عليها من صرر للشعراء وفى كل صرّة خمسون دينارا جزاء وفاقا لمديحهم، وكأن ذلك كان مكافأة معلومة لهم. ويخلفه الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) ويبدو أن الشعراء كانوا يتمادون أيامه فى تطويل مدائحهم، فأمرهم أن يختصروها مما جعل أبا العباس أحمد بن مفرّج ينشده فى إحدى مدائحه (١): أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا ... لم لا أمرت ندى كفّيك يحتصر والله لا بدّ أن نجرى سوابقنا ... حتى يبين لها فى مدحك الأقر فأمر الآمر بالعود إلى ما كانوا عليه. وكان الصليبيون قد استولوا على بيت المقدس منذ أواخر القرن الخامس، وأسسوا به مملكة وأضافوا إليها مملكة فى طرابلس وثالثة فى أنطاكية ورابعة فى الرّها، وبلغت مصر حينئذ من الضعف مبلغا بعيدا لم تستطع خلاله أن تقاومهم إلا بعض تجريدات عسكرية وخاصة فى عهد وزيرها طلائع بن رزّيك، تجريدات لم تغن عنها شيئا. وبينما اليأس يخيم على الناس إذا بعماد الدين زنكى يخلّص الرّها من أيديهم، ويقضى على مملكتهم فيها قضاء مبرما، ويتابع جهاده ابنه نور الدين، ويستغيث به شاور فى مصر ضد ضرغام فيرسل إليه أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، وتتطور الظروف سريعا، فينهى صلاح الدين حكم الفاطميين لمصر، ويقبض على صولجان الحكم. ويتوفّى نور الدين، فيضم الشام تحت لوائه، ويأخذ فى الانقضاض على الصليبيين، وكلما التقى بهم دمّر جموعهم تدميرا، حتى كانت الموقعة الفاصلة: موقعة حطّين التى

стр. 3333

استولى فيها المسلمون على الصليب الأعظم: صليب الصّلبوت، وأسروا قواد الصليبيين وزعماءهم ومزقوا جموعهم شر ممزق. ويقول المؤرخون إنهم أكثروا منهم فى القتل والأسر حتى كان من يشاهد القتلى يظن أنه ليس وراءهم أسرى وكان من يشاهد الأسرى يظن أنه ليس وراءهم قتلى، ويقولون إنه بلغ من كثرة الأسرى أن كان الأسير منهم يباع فى أسواق الرقيق بثلاثة دنانير، وفى هذا النصر العظيم أنشد العماد الأصبهانى صلاح الدين مدحة رائعة يقول فيها (١): حططت على حطّين قدر ملوكهم ... ولم تبق من أجناس كفرهم جنسا بطون ذئاب الأرض صارت قبورهم ... ولم ترض أرض أن تكون لهم رمسا (٢) سبايا بلاد الله مملوءة بها ... وقد شريت بحسا وقد عرضت نحسا (٣) يطاف بها الأسواق لا راغب لها ... لكثرتها كم كثرة توجب الوكسا (٤) وفتحت لصلاح الدين بعد هذه المعركة أبواب مدن كثيرة فى فلسطين ولبنان مثل نابلس وبيت جبريل (بير سبع) وقيسارية وحيفا وصيداء وبيروت. وتغنى الشعراء فى مصر والشام والعراق بهذا النصر المبين. وسرعان ما تلاه صلاح الدين بفتح بيت المقدس، وعمّ الفرح بهذا الفتح جميع البقاع الإسلامية، وتغنّى به الشعراء طويلا من مثل قول محمد بن أسعد نقيب الأشراف بمصر (٥): أترى مناما ما بعينى أبصر ... القدس يفتح والفرنجة تكسر قد جاء نصر الله والفتح الذى ... وعد الرسول فسبّحوا واستغفروا فتح الشّام وطهّر القدس الذى ... هو فى القيامة للأنام المحشر وكان هذا تحولا واسعا فى قصيدة المديح المصرية، فإنها لم تعد-كما كانت أيام الفاطميين- قصيدة تنشد فى الأعياد والاحتفالات الرسمية: قصيدة مناسبات، بل أصبحت قصيدة أمجاد حربية مظفرة. وتنبّه لذلك أبو شامة فى الروضتين فأتبع المواقع الحربية بما نظم فيها من مدائح تصور البطولة العربية تصويرا يملأ نفس كل عربى بالفتوة والقوة والمضاء ويدفعه دفعا إلى أن يكيل لأعداء العروبة والإسلام ضربات قاصمة.

стр. 3334

ولا يكثر المديح الحماسى لصلاح الدين فحسب، بل يكثر أيضا لقواده من إخوته، وخاصة أخاه العادل، وفيه يقول القاضى الفاضل من قصيدة بديعة (١): أهذى كفّه أم غيث غوث ... ولا بلغ السحاب ولا كرامه وهذا بشره أم لمع برق ... ومن للبرق فينا بالإقامه وهذا الجيش أم صرف الليالى ... ولا سبقت حوادثها زحامه وهذا الدهر أم عبد لديه ... يصرّف عن عزيمته زمامه وهذا التّرب أم خدّ لثمنا ... فآثار الشفاه عليه شامه ويعرف هذا الأسلوب فى البديع باسم تجاهل العارف مبالغة فى المديح، فالقاضى الفاضل لا يدرى أكرم ما يصيبه هو وأمثاله من العادل أم غيث سحاب منهمر، بل إن السحاب دون كرمه الفياض. ولا يدرى أبشر وجهه الذى يتلألأ أم البرق؟ غير أن البرق يعرض ويزول أما هو فمقيم لا يريم. وأيضا لا يدرى ما يقوده إلى النصر جيش أم هو صرف الليالى، بل إن الدهر عبد لديه يصدع بأمره ومشيئته، ويعجب لما يسير عليه وكأنه يسير على خدود يرى عليها آثار الشفاه التى تقبل الأرض من دونه، لكثرة الحشود المزدحمة على تقبيلها، وكأنها نفس الشامة التى نراها على الخدود. ويظل جهاد الصليبيين الموضوع الأهم فى مدائح السلاطين الأيوبيين حتى إذا كانت سنة ٦١٥ غزا حملة الصليب دمياط لعهد السلطان الكامل، وظلوا بها نحو ثلاث سنوات، وحدّثتهم أنفسهم أن يتقدّموا إلى الجنوب نحو المنصورة واستنفر السلطان الكامل أخويه المعظم عيسى صاحب دمشق والشام والأشرف موسى صاحب الولايات الشرقية حتى الفرات. وتجمعت جيوشهم وأنزلت بحملة الصليب هزائم ساحقة ولّوا على إثرها فارين إلى البحر المتوسط وما وراءه. وتغنّى البهاء زهير بهذا النصر المجيد فى مدحة أنشدها السلطان الكامل وفيها يقول (٢): بك اهترّ عطف الدّين فى حلل النّصر ... وردّت على أعقابها ملّة الكفر وما فرحت مصر بذلك وحدها ... لقد فرحت بغداد أكثر من مصر فمن مبلغ هذا الهناء لمكّة ... ويترب ينهيه إلى صاحب القبر

стр. 3335

والبهاء زهير يصوّر تهلل الدين الحنيف باندحار الصليبيين وأن الفرحة بالنصر الباهر لم تعم مصر وحدها بل عمت أيضا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وإنه لحرىّ أن تهنّأ به منازل الوحى فى مكة والمدينة وأن يهنّأ به الرسول فى جدثه الطاهر. وكأنما كان هذا النصر درسا ظل حملة الصليب يذكرونه نحو ثلاثين عاما، حتى كانت سنة ٦٤٧ إذ تجمّعوا بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، ونزلوا دمياط واتجهوا نحو المنصورة، غير أن المصريين بقيادة توران شاه آخر السلاطين الأيوبيين عصفوا بهم سنة ٦٤٨ وسحقوهم سحقا ذريعا، وأخذ لويس التاسع أسيرا وسجن بدار ابن لقمان كاتب الإنشاء وكان يحرسه الطواشى صبيح. وأذعن لشروط الصلح التى فرضها توران شاه وخرج من مصر مع فلول حملته خاسئا مدحورا. وتتطور الظروف سريعا، فيقتل توران شاه وتخلفه شجرة الدر فالسلطان أيبك. ولعل التتابع السريع لهذه الأحداث هو الذى عقد ألسنة الشعراء فلم يتغنّوا ببطولة توران شاه وجيشه الباسل وما أذاق حملة الصليب من نكال شديد. وتظلّ مصر وشعراءها دولة المماليك، وما توافى سنة ٦٥٧ حتى تكتسح سيول التتار الشام وتهبط إلى الجنوب فى فلسطين ويلتقى بها جيش المماليك فيكبح جماحها فى عين جالوت، ويردها قطز والظاهر بيبرس إلى غير مآب. ويصبح بيبرس سريعا سلطان مصر سنة ٦٥٨ وكان عالى الهمة بعيد النظر، فأعاد الخلافة العباسية فى القاهرة، وبذلك أصبحت مصر حامية الخلافة والإسلام. وعصره يعد العصر الذهبى فى زمن المماليك، وقد صورناه من بعض الوجوه وصورنا فتوحاته وحروبه المستمرة مع الصليبيين والتتار، وكيف قوّض للأولين مملكتهم فى أنطاكية، وما كان من تعقّبه الدائم للتتار فى الموصل. وسمع يوما بجموع لهم على الشاطى الشرقى للفرات، فخاضه إليهم وخاضه الجيش معه فقتل منهم مقتلة عظيمة ولم ينج منهم إلا القليل، وفى ذلك يقول ناصر الدين حسن بن النقيب الكنانى-وكان حاضر الواقعة-من قصيدة طويلة (١): ولما ترامينا الفرات بخيلنا ... سكرناه منا بالقوى والقوائم (٢) فأوقفت التيّار عن جريانه ... إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم وكان الشعراء ينثرون على بيبرس قصائدهم فى كل معركة وكل نصر مظفر على التتار والصليبيين وفى أرمينيه وآسية الصغرى، وبالمثل حين كان ينشئ المدارس والمساجد، وفى مدرسة الظاهرية

стр. 3336

يقول السّراج الورّاق من مدحة بديعة (١): وشيّدها للعلم مدرسة غدا ... عراق إليها شيّق وشآم ولا تذكرن يوما نظاميّة لها ... فليس يضاهى ذا النظام نظام فهى فى رأى الوراق تفوق المدرسة النظامية التى أنشأها نظام الملك فى بغداد. ولا يلبث أن يتولى مقاليد الحكم بعد بيبرس السلطان قلاوون (٦٧٨ - ٦٨٩ هـ). ومرّ بنا بناؤه لمارستان ضخم وإلحاقه به مدرسته المنصورية، وفى ذلك يقول معين الدين عثمان بن سعيد بن تولو التنيسى المصرى مستهلا قصيدة فى مديحه بقوله (٢): أنشأت مدرسة ومارستانا ... لتصحّح الأديان والأبدانا ونازل قلاوون الصليبيين مرارا، واستولى منهم على بعض الحصون. وخلفه ابنه السلطان خليل (٦٨٩ - ٦٩٣) وكان بطلا مغوارا فافتتح أيامه بجهاد حملة الصليب واستطاع فى أقل من ثلاث سنوات أن يستخلص منهم عكا وصور وصيدا وبيروت وجميع سواحل الشام، فلم تبق لهم بلد ولا قلعة، ومن بقى منهم ولّى على وجهه إلى البحر المتوسط وما وراءه، وكان الشعراء ما ينون يهنئون السلطان خليل بفتوحه، ولبدر الدين المنبجى التاجر بالقاهرة قصيدة طويلة فى تهنئته بانتصاراته المجيدة أولها: بلغت فى الملك أقصى غاية الأمل ... وفتّ شأو ملوك الأعصر الأول ونظم كثيرون من معاصريه قصائد وأشعارا مماثلة من ذلك قول البوصيرى شاعر المدائح النبوية المشهور (٣): قد أخذ المسلمون عكّا ... وأشبعوا الكافرين صكّا وساق سلطاننا إليهم ... خيلا تدكّ الجبال دكّا وحقا أشبعوهم صكا وقتلا ودفعا إلى البحر المتوسط فى غير رجعة ولا مآب، فقد سقطت عكا آخر حصونهم، بل لقد دمرتها مجانيق المصريين وحرقتها نيرانهم، وفى ذلك يقول أحمد

стр. 3337

ابن عبد الدائم الشّار مساحى (١): لا تعجبوا للمجانيق التى رشقت ... عكّا بنار وهدّثها بأحجار بل اعجبوا للسان النار قائلة ... هذى منازل أهل النار فى النار وتتوقف حركة الفتوح، فلم يعد فى الشام صليبيون، ويتحول شعر المديح إلى شعر مناسبات فى الأعياد، وحين يستولى سلطان على مقاليد الحكم، وخاصة إذا قرب من نفوس الشعب مثل السلطان الأشرف شعبان (٧٦٥ - ٧٧٨ هـ.). وكان قد استولى على صولجان السلطنة فى ربيع الثانى فقال ابن نباتة: طلعة سلطاننا تبدّت ... بكامل السّعد فى الطلوع فاعجب لهاتيك كيف أبدت ... هلال شعبان فى ربيع وكانت أيام حكمه أيام أمن ورخاء وازدهار للآداب والفنون، وفيه يقول شهاب الدين أحمد بن العطار (٢): للملك الأشرف المنصور سيّدنا ... مناقب بعضها يبدو به العجب له خلائق بيض لا يغيّرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب وللعطار أشعار كثيرة فى أحداث زمنه أنشد منها ابن تغرى بردى طائفة فى الجزء الحادى عشر من كتابه النجوم الزاهرة. ولما تولى مقاليد السلطنة الظاهر برقوق يوم الأربعاء التاسع عشر من رمضان سنة ٧٨٤ مدحه بقوله من قصيدة: ظهور يوم الأربعاء ابتدا ... بالظاهر المعتزّ بالقاهر والبشر قد تمّ وكل امرئ ... منشرح الباطن بالظاهر وربما كان أهم حدث يلقانا بعد ذلك فتح السلطان الأشرف برسباى لجزيرة قبرص إذ كانت موثلا لكثير من القراصنة الذين كانوا يعيثون فسادا فى البحر المتوسط وما يحمل من سفن تجارة للمصريين، كما كانوا يعيثون فسادا فى شواطى مصر والشام، وأرسل إليها برسباى حملات ثلاثا انتهت بالاستيلاء عليها سنة ٨٢٩ وتغنى الشعراء بهذا النصر المجيد فى عدة قصائد، من ذلك

стр. 3338

قصيدة زين الدين عبد الرحمن بن الخرّاط أحد كتاب الدّست، وفيها يقول (١): بشراك يا ملك المليك الأشرف ... بفتوح قبرس بالحسام المشرفى (٢) فتح تفتّحت السموات العلا ... من أجله بالنّصر واللّطف الحفى ولا نعود نسمع عن انتصارات حربية مجيدة أيام المماليك، ويصبح المديح مديح مناسبات للسلاطين فى توليهم مقاليد الأمور وفى الأعياد. ويظلّ مصر عهد العثمانيين وفيه يقدم الشعراء مدائحهم للولاة ونوابهم وكبار الموظفين فى زمنهم ويكتظ تاريخ الجبرتى وغيره بأشعارهم على نحو ما يلقانا فى مديح الوالى العثمانى رضوان كتخدا المتوفى سنة ١١٦٨ وكان قد بنى لنفسه عدة قصور وعاش للهو، وقصدته الشعراء ومدحوه بالقصائد والأراجيز والموشحات والمقامات وأعطاهم الجوائز السنية. واتخذ له جلساء وندماء منهم عبد الله الإدكاوى، وقد صنف فى مدائحه كتابا سماه «الفوائح الجنانية فى المدائح الرضوانية» ومن كبار مداحه مصطفى اللقيمى الدمياطى، وله مقامة طويلة ضمنها أشعارا كثيرة فى مديحه، وله فيه مزدوجة فريدة، يقول فيها (٣): مليك سعد قد سما فى عصره ... مؤيّد معظّم فى مصره معزّز كيوسف فى قصره ... عليه منشور لواء نصره ومن مداح رضوان قاسم (٤) بن عطاء الله، وله فيه مزدوجة بديعة ومدائح كثيرة، وله أيضا فيه توشيح عارض به الموشح المشهور للسان الدين الخطيب، وفيه يقول: كفّه الغيث على الناس هما ... فأعاد الخصب بعد اليبس أصبح الدهر به مبتسما ... وهو فى فيه محلّ اللّعس ويكثر مدح الشعراء لعلماء الأزهر الأجلاء، ويلقانا ابن الصلاحى (٥) السيوطى كلفا بأستاذه الشمس الحفنى، وله فيه مدائح كثيرة على شاكلة قوله:

стр. 3339

إمام الهدى الراقى إلى ذروة العلا ... إلى رتبة عنها الثوابت تقعد وما شئت قل فيه فأنت مصدّق ... مزاياه تقضى والمحاسن تشهد وأكثروا حينئذ من التأريخ بالشعر يؤرخون به قدوم وال أو مناسبة من المناسبات فى آخر شطر بالقصيدة إذ تحسب حروف الكلمات فيه بحساب الجمّل فتكون سنة الولاية أو سنة المناسبة، ويحسن أن نستعرض شعراء المديح النابهين على مر الحقب. المهذب (١) بن الزبير هو الحسن بن على الغسانى، ولد بأسوان فى أوائل القرن السادس الهجرى، وبها ثقف علوم العربية، وأوتى ملكة شعرية خصبة، فلم يلبث أن لهج بالشعر، وما نصل معه إلى سنة ٥٢٦ حتى نراه يتصل ببنى الكنز سراة بلدته، ويمدح كبيرهم بقصيدة بديعة يقول فيها: لئن جهل المدّاح طرق مديحكم ... فإنى بها من سائر الناس أعلم وهل لى حمد فى الذى قلت فيكم ... ونعماكم عندى التى تتكلّم ونال على قصيدته جائزة كبيرة: ألف دينار. ودفعه طموحه الأدبى إلى النزوح عن بلده إلى القاهرة: حاضرة الفاطميين وموطن الشعراء الكبار. ونراه يمدح رضوان بن ولخشى وزير الخليفة الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) ولعله هو الذى أنفذه فى مهمة إلى اليمن، فأكبّ على كتب النسب، وألف فيه دائرة معارف ضخمة قال ياقوت إنها تقع فى أكثر من عشرين مجلدا. ولم تصرفه عنايته بهذه الدائرة عن الشعر والمديح. وأهم وزير اتصل به بعد ابن ولخشى طلائع بن رزّيك (٥٤٩ - ٥٥٦ هـ). وكان يعد أكبر شاعر فى زمنه، وقد ترجم له العماد الأصبهانى ترجمة ضافية استهلها بقوله: «المهذب بن الزبير محكم الشعر كالبناء المشيد، لم يكن فى زمانه أحد أشعر منه، وله شعر كثير ومحل فى الفضل أثير». والغالب على شعر المهذب المديح. ومن يدرس الشعر العربى يعرف أن قصيدة المديح تقوى تارة وتضعف أخرى، فهى تقوى

стр. 3340

حين تعبر عن فتوح وانتصارات جديرة بأن يسجّلها الشعراء ويتغنّوها، وهى تضعف حين تعبر عن زلفى وما يتصل بالزلفى من رياء. ومعنى ذلك أنه توجد للمديح فى الشعر العربى قصيدتان لا قصيدة واحدة، قصيدة ذات موضوع واضح، وقصيدة ليس لها موضوع واضح، ومن الضرب الأول مدائح أبى تمام فى قواد الدولة العباسية وحروبهم فى خراسان وفى آسية الصغرى، ومنه أيضا مدائح المتنبى فى سيف الدولة وانتصاراته المجيدة ضد البيزنطيين. ومن الضرب الثانى مدائح مهيار وغيره من الشعراء للخلفاء والوزراء والحكام فى المناسبات والأعياد المختلفة. وفرق بعيد بين الضريين، ففى الضرب الأول نقرأ حقائق واقعة، بل يقرأ العرب تاريخهم فى صورة رائعة من الغناء والشعر، أما فى الضرب الثانى فلا نقرأ حقائق ولا ما يشبه الحقائق، ولا يقرأ العرب تاريخهم حربيا أو غير حربى، إنما يقرءون ملقا وتزلفا ورياء. ويمكن أن ندخل مدائح المهذب بن الزبير للوزير طلائع بن رزّيك فى الضرب الأول، لأنه ملأ أيامه ببطولة محققة فى حرب الصليبيين وردّهم عن بعض حصون فلسطين، وفى كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين للمقدسى ما يصور ذلك. فقد كانت الجيوش المصرية فى أيام وزارته ماتنى تنازل الصليبيين فى العريش وغزّة وعسقلان، وكان الأسطول المصرى يقوم بدور مهم فهو يفزعهم فى «صور» و «عكا» وهو يقطع على بعض سفنهم فى البحر المتوسط طريقها إلى الموانى الشامية والفلسطينية. وكان طلائع يقود بنفسه بعض جيوشه البرية، وينتصر على الصليبيين فى عسقلان وغير عسقلان، والمهذب شاعره يتغنى بانتصاراته مبتهجا بمثل قوله: لما أبوا ما فى الجفان قريتهم ... بصوارم سلّت من الأجفان (١) وثللت فى يوم العريش عروشهم ... بشبا ضراب صادق وطعان (٢) ألجاتهم للبحر لما أن جرى ... منه ومن دمهم معا بحران ولأنت تخضب كلّ بحر زاخر ... ممّن تحارب بالنّجيع القانى (٣) حتى ترى دمهم وخضرة مائه ... كشقائق نثرت على الرّيحان وكأنّ بحر الروم خلّق وجهه ... وطفت عليه منابت المرجان (٤)

стр. 3341

والمهذب بن الزبير فرح مبتهج بما أفاء الله من نصر على ابن رزّيك فى العريش، فقد دقّ أعناق الصليبيين هناك، ونكصت بقيتهم على أعقابها إلى البحر منهزمة. ولا ريب فى أن تصوير المهذب لدم الأعداء على صفحة البحر المتوسط بأنه خضاب أو هو شقائق أو ورد أحمر نثر على الريحان، وكأن المتوسط قد خلّق وجهه وطيّب بالزعفران وطفت عليه منابت المرجان، لا ريب فى أن ذلك كله تصوير بديع. ويذكر المهذب أن الأسطول المصرى لقى فلول الصليبيين المنهزمين إلى البحر يقتل فيهم ويأسر، يقول فى سفنه وصنيعها بهم: شبّهن بالغربان فى ألوانها ... وفعلن فعل كواسر العقبان وأتتك موقرة بسبى بينه ... أسراهم مغلولة الأذقان (١) وهو يصف الأسرى وقد غلّت أعناقهم إلى أذقانهم فلا يستطيعون لرءوسهم عطفا ولا حركة، وينوّه بقتل أحد أمرائهم، قائلا: قتل البرنس ومن عساه أعانه ... لمّا عتا فى البغى والعدوان وأرى البريّة حين عاد برأسه ... مرّ الجنا يبدو على المرّان (٢) وتصادف فى أثناء ذلك أن وقعت زلازل شديدة فى الشام دكّت بعض حصون الصليبيين فذكر ذلك ابن الزبير ملتمسا له تعليلا طريفا إذ يقول لابن رزّيك: ما زلزلت أرض العدا بل ذاك ما ... بقلوب أهليها من الخفقان وله فى ابن رزّيك مدائح كثيرة وراء هذه النونية. وكان يتقن فنون الشعر المختلفة من استعطاف وغير استعطاف، وله فى استعطاف أحد دعاة الفاطميين باليمن ميمية مشهورة، كان أخوه الرشيد قد ذهب إليه فى مهمة للدولة، فهمّ بقتله، وسجنه، فأرسل إليه بتلك القصيدة يستعطفه لأخيه، فعفا عنه وردّ إليه حريته. واشتهرت القصيدة بغزلها وما يرمز فيه من لهفة على أخيه، إذ يقول: يا ربع أين ترى الأحبّة يمّموا ... هل أنجدوا من بعدنا أو أتهموا (٣) نزلوا من العين السواد وإن نأوا ... ومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم

стр. 3342

رحلوا وفى القلب المعنّى بعدهم ... وجد على مرّ الزمان مخيّم وتعوّضت بالأنس روحى وحشة ... لا أوحش الله المنازل منهم إنى لأذكركم إذا ما أشرقت ... شمس الضحى من نحوكم فأسلّم لا تبعثوا لى فى النسيم تحيّة ... إنى أغار من النسيم عليكم والأبيات تعبر عن عاطفة الحب الملتاعة وأنه لن ينسى أحباءه أبدا نزلوا نجدا أو نزلوا تهامة، فهم فى سويداء فؤاده والوجد يبرّح به، والوحشة منهم تلذع روحه، وهو يستقبل شمس الضحى المشرقة من ديارهم بالسلام الحار. وما يلبث أن يعبر فى البيت الأخير عن رقة ورهافة حسّ بالغة، وله من جملة قصيدة بيته المشهور: وما لى إلى ماء سوى النيّل غلّة ... ولو أنه-أستغفر الله-زمزم وهو يصور أدق تصوير محبته لوطنه، وهى محبة تملك دائما على المصريين شغاف قلوبهم. وكان المهذب وأخوه الرشيد-وكان شاعرا مثله-وثّقا صلتهما بشيركوه وصلاح الدين حين قدما مصر لنجدة الوزير شاور ضد خصمه وضد الصليبيين، ولم يلبث شاور أن قلب ظهر المجن لصلاح الدين وعمه شيركوه، واضطرا إلى مبارحة مصر فترة. وحينئذ يقتل شاور الرشيد ويسجن المهذب فينظم شعرا كثيرا فى استعطافه، ويرد إليه حريته، وسرعان ما يتوفى سنة ٥٦١ للهجرة. ابن قلاقس (١) هو نصر الله بن عبد الله بن قلاقس الإسكندرى، ولد بالإسكندرية سنة ٥٣٢ ونشأ بها وسمع من شيوخها، ولزم حلقة أبى طاهر السّلفى أكبر المحدثين فى عصره، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة فمدح بعض أولى الأمر المشرفين على الإسكندرية. وكان فى أثناء ذلك يلزم صحبة شيخه؟ ؟ ؟ وله فيه مدائح بديعة مثبتة فى ديوانه من مثل قوله: تفيض بحار العلم من كلماته ... فإن كنت ظمآنا فرد خير منهل فيا أيها المحمود من كلّ ناطق ... على كل معنى فى فنا كلّ منزل

стр. 3343

تحاسدت الأيام فيك فلم تزل ... منى القادم الجذلان والمترحّل وهو يشير إلى علم أستاذه وأنه كان مقصدا للراحلين فى طلب الحديث من كل بقاع العالم الإسلامى. وليس فى ديوانه مديح لوزير مصرى قبل شاور وزير العاضد (٥٥٧ - ٥٦٤ هـ). واتصل بكتاب الديوان لعهده ومدحهم، وفى مقدمتهم القاضى الفاضل، وله فيه غرر المدائح، ومن قوله فى إحداها متخلصا من الغزل إلى مديحه: يا ربّ خمر فمه كأسها ... لم أقتنع من شربها بالشميم أتبعت رشفا قبلا عندها ... وقلت: هذا زمزم والحطيم فافترّ إما عن أقاحى الرّبى ... تضحك أو درّ العقود النّظيم أو كان قد قبّل مستحسنا ... ما حبّر الفاضل عبد الرّحيم من لفظه راح وأخلاقه ... روح وتلك الدار دار النعيم والأبيات تصور قدرة رائعة على تكوين الصور الشعرية البديعة، ففم صاحبته كأس خمر، وهو يرشفها وكأنه يرشف من ماء زمزم ويقبلها وكأنه يقبل الحطيم المقدس. وضحكت فخال أقاحى الربى تضحك، بل عقد در نظيم، بل درر القاضى الفاضل عبد الرحيم، من لفظه خمر وأخلاقه فرح وداره جنة الخلد، ولعله يريد قصر الخلافة الذى كان يعمل به الفاضل كاتبا. وليس فى شعره أى شائبة تدل أو تشير إلى أنه اعتنق التشيع، وكان عهد وزارة شاور عهدا مضطربا أشد الاضطراب، فسدت فيه أداة الحكم فسادا شديدا، مما جعل شاور يصطرع مع ضرغام على الوزارة، ويستعين بنور الدين أمير حلب ويرسل معه أسد الدين شيركوه وصلاح الدين، فيعيدانه إلى كرسى الوزارة، وما يلبث أن يستعين ضدهما بالصليبيين. ولعل هذا الاضطراب الشديد الذى عانته البلاد حينئذ هو الذى جعل ابن قلاقس يفكر فى مبارحة مصر إلى صقلية، ويبدو أنه كان يسمع فى أثناء مقامه بالإسكندرية من مسلميها الذاهبين إلى الحج تنويها كثيرا بها وبرجالاتها، وكانت قد سقطت فى أيدى النورمانديين ولكن أمراءهم منذ روجّار كانوا لا يزالون يعاملون المسلمين بها معاملة حسنة، وأعانوهم على استمرار نشاطهم العلمى والأدبى. على كل حال نفاجأ برحيل ابن قلاقس إلى صقلية فى شعبان سنة ٥٦٣ ولم يكد ينزل بها حتى أرسل بقصيدة يصف فيها رحلته البحرية إلى الجزيرة وصفا بديعا، وكانت قد أعجبته مشاهدها الطبيعية فأنشد:

стр. 3344

بلد اعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلّة ريشه الطاووس فكأنما الأزهار منه سلافة ... وكأنّ ساحات الديار كئوس وتنقّل فى بلدانها، وكانت لا تزال عامرة بالمسلمين، ونزل حاضرتها يلرم، وتعرّف على أكبر شخصية عربية بها: أبى القاسم بن الحجر، ويبدو أنه كان رئيس ديوان المسلمين وصاحب الأمر والنهى فيهم، وفيه دبّج مدائح كثيرة، مشيدا ببيانه وبلاغته، وبحسن تدبيره، بمثل قوله: وبيمناك طير يمن وسعد ... أصفر الظهر أسود المنقار قلم دبّر الأقاليم فالكت ... ب به من كتائب الأقدار والبيت الثانى يشير بوضوح إلى أن أبا القاسم كان يصرف أمور المسلمين فى صقلية، ولعله لذلك تسميه بعض المصادر العربية صاحب صقلية، وفيه كتب ابن قلاقس كتابا سماه «الزهر الباسم من أوصاف أبى القاسم» وصف فيه رحلته إلى صقلية ومقامه بها نحو عامين ومدائحه فيه، واحتفظ العماد الأصبهانى فى ترجمته بقطعة كبيرة من هذا الكتاب. وفى ديوانه مدائح كثيرة لشخصية ثانية بصقلية، هى شخصية القاضى على بن أبى الفتح بن خلف الأموى، ويقول العماد إنه نوّه به فى كتابه الزهر الباسم وقال عنه «حدقة العلم الناظرة وحديقة الأدب الناضرة» وفيه يقول: وكم لك فى الفصاحة من أياد ... ملكت بها الفخار على الإيادى (١) تخذتك من صقلّية خليلا ... فكنت الورد يقطف من قتاد وشمتك بين أهليها صفيّا ... فكنت الجمر يقبس من زناد وابن قلاقس لا يريد أن يهجو أهل صقلية بأنهم قتاد وشوك وابن خلف وحده هو الورد، ولا أنهم زناد صلد وهو وحده الجمر، وكل ما فى الأمر أنه يريد أن يمدحه، وبالغ فى مديحه، أما بعد ذلك فكان هناك أبو القاسم بن الحجر ممدوحه وراعيه فيها. وقد مدح بها آخرين، منهم جردنّا وزير صاحب صقلية، وفيه يقول: وجرّدنا المدائح فاستقرّت ... على أوصاف جردنّا الوزير وهو يشير مرارا إلى مجالس الشراب فى صقلية، وأنه قضى بها أياما وليالى هنيئة، كان يستمتع

стр. 3345

فيها بالاستماع إلى الغناء والموسيقى ورؤية الراقصات وهن يتثنّين فى نسق بديع من الحركات يقول: ومغنّ تناولت يده العو ... د فعادت بنا إلى الأفراح بين ريح من المزامير أسرى ... بين أجسامنا من الأرواح وصباح قد عقدوا طرر اللّي ... ل جمالا على الوجوه الصّباح يبعث الروض منهم حركات ... سرقت بعضها طوال الرّماح وعاد ابن قلاقس إلى مصر، فوجدها لا تزال مضطربة قبل تحول مقاليد السلطان إلى صلاح الدين، ففكر فى الارتحال عنها، وولى وجهه نحو عدن سنة ٥٦٥ استقبله استقبالا حسنا ياسر بن بلال وزير محمد وأبى السعود ابنى عمران حفيد الداعى سبأ صاحبها، فأغدق عليه نائلا غمرا، وركب البحر الأحمر عائدا إلى مصر، فانكسر المركب به وغرق جميع ما كان معه بالقرب من جزيرة دهلك، فعاد إلى ياسر، وأنشده قصيدة دالية استهلها بقوله: صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا ... فعدنا إلى مغناك والعود أحمد وجاذبنا للأهل شوق يقيمنا ... وشوق لمغنينا عن الأهل يقعد وما فاح فينا غير ذكراك روضة ... ولا ساح فينا غير نعماك مورد فيا ياسرا نلنا به الفضل ياسرا ... ويا من وجدنا منه ما ليس يوجد دعوت بصوت الجود حىّ على النّدى ... لأنك تروى عن بلال وتسند والقصيدة كلها من هذا النمط البديع، وما أروع بيتها الأخير، وقد تصور ياسرا يؤذّن بصوت الجود داعيا الناس إليه، ويعلل ذلك تعليلا طريفا، إذ يقرن اسم أبيه بلال إلى بلال مؤذن الرسول وهو يروى عنه ويقتدى به قدوة حسنة. وكان يحسن التعليل كما يحسن التصوير، ومن طريف صوره وتعليلاته قوله فى جارية سوداء: ربّ سوداء وهى بيضاء معنى ... نافس المسك عندها الكافور مثل حبّ العيون يحسبه النا ... س سوادا وإنما هو نور وهى صورة بديعة غريبة. ويكثر مثلها عنده، كقوله يصف الشّعر وأن منه ما يذبل سريعا ومنه ما يخلد على الدهر، ومنه القبيح ومنه الجميل، يقول: الشّعر منه قصير عمره زهر ... يذوى ومنه طويل عمره زهر (١)

стр. 3346

أو كالعيون فهذى حظّها حول ... يغصّ منها وهذى حظّها حور وكان قد ظل عند ياسر نحو سنتين وعاد فى شوال سنة سبع وستين، وركب البحر إلى عيذاب ثغر قوص على بحر القلزم، وكأن الموت كان فى انتظاره، فلم يكد ينزلها حتى لبّى نداء ربه وهو فى الخامسة والثلاثين من عمره. ابن سناء (١) الملك هو القاضى السعيد هبة الله بن القاضى الرشيد أبى الفضل جعفر بن القاضى المعتمد سناء الملك السعدى ولد سنة ٥٥٠ بالقاهرة فى بيت يسار ونعمة، إذ كان أبوه وجده من كتّاب الإنشاء فى الدولة الفاطمية، كما يدل على ذلك تلقيبهما بلقب القاضى الذى كان يمنح لكبار الكتاب، وكانت قد انعقدت صلة وثيقة بين جده وأبيه وبين القاضى الفاضل حين كان يعمل معهما فى الدواوين الفاطمية. ولما تطورت الظروف وأصبحت مقاليد الحكم فى مصر بيد صلاح الدين واتخذ القاضى الفاضل وزيرا له ومستشارا قرّب الفاضل منه جعفر بن سناء الملك وتوثقت الصلة بينهما حتى كان ينيبه عنه فى غيبته مع صلاح الدين بالشام. وعنى جعفر بتربية ابنه هبة الله منذ نعومة أظفاره، فعهد إلى بعض القرّاء بتحفيظه القرآن الكريم، حتى إذا حفظه اختلف إلى حلقات العلماء وخاصة حلقة ابن برّى أكبر أئمة اللغة والنحو المصريين حينئذ. وأكبّ يقرأ كتب الفقه وعلم الكلام والمنطق على نحو ما يشهد بذلك استظهاره فى أشعاره لبعض مصطلحات هذه العلوم فى الحين بعد الحين. ودفعه طموحه العلمى إلى الارتحال إلى الإسكندريد لسماع الحديث على السّنّى الكبير الحافظ السّلفىّ أحمد بن محمد، وفيه يقول: وجئت إلى الإسكندريّة قاصدا ... إلى كعبة الإسلام أو علم العلم إلى أحمد المحيى شريعة أحمد ... فلا عدمت منه أبا أمّة الأمّى

стр. 3347

وقد أكبّ على دواوين الشعراء يلتهمها كما أكبّ على الموشحات الأندلسية فى طليعة عمره كما يقول فى مقدمة كتابه النفيس «دار الطراز» الذى سبق أن تحدثنا عنه وقلنا إنه وضع فيه عروض الموشحات، وإنه يقوم فى ذلك مقام الخليل بن أحمد فى وضعه عروض الشعر العربى، ونراه يختم بعض موشحاته بأقفال أعجمية مما يدل على معرفته بالفارسية. ويشهد وضعه لعروض الموشحات وضعا نهائيا بذكاء خارق. وقد تفتحت موهبة ابن سناء الملك الشعرية مبكرا تفتحا راع القاضى الفاضل كبير أدباء زمنه، فاستاذن أباه فى أن يتخذه كاتبا بين يديه، وأذن له، وأضفى عليه من إعجابه بشعره وودّه ما أصبح به أبا روحيا له ولفنّه. ومن خير ما يصور هذه الأبوة الروحية كتاب ابن سناء الملك المسمى «فصوص الفصول» ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية، والكتاب فى جمهوره مراسلات بين ابن سناء الملك وأبيه جعفر من جهة وبين القاضى الفاضل من جهة ثانية حين كان يذهب إلى الشام فى رفقة صلاح الدين، فيكاتب الشاعر وأباه، وخاصة حين يرسل إليه ببعض مدائحه فيه أو فى صلاح الدين. وهى ليست مكاتبات إخوانية فحسب، بل هى أيضا ملاحظات نقدية على الشعراء السالفين والمعاصرين وخاصة ابن سناء الملك نفسه وأشعاره. وتموج رسائل الفاضل فيها بثناء غدق عليه من مثل قوله عن بعض قصائده: «ما يرينا من آية إلا هى أكبر من أختها، وما يجلو علينا عروسا إلا وقد جمع بين حسنها وبختها، وقلما يجمع بين الحسن والبخت» ويفضّلها على المعلقات. ويمدحه مرة ثانية فيقول: لله درّ تلك الأنفاس التى تستخف عقول الرجال، بل عقود الجبال. . ولقد أبقى للآباء ذكرا، وللأبناء فخرا، وأرسلها مقلّدات، فأرهفها مجرّدات، وأثارها أوابد، فنظمها قلائد». ويشيد الفاضل بموشحاته كما يشيد بأشعاره رافعا منزلته فيها على منزلة الأندلسيين درجات. ويهمنا ما يسجله كتاب فصوص الفصول من أنه كان ناقدا كما كان شاعرا. واختصر ابن سناء الملك كتاب الحيوان للجاحظ، باسم روح الحيوان، ويقول ابن خلكان إنها تسمية لطيفة، ويذكر له كتابا ثانيا باسم مصايد الشوارد. وكان ناثرا بارعا كما كان شاعرا مبدعا، يقول ابن خلكان: «ومن نثره فى وصف النيل فى سنة كان ناقصا، ولم يوف الزيادة، التى جرت بها العادة: «وأما أمر الماء فإنه نضبت مشارعه، وتقطعت أصابعه، وتيمم العمود (عمود المقياس) لصلاة الاستسقاء، وهمّ المقياس من الضعف بالاستلقاء». يقول ابن خلكان: «وهذا من أحسن ما يوصف به نقصان النيل». وزعم ابن سعيد فى كتابه المغرب أنه

стр. 3348

كان غاليا فى التشيع، وربما دفعه إلى ذلك أنه وجده يمدح القاضى الفاضل فى يوم عاشوراء ذاكرا مقتل الحسين الشهيد فيه يقول: يوم يساء به وفي ... هـ كلّ شيعىّ وسنّى ولم يكن القاضى الفاضل شيعيا، بل كان سنّيّا ومثله ابن سناء الملك، وهو لذلك يقول إن ذكرى هذا اليوم تحزن السنيين والشيعة معا. وقد أشار فى رثائه لبعض العلويين من أصهاره إلى نوم الخلق عن ثأر الحسين. وفى رأينا أنه ليس فى ذلك ما يعارض سنيته، فإن مصرع الحسين يأسى له الطرفان المتعارضان من أهل السنة والشيعة جميعا، وقد صرح فى مدحه للقاضى بأنه سنى رغم حبه وتشيعه له يقول: وغدوت فى حبى له متشيّعا ... من ذا رأى متشيّعا متسنّنا وليس من المعقول أن ينال حظوة القاضى الفاضل وصلاح الدين شاعر شيعى غال فى تشيعه. ويبدو أن الصفدى قرأ هذه التهمة عند ابن سعيد، وأكدها عنده أنه قرأ فى ديوان ابن الساعاتى هجاء له فى ابن سناء الملك حين سقط عن جواد له كان يسمى الجمل، فزعم أنه إنما سقط عنه لبغضه أم المؤمنين السيدة عائشة وأباها الصدّيق أبا بكر، يقول: أبغضت بالطبع أمّ المؤمنين ولم ... تحبب أباها فجاءت وقعة الجمل وهو هجاء لابن الساعاتى جرّه إليه أن اسم الجواد الجمل، وله فيه أهاج مختلفة كما يشهد ديوانه، وكأنه ذكر ذلك كيدا له. وقد أشاد فى مقدمته لفصوص الفصول بالصحابة جميعا، ولم يخص على بن أبى طالب بتنويه. ومر بنا أنه تتلمذ على الحافظ السلفى أكبر سنىّ فى عصره. وكان ابن سناء الملك يعيش فى رغد من العيش، لثراء أبيه، وفى الديوان أنه أهداه مرة بستانا ومرة فندقا. وظل موظفا فى ديوان الإنشاء منذ بواكير حياته، وبعد وفاة صلاح الدين واستعفاء القاضى الفاضل من عمله ظل يعمل فى الديوان مع السلطان العزيز ثم أخيه السلطان الأفضل ثم السلطان العادل وابنه الكامل، حتى إذا كانت سنة ٦٠٦ عهد إليه السلطان الكامل بتدبير ديوان الجيش، غير أنه استعفاه فأعفاه. ولم يلبث أن توفى سنة ٦٠٨. ولم يكن يعمل مع كل أولئك السلاطين فحسب، بل كان يقدم إليهم مدائحه وكانوا يجزلون له فى العطاء، وبالمثل كان يجزل له فى العطاء أمراء البيت الأيوبى حين كان يمدحهم، وفى ديوانه مدائح كثيرة لهم ولصفى الدين بن شكر وزير السلطان العادل. فالأموال كانت تغدق عليه بالإضافة إلى راتبه

стр. 3349

وما ورثه عن أبيه مما يؤكد أنه عاش مترفا منعما. وفى ديوانه أشعار كثيرة يصف فيها داره التى كانت تطلّ على النيل وحديقتها وما كان بها من نافورات، وكانت منتدى للشعراء من أصدقائه وكانت تجرى بينهم فيها محاورات ومفاكهات طريفة. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن ابن سناء الملك، أكبر شاعر ظهر بمصر قبل العصر الحديث، وقد أوضحنا فى مقال عنه بكتابنا فصول فى الشعر ونقده تمثيله فى أشعاره للروح المصرية، من ذلك ما يجرى فى أساليبه من السهولة التى تعد انعكاسا لما يشعّ منها فى روح المصريين أبناء النيل وأوديته وسهوله وما أسبغ على ساكنى ضفافه من حياة سهلة، مما دفعه إلى استخدام بعض الكلمات العامية المألوفة فى ألسنة المصريين مثل «ياما بمعنى كثير جدا، ومثل «ودينى هو علىّ أكثر» ومثل «على عينى». ومن ذلك الرقة فى ألفاظه ومعانيه وما يتصل بها من اللين والدماثة، مما جعله يكثر من التغزل بمن فقدن أبصارهن من الفتيات والنساء كقوله فى إحداهن: شمس بغير الليل لم تحجب ... وفى سوى العينين لم تكسف مغمدة المرهف لكنها ... تفتك بالغمد بلا مرهف (١) فهى شمس منيرة تحجبها غلالة من الليل، شمس أصابها فى عينيها كسوف، ونورها يغمر كل ما حولها وإن جفونها لتطبق على عينيها إطباق الغمد على سيفه، ومع ذلك تفتكان بمن يبصرهما كما يفتك السيف القاطع. ويتجسّد تمثل ابن سناء الملك للروح المصرية فى تعلقه الشديد-مثل المصريين جميعا-بوطنه ونفوره من الغربة حين يذهب إلى القاضى الفاضل بالشام فى إحدى القضايا المهمة، حتى ليقول: ووالله ما أشرى الشآم وملكه ... وغوطته الخضرا بشبرين من شبرا فغوطة دمشق بمشاهدها الساحرة بل الشام وملكه وصولجانه، كل ذلك لا يشتريه بشبرين من شبرا: إحدى ضواحى القاهرة. وصفة مصرية رابعة ماثلة بالقوة فى شعره هى حبه لأبويه وأسرته حيّا يملك عليه كل شئ من أمره، مما نراه ماثلا فى مراثيه لأمه وأبيه وجده وزوجه وأخته وإخوته. وله فى أبيه مدائح بديعة من مثل قوله وكأنه يمدح بعض السلاطين: يا سائلا عن معاليه ليشهرها ... البدر فى الأفق يستغنى بشهرته

стр. 3350

ذاك الذى يبسم الدهر العبوس به ... تيها وتبتهج الدنيا ببهجته ونحسّ فى مديحه لأبيه بسعادته سعادة غامرة وهو يتحدث عن منزلته وأدبه وعلمه وشيمه فى إجلال وإكبار يفوقان الوصف. وأيضا ما تمتاز به مصر من تعلق بالدين نجده مصورا فى أشعاره. وأهم من استنفد مدائحه صلاح الدين والقاضى الفاضل، ومعروف أن صلاح الدين قضى على أسطورة الصليبيين وما كان يقال عن بأسهم وما أسّسوه فى الشام من ممالكهم فقد مزق جموعهم تمزيقا، وردّ فلولهم إلى البحر المتوسط وما وراءه. وقد مضى ابن سناء الملك يمدحه مدائح رائعة منذ إعداده لحرب الصليبيين ومدّ سلطانه على حلب وغيرها من ديار الشام، وجمعه للعرب تحت لوائه، حتى ينقضّ بهم على حملة الصليب، وله يقول: بدولة التّرك عزّت ملّة العرب ... وبابن أيوب ذلّت شيعة الصّلب وفى زمان ابن أيوب غدت حلب ... من أرض مصر وعادت مصر من حلب وكأنه كان يستشعر فى عمق أمنية توحيد العالم العربى. وله فى صلاح الدين مدائح كثيرة يصور فيها بطولته وبطولة جيوشه وسحقهم للصليبيين. ومازال صلاح الدين ينزل بهم الدمار ويأخذ منهم الحصون والبلاد حتى كانت هزيمتهم الكبرى فى موقعة حطّين، وفيها جرت دماؤهم أنهارا وتعمّ الفرحة الديار العربية، ويهنئ ابن سناء الملك صلاح الدين بهذا النصر المبين قائلا: لست أدرى بأىّ فتح تهنّا ... يا منيل الإسلام ما قد تمنّى أنهنّيك إذ تملّكت شاما ... أم نهنّيك إذ تملّكت عدنا قد ملكت الجنان قصرا فقصرا ... إذ فتحت الشآم حصنا فحصنا لك مدح فوق السموات ينشا ... ومحلّ فوق الأسنّة يبنى حملوا كالجبال عظما ولكن ... جعلتها حملات خيلك عهنا (١) لم تلاق الجيوش منهم ولكن ... ك لا قيتهم بلادا ومدنا وتصيّدتهم بحلقة صيد ... تجمع الّليث والغزال الأغنّا (٢)

стр. 3351

والقصيدة مديح رائع وتحمل كثيرا من الصور المبتكرة، وقد مضى فيها يصور أخذ صلاح الدين لصليب الصلبوت الذى يزعم المسيحيون أن المسيح صلب عليه، ويغريه بإحراقه، كما يصور أخذه لطبرية وعكا ونابلس وبيت جبريل وتبنين وغيرها من مدن الشام وحصونه، وذكر فتكه بأرناط صاحب الكرك بيده جزاء وفاقا لسوء فعله وقوله لتعرضه القبيح للحجاج المصريين ولإعداده أسطولا-كما مر بنا-لغزو مكة والمدينة، ولما نقل إليه عنه من استخفافه بالرسول ﵇. ومدائحه فى القاضى الفاضل كثيرة حتى لتعدّ بالعشرات، إذ كاد لا يترك مناسبة دون أن يهديه من أشعاره، فهو يهديها له فى الأعياد وفى القدوم من الشام ومن الحج وفى انتصارات صلاح الدين، إذ كثيرا ما ينوّه بها فى مدائحه له، وهو فيها يبالغ مبالغات كثيرة من مثل قوله: صوّر الله ذلك الشخص نورا ... وجميع الأنام ماء وطين وقوله: وما الدهر إلا خادم أنت ربّه ... وما الخلق إلا عالم أنت فاضله وقوله: الدهر مدّ إليه كفّ مفتقر ... فمدّ للدهر منه لحظ محتقر فى كفّه قلم إن شئت أو قدر ... يصرّف الخلق بين النفع والضرر وهو يكرر معنى البيت الثانى ويطيل فيه، وله يقول: بميمون رأيك كان الفتوح ... ومنصور عزمك كان الغلب وكثيرا ما يردد هذا المعنى وكأنه يشير إلى قولة صلاح الدين المشهورة: لم أنتصر على الأعداء بسيفى وإنما انتصرت بقلم القاضى الفاضل، وفيه يقول واصفا كرمه الفياض: لا يستقرّ المال فوق بنانه ... حتى كأن بنانه مخروق يا طالبين ذرى علاه توقّفوا ... ومؤمّلين ندى يديه أفيقوا وهما بيتان رائعان فى وصف الجود، وبحق كان القاضى الفاضل يستحق منه كل ثناء وكل تكريم فقد رعاه أعظم رعاية، ونوه بأشعاره تنويها ليس وراءه غاية وبحقّ، يقول له: شكرى لنعماك شكر الأرض للمطر ... أولا فشكر سواد العين للنظر

стр. 3352

فهو يشكره شكر الأرض المجدية للغيث المدرار الذى يحيى مواتها، بل شكر سواد العين لنور البصر الذى يصلها بالوجود ومشاهده. وله فيه صور كثيرة مبتكرة مثل قوله فى جوده المنهمر على الناس: وقصّر البحر عنه فهو مكتئب ... أما تراه بكفّى موجه التطما وولّت السحب-إذ جارته-باكية ... أما ترى الدمع من أجفانها انسجما فالبحر يشعر إزاء كرمه بقصوره حتى ليندب حظه ويلطم وجهه بكفى موجه، وإن الغيث ليبكى بدموع غزار لا تزال تنهمل. ونحسّ بفرحة تسرى فى كثير من مدائحه للفاضل كما نحس خفة الظل التى يشتهر بها المصريون وخاصة فى تخلصاته من الغزل إلى المديح كقوله: ضنّت بطرف ظلّ يعدى سقمه ... أرأيتم من ضنّ حتى بالضّنا إنى رأيت الشمس ثم رأيتها ... ماذا علىّ إذا هويت الأحسنا وسألت من أىّ المعادن ثغرها ... فوجدت من عبد الرحيم المعدنا أبصرت جوهر ثغرها وكلامه ... فعلمت حقّا أن هذا من هنا وضنّ صاحبته بالطرف وعدواه وضنّها حتى بالسقم أو بالضّنا غريب، وتلطّف فى التخلص من الغزل إلى مديح القاضى الفاضل عبد الرحيم ما شاء له التلطف والرشاقة وخفة الروح وعذوبة الكلم. وله فى غزله كثير من هذه التصاوير المبتكرة، كقوله: أقمت على عاشقيك القيامه ... بورد لخدّ وغصن لقامه فمن ورد خدّك كيف النّجاة؟ ! ... ومن غصن قدّك كيف السلامه وقوله: وأشكو إلى ليل الغدائر غدرها ... وأملى عليه وهو فى الأرض يكتب وقوله: ألقى حبائل صيد من ذوائبه ... فصاد قلبى بأشراك من الشّعر وقوله: لا تخش منى فإنى كالنسيم ضنا ... وما النّسيم بمخشىّ على الغصن

стр. 3353

وقوله: يعانقها من دونى العقد وحده ... فيا عجبا يا قوم هل يقلق العقد وقوله: سألتنى ما حال قلبك بعدى ... ربّة البيت أنت بالبيت أخبر وهو باب واسع عند ابن سناء الملك ويدل على شاعرية خصبة وأنه كان ما يزال يغوص وراء التصاوير حتى يأتى منها بفرائد عجيبة، مع حلاوة الأسلوب وعذوبته، مما يدل على أنه كان شاعرا مبدعا إلى أبعد حدود الإبداع. وسنعود إليه مرارا فى عرض موضوعات الشعر الأخرى سوى المديح. ابن نباتة (١) هو جمال الدين محمد بن شمس الدين محمد بن شرف الدين محمد، من سلالة عبد الرحيم ابن نباتة خطيب سيف الدولة المشهور، وقد غلبت عليه نسبته إليه. كان أبوه وجده من شيوخ الحديث، وقد ولد لأبيه بزقاق القناديل فى القاهرة، واختلف من ترجموا له فى سنة ولادته هل كانت سنة ٦٧٦ أو سنة ٦٨٦ وجمهورهم يؤكد أنه ولد فى السنة الأخيرة، غير أن هناك نصّا عنه يذكر فيه أساتذته أو شيوخه فى الأدب، ويذكر من بينهم محيى الدين بن عبد الظاهر المتوفى سنة ٦٩٢ وليس من المعقول أن يتتلمذ له ويأخذ عنه الأدب وهو فى الخامسة أو السادسة من عمره ولذلك كنا نرجح أنه ولد فى سنة ٦٧٦ على الأقل إن لم يكن قبيل ذلك. ويذكر مترجموه كثرة من شيوخه فى الحديث من بينهم أبوه وجدّه. وتنقل فى حلقات شيوخ الأدب وتفتحت موهبته الأدبية فى الشعر والنثر مبكرة. وكان كثير من العلماء فى مصر يبرحونها إلى دمشق والشام فى تلك الحقب. وبالمثل كان كثير من علماء الشام يبرحونها إلى مصر والقاهرة، ويبرح أبوه مصر إلى الشام

стр. 3354

حوالى سنة ٧١٠ وينزل دمشق، ويأخذ الطلاب عنه الحديث (١)، ويستقر بها ويتولّى فيما بعد مشيخة الحديث بالمدرسة الظاهرية هناك. ولعل ارتحال أبيه عن مصر هو الذى حبّب إليه الرحلة وراءه إلى دمشق واتخاذها منذ سنة ٧١٦ دار مقام له، وظل بها مدة تقارب نصف قرن أو بعبارة أدق نحو خمسة وأربعين عاما، وقد ظل يحن إلى مصر حنينا متصلا بمثل قوله: آه لمصر وأرض مصر وكيف لى ... بديار مصر مراتعا وملاعبا حيث الشبيبة والحبيبة والوفا ... فى الأقربين مشاربا وأصاحبا والدهر سلم كيفما حاولته ... لا مثل دهرى فى دمشق محاربا وفؤاده يهفو إلى مصر وتراب مصر ونيل مصر ورياض مصر ومراتع صباه بها وملاعبه، ويقول إنها ديار شبابه وحبه وديار الوفاء فى الأقرباء وغير الأقرباء وديار الأمن والسلام ونعيمه. وفى أثناء مقامه بدمشق كان يتردد على حلب، وبالأخص على حماة وصاحبها المؤبد أبى الفداء الذى استقبله أروع استقبال، وقرر له راتبا سنويا: ستمائة درهم غير ما كان يسبغه عليه من العطاء كلما قدم عليه بمدحة من مدائحه، وظل يفد عليه حتى توفى سنة ٧٣٢ فوفد على ابنه الأفضل من بعده. وفى دمشق والشام تفجر ينبوع الأشعار عند ابن نباتة حتى أصبح-كما يقول ابن كثير والسبكى-حامل لواء الشعر فى زمانه، غير منازع ولا مدافع. وأروع أيامه حينئذ أيام اتصاله بالسلطان المؤيد، ونراه لا يكتفى بما يقدم إليه من مدائح، بل يؤلف الكتب باسمه ويهديها له مثل كتابه «سرح العيون فى شرح رسالة ابن زيدون» وهى الرسالة الهزلية، ومثل كتابه «مجمع الفوائد». وكان قد قرظه كثيرون من فضلاء دمشق وعلمائها وأدبائها، مما جعله يؤلف فيهم كتابه «سجع المطوق» مترجما لهم، وهو كتاب نفيس لا يزال مخطوطا. ونراه فى هذه الفترة: فترة اتصاله بالسلطان المؤيد وثيق الصلة بشيوخ دمشق وأعلامها، من مثل ابن الزّملكانى وابن صصرى القاضى والشهاب محمود شاعر الشام وتقى الدين السبكى وابنه تاج الدين وابن فضل الله العمرى، وله فيهم جميعا مدائح بديعة. وكان ابن فضل الله يتولى كتابة السر فى دمشق، فكان

стр. 3355

طبيعيا أن يقرب ابن نباتة ويعهد إليه بكتابة التوقيع. وكان أحيانا يعزل عنها وأحيانا يعود إليها حتى سنة ٧٦١. وفى هذه السنة استدعاه الناصر حسن سلطان مصر والشام إلى القاهرة فى ربيع الأول وأمر أن يصرف له ما يتجهّز به وأن يرد عليه ما انقطع عنه من الراتب، وعينه موقّعا للدّست وكانت قد تقدمت سنه، فلم يستطع القيام بتوقيع الدّست، فأعفاه السلطان حسن من الحضور وأمر بإجراء راتبه عليه، كما أمر بنسخ ديوانه وحفظ نسخ منه فى المكاتب السلطانية. وبذلك أمّره على الشعراء، مما جعله يلهج بمدحه والثناء عليه. ولم يلبث السلطان حسن أن توفى، وكان راتبه ربما صرف له وربما لم يصرف حتى توفى بمارستان قلاوون سنة ٧٦٨ للهجرة. وكان نبع الشعر عند ابن نباته فياضا، فله بجانب ديوانه الكبير ديوان سماه «القطر النباتى» وهو خاص يمقطوعاته الشعرية، والقطر السكر والتورية فى اسم الديوان واضحة، يريد السكر النبات. وله ديوان خاص بغزلياته سماه «سوق الرقيق». وديوانه الكبير يكتظ بالمدائح، وعنى كثيرون من معاصريه بمعارضته فى بعض قصائده، واشتهر الصفدى بكثرة إغارته على معانيه، وخاصة على تورياته البديعة وكان مغرما بصنعها، وألف فى سرقات الصفدى منه كتابا سماه «خبز الشعير» يريد أن سرقاته كخبز الشعير المأكول المذموم، واستهلّ خطبة هذا الكتاب بالآية الكريمة: (ربّ اغفر لى ولوالدىّ ولمن دخل بيتى مؤمنا) ويورد دائما أبياته موضع السرقة، ثم يورد سرقة الصفدى مثل قوله فى الغزل موريا. ومولع بفخاخ ... يمدّها وشباك قالت لى العين ماذا ... يصيد قلت كراكى ويقول الصفدى: أغار على سرح الكرى عند ما رمى ال ... كراكى غزال للبدور يحاكى فقلت ارجعى يا عين عن ورد حسنه ... ألم تنظريه كيف صاد كراكى والكرى: النوم، والكراكىّ طير مفرده كركىّ. والتورية واضحة عند ابن نباته وخفيفة رشيقة وقد أحالها الصفدى ثقيلة بما أضاف إليها من شرح وتطويل، ومن ذلك قول ابن نباتة متغزلا: فديتك أيها الرّامى بقوس ... ولحظ يا ضنا قلبى عليه لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشى منجذب إليه

стр. 3356

ويقول الصفدى: تشرّط من أحبّ فذبت وجدا ... فقال وقد رأى جزعى عليه عقيق دمى جرى فأصاب خدّى ... وشبه الشئ منجذب إليه وتشبيه الحاجب بالقوس وانجذابه إليه طبيعى، أما انجذاب الدم إلى الخّد وتشبيهه به فنافر منه بعيد. وابن نباتة فى شعره يمثل بحق ما تمتاز به الروح المصرية من الخفة والرشاقة. ويذكر السبكى فى كتابه طبقات الشافعية أنه مدح ابن الّزملكانى بتائية رائعة بدأها بالغزل ووصف الخمر، وأنشدها ثم قال: «حاول أدباء عصره معارضته فيها فلم يحسنوا إحسانه، بل قصّروا وتأخروا ولم يلحقوا شأوه» (١). وأروع مدائحه ما نظمه فى المؤيد صاحب حماة وابنه الأفضل ثم بعد ذلك فى السلطان حسن، وقد دبّح فى المؤيد نحو أربعين قصيدة ومقطوعة من مثل قوله: لو أنّ للبحر جدواه لفاض على ... وجه الثّرى بنفيس الدرّ منضود ولو أمرّ على صلد الصّفا يده ... لأنبت العشب منها كلّ جلمود يا حبّذا الملك السارى على شيم ... تروى وتنقل عن آبائه الصّيد أغنى العفاة فلولا ناهيات تقى ... -أستغفر الله-سمّوه بمعبود وهو دائم الإشادة بجوده الفياض على العفاة والسائلين، ويكثر من مديح أسرته الأيوبية وآبائه الصيد الشجعان وما شادوا لأنفسهم من بيت فخار مدّوه فى أعلى السموات ولا يزال يتألق ويضئ بين الكواكب. وكان المؤيد مؤرخا كبيرا، وعالما فى العربية والفقه والأصول والطب والفلك والمنطق والفلسفة، وينوه ابن نباتة مرارا بعلمه من مثل قوله مشيرا إلى تصانيفه الكثيرة: العالم الملك السيار سؤدده ... فى الأرض سير الدّرارى بين أفلاك وقوله: وللعلوم تصانيف بدت فغدت ... نعم السّوار على الإسلام والسّور وكان مولعا بالتورية كما أسلفنا، وكان يدخلها فى مدائحه للمؤيد، وورّى كثيرا باسم مدينته حماة عن الحماة الحقيقية، ومن تورياته الطريفة فى مديحه قوله:

стр. 3357

أقسمت ما الملك المؤيّد فى الورى ... إلا الحقيقة والكرام مجاز هو كعبة للفضل، ما بين النّدى ... منها وبين الطالبين حجاز وواضح أنه ورّى فى كلمة «مجاز» فلم يرد بها المعنى القريب المقابل للحقيقة، وإنما أراد بها المعنى البعيد وهو المعبر، وورّى فى كلمة «حجاز» فلم يرد بها المعنى القريب الذى تشير إليه كلمة الكعبة وهو الحجاز إقليم الكعبة المعروف، وإنما أراد المعنى البعيد وهو الحاجز، ومن ذلك قوله فى مديح المؤيد: يذكّرنا أخبار معن بجوده ... وننشى له لفظا فينشى لنا معنا ومعن بن أوس المزنى مشهور بجوده فى مفتتح العصر العباسى شهرة حاتم فى الجاهلية، وقد ورّى آخر البيت فى مدلول كلمة معنى، فلم يرد بها المعنى القريب المقابل للفظ وإنما أراد بها معنا المزنى. وممدوحه الثانى فى الديوان بعد المؤيد ابنه السلطان الأفضل، وقد أنشده حين تولى إمارة حماة بعد أبيه تهنئة بسلطنته وتعزية له عن أبيه، تعدّ من فرائد الشعر العربى، وفيها يقول: هناء محا ذاك العزاء المقدّما ... فما عبس المحزون حتى تبسّما ثغور ابتسام فى ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السّبق منهما مليكان هذا قد هوى لضريحه ... برغمى وهذا للأسرّة قد سما كأنّ ديار الملك غاب إذا انقضى ... به ضيغم أنشا به الدهر ضيغما فإن يك من أيوب نجم قد انقضى ... فقد أطلعت أوصافك الغرّ أنجما وإن تك أيام المؤيد قد مضت ... فقد جدّدت علياك وقتا وموسما هو الغيث ولّى بالثّناء مشيّعا ... وأبقاك بحرا بالمواهب منعما وعلى هذا النحو تمضى تهنئة الأفضل جامعة بين النقيضين فى كل بيت: بين المدح والرثاء، وفى ذلك ما يصور براعة ابن نباتة وحدة ذهنه وذكائه وخصب شاعريته وسهولة أسلوبه، وهى سهولة تتمم سهولة أشعار ابن سناء الملك، بل سهولة أشعار المصريين عامة، سهولة تقترن بعذوبة، وكأنها نفس عذوبة مياه النيل، وكان يحس ذلك معاصروه إزاء أشعاره وما تقترن به من حلاوة، فقالوا إن أشعاره سكر نبات أو قطر نبات. وله فى مديح الأفضل وآبائه الأيوبيين:

стр. 3358

قوم لذكراهم على صحف العلا ... أصل الفخار وكلّ ذكر ملحق الملك بعض ديارهم فلينزلوا ... والنجم بعض جدودهم فليرتقوا إن يبق ماضيهم على سنن الوفا ... فلأنهم ببقاء أفضلهم بقوا ملأت مواهبه القلوب مهابة ... فالقلب قبل الطّرف فيها مطرق وكأنما أقلامه بسوادها ... غربان بين فى الخزائن تنعق لا عيب فيه سوى العزائم قصرّت ... عنها الكواكب وهى بعد تحلّق وواضح أنه مع سهولة الأسلوب فى القصيدة نحس كأن الألفاظ يستدعى بعضها بعضا مع جمال التصاوير فالقلب مطرق قبل العين هيبة، والأقلام كأنها غربان فراق لخزائن الأمير ما تزال تنعق فى أموالها بالبين والبعد إلى غير مآب، وعزائم الأفضل ماتنى محلقة فى السموات البعيدة، حتى لتعلو الكواكب فى تحليقها المتغلغل فى الفضاء، وإن قومه لأصل الفخار وكل فخر لغيرهم إنما هو ملحق بفخرهم. وكان قد خرج مع الأفضل فى رحلة صيد، فوصفها فى أرجوزة طويلة نيفت على مائة وستين بيتا، وصف فيها رياض حماة ثم أطنب فى وصف القنص بالشواهين والصقور والكلاب والبندق بمثل قوله: وكلّ شاهين شهىّ المرتمى ... كبارق طار وصوب قد هما (١) بينا تراه ذاهبا لصيدو ... معتصما بأيدو وكيدو (٢) حتى تراه عائدا من أفقه ... ملتزما طائره فى عنقه وكلّ صقر مسبل الجناح ... مواصل الغدوّ والرّواح (٣) ذو مقلة لها ضرام واقد ... يكاد يشوى ما يصيد الصائد كأنما المخلب منه منجل ... لحصد أعمار الطيور مرسل وكل منسوب إلى سلوق ... أهرت وثاب الخطا ممشوق (٤) طاوى الفؤاد ناشر الأظافر ... يا عجبا منه لطاو ناشر يعضّ بالبيض ويخطو بالقنا ... ويسبق الوهم لإدراك المنى

стр. 3359

وإنما تمثلنا بهذه الأبيات جميعها من الأرجوزة لندل على أن أرجوزة الطرد والصيد المليئة بالألفاظ الغريبة عند أبى نواس ومن جاءوا بعده استحالت إلى هذه اللغة السهلة عند ابن نباتة بفضل مهارته الأسلوبية، والأبيات محملّه بصور بديعة، فمقلة الصقر كأنها شعلة نار ومخلبه كمنجل يحصد من الطير الأعمار، وكل كلب سلوقى يعض بأسنانه الحادّة ويخطو بسيقان كأنها القنا أو الرماح القاتلة. وختم الأرجوزة بمديح الأفضل وبحق سماها: «نظم السلوك فى مصايد الملوك». وممدوحه الثالث السلطان الناصر حسن، مدحه بأخرة من حياته حين ألقى عصاه بالقاهرة، وليس فى مديحه له الحرارة التى ألفناها فى مديح الأفضل وأبيه المؤيد، وقد يكون ذلك لتقدم سنه، وله بقول: يا ناصر الدين والدنيا لقد نفذت ... أقلام مدحك فى الدنيا بسلطان دانت لك الخلق من بدو ومن حضر ... وفاض جودك فى قاص وفى دانى هذى المدائن من أقصى مشارقها ... لمنتهى الغرب فى طوع وإذعان وله وراء مديح السلاطين والأمراء والعلماء والكتّاب مديح نبوى رائع. وبينه وبين صلاح الدين الصفدى محاورات ومراسلات ومعاتبات، وأرسل إليه الصفدى قصيدة عتاب جعل شطورها الثانية أعجاز معلقة امرئ القيس، مفتتحالها بقوله: أفى كل يوم منك عتب يسوءنى ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل ولعله كان يعاتبه لتسجيله عليه سرقاته منه فى كتابه «خبز الشعير» السالف. وصنع ابن نباتة صنيعه فرد عليه بقصيدة من نفس الطراز شطورها الثانية مقتبسة من نفس الشطور فى معلقة امرئ القيس استهلّها بقوله: فطمت ولائى ثم أقبلت عاتبا ... أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل وابن نباتة كثير الشكوى فى شعره من بؤسه ورقة حاله، وربما صدق ذلك على أيامه قبل لقاء السلطان المؤيد الذى غمره بنواله، وربما كان لكثرة عياله أثر فى ذلك، بل إنه يعلن هذه الكثرة فى مثل قوله: لقد أصبحت ذا عمر عجيب ... أقضّى فيه بالأنكاد وقتى من الأولاد خمس حول أمّ ... فواحرباه من خمس وستّ

стр. 3360

وكلمة ست لا يريد بها العدد كما يتبادر، وإنما يريد أم عياله، ويسميها ستّه أو سيدته. وكان مرزّأ، حتى ليقول ابن تغرى بردى فى ترجمته بالمنهل الصافى إن كثيرين من أولاده توفّوا فى سن الخامسة والسادسة والسابعة، فكان يألم لهم ويرثيهم مراثى كثيرة، وله رثاء حار فى السلطان المؤيد وابنه الأفضل. ويقول الشوكانى: هو أشعر المتأخرين ولا سيما فى الغزليات. عبد الله (١) الشبراوى من بيت علم وجلالة، كما يقول الجبرتى، ولد فى سنة ١٠٩٢ ومضى فى نعومة أظفاره يحفظ القرآن الكريم، ثم اختلف إلى الشيوخ بالأزهر يأخذ عنهم الفقه الشافعى، وسرعان ما ظهرت براعته، فأملى وحاضر الطلاب. واعترف له الجميع بالفضل والتعمق فى الشريعة والعلوم الدينية، مما أتاح له أن يتولى مشيخة الأزهر فى سنة ١١٣٧. وكان له جاه رفيع ومنزلة عظمى عند الأمراء ورجال الدولة، وكانت كلمته لديهم نافذة وشفاعته مقبولة. وصار لأهل العلم فى مدة مشيخته للأزهر مقام علىّ وهيبة وتجلّة عند الخاص والعام، ومن مؤلفاته عنوان البيان وبستان الأذهان فى الأدب والسلوك والأخلاق وشرح الصدور بغزوة بدر والإتحاف بحب الأشراف وديوان منائح الألطاف فى مدائح الأشراف، وكلها مطبوعة بالقاهرة من قديم. يقول الجبرتى: «وله ديوان يحتوى على غزليات وأشعار ومقاطيع مشهور بأيدى الناس». ومازال يتولى مشيخة الأزهر حتى وفاته سنة ١١٧١ عن نحو ثمانين سنة. وللشيراوى مدائح فى ولاة مصر العثمانيين، وأهم وال دبّج فيه مدائحه عبد الله الكبورلى أو الكبورى لأوائل العقد الخامس من القرن، وكان جديرا حقّا بمديحه له، إذ يقول الجبرتى عنه: «كان خيّرا صالحا منقادا إلى الشريعة أبطل الخمارات والمنكرات» ويقول «إنه كان من أرباب الفضائل وله ديوان شعر جيد على حروف المعجم ومدحه شعراء مصر لفضله وميله إلى الأدب» ويذكر أن للشبراوى فيه مدائح طنانة، وفيه يقول: سليل المكرمات ابن الكبورى ... كريم الطبع والأصل الشّهير أقام العدل فى مصر وأحيا ... معالمه بها بعد الدّثور

стр. 3361

وإن لمعت صوارمه بأرض ... تسارعت العصاة إلى القبور وإن حادثته فى العلم تلقى ... بحورا موجها درّ النّحور وإن ساومته شعرا فحدّث ... عن ابن أبى ربيعة أو جرير وإن تسمع تلاوته تجده ... حكى داود يلهج بالزّبور أدام الله دولته بمصر ... ومتّعنا به دهر الدهور وأنقذنا به من كلّ كرب ... وكفّ بعزمه أهل الفجور ونسيج القصيدة جيد، والشبراوى يمدح الكبورى بقضائه على أهل الفجور وإشاعته للعدل الذى لا تصلح حياة الأمة بدونه، وينوّه بعلمه وحسن تلاوته للذكر الحكيم كما ينوه بشعره ونثره. وقد مضى فى القصيدة يمدحه ببلاغته وتفوقه على نوابغ الشعراء من أمثال ابن هانى الأندلسى ونوابغ الكتّاب من أمثال الحريرى. وكثرت منذ زمن المماليك تقاريظ الكتب والمصنفات الأدبية والبلاغية، وللشبراوى من تقريظ لبديعية وشرحها لعلى بن تاج الدين: أذاك ثغر تبسّم ... أم ذاك لطف تجسّم أم روضة قد تغنّى ... شحرورها وترنّم أم الصّبا حين هبّت ... أزالت الهمّ والغمّ قد كنت أعتب دهرى ... وأحسب الدهر أعقم حتى رأيت عجيبا ... من فضلك الباهر الجم فكلّ لفظك لطف ... وكلّ معناك محكم والتقريظ طويل إذ تحوّل به الشبراوى إلى مدحة يشيد فيها بعلم على بن تاج الدين وحفظه وفهمه كما يشيد بنثره وشعره وذكائه وبراعته. وكان من عادة الشعراء حين يتولى أمير أو يتوفّى هو أو بعض العلماء أو الأدباء أن ينظموا أبياتا فى تلك المناسبة، إذا حسبت حروف الكلمات فى شطرها الأخير بحساب الجمّل أرّخت لسنة الوفاة أو الولاية ونحو ذلك. وكان الشبراوى يشارك فى هذا الصنيع، من ذلك تأريخه لوفاة الشيخ أحمد الدلنجاوى شاعر وقته المتوفى سنة ١١٢٣ للهجرة: سألت الشعر هل لك من صديق ... وقد سكن الدّلنجاوىّ لحده فصاح وخرّ مغشيّا عليه ... وأصبح ساكنا فى القبر عنده فقلت لمن أراد الشّعر أقصر ... فقد أرخّت: مات الشّعر بعده

стр. 3362

وللشيخ الشبراوى بعض غزليات رقيقة، كان يفرد لها أحيانا مقطوعات قصيرة، وأحيانا يجعلها فى مقدمات مدائحه على عادة الشعراء السابقين، ومن قوله فى مقدمة إحدى مدائحه لعبد الله الكبورى: أعد خبر العذيب وساكنيه ... وكرّر طيب ذكرهم عليّا فإنهم-وإن هجروا وصدّوا ... أحبّ الناس كلّهم إليّا وواضح أن صياغة الشبراوى جيدة، وفى شعره وشعر أمثاله من معاصريه ما يدل على أن الشعر كانت لا تزال فيه أيام العثمانيين بقية من حيوية وحياة. ٥ - شعراء المراثى والشكوى نشط الرثاء فى مصر من قديم، ونلتقى به زمن الولاة فى العهد الأموى، ولعل أهم وال رثاه الشعراء حين موته عبد العزيز بن مروان، وكان-كما مرّ بنا-ممدّحا، وتصادف أن توفى بعد وفاة ابنه الأصبغ بنحو شهر، فبكاهما الشعراء، وسجل الكندى بكاءهم لهما فى كتاب الولاة والقضاة كما سجل بكاءهم لدارهما المذهبة حين أمر مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين بحرقها وهو فارّ بمصر وجيش العباسيين يطارده، وكان عبد العزيز قد تأنق فيها، وكأنما عزّ على مروان أن تصير للعباسيين. ونمضى فى زمن الولاة وتلقانا فى كتاب الولاة والقضاة مراث مختلفة لنفر منهم ولبعض الشخصيات العربية، وفى رأينا أن أهم مرثية خلفتها تلك الحقبة مرثية المعلّى الطائى لجاريته، وقد أشرنا إليها فيما أسلفنا من حديث. وتظلّ الدولة الطولونية مصر، ومرّ بنا ما كفلته لمصر من استقلال عن بغداد ومن نهضة عمرانية وعلمية وأدبية وما أقامته من آثار عظيمة فى مقدمتها قصر ابن طولون وميدانه الذى حوله خمارويه إلى بستان رائع واتخذ فيه بركة من الزئبق، واتخذ لنفسه فى قصره مجلسا سماه مجلس الذهب نقش على جدرانه صور بارزة له ولحظاياه وعلى رءوسهن أكاليل الذهب المرصعة بالجواهر. وأغدقت الدولة على الشعراء إغداقا واسعا، فلما قضى عليها جيش الخلافة العباسية بقيادة محمد بن سليمان-كما أسلفنا-وهدمت آثارها بكاها الشعراء وبكوا آثارها

стр. 3363

بدموع غزار من مثل قول إسماعيل بن أبى هاشم (١): قف وقفة بفناء باب السّاج ... والقصر ذى الشّرفات والأبراج (٢) وربوع قوم أزعجوا عن دارهم ... بعد الإقامة أيّما إزعاج فانظر إلى آثارهم تلقى لهم ... علما بكل ثنيّة وفجاج (٣) ولسعيد القاصّ مرثية طويلة للدولة وآثارها احتفظ بها الكندى (٤) فى كتابه الولاة والقضاة، واقتطف بعض أبياتها ابن تغرى بردى وأنشدها مع ما أنشد من مراثى الشعراء للدولة وما كانت أقامت من قصور ومبان وآثار فخمة ضخمة، ومن قول ابن أبى هاشم مخاطبا القصر وقد خلا من سكانه: بالله عندك علم من أحبّتنا ... أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا وتكاثر الشعراء-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-لعهد الدولة الإخشيدية، غير أنهم لم يبكوها حين دخل جوهر الصقلى مصر واستولى عليها باسم إمامه المعز لدين الله سنة ٣٥٨ وقد يرجع ذلك إلى أن مدة الإخشيد لم تطل، وخلفه ابنه أنوجور حتى سنة ٣٤٩ فأخوه على حتى سنة ٣٥٥ وكان كافور مدبر مملكتهما، ولم يكن لهما من السلطان شئ. وخلف عليا كافور حتى سنة ٣٥٧ وتوفى فخلفه أحمد بن على بن الإخشيد وعمره إحدى عشرة سنة، واضطربت أمور مصر اضطرابا شديدا، ولم يتداركها الخليفة العباسى ببغداد، وسرعان ما دخلت رايات المعز الفاطمى بقيادة جوهر، واستولى على البلاد دون مقاومة تذكر، وكأنما تنفست مصر الصعداء بزوال هذه الدولة فلم يبكها أحد من شعرائها على نحو ما بكوا الدولة الطولونية. وتلقانا فى أوائل الدولة الفاطمية مراث مختلفة لتميم بن المعز أوّل خلفائها بمصر، وكان أكبر أولاده، وكان المظنون أن يتخذه ولى عهده، غير أن سيرته السيئة جعلت أباه يصرف ولاية العهد عنه إلى أخيه عبد الله، حتى إذا توفى مبكرا سنة ٣٦٤ حولها إلى أخيه نزار الذى تلقب بلقب العزيز، ولتميم مرثية فى أخيه عبد الله مطلعها (٥): كل حىّ إلى الفناء يصير ... والليالى تعلّة وغرور

стр. 3364

ويبكى شبابه بدموع غزار، وما يلبث القدر أن يلمّ بأبيه المعز سنة ٣٦٥ ويرثيه بمقطوعة قصيرة تخلو من اللوعة على فقده، وهو شئ طبيعى لتنحيته له عن العهد. ويتوفّى أخوه عقيل عن ثلاثين عاما، ويبكى فيه الحسين الشهيد وآباءه الفاطميين. ويبكى جارية له بكاء فيه غير قليل من اللهفة والحسرة على ما ضاع منه فيها من الجمال وحسن الصوت والغناء وطيب المدام كما يقول، ويبكى بالمثل قينة مغنية. وله فى الحسين مرثية رائعة، وهو يبكيه بكاء مؤثرا قائلا (١). نحروه غير مذمّم ... نحر الهدايا للضّحيّه ويصوّر موقعة كربلاء وما سفك فيها من دماء البيت العلوى، ويصف موكب النساء اللائى كنّ مع الحسين وهنّ مشهّرات على ظهور الإبل إلى يزيد بالشام ولا من يرحمهن أو يشفق عليهن، ويتوعد الأمويين بالويل والثبور والدمار، والمرثية تكتظ بالأنّات واللوعات الممضة. ونلتقى بالمسبّحى مؤرخ دولتهم المتوفى سنة ٤٢٠ ويذكر له ابن خلكان فى ترجمته مرثية لأبيه ومرثية أخرى لأم ولده، وفيها يقول (٢). ويا ليتنى للموت قدّمت قبلها ... وإلا فليت الموت أذهبنا معا وتكثر مراثى الشعراء لخلفاء تلك الدولة، ومن ذلك مرثية أبى المناقب عبد الباقى بن على التنوخى للمستنصر، إذ يقول (٣): وليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى ... ولا أمره أمر يقاس به أمر وقد بكت الخنساء صخرا وإنه ... ليبكيه من فرط المصاب به الصّخر وقلما مات وزير فى العصر إلا بكاه الشعراء وبالمثل القضاة وكبار الكتاب وأصحاب الوظائف العليا فى الدولة، وتلقانا من ذلك طرائف كقول ابن قادوس الدمياطى فى مرثية (٤): يا فجعة هى فى الجنان مسرّة ... لقدومه تختال فى غرفاتها إن كان فى الدنيا عليه مأتم ... فأراه عرس الحور فى جنّاتها وحين قضى صلاح الدين الأيوبى على هذه الدولة لم يبكها المصريون ولا ودّعوها، لأنهم لم يكونوا راضين عن عقيدتها الإسماعيلية المفرطة فى الغلو، وكان حكمها قد فسد فسادا شديدا على

стр. 3365

نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وتكفل بذلك شاعر من شيعتها هو عمارة اليمنى الذى ترجمنا له فى الجزء السابق من هذا التاريخ للأدب العربى. ولعل بطلا لم يبكه الشعراء كما بكوا صلاح الدين محطم الصليبيين حين انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد أقيمت عليه المآتم فى غير بلد من البلدان العربية، ورثاه كثير من الشعراء، من ذلك قول العماد الأصبهانى فى رثائه (١): لا تحسبوه مات شخصا واحدا ... قد عمّ كلّ العالمين مماته لو كان فى عصر النبىّ لأنزلت ... فى ذكره من ذكره آياته يا راعيا للدين حين تمكنت ... من كل قلب مؤمن روعاته فعلى صلاح الدين يوسف دائما ... رضوان ربّ العرش بل صلواته وهى مرثية طويلة فى مائتين وثلاثين بيتا، صوّر فيها جهاده فى الدين واستبساله فى حروب الصليبيين حتى استخلص منهم بيت المقدس وأكثر بلدانهم وحصونهم فى الشام ما حقّا لهم محقا ذريعا. ويتوفّى صلاح الدين ويخلفه ابنه العزيز سنة ٥٨٩ كما مر بنا فى غير هذا الموضع ويتوفى سنة ٥٩٥ ويخلفه أخوه الأفضل وما يلبث عمّه العادل أن يستولى منه على عرش مصر، ويعمل على تعفية آثار العزيز ويبكى القاضى الفاضل قصره وقصر أبيه بمثل قوله مخاطبا القصر (٢). وكم قد حججنا فيك للمجد كعبة ... وكم قد أقمنا فيك للحجّ موسما وكم قد وجدنا فيك رأفة راحة ... تقبّل إذ تعطى حطيما وزمزما ولابن سناء الملك مراث مختلفة فى أصدقائه وأقربائه وأهله، وله ندب رائع فى أبيه، تنهمر فيه دموعه، وتنسكب، وهو يذكر تقواه ونسكه ذكرى ممضة، وما يزال يندبه ويبكيه قائلا (٣): ويا أرضه إن ينكسف بك بدره ... فما برحت فى الأرض تكسف أقمار وبنفس اللوعة والحرقة لموت الأب يلتاع لموت الأم وتظلم الدنيا فى عينه، ويحس كأنما كان فى فردوس معها من فراديس الجنان وأخرج منه إلى غير أوبة يقول (٤): لهف نفسى عليك ياما بقلبى ... منك يا طول حسرتى وعنائى كنت فى جنّة فأخرجت منها ... واستعاد العطاء ربّ العطاء
следующие страницы →