من أموال انقطع بعده إلا قليلا، وكأن أبواب المأمون لم تكن مفتوحة له إلا من حين بعيد إلى حين، ولا يلبث الخليفة الآمر فى سنة ٥١٩ أن يصادر المأمون ثم يقتله. حينئذ نجد ظافرا يفكر فى تقديم مدائحه للخليفة، ولم يكن شيعيا فضلا عن أن يكون إسماعيليا طوال أيامه الماضية، فقد رأيناه حين نزل الفسطاط يقصر مدائحه على الوزير الأفضل بن بدر الجمالى، وكان سنّيّا، وكأن المأمون البطائحى من رجاله، ولعله لذلك لم يكن شيعيا أو بعبارة أدق لم يكن غاليا فى تشيعه.
على كل حال ليس فى مديح ظافر له وللأفضل ما يدل على صلته بالتشيع الإسماعيلى حتى هذا التاريخ. ولكن المأمون قتل، وكأنما دفع دفعا لكى يمدح الخليفة الآمر، فأكبّ على ديوان ابن هانئ الأندلسى يدرسه ليتمثل معانى العقيدة الإسماعيلية، ويرى نهجه فى عرضها بمديحه ليحتذيه، يقول فى إحدى مدائحه للآمر مصرحا بذلك دون أى مواربة:
أجاد ابن هانى فى المعزّ مدائحا ... هداه إليها ذلك الفضل والمجد
وقد جاد مدحى فيك لما رأيت ما ... رأى فاستوى المدحان والإبن والجدّ
ونراه فى نفس هذه القصيدة يردد ما ردده ابن هانئ من أن طاعة الخليفة أو الإمام الفاطمى فريضة واجبة، على كل إسماعيلى أن يعتنقها وأن يؤدى واجباتها، يقول:
فمن عاش أحياه نداه ومن يمت ... على حبّه طوعا فمسكنه الخلد
أطاعته أسرار القلوب ديانة ... فما لامرئ لم يعتقد حبّه رشد
فطاعته فرض وخدمته تقى ... ونصرته دين ومرضاته جدّ
فطاعة الآمر وأمثاله من الأئمة فرض مكتوب، فمن أطاعه فاز بالرضوان ومن عصاه كانت عاقبته الخسران، وإن مرضاته لجدّ أو حظ أكبر، ولا إسلام إلا بطاعته وموالاته ومحبته. والآمر مثله مثل الأئمة قبله، يرتفع فوق حدود الطبيعة البشرية، إذ هو مثل العقل الفعال الأول الرابط بين الله والوجود، وهو بذلك النور الإلهى، نور السموات والأرض. ولن يفهم ظافر كل هذه الفلسفة الإسماعيلية المنحرفة التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع، وهو لذلك سيلتقط دون تعمق من ابن هانئ فكرة النور التى يرددها فى مديحه للمعز قائلا فى الآمر:
إمام تبدّى للورى من جبينه ... ضياء به تشفى بصائرها الرّمد
ونورك ما يهدى الصباح لناظر ... ولولاه ضلّ الناس وامتنع القصد
стр. 3397
وكأن ظافرا ينقل ذلك عن ابن هانئ دون أن يدرك مقصده تماما وأن ممدوحه نور السموات والأرض، وبالمثل نقل عنه نظرية الأدوار التى تزعم أن الأنبياء والأئمة الفاطميين إنما هم مظاهر دورية للعقل الفعال وحلقاته البادئة بآدم والتى ينتظم فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ثم على وأبناؤه وأحفاده من الأئمة الطاهرين، ويلم ظافر بظاهر من ذلك كله قائلا فى مدحة أخرى للآمر:
أنت الذى بعث الإله لنا به ... آباءه فتمثّلوا بمثوله
هذا ضياء الله والمعنى الذى ... تتفاضل العلماء فى تعليله
مازال ينقله الإله مطهّرا ... عن ظهر مثل ذبيحه وخليله
وتوارثته الأنبياء وسادة ال ... خلفاء حتى حان وقت حلوله
فآباء الآمر من الأئمة والأنبياء قد تمثلوا فيه بميراثهم الربانى من النور الذى يعمّ أطباق السموات والأرض، ومازال الله ينقل هذا النور من نبى إلى نبى ومن إمام إلى إمام من مثل إبراهيم وإسماعيل ذبيحه ومثل على وجعفر الصادق إلى أن حلّ فى الآمر المطهر المحفوف بالعناية الإلهية والنّفحة النورانية، ومن ثمّ كان ابن هانئ يقول فى المعز إنه جوهر الملكوت وإنه العقل المدبر للكون.
ولم يكن ظافر يتغلغل فى العقيدة الإسماعيلية هذا التغلغل، بل كان يقف كما رأينا عند ظاهر من أقوال ابن هانئ فى المعز ويرددها فى الآمر. وهو معنى ما قلناه فى غير هذا الموضع من أن المصريين انصرفوا عن العقيدة الإسماعيلية ولم يحاول أحد منهم أن يكون داعية لهم على شاكلة المؤيد وابن هانئ. ولعل مما يؤكد ذلك عند ظافر أننا نجده يضيف إلى فيثارة مديحه للآمر وترين لا نجدهما عند ابن هانئ، وهما ميراث الآمر وآبائه للرسول ﷺ ، مما جعله يتغنى بمعجزاته الخارقة من المعراج وغير المعراج، ثم الاتساع بخياله فى بيان سحق جيوش الآمر للصليبيين، وكانوا قد استولوا فى عهده على بيت المقدس وكثير من ثغور الشام وبلدانه، والخليفة ووزيره الأفضل والمأمون يغطّون فى غفلة لا تدانيها غفلة، وكأن ظافرا يحاول إيقاظ الآمر ودفعه للذبّ عن حرمات الإسلام ودياره أمام حملة الصليب، وهو فى ذلك إنما كان لسانا للمصريين يعبر عن فزعهم للغزو الصليبى وما يأملون من القضاء على حملة الصليب قضاء مبرما. وهذا الوتر فى مدائح ظافر للآمر ووتر الميراث النبوى أتاحا لمدحته له أن لا تقف عند المبادئ الإسماعيلية فى مدح الأئمة الفاطميين إلا لماما وإلا عند هذا الظاهر السطحى منها الذى صوّرناه.
стр. 3398
ودليل ثان على أن هذه المبادئ لم تتعمق نفس ظافر أنه حين قتل الآمر سنة ٥٢٤ وتولى ابن عمه الخليفة الحافظ واتخذ أبا على بن الأفضل الجمالى السنى وزيرا له، حينئذ نجد ظافرا يمدحه مدحا يخلو خلوا تاما من هذا الغلو الإسماعيلى الذى رأيناه فى مدائح الآمر. وكان من المبادئ الإسماعيلية أن يتولى الخلافة ابن الخليفة وتصادف أن الآمر لم يترك ابنا، وقيل بل ترك طفلا رضيعا اسمه الطيب، وتعصبت له جماعة سميت الطيبية وتعصبت جماعة أخرى سريعا للحافظ عبد المجيد ابن عم الآمر، وأخذت له البيعة واستولى على مقاليد الخلافة. وظل من ذلك جمر مختف وراء الرماد، مما جعل ظافرا يدافع فى بعض مديحه للحافظ عنه وعن حقه فى الخلافة قائلا:
ورث ابن عمّ محمد من بعده ... حقّ الخلافة منصفا فى نقلها
وورثت أنت عن ابن عمّك حقّها ... فجرى قياس خلافة فى شكلها
فالحافظ ورث الخلافة عن الآمر كما ورثها عن الرسول ﷺ ابن عمه على بن أبى طالب رأس الأئمة. ولا يلحّ ظافر فيما كان يعتقده الإسماعيليون فى أئمتهم من معان قدسية ومن رفعهم عن حدود الطبيعة البشرية المادية، فهو إنما يمدح الحافظ بميراثه للرسول مما يجعله يطيل فى بيان معجزاته. ولعلنا لا نغلو إذا قلنا إن كل ما استبقاه من العقيدة الفاطمية فى مديحه قوله.
يا حجّة الله التى أبدت لنا ... بكمالها الآيات والبرهانا
وكأنما حدث انقلاب فى مديح ظافر للحافظ بالقياس إلى مديحه للآمر، وليس له فى الحافظ إلا قصيدتان مع أنه عاش فى مدة خلافته خمس سنوات، إذ توفى سنة ٥٢٩. وأكبر الظن أن فيما قدمت ما يدل على أن ظافرا لم يكن إسماعيليا بالمعنى الدقيق، وإنما هى فترة محدودة نحو أربع سنوات اضطر فيها لمديح الآمر على طريقة القوم، مما جعله يعود إلى ديوان ابن هانئ يستظهر ما فيه أو بعضا مما فيه، ولم يعد استظهاره قشورا، ردّدها حينا فى مديح الآمر ثم كفّ عنها فى مديح الحافظ إلا ما سقط عفوا.
وبدون ريب كان ظافر شاعرا بارعا وفيه يقول العماد الأصبهانئ فى ترجمته له بكتابه الخريدة:
«ظافر، بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر. . حدّاد لو أنصف لسمّى جوهريّا، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلئ حريّا، أهدى بروىّ شعره
стр. 3399
الرّوى للقلوب الصّادية (١) ريّا، فياله ناظما فصيحا مفلقا جريّا (٢)». وحقا شعره غاية فى السلاسة والعذوبة، وهى ظاهرة عامة تلاحظ دائما فى شعر المصريين، كما يلاحظ عندهم على الأقل حتى زمن ظافر أنهم لا يتصنعون للبديع ومحسناته المعقدة، قد تأتى عندهم وقد يستخدمونها أحيانا ولكن فى خفة ورشاقة. ودائما تلقانا عند ظافر العذوبة والرقة على نحو ما نرى فى مثل قوله متغزلا:
يا ساكنى مصر أما من رحمة ... فيكم لمن ذهب الغرام بلبّه
أمن المروءة أن يزور بلادكم ... مثلى ويرجع معدما من قلبه
وهما بيتان فى منتهى السهولة، وكان ينفذ كثيرا إلى صور طريفة مبتكرة، وقد يبعد فيها حتى لتصبح كأنها رؤى حالمة على شاكلة قوله:
لئن أنكرت مقلتاها دمه ... فمنه على وجنتيها سمه
وها فى أناملها بعضه ... دعته خضابا لكى توهمه
وواضح أنه كان عند ظافر حظ من الخيال المغرق فى الوهم إغراقا يروع قارئه، وسننشد له قطعة من غزله فى الفصل التالى، ونكتفى بصورة واحدة من صورة الحالمة العجيبة لندل على هذه المقدرة البارعة، وهى صورة وصف فيها الهرمين وأبا الهول وصفا لم يقع لشاعر من قبله ولا من بعده، يقول:
تأمّل بنية الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعمّاريّتين على رحيل ... لمحبوبين بينهما رقيب
وماء النّيل تحتهما دموع ... وصوت الريح عندهما نحيب
وهى صورة مركزة لمشهد واسع كبير استحال إلى هذه الرؤيا الحالمة، فالهرمان كأنهما عماريّتان أو هودجان هرميا الشكل لمحبوبين بينهما أبو الهول وكأنه رقيب، يشهدهما ساعة الوداع، وهما يذرفان الدمع مدرارا، ويهمى تحت أقدامهما نهرا فياضا كبيرا هو نهر النيل، والريح من حولهما تنتحب وتئن أنينا لا ينقطع. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن ظافرا كان أبرع شاعر عرفته مصر زمن الدولة الفاطمية.
стр. 3400
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل
لعل موضوعا لم يشغل شعراء مصر طوال هذا العصر كما شغلهم الغزل، الذى يصور عاطفة الحب الإنسانية الخالدة، والذى طالما تغنّى به الشعراء مصورين حبهم للمرأة وهيامهم بها، وما شعروا به من سعادة حين أقبلت عليهم ولو بعض الإقبال وما شعروا به من شقاء حين كانت تعرض عنهم ولو بعض الإعراض. أما حين كانت تقبل فكأنها تناولهم شرابا هنيئا بل رحيقا صافيا لا يدانيه رحيق، وأما حين كانت تعرض فكأنها تلقى عليهم شواظا من نار يلذع قلوبهم وأفئدتهم، ويصور الشاعر كيف يتصل ذلك كله بقلبه وبنفسه وبأحاسيسه ومشاعره، يصور ما يجد فى حبه من لذة أو ألم ومن نعيم أو جحيم. ولا يكاد يوجد محب إلا وهو يخشى القطيعة والفراق إلى غير مآب، فإن حدث الفراق فإنه يشكو ويضرع ويستعطف. لقد حرم حتى من الإشارة واللمحة من بعيد، ولكن الأمل فى اللقاء يظل يراوده مهما تجرّع من الآلام واحتمل من ألوان العذاب، ويبدئ ويعيد فى تصوير عذابه وآلامه لعل صاحبته تعطف عليه وتعيد ما كان بينها وبينه من وصال. وحقا قد تلقانا فى تضاعيف ذلك صور من الحب الجسدى الذى تمليه الغرائز، وهو خليق بالازدراء، إنما الذى يملؤنا إعجابا هو الحب العذرى العفيف الطاهر الذى يشغف قلوب أصحابه ويملؤهم بوجد ليس بعده وجد، وجد لا يخجلون منه ولا يستخزون، لأنه لا يتعلق بمأرب مادى، فحسبهم الوصال واللقاء، وهنئ لهم عذابهم بهذا الحب الذى ليس بعده عذاب، إنه حب قوى حار، حب نقى صاف، حب يمتلئ حنانا. وسواء استحال هذا الحب نارا من اليأس أو نورا من الأمل فإن تعقبه عند الشعراء المصريين وعرضه فيه كثير مما يلذّ النفس ويمتعها، وخاصة ما نفذوا إليه من غزل وجدانى صادق فى وصف حبهم وما انطوت عليه قلوبهم من مشاعر الصبابة، مما سنراه واضحا عند ابن النبيه والبهاء زهير.
стр. 3401
ويخيل إلى الإنسان كأنما أوقد الحب جذوة من النار لا تنطفئ أبدا فى قلوب الشعراء، فهم دائما يصلونها ويصلون معها البعد والفراق، وحتى مع القرب يصلون عذاب الحب، دون إشفاق أو عطف أو رحمة، على نحو ما يقول ابن هانئ (١).
فتكات طرفة أم سيوف أبيك ... وكئوس خمر أم مراشف فيك
أجلاد مرهفة وفتك محاجر ... ما أنت راحمة ولا أهلوك
يا بنت ذى السّيف الطويل نجاده ... أكذا يجوز الحكم فى ناديك
عيناك أم مغناك موعدنا وفى ... وادى الكرى ألقاك أم واديك
قد كان يدعونى خياثة طارقا ... حتى خ عانى بالقنا داعيك
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو ... عثروا بطيف طارق ظنّوك
وهو لا يدرى كيف يتقى فتكات طرف صاحبته التى تشبه أتم الشبه فتكات سيف أبيها، وإنها جميعا لتصيبه فى الصميم دون أى رأفة، وإنه ليائس يأسا شديدا من رأفة أبيها وأهلها، فلا يأمل فى رؤية لها أو لقاء، ويتعلل بلقائها ورؤيتها فى الكرى والأحلام، ويألم ألما شديدا، فقد منعوا طيفها من الإلمام بعينيه فى الحلم، وإنه ليبيت خائفا منهم حذرا، أن تسفر له عن وجهها الباسم حتى فى النوم، فما أشقاه وما أشد عذابه، إذ لا يجنى من حبه لها سوى الألم والحرمان واللوعة.
ولم يكن تميم بن المعز الفاطمى أقل منه لوعة وأسى حين صور وداعه لصاحبته، وهى لا تقل عنه أسى والتياعا، يقول (٢):
مازال فى الحبّ شوق موجع وأسى ... مبرّح يقطع الأحشاء والكبدا
حتى رمى البين بالتفريق ألفتنا ... وحلّ من وصلها ما كان قد عقدا
فآه من لوعة مشبوبة وجوى ... فى الصدر لم يبق لى صبرا ولا جلدا
قالت وعبرتها مخلوطة بدم ... تجرى وأنفاسها مرفوعة صعدا
لا تطلب النطق منى بالسّلام فما ... أبقى فراقك لى روحا ولا جسدا
وهو يصور أساه فى حبه وكيف يفتت منه الأحشاء والكبد، وإذا البين ينعب بالفراق، فيلتاع لوعة تستعر بين جوانحه، ويتهالك ويفقد الصبر والجلد، بينما هى تذرف الدمع مدرارا مرسلة
стр. 3402
أنفاسا حارة ملتهبة، وتتلطف له قائلة لا تطلب منى النطق بالسلام، فلم أعد أستطيع الكلام، وتشعر كأن الفراق يكلفها من الجهد فوق ما يطيق جسدها وروحها، بل لكأنما لم يعد لها جسد ولا روح. ويعود إلى تصوير لوعة هذا الفراق لمحبوباته فى الديوان مرارا بمثل قوله (١):
قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه
اجعل يديك على قلبى فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما فيه وأضلعه
كأننى يوم ولّت-حسرة وأسى- ... غريق بحر يرى الشاطى ويمنعه
فقد ارتفع نبضها وعلت ضرباته، وتحس كأنما لم يعد فى قلبها فضل من قوة تستطيع به أن تحتمل صدمة الفراق المروعة، وتميم يبادلها نفس المشاعر ونفس الآلام والأوجاع، وإنه ليذوب حسرة وأسى لفراقها، ولا يستطيع أن ينقذها وينقذ نفسه من هذه المحنة، وكأنه غريق تلعب به الأمواج وهو يرى الشاطئ ولا يستطيع وصولا إليه. وعلى الرغم من أنه كان أميرا وكان ابن الخليفة المعز تلقانا عنده مشاعر الحب الحقيقية التى ترتفع عن أدران الحسّ، ومن طريف قوله فى بعض غزله (٢):
قلت اسمحى لى بتقبيل أعيش به ... قالت: وأىّ محبّ قبّل القمرا
ومرّ بنا فى ترجمة ظافر الحداد أن له غزلا رقيقا يطير عن الفم بخفة وأنشدنا له قطعتين، واشتهر بقصيدة له ذالية أو اختار أن تكون ذالية ليدل على قدرته فى النظم على هذه القافية التى يظن أنها تستصعب على الشعراء، وهى قصيدة غزلية، تجرى على هذا النمط (٣):
لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سحّ وابل دمعه ورذاذه
من كان يرغب فى السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذه
لا تخدعنّك بالفتور فإنّه ... نظر يضرّ بقلبك استلذاذه
يا أيها الرّشا الذى من طرفه ... سهم إلى حبّ القلوب نفاذه
درّ يلوح بفيك من نظّامه ... خمر يجول عليه من نبّاذه (٤)
وقناة ذاك القدّ كيف تقوّمت ... وسنان ذاك الّلحظ ما فولاذه
رفقا بجسمك لا يذوب وإننى ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه (٥)
стр. 3403
والقصيدة على هذه الشاكلة تسيل رقة وعذوبة، حتى مع قوافيها الذالية، وتملأ صوره النفس بهجة، فهذا الرشأ أو الظبى الجميل الغرير يرسل سهامه وهى سهام حقيقية تنفذ إلى حبّ القلوب وسويدائها، ويخال درّا ملء فمها ويتساءل من نظمه فى هيئته البديعة، أما ما حوله من رضاب أو ريق فخمر حقيقية ويتساءل من النباذ الذى صنع هذه الخمر العجيبة، ويشتد به العجب وهو ينظر إلى قامة صاحبته واستوائها الرائع، ويتساءل أى فولاذ صلب اتّخذ منه سنان لحظها المرهف القاطع النافذ إلى الأفئدة. وإن جسد صاحبته ليذوب رقة ما بعدها رقة ونعومة ما تماثلها نعومة، حتى ليظن كأن اللاذ أو الحرير الذى تلبسه ينبو عليه لشدة لطفه ورهافته. وله يتغزل موجها الخطاب إلى معاتبه فى حبه وتهالكه فيه (١):
عتت ولكننى لم أع ... وأين ملامك من مسمعى
وما قدر عتبك حتى يزيل ... غراما تمكّن من أضلعى
ومادام لومك إلا وأن ... ت تقدر أنّ جنانى معى
مضى كى يودّع سكّانه ... غداة الفراق فلم يرجع
فؤادى فى غير ما أنت فيه ... فخذ فى ملامته أودع
والقطعة تموج برقة الحسّ ولطفه إلى أبعد حدود الرقة واللطف اللذين يشتهر بهما أهل القاهرة من قديم، وليس فيها لفظة غريبة بل كأنه تعمد أن يختار ألفاظها أقرب ما تكون إلى لغة الحياة القاهرية اليومية. ولا نبعد إذا قلنا إنها تعد هى ونظيراتها عند ظافر مقدمة للغزل الوجدانى الصافى الذى سنعرضه عند ابن النّبيه ومعاصريه. وهو يقول لصاحبه فى القطعة بمنتهى الرقة والتلطف كفى عتابا فقد سلبت محبوبتى عقلى وسمعى، وملك حبها جنانى، بل لقد مضى وراءها منذ الفراق ولم يعد. فأنا لا أعقل ولا أسمع شيئا مما تقول، ويتلطف إليه غاية اللطف حين يترك له الخيرة فى أن يستمر فى لومه أو يكف عنه، وعادة المحبين أن يعنفوا بلائميهم فى الحب، وظافر لا يعنف بل يتلطف فى ود رقيق.
وربما كان من تتمة الرقة فى غزل الشعراء المعاصرين لظافر أن نجد ابن قادوس الدمياطى يتغزل بجارية سوداء، محاولا بكل ما استطاع أن يرد عنها ما يظنّ من قبح السواد، يقول (٢):
стр. 3404
وعاذل محتفل ... مجتهد فى عذلى
يلومنى فى ظبية ... مخلوقة من كحل
إن السّواد علّة ... من نور هذى المقل
والحجر الأسود لم ... يخلق لغير القبل
والقار-مذ كان-وعا ... ء السّلسبيل السّلسل
فقد دافع عن تلك الجارية دفاعا بديعا. إذ جعلها مخلوقة من الكحل الذى تزدان به الحسان فى عيونها، بل جعلها مخلوقة من سواد العيون الذى تبصر به من حولها النور المنبثق فى الكون، وإنه ليذكر الحجر الأسود وإكباب الحجاج على تقبيله، كما يذكر القار أو القطران واتخاذه فى دعم الجدر لآنية الماء العذب. وهو ظرف بالغ من ابن قادوس، ظرف نعرفه دائما للشعراء المصريين. وكانوا يسندون هذا الظرف بكثير من الصور الخيالية المبتكرة، وقد يبالغون فى وصف هيامهم مبالغة بعيدة على نحو ما نقرأ للمهذب بن الزبير (١):
إذا أحرقت فى القلب موضع سكناها ... فمن ذا الذى من بعد يكرم مثواها
وما الدمع يوم البين إلا لآلىّ ... على الرّسم فى رسم الديار نثرناها (٢)
وما أطلع الزّهر الربيع وإنما ... رأى الدّمع أجياد الغصون فحلاّها
ولما وقفنا للوداع وترجمت ... لعينى عما فى الضمائر عيناها
بدت صورة فى هيكل فلو انّنا ... ندين بأديان النّصارى عبدناها
وهو يشكو من النار التى دلعتها صاحبته فى فؤاده، ويقول لها إنه مسكنك فإذا لم تبق عليه فأين يكون مثواك، استعطاف واسترحام، فقلبه ملئ بها فتونا بل نارا موقدة، وقد أزمعت البين والفراق وهو ينثر دموعه نثرا. ويمتد به الخيال فيظن أن الندى العالق بغصون الأشجار دموعه، ويعلن سحرها له وشغفه بها، وكيف يعبث جمالها بفؤاده، حتى لتبدو له وكأنها صورة فى هيكل تقدّم لها القرابين والتراتيل، ويوشك أن يعبدها كما يعبد النصارى المسيح. ونحس عند المهذب نقلة لشعر الغزل المصرى، إذ يستحيل وجدا وصبابة ورقة وخفة من مثل قوله (٣):
стр. 3405
هم نصب عينى أنجدوا أو غاروا ... ومنى فؤادى أنصفوا أو جاروا (١)
فارقتهم وكأنهم فى ناظرى ... مما تمثّلهم لى الأفكار
تركوا المنازل والديار فمالهم ... إلا القلوب منازل وديار
واستوطنوا البيد القفار فأصبحت ... منهم ديار الإنس وهى قفار
فلئن غدت مصر فلاة بعدهم ... فلهم بأجواز الفلا أمصار (٢)
أو جاوروا نجدا فلى من بعدهم ... جاران: فيض الدمع والتّذكار
والدهر ليل مذ تناءت دارهم ... عنى وهل بعد النهار نهار
إنه لن ينساهم أبدا مهما أنجدوا أو غاروا ومهما شرقوا أو غربوا، ومهما أنصفوه أو ظلموه، لقد فارقوه وصورهم مائلة فى خياله لا تبرحه، وحقا تركوا المنازل والديار، ولكنهم تركوا وراءهم منزلا عظيما، لا تزايله صورهم، إنه قلبه الملتاع المطوى على حبهم. وينظر إلى الديار والمنازل حوله بمصر فيظنها فلوات ومفازات، فقد غادروها قفرا يبايا خرابا إلى ديار كانت خالية موحشة فأصبحت بهم أمصارا، وليس من جار له فى قفره الخرب إلا جاران: تذكارهم ودموعه المنهلة التى لا ترقأ أبدا، وقد أظلمت الدنيا فى عينيه. حتى غدا النهار مظلما داجيا، فقد أخذوا معهم كل شئ حتى النهار وضياءه. وله أبيات غزلية خفيفة من مثل قوله (٣):
لم يهن قطّ علينا بعدكم ... مثلما هان عليكم بعدنا
لم تبالوا إذ رحلتم غدوة ... أىّ شئ صنع الدهر بنا
وقوله (٤):
أحبابنا ما بالكم ... فينا من الأعداء أعدى
وحياة ودّكم وتر ... بة وصلكم ما خنت عهدا
والرقة واضحة فى الأبيات، وواضح فى البيت الأخير الظرف المصرى، فالوصل مات وقبر والمهذب يحلف-كما يحلف المصريون حتى اليوم بأعزائهم وتربهم أو قبورهم-بتربة الوصل العزيز وما سكب عليه من الدموع الحارة.
стр. 3406
ويلقانا فى أوائل أيام صلاح الدين الأيوبى على بن الدباغ الإسكندرى، ومن بديع ماله فى الغزل أبياته المشهورة (١):
يا ربّ إن قدّرته لمقبّل ... غيرى فللمسواك أو للأكؤس
ولئن قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا ربّ فليك شمعة فى المجلس
وإذا قضيت لنا بعين مراقب ... فى السرّ فلتك من عيون النّرجس
وابن الدباغ يصور فى أبياته أنانية المحب وكأنه يحب نفسه كما يحب محبوبته، بل هو يرى فيها ظلال نفسه، ولذلك يتمنى لها ما يتمنى لنفسه من أن لا يقبّل شفتيها سوى المسواك للوضوء والأكؤس أو الأكواب للشراب، وأن لا يصحبهما ثالث إلا أن يكون شمعة تضئ المجلس، وإذا كان لا بد من عين لرقيب فلتكن من عيون النرجس.
وكان القاضى الفاضل وزير صلاح الدين يجنح إلى استخدام المحسنات البديعية وإلى صور مختلفة من التكلف، وكان قد نشأ بمصر وتنفس فى حياتها الأدبية ولعله لذلك يؤثر من حين إلى حين السهولة فى غزله وأن يمنح من المعين المصرى العذب كقوله (٢):
يا طرف مالك ساهدا فى راقد ... يا قلب مالك راغبا فى زاهد
من يشترى عمرى الرخيص جميعه ... من وصلك الغالى بيوم واحد
عاتبته فتورّدت وجناته ... والقلب صخر لا يلين لقاصد
والقطعة مكتظة بالطباق ولكن لا نكاد نحسه، لأن الألفاظ متداخلة متواصلة، وهو يصور فيها انصراف المحبوبة عنه، بينما هو واله بها واجد، وعاتبها فتضرجت وجناتها بالخجل، غير أنها ظلت منصرفة عنه لا تلين له ولا تعطف عليه، ومن غزله البديع قوله (٣):
ترى لحنينى أو حنين الحمائم ... جرت-فحكت دمعى-دموع الغمائم
وهل من ضلوع أو ربوع ترحّلوا ... فكلّ أراها دارسات المعالم
لقد ضعفت ريح الصّبا فوصلتها ... فمنّى لا منها هبوب السّمائم
وهو ترداد طريف، فهو لا يدرى أيحاكى السحاب فى قطره المنهل حنينه الملتاع أو هو يلبى
стр. 3407
الحمائم وما ترسل من حنين شجى، وهو لا يدرى أيضا أى منازل رحل عنها أحبابه أهى الربوع أو الضلوع. فكلاهما أطلال دارسة، ويبلغ به الخيال أن يظن أنفاسه الحارّة امتزجت بنسيم الصبا، فأحالته سمائم لافحة.
ونلتقى بخدن القاضى الفاضل ورفيقه: ابن سناء الملك أكبر شعراء مصر فى العصر، وشعره يموج بوجد لا حدود له ولا ضفاف، وجد يشقى به تارة وينعم به تارة، إذ يذوق لذة الحب المؤلمة والحلوة، حتى إذا اختلس قبلة أو ضمّة كاد يطير من الفرح طيرانا، مهما تأبّت عليه محبوبته ومهما صدت عنه ونفرت منه، بل إنه ليلقى ذلك كله بحنان لا يماثله حنان، يقول (١):
لا أجازى حبيب قلبى بجرمه ... أنا أحنى عليه من قلب أمّه
ضنّ عنى بريقه فتحيّل ... ت إلى أن سرقته عند لثمه
وإلى اليوم من ثلاثين يوما ... لم تزل من فمى حلاوة طعمه
إن قلبى لصدره ورقادى ... ملك أجفانه وروحى لجسمه
يكسر الجفن بالفتور ومالى ... عمل عند كسره غير ضمّه
والأبيات تموج بالعذوبة والظرف، فكله حنان لصاحبته، حتى ليفوق حنوّه عليها حنوّ الأم.
ومازال بها حتى اقتطف منها خلسة قبلة، ومرت الأيام ولا تزال حلاوتها فى فمه، ويشعر كأن كل شئ فيه لها: قلبه وروحه، وملك أجفانها رقاده وسهده. وتصنّع فى البيت الأخير لاستخدام مصطلحى الكسر والضم عند النحاة، ومع ذلك أوقعهما فى موضعهما، فلا نحس فيهما تصنعا ولا ما يشبه التصنع، ومن قوله (٢):
نعم المشوق وأنعم المعشوق ... فالعيش كالخصر الرقيق رقيق
خصر أدير عليه معصم قبلة ... فكأن تقبيلى له تعنيق
ونعم لقد طرق الحبيب وماله ... إلا خدود العاشقين طريق
فرشوا الخدود طريقه فكأنما ... زفراتهم لقدومه تطريق (٣)
وافى وصبح جبينه متنفّس ... وأتى وجيد رقيبه مخنوق
стр. 3408
وهى لحظة من لحظات الحب الحلوة صورها ابن سناء الملك تصويرا بديعا، فقد سعد العاشق الولهان بما أنعم عليه المعشوق من لقاء، وأحس بابتهاج ما بعده ابتهاج، فقد زارته المحبوبة الفاتنة التى شغفت قلوب كثيرين، وإنهم ليفرشون طريقها بخدودهم لتطأ عليها، مرسلين زفراتهم، وكأنما يمهدون بها الطريق لها، وقد وافت بجبينها المشرق إشراق الصباح، وغصّ الرقيب بريقه حتى كأنه مخنوق. ومن طرائف غزله قوله (١):
سعدت ببدر خدّه برج عقرب ... فكذّب عندى قول كلّ منجّم
وأقسم ما وجه الصباح إذا بدا ... بأوضح منى حجّة عند لوّمى
ولا سيّما لما مررت بمنزل ... كفضلة صبر فى فؤاد متيّم
وما بان لى إلا بعود أراكة ... تعلّق فى أطرافه ضوء مبسم (٢)
وقفت به أعتاض عن لثم مبسم ... شهىّ لقلبى لثم آثاز مسم (٣)
بكيت بكلتى مقلتىّ كأننى ... متمّم ما قد فات عينى متمّم
وهو يقول إنه سعد برؤية هذا البدر وما سال على خده من عقرب الشّعر، مما جعله يكذّب قول المنجمين أن برج العقرب فى السماء إذ رآه على خد صاحبته الفاتنة. وإن فتنتها وما تدلع فى قلبه لأنصع برهان له عند لائميه، أنصع من الصباح فى وضوحه وضيائه. وقد مرّ بمنزلها الذى لا يكاد يبين، كما لا يكاد يبين الصبر فى فؤاد العاشق الولهان، وبان له بفضل عود أراك كانت تستاك به صاحبته قبل الوضوء، إذ تعلّق بأطرافه ضوء من مبسمها، واهتدى إليها وإلى منزلها على لألائه فوقف مبهوتا مشدوها ولا أمل له فى قبلة يقتطفها أو ما يشبه القبلة، وأقبل يلثم آثار منسمها أو طريقها باكيا بدموع غزار، باكيا بمقلتيه وكأنه يتمم بكاء متمّم بن نويرة على أخيه مالك وقد اشتهر بكثرة بكائه عليه، وكان أعور فمازال يبكيه حتى دمعت عينه العوراء. وعلى هذا النحو لا يزال ابن سناء الملك يتقلب بين لحظات حب مؤلمة مبكية وأخرى مفرحة مبهجة. وكان يذوب لطفا ورقة مما جعله يتغزل-كما أشرنا فى ترجمته، ببعض من فقدن بصرهن، وهو يحتال فى غزله بهن على إيراد ألوان من حسن التعليل ترفع عنهن هذا الضيم الذى نزل بهن، من مثل قوله (٤):
فتنتنى مكفوفة ناظراها ... كتبا لى من الجراح أمانا
стр. 3409
فهى لم تسلل الفتور حساما ... لا ولم تحمل الّلحاظ سنانا (١)
وهى بكر العينين محصنة الأج ... فان ما افتضّ ميلها (٢) الأجفانا
قصرت عشقها علىّ فلم تع ... شق فلانا إذ لم تعاين فلانا
لا ولم تبصر الرجال فتختا ... ر على ملتحيهم المردانا
عميت من هواى وارتحل الإن ... سان من عينها وأخلى المكانا
علمت غيرتى عليها فخافت ... أن تسمّى غيرى لها إنسانا
وهو يعلن إليها فتنته بحسنها، وهى فتنة ممزوجة بغير قليل من الرضا والغبطة، إذ أمن عندها أن تصمى سهام عينيها قلبه، أو يصحبه حسام الفتور وسنان اللحاظ، ويصفها ببكارة العينين وطهارة الأجفان، إنها عذراء البصر، لم يمس ميل الكحل عينيها، وإنها لتفرده بالحب إذ لم تر ولم تبصر سواه، فهو دنياها غير مفكرة فى شيب وشبان، إذ لا تعرف الفرق بين أصحاب اللحى والمردان. وتبلغ به الرحمة والإشفاق والعطف عليها أن يقول إنها فقدت بصرها بسبب حبه، وبذلك خلا مكان إنسان العين منها، وكأنما عرفت غيرته عليها حتى من إنسان عينها، فنحّته عنها، حتى لا يكون لها إنسان سواه. وكل ذلك لطف من ابن سناء الملك ورقة ورحمة وعطف وحنان ما بعده حنان. وهو بحق يعد فى الذروة من شعراء العرب النابهين الذين يمتازون بدقة الحس ورهافة الشعور وروعة المعانى والتصاوير.
ويتفجر هذا الغزل الوجدانى البديع على كل لسان بعد ابن سناء الملك، وكان من أهم الأسباب فى ازدهاره الشعر الصوفى الذى ذاع وشاع منذ زمن الدولة الأيوبية، فإن الصوفية من أمثال ابن الكيزانى وابن الفارض أذاعوا فيه وجدا ملتاعا وكان لذلك أصداؤه الواسعة فى غزل الشعراء، فانفكوا من أصداف البديع ومن الأخيلة الجامدة المتحجرة، وأخذوا يصورون حبهم وما يذوقون فيه من الوجد والصبابة وما يثير فى قلوبهم من المشاعر والعواطف وما يصطلون فيه من العذاب والآلام: آلام الفراق وعذاب الإعراض، من ذلك قول الحسن بن شاور فى بعض غزله (٣):
قلّدت يوم البين جيد مودّعى ... دررا نظمت عقودها من أدمعى
стр. 3410
وحدا بهم حادى المطىّ فلم أجد ... قلبى ولا جلدى ولا صبرى معى
يا نفس قد فارقت يوم فراقهم ... طيب الحياة ففى البقا لا تطمعى
هيهات يرجع شملنا بالأجرع ... ويعود أحبابى الألى كانوا معى (١)
بحياتكم جودوا علىّ تكرّما ... فعسى خيالكم يلمّ بمضجعى
فلقد عدمت الصبر يوم فراقكم ... وتضرّمت نار الأسى فى أضلعى
يا نازحين فهل لكم من عودة ... نزح التفرّق ما بقى من مدمعى
لو لم تعودوا للديار وترجعوا ... لهلكت من شوقى وفرط توجّعى
وابن شاور فى أول الأبيات يبكى يوم البين والفراق شاعرا بأنه يعجز عن احتمال هذه المحنة التى خانه فيها صبره وتجلده، بل التى توشك أن تقضى عليه، لقد تفرق شملهم، ولم يعد هناك أمل فى لقاء بالأجرع: لقاء أحبابه ومهوى فؤاده. ويستحلفهم وقد حرموه طلعة وجوههم فى اليقظة أن لا يحرموه طيفهم فى المنام، لعله يخفف من نار الحب المضطرمة فى صدره. ويتمنى عودة لهم أو رجعة تردّ إليه روحه وتردّ عنه أوجاعه من الحب الملتهب وأوصابه.
ونلتقى بتقى الدين (٢) السروجىّ المولود سنة ٦٢٧ والمتوفى بالقاهرة سنة ٦٩٣ ويقول عنه أبو حيان: كان مع زهده وعفته مغرما بحب الجمال وكان يغنّى بشعره الغرامى المغنون لرقة انسجامه وعذوبة ألفاظه، ومن غزله:
أنعم بوصلك لى فهذا وقته ... يكفى من الهجران ما قد ذقته
يا من شغلت بحبّه عن غيره ... وسلوت كلّ الناس حين عشقته
بالله إن سألوك عنى قل لهم ... عبدى وملك يدى وما أعتقته
أو قيل مشتاق إليك فقل لهم ... أدرى بذا وأنا الذى شوّقته
يا حسن طيف من خيالك زارنى ... من عظم وجدى فيه ما حقّقته
فمضى وفى قلبى عليه حسرة ... لو كان يمكننى الرّقاد لحقته
وهو يتضرع لمحبوبه أن ينعم عليه بالوصل بعد طول الهجران والعذاب فى حبه وانشغاله الدائب بعشقه، ويقول متذللا له إنه عبده وملك يده ولن تردّ إليه حريته، ويشكو لواعج الشوق،
стр. 3411
ويأسى لنفسه إذ رأى طيفه فى المنام ولم يكد يحققه أو يتحقق منه حتى فرّ النوم من عينه، وهو لا يتمنى لقاء كعادة المحبين، ليأسه منه، وإنما يتمنى لو عادت له رؤيته فى منامه، أو لو طال حلمه وطال رقاده قليلا حتى يشفى منه غلّة حبه. ويعلق ابن حجة الحموى فى خزانته على هذه الأبيات بقوله: «ما نفثات السحر إذا صدقت عزائمها بأوصل إلى القلوب من هذه النفثات ولا لسلاف ثغر الحبائب مع حلاوة التقبيل عذوبة هذه الرشفات». ومن غزله:
قصد الحمى وأتاه يجهد فى السّرى ... حتى بدت أعلامه وقبابه
ورأى لليلى العامريّة منزلا ... بالجود يعرف والنّدى أصحابه
قد أشرعت بيض الصّوارم والقنا ... من حوله فهو المنيع حجابه
وعلى حماه جلالة من أهله ... فلذاك طارقة العيون تهابه
كم قلّبت فيه القلوب على الثّرى ... شوقا إليه وقبّلت أعتابه
وهو يرمز لصاحبته بليلى العامرية وكأنه مجنونها وعاشقها قيس الذى ملأ البيد بأغانى حبه، ويقول إنه ما زال يدأب فى السرى أو السير الليالى المتصلة حتى بدت أعلام حيّها وقبابه أو خيامه، ويا للهول لقد وجد من دون رؤيتها السيوف والرماح مشرعة وشعر بجلال وهيبة لا يماثلهما هيبة وجلال، وهناك رأى كثرة من العشاق يضمون الثرى إلى صدورهم مقبلين الأعتاب آملين أملا يائسا فى أن يرفع الحجاب. وكان يعاصر السروجى فخر الدين بن لقمان كاتب بيبرس وقلاوون، وله غزليات رقيقة مثل قوله (١):
كن كيف شئت فإننى بك مغرم ... راض بما فعل الهوى المتحكّم
ولئن كتمت عن الوشاة صبابتى ... بك فالجوانح بالهوى تتكلّم
أشتاق من أهوى وأعلم أننى ... أشتاق من هو فى الفؤاد مخيّم
يا من يصدّ عن المحب تدلّلا ... وإذا بكى وجدا غدا يتبسّم
أسكنتك القلب الذى أحرقته ... فحذار من نار به تتضرّم
وهو راض من صاحبته بكل ما تصنع من إقبال وإعراض، وإنه ليخفى حبه عن الوشاة بل
стр. 3412
يكتمه بينما جوانحه تنطق به وتعلنه، ويعجب أن يشتاق صاحبته ويود لقاءها، بينما هى مخيمة فى فؤاده لا تبرحه. وإنها لتمعن فى التدلل، وحتى إن بكى وجدا سرعان ما تبتسم. ويحذرها من هذا الدلال وما يطوى فيه من اللعب. فقد أسكنها قلبه الذى أحرقته، ولا تزال نار الحب فيه مضطرمة مندلعة. ولابن نباتة غزل وجدانى كثير من مثل قوله (١):
أهلا بطيف على الجرعاء مختلس ... والفجر فى سحر كالثغر فى لعس (٢)
والنجم فى الأفق الغربى منحدر ... كشعلة سقطت من كفّ مقتبس
يا حبّذا زمن الجرعاء من زمن ... كلّ الليالى فيه ليلة العرس
وحبّذا العيش مع هيفاء لو برزت ... للبدر لم يزه أو للغصن لم يمس
محروسة بشعاع البيض ملتمعا ... ونور ذاك المحيّا آية الحرس
يسعى ورا لحظها قلبى ومن عجب ... سعى الطّريدة فى آثار مفترس
ليت العذول على مرأى محاسنها ... لو كان ثنّى عمى عينيه بالخرس
وهو يصور فرحته بالطيف الذى رآه فى حلمه اختلاسا لأواخر الليل والفجر يبتلج فى الآفاق المظلمة تبلج الثغر فى لعس الشفاه، والنجم يسقط فى الأفق الغربى منحدرا سقوط شعلة من كف مقتبس. وتعاوده ذكرى ليالى الجرعاء المفرحة فرح ليالى العرس، وهو يعيش رانيا إلى حبيبته التى لو رآها البدر لغضّ من زهوه ولو رآها الغصن لغضّ من ميسانه وخيلائه. ويقول إنها ممنّعة محروسة بسيوف باترة، وآية حراستها هذا النور الذى يشعّه وجهها فى الآفاق، ويعجب أن يسعى قلبه وراء لحظها سعى طريدة الصيد وراء مفترسها، ويقول إن ضياءها أحال عينى العذول عشواءين، فهو لا يبصرها، ويتمنى لو ثنّى ذلك بخرسه وانعقاد لسانه، فلا يتحدث عنها أى حديث من قريب أو من بعيد.
وممن كانوا يكثرون من الغزل النّواجى (٣) شمس الدين محمد بن حسن صاحب كتاب حلبة الكميت فى الخمر والندماء وآدابهم، ويعد أكبر شعراء القرن التاسع الهجرى، توفى سنة ٨٥٩
стр. 3413
للهجرة، ومن غزله قوله:
خليلىّ هذا ربع عزّة فاسعيا ... إليه وإن سالت به أدمعى طوفان
فجفنى جفا طيب المنام وجفنها ... جفانى، فيالله من شرك الأجفان
ونمضى فى قراءة مثل هذا الغزل الوجدانى الملتاع حتى إذا أظل لواء العثمانيين البلاد أخد يفيض معينه فى القلوب والنفوس وخاصة عند نور الدين على العسيلى، وسنخصه بكلمة، ومثله خرّيجه وتلميذه يحيى (١) الأصيلى، الذى يقول فى بعض غزله:
بدا بوجه جميل الوصف والشّان ... يقول: سبحان من بالحسن وشّانى (٢)
كأنه روضة غنّاء مزهرة ... من دمع عاشقها تسقى بغدران
أشبهت فى حبّه ورق الحمى فغدا ... كلّ يبثّ الجوى شجوا على البان
فالله جل شأنه زين وجهها بالجمال حتى كأنها روضة، أليس يشبه الشعراء الثغر بالأقحوان، والخد بالورد والشقيق والعين بالنرجس، لذلك جعل وجهها كأنه روضة تسقى من دموع العشاق بغدران، ومضى يستكمل خياله فورق الحمى وحمامه يبث جواه شجوا على أغصان البان وهو يبثه على من قامتها تحاكى قامة البان. وتخرّج على يد الأصيلى يوسف (٣) المغربى، وغزله كغزل أستاذه يسيل عذوبة من مثل قوله:
جعلوا الصباح مباسما ثم الظلا ... م ضفائرا ثم الرماح قدودا
والورد خدّا والغصون معاطفا ... والبدر فرقا والغزالة جيدا
ورأت غصون البان أن قدودهم ... فاقت فأضحت ركّعا وسجودا
وتشبيه قدود الحسان بالرماح وغصون البان لضمورهم واستقامتها مشهور. وكأن المغربى والأصيلى والعسيلى يكوّنون فى الغزل زمن العثمانيين مدرسة متماثلة فى رشاقة الموسيقى وجمال الصياغة، وإن كان التكلف قد أخذ يعم فى الغزل بعدهم وفى أيامهم. ولعبد الله الإدكاوى:
стр. 3414
عقيق دمعى غدا فى الجزع كالدّيم ... مذ بان سكان بان الحىّ والعلم
وانهلّ منسجما من نار مضطرم ... ملآن وجدا إلى خشف بذى سلم
ظبى نفور أنيس ناعس يقظ ... بالليل متّشح بالصبح ملتثم
إن أرض يغضب وإن أقرب نأى صلفا ... وإن أذلّ يته بالعزّ والشّمم
مهفهف ما بدت للغصن قامته ... إلا انثنى ذابل الأوراق ذا ضرم
وإن تبسّم ما برق بكاظمة ... له وميض يجلّى داجى الظّلم
ما فيه عيب سوى تفتير مقلته ... وفتكها فى فؤاد المدنف السّقم
والعقيق: خرز أحمر، يقول الإدكاوى إنه مازال يبكى حتى اختلط دمعه بالدم القانى وتناثر فى الجزع أو جانب الوادى وكأنه ديم مسكوبة مذ بعد سكان الوادى والعلم أو الجبل وما بهما من شجر البان، وإنه ليبكى وأحشاؤه تضطرم بوجد مبرح إلى خشف أو ظبى من ظباء ذى سلم بنجد، وإنه لظبى نفور أنيس ناعس يتشح بوشاح أسود من شعره، ويلتثم بلثام منير من وجهه.
وإن لقيه راضيا غضب وازورّ عنه وإن قرب منه نأى بجانبه، وحتى إن ذل له تاه عليه صلفا وشمما أو تكبرا. وهو مهفهف ضامر دقيق الخصر، وما يرى الغصن قامته حتى تذيل أوراقه خجلا ويلتاع لوعة ملتهبة. وإن ابتسامته لتضئ الكون من حوله ضياء لعله أكثر من ضياء البرق العماعا فى الليالى الداجية. ويجعل عيبه الوحيد فتور عينيه الذى طالما تغنّى الشعراء به وبما يرسل من سهامه التى تصمى أفئدة المرضى بالحب، وتفتك بهم فتكا. وواضح ما يداخل هذا التصوير من مبالغة وتكلف شديد. وحرى بنا أن نقف عند نفر من شعراء الغزل الوجدانى الذين صوروا ما اختلج فى خبايا قلوبهم وصدورهم من وجد مبرّح ولوعات ممضة.
ابن (١) النبيه
هو الكمال أبو الحسن على بن محمد بن يوسف المعروف باسم ابن النبيه ، ولد بمصر حوالى سنة ٥٦٠ واختلف إلى كتّاب حفظ فيه القرآن الكريم وبعض الأشعار على عادة لداته، ثم أخذ يختلف
стр. 3415
إلى حلقات العلماء والأدباء، وتفتحت ملكته الشعرية، ورنا إلى الالتحاق بدواوين صلاح الدين ووزيره الكاتب البليغ القاضى الفاضل راعى الأدباء فى عصره، وفى ديوانه مدائح مختلفة له، وليضع أمامه الدليل الواضح على قدرته البيانية ضمّن جميع أبيات إحدى مدائحه له كلمات من سورة المزمل مقتبسا لها فى قوافيه بقوله فى مطلعها:
قمت ليل الصّدود إلا قليلا ... ثم رتّلت ذكركم ترتيلا
ووصلت السّهاد أقبح وصل ... وهجرت الرقاد هجرا جميلا
ويبدو أن القاضى الفاضل لم يعجب بالقصيدة، فلم يعيّن فى دواوين صلاح الدين وأيضا لم يعيّن فى دواوين ابنه العزيز، حتى إذا ولى شئون مصر السلطان العادل سنة ٥٩٦ رأيناه يقدّم مدائحه إليه وإلى وزيره الصفىّ بن شكر. ويبدو أن صداقة انعقدت حينئذ بينه وبين الأشرف موسى بن السلطان العادل، حتى إذا ولاه أبوه على الرّها سنة ٥٩٨ اصطحبه معه واتخذه كاتبه.
وأخذت إمارته أو مملكته تتسع، فشملت خلاط وميّافارقين ونصيبين ومعظم بلاد الجزيرة. وكان يتنقل الأشرف موسى فى بلدان إمارته وكانت أكثر إقامته بالرّقة لموقعها على الفرات وابن النبيه معه يلازمه، ولا يترك مناسبة من انتصار فى حرب أو عيد إلا ويقدّم له مدائحه. ومن أهم هذه المناسبات-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-قدومه إلى مصر بجيش جرار ساعد به سلطانها أخاه الكامل فى سحق الصليبيين بموقعة دمياط ورد فلولهم إلى البحر المتوسط وما وراءه، وقد تغنى ابن النبيه بذلك طويلا بمثل قوله:
دمياط طور ونار الحرب موقدة ... وأنت موسى وهذا اليوم ميقات
أثلجت صدر رسول الله وانكشفت ... عن سرحة الدّين والدنيا غمامات
الله أكرم أن تمسى مزامرهم ... تتلى وتنسى من القرآن آيات
وهو يستغلّ اسمه فى مديحه، فيقرنه إلى موسى الرسول ومعجزته فى الطور، ويذكر فى القصيدة أن عصاه تلقفت كل ما أفكوا، ويصور كيف اندحر الصليبيون وتوزعهم المسلمون قتلا وأسرا وسبيا، ومن بقى منهم عاد إلى البحر المتوسط وما وراءه بخزى لا يماثله خزى.
ويدل ديوان ابن النبيه على أنه كان يعيش لدى الأشرف موسى معيشة مبتهجة يتمتع فيها بالرياض ومجالس الأنس والطرب حتى وفاته بنصيبين سنة ٦١٩. ومع ما كان فيه من هناءة لم
стр. 3416
ينس وطنه، بل ظل يحنّ له، وظل حنينه يترقرق فى تضاعيف أشعاره كأقوى ما يكون الشعور الصادق لدى المحبين الوالهين، كقوله مكنيّا عن مصر بالعقيق أحد وديان الأراضى المقدسة فى المدينة المنورة الذى طالما تغنى به شعراء الصبابة والحب الملتاع:
يا بارقا أذكر الحشا شجنه ... منزلنا بالعقيق من سبكنه
ومربع اللهو يانع خضل ... أم غيّر الدهر بعدنا دمنه (١)
يا برق هذا جسمى يذوب ضنّى ... ومهجتى بالعقيق مرتهنه
بلّغ حديث الحمى وساكنه ... لمغرم أنحل الهوى بدنه
أشقى المحبين عادم وطرا ... فكيف إن كان عادما وطنه
سقيا لأيامنا التى سلفت ... كانت بطيب الوصال مقترنه
لو بيع يوم منها وكيف به ... كنت بعمرى مسترخصا ثمنه
وابن النبيه فى أول الأبيات يخاطب برقا أذكره ما يعتلج فى أحشائه من الشجن أو الأشجان على بعده عن موطنه بوادى النيل، ويتساءل عن السكان والأحباب وهل لا يزال مربع اللهو والشباب كعهده به يوم فارقه من النضرة والجمال أم غيّر الدهر بعده الديار وتبدّل الحال. ويشكو للبرق ارتهان مهجته وراءه وتخلفها بمصر وكيف أنه يذوب ضنّا وسقما ونحولا متمنيا لو يسمع شيئا يطمئنه عن الحمى وساكنه. ويقول إن أشقى المحبين من عدم الوصال بمحبوبه فكيف بالمحب المفتون الذى عدم الوصال بوطنه، ويدعو بالسقيا لأيام وصاله الهنيئة الماضية له، ويتمنى لو حج إلى هذا الوطن المقدس تقديس العقيق أو عاد إليه، ويقول إنه يقدّم حياته كلها راضيا بيوم واحد يقضيه بين ربوعه. وابن النبيه بذلك يصور تصويرا رائعا تعلق المصريين فى غربتهم بوطنهم وشغفهم به ومدى حنينهم إليه وظمئهم إلى جرعة من نيله فى ظلاله وبين رياضه.
وإذا أخذنا نقرأ فى ديوان ابن النبيه أحسسنا بوضوح أنه يمثل فى غزله الروح القاهرية المصرية بكل ما عرف عنها من الدماثة والرقة وخفة الظل لا فى موسيقاه وجمال أنغامه فحسب، بل أيضا فى تصوير مشاعره ووجداناته وعواطفه، دون أى حجاب من أصداف المحسنات البديعية، فهو قلما يستخدمها بل يترك نفسه على طبيعتها، مما جعل غزله يرتفع إلى مستوى وجدانى سام، دون
стр. 3417
ترداد الأوصاف المادية الحسية للمرأة، فحسبه أن يصور عاطفته إزاءها فى رقة متناهية. وهيأ ذلك قديما لغزله أن يكثر التغنّى به فى ديار الجزيرة والموصل وفى الشام ومصر واليمن (١) لرقته ورشاقته وصفاء موسيقاه، ومازال المغنون والمغنيات يتغنون بأشعاره، وتتغنّى بها السيدة أم كلثوم وغيرها، ومن ذلك قوله:
أفديه إن حفظ الهوى أو ضيّعا ... ملك الفؤاد فما عسى أن أصنعا
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه ... حلوا فقد جهل المحبّة وادّعى (٢)
يا أيها الوجه الجميل تدارك الصّ ... بّ النّحيل فقد وهى وتضعضعا
هل فى فؤادك رحمة لمتيّم ... ضمّت جوانحه فؤادا موجعا
هل من سبيل أن أبثّ صبابتى ... أو أشتكى بلواى أو أتضرّعا
وهو يفدى محبوبه بروحه سواء حفظ العهد أو ضيّعه فهو لا يملك إزاءه فى الحالين إلا أن يزداد تعلقا بحبه وشغفا، بل إنه ليتقبل ظلمه ويجده شرابا سائغا، وإلا حق عليه أنه دعىّ حب.
ويتضرع إليه أن يتداركه، فإن كل شئ فيه حتى بدنه وهن ولم يعد يستطيع احتمالا، ويسترحمه لوهن جسده وأوجاع روحه، لعله يستطيع أن يبثه شيئا من حبه أو من محنته فيه. ولا تقلّ جمالا وروعة عن هذه الأغنية فى أيامنا الأغنية التالية:
أمانا أيّها القمر المطلّ ... فمن جفنيك أسياف تسلّ
يزيد جمال وجهك كلّ يوم ... ولى جسد يذوب ويضمحلّ
وما عرف السقام طريق جسمى ... ولكن دلّ من أهوى يدلّ
إذا نشرت ذوائبه عليه ... ترى ماء يرفّ عليه ظلّ (٣)
وقد يهدى صباح الخدّ قوما ... بليل الشّعر قد تاهوا وضلّوا
وابن النبيه يتوسل إلى صاحبته أن لا تسل عليه أسياف جفنيها وأن تبقى عليه فلا تفتك به، حتى يتمتع بجمال وجهها الذى يزداد ويتضاعف كل يوم، بينما يذوب بدنه اضمحلالا وتضاؤلا ونحولا. وما عرف السقم يوما طريقا إليه إلا عن طريق حبه لها وهيامه بها، بينما هى تدل عليه
стр. 3418
وتزداد كل يوم دلالا وإعراضا. وماذا يبصر؟ إنه لا يبصر إلا جمالا فاتنا وجسدا ساحرا رقيقا رقة الماء يهتز عليه من الشّعر ظل ناضر باهر. ويقول:
يا ساكنى السّفح كم عين بكم سفحت ... نزحتم فهى بعد البعد قد نزحت
لهفى لظبية إنس منكم نفرت ... لا بل هى الشمس زالت بعد ما جنحت
بيضاء حجّبها الواشون حين وشوا ... عنى ولو لمحت صبغ الدّجى لمحت
يقتصّ من وجنتيها لحظ عاشقها ... إن ضرّجت قلبه باللّحظ أو جرحت
من لى بسلمى وفى أجفان مقلتها ... للحرب بيض حداد قطّ ما صفحت
وأسود الخال فى محمّر وجنتها ... كمسكة نفحت فى جمرة لفحت
وفى القطعة جناس بين «السفح وسفحت» بمعنى صبّت العين الدمع، وكذلك بين «نزحتم» بمعنى بعدتم و «نزحت» العين بمعنى نفد دمعها، وأيضا بين «الواشون» و «وشوا» فى البيت الثالث وبين «لمحت» من لمح البصر واختلاسه و «محت» فى آخر البيت من المحو والإزالة، والبيت الأخير به جناس ناقص بين «نفحت ولفحت». والجناسات جميعها جناسات خفيفة على اللسان والآذان، لأن صانعها موسيقى ماهر فى قياس الأنغام، وهو فى أول القطعة يشكو لساكنى السفح من كثرة ما سفحت دموعه وسكبت حتى لقد جفّت عيناه، ويقول كأن محبوبته سلمى ظبية نافرة بل لكأنها الشمس مالت إلى الغروب ولو أنها أطلت بطلعتها المضيئة على الليل لمحت ظلمته محوا، ويتخيل كأنما يقتصّ بالنظر إلى وجنتيها من جرحها لقلبه جرحا لا يندمل أبدا.
وهى مبالغة مسرفة. ويتمنى لقاء سلمى مع ما قد يصيبه من فتك عينيها الساحرتين، ويتصور الخال فى خدها الوردى كجنّة من المسك تعلقت بجمرة لافحة، فانتشر منها أريج عطر. ومن غزله الذى يقطر حسنا ورقة قوله:
تعالى الله ما أحسن ... شقيقا حفّ بالسّوسن
خدود لثمها يبرى ... من الأسقام لو أمكن
فما تجنى وحارسها ... بقفل الصّدغ قد زرفن (١)
стр. 3419
أبثّ هواه من حرق ... لنجم الليل لمّا جنّ
وكم أسكنته قلبى ... فسار وأحرق المسكن
وهو يعلن افتتانه بجمال صاحبته واحمرار خدودها المشبهة لورد الشقيق المحفوفة بخصل السوسن من شعرها الذهبى، ويقول إن لثم خدودها يبرئ السقم، ولكن من يستطيع أن يصل إليها؟ إن أحدا لا يمكنه أن يقتطف من خدودها شيئا من زهرات الحب، فإن وراءها حارس أمين من شعرها لوى على خدودها قفلا كالحلقة، فلا يستطيع أحد إليها وصولا. وإنه ليبث هواه وما يذوقه من حرارته اللافحة للنجم حين جنّ الليل ودجت ظلماته، معلنا إليه هذا الهوى الذى لم يعد يستطيع اكتمانه. ويأسى لنفسه ومصيره، فكم أسكن محبوبته قلبه فعبثت به بل أحرقته وأتت عليه. ومن غزله الرائع:
أما وبياض مبسمك النّقىّ ... وسمرة مسكة اللّعس الشّهىّ (١)
لقد أسقمت بالهجران جسمى ... وأعطشنى وصالك بعد رىّ
إلى كم أكتم البلوى ودمعى ... يبوح بمضمر السّرّ الخفىّ
وكم أشكو للاهية غرامى ... فويل للشّجىّ من الخلىّ
تغازلنى وتزوى حاجبيها ... كما انبرت السّهام عن القسىّ
وتخترق الصفوف بريق فيها ... وهل يخفى شذى المسك الشّذىّ
يذود شبا القنا عن وجنتيها ... كمنع الشّوك للورد الجنىّ (٢)
إذا ما رمت أقطفه بعينى ... تقول حذار من مرعى وبىّ (٣)
وابن النبيه يقسم لمحبوبته بمبسمها الفاتن وسمرة شفاهها اللعس أنها أسقمت جسمه بهجرانها بعد الوصال وبما أصابته به من ظمأ بعد رىّ، ويقول إلى كم أكتم محنتى فى الحب ودمعى يبوح بسرّى وإلى كم أشكو للاهية عنى، وصدق المثل القديم: ويل للشجى من الخلى. ويعجب أنها تغازله أو تمد له أسباب الغزل، بينما تقطّب حاجبيها وتزوى ما بينهما، ويلتمس لها عذرا، فكأن حاجبيها قوسان يرسلان السهام، ولا بد لهما كالقوس ووترها من الشد والجذب فى أثناء الرمى
стр. 3420
بالسهام والنبال، ويقول إن شذاريقها كشذا المسك وأريجه يعلن عنها من بعيد. ويتحدث الشعراء كثيرا عن السيوف والرماح المسلولة من العيون على الناظرين للجمال المصون، ويرسم ابن النبيه من ذلك صورة رائعة، فعيون صاحبته بما يحميها من الرماح تذود عن وجنتيها الفاتنتين كما يذود الشوك عن الورد حين تمتد يد لاجتنائه أو اقتطافه، ويقول إنه حتى حين يريد أن يقتطف بعينيه لا بشفتيه شيئا من ورد وجنتيها تقول له حذار من مرعى وخيم العواقب.
وكل هذا غزل وجدانى يموج باللهفة والظمأ واللوعة الملتهبة التى لا سبيل إلى إطفائها فى قلب المحب الولهان، وهو دائما يستعطف ويتوسل ويتضرع، ولا مجيب حتى بنظرة أو كما يقول باقتطاف نظرة إلى الوجه الفاتن. وقد تراءت لنا صور من هذا الغزل الوجدانى الصافى الملتاع عند ظافر الحداد والمهذب بن الزبير وابن سناء الملك غير أنه تكامل عند ابن النبيه فى هذه الصورة الرائعة التى تخلو من المتاع الحسى والتى يسيل فيها الشعر رقة وعذوبة وسلاسة. وما أشك فى أن الحاجرى شاعر الموصل استلهم فى غزله الوجدانى الذى تحدثت عنه فى الجزء الخامس من هذه السلسلة لتاريخ الأدب العربى هذا الغزل الوجدانى لابن النبيه نزيل دياره حين كان الحاجرى لا يزال شابا فى نحو الخامسة عشرة من عمره، وتلاه التلعفرى الموصلى الذى تحدثنا عن غزله الوجدانى الملتاع يستضئ فيه بابن النبيه أيضا، ولاحظ ذلك صاحب فوات الوفيات، فقال فى ترجمته إن قصيدة التلعفرى التى أنشد منها قطعة فى ترجمته بالكتاب المشار إليه والتى يستهلها بقوله:
أىّ دمع من الجفون أساله ... إذ أتته مع النسيم رساله
إنما نظمها معارضة ومحاكاة لقصيدة ابن النبيه:
بدر تمّ له من الشعر هاله ... من رآه من المحبين هاله (١)
فهى من نفس الوزن والروى، بل المحاكاة عند التلعفرى لابن النبيه أوسع من هذا، إذ هى محاكاة لغزله الوجدانى الرائع لا فى أساليبه السلسة السائغة فحسب، بل أيضا فى مضمونه الملئ بالأسى المبرّح والوجد الملتهب، مع الرقة والدمائة واللطف وخفة الروح. وسقطت القيثارة من يد ابن النبيه بوفاته وكانت مصر قد أنجبت البهاء زهير، وإذا هو يستخرج من قيثارته نغما رائعا لهذا الغزل الوجدانى على نحو ما سنرى عما قليل، وهو نغم يبلغ به الذروة التى كانت مأمولة لهذه الصبابة
стр. 3421
الوجدانية، وإذا كان شرر هذا النغم قد تطاير عن طريق ابن النبيه إلى الموصل فإنه تطاير عن طريقه وطريق البهاء زهير إلى الشام وإلى بيئات عربية مختلفة.
البهاء (١) زهير
هو بهاء الدين زهير بن محمد، ينتهى نسبه إلى المهلب بن أبى صفرة القائد المشهور فى العراق وإيران زمن بنى أمية، ولد لأبويه المصريين فى وادى نخلة بالقرب من مكة فى أثناء حجّهما خامس ذى الحجة سنة ٥٨١. وكان أبوه رجلا صالحا يشهد بذلك وصفه على نسخة خطية من الديوان بدار الكتب المصرية بأنه: «العارف محمد قدس الله روحه» (٢) وقد تؤذن كلمة العارف بأنه كان صوفيا أو على صلة بالصوفية والتصوف، ويبدو أنه أقام مع ابنه وزوجه فى مكة ناسكا بضع سنوات، إذ يشير البهاء فى بعض أشعاره إلى ذكريات له فيها أيام طفولته، بمثل قوله:
تذكرت عهدا بالمحصّب من منّى ... ومادونه من أبطح وحجون (٣)
منازل كانت لى بهن منازل ... وكان الصّبا إلفى بها وقرينى
وعاد العارف محمد بزوجه وابنه إلى بلدته بالصعيد: قوص، وكانت حينئذ عاصمة الصعيد وباب المسافرين من مصر والمغرب والأندلس فى البحر الأحمر من سواكن وعيذاب إلى الحجاز، وكانت بها حركة تجارية واسعة ونهضة علمية وأدبية ناشطة، وهى منشأ البهاء ومرباه، فيها تلقن العلم والأدب والشعر. وتعرف فى أثناء ذلك على خدنه ورفيقه ابن مطروح، وانعقدت بينهما صداقة حتى الممات. وفى ديوانه قصيدة قصيرة مدح بها الملك المنصور حفيد صلاح الدين وكان قد ولى شئون مصر بعد أبيه العزيز فترة قصيرة سنة ٥٩٥ وأغلب الظن أنه أرسل بها إليه من قوص وهو لا يزال فى الرابعة عشرة مما يدل على أن ملكته الشعرية تفتحت فى سن مبكرة.
وينشد ابن خلكان له أبياتا من قصيدة مدح بها جلدك التقوى والى دمياط سنة ٦٠٥ وأكبر الظن أنه أرسل أيضا بها إليه من قوص. ونراه فى سنة ٦٠٧ يقدم مدحه لوالى بلدته قوص: مجد
стр. 3422
الدين إسماعيل اللمطى يهنئه فيها بولايته على أعمالها، وأعجب به اللمطى فاتخذه كاتبا له، وظل يعمل معه نحو عشر سنوات، ثم أخذت العلاقة تفتر بينهما، ويبدو من استعطافاته له فى بعض أشعاره أنه عزله من منصبه فهاجر من بلدته إلى القاهرة. ويظن بعض الباحثين أن هذه الهجرة حدثت فى سنة ٦١٩ وفى رأينا أنها تسبق هذا التاريخ بسنة أو أكثر إذ نراه يهنئ السلطان الكامل الأيوبى فى انتصاره العظيم سنة ٦١٨ على الصليبيين وطردهم من دمياط أو طرد فلولهم إلى البحر المتوسط وما وراءه. ويأخذ فى دعم صلته بأبناء السلطان الكامل منذ هذا التاريخ، ويحاول الاتصال بابنه الملك المسعود صاحب اليمن حين قدم إلى القاهرة سنة ٦٢١ ويقدم له مدحتين، ويخف على قلب أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب ويلحقه بخدمته، ويلبيّيه منشدا فيه قصيدة بديعة يقول فيها:
لبّيك يامن لا مردّ لأمره ... وإذا دعا العيّوق لا يتعوّق (١)
الصالح الملك الذى لزمانه ... حسن يتيه به الزمان ورونق
سجدت له حتى العيون مهابة ... أو ما تراها حين يقبل تطرق
ويصحبه معه حين أصبح فى سنة ٦٢٩ نائبا عن أبيه فى حكم بعض البلدان الشرقية فى نواحى الفرات. وعاش البهاء مع الملك الصالح فى رغد، ينعم بالحياة ويهنأ بها. وينتقل معه فى بلدان إمارته، غير أنه لم ينس موطنه، فقد ظل يذكره وظل لا ينسى أيامه فيه وأصدقاءه، ولا ينسى نيله الغدق ورياضه ومراكبه المصعدات المنحدرات، ويتلهف على العودة إلى واديه والعمل بجماله واكتحال عينيه بحسنه وبساكنيه وكل ما فيه، بمثل قوله:
سقى واديا بين العريش وبرقة ... من الغيث هطّال الشآبيب هتّان (٢)
بلاد إذا ما جئتها جئت جنّة ... لعينك منها كلما شئت رضوان
تمثّل لى الأشواق أنّ ترابها ... وحصباءها مسك يفوح وعقيان (٣)
فيا ساكنى مصر تراكم علمتم ... بأنى مالى عنكم الدهر سلوان
عسى الله يطوى شقّة البعد بيننا ... فتهدأ أحشاء وترقأ أجفان
стр. 3423
فهو يدعو للوادى من شرقيه إلى غربيه أن يظل يسقيه من الغيث هطال مدرار، ويتصور الوادى جميعه فردوسا لا يشبهه فردوس وترابه وحصباءه مسكا وذهبا خالصا، وهو لا يسلو أهله ولا ينساهم أبدا ويتمنى لو قصرت المسافة وعاد إلى موطنه ينظر ما شاهده، حتى تجف دموعه المنهلة، وتهدأ أحشاؤه الموجعة.
ويستولى الملك الصالح فى سنة ٦٣٦ على دمشق فيتحول معه إليها ويتملّى بغوطتها ورياضها، ولا يلبث الملك الصالح أن يفكر فى الاستيلاء على أملاك داود ابن عمه صاحب الكرك فى جنوبى الأردن وينزل نابلس، غير أن مؤامرت تحاك له، ويعتقل بسببها عند ابن عمه داود فى الكرك، ويظل البهاء زهير بنابلس حافظا لعهده. وتردّ إليه حريته، ويتجه إلى مصر فيستولى من أخيه الصغير العادل على مقاليد الحكم بها سنة ٦٣٧ ويولى البهاء زهير ديوان الإنشاء، والبهاء يكاد يطير فرحا برجوعه إلى موطنه وتعظم منزلته عند الملك الصالح ويصبح مستشاره الأعلى وأمين سره، وكان خيّرا نبيلا فنفع-كما يقول ابن خلكان-خلقا كثيرا بحسن وساطته عنده وجميل سفارته.
ومن حين إلى حين كان يرحل مع الملك الصالح إلى دمشق، وفى آخر رحلة لهما هناك جاءهما خبر الحملة الصليبية على دمياط بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، وتصادف أن كان الملك الصالح مريضا، فصمّم على منازلة لويس وجيشه فى أقرب فرصة، وحمل من هناك فى محفّة حتى نزل بطناح بالقرب من المنصورة فى شهر المحرم سنة ٦٤٧ ومضى يستعدّ للقاء الصليبيين وهو يجاهد المرض جهادا عنيفا حتى شهر شعبان إذ لبّى نداء ربه. وقبيل وفاته بقليل عزل البهاء زهير من منصبه، ويذكر المؤرخون أن ذلك كان بسبب تقصيره فى الالتفات إلى إشارة كان قد كتبها الملك الصالح على كتاب كان مرسلا لابن عمه داود صاحب الكرك، مما أغضب الملك الصالح.
ونظن أنه رجع ذلك السهو إلى تقدمه فى السّنّ، فأعفاه من منصبه وأسنده إلى نائبه فخر الدين ابن لقمان. ويقال إنه حاول بعد وفاة الملك الصالح إعادته إلى منصبه، وكأنما عزّ ذلك على البهاء فلم يقبل تقلّده، وقيل: قبله فترة ثم استعفى منه. وفى ديوانه مدائح مختلفة أرسل بها إلى الناصر الأيوبى حين استولى على دمشق، وأكبر الظن أنه أرسل بها إليه انتظارا لبعض رفده، ولزم بيته نحو ثمانى سنوات عرف فيها شظف العيش بعد رغده ومرّه بعد حلوه إلى أن فارق دنياه سنة ٦٥٦ فى وباء حدث بالفسطاط والقاهرة.
ويدلّ شعر البهاء على أنه كان صاحب نفس كريمة كبيرة، ويقول ابن خلكان فى ترجمته:
«كنت أود لو اجتمعت به لما كنت أسمعه عنه فلما اجتمعت به رأيته فوق ما سمعت عنه من مكارم
стр. 3424
الأخلاق ودماثة السجايا». وما مرّ من حديثنا عنه يدل على أن حياته ظلت، حتى أعفاه الملك الصالح من منصبه وهو فى نحو السابعة والستين من عمره، حياة سهلة ليس فيها حرمان ولا شئ من بؤس، بل فيها غير قليل من النعيم، وفى شعره وصف كثير لمجالس أنس مع الرفاق والأصدقاء، وفيه ما يدل أيضا على شغفه بالطبيعة ومجاليها الفاتنة. وله مراسلات شعرية رقيقة مع ابن مطروح خدن صباه وشبابه فى قوص. وشعره يكتظ بالمرح والتفاؤل والدعوة إلى الفرحة بمتع الحياة وطرح الهموم عن عاتق الإنسان، يقول:
أيها الحامل همّا ... إن هذا لا يدوم
مثل ما تفنى المسرّا ... ت كذا تفنى الهموم
والغزل هو الموضوع الأساسى فى ديوانه، وهو غزل وجدانى من نفس المعين الذى كان يستمد منه ابن النبيه، بل ربما كان يتقدم خطوة أو خطوات نحو السهولة، مما جعل ابن خلكان يقول:
«شعره كله لطيف، وهو-كما يقال-السهل الممتنع». وليس كل ما يلاحظ عليه السهولة فحسب، فهو يتميز فيه حتى من ابن النبيه بالأوزان القصيرة والمجزوءة. وهو مثله يتغنّى بالحب وتباريحه فى تدفق وانطلاق، وقلما نجد عندهما معا رواسب تصويرية من تقليد القدماء، وما يجئ من ذلك يعرض عرضا جديدا، وأيضا ما يجئ أحيانا من جناس وغير جناس من المحسنات البديعية يجئ فى خفة ورشاقة. فالشعر-وخاصة الغزل-ليس محسنات ولا تصاوير محفوظة مما يتردد على الألسنة، وإنما هو مشاعر وانفعالات وعواطف. وقد يكون ذلك غريبا على أذواق الباحثين الذين طالما رددوا أنه لم يبق عند الشعراء منذ أيام الدولة الايوبية سوى الأخيلة والتصاوير المتجمدة، وسوى المحسنات البديعية التى استحالت إلى أصداف ينقصها البريق واللمعان.
وينبغى أن لا نجعل ذلك خاصة فريدة من خصائص البهاء زهير وحده، فهذا الغزل الوجدانى لم يكن خاصا بالبهاء زهير، فقد كان يشركه فيه-كما أسلفنا-ابن النبيه وأيضا ابن سناء الملك، وله مقدمات قديمة نجدها عند المهذب بن الزبير وظافر الحداد. ولا ريب فى أنه لطبيعة مصر السهلة وطبيعة نيلها العذب السّلس أثر كبير فى ذلك، فعلى نحو ما يمتد الوادى فى مصر سهلا لا نتوء فيه، كذلك شعره وشعر أصحابه تمتد لغته سهلة دون أى صعوبات، وعلى نحو ما يجرى النيل مترقرقا متدفقا كذلك شعره وشعر أصحابه يسيل عذبا سائغا شرابه. وكما أن الوادى ينطوى على السهولة كذلك النفس المصرية نفس سهلة لطيفة لا خشونة فيها، نفس
стр. 3425
طبعت على اللين والرقة والدماثة، مما انعكست آثاره عند ابن سناء الملك وابن النبيه. ومن الحق أن البهاء زهير كأنما خلق ليبلغ بتصوير هذه النفس كل ما يسمها من عذوبة وخفة ظل ورشاقة.
وربما كان من أسباب اندلاع هذا الغزل الوجدانى على لسان البهاء زهير ما أشرنا إليه فى صدر حديثنا عنه من أن أباه كان صوفيا أو على صلة بالتصوف والصوفية مما جعله يحفظ مبكرا-وتدور على لسانه-أشعارهم المليئة بالوجد الإلهى وتباريحه، وانطبع هذا الوجد فى نفسه وبثّه فى حبه.
وجعل اختلاطه بهذه البيئة يعمّق هذا الوجد وأشواقه بأكثر مما عمقه فى نفوس الشعراء من حوله، وإن كنا نستبقى بصفة عامة أثر هذا الوجد الصوفى فى غزلهم جميعا، مما دفع بقوة لظهور هذا الغزل الوجدانى الصادق. ومعروف أن صوفية مصر من أمثال ابن الكيزانى وابن الفارض ممن سنتحدث عنهم فى غير هذا الموضع بثّوا فى أشعارهم وجدا لا ضفاف له، وكأن البهاء زهير استمد جذوة من هذا الوجد المبرّح نشر شررها فى غزله. وكثيرا ما نعثر عنده على أبيات تصور تأثره بالصوفية كقوله فى بعض غزله:
أنا فى الحقيقة أنتم ... هذا اعتقادى فيكم
ولو أننا لم نعرف أن البيت له وسئلنا لمن هذا البيت لقلنا إنه لأحد الصوفية يعبر فيه عن مبدأ الاتحاد المعروف عندهم: اتحاد المحب بالمحبوب. ومن ذلك قوله:
يا من إليك المشتكى ... أنت العليم بحاليه
وكأنه متصوف يخاطب الذات العلية ضارعا مستعطفا، وهو إنما يخاطب صاحبته التى دلعت نار الحب فى فؤاده. وهذا الجانب من غزل البهاء زهير جعل بعض قصائده تلتبس عند الأسلاف بقصائد ابن الفارض، من ذلك رائيته المشهورة التى يقول فيها:
غيرى على السلوان قادر ... وسواى فى العشاق غادر
أشكو وأشكر فعله ... فاعجب لشاك منه شاكر
لا تنكروا خفقان قل ... بى والحبيب لدىّ حاضر
ما القلب إلا داره ... ضربت له فيها البشائر
يا ليل طل يا شوق دم ... إنى على الحالين صابر
لى فيك أجر مجاهد ... إن صحّ أنّ الليل كافر
стр. 3426
والقصيدة فى ديوان البهاء زهير، وهى أيضا فى ديوان معاصره ابن الفارض المتصوف المشهور، وفى رأيى أن الالتباس الذى جعل الرواة يظنون أن القصيدة لابن الفارض جاءهم من أنها تحمل فكرة الغيبة والحضور التى يرددها كثيرا ابن الفارض فى غزله الربانى، على نحو ما يلاحظ فى البيت الثالث، وإن اختلف المنزعان فى الفكرة، وبالمثل البيت الرابع فقد يشير من طرف خفى كسابقه إلى فكرة الاتحاد بالمحبوب. وفى البيتين: الأول والثانى جناسات ناقصة وفى البيت الأخير تورية بالكفر بمعنى الشرك بالله والمراد الستر. على كل حال يلفتنا الالتباس بين شعر البهاء زهير وابن الفارض إلى ما قلناه من أن أصداء من الوجد الصوفى انعكست فى شعر البهاء زهير. ويبدو أن انعكاسها بدأ مبكرا، إذ نراها واضحة فى غزل قصيدة يمدح بها مجد الدين اللمطى إذ يقول:
لها خفر يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنّت بما لا يضيرها (١)
أعادتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفكّ أسيرها
وها أنذا كالطّيف فيها صبابة ... لعلى إذا نامت بليل أزورها
من الغيد لم توقد مع الليل نارها ... ولكنها بين الضلوع تشيرها
يقاضى غريم الشّوق منى حشاشة ... مروّعة لم يبق إلا يسيرها
والصور فى القطعة دقيقة فخفر صاحبته أو خجلها وحياؤها يحرسها يوم لقائه، فلماذا تبخل عليه بما لا يضيرها؟ وهل من عادتها أن لا تعود مريضها ومن سيرتها أن لا تفك قيود أسيرها؟ .
وهو تضرع وتوسل لطيف. ويقول إنه أصبح كالطيف شبحا متضائلا نحيلا. ويتسع به الخيال فيتمنى لو أصبح طيفا حقا وزارها فى المنام وتضاعيف الأحلام. وهى صورة طريفة من مبتكرات خياله. ويقول إنها لم توقد نارها ليلا كعادة الناس اكتفاء بإيقادها بين ضلوعه وجوانحه. ويقول إنه لم يبق منه إلا بقية روح مروّعة من حبها مفزّعة. وفى القطعة جناسات وتصاوير لا نحس فيها بتكلف، بل نحس كأنها جوهر الأبيات ومعانيها. ووراء هذه القطعة قطع وقصائد كثيرة تسيل رقة وخفة وعذوبة، مع مسّها للقلب بما يودعها من كلمات تشيع حتى أيامنا فى اللغة اليومية الدارجة من مثل قوله:
стр. 3427
تعيش أنت وتبقى ... أنا الذى مت عشقا
حاشاك يا نور عينى ... تلقى الذى أنا ألقى
ولم أجد بين موتى ... وبين هجرك فرقا
يا أنعم الناس بالا ... إلى متى فيك أشقى
لم يبق منى إلاّ ... بقية ليس تبقى
قد كان ما كان منى ... (والله خير وأبقى)
والقطعة تفيض بالسهولة والبساطة والرقة واللطف مع جمال الجرس واتساق الكلمات، ومع ما يداخلها من ألفاظ اللغة اليومية مثل: «مت عشقا» و «يا نور عينى» و «قد كان ما كان منى» وأيضا مع ما يداخلها من الاقتباس القرآنى فى الشطر الأخير.
وكان الشعراء المصريون فى زمنه وقبل زمنه يستظهرون بعض كلمات الحياة العاملة أو اليومية، ولكنه توسع فيها وأكثر منها كثرة مفرطة، وهى كثرة تجعل غزله يمس أوتار القلوب والأفئدة، ومن طريف غزله:
من اليوم تعارفنا ... ونطوى ما جرى منّا
ولا كان ولا صار ... ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان ولا بدّ ... من العتب فبالحسنى
فقد قيل لنا عنكم ... كما قيل لكم عنّا
وما أحسن أن نرج ... ع للوصل كما كنّا
والقطعة كلها من اللغة الدارجة، وقد عرف كيف يلتقط منها هذه الكلمات والعبارات الفصيحة، وكأنها لا تفصل من لغتنا اليومية، بل تفصل من القلوب والأفئدة. والقطعة عتاب ولكنه عتاب مملوء لطفا وظرفا وتسامحا ورقّة ودماثة، ودائما تجرى فى غزله هذه الرقّة الحلوة التى تشبه ماء النيل النمير الصافى والتى تجعل القلوب تتعلق بغزله من مثل قوله:
قصّروا مدة الجفا ... طوّل الله عمركم
شرّفونى بزورة ... شرّف الله قدركم
قد صبرتم وليتنى ... كنت أعطيت صبركم
стр. 3428
لو رأيتم محلّكم ... من فؤادى لسرّكم
لو وصلتم محبّكم ... ما الذى كان ضرّكم
والقطعة خفيفة خفة شديدة، والدعاءان فى البيتين: الأول والثانى من الأدعية المتداولة على ألسنة المصريين فى لغتهم اليومية، وإنه ليتضرع لصاحبته مظهرا لها ما يحتمله من الصبر وجهده.
لعلها تشفق عليه وتخلصه من عذاب الهجر والحرمان. وهو لا يتحرج من إعلان تذلله فى الحب.
بل من إعلان عبادته لمحبوبته، يقول:
سأشكر حبّا زان فيك عبادتى ... وإن كان فيه ذلّة وخضوع
أصلّى وعندى للصّبابة رقّة ... فكلّ صلاتى فى هواك خشوع
فغزله فيها ليس شعرا فحسب، بل هو أيضا صلاة وتراتيل يقدمها لمن شغفت قلبه حبا، بل عبادة وخشوع ودين، يتعبّد لها كما يتعبد الوثنيون للوثن، ويأسى لنفسه ولهذا الحب الذى فتن به، بل الذى عبث به حتى جعله يعبد محبوبته، يقول:
لى حبيب عبدته ... ويح من يعبد الوثن
وكأنه يريد أن يسترجع نفسه من محراب هذا الحب، ولكنه لم يسترجعها أبدا، فقد ظل ينشد تراتيل غزله الوجدانى البديع.
وكان البهاء زهير يعرف فى وضوح ما ينشئ من هذا الغزل الرائع، يدل على ذلك ما رواه الحموى فى خزانته من حوار (١) له مع ابن سعيد الأندلسى حين أطلعه على كتاب المغرب ورأى الأندلسيين يكثرون فى الغزل من أصداف التشبيهات والاستعارات فإنه قال له إن لنا فى الغزل طريقا آخر سماه الطريق الغرامى يقصد هذا الغزل الوجدانى. ثم لقيه مرة أخرى وأنشده: «يابان وادى الأجرع» وقال له: أشتهى أن تكمل هذا المطلع ففكر ابن سعيد قليلا وأنشد: «سقيت غيث الأدمع» فقال البهاء: والله حسن لكن الأقرب إلى الطريق الغرامى أن تقول: «هل ملت من طرب معى». وفى ذلك ما يدل من بعض الوجوه على إحكام البهاء للغة الغزل الوجدانى ومعانيه فى عصره، وهو ما جعل معاصريه فى الديار الشرقية على شواطئ الفرات وفى دمشق والشام وفى القاهرة ومصر يشغفون بديوانه ويروونه، ويشهد بذلك ابن خلكان إذ يقول عنه:
стр. 3429
«أجازنى رواية ديوانه وهو كثير الوجود بأيدى الناس». ومما يدل على ذلك من بعض الوجوه ما جاء فى طبعة المستشرق بلمر لديوان البهاء من أنه اعتمد فى تحقيقه للديوان على مخطوطة بمكتبة أكسفورد كتبها شرف الدين بن الحلاوى الشاعر الموصلى الأصل الدمشقى الدار والمولد.
ونصّ ابن خلكان فى ترجمة البهاء زهير على أن هذا الشاعر لقيه ومدحه بقصيدة أحسن فيها كل الإحسان، وطبعا طلب إليه أن يجيزه رواية الديوان فأجازه له. وأنشد ابن تغرى بردى لابن الحلاوى قصيدة (١) فى نهاية الرقة، يتضح فيها تأثره بالبهاء وفيها يقول:
هلال ولكن أفق قلبى محلّه ... غزال ولكن سفح عينى عقيقه (٢)
على خدّه جمر من الحسن مضرم ... يشبّ ولكن فى فؤادى حريقه
وشاع هذا الغزل الوجدانى فى الشام وغير الشام، وبدون ريب لمصر وشعرائها ابن سناء الملك وابن النبيه والبهاء زهير فضل شيوعه وذيوعه بعدهم فى مصر والبلدان العربية.
ابن (٣) مطروح
هو جمال الدين يحيى بن عيسى بن مطروح، ولد بأسيوط سنة ٥٩٢ ونشأ وأقام بقوص دار العلم والأدب والشعر حينذاك، واختلف إلى ما بها من حلقات العلماء والأدباء، وفيها تعرّف على البهاء زهير وكان يكبره بنحو عشر سنوات. وأعجب به البهاء، فاتخذه رفيقا وصديقا، واستمع إلى أشعاره وملكته الشعرية تتفتح فكان يشجعه. ويبدو أنه حين عيّن حاكم قوص مجد الدين اللمطى البهاء كاتباله، كما مرّ بنا فى ترجمته، سعى لديه ليسند عملا إلى صديقه ابن مطروح ، يدل على ذلك ما فى ديوانه من مدائح موجهة لمجد الدين، وأكبر الظن أنه حين سخط مجد الدين على البهاء وأعفاه من منصبه سخط بالمثل على ابن مطروح وأعفاه من عمله. وحاول أن يستلّ من نفسه سخطه عليه، كما تشهد بذلك قصيدة يستعطفه بها استهلها بقوله:
لك الله إنّ العفو أقرب للتقوى ... ومثلك أولى مثلى الصّفح والعفوا
стр. 3430
ولم يجد الصديقان بدّا من ترك قوص والاتجاه إلى القاهرة، ومرّت بنا مدحة رائعة للبهاء مدح بها السلطان الكامل عقب انتصاره الحاسم على الصليبيين سنة ٦١٨ وبالمثل نجد ابن مطروح يمدح الكامل منوها بهذا الانتصار بمثل قوله:
يا ناصر الدين الحنيف بسيفه ... ومذلّ أهل الشّرك والطغيان
وقد يدل ذلك على هجرة الصديقين معا إلى القاهرة فى تلك السنة إن لم يكن قبلها، وكما اتجه البهاء إلى أبناء الملك الكامل يمدحهم وفى مقدمتهم الملك المسعود صاحب اليمن حين قدم منها إلى القاهرة سنة ٦٢١ كذلك مدحه ابن مطروح، ومدح أيضا عمه الأشرف موسى ممدوح ابن النبيه، وله مدائح مختلفة فى أمراء بنى أيوب. ويقول ابن خلكان فى ترجمته إنه تنقلت به الأحوال فى الخدم والولايات، ولا نعرف بالضبط ما هى هذه الخدم والولايات التى عمل بها.
ومرّ بنا أن البهاء زهير وثّق صلته بالملك الصالح نجم الدين أيوب، ونرى ابن مطروح يلتحق بخدمته، ولا ندرى أى الصديقين قدم صاحبه إليه، ويذكر ابن خلكان أن ابن مطروح كان فى خدمة الملك الصالح حين أصبح نائبا لأبيه الملك الكامل على البلاد الشرقية: الرّها والرّقة وغيرهما فى سنة ٦٢٩ وظل معه هناك حتى إذا استولى الملك الصالح على مقاليد الأمور بالقاهرة سنة ٦٣٧ استبقاه فى دمشق فترة ثم استقدمه إليه سنة ٦٣٩ وعيّنه ناظرا فى الخزانة، ولم يزل ينعم بقربه وحظوته منه حتى سنة ٦٤٣ إذ عيّنه وزيرا له فى دمشق يدير شئونها، فارتفعت منزلته. وقدم عليه الملك الصالح فى سنة ٦٤٦ ولم تعجبه بعض تصرفاته فعزله من منصبه وسيّره مع جيش للاستيلاء على حمص. وسمع بحملة لويس التاسع ومن انضموا إليه من حملة الصليب وأنهم اجتمعوا بجزيرة قبرس لقصد مصر، فسحب جيشه المحاصر لحمص وعاد به إلى مصر فى شهر المحرم سنة ٦٤٧ وخيّم به على المنصورة وابن مطروح فى خدمته وهو متغير عليه متنكر له إلى أن توفى فى شعبان سنة ٦٤٧ وقاد ابنه توران شاه المعركة، ودمر الحملة الصليبية، وأسر لويس التاسع وسجن بدار ابن لقمان بالمنصورة والطواشى صبيح يحرسه إلى أن فدى نفسه بأربعمائة ألف دينار وعاد مهزوما مدحورا مع فلول جيشه الصليبى إلى البحر المتوسط وما وراءه. وأغلب الظن أن ابن مطروح لم يحضر المعركة فقد عاد بعد وفاة الملك الصالح إلى داره بالفسطاط وانقطع إليها، وشاع أن لويس التاسع يعدّ حملة ثانية لمصر فكتب إليه قصيدته البديعة:
قل؟ ؟ ؟ إذا جئته ... مقال صدق من قؤول نصيح
стр. 3431
آجرك الله على ما جرى ... من قتل عبّاد يسوع المسيح
أتيت مصرا تبتغى ملكها ... تحسب أن الزّمر-يا طبل-ريح
فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح (١)
وكلّ أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضّريح
خمسون ألفا لا ترى منهم ... إلا قتيلا أو أسيرا جريح
وفّقك الله لأمثالها ... لعلّ عيسى منكم يستريح
وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثار أو لقصد صحيح
دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطّواشى صبيح
ويعلّق ابن تغرى بردى على القصيدة بقوله: «لله درّه! فيما أجاب عن المسلمين مع اللطف والبلاغة وحسن التركيب». والقصيدة تمتلئ بالسخرية والتهكم، فقد ظن لويس ظنا كاذبا أن مصر قريبة المنال فإذا من دونها حزّ رقاب الكثرة من جيشه وأسر البقية فى الأغلال. ويسخر منه سخرية قاتلة حين يطلب إليه أن يعيد أمثال تلك الغزوة المشئومة حتى يستريح منهم عيسى وتحزّ رقابهم جميعا. ويسخر من البابا ودعوته لهم أن يتجهوا بحملاتهم الصليبية الخاسرة إلى الشرق، ويقول له ساخرا متهكما: لا تزال دار ابن لقمان التى سجنت فيها على حالها، ولا يزاد القيد أو الغلّ باقيا ولا يزال حارسك صبيح فى انتظارك. كلمات مسمومة وكأنها سفّود يشويه عليه، مع لطف التعبير ودقته ورهافته ومع الوخز الأليم.
وظل ابن مطروح ملازما داره إلى أن لبّى نداء ربه فى مستهل شعبان سنة ٦٥٠ ونراه فى السنتين الأخيرتين من حياته طوال مقامه بمنزله يكثر من الابتهال لربه أن يغفر له، حتى إذا توفى وجد البيتان التاليان فى رقعة تحت رأسه:
أتجزع للموت هذا الجزع ... ورحمة ربّك فيها الطّمع
ولو بذنوب الورى جئته ... فرحمته كلّ شئ تسع
ويقول ابن خلكان: «كانت خلاله حميدة جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وكانت بينى وبينه مودّة أكيدة. وله ديوان أنشدنى أكثره». ويبدو أن ديوانه المطبوع لا يحتفظ
стр. 3432
بجميع أشعاره، ومن أكبر الأدلة على ذلك أننا لا نجد فيه شيئا من مدائحه فى الملك الصالح إلا مقطوعة ذكر فيها عرضا مع أنه ظل فى خدمته نحو عشرين سنة، بينما نجد فى الديوان غير ملك أو أمير أيوبى، وربما كان حذف مدائحه من الديوان من صنيع الشاعر نفسه، وكأنما عزّ عليه أن يعزل من منصبه، فانتقم لنفسه بحذف تلك المدائح.
ومرّ بنا آنفا أنه نشأت بينه وبين البهاء زهير مودة صافية منذ أيام صباه وشبابه فى قوص، حتى كانا كالأخوين، وامتدت بينهما هذه المودة الحلوة طوال حياتهما، وجنيا منها واقتطفا أزهارا أو ثمارا هنيئة، كما يوضح ذلك ديواناهما وما فيهما من مراسلات شعرية بينهما. وهو مثل صديقه يكثر من شعر الغزل الوجدانى غير أنه كان يميل أكثر منه إلى الرمز عن وجده باتخاذه غالبا البدويات رمزا لمحبوباته، وكأنه يريد أن يقرن وجده بوجد مجنون ليلى وأضرابه من شعراء نجد، حيث يبثّ فى وجده وحبه شذا الحنان والشوق الذى يكتظ به من قديم الغزل العذرى وما يطوى فيه من حرارة ولوعة، على شاكلة قوله:
هى رامة فخذوا يمين الوادى ... وذروا السيوف تقرّ فى الأغماد (١)
وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الآساد (٢)
من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادى
يا صاحبىّ ولى بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فادى (٣)
سلبته منى يوم بانوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد
وبحىّ من أنا فى هواه ميّت ... عين على العشّاق بالمرصاد
كيف السبيل إلى وصال محجّب ... ما بين بيض ظبا وسمر صعاد (٤)
حرسوا مهفهف قدّه بمثقّف ... فتشابه الميّاس بالميّاد (٥)
وواضح أنه رمز لحبه والتياعه فيه برامة فى نجد وظبائها ساحرات الأعين اللائى يصرعن بهن الأسد، وقد خلف قلبه أسيرا هناك ولا من يفديه سلبته منه عين فاتنة مكحولة أجفانها بسواد
стр. 3433
آسر، وأحد لا يستطيع أن يصل أو يلمّ بتلك الديار: ديار رامة والحبيبة، فمن دونها سيوف ورماح مسلولة مشرعة، ويعجب أن يحرس قدّها الرشيق المتبختر المختال برمح مشبه لها مياد أو اميّال. ويقول:
سفرت وجاءت فى الغلائل تنثنى ... فأرتك حظّ المجتلى والمجتنى
ورنت فما تغنى التمائم والرّقى ... وأبيك عن لحظات تلك الأعين
بدويّة كم دونها من ضارب ... بالسيف مرهوب السّطا لم يؤمن
لا يخدعنّك لحظ طرف فاتر ... أبدا ولا تأمن لعطفة ليّن
ألبستنى يا هاجرى ثوب الضّنا ... وأخذتنى يا تاركى من مأمنى
لقد رفعت عن وجهها نقابها فشغفت قلبه حبا وافتتانا، ومدّت بصرها إليه فوقع فى حبائل أعينها مسحورا ولم تعد تغنيه التمائم والرقى، وإنها لبدوية أعرابية تحميها السيوف المرهفة. وينصح صاحبه أن لا تخدعه العيون الناعسة ولا القدود اللينة عما يسببان له من آلام وأوصاب دون أن يذوق شيئا من وصال، ويشكو لصاحته البدوية ضناه وتباريح حبه، يقول:
خذوا حذركم من طرفها فهو ساهر ... وليس بناج من دهته المحاجر
فإن العيون السود وهى فواتر ... تقدّ السيوف البيض وهى بواتر
ولا تخدعوا من رقّة فى كلامها ... فإن الحميّا للعقول تخامر
من القاصرات الطّرف غارت لحسنها ... ضرائرها والنيّرات الضّرائر
إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها ... فياطيب ما تملى عليه الضّفائر
وهو يحذّر من طرف صاحبته، فالسهام دائمة مصوبة منه، ومن تصبه محاجرها تصمى قلبه، وياللعجب فإن العيون الفاترة الناعسة تقد السيوف الباترة القاطعة، ويحذّر من رقة كلامها المعسول فهو كالخمر يذهب بالعقول. ويقول إنها عفيفة مصونة، تغار من حسنها الفاتن قريناتها الحسناوات والكواكب النيرات. والصورة فى البيت الأخير رائعة، فضفائر شعرها تطول حتى تلمس خلخالها وكأنما تحدثه بأخبار قرطها، ومن غزله فى بواكير حياته:
خدّ توقّد إذ ترقرق ماؤه ... لهفى على المتوقّد المترقرق
حتى الحلىّ لحسنها متوسوس ... فاعجب لحسن للجماد منطّق
стр. 3434
يا شمس قلبى فى هواك عطارد ... لولا تعرّضه لها لم يحزق
لم انس ما قالت وقد لمست يدى ... ماذا لقينا منه أو ماذا لقى
وأقول يا أخت الغزال ملاحة ... فتقول لا عاش الغزال ولا بقى
يقول إن خد صاحبته المتوهج حمرة كأنه نار موقدة، وماء جماله ونضرته يتلألأ فيه ويترقرق، مما يملؤه فتنة به ولهفة عليه. ويقول إن حسنها ينطق حتى الجماد، وما وسوسة حليها إلا إعجاب منه بها، وها هو قلبه قد احترق من تعرضه لشمس حسنها كما احترق عطارد أقرب الكواكب السيارة للشمس من تعرضه لنورها الحار المشتعل، ويذكر رقة قلب صاحبته وأنها حين لقيته وسلمت أظهرت له عطفا وشفقة، حتى إذا شبّهها بالغزال حسنا وملاحة قالت له مدلة: لا عاش الغزال ولا بقى، فهى أكثر منه فتنة وسحرا وجمالا. ويقول:
هزّوا القدود وأرهفوا سمر القنا ... واستبدلوا بدل السيوف الأعينا
وتقدّموا للعاشقين فكلّهم ... أخذ الأمان لنفسه إلا أنا
لا خير فى جفن إذا لم يكتحل ... أرقا ولا جسم تجافاه الضّنا
لما انثنى فى حلّة من سندس ... قالت غصون البان ما أبقى لنا
شبّهته بالبدر قال: ظلمتنى ... -يا عاشقى والله-ظلما بيّنا
وهو يتصور هؤلاء الفاتنات كأنهن يقدن معركة رماحها قدودهنّ وسيوفها عيونهنّ وكل من حوله يطلب منهن الأمان إلا هو، فقد تعلق بإحداهن، وهو لا يرى للحياة قيمة بدون الحب والسهاد فيه وضنا الجسم والنحول. ويرى صاحبته فى حلة سندسية خضراء، فيتصور كأن غصون شجر البان الذى طالما تغنى به المحبون تقول: ما أبقت لنا من الحسن والنضرة والجمال، ويشبهها بالبدر فتقول له مدلة كصاحبته السابقة: ظلمتنى ظلما بينا فهى أكثر منه جمالا وحسنا وروعة. ومن أبياته البديعة التى تتداولها كتب الأدب قوله فى بعض غزله.
لبسنا ثياب العناق ... مزرّرة بالقبل
ولعل فى كل ما قدمت ما يصور غزل ابن مطروح الوجدانى وما أشاع فيه من الرقة واللطف والدماثة والظرف وعذوبة الروح وخفة الظل.
стр. 3435
برهان (١) الدين القيراطى
هو إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر، ولد لأبيه سنة ٧٢٦. والقيراطى نسبة إلى قيراط بلدة بمحافظة الشرقية سميت فيما بعد باسم كفر النحال وضمّت إلى مساكن مدينة الزقازيق، كان أبوه شيخا جليلا ولى القضاء بالمنوفية ودمياط وأسيوط، ودرس فى مدرسة كانت تجاور الإمام الشافعى وبمشهد السيدة نفيسة والجامع الأزهر توفى سنة ٧٤٠. ونشأ برهان الدين بالقاهرة وحفظ القرآن الكريم واختلف إلى حلقات العلماء إلى أن برع فى الفقه وعلمى الأصول والعربية وأكبّ على كتب الحديث وأخذها عن أئمتها، ودرّس وحدّث بالقاهرة. واستيقظت فيه مبكرة موهبته الشعرية، فكان ينظم المدائح ويدبجها فى السلطان حسن وغيره، وسلك فى شعره طريقة ابن نباتة، وتلمذ له وراسله. وله فى وصف شعره ونثره تقريظ بديع احتفظ بفقرات منه الحموى فى باب الاقتباس بخزانته. ويقول ابن تغرى بردى فى ترجمته بالمنهل الصافى: «هو شاعر عصره بعد الشيخ جمال الدين بن نباتة وأقرب الناس إليه من دون تلامذته ومعاصريه من شعراء عصره، مع علمى بمن عاصره من الشعراء ولا حاجة لنا إلى ذكرهم فإنه أرق وأحلى وأرشق». ويقول ابن حجر: «كان له اختصاص بالشيخ السبكى وأولاده وله فيهم مدائح ومراثى وبينهم مراسلات» ويقول ابن العماد فى الشذرات: «له فى تاج الدين السبكى غرر المدائح» واحتفظ تاج الدين فى كتابه «طبقات الشافعية» بمراسلات بينه وبين القيراطى استغرقت نحو ثمانين صحيفة، وأنشد مرثية له فى أبيه مطلعها:
أمسى ضريحك موطن الغفران ... ومحلّ وفد ملائك الرحمن
ورأى أن يجاور بمكة مثل كثيرين من علماء عصره وقبل عصره، فرحل إليها، وأخذ عنه جماعة من علمائها والقادمين عليها ورووا عنه ديوانه. ويذكر ابن حجر بعض تلاميذه من جلّة المحدّثين فى القاهرة أمثال شيخ الحفاظ أبى الفضل العراقى والشيخ بدر الدين البشتكى، وفى مكة أمثال جمال الدين بن ظهيرة وتقى الدين الفاسى المذكور فى مصادره، وقد كتب عنه بعض شعره