وإن لمعت صوارمه بأرض ... تسارعت العصاة إلى القبور
وإن حادثته فى العلم تلقى ... بحورا موجها درّ النّحور
وإن ساومته شعرا فحدّث ... عن ابن أبى ربيعة أو جرير
وإن تسمع تلاوته تجده ... حكى داود يلهج بالزّبور
أدام الله دولته بمصر ... ومتّعنا به دهر الدهور
وأنقذنا به من كلّ كرب ... وكفّ بعزمه أهل الفجور
ونسيج القصيدة جيد، والشبراوى يمدح الكبورى بقضائه على أهل الفجور وإشاعته للعدل الذى لا تصلح حياة الأمة بدونه، وينوّه بعلمه وحسن تلاوته للذكر الحكيم كما ينوه بشعره ونثره.
وقد مضى فى القصيدة يمدحه ببلاغته وتفوقه على نوابغ الشعراء من أمثال ابن هانى الأندلسى ونوابغ الكتّاب من أمثال الحريرى. وكثرت منذ زمن المماليك تقاريظ الكتب والمصنفات الأدبية والبلاغية، وللشبراوى من تقريظ لبديعية وشرحها لعلى بن تاج الدين:
أذاك ثغر تبسّم ... أم ذاك لطف تجسّم
أم روضة قد تغنّى ... شحرورها وترنّم
أم الصّبا حين هبّت ... أزالت الهمّ والغمّ
قد كنت أعتب دهرى ... وأحسب الدهر أعقم
حتى رأيت عجيبا ... من فضلك الباهر الجم
فكلّ لفظك لطف ... وكلّ معناك محكم
والتقريظ طويل إذ تحوّل به الشبراوى إلى مدحة يشيد فيها بعلم على بن تاج الدين وحفظه وفهمه كما يشيد بنثره وشعره وذكائه وبراعته. وكان من عادة الشعراء حين يتولى أمير أو يتوفّى هو أو بعض العلماء أو الأدباء أن ينظموا أبياتا فى تلك المناسبة، إذا حسبت حروف الكلمات فى شطرها الأخير بحساب الجمّل أرّخت لسنة الوفاة أو الولاية ونحو ذلك. وكان الشبراوى يشارك فى هذا الصنيع، من ذلك تأريخه لوفاة الشيخ أحمد الدلنجاوى شاعر وقته المتوفى سنة ١١٢٣ للهجرة:
سألت الشعر هل لك من صديق ... وقد سكن الدّلنجاوىّ لحده
فصاح وخرّ مغشيّا عليه ... وأصبح ساكنا فى القبر عنده
فقلت لمن أراد الشّعر أقصر ... فقد أرخّت: مات الشّعر بعده
стр. 3362
وللشيخ الشبراوى بعض غزليات رقيقة، كان يفرد لها أحيانا مقطوعات قصيرة، وأحيانا يجعلها فى مقدمات مدائحه على عادة الشعراء السابقين، ومن قوله فى مقدمة إحدى مدائحه لعبد الله الكبورى:
أعد خبر العذيب وساكنيه ... وكرّر طيب ذكرهم عليّا
فإنهم-وإن هجروا وصدّوا ... أحبّ الناس كلّهم إليّا
وواضح أن صياغة الشبراوى جيدة، وفى شعره وشعر أمثاله من معاصريه ما يدل على أن الشعر كانت لا تزال فيه أيام العثمانيين بقية من حيوية وحياة.
٥ - شعراء المراثى والشكوى
نشط الرثاء فى مصر من قديم، ونلتقى به زمن الولاة فى العهد الأموى، ولعل أهم وال رثاه الشعراء حين موته عبد العزيز بن مروان، وكان-كما مرّ بنا-ممدّحا، وتصادف أن توفى بعد وفاة ابنه الأصبغ بنحو شهر، فبكاهما الشعراء، وسجل الكندى بكاءهم لهما فى كتاب الولاة والقضاة كما سجل بكاءهم لدارهما المذهبة حين أمر مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين بحرقها وهو فارّ بمصر وجيش العباسيين يطارده، وكان عبد العزيز قد تأنق فيها، وكأنما عزّ على مروان أن تصير للعباسيين.
ونمضى فى زمن الولاة وتلقانا فى كتاب الولاة والقضاة مراث مختلفة لنفر منهم ولبعض الشخصيات العربية، وفى رأينا أن أهم مرثية خلفتها تلك الحقبة مرثية المعلّى الطائى لجاريته، وقد أشرنا إليها فيما أسلفنا من حديث. وتظلّ الدولة الطولونية مصر، ومرّ بنا ما كفلته لمصر من استقلال عن بغداد ومن نهضة عمرانية وعلمية وأدبية وما أقامته من آثار عظيمة فى مقدمتها قصر ابن طولون وميدانه الذى حوله خمارويه إلى بستان رائع واتخذ فيه بركة من الزئبق، واتخذ لنفسه فى قصره مجلسا سماه مجلس الذهب نقش على جدرانه صور بارزة له ولحظاياه وعلى رءوسهن أكاليل الذهب المرصعة بالجواهر. وأغدقت الدولة على الشعراء إغداقا واسعا، فلما قضى عليها جيش الخلافة العباسية بقيادة محمد بن سليمان-كما أسلفنا-وهدمت آثارها بكاها الشعراء وبكوا آثارها
стр. 3363
بدموع غزار من مثل قول إسماعيل بن أبى هاشم (١):
قف وقفة بفناء باب السّاج ... والقصر ذى الشّرفات والأبراج (٢)
وربوع قوم أزعجوا عن دارهم ... بعد الإقامة أيّما إزعاج
فانظر إلى آثارهم تلقى لهم ... علما بكل ثنيّة وفجاج (٣)
ولسعيد القاصّ مرثية طويلة للدولة وآثارها احتفظ بها الكندى (٤) فى كتابه الولاة والقضاة، واقتطف بعض أبياتها ابن تغرى بردى وأنشدها مع ما أنشد من مراثى الشعراء للدولة وما كانت أقامت من قصور ومبان وآثار فخمة ضخمة، ومن قول ابن أبى هاشم مخاطبا القصر وقد خلا من سكانه:
بالله عندك علم من أحبّتنا ... أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا
وتكاثر الشعراء-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-لعهد الدولة الإخشيدية، غير أنهم لم يبكوها حين دخل جوهر الصقلى مصر واستولى عليها باسم إمامه المعز لدين الله سنة ٣٥٨ وقد يرجع ذلك إلى أن مدة الإخشيد لم تطل، وخلفه ابنه أنوجور حتى سنة ٣٤٩ فأخوه على حتى سنة ٣٥٥ وكان كافور مدبر مملكتهما، ولم يكن لهما من السلطان شئ. وخلف عليا كافور حتى سنة ٣٥٧ وتوفى فخلفه أحمد بن على بن الإخشيد وعمره إحدى عشرة سنة، واضطربت أمور مصر اضطرابا شديدا، ولم يتداركها الخليفة العباسى ببغداد، وسرعان ما دخلت رايات المعز الفاطمى بقيادة جوهر، واستولى على البلاد دون مقاومة تذكر، وكأنما تنفست مصر الصعداء بزوال هذه الدولة فلم يبكها أحد من شعرائها على نحو ما بكوا الدولة الطولونية.
وتلقانا فى أوائل الدولة الفاطمية مراث مختلفة لتميم بن المعز أوّل خلفائها بمصر، وكان أكبر أولاده، وكان المظنون أن يتخذه ولى عهده، غير أن سيرته السيئة جعلت أباه يصرف ولاية العهد عنه إلى أخيه عبد الله، حتى إذا توفى مبكرا سنة ٣٦٤ حولها إلى أخيه نزار الذى تلقب بلقب العزيز، ولتميم مرثية فى أخيه عبد الله مطلعها (٥):
كل حىّ إلى الفناء يصير ... والليالى تعلّة وغرور
стр. 3364
ويبكى شبابه بدموع غزار، وما يلبث القدر أن يلمّ بأبيه المعز سنة ٣٦٥ ويرثيه بمقطوعة قصيرة تخلو من اللوعة على فقده، وهو شئ طبيعى لتنحيته له عن العهد. ويتوفّى أخوه عقيل عن ثلاثين عاما، ويبكى فيه الحسين الشهيد وآباءه الفاطميين. ويبكى جارية له بكاء فيه غير قليل من اللهفة والحسرة على ما ضاع منه فيها من الجمال وحسن الصوت والغناء وطيب المدام كما يقول، ويبكى بالمثل قينة مغنية. وله فى الحسين مرثية رائعة، وهو يبكيه بكاء مؤثرا قائلا (١).
نحروه غير مذمّم ... نحر الهدايا للضّحيّه
ويصوّر موقعة كربلاء وما سفك فيها من دماء البيت العلوى، ويصف موكب النساء اللائى كنّ مع الحسين وهنّ مشهّرات على ظهور الإبل إلى يزيد بالشام ولا من يرحمهن أو يشفق عليهن، ويتوعد الأمويين بالويل والثبور والدمار، والمرثية تكتظ بالأنّات واللوعات الممضة. ونلتقى بالمسبّحى مؤرخ دولتهم المتوفى سنة ٤٢٠ ويذكر له ابن خلكان فى ترجمته مرثية لأبيه ومرثية أخرى لأم ولده، وفيها يقول (٢).
ويا ليتنى للموت قدّمت قبلها ... وإلا فليت الموت أذهبنا معا
وتكثر مراثى الشعراء لخلفاء تلك الدولة، ومن ذلك مرثية أبى المناقب عبد الباقى بن على التنوخى للمستنصر، إذ يقول (٣):
وليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى ... ولا أمره أمر يقاس به أمر
وقد بكت الخنساء صخرا وإنه ... ليبكيه من فرط المصاب به الصّخر
وقلما مات وزير فى العصر إلا بكاه الشعراء وبالمثل القضاة وكبار الكتاب وأصحاب الوظائف العليا فى الدولة، وتلقانا من ذلك طرائف كقول ابن قادوس الدمياطى فى مرثية (٤):
يا فجعة هى فى الجنان مسرّة ... لقدومه تختال فى غرفاتها
إن كان فى الدنيا عليه مأتم ... فأراه عرس الحور فى جنّاتها
وحين قضى صلاح الدين الأيوبى على هذه الدولة لم يبكها المصريون ولا ودّعوها، لأنهم لم يكونوا راضين عن عقيدتها الإسماعيلية المفرطة فى الغلو، وكان حكمها قد فسد فسادا شديدا على
стр. 3365
نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وتكفل بذلك شاعر من شيعتها هو عمارة اليمنى الذى ترجمنا له فى الجزء السابق من هذا التاريخ للأدب العربى. ولعل بطلا لم يبكه الشعراء كما بكوا صلاح الدين محطم الصليبيين حين انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد أقيمت عليه المآتم فى غير بلد من البلدان العربية، ورثاه كثير من الشعراء، من ذلك قول العماد الأصبهانى فى رثائه (١):
لا تحسبوه مات شخصا واحدا ... قد عمّ كلّ العالمين مماته
لو كان فى عصر النبىّ لأنزلت ... فى ذكره من ذكره آياته
يا راعيا للدين حين تمكنت ... من كل قلب مؤمن روعاته
فعلى صلاح الدين يوسف دائما ... رضوان ربّ العرش بل صلواته
وهى مرثية طويلة فى مائتين وثلاثين بيتا، صوّر فيها جهاده فى الدين واستبساله فى حروب الصليبيين حتى استخلص منهم بيت المقدس وأكثر بلدانهم وحصونهم فى الشام ما حقّا لهم محقا ذريعا. ويتوفّى صلاح الدين ويخلفه ابنه العزيز سنة ٥٨٩ كما مر بنا فى غير هذا الموضع ويتوفى سنة ٥٩٥ ويخلفه أخوه الأفضل وما يلبث عمّه العادل أن يستولى منه على عرش مصر، ويعمل على تعفية آثار العزيز ويبكى القاضى الفاضل قصره وقصر أبيه بمثل قوله مخاطبا القصر (٢).
وكم قد حججنا فيك للمجد كعبة ... وكم قد أقمنا فيك للحجّ موسما
وكم قد وجدنا فيك رأفة راحة ... تقبّل إذ تعطى حطيما وزمزما
ولابن سناء الملك مراث مختلفة فى أصدقائه وأقربائه وأهله، وله ندب رائع فى أبيه، تنهمر فيه دموعه، وتنسكب، وهو يذكر تقواه ونسكه ذكرى ممضة، وما يزال يندبه ويبكيه قائلا (٣):
ويا أرضه إن ينكسف بك بدره ... فما برحت فى الأرض تكسف أقمار
وبنفس اللوعة والحرقة لموت الأب يلتاع لموت الأم وتظلم الدنيا فى عينه، ويحس كأنما كان فى فردوس معها من فراديس الجنان وأخرج منه إلى غير أوبة يقول (٤):
لهف نفسى عليك ياما بقلبى ... منك يا طول حسرتى وعنائى
كنت فى جنّة فأخرجت منها ... واستعاد العطاء ربّ العطاء
стр. 3366
وكلمة «ياما» فى الشطر الأول من كلمات العاميّة المصرية ومعناها كثير. ويلقانا بنفس اللهفة والحسرة والإحساس الحاد بالألم والحزن والضيق والوحشة فى رثائه لجارية شابة، اختطفها منه الموت دون شفقة أو رحمة، ويظل يئنّ ويسكب دموعه إلى أن يقول (١):
وآنسنى من بعدها طول وحشتى ... وضاجعنى فى مضجعى بعدها كربى
أيا ترب ما أنصفت نضرة غصنها ... أهذا صنيع التّرب بالغصن الرّطب
ويشتهر ابن النبيه بمرثية دالية رائعة رثى بها ابنا للخليفة الناصر سنة ٦١٣ وهى من بدائع المراثى، إذ يعزّى الناصر عن ابنه فى أسى ولوعة ودعوة حارة إلى الصبر على المصاب بمثل قوله (٢):
الموت نقّاد على كفّه ... جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظلّ ولا بدّ أن ... يزول ذاك الظّلّ بعد امتداد
ولا يموت سلطان أيوبى بمصر حتى يندبه الشعراء، وممن ندبوه الملك الصالح نجم الدين أيوب المتوفى سنة ٦٤٧ وهو يستعد لمنازلة لويس التاسع، وخلفه ابنه توران شاه ففتك بالصليبيين فتكا ذريعا، وأخذ لويس التاسع قائد الحملة الصليبية أسيرا، غير أن مماليكه لم يلبثوا أن فتكوا بالبطل: بطل موقعة المنصورة وبكاه غير شاعر مصرى من مثل قول ابن مطروح (٣):
يا بعيد الليل من سحره ... دائما يبكى على قمره
خلّ ذا واندب معى ملكا ... ولّت الدنيا على أثره
وحقّا ولّت دنيا الدولة الأيوبية على أثره وغربت شمسها المضيئة، إذ استولى المماليك على صولجان الحكم بمصر. وأول سلاطينهم العظام الظاهر بيبرس بطل موقعة عين جالوت التى سحق فيها التتار، ودفع سيولهم إلى الوراء حتى حلب فالعراق. وله بعد ذلك بلاء رائع فى حرب بقايا الصليبيين والاستيلاء على كثير من حصونهم بالشام، حتى إذا توفى سنة ٦٧٨ بكاه شعراء مصر بمثل قول محيى الدين (٤) بن عبد الظاهر:
стр. 3367
هذا الذى هزم التتار فأصبحوا ... تغتالهم عند الكرى الأحلام
هذا الذى قهر الفرنج فكلّهم ... ترديهم من رعبه الأوهام
وقلما يتوفى سلطان بعد الظاهر فى زمن المماليك إلا ويبكيه الشعراء.
ومرّ بنا الحديث عن ابن نباتة وممدوحه السلطان المؤيد الذى دبّج فيه غرر المدائح، حتى إذا مات رثاه بمراث طنانة وفيها يبكيه بكاء حارا من مثل قوله فى إحدى مراثيه:
نعى المؤيّد ناعيه فوا أسفا ... للغيث كيف غدت عنا غواديه
واروعتا لصباح من رزيّته ... أظنّ أن صباح الحشر ثانيه
ليت الحمام حبا الأيام موهبة ... فكان يفنى بنى الدنيا ويبقيه
ليت الأصاغر يفدى الأكبرون بها ... فكانت الشّهب فى الآفاق تفديه
وهو تأبين ممزوج بندب وأنين، وحسرة ما بعدها حسرة، حتى ليتمنى لومات الناس جميعا فداء للمؤيد بل يتمنى لو كانت الشهب تستطيع أن تفديه.
ويستولى العثمانيون على مصر ويتعاقب عليها ولاتهم ولشعرائها فيهم وفى كبار الموظفين حيث يتوفون مراث كثيرة، من ذلك قول الشيخ محمد الغمرى فى رثاء الأمير إسماعيل بن إيواظ المتوفى سنة ١١٣٦ للهجرة (١):
أفى أمان وسيف الأمن قد غمدا ... وبدر أفق سماء العدل قد فقدا
وشمس نصر عباد الله قد كسفت ... ودولة العزّ ماتت بالذى لحدا
كم قد أغاث فقيرا من ظلامته ... وأبدل الجور عدلا والفسوق هدى
وتكثر مراثى العلماء الأعلام وتكتظ بمراثيهم كتب التراجم، وخاصة منذ عصر المماليك، من ذلك قول (٢) عبد الباسط بن خليل الحنفى، فى رثاء جلال الدين عبد الرحمن السيوطى حين توفى سنة ٩١١:
مات جلال الدين غوث الورى ... مجتهد العصر إمام الوجود
فياعيون انهملى بعده ... ويا قلوب انفطرى بالوقود
ويروى الجبرتى أنه لما مات الشيخ محمد العشماوى سنة ١١٦٧ قال بعض شعراء الوقت وهـ
стр. 3368
السيد حسين الإدكاوى قصيدة أنشدت وقت الصلاة عليه مطلعها (١):
ما بين حرقة أدمعى وتولّهى ... نار يؤجّجها لهيب تولّهى
يا أرض ميدى يا سماء تشقّقى ... يا شمس نوحى يا نجوم تأوّهى
والمبالغة واضحة فى البيت الثانى
وكان وتر الشكوى من الزمن وأحواله وتقلباته ونوائبه ورزاياه ومن نكد الحظوظ وبؤس الحياة مشدودا دائما إلى قيثارات الشعراء يتغنون عليه آلامهم وأحزانهم وما يصيبهم من شر الحياة ونكرها ومن ضعة الحظوط التى كتبت عليهم فيها، ومن نزول المصائب التى تعصف بهم، من مثل قول تميم بن المعز (٢):
أما والذى لا يملك الأمر غيره ... ومن هو بالسرّ المكتّم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلما ... لإعلانها عندى أشدّ وآلم
صبرت عن الشكوى خياء وعفة ... وهل يشتكى لدغ الأراقم أرقم (٣)
وبى كلّ ما يبكى العيون أقلّه ... وإن كنت منه دائما أتبّسم
وكان تميم يعيش فى نعيم لأنه ابن المعز مؤسس الدولة الفاطمية بمصر، غير أنه كان أكبر أبنائه وصرف ولاية العهد عنه إلى أخيه عبد الله حتى إذا توفى صرفها إلى أخيه نزار الملقب بالعزيز الفاطمى. وعاش تميم يتجرع مرارة هذه الغصّة دون أن يستطيع التفوه بكلمة، إلا مثل هذه الأبيات التى كان ينفس بها عما يجثم فى دخائله من ألم مرير. ويردد شعراء الدولة الفاطمية بعده شكواهم من الحياة وكوارثها والحظ وبؤسه وقصوره عن أمانيهم كقول ظافر الحداد (٤):
ولى همّة تبغى النجوم وحالة ... تصحّف ما تبغيه فهو لنا ضدّ
إذا رفعتنى تلك تخفض هذه ... فكلّ تناو فى إرادته الحدّ (٥)
فما حال شخص بين هاو وصاعد ... وليس له عن واحد منهما بدّ
تولتنى الأرزاء حتى كأنما ... فؤادى لكفّى كلّ لاطمة خدّ
فهمته ما تزال تصعد به حتى يصافح النجوم وحظه ما يزال يهبط به حتى يهوى إلى الدّرك
стр. 3369
الأسفل من البؤس والشقاء وكأنه فى أرجوحة ما يزال صاعدا هابطا وما تزال الأرزاء والكوارث تنزل به بل تلطم فؤاده لطما عنيفا.
ويلقانا بأخرة من الدولة الفاطمية داود بن مقدام من أهل المحلة شمالى طنطا ويقول العماد:
كان منحوس الحظ غير مبخوت، منكوب الجاه بحرفة الأدب منكوت، وينشد له (١):
لقد بكرت تلوم على خمولى ... كأن الرزق يجلبه احتيالى
وكم أدليت من دلو ولكن ... بلا بلل يردّ على قذالى (٢)
وكم علّقت أطماعى رجاء ... بخلّب بارق ووميض آل
ولا أنا بالكفاف النّزر راض ... ولا أنا عن طلاب الكثر سال
فصاحبته تلومه على خموله وأنه يقعد عن طلب الرزق، ومفتاحه ليس فى يده، وطالما أدلى بدلوه مع طلابه فعادت دلاؤهم ملاء، وارتد عليه دلوه فارغا، وكأنما يتعلق ببرق كاذب وسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وهو مع ذلك لا يزال يطمع فى الكثير وكان حريّا به أن يرضى بالنزر القليل.
وتخفّ الشكوى على ألسنة الشعراء فى زمن الدولة الأيوبية وانتصاراتها المدوية، إلا فى بعض لحظات تعسة قد تمر بالشاعر فيشكو شكوى عارضة كقول ابن سناء الملك (٣).
يا خيبة الحرّ الذى ... لم يلق فوق الأرض حرّا
وإذا اشتكى فقرا أسا ... ل الدمع من عينيه تبرا
والخلق تذرى الدمع ما ... ء وهو يذرى الدمع جمرا
وإذا تملّكت اللئا ... م فإن موت الحرّ أحرى
ولا أظن أن ابن سناء الملك اشتكى الفقر والبؤس يوما، فقد كان يعيش فى بحبوحة من الترف والنعيم، ولذلك نظن أنه قال قصيدة هذه الأبيات فى لحظة من لحظات غضبه، وهى فعلا أبيات عارضة فى ديوانه الضخم.
ويعود الشعراء إلى الشكوى فى أيام المماليك والحديث عن بؤسهم، وكانوا يمزجون هذا الحديث بخفة الظل التى عرف بها المصريون، حتى لتصبح الشكوى ضربا من الفكاهة أحيانا على
стр. 3370
نحو ما هو معروف عن الجزار والوراق وابن دانيال، وسنترجم لهم فى حديثنا عن شعراء الفكاهة.
ويأخذ هذا الحديث صورة عابسة جادة عند نفر من الشعراء، وفى مقدمتهم ابن نباتة الذى أكثر -كما أسلفنا-عن الحديث عن كثرة عياله كقوله لأحد ممدوحيه:
يا سيّدى دعوة ذى حالة ... أحالها الدهر وعدوانه
تفليسه فى الشام بعد الغنى ... يقضى بأن القلب حرّانه
فارق أولادا وأهلا وما ... تحمّلت للبين أظعانه
فهو يستعطف ممدوحه لما أصابه الدهر به من البؤس والضنك وضيق العيش، وقد فارق أولاده وأهله يبتغى أن يجد لهم ما يقوتهم وأن يعود لهم غنيا ثريا أوتى بسطة من الرزق. ويردد ابن نباتة ذلك كثيرا فى أشعاره. ووراءه كثيرون فى زمن المماليك كانوا يشكون مما يتجرعون من مرارة الحياة وعيشها البائس المضنى. وساعد على ذلك أن المماليك لم يرعوا الشعراء فى زمنهم رعاية الحكام من قبلهم، وأنهم قلما كانوا يسبغون عليها عطاياهم، وحتى ما كانوا يعطونه لهم أحيانا كان نزرا قليلا، فكان طبيعيا أن يستشعروا الحرمان والبؤس وأن يندبوا حظهم العاثر، وأن يصبّوا نقمتهم على الدهر والزمان. ثم حلت الحقبة العثمانية، فزادتهم إيغالا فى البؤس واليأس والشكوى المريرة. ولعل من الخير أن نقف قليلا عند بعض شعراء الرثاء والشكوى فى المراحل المختلفة لهذا العصر.
على بن النّضر (١)
من أهل الصعيد كان نحويا أديبا روى عنه ابن برّى وغيره ويقال إنه كان يحفظ كتاب سيبويه، وكان متصرفا فى علوم كثيرة، وهو أحد قضاة الصعيد النابهين، تولى قضاء الصعيد وإخميم فى زمن الأفضل بن بدر الجمالى (٤٨٧ - ٥١٥ هـ.) ويبدو أن موهبته الشعرية استيقظت مبكرة، مما جعله يقبل على شعر المديح محاكيا شعراء عصره. فمدح كثيرين من أعيان الصعيد وفى مقدمتهم بنو الكنز أعيان أسوان. ثم قصد بمديحه الأفضل فرفع منزلته وعينه قاضيا للصعيد، وفيه يقول أبو الصلت فى رسالته المصرية التى كتبها عن شعراء مصر وأدبائها، وقد
стр. 3371
افتتحها بذكره قائلا: «من الأفاضل الأعيان، المعدودين من حسنات الزمان، ذو الأدب الجم والعلم الواسع، والفضل الباهر والنثر الرائع، والنظم البارع، وله فى سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى، والرتبة الأولى» ويبدو أنه كان واسع الثقافة. ويقول الأدفوىّ صاحب الطالع السعيد:
«أكثر شعره فى تشكى الزمان والإخوان». وكان قد قصد الأفضل فى أول الأمر راجيا خدمة عنده أو ولاية فخاب أمله فيه وضاع رجاؤه، فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان ويشكو الخيبة والحرمان:
بين التعزّز والتذلل مسلك ... بادى المنار لعين كل موفّق
فاسلكه فى كل المواطن واجتنب ... كبر الأبىّ وذلّة المتملّق
ولقد جلبت من البضائع خيرها ... لأجلّ مختار وأكرم متّق
ورجوت خفض العيش تحت رواقه ... لابدّ إن نفقت وإن لم تنفق
ظنّا شبيها باليقين ولم أخل ... أن الزمان بما سقانى مشرقى (١)
لأقارعنّ الدهر دون مروءتى ... وجرمت عزّ النّصر إن لم أصدق
وهو ينصح غيره من الشعراء أن لا يصعّروا خدهم كبرا، وأهم من ذلك أن لا يسيموا أنفسهم ذل الملق والهوان، وليتخذوا منه ومما صنع به الأفضل عبرة وعظة، إذ قدم له بين يدى ما أمّله منه قصيدة بديعة من قصائده، فكان جزاؤه خيبة ما بعدها خيبة، ومع ذلك فهو يمسك نفسه، إذ هى أكبر من أن تنكسر، بل إنه ليهدد بمقارعة الدهر ونزاله دون مروءته وعزة نفسه.
وفزع إلى غير قليل من الزهد والقناعة يحض عليهما ويذم الضراعة، متأسفا على امتهان نفسه وإراقة ماء وجهه للأفضل دون طائل بمثل قوله:
لهفى لملك قناعة لو أننى ... متّعت فيه بعزّة المتملّك
ولكنز يأس كنت قد أحرزته ... لو لم تعث فيه الخطوب وتفتك
آليت أجعل ماء وجهى بعده ... كدم يهلّ به الحجيج بمنسك
لا أنشأتنى الحادثات لمثلها ... ورميت قبل وقوعها بالمهلك
لقد أضاع ملك قناعة كان هنيئا به متمتعا فيه بعز سلطانه، وأضاع معه كنز يأس من الوزراء والحكام أمثال الأفضل كان مغتبطا به سعيدا، ويقسم أن لا يريق ماء وجهه لأحد بعد الأفضل
стр. 3372
وما صنعه، ويدعو على نفسه بالموت إن هو فكر أن يعود إلى المديح وهوان الاستجداء وذله، ويتجه إلى ربه داعيا ضارعا بمثل قوله:
يا مستجيب دعاء المستجير به ... ويا مفرّج ليل الكربة الدّاجى
قد أرتجت دوننا الأبواب وامتنعت ... وجلّ بابك عن منع وإرتاج
نخاف عدلك أن يجرى القضاء به ... ونرتجيك فكن للخائف الراجى
فقد أغلقت أبواب الرجاء من دونه، وأظلمت الدنيا من حوله، وغرق فى كرب وغمّ، وأخذه اليأس من كل جانب، فلا أمل، بل قنوط مقيم، حتى ليخشى على نفسه من أن يغلق الله عنه بابه، وإنه ليمتلى خوفا ورجاء. ويعزى نفسه ويدعوها إلى الصبر الجميل:
يا نفس صبرا واحتسابا إنها ... غمرات أيام تمرّ وتنجلى
لا تيأسى من روح ربّك واحذرى ... أن تستقرّى بالقنوط فتحذلى
إنه يتمنى لنفسه أن تخلص من محنة اليأس الذى يملؤها شقاء وعناء ومسرة ولوعة، فيخفف عنها ذلك كله أو يحاول أن يخففه بما يدعوها إليه من الصبر على البلاء وأن لا تيأس من روح ربها فإنه لا ييأس من روحه إلا الظالمون لأنفسهم المستسلمون للقنوط وأهواله.
وكان على بن النضر يجيد الرثاء كما يجيد الشكوى من الزمان وأهله، وله مرثية بديعة فى إبراهيم ابن الزبير حاكم قوص لسنة ٤٧٢ للهجرة وهو جد المهذب بن الزبير الشاعر المار ذكره، استهلها بقوله:
يا مزن ذا جدث الرّشيد فقف معى ... نسفح بساحته مزاد الأدمع (١)
وامسح بأردان الصّبا أركانه ... كى لا يلمّ به شحوب البلقع
وبودّ نفسى لو سقيت ترابه ... دم مهجتى ووقيته بالأضلع
وهو يتجه إلى المزن أو السحاب الممطر محاولا أن يستوقفه ليسفح أمطاره معه على قبر صاحبه، بل ليسفحا معا عليه قربانا من الدموع، ويتوسل إليه أن يمسح بأكمام الصّبا أركانه، حتى يظل ناضرا لا يلم به شئ من شحوب البلقع أو القفر من حول جدثه، وكان بود نفسه لو فداه بروحه وسقى ترابه دم مهجته ووقاه بأضلعه، ويخاطب قبره ملتاعا بقوله:
стр. 3373
لتنفّست فيك الصّبا مفتوقة ... بنسيم مسك رياضها المتضوّع
أو ما عجبت لطود عزّ باذخ ... مستودع فى ذى الثلاث الأذرع
ولخدّ من وطئ الكواكب راقيا ... كيف ارتضى من بعدها باليرمع
ولقد وقفت على ربوعك شاكيا ... وبها الذى بى من أسى وتوجّع
وهو يدعو للقبر أن تهب عليه ريح الصّبا العطرة بمسك الرياض ذكى الرائحة وأن يظل ذلك دائما أبدا، ويعجب لهذا الجبل الشامخ عزا أن تطويه ثلاث أذرع ومن وطى الكواكب بقدمه راقيا أن يرتضى النزول تحت اليرمع أو الحجارة الرخوة، وإنه-مثل كل ما حوله من الربوع- ليمتلئ حسرة وأسى وتوجعا ما بعده توجع. ولعل فى ذلك كله ما يصور ملكة ابن النضر الشعرية الخصبة.
على بن عرّام (١)
شاعر أسوان مسقط رأسه وموطنه، بل شاعر الصعيد قاطبة، دفعه طموحه فى شبابه إلى أن ينزل الفسطاط ويأخذ عن علمائها اللغويين من أمثال ابن بركات وغير اللغويين، وكان فيه ذكاء وحب للعلم وفنونه، فبرع فى غير فن، وصنف تصانيف كثيرة. ويبدو أنه آثر المقام ببلدته أسوان، وله فى أعيانها غير مدحة، وكان كثير الوفود على حكام الصعيد من الأيوبيين فى قوص وغير قوص، من مثل مبارك بن منقذ وتوران شاه. ويقول العماد الأصبهانى إنه سأل عنه سنة ٥٧٣ فقالوا له إنه حىّ فى أسوان، وكان لا يزال يذكرها حين يبرحها فترة فى حنين بالغ، حتى ليقول فى إحدى رحلاته وقد ذكرها، فكأنما نكأ جرحا فى فؤاده إذ يقول متلهفا فى العودة إليها حين نفاه بنو الكنز أعيانها إلى إسنا:
ولا بارك الرحمن فيمن أزاحنى ... عن الظلّ والماء الزّلال الذى يجرى
مقيل ولكن أين منّى ظلّه ... وسقيا ولكنى بعيد عن القطر
فهو يتمنى وقت قيلولة بأسوان وشربة من مائها السلسبيل، إنها نعيمه وفردوسه الذى لا يماثله فردوس، وسرعان ما عاد إليها وظل بها حتى توفى سنة ٥٨٠. ويقول صاحب الطالع السعيد:
стр. 3374
«لم يكن فى أرض مصر من يدانيه فى فضله ويضاهيه فى نبله». ويشيد به وبشعره العماد الأصبهانى إشادة رائعة، ويذكر أن بعض أصدقائه أحضر له ديوانه فوجده من طبقة عالية، مما جعله يعرض منه ألوانا، ويقول: «قد أوردت من جملة نظمه الفائق الرائق، ولفظه الرائع الشائق، ما إذا حسر (١) سحر. . ولابن عرام فى ميدان النظم عرام (٢)، وبابتكار المعانى الحسان غرام، ولرويّته فى إذكاء (٣) نار الذكاء ضرام. . وكل سحر وخمر سوى منسوج فدامه (٤) وممزوج مدامه حرام، اعجب: بحر فى الصّعيد (٥) يقصد بالتيمم لمائه، ونجم فى صعود السعود لا يرتقى إلى سمائه». ويتلو العماد ذلك بطائفة من أشعاره مرتبة على حروف الهجاء، ويذكر له من قصيدة فى رثاء بعض العلويين، وربما كانت من أشعاره فى زمن الفاطميين، وفيها يقول:
إنما هذه الحياة غرور ... كسراب بدا لنا فى فجاج
تتبع الحلو من جنى عيشها الحل ... وبمرّ من الرزّايا أجاج (٦)
نحن فيها كمثل ركب أناخوا ... ساعة ثم أرهقوا بانزعاج
وتلك سنة الحياة: غرور كلها وسراب سرعان ما يزول، وحلو سرعان ما يحول مرا وملحا أجاجا، وما أشبه الناس فيها بركب أناخوا قليلا وجميعهم وقوف، كل منهم ينتظر دوره فى الرحيل، فالكل راحلون إلى أجداثهم وقبورهم فهى قرارهم ومنزلهم ولا مآب لهم منه ولا خلاص. وله مرثية فى ابن عمه هبة الله بن عرّام، وكان شاعرا محسنا وفيه يقول:
من لسود الخطوب غيرك يجلي ... ها وقد غاب منك بدر منير
من يحوك القريض مثلك يسدي ... هـ على خبرة به وينير (٧)
ليس فى العيش بعد فقدك خير ... حبّذا وافد الرّدى لو يزور
كان ظنى إذا المنايا انتحتنا ... أننى أوّل وأنت أخير (٨)
стр. 3375
كيف لى بالسلوّ عنه وطىّ ال ... قلب من فقده جوى منشور
فسقى قبره نداه ففيه ... لثراه غنّى ورىّ غزير
وهو شديد اللوعة على ابن عمه وصديقه، ولذلك يخلط ندبه بتأبينه، إذ فقد البدر الذى كان ينير فى دجى خطوب الدهر وكوارثه، وإنه ليندب للشعر شاعره المبدع الذى كان ينسج خيوطه نسجا محكما، وكأنما فقد كل نعيم فى دنياه وكل خير، حتى ليتمنى الموت، إذ لم يعد له بقاء بعده، ولا عاد يعرف كيف السلوان عنه، وقلبه منطو على نار من الجوى لا تخبو ولا تهدأ، وإنه ليذكر نداه وكرمه الذى طالما أغدقه على من حوله، ويدعو الله أن ينزله على جدثه شآبيب رحمة.
ويروى العماد لابن عرام قصيدة بل مناحة كان ينوح بها أهل أسوان على المقابر نادبين موتاهم باكين، استهلها بقوله:
الرّدى للأنام بالمرصاد ... كل حىّ منه على ميعاد
كيف يرجى ثبات أمر زمان ... هو جار طبعا على الأضداد
فإذا سرّ ساء حتما ويقضى ... بوجود إلى بلىّ ونفاد
فالموت غاية كل حى، والناس جميعا يسقطون فى قراره العميق، لكل منهم موعده لا يتقدم عنه ولا يتأخر، ويالها من سخرية للزمان، فإنه لا يبقى للإنسان على شئ، وحتى لو سرّه يوما لساءه يوما أو أياما، وإنه ليسلبه كل ما أعطاه حتى وجوده وحياته. ويمضى فى نفس القصيدة أو المرثية قائلا:
نحن فى هذه الحياة كسفر ... ربما أعجلوا عن الإرواد (١)
عرّسوا ساعة بها ثم نادى ... بالرحيل المجدّ فيهم مناد (٢)
كم أب واله بثكل بنيه ... كم يتيم فينا من الأولاد
يدّعى المرء إرث أرض ودار ... سفها غير لائق بالسّداد
وهو موروثها إذا كان يبقى ... وهى تبقى على مدى الآباد
وقصاراه أن يشيّع محمو ... لا بأكفانه على الأعواد
стр. 3376
وما أبأس الحياة من رحلة، وما أبأس ركب هذه الرحلة، فليس لهم فيها حق فى الريث والأناة، ولا فى التمهل والوقوف، إنها لا تزيد عن ساعة تنزلها قافلة، وسرعان ما يصيح فى ركبها مناد بالرحيل السريع، وكل من فى الركب يبكى وينوح ويئن أنينا لا ينقطع، أب يئن ويذرف الدموع مدرارا على أبنائه، وأبناء أيتام يئنون ودموعهم لا تجف ولا ترقا على آبائهم وأمهاتهم، وكأنما يقطعون جميعا واديا كله غصص وآلام، إنه وادى الموت يجوسون خلاله، وهم لا يدرون. وأعجب العجب أن يحرص الإنسان على إرث الأرض وملكها، وهو موروثها ومملوكها الذى سرعان ما يزول ويفنى، بينما هى باقية على كرّ الدهور، وما أعظمها عبرة، فكل إنسان مهما بلغ من الثراء أو المجد يخرج من دنياه كغيره محمولا على أعواد، وسرعان ما يلقى عليه رداء التراب الثقيل. ويقول ابن عرّام
وإذا الأهل والأقارب والأح ... باب راحوا فأنت فى الإثر غاد
فالقبور البيوت مضجعنا في ... ها وما إن سوى الثرى من وساد
كم أحال البلى إليه قديما ... جسدا ناعما من الأجساد
شاهد الموت لائح فى جبين ال ... حىّ منا فى ساعة الميلاد
فالكل ميت، وكل ما هناك سابق ومسبوق ورائح وغاد إلى القبور: البيوت الدائمة التى نضطجع فيها على وسائد الثرى، لا فرق بين إنسان وإنسان، فنحن جميعا بنو الموت، ونحن جميعا سكان القبور ومنذ يولد الإنسان يلوح على جبينه ساعة ميلاده شاهد موته وأنه ملقى به- طال أجله أو قصر-وراء تراب وأحجار.
ابن النقيب (١): الحسن بن شاور الكنانى
ولد بالفسطاط سنة ٦٠٨ وتوفى سنة ٦٨٧ وهو بذلك من شعراء الدولتين: الأيوبية والمملوكية، وكانت له عناية بالحديث النبوى. روى عنه الحافظ الدمياطى وغيره، واتصل بالأيوبيين، فعينوه فى دواوينهم، وقد لقيه ابن سعيد الأندلسى مؤلف كتاب المغرب حين زار
стр. 3377
مصر فى أوائل العقد الرابع من القرن السابع، يقول: «اجتمعت به وهو يتولى لسلطان مصر معدن الزمرد، فأبصرت شخصا مجسدا من الفضائل معنونا عن بيته-إذ ينسب إلى شاور وزير العاضد الخليفة الفاطمى-بما يبدو عليه من كرم الشمائل» وصنف كتابا سماه «منازل الأحباب ومنازه الألباب». وفى شعره ومنزلته الشعرية يقول ابن سعيد: «هو عندى من أفراد شعراء العصر المتغلغلين فى الغوص على المعانى الحائزين من غايات الإحسان ما يقصر فى إطرابه عنه المثالث والمثانى» ويقول ابن شاكر: «شعره جيد عذب منسجم فيه التورية الرائعة اللائقة المتمكنة. وهو أحد فرسان تلك الحلبة الذين كانوا من شعراء مصر فى ذلك العصر، ومقاطيعه جيدة إلى الغاية». وابن شاكر يقصد بالحلبة السراج الوراق والجزار والحمامى الذين كانت أسماؤهم على كل لسان لخفة روحهم وكثرة ما كانوا ينظمونه من التوريات، وكان ابن النقيب على شاكلتهم يكثر منها ومن طريف تورياته:
أنا العذرىّ فاعذرنى وسامح ... وجرّ علىّ بالإحسان ذيلا
ولما صرت كالمجنون عشقا ... كتمت زيارتى وأتيت ليلا
وكلمة «ليلا» فى نهاية البيت الثانى لا يريد بها الليل الحقيقى إذ جاء بها تورية عن صاحبته «ليلى». وهى تورية تدل على ما وراءها من سرعة بديهته، ورقة حسّه، وله غزل بديع سننشد منه قطعة فى حديثنا عن شعراء الغزل. وله محاورات كثيرة مع من سميناهم من الشعراء، وكتب إليه ابن سعيد ببيتيه اللذين أنشدناهما فى غير هذا الموضع، وهما:
أيا ساكنى مصر غدا النيل جاركم ... فأكسبكم تلك الحلاوة فى الشّعر
وكان بتلك الأرض سحر وما بقى ... سوى أثر يبدو على النظم والنّثر
وأجابه ابن النقيب من قطعة كتب بها إليه متواضعا:
ولا تطلبن سحر البيان بأرضنا ... فكم فيه موسى مبطل آية السّحر
ولا رقّة الشعر الذى كان أولا ... وكيف رقيق الشّعر مع قسوة الدهر
وإنما ذكرنا هذه الإجابة لما فيها من شكوى الدهر وقسوته، منذ الثلاثينيات من عمره، ولا ندرى هل ظل موظفا بالدواوين فى عهد المماليك أو أنه آثر العزلة مكتفيا بما ورثه عن آبائه؟ .
وأكبر الظن أنه ظل متصلا بالمماليك ودواوين الدولة، يدل على ذلك ما رواه ابن تغرى بردى،
стр. 3378
مما مرّ بنا فى غير هذا الموضع من أنه كان حاضرا وقعة الظاهر بيبرس مع التتار على شطّ الفرات سنة ٦٧١ وكيف أنه صوّر انتصاره تصويرا رائعا.
وحانت منه التفاتة فيما يبدو إلى جندى قبل المعركة كان فى الساقة وعرف أن له نظراء لا يوضعون فى مقدمة الجيش وإنما يوضعون فى مؤخرته، أو لعله إنما التفت قبل كل شئ إلى نفسه، فتأثر وبلغ به التأثر حدا بعيدا من الإحساس بالظلم، وإذا هو ينشد فى ألم بالغ:
نحن إلا قطاعة الأجناد ... وبرايات غرّ هذا النادى (١)
نحن إلا حكاية وخيال ... وحديث لحاضر ولبادى
نحن إلا غسالة لمراق ... لقدور تفرّغت وزبادى
نحن إلا زبالة ضمّها الزّبّ ... ال فوق الأكوام للوقّاد
جرّدونا فما قطعنا فردّو ... نا-وقد أحسنوا-إلى الأعماد
وعرضنا على براذين جيش ... ما استعدّت لحملة وطراد (٢)
ورماح لم تعتقل لطعان ... وسيوف ما جرّدت لجلاد
فهى لا فرق فى يد الفارس الكش ... حان منّا أو فى يد الحداد
ويبدو أنها شكوى بلسان فريق من الفرسان، ممن وضعوا فى مؤخرة الجيش الذى يقوده الظاهر بيبرس لحرب التتار يريدون أن يكونوا فى أول الصفوف لمنازلة العدو التتارى ودحره دحرا لا تقوم له قائمة بعده، ويسوق ابن النقيب الشكوى فى مرارة، إذ يقول على لسان هؤلاء الفرسان متهكما: ما نحن إلا نحاتة الأجناد بل نحن حكاية وخيال وحديث مردد، بل غسالة لمراق بل زبالة، ولعله يبالغ فى تصوير ما أصاب هؤلاء الفرسان من ظلم ويبدو أنهم كانوا مثله بلغوا من العمر عتيا فوضعوا فى المؤخرة. على أن فى شكوى ابن النقيب ما يدل على أن فرسان المقدمة إنما كانوا يختارون من أصلب الجنود وأعتاهم، إذ كانوا هم وغيرهم يعرضون، ويختارون فى أثناء العرض وبعد الاختبار، وهو لذلك يقول إنهم جردوهم لينظروا إلى أى حد هم سيوف قاطعة فلما لم يقطعوا ردوهم إلى الأغماد أو إلى المؤخرة، ويلقى التبعة على البغال التى ركبوها، فإنها
стр. 3379
لم تكن ممرنة على العدو الشديد والغارة السريعة، وأيضا فإن السيوف والرماح كانت قد علاها الصدأ ولم تعد صالحة للنزال، فسيان هى فى يد الفارس البطل منا أو فى يد الحداد كى يشحذها ويزيل عنها الصدأ. وتلقانا عند ابن النقيب شكوى مرددة من البؤس والفقر، فى مثل قوله:
يا قفل باب الرّزق ياذا الذى ... مازال عند الفتح قفلا عسر
أفرطت فى العسر ولا بدّ أن ... تنفشّ أو تندقّ أو تنكسر
وهو يشعر كأن باب الرزق أغلق من دونه، وهو يعالج فتحه، ولا ينفتح، ويشكو ما يلقاه من عسر وضيق وضنك، ويبأس من فتح هذا القفل بأى مفتاح من مفاتيح طلب الرزق فيأمل فى أن ينفشّ وتفتح أغلاقه أو يندق أو ينكسر. وتجتمع عليه الشيخوخة والعوز والإملاق، فينشد:
وجرّدت مع فقرى وشيخوختى التى ... تراها فنومى عن جفونى مشرّد
فلا يدّعى غيرى ثيابى فإننى ... أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد
وحتى ثيابه نزعها البؤس عنه، فهو شيخ فقير عريان مسهّد لا ينام. ولعل فى ذلك كله مبالغة، وهى على كل حال تدل على مدى إحساسه بلوعة البؤس واستطالته عليه فى شيخوخته.
ويبدو أن محنته بالحياة لم تقف عند ضيق ذات اليد، فقد اتسعت لتشمل الأصدقاء والأصفياء، حتى ليقول:
لا تثق من آدمىّ ... فى وداد بصفاء
كيف ترجو منه صفوا ... وهو من طين وماء
فطبيعى-فى رأيه-أن لا يصفى إنسان لصديقه إخاء. لأنه لا يعرف الصفاء، بل هو دائما كدر وكذلك كل ما يتصل به إذ هو مركب من طين وماء.
عبد الله (١) الإدكاوى
ولد بإدكو بالقرب من رشيد سنة ١١٠٤ وألحقه أبوه بكتّاب بها حفظ فيه القرآن الكريم، حتى إذا أئمه ذهب فى طلب العلم إلى القاهرة، فحضر دروس العلماء بها فى زمنه، واشتهر بأدبه
стр. 3380
وشعره، ولزم السيد على برهان زاده نقيب الأشراف، وظل يسبغ عليه من عطاياه، وحجّ معه بيت الله الحرام سنة ١١٤٧ وزار قبر الرسول ﷺ وعاد إلى القاهرة، وأقبل-كما يقول الجبرتى- على تحصيل الفنون الأدبية فنظم ونثر، ومهر وبهر، وهو فى أثناء ذلك يكثر من رحلاته إلى رشيد والإسكندرية ويطارح أدباءهما. وتزوج حينئذ وأصبح صاحب عيال، وتوفى النقيب المذكور، فلزم الشيخ عبد الله الشبراوى المترجم له بين شعراء المديح ومدحه بقصائد كثيرة، حتى إذا توفى سنة ١١٧١ لزم الشيخ الشمس الحفنى، وأنشد الجبرتى بعض مديحه فيه، وله يخاطبه من قصيدة:
يا بهجة العصر يا منهاج كلّ علا ... يا محييى الدين بالآثار والسّنن
وظل يلازمه إلى أن توفى سنة ١١٧٨ وصوّح روض عزّه بعده إلى أن توفى سنة ١١٨٤. وله تصانيف كثيرة منها الدرة الفريدة فى شرح مدحة نبوية، وهداية المتوهمين فى كذب المنجمين، ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطى ومنظومة فى علم العروض والمقامة التصحيفية ضمنها ألفاظا تتغير معانيها بالتصحيف ومقامة أخرى مجونية، وبضاعة الأريب فى شعر الغريب، وهى مجموعة من أشعاره. وله أيضا تخميس بانت سعاد والدر المنتظم فى الشعر الملتزم والفوائح الجنانية فى المدائح الرضوانية جمع فيها أشعار المادحين للأمير رضوان كتخدا، ثم أورد فى خاتمتها ماله من الأمداح فيه نظما ونثرا، وفيه يقول:
رضوان أوحد من تفرّد بالعطا ... فمنائح الأجواد بعض هباته
الفارس المقدام فى يوم الوغى ... والمرهب الآساد فى وثباته
ومن تصانيفه «الدر الثمين فى محاسن التضمين». وبجانب ذلك كله ديوانه وهو مرتب على الحروف الهجائية.
ويورد الجبرتى قطعة من شعر الإدكاوى تدل على براعته وقدرته على استخدام فنون البديع من تضمين وغير تضمين، ونراه يستعيد قدرة الحريرى فى بناء الأبيات من كلمات منقوطة وأخرى عاطلة أو كلها منقوطة أو كلها عاطلة أو الكلمات تتكون من حرف عاطل فحرف منقوط، وكذلك فى صنع أبيات تقرأ شطورها طردا وعكسا، فهى تقرأ من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين، وهو ما كانوا يسمونه «ما لا يستحيل بالانعكاس» مثل قوله:
ارع لخلّ إن أسا ... وائس لخلّ إن عرا
стр. 3381
وكان يكثر من تشطير بعض القصائد المشهورة، وكذلك من تخميس بعض الأبيات، وتصنّع لاستظهار مصطلحات بعض العلوم، ولكن فى خفة ودون أن نصطدم عنده بتكلف شديد، كقوله مستظهرا لمصطلحات المنطق، إذ يذكر المناطقة كثيرا المقدمات والبراهين والنتائج:
وشقائق قالت لنا بين الرّبا ... بمقدّمات ما بها إبهام (١)
برهان سعدى الآن أنتج قائلا ... دع وجنة المحبوب فهى ضرام
وله مراث مختلفة فيمن سميناهم من الشيوخ رعاته وفى غيرهم من علماء عصره، وممن رثاهم وتفجع عليهم طويلا الشيخ حسن المدابغى المتوفى سنة ١١٧٠ للهجرة، وله فيه مرثيتان مطلع أولاهما:
مضى عالم العصر الإمام لربّه ... حميد المساعى فاندبنه وبالغ
وفى خاتمتها ينشد:
ولما قضى ذاك المهذب نحبه ... وآب برضوان من الله سابغ
دعوت أحبّائى وقلت لهم قفوا ... معى عند ذا التاريخ نبكى المدابغى
ومطلع الثانية:
صبرا فذا الدهر من عاداته المحن ... وفى تلوّنه قد حارت الفطن
ويختمها بقوله:
والحور جاءتك بالبشرى مؤرّخة ... حلّيت من حلل الأبرار يا حسن
ولم ينشد له الجبرتى شيئا من مراثيه الأخرى، وكأنه اكتفى بالإشارة إلى مرثيتيه فى المدابغى، ومع ذلك فقد أنشد له مقطوعة فى رثاء نفسه وبكائها قبل موته، وفيها يقول:
ليت شعرى إذا دنا يارفاقى ... أجلى ثم هيّئوا لى ترابى
واغتدوا بى إلى محلّ به صح ... بى جفونى وليس يرجى إيابى
هل إذا غربلوا التراب أيلقوا ... ذرّة من عظمى فيالمصابى
ويح هذى الدنيا التى تحرق الأك ... باد قد مزّقت بلحدى إهابى
وبذاك القفر اغتديت رهينا ... ليس لى من زاد ولا من ركاب
стр. 3382
وهو يذكر ساعة الموت وقد حفر لحده والمشيعون يحملون نعشه إلى مثواه، وما يلبثون أن ينصرفوا عنه إلى غير رجعة أو مآب، وقد بلى جسده فى التراب ولم تبق من عظامه باقية. ويتساءل هل إذا فتشوا عن ذرة من عظامه أيجدونها أم لا يجدون إلا عدما، فقد مزقت الدنيا إهابه وعظامه فى لحده، وكأنما لا يكفيها ما تصنعه بالإنسان فى حياته من إحراق كبده. وإنه ليندب نفسه ويبكيها وقد غدا وحيدا غريبا فى قفر موحش، بل غدا حبيسا لا زاد ولا ركاب إلى يوم الحشر، وفى الحق أنه كان شاعرا مجيدا وهو يعد أنبه الشعراء المصريين فى زمنه.
٦ - شعراء الدعوة الإسماعيلية
مرّ بنا-فى غير هذا الموضع-أن الدولة الفاطمية قامت على أساس العقيدة الإسماعيلية الشيعية وأنه كان لهذه العقيدة طائفة من المبادئ جعلتها متطرفة غاية التطرف، بل جعلتها تنفصل عن نظرية أهل السنة انفصالا تاما. وقد عملت بقوة على نشر هذه المبادئ منذ أول الأمر متخذة دعاة لها فى أقطار العالم الإسلامى، ودفعت معهم الشعراء إلى تقريرها والعمل على إذاعتها وفى مقدمتهم ابن هانى وسنخصه بكلمة. وتميم بن المعز أول خلفائها بمصر يرددها فى أشعاره لأخيه الخليفة العزيز، ولا نكاد نتقدم فى ديوانه حتى نجده يخاطبه بقوله فى إحدى مدائحه (١):
إنما أنت حجّة الله لاحت ... فى البرايا ووارث الأنبياء
والحجّة عند الإسماعيلية مصدر الحكم ولا يراجع فى حكمه لأن حكمه الحق، ويقول عنه وارث الأنبياء مشيرا بذلك إلى نظرية الدور التى تزعم أن الأئمة منذ آدم يتوالون فى أدوار حتى إذا ختم الأئمة من الأنبياء بالرسول ﷺ بدأت أئمة آل البيت، وبذلك يصبح العزيز وغيره من الأئمة الفاطميين ورثة للأنبياء، على نحو ما يزعم تميم. ونمضى فى الديوان وفى قراءة مدائحه للعزيز، وسرعان ما نلتقى بقوله فيه (٢):
وهو لسان التّقى ومقلته ... وهو يمين العلا ويسراها
صوّر من جوهر النبوّة إذ ... كان الورى طينة وأمواها
فمن يطعه يفز بطاعته ... ومن عصاه فقد عصى الله
стр. 3383
وواضح فى البيت الثانى ما كان يردده شعراء الفاطميين من أن الأئمة منهم ومن الأنبياء خلقوا من جوهر لطيف مصفّى وأن أجسادهم ليست كأجساد البشر المادية الغليظة، بل هى أجساد نورانية شفافة. والبيت الثالث يصور بوضوح مبدأ طاعة الإمام فى مذهب الإسماعيلية وأنها واجبة بحيث يفوّض إليه أتباعه أمورهم دون أى مناقشة أو سؤال، إذ هى فريضة توجب طاعة الإمام، وجزء لا يتجزأ من إيمانهم بالدعوة الإسماعيلية. وكانوا يزعمون أن كل إمام من الفاطميين له مرتبة قائم القيامة أو كما يسمونه المهدى المنتظر، وبذلك يخاطب تميم أخاه قائلا (١):
أنت المسمّى المرجّى قبل مولدو ... والخامس القائم المذكور فى الكتب
وهو يشير فى أول البيت إلى ما كان يؤمن به الإسماعيليون فى الإمامة من فكرة الوصية الشرعية وأن كل إمام تال وصى لسلفه كما قدّر الله وقضى ولا راد لقضائه، ويقول إنه القائم أو المهدى المنتظر وأنه خامس الخلفاء الفاطميين منذ جهرهم بالدعوة فى المغرب، وهم المهدى والقائم والمنصور والمعز ثم العزيز الخامس، أما من كانوا قبلهم فلم يجهروا بالدعوة بل كانوا مستترين يدعون لها سرّا. ويقول تميم أيضا فى العزيز (٢):
ما أنت دون ملوك العالمين سوى ... روح من القدس فى جسم من البشر
نور لطيف تناهى فيك جوهره ... تناهيا جاز حدّ الشمس والقمر
معنى من العلّة الأولى التى سبقت ... خلق الهيولى وبسط الأرض والمدر
والبيت الأول يشير فيه تميم بصراحة إلى ما كان يؤمن به الإسماعيليون من أن للإمام نسبتين:
نسبة بروحه إلى عالم القدس، ونسبة بجسده إلى عالم الطبيعة، أما نسبته إلى عالم القدس فهى الجانب النورانى فيه، وهو جانب صاف لطيف، يجعل عقله فوق عقول البشر، عقلا ممثلا للعقل الكلى الفعّال المتصل بالله، وقد سماه بالعلة الأولى، وجعله معنى من معانيه. وأوغل الإسماعيليون فى هذا التصور حين قالوا إن الإمام مدبّر الكون، وما يقولون إلا زورا وبهتانا. وتميم يقول إن هذا العقل الأول أو العلة الأولى أول ما خلق الله، فهو سابق لخلق الهيولى أو المادة وخلق الأرض وما عليها. ونمضى فى قراءة ديوان تميم فنجده يقول فى إحدى مدائحه للعزيز (٣):
وإنّ جميع الغيب لله وحده ... تبارك من ربّ ومن صمد وتر
وما علمت منه الأئمة إنما ... رووه عن المختار جدّهم الطّهر
стр. 3384
وتميم يجعل الغيب فى البيت الأول لله وحده، وأشرك الرسول ﷺ معه فى علمه، وكأنه يصدر فى ذلك عن قوله جلّ شأنه: ﴿(عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ)﴾ ولو أنه سكت عند بيان ذلك لما كان فى كلامه غلو، ولكنه لم يسكت بل أضاف أن الأئمة يعلمونه عن طريق الرسول مشيرا إلى ما يزعمه الإسماعيلية من توارث أئمتهم لعلم الغيب عن الرسول وهو تماد فى الغلو والبهتان.
وسنرى ابن هانئ يتمادى مثل تميم فى الغلو، بل لعله يزيد عنه درجة أو درجات، ونرجع إلى كتب التاريخ والشعر والشعراء فلا نجد أصداء واضحة لهما فضلا عن أن تكون قوية فى أشعار من خلفوهما فى القرنين الرابع والخامس للهجرة إلا ما كان من المؤيد داعى الدعاة لعهد المستنصر ولم يكن مصريا، بل كان إيرانيا، وسنخصه بكلمة بعد ابن هانئ، والشاعر المصرى الوحيد الذى ردّد هذا النغم الإسماعيلى الغالى هو ظافر الحداد المتوفى سنة ٥٢٩ وسنترجم له بعدهما، وكان يعاصره على بن محمد الأخفش وهو مغربى وليس مصريا، ونرى العماد الأصبهانى ينشد له فى الخريدة بيتا فى الخليفة الآمر قائلا (١):
إلى ذروة النّور العلائىّ إنه ... إلى ذروة النّور الإلهىّ ينسب
وهو ينسب الآمر إلى نور الأنوار، إلى النور الإلهى الذى يعم الأكوان. ويذكر له العماد قصيدة فى الخليفة الحافظ ملاحظا أن الغلو أفضى به إلى الكفر الصريح، إذ يقول فيه مستطردا من وصف الخمر إلى مديحه (٢):
صرف جريال يرى تحريمها ... من يرى الحافظ فردا صمدا
بشر فى العين إلا أنّه ... من طريق العقل نور وهدى
جلّ أن تدركه أعيننا ... وتعالى أن تراه جسدا
فهو فى التسبيح زلفى راكع ... سمع الله به من حمدا
تدرك الأفكار فيه نبأ ... كاد من إجلاله أن يعبدا
وهو يسبغ على الحافظ صفات الله من الفردية والصمدية، وكان دعاتهم يزعمون أن الله
стр. 3385
ينبغى أن ينزّه عن الصفات والأسماء، وأن ما فى القرآن الكريم من أسمائه وصفاته إنما هى صفات العقل الكلى الأول وأسماؤه. ومرّ بنا آنفا أنهم كانوا يزعمون أنه ممثول الأئمة، ومن هنا أضفوا عليهم أسماءه وصفاته، وبالغوا فجعلوهم تجسدا للذات العلية، بل إن ابن الأخفش يخلى الحافظ من كل تجسد ومادة، فهو نور خالص لا تدركه الأعين. ويتمادى فى هذا الغلو والبهتان الآثم، حتى ليكاد يجعله معبود الإسماعيلى فى ركوعه وقيامه. ويلقانا نفس الغلو المقيت عند الشريف ابن أنس الدولة داعى دعاتها، إذ يروى أن الخليفة الحافظ صعد المنبر يوم عيد، فوقف بإزائه، وقال يخاطب المصلين (١):
خشوعا فإن الله هذا مقامه ... وهمسا فهذا وجهه وكلامه
وهذا الذى فى كلّ وقت بروزه ... تحيّاته من ربّنا وسلامه
وهو غلو ما بعده غلو، بل هو انحراف عن جادّة الدين ما بعده انحراف، وكأنما الحافظ تجسيد للذات الإلهية على نحو ما جسّد المسيحيون الرب فى المسيح.
ويلقانا بأخرة من أيام الدولة الفاطمية يحيى بن حسن بن جبر، وله مجموع (٢) فى مدائح بنى أبى أسامة كتّاب الإنشاء فى عهد الحافظ والآمر من قبله، ألفه سنة ٥٢٥ وجعله الشيخ الأمينى فى الغدير من شعراء المستنصر فى سنة ٤٨٧ وهو متأخر عنه بشهادة ترجمة العماد الأصبهانى فى الخريدة إذ أنشد له شعرا فى ابن (٣) رزّيك الوزير الفاطمى من سنة ٥٤٩ حتى سنة ٥٥٦ وله قصيدة فى فضائل على بن أبى طالب وبكاء الحسين أنشدها صاحب «الغدير» وفيها يقول (٤):
يا آل أحمد كم يكابد فيكم ... كبدى خطويا للقلوب بواكى
كبدى بكم مقروحة ومدامعى ... مسفوحة وجوى فؤادى ذاكى
وإذا ذكرت مصابكم قال الأسى ... لجفونى اجتنى لذيذ كراك (٥)
وابكى قتيلا بالطفوف لأجله ... بكت السماء دما فحقّ بكاك
وهو يغلو فى مديح على بن أبى طالب، وينسب له كثيرا من معجزات غير ثابتة، كرد الشمس إليه ببابل لقضاء فرض كان سيفوته وقته، ويزعم أن الريح سخّرت له رخاء، ويقول إنه
стр. 3386
أحيا الموتى إلى غير ذلك من مزاعم غير صحيحة. ونقف عند ثلاثة من أعلام الدعوة الإسماعيلية هم ابن هانئ والمؤيد فى الدين وظافر الحداد.
ابن (١) هانى
هو محمد بن هانئ المهلبى الأندلسى، ينتمى إلى المهلب بن أبى صفرة الأزدى القائد المشهور فى زمن بنى أمية وواليهم فترة على خراسان، ويقال إنه من سلالة حفيده يزيد والى المنصور العباسى على إفريقية، وقيل: بل من سلالة أخيه روح واليها بعده. ويبدو أن أبناءهما ظلوا بعد وفاتهما بإفريقية، وكان من سلالتهما أبو الشاعر هانئ، إذ يقال أنه كان من قرية من قرى المهدية بتونس وكان شاعرا أديبا نزح إلى الأندلس داعيا-فيما يبدو-للمذهب الإسماعيلى هناك ونزل إشبيلية وفيها ولد له الشاعر سنة ٣٢٠ أو سنة ٣٢١ على اختلاف الروايات، وبها نشأ وعكف على الأدب، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، فاتصل بصاحب إشبيليه وحظى عنده، غير أنه كان كثير الانهماك فى اللذات، واتهم بأنه يعتنق مذهب الفلاسفة، أو لعله اتهم باعتناقه المذهب الإسماعيلى متابعا فى ذلك أباه، وكانتا تعدان تهمتين خطيرتين هناك فنصحه ممدوحه بالغيبة عن البلدة مدة فبارحها إلى إفريقية فى السابعة والعشرين من عمره ونزل بجعفر بن على الأندلسى أمير الزاب وأخيه يحيى فأكرماه ومدحهما الشاعر مدائح بديعة بمثل قوله فى جعفر:
المشرقات النيّرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر
وسمع به المعز فطلبه من جعفر وأخيه فلما وصل إليه بالغ فى الإنعام عليه وخاصة حين رآه يعتنق المذهب الإسماعيلى ويلجّج فى مديحه بمبادئ المذهب التى أسلفنا الكلام عنها، بل لكأنما اتخذ أشعاره أداة لتسجيلها فى صور مغالية غلوا شديدا. وكان شاعرا مبدعا فأبدع فى مدائحه، كما أبدع فى مديح قواده وخاصة فى جوهر الصقلى فاتح مصر، وله فيه حين يمّم بجيشه مصر من القيروان عينية رائعة استهلّها بقوله:
стр. 3387
رأيت بعينى فوق ما كنت أسمع ... وقد راعنى يوم من الحشر أروع
غداة كأن الأفق سدّ بمثله ... فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
ونوّه بالجيش وعظمه ورحلة جوهر المظفرة إلى الديار المصرية، ولم يلبث جوهر أن أرسل إلى المعز يهنئه بفتح مصر سنة ٣٥٨ فهتف ابن هانئ فرحا مستبشرا:
يقول بنو العباس هل فتحت مصر ... فقل لبنى العباس قد قضى الأمر
ومذ جاوز الإسكندريّة جوهر ... تصاحبه البشرى ويقدمه النّصر
وجمع المعز أسبابه وتوجه إلى مصر سنة ٣٦٢ وشيعه ابن هانئ ورجع إلى أسرته بالمغرب لأخذها معه واللحاق به، وتجهز وتبعه، غير أنه اغتيل فى برقة لشهر رجب سنة ٣٦٢ ويقال إنه لم يشّيع المعز بل كان فى صحبته إلى أن دخل مصر ثم عاد إلى المغرب لأخذ عياله، واغتيل ببرقة كما ذكرنا. ولما بلغت المعز وفاته حزن عليه وتأسف قائلا: هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدّر لنا ذلك. ولعله لم يكن يريد أن يفاخر به من حيث روعة شعره فحسب، بل كان أيضا يريد أن يفاخر به من حيث استظهاره للعقيدة الإسماعيلية ومبادئها المفرطة فى الغلو إفراطا بعيدا حتى لتنحرف عن الإسلام وجادّته.
وبمجرد أن نقرأ فى ديوان ابن هانئ نراه يردد أن إمامة الفاطميين ربانية وأنها فريضة مكتوبة على كل مسلم وأنهم يتوالون بترتيب إلهى وأنهم معصومون من كل زلل وأن طاعتهم من طاعة الله من أطاعهم استحق رضوان الله ومن عصاهم كان مآله الخسران المبين، يقول فى المعز:
إمام رأيت الدين مرتبطا به ... فطاعته فوز وعصيانه خسر
وهم دائما مبرأون من الذنوب مطهرون من الآثام، بل هم نور الله ومشكاته فى العباد، يضيئون للناس حياتهم، ويكشفون عنهم ظلمات الضلال، وكأنهم يتمّون نور الله أو كأنهم يشاركون فيه، يقول فى المعز:
وما كنه هذا النور نور جبينه ... ولكنّ نور الله فيه مشارك
ويكرر هذه الفكرة كثيرا فى مثل قوله مادحا للمعز:
تسعى بنور الله بين عباده ... لتضئ برهانا لهم وتلوحا
وجد العيان سناك تحقيقا ولم ... تحط الظنون بكنهه تصريحا
стр. 3388
وقد انتقل ابن هانئ نقلة واسعة فقد جعل المعز نورا خالصا، وكأنما ليس فيه شئ من المادة ولا من الطبيعة البشرية، ويصرح بذلك إذ يقول إن العيان والحسّ إنما يشهدان سناه وضياءه فحسب، أما هو فكأنه الذات العلية لا تحيط الظنون بكنهه وحقيقته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ويعود إلى مثل هذا الغلو الشائن فى مدحه للمعز قائلا:
أتبعته فكرى حتى إذا بلغت ... غاياتها بين تصويب وتصعيد
رأيت موضوع برهان يلوح وما ... رأيت موضوع تكييف وتحديد
وقد خطا ابن هانئ فى الغلو هنا خطوة أبعد من سابقتها إذ جعل المعز يخلو من كل صورة للمادة، بل كأنما جعله الخالق نفسه، إذ نفى عنه ما ينفيه المعتزلة عن الله من كل تشبيه وتجسيد، فلا حد له ولا كيف ولا هيئة بأى شكل من الأشكال. وقد بدأوا كما بدأ المسيحيون فى مسيحهم بأن فى الإنسان لا هوتا وناسوتا أو روحا وجسما. وبالغوا فخلّصوا-مثل ابن هانئ-أئمتهم من كل أثر للمادة، وجعلوهم روحا أو نورا خالصا، بل جعلوهم نفس الله بأسمائه وصفاته، حتى لنرى ابن هانئ يقول فى المعز:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهّار
ويقول فيه أيضا:
ندعوه منتقما عزيزا قادرا ... غفّار موبقة الذنوب صفوحا
فالمعز الواحد القهّار المنتقم العزيز القادر الغفار. وعلى هذا النحو زين لهم دعاتهم وشياطينهم أن ينزهوا الله عن أسمائه وصفاته فى القرآن الكريم ويسبغوها على أئمتهم، ضلال ما بعده ضلال ومروق لا يدانيه مروق. ومن هذا الباب ما يزعمه ابن هانئ فى المعز من أنه مقسّم الأرزاق بين العباد:
رأيتك من ترزقه يرزق من الورى ... دراكا ومن تحرم من الناس يحرم
فمن شاء رزقه ووسّع رزقه ومن شاء حرمه وضيّق عليه وجعل حياته ضنكا، وكل شئ فى الأرض بل فى الكون بمشيئته حتى ليقول ابن هانئ فيه:
أدار-كما شاء-الورى وتحيّزت ... على السبعة الأفلاك أنمله العشر
стр. 3389
فهو لا يهيمن على شئون الناس وأحوالهم فحسب، بل هو أيضا يهيمن ويسيطر على الأفلاك التى تصدر عنها الحركة فى الكون. وكل ذلك لما لجوّا فيه من أن الإمام ممثول العقل الفعال المسيطر على الوجود، فجعلوه نفس هذا العقل الذى آمن به الفلاسفة، وجعلوه لذلك العلة الأولى أو علة العلل التى ينبثق عنها الكون، مما جعل ابن هانئ يقول عن المعز:
هو علّة الدنيا ومن خلقت له ... ولعلة ما كانت الأشياء
وماذا بقى لخالق الكون؟ وحتى الحياة والموت ملّكهما ابن هانئ للمعز يوزعهما على الناس كيف يشاء إذ يقول مخاطبا للمعز:
لك الدهر والأيام تجرى صروفها ... بما شئت من حتف ورزق مقسّم
فهو الذى يحيى ويميت وهو الذى يدبّر الدنيا ويصرّفها، وهو الذى يهيمن على الكون وينسّقه، وهو الرازق ومانع الرزق وهو المنتقم العزيز الغفار وهو الواحد القادر القهار. ولا نعجب بعد ذلك كله لابن هانئ إذ يقول:
أرى مدحه كالمدح لله إنّه ... قنوت وتسبيح يحطّ به الوزر
ويستضئ ابن هانئ بفكرة الدور عند الإسماعيلية مرارا وما يذهبون إليه من أن الأئمة الفاطميين خلفاء الأنبياء وأنهم ينتظمون معهم منذ آدم فى أدوار سبعية، كل دور يختم بإمام سابع نبى أو من الخلفاء الفاطميين ويسمونه الناطق وهو يمثل عندهم العقل الأول الفعال الذى تحولت إليه قدرة الله وأسماؤه وصفاته، ومن هنا كانت تطلق على ممثوله من الأئمة، وهو الإمام السابع الحامل للنور الربانى الذى يتمثل فى كل إمام سابع منذ آدم. ولما كان المعز نهاية السبعة الثانية من الأئمة الفاطميين فإنه كما يمثل فيه نور كل إمام سابع قبله من الأنبياء يمثل فيه نور نوح:
لو كنت نوحا منذرا فى قومه ... ما زادهم بدعائه تضليلا
ويمثل فيه قبس موسى وشعلته وهداه:
من شعلة القبس التى عرضت على ... موسى وقد حارت به الظلماء
ويمثل فيه نور المسيح الذى كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله:
أقسمت لولا أن دعيت خليفة ... لدعيت من بعد المسيح مسيحا
стр. 3390
ويمثل فيه نور الرسول ﷺ المشاهد فى كل نور بملكوت السموات: فى الشمس والقمر والكواكب والنجوم:
وكأنما أنت النبىّ محمّد ... وكأنما أنصارك الأنصار
ويبلغ به الإلحاد فى الدين أن لا يكتفى بحلول أرواح الأنبياء فى المعز، بل يجعل الله يحلّ فيه، بل لكأنه الله، ﷻ عن أن يتعلق بذاته العلية شئ من ترهاته إذ يقول فى غير استحياء للمعز حين حلّ بقرية رقّادة بجوار القيروان:
حلّ برقّادة المسيح ... حلّ بها آدم ونوح
حلّ بها الله ذو المعالى ... وكلّ شئ سواه ريح
وكان ابن هانئ شاعرا فذا بارعا، وإنا لنأسى له حين سخر ملكاته الشعرية الخصبة التى منحها له ربه فى الدعوة للعقيدة الإسماعيلية الضالة. وهو فى رأينا يعدّ مسئولا إلى حد كبير عن اندفاع الشعراء بعده فى هذه الدعوة الخاطئة المنحرفة، وهو أيضا إلى حد ما يعد مسئولا عن ضلال الخليفة الحاكم الفاطمى حين قال بعد جده المعز: أنا ربّكم الأعلى، وتبعه فى ضلاله ومروقه من تبعه. وكان ابن هانئ يكثر من التشبيهات والاستعارات أحيانا فى أشعاره، ونفذ إلى صور كثيرة مبتكرة كقوله فى مطلع قصيدة مدح بها جعفر بن على الأندلسى:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدّكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنّصر من ورق الحديد الأخضر
وهو يتصور الجلاد أو القتال ريحا عاصفا يفوح منه شذى العنبر والطيب وهو يهبّ فى الصباح المشرق الجميل. ونفذ إلى صورة بديعة إذ تخيل السيوف شجرا مورقا مثمرا وهم يجنون منه النصر المأمول، والقصيده تكتظ بأبيات رائعة.
المؤيّد (١) فى الدين الشيرازى
هو هبة الله بن أبى عمران موسى بن داود، ولد بشيراز فى العقد الأخير من القرن الرابع
стр. 3391
الهجرى لأبيه موسى، وكان من دعاة الدولة الفاطمية الإسماعيلية، وتقدم فى الدعوة، حتى استحق لقب حجّة إقليم فارس، ونشأ ابنه على مثاله فى الإخلاص لتلك الدعوة ومازال يسعى له عند الحاكم الخليفة الفاطمى (٣٨٦ - ٤١١ هـ) حتى جعله خليفة له فى فارس، ومنحه نفس اللقب الفاطمى: الحجة، وهو لقب رفيع من ألقابهم. وكان سيوسا، فتقرب من نفوس أتباعه وأخلصوا له، وحاول أن يدخل أبا كاليجار الحاكم البويهى فى عقيدته، ويقال إنه عقد له مجلسا كان يلقى فيه كتاب دعائم الإسلام للقاضى النعمان بن محمد الكتامى داعى الدعاة لعهد المعز، وأيضا فإنه بنى مسجدا بالأهواز ونقش على محرابه بالذهب أسماء الأئمة الفاطميين، وطلب من أتباعه أن يؤذّنوا فيه بأذان الإسماعيليين: «حىّ على خير العمل». ومن أهم أتباعه حينئذ ناصر خسرو. وتنبه له الخليفة العباسى ببغداد، فأرسل إليه من يتعقبه، وخشى على نفسه، ففرّ موليا وجهه نحو مصر والقاهرة: مركز دعوته، ووصل إليها سنة ٤٣٧ لعهد الخليفة الفاطمى المستنصر، واستقر بها، وحضر مجالس الدعوة فيها، وعيّنه الوزير اليازورى رئيسا لديوان الإنشاء، وظل فى هذا العمل حتى سنة ٤٥٠ وهو يتصل سرا بدعاة الدولة فى إيران والعراق، وأحسّ خطر طغرلبك السلجوقى حين تستقيم له العراق، فربما فكر فى الاستيلاء على الشام ومصر، وكانت العلاقة ساءت بين طغرلبك وأخيه إبراهيم، وكان قد ولاه على الموصل، فأعلن العصيان لأخيه ورحل إلى بلاد الجبل فتبعه بجيشه، ونشبت الحرب بين الفريقين، ورأى المؤيد فى الدين الفرصة سانحة فكاتب البساسيرى مقدم الأتراك ببغداد. وذهب إليه بنفسه محمّلا بالأموال من المستنصر، ويحدثنا فى سيرته كيف أخذ يستميل أمراء العرب فى طريقه إلى بغداد وكيف نفروا معه، يؤازرهم أهل الكوفة وواسط وحلب، وكيف وصل إلى بغداد، حيث وجد البساسيرى قد أبعد الخليفة العباسى القائم بأمر الله إلى «عانة» سنة ٤٥٠ ودعا على المنأبر باسم المستنصر بالله، وظل ذلك نحو عام، حتى إذا قضى طغرلبك على عصيان أخيه وثورته قدم إلى بغداد وقضى على البساسيرى ودعوته وأعاد الخليفة العباسى إلى عرشه. وفرّ فى هذه الأثناء المؤيد إلى القاهرة، وتولى بها مرتبة داعى الدعاة جزاء لجهوده وإن كانت قد أخفقت إخفاقا ذريعا، غير أنه حقق للفاطميين حلما طالما رجوا تحقيقه وهو أن يدعى على منابر بغداد باسمهم ولو إلى حين قصير. وكتابه «السيرة المؤيدية» يصور فيه حياته من سنة ٤٢٩ حتى سنة ٤٥٠ وما اضطرب فيه من أحداث، وهو لذلك يعد وثيقة تاريخية مهمة.
وأخذ المؤيد فى أثناء اضطلاعه بمرتبة داعى الدعاة يلقى دروسه بالجامع الأزهر، وقد جمعها
стр. 3392
فى كتابه «المجالس المؤيدية» وهى تضم ثمانمائة مجلس له، وقد اختصرها حاتم بن إبراهيم الداعى اليمنى، وعنى بنشر مختصره وتحقيقه الدكتور محمد عبد القادر عبد الناصر وهو موسوعة كبيرة فى العقيدة الفاطمية والتأويل الباطنىّ وما يتصل به من الحكمة التأويلية، ويشتمل على مناظرات مع مخالفيه وردود عليهم، لعل من أهمها ردوده على ابن الراوندى ودحض آرائه الإلحادية (١). وله رسائل متبادلة مع أبى العلاء المعرى ناظره فيها طويلا فى تحريمه على نفسه أكل الحيوان وكل ما ينتجه من اللبن والبيض وعسل النحل، وقد احتفظ بها ياقوت فى معجمه. وكان شاعرا كما كان كاتبا ناثرا، وحقق الدكتور محمد كامل حسين ديوانه ونشره بالقاهرة، وهو فى مديح المستنصر الفاطمى وآبائه والدعوة إلى العقيدة الفاطمية وكل ما يتصل بها من التأويل الباطنى الموقوف على الأئمة الفاطميين وآبائهم من البيت العلوى، فهم وحدهم الذين يعرفون أسرار التأويل فى القرآن على نحو ما خصّ الله الخضر» الرجل الصالح بأسرار لم يعرفها موسى ﵇، وبالمثل الأئمة يعرفون من الأسرار فى تأويل الذكر الحكيم ما لا تعرفه العامّة، وفى ذلك يقول فى أولى قصائده بديوانه محتجا بقصة الخضر على جهل العامة بسر الملكوت أو أسراره ووقفها على الأئمة:
يا قوم سرّ الملكوت هذا ... يجعل أصنامكم جذاذا
سرّ له صاحب موسى الخضرا ... قال معى لن تستطيع صبرا
تدبّروا القصّة ماذا يمّما ... من قصّها إن لم تكونوا نوّما
وكأن كل إمام خضر زمنه، وهو وحده الذى يعرف أسرار الكون وبواطن الآيات القرآنية، وهى معرفة اختص الله بها الوصى الأول على بن أبى طالب وأبناءه الأئمة. والمؤيد فى الدين بذلك يرفع الأئمة درجات على سائر الخلق، بل هى العقيدة الفاطمية التى تجعلهم نورا خالصا. لا تعلق بهم مادة ولا ما يشبه المادة على نحو ما رأينا عند ابن هانئ، وقد مضى المؤيد وراءه يردّد تقديسه للأئمة وأنهم فوق الطبيعة البشرية، ومضى يسبغ عليهم كثيرا من الصفات الربانية، حتى ليجعلهم القائمين على الجنة والنار فيدخلون الجنة بأتباعهم ويزجّون بأعداءهم فى الجحيم، يقول:
يقسمون الجنان والنار فيهم ... فلكلّ نصيبه الموجوب
كبرت كلمة بل كلمات تخرج من فمه، ويتمادى فى هذا الضلال فيجعل زيارة الإمام أداء
стр. 3393
لفريضة الحج يقطع إليها أصحابه الفلوات للتبرك به، فهو القبلة والغاية التى ليس بعدها غاية، يقول:
هلمّ إلى الأرض المقدّسة التى ... بساحتها سكّانها أمنوا الموتا
إلى علم الإيمان والقبلة التى ... عليها بلا مسك دللت ووجّهتا
وميزان ربّ العالمين الذى به ... توفّى الثواب الجزل إن أنت وفّيتا
فالمستنصر وأمثاله ميزان الله فى الأرض، بطاعتهم ومقدارها يكون الثواب وبعصيانهم ومقداره يكون العذاب، وما يزال المؤيّد يردد مثل هذا الضلال والبهتان فى ديوانه.
ومما ردده المؤيد طويلا نظرية الدور التى تصور إيمان الإسماعيلية فى أئمتهم وأنهم مثل العقل الفعال الأول فى عالم الطبيعة، وهم لذلك يعدون مدبرين للكون، وأيضا فإن أسماء الله الحسنى تسبغ عليهم، وقد رتّبوا فى أدوار تشترك معهم فيها الأنبياء والرسل منذ آدم، وكل منهم يمثّل من سبقوه فى هذه الأدوار من الأئمة والرسل، وفى ذلك يقول فى المستنصر وآله:
سلام على العترة الطاهره ... وأهلا بأنوارها الزّاهره
سلام بدىّ على آدم ... أبى الخلق باديه والحاضره
سلام على من بطوفانه ... أديرت على من بغى الدائره
سلام على من أتاه السّلام ... غداة أحفّت به النائره (١)
سلام على قاهر بالعصا ... عصاة فراعنة جائره
سلام على الروح عيسى الذى ... بمبعثه شرفت ناصره (٢)
سلام على المصطفى أحمد ... ولىّ الشفاعة فى الآخره
سلام على المرتضى حيدر ... وأبنائه الأنجم الزاهره
سلام عليك فمحصولهم ... لديك أيا صاحب القاهره
بنفسى مستنصرا بالإله ... جنود السماء له ناصره
شهدت بأنك وجه الإله ... وجوه الموالى به ناضره
وواضح أن المؤيد بدأ سلامه بآل البيت، ثم تلاهم بآدم ونوح صاحب الطوفان وإبراهيم الذى ألقاه النمرود فى النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما وموسى صاحب العصا التى استحالت
стр. 3394
ثعبانا فى مجلس فرعون فإذا هى تلقف كل ما جاء به سحرته من سحر رهيب، وعيسى الروح الأمين الذى شرفت به مدينته الناصرة، ومحمد المصطفى الشفيع المشفع فى الآخرة، وعلى أو حيدر المرتضى وأبنائه الأئمة الأنجم الزاهرة. ويقول إن المستنصر لديه محصول كل هؤلاء الرسل وكل الأئمة فهو الرسول وهو عيسى وهو موسى وهو إبراهيم الخليل وهو نوح وهو آدم وهو على والأئمة جميعا قبله إماما إماما. وهو بذلك وارث الأئمة والرسل، وارث علومهم ومعجزاتهم وخوارقهم. ولا يكتفى المؤيد بكل ذلك، إذ يقول إن الملائكة جنده الذى ينصره فى معاركه، وليس ذلك فحسب، فإنه يتقدم خطوة بل خطوات إذ لا يسبغ عليه صفات الله وحدها، بل يجعل ذاته نفس ذات الله إذ يقول إنه وجه الإله، وكأنه اتحد معه فى ذاته تعالى الله عن هذا البهتان الآثم علوا كبيرا، وهو ليس بهتانا فحسب، بل هو ضلال مبين.
ظافر (١) الحداد
هو ظافر بن القاسم الإسكندرى، من سلالة قبيلة جذام اليمنية، كان أبوه حدادا بالإسكندرية، ولد له فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى، ويبدو أنه أرسله فى صباه إلى الكتّاب، ورأى من ذكائه ما جعله يدفعه إلى حلقات العلماء، وهو مع ذلك يعاونه فى حرفته. وأكبّ الصبى على حفظ الشعر وكانت له ملكة خصبة، سوّت منه شاعرا كان يلفت أقرانه، كما لفت كثيرين من شعراء الإسكندرية، وكانت بها آنذاك نهضة شعرية واسعة، جعلت شعراءها يتكاثرون، كما جعلت العماد الأصبهانى فى الخريدة يترجم لكثيرين منهم. ولعل شيئا من العجب يداخلنا إذ نجد بين الشعراء هناك شاعرا حدادا، ولكن إذا عرفنا أن الثقافة العربية الإسلامية كانت طوال الحقب السالفة ثقافة شعبية عامة إذ كانت تلقى بالمساجد، ولكل شخص الحق فى أن يجلس إلى حلقة الشيخ الذى يريد الاستماع إليه، وكانت للشعراء فى المساجد حلقات، مما أتاح لشباب العامة المشاركة فى الشعر وفى العلوم العربية والإسلامية، وتكثر هذه الظاهرة بين شعراء الدولة المملوكية، إذ نجد بينهم جزارا وحمّاميّا ووراقّا وخيّاطا وكحالا. وقد
стр. 3395
تفتحت موهبة الشعر عند ظافر مبكرة وتهيأت له فرصة أن يتألق اسمه بين شعراء مدينته، فإن ابن ظفر واليها من قبل الخليفة الفاطمى تصادف أن ورم خنصره وبه خاتم، فخشى عاقبة الأمر وطلب حدادا كى يكسر حلقته، فجاءوه بظافر، فلما كسر الحلقة أنشده بديها:
قصّر فى أوصافك العالم ... واعترف الناثر والناظم
من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم
فاستحسن ذلك منه ابن ظفر ووهبه الحلقة وكانت من ذهب. وكان بين يديه غزال مستأنس قد ربض أو طوى قوائمه، وجعل رأسه فى حجره، فقال له أحد الحاضرين: إن كنت ذا خاطر سمح فأنشدنا أسرع من لمح البصر فى هذا الغزال المستأنس، فقال توّا:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمر تخطّى له واعتمد
وأعجب به إذ بدا جاثما ... فكيف اطمأنّ وأنت الأسد
فزاد ابن ظفر وجلساؤه فى الاستحسان. وكانت هناك شبكة مسدولة على باب المجلس تمنع الذباب من دخوله، فتأملها ظافر وقال بديها:
رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكا فأدركنى بعض شك
وفكّرت فيما رأى خاطرى ... فقلت البحار مكان الشّبك
وكانت هذه الحادثة سببا فى اشتهار ظافر بمدينته، وتهاداه أعيانها وقضائها مثل ابن أبى حديد قاضيها وله فيه مدائح طريفة.
وطمح ظافر إلى لقاء الأفضل بن بدر الجمالى وزير الفاطميين، وكان قد حجر على الخليفة الآمر وأصبح له الملك والسلطان كله، فاتخذ الأسباب إلى لقائه، ولم يكد يستمع منه إلى مديحه حتى أكبره وقدّمه على أقرانه، وسكن ظافر بجواره فى الفسطاط، وأخد يدبّج فيه مدائح طنانة، وهو يغدق عليه من نواله مع راتب قدّره له، وإلى ذلك يشير قائلا:
وهذا الجناب الأفضلىّ يكنّنى ... ذرى ظلّه إنى إذن لسعيد
وقدّر لهذه السعادة أن ينحسر ظلها عن ظافر إذ دبّر الخليفة الآمر للأفضل من قتله غيلة سنة ٥١٥ للهجرة، وولى الوزارة بعد الأفضل المأمون البطائحى، ولظافر فيه مدحتان يشكو فيهما من عوزه وضيق ذات يده، ومع ذلك يشكره على ما أولاده من نعم. ويبدو أن ما نعم به فى زمن الأفضل
стр. 3396
من أموال انقطع بعده إلا قليلا، وكأن أبواب المأمون لم تكن مفتوحة له إلا من حين بعيد إلى حين، ولا يلبث الخليفة الآمر فى سنة ٥١٩ أن يصادر المأمون ثم يقتله. حينئذ نجد ظافرا يفكر فى تقديم مدائحه للخليفة، ولم يكن شيعيا فضلا عن أن يكون إسماعيليا طوال أيامه الماضية، فقد رأيناه حين نزل الفسطاط يقصر مدائحه على الوزير الأفضل بن بدر الجمالى، وكان سنّيّا، وكأن المأمون البطائحى من رجاله، ولعله لذلك لم يكن شيعيا أو بعبارة أدق لم يكن غاليا فى تشيعه.
على كل حال ليس فى مديح ظافر له وللأفضل ما يدل على صلته بالتشيع الإسماعيلى حتى هذا التاريخ. ولكن المأمون قتل، وكأنما دفع دفعا لكى يمدح الخليفة الآمر، فأكبّ على ديوان ابن هانئ الأندلسى يدرسه ليتمثل معانى العقيدة الإسماعيلية، ويرى نهجه فى عرضها بمديحه ليحتذيه، يقول فى إحدى مدائحه للآمر مصرحا بذلك دون أى مواربة:
أجاد ابن هانى فى المعزّ مدائحا ... هداه إليها ذلك الفضل والمجد
وقد جاد مدحى فيك لما رأيت ما ... رأى فاستوى المدحان والإبن والجدّ
ونراه فى نفس هذه القصيدة يردد ما ردده ابن هانئ من أن طاعة الخليفة أو الإمام الفاطمى فريضة واجبة، على كل إسماعيلى أن يعتنقها وأن يؤدى واجباتها، يقول:
فمن عاش أحياه نداه ومن يمت ... على حبّه طوعا فمسكنه الخلد
أطاعته أسرار القلوب ديانة ... فما لامرئ لم يعتقد حبّه رشد
فطاعته فرض وخدمته تقى ... ونصرته دين ومرضاته جدّ
فطاعة الآمر وأمثاله من الأئمة فرض مكتوب، فمن أطاعه فاز بالرضوان ومن عصاه كانت عاقبته الخسران، وإن مرضاته لجدّ أو حظ أكبر، ولا إسلام إلا بطاعته وموالاته ومحبته. والآمر مثله مثل الأئمة قبله، يرتفع فوق حدود الطبيعة البشرية، إذ هو مثل العقل الفعال الأول الرابط بين الله والوجود، وهو بذلك النور الإلهى، نور السموات والأرض. ولن يفهم ظافر كل هذه الفلسفة الإسماعيلية المنحرفة التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع، وهو لذلك سيلتقط دون تعمق من ابن هانئ فكرة النور التى يرددها فى مديحه للمعز قائلا فى الآمر:
إمام تبدّى للورى من جبينه ... ضياء به تشفى بصائرها الرّمد
ونورك ما يهدى الصباح لناظر ... ولولاه ضلّ الناس وامتنع القصد
стр. 3397
وكأن ظافرا ينقل ذلك عن ابن هانئ دون أن يدرك مقصده تماما وأن ممدوحه نور السموات والأرض، وبالمثل نقل عنه نظرية الأدوار التى تزعم أن الأنبياء والأئمة الفاطميين إنما هم مظاهر دورية للعقل الفعال وحلقاته البادئة بآدم والتى ينتظم فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ثم على وأبناؤه وأحفاده من الأئمة الطاهرين، ويلم ظافر بظاهر من ذلك كله قائلا فى مدحة أخرى للآمر:
أنت الذى بعث الإله لنا به ... آباءه فتمثّلوا بمثوله
هذا ضياء الله والمعنى الذى ... تتفاضل العلماء فى تعليله
مازال ينقله الإله مطهّرا ... عن ظهر مثل ذبيحه وخليله
وتوارثته الأنبياء وسادة ال ... خلفاء حتى حان وقت حلوله
فآباء الآمر من الأئمة والأنبياء قد تمثلوا فيه بميراثهم الربانى من النور الذى يعمّ أطباق السموات والأرض، ومازال الله ينقل هذا النور من نبى إلى نبى ومن إمام إلى إمام من مثل إبراهيم وإسماعيل ذبيحه ومثل على وجعفر الصادق إلى أن حلّ فى الآمر المطهر المحفوف بالعناية الإلهية والنّفحة النورانية، ومن ثمّ كان ابن هانئ يقول فى المعز إنه جوهر الملكوت وإنه العقل المدبر للكون.
ولم يكن ظافر يتغلغل فى العقيدة الإسماعيلية هذا التغلغل، بل كان يقف كما رأينا عند ظاهر من أقوال ابن هانئ فى المعز ويرددها فى الآمر. وهو معنى ما قلناه فى غير هذا الموضع من أن المصريين انصرفوا عن العقيدة الإسماعيلية ولم يحاول أحد منهم أن يكون داعية لهم على شاكلة المؤيد وابن هانئ. ولعل مما يؤكد ذلك عند ظافر أننا نجده يضيف إلى فيثارة مديحه للآمر وترين لا نجدهما عند ابن هانئ، وهما ميراث الآمر وآبائه للرسول ﷺ ، مما جعله يتغنى بمعجزاته الخارقة من المعراج وغير المعراج، ثم الاتساع بخياله فى بيان سحق جيوش الآمر للصليبيين، وكانوا قد استولوا فى عهده على بيت المقدس وكثير من ثغور الشام وبلدانه، والخليفة ووزيره الأفضل والمأمون يغطّون فى غفلة لا تدانيها غفلة، وكأن ظافرا يحاول إيقاظ الآمر ودفعه للذبّ عن حرمات الإسلام ودياره أمام حملة الصليب، وهو فى ذلك إنما كان لسانا للمصريين يعبر عن فزعهم للغزو الصليبى وما يأملون من القضاء على حملة الصليب قضاء مبرما. وهذا الوتر فى مدائح ظافر للآمر ووتر الميراث النبوى أتاحا لمدحته له أن لا تقف عند المبادئ الإسماعيلية فى مدح الأئمة الفاطميين إلا لماما وإلا عند هذا الظاهر السطحى منها الذى صوّرناه.
стр. 3398
ودليل ثان على أن هذه المبادئ لم تتعمق نفس ظافر أنه حين قتل الآمر سنة ٥٢٤ وتولى ابن عمه الخليفة الحافظ واتخذ أبا على بن الأفضل الجمالى السنى وزيرا له، حينئذ نجد ظافرا يمدحه مدحا يخلو خلوا تاما من هذا الغلو الإسماعيلى الذى رأيناه فى مدائح الآمر. وكان من المبادئ الإسماعيلية أن يتولى الخلافة ابن الخليفة وتصادف أن الآمر لم يترك ابنا، وقيل بل ترك طفلا رضيعا اسمه الطيب، وتعصبت له جماعة سميت الطيبية وتعصبت جماعة أخرى سريعا للحافظ عبد المجيد ابن عم الآمر، وأخذت له البيعة واستولى على مقاليد الخلافة. وظل من ذلك جمر مختف وراء الرماد، مما جعل ظافرا يدافع فى بعض مديحه للحافظ عنه وعن حقه فى الخلافة قائلا:
ورث ابن عمّ محمد من بعده ... حقّ الخلافة منصفا فى نقلها
وورثت أنت عن ابن عمّك حقّها ... فجرى قياس خلافة فى شكلها
فالحافظ ورث الخلافة عن الآمر كما ورثها عن الرسول ﷺ ابن عمه على بن أبى طالب رأس الأئمة. ولا يلحّ ظافر فيما كان يعتقده الإسماعيليون فى أئمتهم من معان قدسية ومن رفعهم عن حدود الطبيعة البشرية المادية، فهو إنما يمدح الحافظ بميراثه للرسول مما يجعله يطيل فى بيان معجزاته. ولعلنا لا نغلو إذا قلنا إن كل ما استبقاه من العقيدة الفاطمية فى مديحه قوله.
يا حجّة الله التى أبدت لنا ... بكمالها الآيات والبرهانا
وكأنما حدث انقلاب فى مديح ظافر للحافظ بالقياس إلى مديحه للآمر، وليس له فى الحافظ إلا قصيدتان مع أنه عاش فى مدة خلافته خمس سنوات، إذ توفى سنة ٥٢٩. وأكبر الظن أن فيما قدمت ما يدل على أن ظافرا لم يكن إسماعيليا بالمعنى الدقيق، وإنما هى فترة محدودة نحو أربع سنوات اضطر فيها لمديح الآمر على طريقة القوم، مما جعله يعود إلى ديوان ابن هانئ يستظهر ما فيه أو بعضا مما فيه، ولم يعد استظهاره قشورا، ردّدها حينا فى مديح الآمر ثم كفّ عنها فى مديح الحافظ إلا ما سقط عفوا.
وبدون ريب كان ظافر شاعرا بارعا وفيه يقول العماد الأصبهانئ فى ترجمته له بكتابه الخريدة:
«ظافر، بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر. . حدّاد لو أنصف لسمّى جوهريّا، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلئ حريّا، أهدى بروىّ شعره
стр. 3399
الرّوى للقلوب الصّادية (١) ريّا، فياله ناظما فصيحا مفلقا جريّا (٢)». وحقا شعره غاية فى السلاسة والعذوبة، وهى ظاهرة عامة تلاحظ دائما فى شعر المصريين، كما يلاحظ عندهم على الأقل حتى زمن ظافر أنهم لا يتصنعون للبديع ومحسناته المعقدة، قد تأتى عندهم وقد يستخدمونها أحيانا ولكن فى خفة ورشاقة. ودائما تلقانا عند ظافر العذوبة والرقة على نحو ما نرى فى مثل قوله متغزلا:
يا ساكنى مصر أما من رحمة ... فيكم لمن ذهب الغرام بلبّه
أمن المروءة أن يزور بلادكم ... مثلى ويرجع معدما من قلبه
وهما بيتان فى منتهى السهولة، وكان ينفذ كثيرا إلى صور طريفة مبتكرة، وقد يبعد فيها حتى لتصبح كأنها رؤى حالمة على شاكلة قوله:
لئن أنكرت مقلتاها دمه ... فمنه على وجنتيها سمه
وها فى أناملها بعضه ... دعته خضابا لكى توهمه
وواضح أنه كان عند ظافر حظ من الخيال المغرق فى الوهم إغراقا يروع قارئه، وسننشد له قطعة من غزله فى الفصل التالى، ونكتفى بصورة واحدة من صورة الحالمة العجيبة لندل على هذه المقدرة البارعة، وهى صورة وصف فيها الهرمين وأبا الهول وصفا لم يقع لشاعر من قبله ولا من بعده، يقول:
تأمّل بنية الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعمّاريّتين على رحيل ... لمحبوبين بينهما رقيب
وماء النّيل تحتهما دموع ... وصوت الريح عندهما نحيب
وهى صورة مركزة لمشهد واسع كبير استحال إلى هذه الرؤيا الحالمة، فالهرمان كأنهما عماريّتان أو هودجان هرميا الشكل لمحبوبين بينهما أبو الهول وكأنه رقيب، يشهدهما ساعة الوداع، وهما يذرفان الدمع مدرارا، ويهمى تحت أقدامهما نهرا فياضا كبيرا هو نهر النيل، والريح من حولهما تنتحب وتئن أنينا لا ينقطع. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن ظافرا كان أبرع شاعر عرفته مصر زمن الدولة الفاطمية.
стр. 3400
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل
لعل موضوعا لم يشغل شعراء مصر طوال هذا العصر كما شغلهم الغزل، الذى يصور عاطفة الحب الإنسانية الخالدة، والذى طالما تغنّى به الشعراء مصورين حبهم للمرأة وهيامهم بها، وما شعروا به من سعادة حين أقبلت عليهم ولو بعض الإقبال وما شعروا به من شقاء حين كانت تعرض عنهم ولو بعض الإعراض. أما حين كانت تقبل فكأنها تناولهم شرابا هنيئا بل رحيقا صافيا لا يدانيه رحيق، وأما حين كانت تعرض فكأنها تلقى عليهم شواظا من نار يلذع قلوبهم وأفئدتهم، ويصور الشاعر كيف يتصل ذلك كله بقلبه وبنفسه وبأحاسيسه ومشاعره، يصور ما يجد فى حبه من لذة أو ألم ومن نعيم أو جحيم. ولا يكاد يوجد محب إلا وهو يخشى القطيعة والفراق إلى غير مآب، فإن حدث الفراق فإنه يشكو ويضرع ويستعطف. لقد حرم حتى من الإشارة واللمحة من بعيد، ولكن الأمل فى اللقاء يظل يراوده مهما تجرّع من الآلام واحتمل من ألوان العذاب، ويبدئ ويعيد فى تصوير عذابه وآلامه لعل صاحبته تعطف عليه وتعيد ما كان بينها وبينه من وصال. وحقا قد تلقانا فى تضاعيف ذلك صور من الحب الجسدى الذى تمليه الغرائز، وهو خليق بالازدراء، إنما الذى يملؤنا إعجابا هو الحب العذرى العفيف الطاهر الذى يشغف قلوب أصحابه ويملؤهم بوجد ليس بعده وجد، وجد لا يخجلون منه ولا يستخزون، لأنه لا يتعلق بمأرب مادى، فحسبهم الوصال واللقاء، وهنئ لهم عذابهم بهذا الحب الذى ليس بعده عذاب، إنه حب قوى حار، حب نقى صاف، حب يمتلئ حنانا. وسواء استحال هذا الحب نارا من اليأس أو نورا من الأمل فإن تعقبه عند الشعراء المصريين وعرضه فيه كثير مما يلذّ النفس ويمتعها، وخاصة ما نفذوا إليه من غزل وجدانى صادق فى وصف حبهم وما انطوت عليه قلوبهم من مشاعر الصبابة، مما سنراه واضحا عند ابن النبيه والبهاء زهير.