← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

آجرك الله على ما جرى ... من قتل عبّاد يسوع المسيح أتيت مصرا تبتغى ملكها ... تحسب أن الزّمر-يا طبل-ريح فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح (١) وكلّ أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضّريح خمسون ألفا لا ترى منهم ... إلا قتيلا أو أسيرا جريح وفّقك الله لأمثالها ... لعلّ عيسى منكم يستريح وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثار أو لقصد صحيح دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطّواشى صبيح ويعلّق ابن تغرى بردى على القصيدة بقوله: «لله درّه! فيما أجاب عن المسلمين مع اللطف والبلاغة وحسن التركيب». والقصيدة تمتلئ بالسخرية والتهكم، فقد ظن لويس ظنا كاذبا أن مصر قريبة المنال فإذا من دونها حزّ رقاب الكثرة من جيشه وأسر البقية فى الأغلال. ويسخر منه سخرية قاتلة حين يطلب إليه أن يعيد أمثال تلك الغزوة المشئومة حتى يستريح منهم عيسى وتحزّ رقابهم جميعا. ويسخر من البابا ودعوته لهم أن يتجهوا بحملاتهم الصليبية الخاسرة إلى الشرق، ويقول له ساخرا متهكما: لا تزال دار ابن لقمان التى سجنت فيها على حالها، ولا يزاد القيد أو الغلّ باقيا ولا يزال حارسك صبيح فى انتظارك. كلمات مسمومة وكأنها سفّود يشويه عليه، مع لطف التعبير ودقته ورهافته ومع الوخز الأليم. وظل ابن مطروح ملازما داره إلى أن لبّى نداء ربه فى مستهل شعبان سنة ٦٥٠ ونراه فى السنتين الأخيرتين من حياته طوال مقامه بمنزله يكثر من الابتهال لربه أن يغفر له، حتى إذا توفى وجد البيتان التاليان فى رقعة تحت رأسه: أتجزع للموت هذا الجزع ... ورحمة ربّك فيها الطّمع ولو بذنوب الورى جئته ... فرحمته كلّ شئ تسع ويقول ابن خلكان: «كانت خلاله حميدة جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وكانت بينى وبينه مودّة أكيدة. وله ديوان أنشدنى أكثره». ويبدو أن ديوانه المطبوع لا يحتفظ

стр. 3432

بجميع أشعاره، ومن أكبر الأدلة على ذلك أننا لا نجد فيه شيئا من مدائحه فى الملك الصالح إلا مقطوعة ذكر فيها عرضا مع أنه ظل فى خدمته نحو عشرين سنة، بينما نجد فى الديوان غير ملك أو أمير أيوبى، وربما كان حذف مدائحه من الديوان من صنيع الشاعر نفسه، وكأنما عزّ عليه أن يعزل من منصبه، فانتقم لنفسه بحذف تلك المدائح. ومرّ بنا آنفا أنه نشأت بينه وبين البهاء زهير مودة صافية منذ أيام صباه وشبابه فى قوص، حتى كانا كالأخوين، وامتدت بينهما هذه المودة الحلوة طوال حياتهما، وجنيا منها واقتطفا أزهارا أو ثمارا هنيئة، كما يوضح ذلك ديواناهما وما فيهما من مراسلات شعرية بينهما. وهو مثل صديقه يكثر من شعر الغزل الوجدانى غير أنه كان يميل أكثر منه إلى الرمز عن وجده باتخاذه غالبا البدويات رمزا لمحبوباته، وكأنه يريد أن يقرن وجده بوجد مجنون ليلى وأضرابه من شعراء نجد، حيث يبثّ فى وجده وحبه شذا الحنان والشوق الذى يكتظ به من قديم الغزل العذرى وما يطوى فيه من حرارة ولوعة، على شاكلة قوله: هى رامة فخذوا يمين الوادى ... وذروا السيوف تقرّ فى الأغماد (١) وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الآساد (٢) من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادى يا صاحبىّ ولى بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فادى (٣) سلبته منى يوم بانوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد وبحىّ من أنا فى هواه ميّت ... عين على العشّاق بالمرصاد كيف السبيل إلى وصال محجّب ... ما بين بيض ظبا وسمر صعاد (٤) حرسوا مهفهف قدّه بمثقّف ... فتشابه الميّاس بالميّاد (٥) وواضح أنه رمز لحبه والتياعه فيه برامة فى نجد وظبائها ساحرات الأعين اللائى يصرعن بهن الأسد، وقد خلف قلبه أسيرا هناك ولا من يفديه سلبته منه عين فاتنة مكحولة أجفانها بسواد

стр. 3433

آسر، وأحد لا يستطيع أن يصل أو يلمّ بتلك الديار: ديار رامة والحبيبة، فمن دونها سيوف ورماح مسلولة مشرعة، ويعجب أن يحرس قدّها الرشيق المتبختر المختال برمح مشبه لها مياد أو اميّال. ويقول: سفرت وجاءت فى الغلائل تنثنى ... فأرتك حظّ المجتلى والمجتنى ورنت فما تغنى التمائم والرّقى ... وأبيك عن لحظات تلك الأعين بدويّة كم دونها من ضارب ... بالسيف مرهوب السّطا لم يؤمن لا يخدعنّك لحظ طرف فاتر ... أبدا ولا تأمن لعطفة ليّن ألبستنى يا هاجرى ثوب الضّنا ... وأخذتنى يا تاركى من مأمنى لقد رفعت عن وجهها نقابها فشغفت قلبه حبا وافتتانا، ومدّت بصرها إليه فوقع فى حبائل أعينها مسحورا ولم تعد تغنيه التمائم والرقى، وإنها لبدوية أعرابية تحميها السيوف المرهفة. وينصح صاحبه أن لا تخدعه العيون الناعسة ولا القدود اللينة عما يسببان له من آلام وأوصاب دون أن يذوق شيئا من وصال، ويشكو لصاحته البدوية ضناه وتباريح حبه، يقول: خذوا حذركم من طرفها فهو ساهر ... وليس بناج من دهته المحاجر فإن العيون السود وهى فواتر ... تقدّ السيوف البيض وهى بواتر ولا تخدعوا من رقّة فى كلامها ... فإن الحميّا للعقول تخامر من القاصرات الطّرف غارت لحسنها ... ضرائرها والنيّرات الضّرائر إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها ... فياطيب ما تملى عليه الضّفائر وهو يحذّر من طرف صاحبته، فالسهام دائمة مصوبة منه، ومن تصبه محاجرها تصمى قلبه، وياللعجب فإن العيون الفاترة الناعسة تقد السيوف الباترة القاطعة، ويحذّر من رقة كلامها المعسول فهو كالخمر يذهب بالعقول. ويقول إنها عفيفة مصونة، تغار من حسنها الفاتن قريناتها الحسناوات والكواكب النيرات. والصورة فى البيت الأخير رائعة، فضفائر شعرها تطول حتى تلمس خلخالها وكأنما تحدثه بأخبار قرطها، ومن غزله فى بواكير حياته: خدّ توقّد إذ ترقرق ماؤه ... لهفى على المتوقّد المترقرق حتى الحلىّ لحسنها متوسوس ... فاعجب لحسن للجماد منطّق

стр. 3434

يا شمس قلبى فى هواك عطارد ... لولا تعرّضه لها لم يحزق لم انس ما قالت وقد لمست يدى ... ماذا لقينا منه أو ماذا لقى وأقول يا أخت الغزال ملاحة ... فتقول لا عاش الغزال ولا بقى يقول إن خد صاحبته المتوهج حمرة كأنه نار موقدة، وماء جماله ونضرته يتلألأ فيه ويترقرق، مما يملؤه فتنة به ولهفة عليه. ويقول إن حسنها ينطق حتى الجماد، وما وسوسة حليها إلا إعجاب منه بها، وها هو قلبه قد احترق من تعرضه لشمس حسنها كما احترق عطارد أقرب الكواكب السيارة للشمس من تعرضه لنورها الحار المشتعل، ويذكر رقة قلب صاحبته وأنها حين لقيته وسلمت أظهرت له عطفا وشفقة، حتى إذا شبّهها بالغزال حسنا وملاحة قالت له مدلة: لا عاش الغزال ولا بقى، فهى أكثر منه فتنة وسحرا وجمالا. ويقول: هزّوا القدود وأرهفوا سمر القنا ... واستبدلوا بدل السيوف الأعينا وتقدّموا للعاشقين فكلّهم ... أخذ الأمان لنفسه إلا أنا لا خير فى جفن إذا لم يكتحل ... أرقا ولا جسم تجافاه الضّنا لما انثنى فى حلّة من سندس ... قالت غصون البان ما أبقى لنا شبّهته بالبدر قال: ظلمتنى ... -يا عاشقى والله-ظلما بيّنا وهو يتصور هؤلاء الفاتنات كأنهن يقدن معركة رماحها قدودهنّ وسيوفها عيونهنّ وكل من حوله يطلب منهن الأمان إلا هو، فقد تعلق بإحداهن، وهو لا يرى للحياة قيمة بدون الحب والسهاد فيه وضنا الجسم والنحول. ويرى صاحبته فى حلة سندسية خضراء، فيتصور كأن غصون شجر البان الذى طالما تغنى به المحبون تقول: ما أبقت لنا من الحسن والنضرة والجمال، ويشبهها بالبدر فتقول له مدلة كصاحبته السابقة: ظلمتنى ظلما بينا فهى أكثر منه جمالا وحسنا وروعة. ومن أبياته البديعة التى تتداولها كتب الأدب قوله فى بعض غزله. لبسنا ثياب العناق ... مزرّرة بالقبل ولعل فى كل ما قدمت ما يصور غزل ابن مطروح الوجدانى وما أشاع فيه من الرقة واللطف والدماثة والظرف وعذوبة الروح وخفة الظل.

стр. 3435

برهان (١) الدين القيراطى هو إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر، ولد لأبيه سنة ٧٢٦. والقيراطى نسبة إلى قيراط بلدة بمحافظة الشرقية سميت فيما بعد باسم كفر النحال وضمّت إلى مساكن مدينة الزقازيق، كان أبوه شيخا جليلا ولى القضاء بالمنوفية ودمياط وأسيوط، ودرس فى مدرسة كانت تجاور الإمام الشافعى وبمشهد السيدة نفيسة والجامع الأزهر توفى سنة ٧٤٠. ونشأ برهان الدين بالقاهرة وحفظ القرآن الكريم واختلف إلى حلقات العلماء إلى أن برع فى الفقه وعلمى الأصول والعربية وأكبّ على كتب الحديث وأخذها عن أئمتها، ودرّس وحدّث بالقاهرة. واستيقظت فيه مبكرة موهبته الشعرية، فكان ينظم المدائح ويدبجها فى السلطان حسن وغيره، وسلك فى شعره طريقة ابن نباتة، وتلمذ له وراسله. وله فى وصف شعره ونثره تقريظ بديع احتفظ بفقرات منه الحموى فى باب الاقتباس بخزانته. ويقول ابن تغرى بردى فى ترجمته بالمنهل الصافى: «هو شاعر عصره بعد الشيخ جمال الدين بن نباتة وأقرب الناس إليه من دون تلامذته ومعاصريه من شعراء عصره، مع علمى بمن عاصره من الشعراء ولا حاجة لنا إلى ذكرهم فإنه أرق وأحلى وأرشق». ويقول ابن حجر: «كان له اختصاص بالشيخ السبكى وأولاده وله فيهم مدائح ومراثى وبينهم مراسلات» ويقول ابن العماد فى الشذرات: «له فى تاج الدين السبكى غرر المدائح» واحتفظ تاج الدين فى كتابه «طبقات الشافعية» بمراسلات بينه وبين القيراطى استغرقت نحو ثمانين صحيفة، وأنشد مرثية له فى أبيه مطلعها: أمسى ضريحك موطن الغفران ... ومحلّ وفد ملائك الرحمن ورأى أن يجاور بمكة مثل كثيرين من علماء عصره وقبل عصره، فرحل إليها، وأخذ عنه جماعة من علمائها والقادمين عليها ورووا عنه ديوانه. ويذكر ابن حجر بعض تلاميذه من جلّة المحدّثين فى القاهرة أمثال شيخ الحفاظ أبى الفضل العراقى والشيخ بدر الدين البشتكى، وفى مكة أمثال جمال الدين بن ظهيرة وتقى الدين الفاسى المذكور فى مصادره، وقد كتب عنه بعض شعره

стр. 3436

وأجاز له روايته، ومازال طلاب علمه وشعره يعكفون على حلقته بمكة حتى توفى بها سنة ٧٨١. ولبرهان الدين غزل وجدانى كثير، أو كما يسميه البهاء زهير غزل على الطريقة الغرامية، غزل يقدمه صاحبه لمحبوبته مؤملا فى الوصال، ودائما لا وصال بل دموع وأشواق ووصف للصبابة والغرام والوجد الذى لا تنطفئ ناره فى قلوب أصحاب هذا الغزل، مع مشاعر غامرة من اللطف والرقة، ومع الألفاظ والأساليب الرشيقة من مثل قوله: بأبى لحظ غزال ... قائل فى الفلوات (١) أخذت بابل عنه ... بعض تلك النّفثات حسنات الخدّ منه ... قد أطالت حسراتى أعشق الشامات منه ... وهى أسباب مماتى إنّ للموت بأقدا ... ح جفونى سكرات قلت قد مت غراما ... قال لى مت بحياتى والأبيات تتطاير عن الفم بخفة، وهو يشكو من لحظ غزال بدوى يقضى أوقات قيلولته فى الفلوات، غزال ينفث فى كل ما حوله السحر، بفتنته وجمال وخدوده التى ملأت قلب الشيخ حسرات، لأنه يتمنى الدنو منها ليتملّى بحسنها وما فيها من شامات تزيدها حسنا وجمالا، وإنه ليذوب-أو كما يقول-ليموت وجدا والتياعا، وتلك سكرات الموت تملأ أقداح جفونها، ويتضرع إليها قائلا إنه مات غراما، فتضحك فى خبث مدلّة عليه قائلة له: «مت بحياتى» ومن نفس هذا المعين المتدفق السلس يقول: غرامى فيك يا قمرى غريمى ... وذكرك فى دجى ليلى نديمى وملّنى الحميم وصدّ عنى ... ومالى غير دمعى من حميم وكم سأل العواذل عن حديثى ... فقلت لهم على العهد القديم وعمّ يسائلون ولى دموع ... تحدّثهم عن النّبأ العظيم بدت فى خدّها شامات مسك ... كحظى أو كليلى أو همومى إذا نيران خدّيها تبدّت ... رأيت بهنّ جنّات النّعيم ومن شغفى بغصن القدّ منها ... أغار على الغصون من النسيم

стр. 3437

وكأنى بصاحبته فى الأبيات هى نفس صاحبته الأولى، ويقول إن غرامها غريمه وذكرها نديمه طوال الليل، والتورية فى البيت الثانى بديعة فقد ملّه الحميم والصديق فى حب صاحبته، ولم يبق له إلا دمعه الحميم الحار يرافقه. ويسيل البيت الثالث صفاء وعذوبة مع ما فيه من الجناس وكذلك البيت الرابع وما به من اقتباس عن سورة «النبأ» وتعجب أن يتساءلوا ودموعه تجرى على خدودها، ويقول إن شامات خدودها الضاربات إلى السواد كأنها نقط مسك أو كأنها مقتطعة من حظه معها أو من ليله أو من هموم حبها المشتعل فى حنايا صدره. ويعجب أن يجمع خداها بجمرتهما المتوهجة بين نيران الجحيم حرارة وجنّات النعيم وورودها الفاتنة. ويعلن غيرته عليها حتى ليغار من النسيم إن هبّ على ما يشبه غصنها من غصون الرياض النّاضرة. ويقول: يا من هجرت على هواهم عاذلى ... أيحلّ فى شرع الهوى أن أهجرا طلعت بدور التّمّ من أزراركم ... فغدا اصطبار الصّبّ منفصم العرا من كل هيفاء القوام كأنها ... غصن يحرّكه النسيم إذا سرى ذكرت فصغّرها العذول جهالة ... حتى بدت للناظرين فكبّرا وجهك معنى الحسن حتى أقبلت ... فرأيته فيها يلوح مصوّرا لما درت أنى الكليم من الهوى ... جعلت جوابى فى المحبة لن ترى (١) يا من إذا ما مرّ حلو حديثها ... أغناك عن مرّ العتيق وأسكرا (٢) أرخصت يوم البين سعر مدامعى ... وتركت قلبى بالغرام مسعّرا (٣) وهو يتضرع إلى صاحبته أن لا تذيقه ألم الهجران وأن تنقذه منه، فقد نفد صبره إذ رآها مع صواحبها الفاتنات وهن يمسن ميس الغصون حين يداعبها النسيم، ويقول إن العذول كان يحاول الغض من جمالها تسرية عن نفسه فلما رآها بهت وصاح. الله أكبر: أما هو فيرى فيها كل معانى الفتنة مصوّرة مغرية. ولما علمت مقدار وجده المبرح بها لم يأخذها عليه إشفاق أو رحمة، بل مضت تدلّ عليه، وتقول له: لن ترانى. ويعود إلى ندائها والتضرع إليها مصورا روعة حديثها وحلاوته المسكرة، ويقول لها: لقد أرخصت مدامعى وأسعرت قلبى أو أشعلته نارا موقدة. وفى البيتين الأخيرين طباق وجناس مندمجان فى هذا الأسلوب السهل السائغ، ويقول:

стр. 3438

علموا بأنّى لا أحول فعذّبوا ... ودروا بأنى عاشق فتغضّبوا (١) قتلوا المتيّم فى الهوى وتظلّموا ... وجنوا عليه بصدّهم وتعتّبوا ومهفهف لولا حلاوة وجهه ... ما كان مرّ عذابه يستعذب إن كان يرضى أن أموت صبابة ... فجميع ما يرضاه عندى طيّب يا باخلا وله أجود بمهجتى ... رفقا على صبّ عليك يعذّب إن ملت فالأغصان يعهد ميلها ... أو غبت فالأقمار قد تتغيّب وهو يقول إن صاحبته عرفت أنه لا يستطيع حولا عنها فتمادت فى تعذيبه، ولم ينفعه عندها عشقه. فقد أظهرت له سخطا وغضبا، ومع أنها فتكت بمحبها تشتكى منه ظلما وجورا. وما تزال تتجنى عليه، ويقول إن جمال وجهها هو الذى جلب له هذا العذاب المرير، وإنه ليستعذبه إرضاء لها. حتى ليطيب له الموت فى سبيلها. ويقارن بينه وبينها، فهو يجود لها بروحه، وهى شحيحة شحا شديدا، لا تجود له حتى بنظرة، ويعلل نفسه قائلا: إن مالت عنه فذلك طبيعى، لأنها غصن رشيق، وطبيعة الأغصان أن تميل مع الرياح، وكذلك إن وعدته وغابت فطبيعة الأقمار أن تغيب عن الآفاق. وكان القيراطى يكثر من التوريات، واختار له ابن حجة الحموى منها فصلا (٢) طريفا أودعه خزانته، من مثل قوله: تنفّس الصبح فجاءت لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيّه وأطربت فى العود قمرية ... وكيف لا تطرب عوديّه وعوديّة لها معنيان: القمرية التى تطرب على عود الشجر، والمغنية الضاربة على العود، والتورية واضحة. ولعل فيما سبق ما يوضح الغزل الوجدانى أو الغرامى عند القيراطى، وكان-كما أسلفنا-شيخا من شيوخ الحديث النبوى فى عصره، وكان طلابه يختلفون إليه فى أخذه عنه بالقاهرة ومكة. ولا ريب فى أن إسهام مثله فى هذا الغزل يدل دلالة قاطعة على أن موجته بمصر فى هذا العصر كانت حادة وأنها عمت حتى شيوخ الحديث وحفاظه من أمثال القيراطى. ووراءه كثيرون من الشيوخ الفقهاء والمحدثين المصريين خلفوا دواوين تحمل سيولا من هذا الغزل الوجدانى الرقيق أمثال ابن دقيق العيد وابن الصائغ الحنفى وابن حجر

стр. 3439

نور الدين (١) على العسيلى من علماء مصر وفضلائها وشعرائها فى القرن العاشر الهجرى توفى سنة ٩٩٤ للهجرة وكان فقيها شافعيا تتلمذ لشيوخ الأزهر، وأظهر براعة فى فنه، وعكف على التأليف والتدريس، وفيه يقول الشهاب الخفاجى: «نور حدقة الزمان ونور (زهر) حديقة الحسن والإحسان وكحل عيون الفضلاء والأعيان» وعاش طويلا، وتعلق بأخرة بالسادة البكرية، فقابله الدهر-كما يقول الشهاب الخفاجى-بوجه طليق. ويبدو أن موهبته الشعرية تفتحت مبكرة، فقد غطّى اشتهاره بشعره على شهرته بالعلم والفقه والفضل، وغلب عليه الغزل من مثل قوله: سقى الحمى ولياليه التى سلفت ... من أدمعى ومن الوسمى هتّان (٢) لى فى الديار سقاها المزن صيّبه ... غزال حسن بديع الخلق فتّان (٣) يا ربرب الحسن قد بالغت فى تلفى ... أما لهجرك يالمياء هجران (٤) هلا نظرت إلى مضناك راحمة ... فكان يشفع منك الحسن إحسان وهو لا يمل الدعاء بأن يسقى الحمى وليالى حبه فيه أمطار الربيع ودموعه الهاطلة أبدا ففى الديار غزال سحره وخلب لبه. ويهتف بسرب الحسن أن يلتفت إليه وبصاحبته لمياء أن تصله بعد طول الهجر والعذاب، حتى ولو بنظرة عطف وإشفاق على مضناها الذى طال عناؤه وشقاؤه وحرمانه. ويقول: كأنّ الذى أهوى على نفسه جنى ... فمال على تلك المحاسن بالفتك فأغرق خدّيه بماء جماله ... وأوقع فى الظّلماء ناظره التّركى وهاجفنه يبكى عليه من الضّنا ... وها خصره من ثقل أردافه يشكى وهو يجعل المحبوب التركى جانبا على نفسه، فقد أغرق خديه فى ماء جماله أو بعبارة أخرى فى رونق حسنه، وكأنما كحل ناظره الأسود بالظلام الداجى فلمع بريقه، ويتخيل كأنما جفنه يبكى

стр. 3440

على ضناه وكأنما خصره يشكو من ثقل أردافه، وقد استعمل يشكى مثل العامية بدلا من يشكو الفصيحة، ويقول فى إحدى الجوارى. دبّت له ذؤابة ... كحيّة من خلفه تحمى ضعيف خصره ... من خارجىّ ردفه وهو يشبه الضفيرة بحية وكأنها تحمى خصره من ثقل ردفه، وقد عبر عنه بأنه من الخوارج مبالغة، ويقول: كلّ فعال الحبّ محمودة ... وإن تجافى وتجنّى وتاه فوصله قطع لداء الأسى ... وهجره قطع لقول الوشاه فهو يرتضى من محبوبته حتى هجرها ليقطع ألسنة الوشاة، وهو جانب فيه من التظرف والرقة ورهافة الشعور ما يمتاز به أهل القاهرة، وله قصيدة بديعة فى دولاب (ساقية) روض صوّره فيها ينوح ويئن دائما لفراقه روضه إذ كان شجرة ضخمة فى إحدى الرياض قطّع أوصالها غبى ودقّ عظمها فى ضلوعها، فهى ماتنى تبكى على عهدها بالرياض، وماتنى عيونها جارية بالدموع. وفى الحق أنه كان شاعرا بارعا، ومرّ بنا أنه يكوّن مع تلميذه يحيى الأصيلى وتلميذ يحيى الشاعر يوسف المغربى مدرسة فى الغزل زمن العثمانيين كانت تمتاز بدقة الحس ورهافة الشعور. ٢ - شعراء الفخر والهجاء الفخر والهجاء غرضان قديمان من أغراض الشعر العربى، فمنذ الجاهلية يتغنى الشعراء بمفاخرهم الذاتية ومفاخر قبائلهم وأقوامهم، وبالمثل يتغنون بأهاج فردية تتصل بفرد بعينه، وأخرى جماعية تتصل بالقبائل والأقوام ومثالبهم. ولا ريب فى أن وتر الفخر الذى شدّه الشعراء إلى قيثاراتهم كان وترا خصبا، إذ وقّع الشعراء عليه كثيرا من الألحان الخلقية الرفيعة، مما يتصل بالمروءة والكرم والوفاء والكرامة وغير ذلك من الفضائل الحميدة، كما وقعوا عليه كثيرا من الألحان الحماسية التى تصور بسالتهم الحربية وما أذاقوه أعداءهم من الهزائم الساحقة. وظلت هاتان المجموعتان من الألحان طوال الحقب التالية، وظل العرب فى كل مكان يردّدونها صحائف تربية

стр. 3441

مثالية وأناشيد حربية حماسية. وشعراء مصر منذ نشط فيها الشعر يشاركون فى المجموعتين، يشارك فيهما الأمراء وأبناء الشعب، من ذلك قول العباس بن أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية (١): لله درّى إذ أعدو على فرسى ... إلى الهياج ونار الحرب تستعر وفى يدى صارم أفرى الرءوس به ... فى حدّه الموت لا يبقى ولا يذر والبيتان من قصيدة حماسية ملتهبة، ومعروف أنه أخطأ فى هذه الحماسة وما اقترن بها من شجاعة، إذ وجّهها إلى أبيه ثائرا عليه. وأخفقت ثورته. وينزل مصر فى أيام كافور الإخشيدى المتنبى، وتستدير حوله ندوة كبيرة تروى شعره وتتدارسه وكلّ ما فيه من فخر مضطرم وحماسة ملتهبة. وتستقبل مصر الدولة الفاطمية ويدخلها المعز الفاطمى، ومعه ابنه الشاعر النابه تميم، وله فخر كثير، وسنفرد له ترجمة عما قليل، ونلتقى بعده بولى الدولة بن خيران صاحب ديوان الإنشاء بمصر فى عهد الظاهر والمستنصر المتوفى سنة ٤٣١ ونراه يبدئ ويعيد فى الفخر بشعره وكتاباته من مثل قوله (٢): ولقد سموت على الأنام بخاطر ... الله أجرى منه بحرا زاخرا فإذا نظمت نظمت روضا حاليا ... وإذا نثرت نثرت درّا فاخرا فهو يفتخر بخواطره الغزيره التى تنسكب من ذهن كأنه بحر زاخر، وهو يهدى منها إلى الناس والآفاق أشعارا رائعة ورسائل بديعة. ونلتقى بغير شاعر فاطمى يفخر بنفسه فخرا حماسيا ملتهبا على شاكلة قول الحسن بن زيد الأنصارى (٣): منال الثّريّا دون ما أنا طالب ... فلا لوم إن عاصت علىّ المطالب وإنى وإن لم يسمح الدهر بالمنى ... فلى فى كفالات الرماح مآرب تقرّب لى مستبعدات مطالبى ... جيادى وعزمى والقنا والقواضب فما يطلبه ويتمناه فوق الثريا فى أعلى عليين من السموات، وطبيعى أن لا تناله يده أحيانا، ومع ذلك هو لا ييأس أن ينال من الدهر مطالبه ومآربه بفضل رماحه وجياده وسيوفه القواضب

стр. 3442

القاطعة وعزمه الذى لا يفلّ، إنه مملوء فتوة وقوة صلبة ينيلانه كل ما يتمنى. وكان يعاصره الرشيد بن الزبير أخو المهذب الذى ترجمنا له فى الفصل الماضى وقلنا هناك إنه وقعت لأخيه الرشيد محنة باليمن إذ ذهب رسولا عن الدولة الفاطمية إلى أحد دعاتها فسجنه وهمّ بقتله مما جعل المهذب يستعطفه لأخيه بقصيدة رائعة، ردّ عليها بمجرد سماعها حريته، إذ عفا عنه وأطلقه، ونرى الرشيد يعلن فى قوة أن نفسه لم تنكسر ولم يصبها أى وهن بسبب هذا الحادث، يقول (١): جلّت لدىّ الرّزايا بل جلت هممى ... وهل يضرّ جلاء الصارم الذّكر لو كانت النار للياقوت محرقة ... لكان يشتبه الياقوت بالحجر لا تّغررنّ بأطمارى وقيمتها ... فإنما هى أصداف على درر ولا تظنّ خفاء النجم من صغر ... فالذّنب فى ذاك محمول على البصر وهو يقول إنه تحمّل الرزايا والمصائب التى نزلت به جلدا شجاعا، بل لقد جلت همته جلاء السيف الباتر، ويضرب مثلا بالياقوت فالنار مهما اضطرمت لا تحرقه، وإلا كان حجرا لا غناء فيه. وينظر إلى أطماره وثيابه البالية فيقول لصاحبه: لا تغرنك هذه الأطمار الخلقة فإنها أصداف وقشور وأغطية للآلئ ثاقبة، ويضرب مثلا بالنجم فى السماء تستصغر الأبصار رؤيته، والذنب فى الصغر للبصر لا للنجم. ونمضى إلى زمن صلاح الدين وما حققت مصر فى أيامه من مجد حربى عظيم بسحقها الصليبيين فى ديار الشام واستخلاص بيت المقدس وغيره من أيديهم ومحقهم محقا لا يكاد يبقى منهم ولا يذر. وكان لا بد لمصر من شاعر يتغنى لها بهذا المجد البطولى الذى توّجها به صلاح الدين، وتغنّى ابن سناء الملك أكبر شعرائها حينئذ ببطولة صلاح الدين وجنده المصريين فى قصائد حماسية مضطرمة، كما مر بنا فى ترجمته، وليس ذلك فقط، فقد مضى يفخر فى أشعاره فخرا عارما، وكأن كل ما تجمّع فى صدر صلاح الدين وأبطال جيشه من أحاسيس تجمّع فى صدر ابن سناء الملك وقلبه، فإذا هو يتغنى بمثل هذا النشيد الرائع (٢): سواى يخاف الدهر أو يرهب الرّدى ... وغيرى يهوى أن يكون مخلّدا ولكننى لا أرهب الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموت الزّؤام إذا عدا (٣)

стр. 3443

ولو مدّ نحوى حادث الدّهر طرفه ... لحدّثت نفسى أن أمدّ له يدا توقّد عزمى يترك الماء جمرة ... وحلية حلمى تترك السيف مبردا وأظمأ إن أبدى لى الماء منّة ... ولو كان لى نهر المجرّة موردا ولو كان إدراك الهدى بتذلّل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى وإنك عبدى يا زمان وإننى ... على الكره منى أن أرى لك سيّدا ولو علمت زهر النجوم مكانتى ... لخرّت جميعا نحو وجهى سجّدا وكأنه لم يعبّر فى هذه الأنشودة الفريدة عن شعور كل مصرى لزمنه حمل السلاح وسفك به دماء الصليبيين المعتدين الآثمين فحسب، بل لقد عبّر بها عن شعور كل مصرى على مر الزمن بأمجاد أمته الحربية والحضارية. وإنه ليشمخ بنفسه فى أعلى الأفلاك والسموات، فإذا هو لا يرهب الدهر ولا يرهب الموت الزؤام، ولو مد الدهر طرفه إليه لنازله بعزم صادق يشعل الماء جمرا ملتهبا ويردّ السيف كليلا صلدا لا يقطع. ويمتلئ صدره بإحساس الكرامة، حتى إنه ليظمأ إن أبدى له الماء منّة، بل إنه ليموت ظمأ حتى لو كان نهر المجرة مورده وحقق له وروده كل ما أمّله، وحتى الهدى لو كان إدراكه بشئ من الهوان لرفضه. ويبلغ من استصغاره للدهر وأحداثه أن يشعر فى قوة بسيطرته عليه حتى كأنما ذلّ له ودان، بل حتى كأنما أصبح له عبدا مسترقّا، وهو مع ذلك يشعر فى كبرياء بتعاظم شديد عليه، حتى ليقول إن النجوم الساطعة لو رأت وجهه لخرت ساجدة تقدم له التراتيل، وكأنما تجسدت فى روحه مصر الخالدة الجديرة بكل تقديس. ومن طريف ما يلقانا من الفخر بعده فخر ابن نباتة الكثير بشعره وكان حامل لواء الشعر فى زمنه، ومن قوله: من مبلغ العرب عن شعرى ودولته ... أنّ ابن عبّاد باق وابن زيدونا إذا رأيت قوافيها وطلعتها ... فقد رأت مقلتاك البحر والنّونا كأنّ ألفاظها فى سمع حسّدها ... كواكب الرّجم يحرقن الشياطينا وهو يقول إن من سمع شعره عرف أن الأندلس لم تنس، فلا تزال حية نضرة ولا يزال شعراؤها العظام من أمثال المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وشاعره الوجدانى ابن زيدون. وقد ورّى فى البحر والنون يريد بهما بحر الشعر ونون القافية فى القصيدة لا الحوت، ويسمّى حساده باسم

стр. 3444

الشياطين تسقط عليهم أبيات قصيدة كشهب الرّجم فيحترقون ويستحيلون رمادا تذروه الرياح. وقلما نلتقى فى الحقبة العثمانية بفخر إلا ما يتصل بالشمائل والأخلاق الكريمة. ومنذ سال الشعر على ألسنة المصريين سال معه هجاء كثير، وكان الشعراء يقذفون بسهامه- كما مر بنا فى غير هذا الموضع-الولاة والقضاة كلما انحرفوا عن الصراط السوىّ على نحو ما يصور ذلك كتاب الولاة والقضاة للكندى. ومعروف أن أحمد بن طولون استقل بمصر وأسس بها الدولة الطولونية، وضم إلى لوائه الشام، وله أعمال مجيدة كثيرة، ولم يكن يخلو منه ظلم وعسف وسفك للدماء كما يقول ابن تغرى بردى وفى كتاب الولاة والقضاة شاعر يسمى محمد بن أبى داود كان كثيرا ما يهجوه مزريا على ما شاده من المارستان وغير المارستان، وفيه يقول من أشعار مقذعة كثيرة حتى بعد وفاته: وكم ضجّة للناس من خلف ستره ... تضجّ إلى قلب عن الله مغفل فقلبه غافل عن ذكر ربه وعن حوائج الناس وهم يضجون خلف حجابه وحرسه. ولا نشك فى أن ابن أبى داود ظلم ابن طولون، فقد كان يعنى بالرعية وبنى جامعه المشهور وعهد إلى بعض العلماء بالتدريس فيه. وأهاجى المتنبى فى كافور الإخشيدى مشهورة، وقد ظلمه بدوره ظلما بيّنا. وكان المصريون قد احتفوا به حين نزوله فى الفسطاط وعقدوا له ندوة كبيرة ظلت طوال مقامه بين ظهرانيهم، وممن لزمه فيها وروى عنه شعره صالح بن رشدين، وعبيد الله بن أبى الجوع وله نقائض وأهاج مع صالح بن مؤنس، وله يقول صالح (١): هاجيك فيما قاله مادح ... فأنت فى صفقتك الرابح يا أيها الصّعو الذى لم يزل ... يرقص حتى دقّه الجارح (٢) وهو يسمى هجاءه له مدحا لأن فيه ذكرا له، ومثله ليس شيئا حتى يذكر، ويقول له إنك عصفور صغير لا يزال يرقص على الأغصان من غصن إلى غصن حتى يدق عنقه صقر أو نسر جارح. ونمضى إلى زمن الدولة الفاطمية وما أخذت تنشره من عقيدتها الشيعية الغالية الرافضة. وما زعمته للأئمة من نسبة إلى عالم القدس وأنهم من جوهر روحى مصفى وأنهم يعلمون الغيب

стр. 3445

مما عرضنا له فى غير هذا الموضع. ويروى أن الخليفة العزيز بن المعز صعد المنبر فى يوم جمعة، فرأى ورقة كتب فيها شاعر مصرى هذين البيتين (١): بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقه إن كنت أعطيت علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقه فتناولها العزيز وقرأها ولم ينبس ببنت شفة. وظل شعراء مصر طويلا مغاضبين لهذه الدولة معرضين عنها، كما أسلفنا، وكان مما أثار حفيظتهم بالإضافة إلى نحلتها المنحرفة اتخاذها وزراء لها من اليهود ممن أعلنوا إسلامهم، وكان كثير من المصريين يشك فى صحة إسلامهم وأنهم يتخذون ذلك ذريعة للاستيلاء على الوزارة والمناصب الكبرى فى الدولة، وكان منهم صدقة بن يوسف الفلاحى وزير الخليفة المستنصر واتخذ أبا سعد التّسترىّ اليهودى مدبرا للدولة معه فصاح أحد الشعراء المصريين بالخليفة ساخرا غاضبا (٢): يهود هذا الزمان قد بلغوا ... غاية آمالهم وقد ملكوا العزّ فيهم والمال عندهم ... ومنهم المستشار والملك وهى سخرية من المستنصر قاتلة، مما اضطره إلى النزول على إرادة الشاعر والشعب، فاعتقل الوزير الفلاحى ولقى حتفه على يده. وعلى نحو ما كان المصريون يتعرضون للفاطميين بالهجاء كانوا كذلك يتعرضون لوزرائهم هاجين هجاء مرّا على نحو ما هجا الشاعر جاسوس الفلك الجرجرائىّ وزير المستنصر وكان أقطع اليدين لخيانة ظهرت عليه فى أيام الحاكم، فلما ولى الوزارة استعمل الأمانة الزائدة والاحتراز الشديد فخاطبه جاسوس الفلك قائلا (٣): يا أحمقا إسمع وقل ... ودع الرقاعة والتحامق أمن الأمانة والتّقى ... قطعت يداك من المرافق ولم يكن الوزير مصرى الأصل بل كان من جرجرايا من أرض العراق. واشتهر الناجى المصرى بمقطعاته الهجائية الكثيرة فى الأفضل بن بدر الجمالى وزير الخليفة الآمر، وفيه يقول (٤):

стр. 3446

قل لابن بدر مقال من صدقه ... لا تفرحن بالوزارة الخلقه إن كنت قد نلتها مراغمة ... فهى على الكلب بعدكم صدقه وهو هجاء مقذع إقذاعا شديدا. ونرى داود بن مقدام المحلى الملقب برضى الدولة المار ذكره يهجو بعض أصحاب الدواوين وما كانوا عليه من فساد فى جمعهم للضرائب، يقول (١): وكتّاب لهم أبدا حمات ... تعدّ لها الرّقى مثل الصّلال (٢) بأيد تبتدرن إلى الرّشاوى ... كأيدى الخيل أبصرت المخالى فكأنهم يشبهون الزنابير والعقارب والأفاعى، إن لم يقدم لهم الرشاوى لسعوا من يجمعون منهم الضرائب كما يلسع الزنبور والعقرب بحمتهما أو إبرتهما وكما يلسع الصّل أو الأفعى بسمه القاتل. ونلتقى فى أثناء ذلك بدعابات ساخرة كقول ابن قادوس يتهكم على الرشيد بن الزبير وكان شديد السواد (٣): إن قلت من نار خلق ... ت وفقت كلّ الناس فهما قلنا صدقت فما الذى ... أطفاك حتى صرت فحما وهى دعابة قد يقبلها الرشيد لما فيها من فكاهة خفيفة، ولابن قادوس أحيانا هجاء ملئ بالسموم وخاصة ممن يضيق بهم كقوله فى منافق ما يزال يتلوّن لكل شخص باللون الذى يعجبه، يقول (٤): حوله اليوم أناس ... كلّهم يزهى برائه وهو مثل الماء فيهم ... لونه لون إنائه ونمضى إلى زمن الأيوبيين، ويلقانا ابن سناء الملك ساخطا على بعض معاصريه، يكويهم بسياط هجائه وخاصة من يسمى ابن عثمان، حتى ليود أن يصفع بالنعال على حد قوله (٥): وكم له من وقعة ... لم تبق منه باقيه وما عليه قطّ من ... صفع النّعال واقيه

стр. 3447

فهو يتصوّره يصفع بالنّعال ولا مغيث له ولا مجير، وللبهاء زهير بعض مقطوعات فى الهجاء، وهو لا يقذع فيه، بل يفسح للدعابة والوخز الخفيف الذى لا يدمى، وقد لا يتعدى وصفه بالثقل كقوله (١): ربّ ثقيل لبغض طلعته ... أخشاه حتى كأنّه أجلى وكلما قلت لا أشاهده ... ألقاه حتى كأنه عملى وكان الشعراء يتعرضون أحيانا للوزراء يهجونهم كقول ابن مطروح يهجو هبة الله بن صاعد الفائزى مستغلا اسم أبيه فى هجائه (٢): لعن الله صاعدا ... وأباه فصاعدا وبنيه فنازلا ... واحدا ثم واحدا وهو كصاحبه البهاء زهير لا يتسع فى هجائه ولا يقذع فيه ولا يفحش. ويظل الشعراء طوال عصر المماليك يريشون سهام الهجاء، ويلقانا فى أوائله الجزار والوراق ولهما أهاج فكهة كثيرة سنعرض لها فى غير هذا الموضع، وكان يعاصرهما البوصيرى شاعر المديح النبوى الرائع، وكان يعمل موظفا فى دواوين الأقاليم، وله هجاء عنيف فى طوائف الموظفين جميعا أو كما يسميهم المستخدمين من كتّاب خراج وقضاة وغير قضاة، ومن قوله فيهم (٣): ثكلت طوائف المستخدمينا ... فلم أر فيهم رجلا أمينا أقاموا فى البلاد لهم جباة ... لقبض مغلّها كالمقطعينا تحيّلت القضاة فخان كلّ ... أمانته وسمّوه الأمينا وكم جعل الفقيه العدل ظلما ... وصيّر باطلا حقّا مبينا فهو يشكو من فساد جميع الموظفين، فعمال الخراج كأنهم من أصحاب الإقطاع وهم يجمعون ما تغله إقطاعاتهم، والقضاة يخونون الأمانة والفقهاء يجعلون بفتاواهم المضللة الظلم عدلا والباطل حقا، ويردد ذلك فى أشعار كثيرة تصور فسادهم جميعا وكيف كانوا يجمعون ثروات طائلة بطرق غير مشروعة. وسنرى لابن دانيال أهاجى فكهة كثيرة فى حديثنا عن شعراء الفكاهة. ومما يلاحظ

стр. 3448

أن المصريين قلما يفحشون فى هجائهم، وكثيرا ما يتحول إلى ما يشبه عتابا رقيقا كقول ابن مكانس المتوفى سنة ٧٩٤ هاجيا (١): نعم نعم محضتهم ... صدق الولا تطوّلا (٢) وما رعوا عهدا ولا ... مودّة ولا ولا وفى كلمة «ولا» الأخيرة تورية واضحة إذ يريد بها مقصور ولاء. ونراه حين يصادر أمواله وبغاله وخيله السلطان الظاهر برقوق لا يشمّ ولا يهجو بل يكتفى بقوله (٣): ربّ خذ بالعدل قوما ... أهل ظلم متوالى كلّفونى بيع خيلى ... برخيص وبغالى والتورية فى كلمة بغالى مع كلمة برخيص-وهو يريد بغاله الحقيقية-واضحة، وهو يعمد إليها فى هذا الظرف الحرج من محنته. ونظل نلتقى بالهجاء فى أيام العثمانيين، من ذلك قول الشهاب الخفاجى من قصيدة جميعها على النمط التالى (٤): يا ضيعة الهميان من عائل ... قبيل عيد أعوز الفطره (٥) ويا قفا المهزوم من فارس ... أدركه فى ساحة قفره وبهتة السّكران من هاجم ... فى ليلة مظلمة قره (٦) ويا نعيّا جاء عن واحد ... إلى عجوز مالها أسره وتمضى القصيدة على هذا النحو الساخر اللاذع المصمى تكيل الذم لمهجوه كيلا وتهزأ به وتسخر منه سخرية قائلة. وتلقانا مطارحة (٧) طريفة بين الشاعر المعروف باسم شبانة المتوفى سنة ١٢٠٠ للهجرة والشاعر قاسم بن عطاء الله المتوفى سنة ١٢٠٤، فقد نظم شبانة-يداعب قاسما-قصيدة هجائية طويلة يقول فيها:

стр. 3449

سبحان من قسم النّحو ... س لقاسم وأذلّ هامه وكساه ثوب جناية ... يخزى بها يوم القيامه ومضى يتهمه بأنه يعين لصوص البيوت ويسرق الحرير ويسلّ الكحل من العيون، وردّ عليه قاسم هاجيا مداعبا، من نفس الوزن والقافية، وكأنهما يعيدان لنا نقائض جرير والفرزدق يقول قاسم: جلّ الذى قسم الشّقا ... لشبانة وله أدامه بعمامة لو خالها ال ... قلاّ توهّمها برامه موروثة عن جدّه ... من قبل أن تبنى القمامه لو كان يصلح للصلا ... ة لحقّ للقرد الإمامه والقلاّ مقصور القلاّء وهو من يقلى اللحوم والأطعمة، والبرام: القدر الذى يقلى فيه. يشير بذلك إلى ضخم رأسه وقذارة عمامته. ولعله يريد بالقمامة كنيسة القيامة بالقدس، وقد بنيت حوالى سنة ٣٢١ للميلاد. والدعابة واضحة فى الأبيات. ونقف قليلا عند بعض شعراء الفخر والهجاء: تميم (١) بن المعز هو تميم بن المعز مؤسس الدولة الفاطمية بمصر، ولد لأبيه سنة ٣٣٧ بمدينة المهدية التى بناها جده عبيد الله المهدى بتونس، وقد تحول عنها ابنه الخليفة المنصور فى نفس السنة التى ولد فيها تميم حفيده إلى مدينة أسسها هناك سماها المنصورية، وولد لأبيه بعده على التوالى عبد الله ونزار وعقيل، وكان المعز قد بويع بولاية العهد فى حياة أبيه المنصور، وجدّدت له البيعة حين توفى سنة ٣٤١. وكان فى الثانية والعشرين من عمره، وكان حصيفا سيوسا، دانت له إفريقية من تونس إلى المحيط ما عدا سبتة فإنها ظلت-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-مع عبد الرحمن الناصر الأموى صاحب الأندلس، وسيّر جوهرا قائده إلى مصر فافتتحها سنة ٣٥٨ - كما مر بنا فى غير هذا الموضع-ودخلها المعز فى سنة ٣٦٢ وكان عالى الهمة يحكم تدبير الأمور حازما منتهى الحزم،

стр. 3450

واتضح حزمه إلى أقصى حد فى صرفه ولاية العهد عن ابنه الأكبر تميم، وكان لا يزال فى المنصورية بتونس، حين تأكد أنه يسير سيرة معوجّة منحرفة، مما جعل واليه على صقلية أحمد بن الحسن الكلابى يستأذنه فى قتل أحد أبنائه لمشاركته تميما فى مجونه (١). ويبدو أن المعز حاول-دون جدوى-أن يرد ابنه إلى الطريق السّوىّ حتى إذا فشلت محاولته صرف ولاية العهد عنه إلى أخيه عبد الله (٢)، ولم يلبث عبد الله أن توفى حين نزل مع أبيه فى مصر فجعل المعز ولاية العهد لأخيه نزار الذى خلف أباه حين وفاته بالقاهرة سنة ٣٦٥ متسميا باسم العزيز. وليس من ريب فى أن المعز عنى بتربية ابنه تميم الذى كان يعدّه لولاية العهد منذ نعومة أظفاره، فأحضر له المعلمين الدينيين واللغويين وعهد إلى بعض دعاة النحلة الفاطمية بتلقيننها له، وكانت للغلام موهبة شعر فذة، فأكبّ على الشعر العربى فى أزمنته المختلفة يتزود منه، وسرعان ما استيقظت فيه موهبته، فعكف على اللهو والمجون لا يردعه رادع. وانتقل مع أبيه إلى مصر، فمضى فى سيرته، يحيا للهو والمجون. ويموت أخوه وأبوه فيرثيهما رثاء فاترا، وهو رثاء يدل على مكنون ضميره وأنه كان يشعر فى أعماقه بأن أباه سلبه حقه. وهو فى ديوانه يكثر من مديح أخيه العزيز، ونحس صدقه فى هذا المديح وإخلاصه له، ومع ذلك كان لا يسلم من الوشاة بينه وبين أخيه، مما جعله يبعده مرة إلى عين شمس بجوار القاهرة ومرة ثانية إلى الرملة بفلسطين، ويألم ألما شديدا لغربته وبعده عن ملاعب مجونه، وسرعان ما يردّ العزيز إليه حريته. وهما فترتان صغيرتان فى حياته الهنيئة بالقاهرة حتى وفاته سنة ٣٧٤. وكان العزيز يغدق عليه إغداقا عظيما، فقد جعل القصور على بركة الحبش-بمصر القديمة الآن-خالصة له، وكانت تطلّ على النيل ومن حولها حدائق بديعة، ووهب له بستانا عظيما يعرف باسم المعشوق، غير ما كان يضفى عليه من الأموال الضخمة. وكل ذلك أتاح له أن يحيا حياة ترف ولهو فى قصوره وبساتينه ورياضه وفى الأديرة. وكان ينتهز فرصة الأعياد الكثيرة: الأعياد الإسلامية والمسيحية والفارسية، فيشارك الشعب فى مرحه وقصفه، سواء فيما كان يقيم من

стр. 3451

مضارب وسرادقات وقباب ببركة الحبش أو فيما كان يتخذ من قوارب تضاء بالشموع ليلا فى النيل، والمغنون والمغنيات يطربون الناس. وهو يمر بزوارقه على قواربهم، ويستمع إلى من معهم ويسمعهم بعض قيانه. وفى ديوانه ما يصور كئوس اللهو والمجون التى كان يعبّ منها عبّا، ومرّ بنا مديحه لأخيه العزيز وما أذاعه ونشره فيه من مبادئ الدعوة الفاطمية الإسماعيليد وعقيدتها فى الإمام وارتفاعه عن البشر بجوهره الروحانى اللطيف وجسده النورانى الشفاف وعقله الكلى الفعال وإسباغ الصفات الربانية عليه. ويتمادى تميم فى ذلك ومثله حتى لكأنه داعية من دعاة الدولة ودعاة أخيه العزيز خاصة وحسبنا ما صورناه عنه فى حديثنا عن المديح. وهو فى الديوان يضيف إلى هذا المديح فخرا يمتزج أحيانا بعقيدته فى الأئمة، وكأنه الإمام المنتظر، إذ يقول: أنا الصبح أنا الشمس ... أنا البدر الذى يسرى أنا المرجوّ فى العسر ... أنا المرجوّ فى اليسر أنا المسبل للنّعمى ... أنا الكاشف للضّرّ أنا الراتق للفتق ... أنا القاصم للظّهر وكأنما تجسدت فيه شخصية أحد الأئمة، فهو نور الصبح ونور الشمس ونور القمر ونور الأنوار الذى يستمد منه كل نور، وهو مدبّر الكون ومقسّم الرزق المرجو فى العسر واليسر والمسبغ للنعمى والكاشف للضر الراتق للفتق القاصم للظهر. ويستمر فيقول إنه هو الحاطم للعظم والجابر للكسر والعالم بالذكر، يريد أنه العارف لبواطن الذكر الحكيم، كما يزعم الإسماعيليون لأئمتهم. ولا يبعد أن يكون مثل هذا الفخر هو الذى كان يتخذه الوشاة أداتهم للوقيعة بينه وبين أخيه العزيز، مما جعله يبعده، كما ذكرنا، مرة إلى عين شمس ومرة إلى الرملة. وتترد أصداء من هذه المعانى فى أشعاره فى صوت عال تارة، وتارة ثانية فى صوت خفيض، ومن قوله فى ذلك: أبنى علىّ إن نكن ننمى إلى ... حسب أناف بنا وجدّ أروعا (١) فلقد علمتم أننى أغشى الوغى ... وأنوب فى الجلّى قؤولا مسمعا (٢) ولقد علمتم أننى رضت العلا ... يفعا وحاولت المكارم مرضعا (٣)

стр. 3452

فدعوا لى الشرف الذى شيدته ... إذ هضتموه فانكفا وتضعضعا (١) لى فى المشارق والمغارب جولة ... يغدو بها قلب الزمان مصدّعا فادفع بحدّ السيف كلّ ظلامة ... إن لم تجد يوما سواه مدفعا فبذاك أوصانى الوصىّ ورهطه ... وعلىّ فرض أن أطيع وأسمعا وهو يخاطب أسرته العلوية ذات الحسب العالى والحظ العظيم واضعا بين يديها شجاعته ونفوذه فى الأمور العظيمة برأيه المحكم وشعره البليغ، ويزعم أنه راض العلا وساسها فى مطلع شبابه وأنه حاول المكارم منذ كان فى المهد مرضعا. وإذن فليعطوه حقه والشرف الذى يمنعونه منه، وكأنه ينذرهم ويهددهم ويتوعدهم إن لم يردوا عنه ظلمهم ويردوا إليه الحق المسلوب، ويزعم أن تلك وصية جده أبى الأوصياء على بن أبى طالب وأبنائه من الأئمة وأنّ فرضا عليه أن يسمع ويطيع. ولا ريب فى أن هذه المعزوفة التى كان يوقعها كثيرا على قيثارته كان يضيق بها العزيز، غير أن غمتها سرعان ما كانت تنكشف عن صدره حين يستمع إلى مدائح تميم فيه وترديد قدسيته ووجوب طاعته. ومعزوفة ثانية كان كثيرا ما يعزفها تميم ويلحنها على وتر الفخر فى قيثارته، ونقصد ردوده العنيفة على فخر عبد الله بن المعتز العباسى بأسرته العباسية الهاشمية. وله إزاءه موقفان: موقف يختار فيه قصيدة من قصائد ابن المعتز فى فخره بأسرته وينقضها نقضا بما يصور من مفاخر أسرته الفاطمية. وموقف ثان لا يتقيد فيه بقصيدة معينة يردّ عليها، وهو فى الموقف الثانى حر يختار أى وزن ينظم فيه وأى قافية، أما فى الموقف الأول فيتقيد بوزن القصيدة التى يرد عليها وقافيتها على شاكلة ما كان يحدث بين جرير والفرزدق فى نقائضهما، ومن قصائد الموقف الأول رائية لابن المعتز استهلها بقوله: «أىّ ربع لآل هند ودار» عمد تميم إلى نقضها بقصيدة تماثلها فى الوزن والروىّ، وفيها يقول، رادّا على ابن المعتز والعباسيين جميعا: ليس عبّاسكم كمثل علىّ ... هل تقاس النجوم بالأقمار من له الصّهر والمواساة والنّص ... رة، والحرب ترتمى بالشّرار من دعاه النّبىّ خدنا وسما ... هـ أخا فى الخفاء والإظهار

стр. 3453

من له قال أنت منى كهارو ... ن وموسى أكرم به من نجار (١) ثم يوم الغدير ما قد علمتم ... خصّه دون سائر الحضّار من له قال: لا فتى كعلىّ ... لا ولا منصل سوى ذى الفقار (٢) من توطا الفراش يخلف فيه ... أحمدا وهو نحو يثرب سار ولنا حرمة الولادة والأع ... مام والسّبق والهدى والمنار نحن أهل الكساء سادسنا الرّو ... ح أمين المهيمن الجبّار حجج كلما تأمّلها العا ... لم بانت له بيان النهار وتميم يوازن بين جده على بن أبى طالب وعمه العباس بن عبد المطلب، ويفاخر بأنه صهر الرسول ﷺ وساعده الأيمن فى الحرب، ويشير إلى حديث نبوى ترويه الشيعة: أن النبى ﵇ قال: «على منى بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى». وهم يستدلون بهذا الحديث على أن عليا ليس أحق بالخلافة من العباس فحسب، بل هو أيضا-فى اعتقادهم-أحق من الشيخين: أبى بكر وعمر بالخلافة. ويذكر يوم غدير خمّ وهو موضع بين مكة والمدينة أثنى فيه الرسول ﷺ على ابن عمه علىّ، وقال: من كنت مولاه فعلى مولاه، وتذهب الشيعة إلى أن الرسول ﵇ أوصى فى هذا اليوم بالخلافة لعلى. ومنذ أواسط القرن الرابع الهجرى يتخذ الشيعة هذا اليوم الموافق للثامن عشر من ذى الحجة عيدا لهم. ويشير تميم إلى ما يرويه الشيعة من أن الرسول قال: لافتى إلا على ولا سيف إلا ذو الفقار: سيفه. ويذكر أنه هو الذى اصطفاه الرسول لينام فى فراشه ليلة خرج مع أبى بكر مهاجرا إلى المدينة، مخترقا حصارا مسلحا ضربته قريش حول بيته، حتى لا تنتبه إلى خروجه، وكانت قد بيّتت القضاء عليه (يريدون أن يطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره). ويقول إنهم يشتركون مع العباسيين فى أنهم من سلالة أعمام رسول الله ويرتفعون فوقهم درجات بأنهم أبناء بنت رسول الله السيدة فاطمة الزهراء. ويشير إلى ما تقصّ الشيعة من أن الرسول ألقى كساء عليه وعلى السيدة فاطمة وعلى زوجها وابنيهما الحسن والحسين وكان سادسهم-كما يقول تميم-جبريل وقال: نحن أهل البيت فى خبر يرددونه. ويذكر جهاد على المبرور فى غزوات الرسول وخاصة فى بدر وأحد وخيبر وكيف أبلى فيها جميعا بلاء عظيما. ويقول هذه كلها براهين ساطعة كالشمس بأفضلية علىّ وارتفاع منزلته على عمه، ويهدد العباسيين

стр. 3454

بحرب مبيدة تعصف بهم عصفا شديدا. وتميم فى الموقف الثانى الذى لا ينقض فيه قصيدة بعينها لابن المعتز يلحّ على هذه المعانى نفسها فى رده على العباسيين وفخره عليهم فخرا مضطرما بشرر كثير، يريد به أن يثبت أن العلويين أحق بالخلافة من أبناء عمومتهم سواء من جهة إرثهم لها عن طريق جدهم على وجدتهم فاطمة بنت الرسول ﵇ أو عن طريق وصاية الرسول بها لعلى أو عن طريق خدماته الجلّى للدين الحنيف ونصره. ويمد طرفا من هذا الجدل إلى بنى أمية وهو يقصد أصحاب الأندلس فى أيامه، وكان أخوه العزيز كتب إلى صاحبها الأموى-ولعله المستنصر بن عبد الرحمن الناصر-كتابا يسبّه فيه ويهجوه، فكتب إليه: «أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام» فاشتد ذلك على العزيز وأفحمه عن الجواب (١). ولعل ذلك ما جعل تميما يتصدى للأمويين ويفخر عليهم بمثل قوله: إن قريشا بعلا هاشم ... تفخر فى عقوة عرّيسها (٢) إن يك من ياقوتها هاشم ... فعبد شمس من ضغابيسها (٣) اسم إلى الصفوة من هاشم ... أهل معاليها وتقديسها دع عبد شمس وأباطيلها ... فقد بدا الله بتنكيسها قبيلة ما طهّر الله من ... شايعها من إثم تنجيسها فهاشم جد الرسول والعلويين فخر قريش فى ساحة غيلها الملتف، وهو وبنوه ياقوت قريش ومعدنها النفيس أما بنو أمية فحجارة صلده، وللهاشميين بفضل الرسول علاهم وقدسيتهم، أما عبد شمس وبنوه فأصحاب أباطيل مزورة، وقد هدم الله دولتهم فى المشرق، وإنها لقبيلة آثمة إثما فظيعا، وإنها لتصم كل من شايعها وصمة شنيعة. ويستمر فيذكر سفكهم لدم الحسين وسبيهم لمن كن معه من النساء، مسجلا بذلك عارا عليهم لا يماثله عار.

стр. 3455

طلائع (١) بن رزّيك أرمنى الأصل قدم إلى زيارة مشهد الإمام على بن أبى طالب بالنجف، وكان لا يزال شابا واعتنق مذهب الشيعة الإمامية، وتعرّف فى أثناء زيارته له على شخص يسمى ابن معصوم يبدو أنه كان من دعاة الفاطميين، فحبّب إليه زيارة القاهرة والانتظام فى خدمة القوم، ولقيت دعوة الرجل من نفسه قبولا حسنا، فسار إلى مصر، وترقى فى خدمة الفاطميين حتى ولّوه حاكما لمنية الخصيب بالصعيد (المنيا الآن) وحدث أن تآمر عباس الصنهاجى وزير الخليفة الظافر مع ابنه نصر على قتل الخليفة سنة ٥٤٩ وتمت المؤامرة، فاستغاث بيت الفاطميين بطلائع ضد عباس، فأقبل يريد محاربته حتى إذا قرب من القاهرة فر عباس بما نهب من أموال القصر الفاطمى إلى الشام، وقتله الصليبيون فى الطريق. ودخل طلائع القاهرة فخلعت عليه الخلع الخاصة بالوزارة ونعت بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين. وكان قد ولى الخلافة الفاطمية ابن للظافر تلقب بالفائز (٥٤٩ - ٥٥٥ هـ) وكان صبيا لا يعدو خمس سنوات، فدبّر الدولة طلائع وأحسن تدبيرها، حتى إذا توفى الفائز بعد نحو ست سنوات اختار للخلافة بعده طفلا لم يبلغ الحلم من الأسرة هو عبد الله بن محمد الملقب بالعاضد، وزوّجه ابنته، وأصبح صاحب الأمر كله فى الدولة. وأخطأ إذ قطع رواتب الخاصة، فلم يدر عام فى خلافة العاضد حتى دبّرت له مؤامرة لقتله، فقتل سنة ٥٥٦ ويقال إن العاضد نفسه هو الذى أعمل الحيلة فى قتله لاستبداده بالأمر من دونه، وخاصة أنه كان شيعيّا لا على مذهب الفاطميين الإسماعيلى ولكن على مذهب الإمامية. ويقول المقريزى: «كان رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا». ولم يكن يستر عقيدته الإمامية بل كان يعلنها ويجادل فيها الفقهاء الإسماعيليين، وصنف فى ذلك كتابا سماه «الاعتماد فى الرد على أهل العناد» ويقول المقريزى إنه جمع له الفقهاء وناظرهم عليه. وكان يجادل أيضا بقوة عن مذهب المعتزلة فى القدر وأن الإنسان حر الإرادة لا مجبر كما يقول القدرية، وله فى ذلك قصيدة سماها: «الجوهرية فى الرد على القدرية» ومن قوله فى الرد عليهم:

стр. 3456

يا أمة سلكت ضلالا بيّنا ... حتى استوى إقرارها وجحودها ملتم إلى أنّ المعاصى لم يكن ... إلا بتقدير الإله وجودها لو صحّ ذا كان الإله بزعمكم ... منع الشريعة أن تقام حدودها وقد فتح أبوابه للشعراء، وكثير منهم كانوا يختلفون إلى مجلسه فى منزله وخاصة الجليس بن الحباب والمهذب بن الزبير وابن قادوس، وأصبحت القاهرة لعهده كعبة للقصاد من شعراء البلاد العربية أمثال ابن الدهان الموصلى وعمارة اليمنى، ولكل هؤلاء الشعراء فيه قصائد طنانة، وفيه يقول العماد: «نفق فى زمانه النظم والنثر واسترقّ بإحسانه الحمد والشكر وقرّب الفضلاء، واتخذهم لنفسه جلساء، ورحل إليه ذوو الرجاء، وأفاض على الدانى والقاصى بالعطاء». وقد أدار العماد كثيرا من تراجمه فى القسم المصرى من كتابه الخريدة عليه وعلى مدائحه. وألف فى أيامه الرشيد بن الزبير كتابه «جنان الجنان ورياض الأذهان» فى معاصريه من الشعراء ومادحيه وافتتحه بترجمته، كما ألف شاعره الجليس بن الحباب كتابا قصره على مدائح الشعراء فيه. وقد حقق محمد هادى الأمينى ديوانه ونشره بالنجف فى نحو مائة وخمس وعشرين صحيفة، ويقول ابن خلكان إنه رأى ديوانه وإنه كان يقع فى جزءين، وكأن ديوانه المنشور إنما هو مقتطفات من ديوانه الأصلى، واتهمه بعض معاصريه بأن كثيرا من أشعاره ليس له وإنما هو من صنع شاعريه: الجليس بن الحباب والمهذب بن الزبير، ويبدو أنها تهمة غير صحيحة، وأنه ربما كان يرجع إليهما لتصحيح بعض أشعاره إن صح ما قيل من أنهما كانا يصلحان له شعره. وأكثر الديوان المنشور فى مديح آل البيت ورثائهم ورثاء الحسين خاصة، ولعل هذا هو سبب النغم الحزين الكثير فى شعره، إذ الشيعة دائما محزونون منذ مقتل الحسين وقد اتخذوا يوما يندبونه فيه هو يوم عاشوراء، وجعلوا شعارهم السواد، وهو سواد يطبع كثيرا من أشعار طلائع بالتشاؤم والتفكير الكثير فى الموت، حتى فى يومه البهيج يوم جلوسه فى الوزارة إذ نرى الدنيا تتحول بهجتها أمام عينيه حزنا وشؤما وموتا، وإذا هو ينشد حين تربعه فى دست الوزارة: انظر إلى ذى الدار كم ... قد حلّ ساحتها وزير ولكم تبختر آمنا ... وسط الصفوف بها أمير ذهبوا فلا والله ما ... بقى الصغير ولا الكبير ولمثل ما صاروا إلي ... هـ من الفناء غدا نصير

стр. 3457

وكان طلائع شجاعا بل مثالا عاليا من الشجاعة والبطولة، فمضى يعدّ الجيش المصرى لحرب الصليبيين ونازلهم مرارا برّا وبحرا، وظل ينازلهم ويقاتلهم طوال أيامه، حتى لقبه معاصروه بأبى الغارات، فقد كان جيشه لاينى آيبا ذاهبا إلى مواقعة الصليبيين وسحق جموعهم فى جنوبى فلسطين ودقّ أعناقهم وسفك دمائهم فى حزونها وسهولها وعلى سفوح جبالها، وله فى تصوير ذلك قصائد كثيرة من مثل قوله: توالت علينا فى الكتائب والكتب ... بشائر من شرق البلاد ومن غرب جعلنا جبال القدس فيها وقد جرت ... عليها عتاق الخيل كالنّفنف السّهب (١) وقد أصبحت أو عارها وحزونها ... سهولا توطّا للفوارس والرّكب ولما غدت لا ماء فى جنباتها ... صببنا عليها وابلا من دم سكب (٢) وهو فرح مبتهج بنصر جيشه على حملة الصليب وما أذاقهم من التقتيل ونثر دمائهم على جنبات فلسطين حتى سالت هناك أنهارا. وكثيرا ما كان يرسل ببشائر انتصاراته على الصليبيين إلى صديقه أسامة بن منقذ الشّيزرىّ وكان قد زار مصر وأقام فيها مدة أيام عباس الصهاجى وانعقدت بينه وبين طلائع صداقة فكان يخبره بانتصاراته حتى يستثير نور الدين صاحب حلب لتضييق الخناق على حملة الصليب، وكانت فرحته بالغة حين انتصر الجيش المصرى بقيادة ضرغام عليهم فى سنة ٥٥٣ نصرا عظيما، وصور ذلك لأسامة فى ميمية استهلها بقوله: ألا هكذا فى الله تمضى العزائم ... وتمضى لدى الحرب السيوف الصّوارم (٣) وتغزى جيوش الكفر فى عقر دارها ... ويوطا حماها والأنوف رواغم (٤) خيول إذا ما فارقت مصر تبتغى ... عدا فلها النّصر المبين ملازم يسير بها ضرغام فى كلّ مأزق ... وما يصحب الضّرغام إلا الضراغم (٥) فقولوا لنور الدين لا فلّ حدّه ... ولا حكمت فيه الليالى الغواشم (٦) تجهّز إلى أرض العدوّ ولا تهن ... وتظهر فتورا أن مضت منك حارم

стр. 3458

وهو يشيد يجيش مصر الباسل وانتصاره المدمر للصليبيين: انتصار أسده الهادرة، ويدعو أسامة إلى إبلاغ نور الدين هذا الانتصار، وكان حملة الصليب قد استولوا منه على حصن حارم تجاه أنطاكية وعقدوا معه هدنة، ويدعوه إلى نقض ما أبرم معهم والاستعداد لحربهم حتى يضيّق عليهم فى الأطراف الشمالية كما يضيق الجيش المصرى فى الأطراف الجنوبية. وكان الأسطول المصرى لا يزال يجوب سواحل الشام ويفتك بسفن الصليبيين وأغار على عكا وثغر بالقرب من حمص يسمى أنطرطوس ونكّل فى الثغرين بحملة الصليب وسفنهم فكتب طلائع إلى أسامة قصيدة يسأله فيها أن يبشر الملك العادل نور الدين بذلك ويستنهضه لفتح القدس يقول: إن بعض الأسطول نال من الإف ... رنج مالا يناله التأميل فحوى من عكّا وأنطرطوس ... عدّة لم يحط بها التحصيل أبلغن قولنا إلى الملك العا ... دل فهو المرجوّ والمأمول قل له كم تماطل الدّين فى الكف ... ار فاحذر أن يغضب الممطول سر إلى القدس واحتسب ذاك فى الل ... هـ فبالسّير منك يشفى الغليل وواضح أن جيوش مصر وأساطيلها لعهد طلائع كانت ما تزال تغدو وتروح إلى حملة الصليب منزلة بهم الهزائم تلو الهزائم. ودائما يستحث طلائع فى حماسيّاته إلى أسامة صاحب نور الدين أن يزحف إلى حملة الصليب شمالا، بينما يزحف هو إليهم جنوبا، حتى يقعوا بين شقى الرحا فتدور عليهم الدوائر. ولعل فى ذلك ما يشير بوضوح إلى أن مصر لم تقصر فى واجبها إزاء حملة الصليب لعهد طلائع، وكانت تعدّ حتى أيامه مقصرة فى القيام بهذا الواجب، قصّرت أيام الأفضل بن بدر الجمالى ومن جاء فى إثره من الوزراء، فلما ألقيت مقاليد الأمور إلى طلائع وضع نصب عينيه أن تنهض بواجبها، فجهّز الجيوش والأساطيل وأمدّها بالرجال والعتاد. ودائما يهيب فى كثير من حماسياته بنور الدين أن يهجم عليهم شمالا بينما يهجم هو عليهم جنوبا، حتى يمزّقوا كل ممزّق، غير أن يدا آثمة امتدت إليه، فحالت دون أمانيه فى الانتصار الحاسم على حملة الصليب إذ قضت عليه، ورثاه عمارة وغيره من الشعراء مراثى حارة.

стр. 3459

ابن (١) الذّروىّ هو الوجيه على بن يحيى الذّروىّ أصله أو أصل آبائه من ذروة بلدة باليمن، وفى ترجماته ما يدل على أنه نشأ بمصر إن لم يكن ولد بها، وهو من شعراء الدولتين الفاطمية والأيوبية، ويقول ابن سعيد: إنه رأى ديوانه وقرأ فيه مدائح فى الخليفة العاضد فى صباه وأخرى فى صلاح الدين وأخيه العادل والقاضى الفاضل وابن شكر وزير العادل. ويذكر بعض المعاصرين أنه توفى سنة ٥٧٧ وقد ذكره العماد فى الخريدة التى ألفها فى أوائل العقد الثامن من القرن السادس، فقال إنه شاب نشأ فى هذا الزمان، وفى كلام ابن سعيد المار أنه مدح الخليفة الفاطمى العاضد فى صباه، وذكر أنه مدح ابن شكر وزير العادل منذ سنة ٥٩٥ ولم يذكر السيوطى فى حسن المحاضرة تاريخ وفاته، غير أنه ذكره بعد ابن سناء الملك المتوفى سنة ٦٠٨ وكل ذلك يؤكد أنه لحق القرن السابع وعاش فيه فترة من الزمن. وكان ابن الذروى شاعرا مجيدا نوّه به معاصروه فى المديح، وأنشد له ابن شاكر فى الفوات مقطعات غزلية بديعة، ويبدو أن ابن سعيد لم يكن يعجب به، إذ قال إنه اطلع على ديوانه فوجده دون ما كان يظن، ومن غزلياته قوله: يابان إن كان سكّان الحمى بانوا ... ففيض شأنى له فى إثرهم شان من لى بأقمار أنس فى دجى طرر ... أفلاكها العيس والأبراج أظعان (٢) من كل قانية الخدّين ناهدة ... لو كان للضمّ أو للّثم إمكان وفى البيت الأول توريتان فكلمة بان الأولى نوع من الشجر طالما ذكره المحبون، وبانوا بعدها بمعنى بعدوا، ولفظ شأن الأول: واحد الشئون وهى مجارى الدمع و «شان» فى آخر البيت بمعنى خبر. والصورة فى البيت الثانى تامة وبديعة، فهو يتمنى لو يلقى أقمارا مضيئة فى ليال شديدة من الطرر، ويقول إنهن ركبن العيس فكأنما تحولت بهن أفلاكا وتحولت الأظعان أبراجا. ولعل

стр. 3460

موهبته الشعرية لم تبرز فى فن كما برزت فى فن الهجاء، وقد اشتهرت له قصيدة فيه نظمها فى شاعر معاصر له أحدب هو ابن أبى حصينة وفيها يقول: لا تظنّنّ حدبة الظّهر عيبا ... فهى للحسن من صفات الهلال وكذاك القسىّ محدودبات ... وهى أنكى من الظّبا والعوالى (١) وإذا ما علا السّنام ففيه ... لقروم الجمال أىّ جمال (٢) وأرى الإنحناء فى منسر الكا ... سر يلفى ومخلب الرّئبال (٣) قد تحلّيت بانحناء فأنت ال ... رّاكع المستمرّ فى كل حال وتعجّلت حمل وزرك فى الظّه ... ر فأمنا فى موقف الأهوال كوّن الله حدبة فيك إن شئ ... ت من الفضل أو من الإفضال فأتت ربوة على طود حلم ... منك أو موجة ببحر نوال ما رأتها النساء إلا تمنّت ... لو غدت حلية لكلّ الرّجال وإذا لم يكن من الهجر بدّ ... فعسى أن تزورنى فى الخيال وهو هجاء مؤلم أشد الإيلام، إذ يعرض فيه حدبة ابن أبى حصينة على أنها ميسم جمال وصفة من صفات الحسن فى الهلال، ويأخذ فى بيان حسنها وفضائلها، فالقسى أشد فتكا من أسنة السيوف والرماح، وهى مصدر جمال كالسنام للجمال، وما كان الانحناء عيبا فى منقار النسور ومخلب الأسد الهصور. ويتصوره راكعا مدى حياته، ويعود فينفى عنه تقواه وصلاته، ويقول إن حدبته وزر كبير مجسّد تعجل حمله فى دنياه. ويعود إلى السخرية والتهكم فيقول إنها ربوة تعلو طود حلمه أو موجة تعلو مياهه، ويبلغ من السخرية به مبلغا بعيدا حين يزعم له أن النساء تعدها حلية وتتمنى لو تحلّى بها كل الرجال. ويتمادى فى سخريته، فيقول إنه مفتون برؤية جماله، ولكنه هاجر له أبدا فيتمنى لو رآه. خيالا فى منامه وأحلامه. ويخز فقيها متأدبا وخز الإبر فيقول فيه: هو فى الفقه ماهر لا يبارى ... وأديب فى جملة الشعراء لا إلى هؤلاء-إن طلبوه- ... وجدوه ولا إلى هؤلاء

стр. 3461

فهو يدعى الفقه وإذا طلبه الناس بين الفقهاء لم يجدوه وهو يدعى الأدب وإن طلبه الناس بين الأدباء افتقدوه، وهو يشير إلى الآية الكريمة فى سورة النساء: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء). وكان يعاصره فى شبابه شاعر يسمى هبة الله بن وزير دخل معه حماما فقال ابن وزير: لله يوم بحمّام نعمت به ... والماء ما بيننا من حوضه جارى كأنه فوق شفّاف الرّخام ضحّى ... ماء يسيل على أثواب قصّار والقصّار: مبيض الثياب وغاسلها، وكأن الشاعر غفل، فشبه الماء بالماء. وانتهز الصديق ابن الذروى الفرصة، فقال على البديهة: وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء أقام يجهد أياما قريحته ... وشبّه الماء بعد الجهد بالماء وشاع الشطر الأخير على ألسنة المصريين إلى اليوم لكل من يصيبه مثل هذا العى فى الكلام عمدا أو غفلة. وكأن أحدا لم يكن يسلم من لسان ابن الذروى حتى الأصدقاء، بل أيضا حتى الطبيعة، إذ نجده يهجو الّنيلوفر، وهو ما يسمى فى الريف المصرى باسم البشنين وهو زهر متفاوت الزرقة والحمرة بديع المنظر، ولم يشفع له حسنه عند ابن الذّروى فعمد إلى هجائه بقوله: ونيلوفر أبدى لنا باطنا له ... مع الظاهر المخضّر حمرة عندم (١) فشبّهته لما قصدت هجاءه ... بكاسات حجّام بها لوثة الدّم (٢) وكأنه يريد أن يقول إنه يستطيع أن يقبّح كل حسن مهما يكن حسنه حتى زهر النيلوفر الذى طالما تغنى به الشعراء المصريون من قبله ومن حوله، وقد تغنوا به طويلا من بعده.

стр. 3462

أحمد (١) بن عبد الدائم هو شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الشّر مساحى نسبة إلى شر مساح: بلدة قريبة من المنصورة فى شمالى الدلتا، ولد فى أوائل زمن المماليك سنة ٦٦٣ وأقبل مثل لداته على الدراسات الدينية واللغوية، وأكبّ على الشعر حتى مهر فيه غير أنه لم يتجه به إلى زهد وتصوف ولا إلى غزل ومديح، وإنما اتجه به إلى الهجاء يسلق الناس بلسانه ويخافون شره فيبادرون إلى إعطائه بعض النوال. ولم يقف بهجائه عند أهل مصر فقد كان يرحل إلى دمشق ويتخذ هناك نفس الوسيلة، ويقال إنه دخل على قاضيها شهاب الدين الخويّى وقدم إليه قصيدة هجو فردّها إليه وقال له: كأنك ذاهل، فقال له: لست بذاهل، بل صنعت ذلك عمدا لأشتهر فإنك إذا أدبتنى قال الناس: ما هذا؟ فيجيبهم المؤدبون: هذا غريم القاضى، فأشتهر، فوصله وعفا عنه. وكان لا يقف فى الهجاء عند حد، إذ كان يستخدمه كما رأينا فى هجو القضاة كذبا وبهتانا، وبالمثل كان يستخدمه فى هجو علماء الدين غير متورع، من ذلك أن المظفر بيبرس الجاشنكير كان يقرّب منه فى سلطنته بعد خلع الناصر بن قلاون لنفسه سنة ٧٠٨ كلا من الفقيه ابن عدلان وزميله الفقيه ابن المرحّل الدمياطى، حتى إذا دار العام عزل نفسه وعاد الناصر بن قلاوون، ولم يضع ابن عبد الدائم الفرصة، فقد مدح الناصر بقصيدة يهنئه فيها بعودته إلى عرشه ويهجو المظفر بيبرس ويعرّض بصحبته لشمس الدين محمد بن عدلان وصدر الدين محمد بن زين الدين الملقب بابن المرحّل وبابن الوكيل، ومن قوله فيها: ولّى المظفّر لما فاته الظّفر ... وناصر الحق وافى وهو منتصر فقل لبيبرس إن الدهر ألبسه ... أثواب عارية فى طولها قصر لما تولّى تولّى الخير عن أمم ... لم يحمدوا أمرهم فيها ولا شكروا (٢) وكيف تمشى به الأحوال فى زمن ... لا النّيل وافى ولا وافاهم مطر ومن يقوم ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحّل قل لى كيف ينتصر؟

стр. 3463

وكان قد تصادف أن المطر لم يسقط فى سنة ٧٠٩ بأرض مصر وقصّر النيل فى فيضانه أجدبت بعض البلاد وارتفع السعر. وعفا الناصر عن الشيخين فى انضمامهما ضده إلى بيبرس الجاشنكير، وكان ابن عدلان يتولى نيابة الحكم فأعفاه منها، ومرّ به ابن عبد الدائم فأنشده: والله ما سرّنى عزل ابن عدلان فقال له: جزيت خيرا. فأكمل البيت قائلا: من غير صفع ولا والله أرضانى وشاعت القصيدة. وكان آخر شيخ رماه بسهام هجائه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة وكان يشرف على الأوقاف، وكأنه أراد أن يبتزّه، وكانت فيه صرامة فازدراه فانتقم لنفسه بهجائه وهجاء ابنه سنة ٧١٣ وكان فقيها ورعا مثل أبيه، وتمضى القصيدة على هذا النمط. متى يسمع السلطان شكوى المدارس ... وأوقافها ما بين عاف ودارس (١) يموت عديم القوت بالجوع حسرة ... ويشبع بالأوقاف أهل الطّيالس (٢) وأخذ يتهم القاضى وابنه بعظائم هما منها براء، وكلها كذب وبهتان وافتراء، وكاد القاضى ينزل به عقابا صارما لولا أن تدخل بعض الأمراء واستعفاه فعفا عنه. وازدراه الناس بعد هذه الحادثة ازدراء شديدا، وساءت حالته، فإن لحوم العلماء مسمومة. وأخذ يتنقل فى البلاد لا يتحرى طريق الرشاد إلى أن عاجلته منيته حوالى سنة ٧٢٠ وكأنما كان غمة زالت عن صدور الناس والشيوخ فى زمنه. حسن (٣) البدرى الحجازى الأزهرى يقول الجبرتى فى ترجمته: «كان عالما فصيحا مفوها متكلما منتقدا على أهل عصره وأبناء مصره» ويقول كان أبوه ملازما لقراءة كتاب الصحاح الستة: صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن ابن ماجة وسنن أبى داود وسنن النّسائى وجامع الترمذى. وقد تفتحت موهبة الابن فى سن

стр. 3464

مبكرة وعنى بنظم كثير من المتون العلمية مثل رسالة الوضع للعلامة العضد، والدرة السنيّة فى الأشكال المنطقية ورموز الجامع الصغير، وكانت وفاته سنة ١١٣١ للهجرة. وكان قد أصبح شاعرا كبيرا ويصف الجبرتى شعره فيقول: له فى الشعر طريقة بديعة وسليقة منيعة، على غيره رفيعة، وقلما تجد فى نظمه حشوا أو تكملة، وله أرجوزة فى التصوف فى نحو ١٥٠٠ بيت على طريقة الصادح والباغم ضمنها أمثالا ونوادر وحكايات، وديوانه على حروف المعجم سماه باسمين: «تنبيه الأفكار للنافع الضار وإجماع الإياس من الوثوق بالناس شرح فيه حقيقة شرار الخليفة من الناس، المنحرفة طباعهم عن طريقة قويم القياس». وواضح من تسميته لديوانه أن شعره أو جمهوره على الأقل لم يكن مديحا وهجاء وغزلا وعتابا وما إلى ذلك من موضوعات الشعر المعروفة إنما كان نقدا للمجتمع، وهو نقد يشوبه كثير من الذم لسلوك الناس حتى ليدعو إلى اعتزالهم لما يتصفون به من الطمع والجشع والأنانية، والعاقل من اجتنبهم وفرّ منهم فرار السليم من الأجرب لا من الأباعد فحسب بل أيضا من الأقارب، يقول: أخى فطنا كن واحذر الناس جملة ... ولا تك مغرور الظنون الكواذب ولا سيّما نوع الأقارب إنهم ... عقابك فى الدنيا وعقر العقارب (١) ويستمر فى هجو الأقارب وأنهم يتمنون الموت لك، إن كنت ثريا ليرثوك، وإن كنت فقيرا كنت لديهم خسيسا أخس من الكلاب. وهو على هذا النحو سيئ الظن بالناس حتى بالأقرباء من ذوى الرحم، وكاد لا يسلم من سياط ذمه وهجائه أحد حتى المتصوفة، يقول فيهم من قصيدة طويلة: احذر أولى التّسبيح والسّبحة ... والصّوف والعكّاز والشّملة (٢) قد صار إبليس لهم تابعا ... يقول يا للعون والنّجدة مما حويتم علّمونى فما ... لى عنكم فى المكر من غنية لكم قيادى وانقيادى وما ... مثلكم فى الناد والنّدوة (٣) وأنتم تاجى على هامتى ... ماهمت إلا كنتم همّتى (٤)

стр. 3465

وهو طبعا يقصد نفرا من المتصوفة حادوا عن طريق التصوف وانحرفوا عن واجباته ومسئولياته، وتورطوا-كما يقول فى القصيدة-فى بعض الآثام، وكان يؤذيه منهم من يدعون الجنون وتظنهم العامّة أقطابا وأولياء، حتى إذا ماتوا شادوا لهم أضرحة وجعلوها مزارا، يقول: ليتنا لم نعش إلى أن رأينا ... كلّ ذى جنّة لدى الناس قطبا علما هم به يلوذون بل قد ... تخذوه من دون ذى العرش ربّا إذ نسوا الله قائلين فلان ... عن جميع الأنام يفرج كربا وإذا مات يجعلوه مزارا ... وله يهرعون عجما وعربا وكأننا بإزاء داع مصرى يدعو ضد الصوفية ومن كانت تسميهم العامة بالمجذوبين وتقيم لهم الأضرحة والمزارات وتطلب منهم الدعاء أحياء وتقدم لهم النذور أمواتا. ومع كثرة أشعاره فى هذا الجانب لم تترك وراءها فى مصر أثرا. على أننا نجده يوجه ذمه وهجاءه-ظلما وعدوانا-لبعض رجال الدين كما وجهه إلى المتصوفة، وهو فى ذلك كله يسرف فى هجائه وذمه، فلا رجال الدين انصرفوا عن التقوى ولا المصريون اتخذوا أقطاب الصوفية أربابا. ٣ - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو عاش شعراء مصر على ضفاف النيل وفى وديانه ورياضه، ينعمون بمياهه المتدفقة العذبة وبما ينشئ من غروس وزروع وثمار وأزهار، وهو يجرى نافثا لعابه من حوض إلى حوض، باثا الحياة والجمال فى كل ما يمسه، مما جعل العرب يلقبون مصر حين فتحوها بأنها فردوس الدنيا. وقد وصفها القرآن الكريم بأنها جنات وعيون وزروع ومقام كريم. وفى كل مكان نعم الشعراء بهذه الجنات يسرّحون الطرف فيها والخيال، فتتكون لديهم حاسة الجمال، ويتعمقهم الشعور بما خصّ الله ديارهم من هذا النعيم الذى يقصر أى وصف عن تصويره. وطبيعى أن يتردد ذكر النيل على ألسنة الشعراء وذكر مشاهد رياضه الفاتنة وقواربه وسفنه الشراعية. ويحدثنا ابن قيس الرقيات حين زار مصر لعهد واليها عبد العزيز بن مروان فى العصر الأموى عن رحلة نيلية له من الفسطاط إلى حلوان. وعنى شعراء مصر بعده بوصف مثل هذه الرحلة ووصف النيل وزوارقه وسفنه، غير أن الشعر المصرى فى عصر الولاة لم يبق منه القليل وإلا بقية تتصل بالأحداث والولاة والقضاة

стр. 3466

احتفظ بها الكندى. وتبدو العناية بتدوين أشعار الشعراء منذ عهد الدولة الطولونية، ونجد المريمى القاسم بن يحيى شاعر خمارويه يخص النيل بقصيدة بديعة يصور فيها مراكبه بمثل قوله (١) ومطايا لا يغتدين ولا يس ... أمن كدّ البكور بعد الرّواح (٢) أصلها البرّ وهى ساكنة فى ال ... بحر سكنى إقامة لا براح وإذا أوقرت فذات وقار ... وإذا أخليت فذات مراح (٣) جاريات مع الرياح وطورا ... كاسرات بالجرى جدّ الرّياح ساريات لا يشتكين سرى اللّي ... ل ولا يرتقبن ضوء الصباح لا يخفن الغمار يقذفن فيها ... ويخفن المرور بالضّحضاح (٤) ويطنب فى تصوير المراكب، فهى فى الماء وهى خالية تماما من الماء، وهى ذات أجنحة بيضاء وإن لم يكن لها جناح حقيقى، وهى من البيض ويطلى شطرها الأسفل بالقار، فهى بيضاء سوداء من ذوات الألواح لا الأرواح، وتقرّ على الشاطئ فتسكن دون ذلة فى السكون، وتسير على صفحة النيل وتجدّ فى سيرها دون اعتزام جماح، وكأنها على الماء قصور متحركة، وتنساب فى النيل خفيفة خفة الأفاعى، وتتجمع أحيانا فتظنها كباشا سودا تقابلت للنطاح. ومع ضؤولة ملاّحها يحسن تدبير جريها مع الرياح مكافحا فى ذلك أشد الكفاح، وله مساعدون يكثرون من الصياح حتى كأن السفن تجرى خوفا من صياحهم. وهو تصوير بديع للسفن السابحة فى النيل من شاطئ إلى شاطئ ومن مكان إلى مكان. ويوجز تميم بن المعز القول فى وصف النيل وسفنه فيقول (٥): يوم لنا بالنيل مختصر ... ولكل يوم مسرّة قصر والسّفن تجرى كالخيول بنا ... صعدا وجيش الماء منحدر فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر (٦)

стр. 3467

والصورة الأخيرة للنيل بديعة، فكأن أمواجه عكن أو تثنّيات أمامية لأجساد عارية وكأنما فوّاراته أو داراته فى فيضانه السّرر أو النقر الصغيرة أو النكت فى بطون من كن يهدين إلى النيل من عرائسه. ولتميم أشعار كثيرة فى وصف الحدائق والأزهار والثمار. ومن أوصافه الطريفة قوله فى الناعورة (١): تئنّ وليست بمحزونة ... أنين المحبّ الكئيب الحزين فتنطق بالصوت لا من فم ... وتقذف بالدمع لا من جفون كأن لها ميّتا فى الثّرى ... فأدمعها همّع كلّ حين (٢) إذا زمرت أطربت نفسها ... فغنّت بمختلفات اللحون غناء يرقّص كيزانها ... ويظهر فيهن وثب المجون فتهوى فوارغ فى بئرها ... وتصعد منها ملاء العيون والناعورة تئن أنين المحب اليائس الحزين وتشكو لا بفم وتبكى لا من عين، وتلحّن مختلف اللحون وكيزانها ترقص هاوية فارغة وصاعدة ممتلئة، لا تلتقى أبدا. ولظافر الحداد أشعار كثيرة فى الرياض والثمار والأزهار، ومن قوله فى النخل وبسره أو بلحه (٣): النّخل كالهيف الحسان تزيّنت ... فلبسن من أثمارهنّ قلائدا وكأنها فى خياله فاتنات تتزين حول جيدها بعقود البسر الزمردية والياقوتية، ويشبه طلعها الأخضر وهو لا يزال مغلقا على سنابل البلح البيضاء فى أول تكونها بسلاسل من فضة يضمها حق من خشب الصندل طيب الرائحة. أما حين يتفتح الطلع ويظهر بلحه الأخضر المتصل بسنابله الصفراء فمكاحل من زبرجد رءوسها مسّها الذهب. وأما الخوص الأخضر وتحته البلح الأحمر فزبرجد يثمر عقيقا» وكأنما الطبيعة جميعها من حول الشاعر جواهر نفيسة. ويتغنى ظافر ببركة الحبش فى مصر القديمة وكانت تشرف عليها قصور تميم، كما يتغنى بجزيرة الروضة التى يفترق النيل عندها أمام القاهرة وسرعان ما يجتمع، ويجعلها منه هى وأختا لها بجوارها بمنزلة السراويل، ويعجب ابن قلاقس بغروب الشمس وراء النيل فيقول (٤):

стр. 3468

انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ... واعجب لما بعدها من حمرة الشّفق غابت وأبدت شعاعا فيه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء فى الغرق وللهلال فهل وافى لينقذها ... فى إثرها زورق قد صيغ من ورق (١) وهى صورة خيالية بديعة، فقد غابت الشمس بل احترقت فى النيل وخلّفت فيه شعاعا، كما خلفت على صفحة الأفق حمرة الشفق، ويتسع به الخيال فيتصور الهلال زورقا من فضة جاء لإنقاذها من الغرق. ويموج بصدر البهاء زهير الحنين إلى مصر وهو مع الملك الصالح فى الديار الشرقية نواحى الفرات، فيتشوق إلى النيل ورحلاته النيلية فيه، وينشد (٢): حبذا النيل والمراكب فيه ... مصعدات بنا ومنحدرات وليالىّ بالجزيرة والج ... يزة فيما اشتهيت من لذّاتى بين روض حكى ظهور الطواوي ... س وجوّ حكى بطون البزاة (٣) حيث مجرى الخليج كالحيّة الرّق ... طاء بين الرياض والجنّات هات زدنى من الحديث عن النّي ... ل ودعنى من دجلة والفرات إنه يذكر ذكرى عطرة رحلاته النيلية وامواج النيل تصعد بقاربه وغيره من القوارب وتنحدر، وماتنى صاعدة منحدرة، كما يذكر ذكرى عطرة مجالس أنسه فى الجيزة وجزيرة الروضة والطبيعة متبرجة بأزهارها وورودها من حوله وهى مختلفة الألوان البهيجة كأنها ألوان الطواويس فى جو صاف صفاء بطون البزاة الطائرة، والنيل يجرى فى خلجانه وبين رياضه كأنه حيات تسعى، حيات لا تنفث السم بل تنفث الحياة فى الوديان والسهول الخضراء الجميلة، ويخفق قلب البهاء مرارا بهذا الحنين فى أشعاره. وتظلّ مصر أيام المماليك ويظلّ الشعراء يتغنون بالطبيعة المصرية ومفاتنها الرائعة من النيل وقواربه ونزهاته وأشجاره وأزهاره، ولابن مكانس المتوفى سنة ٧٩٤ وصف لشجرة سرو باسقة قصد موضعها مع بعض رفاقه، ووصف معها القارب المطلى بالقار الذى ركبوه، يقول (٤) مالت على النّهر إذ جاش الخرير به ... كأنها أذن مالت لإصغاء

стр. 3469

كأن صمغتها الحمرا بقشرتها ال ... دّكناء قرص على أعكان سمراء نسعى إليها على جرداء جارية ... من آلة كهلال الأفق حدباء سوداء تحكى على الماء المصندل شا ... مة على شفة كالشّهد لعساء والتصوير فى الأبيات بديع، فشجرة السرو المائلة على النيل كأنها أذن مالت لتصغى إلى خريره، ويتخيلها بلونها الأحمر الداكن وهى منحنية على أمواج النيل فى فيضانه كأنها قرص ملتصق بطيات بطن لسمراء عارية. ويقول ابن مكانس إنهم سعوا إليها فى سفينة حدباء كهلال الأفق سوداء، ويتخيلها على ماء النيل الداكن المعطّر عطر خشب الصندل شامة مطبوعة لا على خدّ، وإنما على شفة ضاربة إلى السواد تقطر شهدا وعسلا مصفى. وبجانب شعر الطبيعة المصرية ومفاتنها الجميلة نجد شعراء يتغنون بمجالس الأنس والشراب، وقد زار مصر-كما مر بنا-أبو نواس أكبر من تغنوا بالخمر وكئوسها وسقاتها وندمائها، ولكن يبدو أنه لم يخلف من مجونه أثرا أو آثارا واضحة، لأن الشعب المصرى بطبيعته معتدل ولا يجترئ على ما حرّمه الدين، وفى رأيى أن المصريين إنما كانوا يحاكون شعراء العصر العباسى فى المديح وغير المديح ودفعتهم هذه المحاكاة أو قل دفعت نفرا منهم نلتقى به منذ أيام الطولونيين إلى التغنى بالخمر، إما إدمانا عليها وإما محاكاة وتقليدا لأبى نواس وأضرابه. وكان أول ما ساعد على ظهور هذا النفر أن أحمد بن طولون مع تمسكه بالدين كان لا يتحرج من معاقرة الخمر ومثله ابنه خمارويه، ويقال إنه كان يشرب أربعين رطلا من النبيذ (١). فحاكاهما بعض الشعراء فى احتساء الخمر، وأخذوا يقصدون لها الأديرة، واشتهرت منذ هذا الحين أربعة أديرة ذكرها الشابشتى فى كتابه الديارات، وهى دير القصير على قمة الجبل الشرقى ويشرف على طرة والنيل، وكان خمارويه كثيرا ما يزوره، ودير مرحنّا بمصر القديمة على شاطئ بركة الحبش، ودير نهيا بالجيزة، ودير طمويه بجوار حلوان. ويلقانا فى أيام الإخشيديين غير شاعر يعكف على كئوس الخمر حتى الثمالة، يتقدمهم أحمد بن محمد بن طباطبا نقيب الأشراف العلويين بمصر، وفيها يقول: (٢) أأترك الشّرب والأمطار دائمة ... والطّلّ منها على الأشجار منثور والغصن يهتزّ كالنّشوان من طرب ... والورد فى العود مطوىّ ومنشور

стр. 3470

وإذا كان نقيب الأشراف يشربها حتى الثمالة فقد حاكاه غير شاعر من مثل سعيد المنبوز باسم قاضى البقر وصالح بن مؤنس ومحمد بن عاصم وابن أبى العصام، وكان الأخيران يلمان بالأديرة، وكان ثانيهما خاصة يتهتك فى شربها ويجترئ على الدين فى غير استحياء حتى ليقول فى وصف مجلس آثم من مجالسه (١): مجلس لا يرى الإله به غي ... ر مصلّ بلا وضوء وطهر سجّد للكئوس من دون تسبي ... ح سوى نعمة لعود وزمر فهو يعيش معيشة مزرية ماجنة أشد ما يكون المجون مستهترة أسوأ ما يكون الاستهتار. ونلتقى بتميم بن المعز، ومر بنا أن أباه حرمه من ولاية العهد لا نحرافه وسوء سلوكه وما سمعه عن مجونه، وله فى الخمر أشعار كثيرة، وقد يسوق الحديث فيها منفردة، وقد يجمع بينها وبين جمال الطبيعة أو بينها وبين بعض صواحبه، ومن قوله فيها وفى الورد (٢): وورد أعارته الغوانى خدودها ... وأهدى إليه المسك أنفاس مفتوقه كأن النّدى فيه مدامع عاشق ... أريقت غداة البين فى خدّ معشوقه أدرنا كئوس الرّاح فى جنباته ... على حسن مرآه ورقّة توريقه وواضح أنه يحسن التصوير، فالورد خدود الغوانى وهو عبق بشذا المسك، وكأن الندى فيه دموع عاشق تناثرت على خد معشوقه يوم الفراق، وهو يشرب على حسنه ورقة أوراقه. ومن طريف ماله فى المزج بين الخمر وصاحبته قوله (٣): ناولتها مثل خدّيها مشعشعة ... صرفا كأن سناها ضوء مقباس (٤) فقبلتها وقالت وهى ضاحكة ... وكيف تسقى خدود الناس للناس إذا تناولت خدّى كنت نائلة ... نفسى وهذا لعمرى غير منقاس والفكرة بديعة، فالخمر تشبه خديها بلونهما ووهجهما، وتناولت كأسها منه وقبلته مازحة قائلة له: كيف تسقى خدود الناس للناس؟ وكأنه قدّم لها خدودها لتشريها، بل كأنه قدم لها نفسها،
следующие страницы →