← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

احتفظ بها الكندى. وتبدو العناية بتدوين أشعار الشعراء منذ عهد الدولة الطولونية، ونجد المريمى القاسم بن يحيى شاعر خمارويه يخص النيل بقصيدة بديعة يصور فيها مراكبه بمثل قوله (١) ومطايا لا يغتدين ولا يس ... أمن كدّ البكور بعد الرّواح (٢) أصلها البرّ وهى ساكنة فى ال ... بحر سكنى إقامة لا براح وإذا أوقرت فذات وقار ... وإذا أخليت فذات مراح (٣) جاريات مع الرياح وطورا ... كاسرات بالجرى جدّ الرّياح ساريات لا يشتكين سرى اللّي ... ل ولا يرتقبن ضوء الصباح لا يخفن الغمار يقذفن فيها ... ويخفن المرور بالضّحضاح (٤) ويطنب فى تصوير المراكب، فهى فى الماء وهى خالية تماما من الماء، وهى ذات أجنحة بيضاء وإن لم يكن لها جناح حقيقى، وهى من البيض ويطلى شطرها الأسفل بالقار، فهى بيضاء سوداء من ذوات الألواح لا الأرواح، وتقرّ على الشاطئ فتسكن دون ذلة فى السكون، وتسير على صفحة النيل وتجدّ فى سيرها دون اعتزام جماح، وكأنها على الماء قصور متحركة، وتنساب فى النيل خفيفة خفة الأفاعى، وتتجمع أحيانا فتظنها كباشا سودا تقابلت للنطاح. ومع ضؤولة ملاّحها يحسن تدبير جريها مع الرياح مكافحا فى ذلك أشد الكفاح، وله مساعدون يكثرون من الصياح حتى كأن السفن تجرى خوفا من صياحهم. وهو تصوير بديع للسفن السابحة فى النيل من شاطئ إلى شاطئ ومن مكان إلى مكان. ويوجز تميم بن المعز القول فى وصف النيل وسفنه فيقول (٥): يوم لنا بالنيل مختصر ... ولكل يوم مسرّة قصر والسّفن تجرى كالخيول بنا ... صعدا وجيش الماء منحدر فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر (٦)

стр. 3467

والصورة الأخيرة للنيل بديعة، فكأن أمواجه عكن أو تثنّيات أمامية لأجساد عارية وكأنما فوّاراته أو داراته فى فيضانه السّرر أو النقر الصغيرة أو النكت فى بطون من كن يهدين إلى النيل من عرائسه. ولتميم أشعار كثيرة فى وصف الحدائق والأزهار والثمار. ومن أوصافه الطريفة قوله فى الناعورة (١): تئنّ وليست بمحزونة ... أنين المحبّ الكئيب الحزين فتنطق بالصوت لا من فم ... وتقذف بالدمع لا من جفون كأن لها ميّتا فى الثّرى ... فأدمعها همّع كلّ حين (٢) إذا زمرت أطربت نفسها ... فغنّت بمختلفات اللحون غناء يرقّص كيزانها ... ويظهر فيهن وثب المجون فتهوى فوارغ فى بئرها ... وتصعد منها ملاء العيون والناعورة تئن أنين المحب اليائس الحزين وتشكو لا بفم وتبكى لا من عين، وتلحّن مختلف اللحون وكيزانها ترقص هاوية فارغة وصاعدة ممتلئة، لا تلتقى أبدا. ولظافر الحداد أشعار كثيرة فى الرياض والثمار والأزهار، ومن قوله فى النخل وبسره أو بلحه (٣): النّخل كالهيف الحسان تزيّنت ... فلبسن من أثمارهنّ قلائدا وكأنها فى خياله فاتنات تتزين حول جيدها بعقود البسر الزمردية والياقوتية، ويشبه طلعها الأخضر وهو لا يزال مغلقا على سنابل البلح البيضاء فى أول تكونها بسلاسل من فضة يضمها حق من خشب الصندل طيب الرائحة. أما حين يتفتح الطلع ويظهر بلحه الأخضر المتصل بسنابله الصفراء فمكاحل من زبرجد رءوسها مسّها الذهب. وأما الخوص الأخضر وتحته البلح الأحمر فزبرجد يثمر عقيقا» وكأنما الطبيعة جميعها من حول الشاعر جواهر نفيسة. ويتغنى ظافر ببركة الحبش فى مصر القديمة وكانت تشرف عليها قصور تميم، كما يتغنى بجزيرة الروضة التى يفترق النيل عندها أمام القاهرة وسرعان ما يجتمع، ويجعلها منه هى وأختا لها بجوارها بمنزلة السراويل، ويعجب ابن قلاقس بغروب الشمس وراء النيل فيقول (٤):

стр. 3468

انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ... واعجب لما بعدها من حمرة الشّفق غابت وأبدت شعاعا فيه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء فى الغرق وللهلال فهل وافى لينقذها ... فى إثرها زورق قد صيغ من ورق (١) وهى صورة خيالية بديعة، فقد غابت الشمس بل احترقت فى النيل وخلّفت فيه شعاعا، كما خلفت على صفحة الأفق حمرة الشفق، ويتسع به الخيال فيتصور الهلال زورقا من فضة جاء لإنقاذها من الغرق. ويموج بصدر البهاء زهير الحنين إلى مصر وهو مع الملك الصالح فى الديار الشرقية نواحى الفرات، فيتشوق إلى النيل ورحلاته النيلية فيه، وينشد (٢): حبذا النيل والمراكب فيه ... مصعدات بنا ومنحدرات وليالىّ بالجزيرة والج ... يزة فيما اشتهيت من لذّاتى بين روض حكى ظهور الطواوي ... س وجوّ حكى بطون البزاة (٣) حيث مجرى الخليج كالحيّة الرّق ... طاء بين الرياض والجنّات هات زدنى من الحديث عن النّي ... ل ودعنى من دجلة والفرات إنه يذكر ذكرى عطرة رحلاته النيلية وامواج النيل تصعد بقاربه وغيره من القوارب وتنحدر، وماتنى صاعدة منحدرة، كما يذكر ذكرى عطرة مجالس أنسه فى الجيزة وجزيرة الروضة والطبيعة متبرجة بأزهارها وورودها من حوله وهى مختلفة الألوان البهيجة كأنها ألوان الطواويس فى جو صاف صفاء بطون البزاة الطائرة، والنيل يجرى فى خلجانه وبين رياضه كأنه حيات تسعى، حيات لا تنفث السم بل تنفث الحياة فى الوديان والسهول الخضراء الجميلة، ويخفق قلب البهاء مرارا بهذا الحنين فى أشعاره. وتظلّ مصر أيام المماليك ويظلّ الشعراء يتغنون بالطبيعة المصرية ومفاتنها الرائعة من النيل وقواربه ونزهاته وأشجاره وأزهاره، ولابن مكانس المتوفى سنة ٧٩٤ وصف لشجرة سرو باسقة قصد موضعها مع بعض رفاقه، ووصف معها القارب المطلى بالقار الذى ركبوه، يقول (٤) مالت على النّهر إذ جاش الخرير به ... كأنها أذن مالت لإصغاء

стр. 3469

كأن صمغتها الحمرا بقشرتها ال ... دّكناء قرص على أعكان سمراء نسعى إليها على جرداء جارية ... من آلة كهلال الأفق حدباء سوداء تحكى على الماء المصندل شا ... مة على شفة كالشّهد لعساء والتصوير فى الأبيات بديع، فشجرة السرو المائلة على النيل كأنها أذن مالت لتصغى إلى خريره، ويتخيلها بلونها الأحمر الداكن وهى منحنية على أمواج النيل فى فيضانه كأنها قرص ملتصق بطيات بطن لسمراء عارية. ويقول ابن مكانس إنهم سعوا إليها فى سفينة حدباء كهلال الأفق سوداء، ويتخيلها على ماء النيل الداكن المعطّر عطر خشب الصندل شامة مطبوعة لا على خدّ، وإنما على شفة ضاربة إلى السواد تقطر شهدا وعسلا مصفى. وبجانب شعر الطبيعة المصرية ومفاتنها الجميلة نجد شعراء يتغنون بمجالس الأنس والشراب، وقد زار مصر-كما مر بنا-أبو نواس أكبر من تغنوا بالخمر وكئوسها وسقاتها وندمائها، ولكن يبدو أنه لم يخلف من مجونه أثرا أو آثارا واضحة، لأن الشعب المصرى بطبيعته معتدل ولا يجترئ على ما حرّمه الدين، وفى رأيى أن المصريين إنما كانوا يحاكون شعراء العصر العباسى فى المديح وغير المديح ودفعتهم هذه المحاكاة أو قل دفعت نفرا منهم نلتقى به منذ أيام الطولونيين إلى التغنى بالخمر، إما إدمانا عليها وإما محاكاة وتقليدا لأبى نواس وأضرابه. وكان أول ما ساعد على ظهور هذا النفر أن أحمد بن طولون مع تمسكه بالدين كان لا يتحرج من معاقرة الخمر ومثله ابنه خمارويه، ويقال إنه كان يشرب أربعين رطلا من النبيذ (١). فحاكاهما بعض الشعراء فى احتساء الخمر، وأخذوا يقصدون لها الأديرة، واشتهرت منذ هذا الحين أربعة أديرة ذكرها الشابشتى فى كتابه الديارات، وهى دير القصير على قمة الجبل الشرقى ويشرف على طرة والنيل، وكان خمارويه كثيرا ما يزوره، ودير مرحنّا بمصر القديمة على شاطئ بركة الحبش، ودير نهيا بالجيزة، ودير طمويه بجوار حلوان. ويلقانا فى أيام الإخشيديين غير شاعر يعكف على كئوس الخمر حتى الثمالة، يتقدمهم أحمد بن محمد بن طباطبا نقيب الأشراف العلويين بمصر، وفيها يقول: (٢) أأترك الشّرب والأمطار دائمة ... والطّلّ منها على الأشجار منثور والغصن يهتزّ كالنّشوان من طرب ... والورد فى العود مطوىّ ومنشور

стр. 3470

وإذا كان نقيب الأشراف يشربها حتى الثمالة فقد حاكاه غير شاعر من مثل سعيد المنبوز باسم قاضى البقر وصالح بن مؤنس ومحمد بن عاصم وابن أبى العصام، وكان الأخيران يلمان بالأديرة، وكان ثانيهما خاصة يتهتك فى شربها ويجترئ على الدين فى غير استحياء حتى ليقول فى وصف مجلس آثم من مجالسه (١): مجلس لا يرى الإله به غي ... ر مصلّ بلا وضوء وطهر سجّد للكئوس من دون تسبي ... ح سوى نعمة لعود وزمر فهو يعيش معيشة مزرية ماجنة أشد ما يكون المجون مستهترة أسوأ ما يكون الاستهتار. ونلتقى بتميم بن المعز، ومر بنا أن أباه حرمه من ولاية العهد لا نحرافه وسوء سلوكه وما سمعه عن مجونه، وله فى الخمر أشعار كثيرة، وقد يسوق الحديث فيها منفردة، وقد يجمع بينها وبين جمال الطبيعة أو بينها وبين بعض صواحبه، ومن قوله فيها وفى الورد (٢): وورد أعارته الغوانى خدودها ... وأهدى إليه المسك أنفاس مفتوقه كأن النّدى فيه مدامع عاشق ... أريقت غداة البين فى خدّ معشوقه أدرنا كئوس الرّاح فى جنباته ... على حسن مرآه ورقّة توريقه وواضح أنه يحسن التصوير، فالورد خدود الغوانى وهو عبق بشذا المسك، وكأن الندى فيه دموع عاشق تناثرت على خد معشوقه يوم الفراق، وهو يشرب على حسنه ورقة أوراقه. ومن طريف ماله فى المزج بين الخمر وصاحبته قوله (٣): ناولتها مثل خدّيها مشعشعة ... صرفا كأن سناها ضوء مقباس (٤) فقبلتها وقالت وهى ضاحكة ... وكيف تسقى خدود الناس للناس إذا تناولت خدّى كنت نائلة ... نفسى وهذا لعمرى غير منقاس والفكرة بديعة، فالخمر تشبه خديها بلونهما ووهجهما، وتناولت كأسها منه وقبلته مازحة قائلة له: كيف تسقى خدود الناس للناس؟ وكأنه قدّم لها خدودها لتشريها، بل كأنه قدم لها نفسها،

стр. 3471

وهل من أحد يشرب نفسه، وإنه لقياس غريب، بل لا ينقاس. وقبس منه الفكرة ابن هانئ الصغير المتوفى لأواخر العهد الفاطمى، إذ يقول فى خمرية له (١): ومهفهف أبدى الشباب بخدّه ... صدغا فرقرق ورده فى آسه (٢) تتلهّب الصّهباء فى وجناته ... فتسير من عينيه فى جلاّسه حتى إذا ملأ الزجاجة خدّه ... نورا وفاح الخمر من أنفاسه خال الزجاجة أفعمت بمدامة ... فدنا ليشرب نوره من كاسه وهو يقول إن صدغ الشعر أو خصلته تمتزج بخده كما يمتزج الآس الأبيض بالورد، ويتسع به الخيال فيقول إن الخمر تتلهب فى خده فتلهب السحر فى عينيه فيسير منهما إلى جلاسه، حتى إذا ملأ خده الكأس نورا ظنها ملئت خمرا، واستحال ظنه يقينا ودنا من الكأس يريد أن يحتسيها. ولابن سناء الملك خمريات مرحة فى لغة سهلة سلسة من مثل قوله (٣): أين كئوسى وأين أكوابى ... فهى وحقّ المجون أولى بى يبدو عليها الحباب إن مزجت ... مثل عيون بغير أهداب تأتى ويأتى السرور يتبعها ... كأنه واقف على الباب أسجد شكرا لها إذا طلعت ... كأن كأسى لدىّ محرابى وهو يصور فى خمرياته مرحا وابتهاجا، ومرّ بنا أنه كان يعيش فى بلهنية ونعيم، وقلما كان يعترضه فى حباته شوك يؤذيه، فهى ورد عطر، وهى ترف، وكل وسائل الترف مهيأة له، لذلك لا نعجب إذا رأيناه مرحا فى خمرياته. وكانت حياة ابن النبيه هنيئة لينة ناعمة مثله، مما جعل خمرياته تطفح بالمرح والابتهاج والشعور بأن كل ما فى الكون والطبيعة رائق شائق، ومن طريف خمرياته قوله (٤): باكر صبوحك أهنا العيش باكره ... فقد ترنّم فوق الأيك طائره (٥) واللّيل تجرى الدرارى فى مجرّته ... كالّروض تطفو على نهر أزاهره (٦)

стр. 3472

فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب ... تنوب عن ثغر من تهوى جواهره حمراء فى وجنة الساقى لها شبه ... فهل جناها مع العنقود عاصره ساق تكوّن من صبح ومن غسق ... فابيضّ خدّاه واسودّت غدائره (١) تعلّمت بانة الوادى شمائله ... وزوّرت سحر عينيه جاذره (٢) فلو رأت مقلتا هاروت آيته ال ... كبرى لآمن بعد الكفر ساحره والفرحة تسرى فى الخمرية، وتلف كل شئ فيها، فالطير يتغنى فرحا على الغصون، والسماء منوّرة بكواكبها الساطعة، وحباب الكأس كأنه ثغر الحبيبة، والخمر حمراء كخدها وكأنما الجانى اقتطف خمرته مع عنقودها وما أجمل بياض خديها المشرقين وسواد ضفائرها البهيجة، وكأنما قبست بانة الوادى رشاقتها، وزوّرت جآذره سحر عينيها الخلابتين، ولو رآه هاروت لآمن بربه وكفّ عن سحره. ويكثر من الخمريات شعراء اللهو والخمر فى أوائل عصر المماليك مثل الجزار والوراق وابن دانيال وسنتحدث عنهم بين شعراء الفكاهة. ولعل مما يشهد بأن كثيرين ممن كانوا ينظمون الخمريات إنما كانوا ينظمونها محاكاة وتقليدا ولم يكونوا يتعاطون الخمر ولا تورطوا فى إثمها أن نجد فقيها كبيرا من فقهاء زمن المماليك هو صدر الدين محمد بن عمر المشهور باسم ابن المرحّل وابن الوكيل المتوفى سنة ٧١٦ ينظم فيها خمرية تداولها الرواة فى عصره وبعد عصره استهلها على هذا النمط (٣). ليذهبوا فى ملامى أية ذهبوا ... فى الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب لا تأسفنّ على مال تمزّقه ... أيدى سقاة الطّلا والخّرد العرب (٤) فما كسوا راحتى من راحها حللا ... إلا وعرّوا فؤادى الهمّ واستلبوا وقد مضى يحبّب فيها ويغرى بها على عادة المجان، مما جعل بعض الناس يتهمه بمعاقرتها، وقدّم للقضاء وثبتت براءته من وزرها الآثم، وعاد إلى دروسه وعاد إليه طلابه. وللشيخ برهان الدين القيراطى الذى مرت ترجمته بين شعراء الغزل خمريات بدوره، وكان فقيها ومحدثا، وكأنه

стр. 3473

ينطق بلسان شاعر ما جن كبير، إذ يقول (١): كم ليلة نادمت بدر سمائها ... والشمس تشرق فى أكفّ سقاتها والبدر يستر بالغيوم وينجلى ... كتنفّس الحسناء فى مرآتها خالفت فى الصّهباء كلّ مقلّد ... وسعيت مجتهدا إلى حاناتها أمحرّك الأوتار إن نفوسنا ... سكناتها وقف على حركاتها ومليحة أرغمت فيها عاذلى ... قامت إلى وصلى برغم وشاتها يا خجلة الأغصان من خطراتها ... وفضيحة الغزلان من لفتاتها والقيراطى إنما يستخدم مهارته الفنية التى صوّرناها فى غير هذا الموضع، ليدل على براعته فى محاكاة المجان لزمنه، بل لعل أحدا من معاصريه لا يستطيع اللحاق به فى مثل هذه الأبيات، وهو يجمع فيها بين جمال الطبيعة فى الليالى القمرية وبين الصبهباء أو الخمر وصاحبته أو الغزل، وهى طويلة، وقد نوّه بها الأسلاف طويلا لروعتها الموسيقية والتصويرية. وأخذ يزاحم الخمر فى عصر المماليك تعاطى الحشيش، وحين أمر الظاهر بيبرس سنة ٦٦٦ هـ. بإغلاق حانات الخمور وحطم دنانها أمر بحرق الحشيش، وأشار إلى ذلك ابن دانيال فى بعض شعره ويقول حين أبطلت المنكرات فى أيام السلطان لاجين سنة ٦٩٦ وفى مقدمتها الخمر والحشيشة (٢): احذر نديمى أن تذوق المسكرا ... أو أن تحاول قطّ أمرا منكرا ذى دولة المنصور لاجين الذى ... قهر الملوك وكان سلطان الورى إياك تأكل أخضرا فى عصره ... ياذا الفقير يصير جسمك أحمرا والأخضر: الحشيش. ويشير إلى العقاب الشديد الذى سينزل بمتعاطيه، ونهى ابن دانيال بالمثل عن تعاطى الخمر. وسرعان ما يذهب عصر لاجين كما ذهب عصر الظاهر بيبرس، ويعود نفر من الناس إلى الحشيشة والخمر، وممن تعلق بها ابن الصائغ، وله فيها عدة (٣) مقطوعات من مثل قوله:

стр. 3474

قم عاطنى خضراء كافوريّة ... قامت مقام سلافة الصّهياء يغدو الفقير إذا تناول درهما ... منها له تيه على الأمراء ووصفها بأنها كافورية لأنه كان يزرع منها كثير ببستان كافور فى القاهرة، ويلقانا كثيرون يفضلون عليها الخمر لمجالسها وكئوسها ودنانها وقيانها. وتظل الحشيشة والخمر على ألسنة الشعراء فى الحقبة العثمانية، ومما نقرأ لهم قول أبى المواهب (١) البكرى المتوفى سنة ١٠٣٧ للهجرة: وقهوة تنضح مسكا ولا ... بدع ففى الفنجان شكل الغزال (٢) تديرها هيفاء ممشوقة ... خود تثّنت فى برود الدّلال (٣) بغرّة أو طرّة وزّعت ... أفكارنا بين الهدى والضّلال تقول للشمس وقد أقبلت ... تلثّمى ما أنت إلا خيال وربما كان من أسباب شيوع الخمريات على ألسنة بعض الشيوخ أيام المماليك والعثمانيين أنها كانت قد شاعت على ألسنة الصوفية من أمثال ابن الفارض وابن عربى متخذين من نشوئها رمزا لنشوة الحب الإلهى، فلم يجد كثيرون حرجا فى نظمها ومحاولة التفنن فيه. ونقف عند نفر من شعراء الطبيعة ومجالس اللهو، وكلهم من الشعراء أيام الفاطميين، أما من جاءوا بعدهم فقد مزجوا بين المجون والفكاهة الشعبية وسنخصهم ببعض الحديث. ابن (٤) وكيع التنيّسى يسوق ابن خلكان لابن وكيع نسبا طويلا، فيقول هو الحسن بن على بن أحمد بن محمد بن خلف الضبى، ووكيع لقب جده محمد بن خلف، ويذكر أنه كان من أهل القرآن والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم، وله مصنفات كثيرة، ويقول إنه كان نائبا فى الحكم بالأهواز فى إيران لعبدان الجواليقى وإنه توفى سنة ٣٠٦ ببغداد، ويذكر عن الشاعر أنه بغدادى ومولده

стр. 3475

بتنّيس، وهى مدينة كانت بقرب بور سعيد الحالية، وتمتد فى بحيرة المنزلة، واشتهر أهلها (١) بصناعة النسيج والتفوق فى صنع الثياب الشفافة والملونة، ويذكر المؤرخون والجغرافيون أنها كانت تكتظ بالجنان والكروم والفواكه والأشجار والأزهار والطيور من كل لون، وأكثر أغذية أهلها السمك، وهم مياسير أصحاب ثراء، وأكثرهم حاكة، وهم يحبون النظافة والدماثة والغناء واللذة وأكثرهم يبيتون سكارى. ويبالغ الأسلاف فى وصف ما كان بهذه المدينة أو الجزيرة التى اندثرت من مشاهد طبيعية ومن جنات ورياض. وفيها ولد ابن وكيع كما يقول ابن خلكان ولا نعرف تاريخ مولده، أما وفاته فمعروف تاريخها وهو سنة ٣٩٣ وكذلك مكانها وهو مسقط رأسه تنّيس. ولا نعرف الأسباب التى دفعت أباه إلى اتخاذ تنيس دار مقام له ولأسرته، وقد نشأ فيها الشاعر وتثقف. ويبدو أنه طلب المزيد من الثقافة والتعرف على أدباء القاهرة فرحل إليها، وكانت شاعريته تفتحت فلفت إليه الأنظار، ولا ندرى متى كان ذلك تماما، غير أن من المؤكد وجوده فى القاهرة حين نزلها المتنبى سنة ٣٤٦ ويبدو أن صلة انعقدت بينه وبين ابن حنزابة وزير كافور، وكانت العلاقات قد ساءت بينه وبين المتنبى، حينئذ رأينا ابن وكيع يؤلف كتابا فى سرقات المتنبى سماه المنصف إرضاء للوزير، ويقول ابن رشيق فى العمدة: «سماه كتاب المنصف، مثل ما سمّى اللديغ سليما، وما أبعده عن الإنصاف». ولم يكن المتنبى من ذوق ابن وكيع، وبون بعيد بين ذوقيهما، فالمتنبى شاعر جاد منتهى الجد، لا يعرف اللهو ولا الخمر ولا المجون، وابن وكيع شاعر ماجن منتهى المجون، فاندفع يريد أن يسقط المتنبى من عليائه وأنّى له ذلك؟ ! ويبدو أنه كان ثريا، فأعانه ثراؤه على انغماسه فى المجون، ويدل على هذا الثراء أننا لا نجد رواة شعره يذكرون له قصائد فى ابن حنزابة ولا فى الخلفاء الفاطميين وقد عاصر منهم المعز والعزيز والحاكم، فحسبه دائما كأس وطاس، حتى ليؤثرهما على تولى منصب الخلافة الرفيع يقول: وإن أتوك فقالوا كن خليفتنا ... فقل لهم إننى عن ذاك مشغول وارض الخمول فلا يحظى بلذّته ... إلا امرؤ خامل فى الناس مجهول واسفك دم القهوة الصّهباء تحى به ... روحى فإن دم الصّهباء مطلول (٢) فهو يؤثر حياة الخمول والمجون على حياة العزة حتى لو كانت الخلافة، ويبدو أنه تمثل كل

стр. 3476

ما فى ديوان أبى نواس من مجون حتى الجانب السيئ عنده جانب الغلمان، إذ نراه يداعب غلاما نصرانيا فى مربعة مزدوجة طويلة أشرنا إليها فى الفصل الماضى، شكا له فيها من حبه وعذابه فيه، ومضى يتوعده تظرفا إن لجّ فى هجره أن يشكوه إلى القساوسة والرهبان والأسقف والمطران والبطرك، ويقول له كيف تحل قتل الروح وهو ما لم يأت به المسيح ولا أخبر به يوحنا ومتى ولوقا ومرقص. وكل ذلك على سبيل الدعابة، ونظن ظنا أنه لم يكن متورطا فى هذا الإثم، وكل ما فى الأمر أنه هو ومن نظموا فيه بعده على مر السنين. إنما كانوا يحاكون فيه مجان بغداد تظرفا ودعابة على نحو ما يتضح فى مربعة ابن وكيع المزدوجة. وربما كان من أسباب ذلك كثرة النصارى فى تنيس كما يقول المقريزى وكثرة حاناتهم فيها ومن بها من السقاة والغلمان. ومن المؤكد أنه كان لا يطيل مكثه فى القاهرة فهو دائم الرجوع إلى بلدته ناعما بثرائه فيها وبمشاهدها الطبيعية. وله بجانب هذه المزدوجة المربعة مزدوجة ثانية فى وصف فصول السنة يبدؤها بوصف فصل الصيف وحره وغباره وما يجلب لشارب الخمر من الصداع، ويتلوه بفصل الخريف وأهويته واختلاف برده وحرّه، ويتبعه بفصل الشتاء وما فيه من برد وأمطار وزكام وحاجة مدمنى الخمر فيه إلى الدفء وإيقاد النار ثم يفيض فى بيان محاسن الربيع المنتشرة فى كل عناصر الطبيعة من شمس وقمر وطيور ورياض وأزهار وثمار، مما ينعم به شارب الخمر ويجد فيه هناءه. ونقتطف الأبيات التالية من خمرية له جمع فيها بين وصف الخمر ووصف الطبيعة فى الربيع وصف مشغوف بها مفتون، يقول: أبدى لنا فصل الرّبيع منظرا ... بمثله تفتن ألباب البشر فالأرض فى زىّ عروس فوقها ... من أدمع القطر نثار من درر (١) أما ترى الورد كخدّى كاعب ... راودها، فامتنعت منه بشر كأنما الخمر عليه نفضت ... صباغها أو هى منه تعتصر (٢) أخجله النّرجس إذ جادله ... فاحمرّ من فرط حياء وخفر وانظر إلى الأطيار فى أرجائه ... إذا دعا الثاكل فيها وصفر (٣) كأنها-تصفر فى رياضها- ... سرب قيان فوق بسط من حبر (٤)

стр. 3477

والنّسك فى عصر الصّبا كأنه ... من قبحه خلع عذار فى الكبر (١) فاشرب عقارا لو أصابت حجرا ... لطار من خفّته ذاك الحجر كأنما الأوطار فيها جمّعت ... فليس فى العيش لجافيها وطر (٢) وإنما أطلنا فى اقتطاف هذه الأبيات لندل على براعة ابن وكيع فى تصوير الطبيعة تصوير الصب المفتون بها، فهى عروس جميلة موشاة بألوان زاهية، ورأتها السماء فعشقتها وأخذت تبكى بأجفان المطر، وما أروع الورد، إنه كوجنتى فتاة راودها ولهان بها، فانثنت حياء وتضرجت وجنتاها خفرا. ويعجب ابن وكيع أشد العجب هل الخمر نفضت لونها القانى على الورد أو هى معصورة منه ومستخرجة، أو لعل النرجس جاد له فاحمرّ لقوة حجته خجلا. وفى أرجاء هذا الروض البديع يغنى الطير غناء شجيا مؤثرا، وكأنه أسراب قيان تغنى فوق بسط من سندس وحرير. ويدعو إلى اللهو واللذة فى زمن الصبا والشباب، ويزعم أن النسك وهجران المتاع فى بواكير الحياة ذميم مثل خلع العذار والمجون فى الكبر. وكأنه نظم هذه الخمرية فى شبابه. ويزعم ما زعمه أبو نواس قبله من أن الخمر لو مست حجرا لمسّه السرور، وأنها مجمع الأوطار والمنى. ودائما يقول إنه عاكف على شرب الخمر وسط مباهج الطبيعة، غير مرعو ولا مزدجر على شاكلة قوله: جانبت بعدك عفّتى ووقارى ... وخلعت فى طرق المجون عذارى خوّفتنى بالنار جهدك دائبا ... ولججت فى الإرهاب والإنذار خوفى كخوفك غير أنى واثق ... بجميل عفو الواحد القهار انظر إلى زهر الربيع وما جلت ... فيه عليك طرائف الأنوار ناحت لنا الأطيار فيه فأرهجت ... عرس السرور ومأتم الأطيار (٣) فاشرب معتّقة كأن نسيمها ... مسك تضوّعه يد العطّار (٤) مع مسمع حلفت له أوتاره ... أن لا تنافر رنّة المزمار فطن يحرّك كلّ عضو ساكن ... تحريكه لسواكن الأوتار وهو يعلن لصاحبه أنه انغمس فى المجون غير مصغ لتخويفه له من عذاب النار، إذ يأمل فى

стр. 3478

عفو الله وغفرانه، وهو يكرر هذه النغمة كثيرا فى خمرياته؛ ويقول له: انظر إلى ما حولك من جمال الطبيعة الساحر وما فيها من بدائع النور والزهر وما ينتشر فيها من نواح الطير الذى يستثير حزنه كما يستثير فيه السرور والفرح. ويدعوه إلى شرب الخمر ذكية الرائحة وسط مباهج الطبيعة على ألحان مغن حاذق يجيد العزف حتى ليحرك فى السامع كل عضو ساكن منه تحريكه لسواكن أوتاره. وفى كتاب اليتيمة قطعة كبيرة من شعر ابن وكيع. وكان له ديوان رآه ابن خلكان سقط من يد الزمن، ولو وصلنا لعرفنا بوضوح مدى تأثيره فى الشعراء المصريين بعده وفيما نظموه من شعر الخمر والطبيعة، ومع ذلك ففى رأينا أن هذه القطعة كافية فى بيان أثره فيمن خلفوه. وهذه هى أول مرة نلتقى فيها بشاعر فى إقليم عربى يعيش للخمر والطبيعة ولا يعنى أى عناية بالمديح. الشريف (١) العقيلىّ هو على بن الحسين بن حيدرة ينتهى نسبه إلى عقيل بن أبى طالب، وتاريخ مولده غير معروف وكذلك تاريخ وفاته، غير أن الثعالبى ترجم له فى اليتيمة باسم أبى الحسن العقيلى وأردف الاسم بكلمة ﵀ والثعالبى ترجم لشعراء أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس، وقد يفهم من قوله ﵀، أن العقيلى لا بد أن يكون قد توفى قبل وفاته ومعروف أن الثعالبى توفّى سنة ٤٢٩، ويقول ابن سعيد فى المغرب: «سألت عن العقيلى جماعة من أهل مصر فلم أر فيهم من يتحقق أمره، وقال لى أحد الشرفاء المعنيين بأنساب الشرف: كان فى المائة الرابعة». وقد يشهد لذلك أننا نجد فى ديوانه أبياتا ينوه فيها بالحسين بن جوهر وزير الحاكم، وكان من بين من قتلهم سنة ٤٠١. ويبدو أن كلمة «﵀» فى اليتيمة وضعها الثعالبى-إن كان هو الذى وضعها- خطأ أو سهوا فقد جاء فى خطط المقريزى ما يشير إلى أن العقيلى امتدت حياته حتى سنة ٤٤٨ إذ ذكر أنه أنشد المستنصر الفاطمى صبيحة يوم عرفة فى هذه السنة: قم فانحر الراح يوم النّحر بالماء ... ولا تضحّ ضحّى إلا بصهباء (٢) أدرك حجيج النّدامى قبل نفرهم ... إلى منى قصفهم مع كلّ هيفاء

стр. 3479

فخرج المستنصر فى ساعته بروايا الخمر تزجى بنغمات حداة الملاهى وتساق، حتى أناخ بعين شمس (بجوار القاهرة) فى كبكبة من الفسّاق فأقام بها سوق الفسوق على ساق، يقول: «وفى ذلك العام أخذه الله وأخذ أهل مصر بالسنين (١)» وكأن ذلك كان فى أول عام من أعوام المجاعة المشهورة لعهد المستنصر التى بدأت سنة ٤٤٢ وظلت سبع سنوات، حتى هلك الحرث والنسل. والخبر يدل على أن الشريف العقيلى عاش على الأقل حتى هذه السنة، ويستدرك صاحب المغرب على من ذكر له أنه كان فى المائة الرابعة قائلا: «وقفت فى الخريدة (للعماد الأصبهانى» على ترجمته فدلّ على أنه متأخر العصر عن المائة الرابعة». ولعل فى ذلك كله ما يشهد بأنه عاش مطالع شبابه فى القرن الرابع، وامتدت به الحياة فعاش دهرا فى القرن الخامس. وهو من أهل الفسطاط، وكان ثريا ثراء مفرطا حتى قال ابن سعيد: كان له بها متنزهات، وهو فى ذلك مثل تميم بن المعز، فهما جميعا من سكانها وأصحاب البساتين والقصور بها، غير أن تميما شغل فى ديوانه بمديح أبيه وأخيه العزيز، أما العقيلى فكما يقول ابن سعيد «لم يكن يشتغل بخدمة سلطان ولا مدح أحد» ويشهد بذلك ديوانه فليس فيه مديح لخليفة من الخلفاء الفاطميين، فيه فقط بعض إخوانيات قليلة، وكذلك بعض فخر وهجاء، ولا نبالغ إذا قلنا إنه استغرقه شعر الطبيعة والخمر والحب وكأنه امتداد لابن وكيع التنيسى. . ينظم أشعاره لنفسه ويتغنى لها بالطبيعة ومفاتنها مازجا بينها وبين الخمر فى نشوة وفرح ومسرة. ونشعر كأنما ينتفض أمامها انتفاضا يعم كيانه كله، وهو يشاهد جداولها ومياهها ورياضها وأشجارها وأزهارها وبركها، حتى لتتحول أمامه معبدا ما يزال يقدم إليه تراتيله مصحوبة ببخور الخمر وشذاها، وكأن حياته وعبادته إنما تأتلف من الطبيعة والخمر وكثوسهما المترعة، وهو يدعو دائما إلى احتساء هذه الكئوس، وكأنه يعب من الطبيعة ما يعب من فتنها، ثم يعب من الخمر ما يعب من دنانها، مع القدرة البارعة على التصوير والتحول بالمناظر الواسعة فى الطبيعة إلى مناظر مركزة، كالكّوة تتجمع فيها الأشعة فتتحول إلى ما يشبه قوس قزح رائع بديع، يقول داعيا إلى المتاع بجمال الطبيعة وشرب الخمر العتيقة: الغيم ممدود السّرادق ... والزّهر مفروش النّمارق (٢) والقاش قد نقشت لنا ... منه المجالس والمرافق

стр. 3480

أشجاره وثماره ... مثل الترائب والمخانق (١) قد غنّت الأطيار فى ... طرقاته كلّ الطرائق فاعتق فؤادك فيه من ... رقّ الهموم بشرب عاتق (٢) فالأقحوان غصونه ... بيض النّواصى والمفارق ومراود الأمطار قد ... كحلت بها حدق الحدائق والطبيعة من حوله قد تجمعت فى حفل بسرادق بهيج وسائده من الزهر الملون، وكذلك مجالسه ومتكآته كأنما قد قطّعت وفصّلت من القاش أو من نسيج حريرى متعدد الأصباغ، بينما تطلّ عليه من الأشجار والثمار الترائب والقلائد. والطير تشدو وتغنى، منظر فاتن ومغنى ساحر، جدير بالشراب المزيل للهموم، والأقحوان يتمايل على أغصانه وكل ما فى الحدائق آخذ زينته وزخرفه، حتى العيون لم تنس كحلها، عيون الأزهار البديعة، فقد ناولتها الأمطار مراود تتمم بها زينتها وحسنها الفاتن. ومن قوله فى مطلع الربيع. قد بيّضت قبّة السماء ... وزوّقت قاعة الفضاء فالسماء بسحبها البيضاء الممتدة على الأفق من كل جانب كأنها قبّة بيّضت، والربيع بأزهاره وأنواره كأنه قاعة متألقة نقشت ونمّقت بمنمنمات الربيع وزخارفه البديعة. وعلى نحو ما تتجسد الطبيعة فى مناظر يتمثل فيها التجميع والحشد والتركيز يكثر عنده التشخيص وبث الحياة فى عناصر الطبيعة من مثل قوله: قد حبا طفل الصباح ... بين دايات الرياح وقوله: السّحب ترضع من بنات الأرض ما ... جعل الربيع لها الغصون مهودا وقوله: أمهات الثمار بين الرّوابى ... تائهات بلبس خضر الثياب وبنات الكروم تجلى بما قد ... صاغه الماء من عقود الحباب

стр. 3481

فطفل الصباح يحبو بين دايات الرياح والسحب ترضع أزهار الأرض على مهود الغصون، وأمهات الثمار من الأشجار يملؤها التيه والدلال بثيابها الخضراء، والماء يجلو الخمور من بنات الكروم بما يصوغ لها من عقود الحباب. وعلى هذا النحو ما نزال نحس عند الشريف العقيلى باندماجه فى الطبيعة وتملّى عينيه وقلبه بمشاهدها الساحرة، فهو مسحور بها سحرا لا حدود له، سحرا كان يحس إزاءه بنشوة كنشوة الخمر، وكان لا ينسى النشوتين جميعا حتى فى غزله كقوله: قامت قيامة روحها لرواحى ... إن النّوى لقيامة الأرواح وبكت فصار الدمع فى وجناتها ... مثل الحباب على كئوس الراح وكأنّ صفحة وجهها لما بكت ... روض يرصّع ورده بأقاحى وقرار هذه الأبيات الروض وما يرصعه من أنوار وأزهار وهو القرار العام لشعره، فهو شاعر الرياض ومباهجها، وهى أنشودته أو أناشيده التى ظل يتغنّى طوال حياته بها وبما كانت تلقى فى وهمه وخياله من رؤى وأحلام وأشباح لا تكاد تحصى، مما جعل الاستعارة المكنية القائمة على التشخيص تكثر فى أشعاره كثرة مفرطة، مع التفوق فيها والبراعة، ولاحظ ذلك الصفدى من قديم فقال: «ما رأيت أحدا من شعراء المتقدمين أجاد الاستعارة مثله ولا أكثر من استعاراته اللائقة الصحيحة التخيل». ابن (١) قادوس هو أبو الفتح محمود بن إسماعيل الدمياطى المشتهر باسم ابن قادوس ، من شعراء النصف الأول من القرن السادس الهجرى، ذكره أبو الصلت الشاعر الأندلسى نزيل مصر فى رسالته التى ألفها عن الشعراء المصريين حوالى سنة ٥١٠ مما يدل على أن نجمه أخذ يلمع ويتألق فى المحافل الأدبية بالقاهرة منذ هذا التاريخ. وله مدائح مختلفة فى الأفضل بن بدر الجمالى المقتول. كما مر بنا سنة ٥١٥. ويبدو أن نجمه ظل يصعد فى الأدب حتى عمل فى الدواوين الفاطمية، ومازال يترقّى بها حتى أسندت إليه-مع الموفق بن الخلال-رياسة ديوان الإنشاء، واستمر يتقلدها حتى

стр. 3482

نزل به القضاء سنة ٥٥١ للهجرة. ورياسته لهذا الديوان تجعلنا مهيّئين لأن يكون شعره-مثل النثر المضرى الكتابى فى تلك الحقبة-مرصعا بالبديع، كقوله فى الأفضل: مليك تذلّ الحادثات لعزّه ... يعيد ويبدى والليالى رواغم وكم كربة يوم النزال تكشّفت ... بحملاته وهى الغواشى الغواشم (١) تشيد بناء الحمد والمجد بيضه ... وهن لآساس الهوادى هوادم (٢) وواضح أن فى البيت الأول طباقا بين «يعيد ويبدى» وأن فى البيتين الثانى والثالث جناسا ناقصا بين «الغواشى والغواشم» وكذلك بين «الهوادى وهوادم». وكان بارعا فى صنع ما يسمى فى البديع بحسن التعليل، إذ كان يعرف كيف ينفذ إلى تعليلات طريفة إن هو رضى عن شئ، فإنه يلتمس له ما يحسّنه كقوله الذى أنشكدناه بفواتح الفصل فى جارية سوداء: يلومنى فى ظبية ... مخلوقة من كحل والحجر الأسود لم ... يخلق لغير القبل فهو يرد عن السواد فى الجارية قبحه، إذ يجعلها مخلوقة من كحل العيون الذى تتزين به النساء، وقد مضى يقول-كما مر بنا-إن السواد هو الذى يمنح العين السوداء بصرها ونورها، وما يبلغ حجر كريم ما يبلغ الحجر الأسود من القدسية، حتى لينهال عليه الحجّاج بالقبل. وفى أشعاره توريات يصنعها تظرفا. وكل شئ يؤكد أنه كان شاعرا بارعا، غير أن ديوانه سقط من يد الزمن، وهو فى شعره يتغنى بالخمر وينفذ فى وصفه لها إلى تصاوير بديعة، ويبدو أنه كثيرا ما كان يشربها مع صحبه فى الأديرة، يقول: قم قبل تأذين النواقيس ... واجل علينا بنت قسّيس عروس دنّ لم يدع عتقها ... إلا شعاعا غير ملموس تجلى علينا باسما ثغرها ... فلا تقابلها بتعبيس مذهبة اللّون إذا صفّقت ... مذهبة للهمّ والبوس

стр. 3483

نار إلى النار دعا شربها ... وشرّدت بالعقل والكيس فى روضة كانت أزاهيرها ... كأنها ريش الطواويس وهو يحتسيها مع رفاقه فى بستان دير، وهو يعبّ منها متمليا بجمال الطبيعة، وهى تجلى عليهم عروسا رشيقة معتقة، كأنما لم يبق منها عتقها إلا شعاعا يفرّج الهموم حين يمسّ الحلوق، وإنها لذات ثغر باسم بما يطفو عليها من حباب، وابن قادوس يشربها وهو غير ناس أنها محرمة وأنه يتناولها من يد إبليس، وكأنه آمل فى عفو ربه. وعلى نحو ما كان يمزج بين الخمر والطبيعة، محتسبا كئوس النشوة منهما جميعها، كذلك كان يمزج بينها وبين الغزل فى مثل قوله: وليلة كاغتماض الطّرف قصّرها ... وصل الحبيب ولم تقصر عن الأمل بتنا نجاذب أهداب الظلام بها ... كفّ الملام وذكر الصّدّ والملل وكلما رام نطقا فى معاتبتى ... سددت فاه بطيب اللثم والقبل وبات بدر تمام الحسن معتنقى ... والشمس فى فلك الكاسات لم تفل (١) فبتّ منها أرى النار التى سجدت ... لها المجوس من الإبريق تسجد لى راح إذا سفك النّدمان من دمها ... ظلّت تقهقه فى الكاسات من جذل (٢) فقل لمن لام فيها إننى كلف ... مغرى بها مثل ما أغريت بالعذل (٣) والخمرية بديعه يصوّر فيها ابن قادوس ليلة من أروع ليالى وصاله، يعاتب فيها صاحبته مصرحا بما اقتطفا فيها من أزهار الوجد والوله والصبابة، بينما شمس الخمر تتفلّت أشعتها من أفلاكها فى الكئوس مشرقة غير غاربة، ويشعر كأنها نفس النار التى طالما سجد لها المجوس تسجد له حين تصب من إبريقها فى كأسه، ويعجب أن يسفك دمها الشارب فتسيل من الدن إلى كأسه غير محزونة، بل مستبشرة، بل ضاحكة مقهقهة لشدة فرحها وسرورها. ويقول لعاذله فى شربها كفى عذلا، فإننى مولع بها ولوعك باللوم والعذل. وحسبنا هذه الخمرية وسابقتها لندل على تفوق ابن قادوس فى تصوير الشغف بالخمر إما حقيقة وإما محاكاة لشعراء بغداد من أمثال أبى نواس ومعاصريه.

стр. 3484

عبد (١) الباقى الإسحاقى المتوفى من شعراء القرن الحادى عشر الهجرى أيام العثمانيين، ولد بمنوف وبها نشأ، وتلقى العلم على شيوخها، ثم نزل القاهرة وأكبّ على حلقات علمائها ينهل منها، حتى أصبح من علمائها، وعنى بالتاريخ، وكان شاعرا بارعا، ويصفه المحبى بأنه تجاوز فى الرقة الحد وأنه يمتاز بحلاوة معانيه وعذوبة مبانيه، ومازال ينظم الشعر حتى توفى بمسقط رأسه سنة ألف ونيف وستين، وقد أنشد له طائفة من أشعاره، استلهلّها بخمرية ممزوجة بالغزل على هذا النمط. تمشّت لنا تخجل الكوكبا ... فناديتها مرحبا مزحبا أدارت بحضرتنا قهوة ... وطافت بكأس الطّلا مذهبا (٢) رنت ورمتنى بألحاظها ... وقد أذكرتنى عهد الصّبا وغنّت لنا فطربنا لها ... ويا حسن ذاك الذى أطربا وهو يتغزل بساقية مغنية أسرت لبّه، وقد دارت عليه بكئوس الخمر، وهو ينتشى بها وبجمال المغنية كما يقول، مصّرحا بذلك مجاهرا فى غير مداراة. وفى قصيدة ثانية يذكر مجلسا للهو والغناء نعم به بين مشاهد الطبيعة فى عفاف لا يدانيه عفاف. ومن قوله فى خمرية راقصة: رقص المجلس أنسا ... فاجعل الجرّة كأسا واسقنى بالزّقّ والطّا ... س فإنى طبت نفسا وأقم للهو واللّ ... ذّات فى حانى عرسا كيف لا وهى ترينى ... فى دجا الظلماء شمسا وتقيم الميت حيّا ... بعد ما جاور رمسا وهو لغرامه بالخمر وشغفه بها يريد أن يحتسبها جرارا وزقا وطاسا لا كأسا فحسب، وتصوّر نفسه كأنما يعيش فى حان يخالها فيه شمسا، ترد إلى الموتى الحياة، تعبيرا بذلك عن شدة تعلقه بها، ويقول:

стр. 3485

امل لى الكاس تماما ... واسقنى جاما فجاما (١) اسقنى بالكوب والكا ... س فرادى وتواما (٢) ثم بالجرّة فالج ... رّة حتى أترامى اسقنى حينئذ بال ... زّقّ حتى لا كلاما ثم أزهى موضع فى ال ... رّوض فاختره مقاما وهو صبّ بالخمر يريد أن يحتسيها حتى الثمالة، بل يريد أن يشربها أرطالا جاما فجاما وكئوسا وأكوابا وجرّات متوالية حتى يفقد الكلام ويغيب عن حسه، وهو يشربها فى أزهى موضع بالروض قد عبقت فيه الأزهار بأريجها العطر. وكأنما يعيد الإسحاق فى أيام العثمانيين ذكرى أبى نواس وأمثاله من الماجنين العباسيين. ٤ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية مرّ بنا أن مصر عرفت الزهد والنسك الدينى من قديم، ويكفى أنها هى التى أنشأت فى المسيحية نظام الرهبنة الذى شاع منها وانتشر فى العالم المسيحى. وقد أقبلت على الإسلام بمجرد اعتناقها له ونزول العرب المسلمين فيها تنهل منه، ورأيناها تسهم منذ زمن الولاة فى نشر مذهبى مالك والشافعى، كما أسهمت فى القراءات عن طريق مقرئها المشهور: ورش. وأكبت على الحديث النبوى وتفسير الذكر الحكيم وأخذت تدرسهما كما تدرس القراءات والفقه، وتكونت لها طبقات من علماء الدين ومن الوعاظ والقصاص، وكان كل من شدا منهم شعرا نظم فى الزهد والوعظ أبياتا كان يتداولها الناس على نحو ما كانوا يتداولون أشعار الإمام الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤ وظلوا يتداولون بعده أشعار منصور بن إسماعيل الفقيه الشافعى المتوفى سنة ٣٠٦ من مثل قوله (٣): كن بما أوتيته مغتبطا ... تستدم عمر القنوع المكتفى إن فى نيل المنى وشك الرّدى ... وقياس القصد عند السّرف كسراج دهنه قوّته ... فإذا غرّقته فيه طفى

стр. 3486

وهو يدعو إلى القناعة والاكتفاء بالقليل وعدم التطلع إلى منّى عريضة يكون فيها حتف صاحبها، ويقول لا بد من القصد والاعتدال لتظل للإنسان منّته وقوته، أما إذا أفرط وتجاوز الاعتدال والقصد فإنه لا شك صائر إلى الهلاك. وإذا تركنا الفقهاء إلى الشعراء وجدناهم يرددون بعض أشعار زاهدة وبعض مواعظ، واتخذوا-كما أسلفنا-من زوال الدولة الطولونية عبرة كبرى للدهر ونكباته، وأخذت العظة وما يتصل بها من شعر الزهد تتكاثر على ألسنة الشعراء، ولتميم بن المعز قصيدة فى القرافة ومقابرها وما تبعث فى النفس من خشية الله، وفيها يتجه إلى ربه قائلا أو مناجيا (١): رجوتك يا ربّ لا أننى ... أطعتك طوع أولى الانتهاء ولكننى مؤمن موقن ... بأنك ربّ الورى والسّماء وأنك أهل لحسن الظنون ... وأنك أهل لحسن الرجاء فهو يرجو الله ويعبده لا خشية عقابه ولا خوف ناره، ولكنه يعبده لأنه أهل لعبادته، فهو رب الكون، رب الأرض والسماء، وهو يرجوه للرجاء لا لشئ وراءه من مآرب الحياة أو مآرب الآخرة. فشئ من ذلك لا يعلق بنفسه، وإنما يعلق بها اليقين والإيمان بأنه الرب الأعلى الخليق بكل عبادة وكل رجاء. ومن يتصفح ديوان الشريف العقيلى شاعر الطبيعة والخمر يجده يختم كل قافية من قوافيه المرتبة على الحروف الهجائية بأبيات واعظة، كأنما يكفر بها عما نظمه من مجون فى نفس القافية، كقوله فى قافية الباء (٢) أيها التائه الذى ... ضلّ عما يراد به إنّ للعرض وقفة ... أمرها غير مشتبه فانتبه قبل أن ترى ... مذنبا غير منتبه ووعظيات الشريف ليس فيها روح، لسبب طبيعى وهو أنه لم يكن شاعر وعظ وزهد، وإنما كان شاعر خمر وطبيعة، ومع ذلك فأغلب الظن أنه هو الذى أوحى لشعراء الموشحات الأندلسية فى الحقب المتأخرة بفكرة الموشحات المكفرة لموشحاتهم الماجنة.

стр. 3487

ونلتقى بظافر الحداد بعد تميم، وهو يذكّر دائما بالموت كقوله (١): كن من الدّنيا على وجل ... وتوقّع سرعة الأجل تخدع الإنسان لذّتها ... فهى مثل السّمّ فى العسل أنت فى دنياك فى عمل ... والليالى فيك فى عمل فالسعيد فى رأى ظافر من وضع الموت نصب عينيه، ولم يغتر بمتاع الحياة ولذتها فهى كالسم فى العسل، لا تزال تسرى فى الجسم، ولا تزال الأيام والليالى تعمل عملها فيه، حتى يفنى فجأة وعلى غير أهبة أو انتظار. ولا بن النّضر يدعو دعوة حارة إلى الزهد والقناعة (٢): جهاد النّفس مفترض فخذها ... بآداب القناعة والزّهاده فإن جنحت لذلك واستجابت ... وخالفت الهوى فهو الإراده وإن جمحت بها الشهوات فاكبح ... شكيمتها بمقمعة العباده عساك تحلّها درج المعالى ... وترفعها إلى رتب السعاده وهو يحض على جهاد النفس وترويضها على الزهد فى طيبات الحياة، فإن خالفت هواها وأصغت لك فهى الأمنية المبتغاة، وإن استعبدتها الشهوات فاكبح جماحها بالنسك والعبادة، فهى خير مؤدب ومروّض مذلل لها حتى ترقى إلى درج المعالى وتصعد إلى رتب السعادة. ومن تبتلاته إلى ربه (٣): يا مستجيب دعاء المستجير به ... ويا مفرّج ليل الكربة الدّاجى قد أرتجت دوننا الأبواب وامتنعت ... وجلّ بابك عن منع وإرتاج نخاف عدلك أن يجرى القضاء به ... ونرتجيك فكن للخائف الراجى وهو تبتل وتضرع رقيق إلى الذات العلية، إذ يدعو الله المفرج لظلمات الكربة، الكاشف لليلها الداجى، أن يفتح له الأبواب بعد أن أغلق دونه كل باب، وإنه ليتعلق بالأمل فى رحمته

стр. 3488

رحمة تمنع العدل أن يجرى القضاء به متوسلا بخوفه ورجائه فى رحمة الله الواسعة، ولابن سناء الملك (١): أقول دارى وجيرانى مغالطة ... والقبر دارى والأموات جيرانى فى وحشة القبر والدود المقيم به ... شغل لنفسى عن دارى وبستانى سأوسع القبر بالأعمال أصلحها ... جهدى وألبس زهدى قبل أكفانى فليست داره هى الدار الحقيقية له وليس جيرانه هم جيرانه الحقيقيون، فداره الحقيقية القبر وجيرانه الأموات حول قبره، وإنها لدار مفزعة، دار وحشة وديدان تنتظره، دار ضيقة وسيحاول أن يمد أطنابها بالأعمال الصالحة، وسيسرع إلى ثياب الزهد فى الحياة الدنيا يلبسها قبل أن يلبس أكفانه وينزل رمسه وحفرته المظلمة. ويكثر ابن مطروح من مناجياته لربه كقوله (٢): يا من علا فى ملكه فاقترب ... ومن بدا فى نوره فاحتجب ومن هو القصد لأهل النّهى ... والمطلب الأسنى وكلّ الأرب عوّدتنى الأنس فلا تنسنى ... وهبنى الرّحمة فيما تهب وهو يتضرع إلى ربه الذى علا فى ملكوته وهو أقرب إليه من حبل الوريد، والذى يملأ الدنيا نورا وضياء من حوله، وهو محتجب لا يراه أحد، والذى هو المقصد والمطلب الأسى وكل الأرب والأمل، والذى عوده الأنس به، أن لا ينساه وأن يهبه من خزائنه العلية ورحمته الواسعة. ويظل شعر الزهد والتبتل إلى الله مزدهرا زمن المماليك، من ذلك قول عبد الملك الأرمنتى القوصى المتوفى سنة ٧٢٢ متعلقا بعفو ربه (٣): قالت لى النّفس وقد شاهدت ... حالى لا تصلح أو تستقيم بأىّ وجه تلتقى ربّنا ... والحاكم العدل هناك الغريم فقلت حسبى حسن ظنى به ... ينيلنى منه النعيم المقيم

стр. 3489

قالت وقد جاهرت حتى لقد ... حقّ له يصليك نار الجحيم قلت معاذ الله أن يبتلى ... بناره وهو بحالى عليم والمراجعة بين عبد الملك ونفسه طريفة، فهى تلومه على حاله المعوجة وسلوكه غير الصالح وتقول بأى وجه تلقى غريمك وهو ربك، فيرد عليها بأنه حسن الظن بإلهه وعفوه، وأنه سيدخله جنات النعيم، فتسأله متعجبة أتجهر بذلك ولا تخفيه، لقد حقت عليك النار. فيقول معاذ الله أن يصليه ربه الجحيم وهو العالم بحاله وصحة نيته فى إيمانه. ويقول الحافظ المحدث شمس الدين أبو المعالى ابن القماح المتوفى سنة ٧٤١ للهجرة (١): اصبر على حلو القضاء ومرّه ... واعلم بأن الله بالغ أمره واثبت فكم أمر أمضّك عسره ... ليلا فبشّرك الصباح بيسره واضرع إلى الله الكريم ولا تسل ... بشرا فليس سواه كاشف ضرّه وهو يدعو إلى الرضا بكل ما يأتى به القضاء من حلو ومر، فتلك إرادة الله ولا راد لأمره، وينصح بالثبات حتى تنكشف ظلمة الغمة وتسفر عن بشرى مضيئة ضوء الصباح وأن يلجأ الإنسان إلى ربه ويضرع إليه، فهو وحده كاشف الغم ومفرّج المحن. ونلتقى بتبتلات وأدعية كثيرة عند الشيوخ، من ذلك قول قاضى القضاة ابن التنسى المالكى المتوفى سنة ٨٥٢ للهجرة (٢): إله الخلق قد عظمت ذنوبى ... فسامح ما لعفوك من مشارك أغث يا سيدى عبدا فقيرا ... أناخ ببابك العالى ودارك فهو يتضرع لربه أن يعفو عن ذنوبه، ويستغيث به، فهو عبد فقير من عباده، ألقى عصاه ببابه، آملا فى قبول تضرعه، ويورّى تورية واضحة فى قوله: «دارك» فمعناه القريب الدار الحقيقية بدلالة كلمة الباب قبلها، والمعنى البعيد المقصود أن يدركه قبل أن ييأس من عفوه ورحمته. ويلقانا زهد كثير فى الحقبة العثمانية من مثل قول محمد بن أحمد الحتادى فى الدعوة إلى القناعة

стр. 3490

وأن لا يفكر الإنسان فى رزق الغد (١): تأنّ ولا تجزع لأمر تحاوله ... فخير اختيار المرء ما الله فاعله تفيّأ بظلّ الله من روض قوله ... ألست بكاف تلحقنك فواضله (٢) وعزّ تهن دنياك واغن بتركها ... ولا تحفلن بالرزق فالله كافله فهو يدعو إلى الصبر فى طلب الرزق وأن لا ييأس الإنسان، بل يدع شأنه لربه فإنه ضامن رزقه ولن ينساه، وحرى بالإنسان أن يستظل بمثل قوله: (أليس الله بكاف عبده) مؤمنا بأنه يتكفل بعباده ولا يترك ظامئا إلا سقاه ولا عاريا إلا كساه، وما العز الحقيقى إلا رفض الدنيا وما الغنى الحقيقى إلا تركها وعدم التعلق بها وأن لا يشغل الإنسان نفسه برزق الغد، فالله كافله وضامنه. وقد تحدثنا فى الفصل الأول عن نشأة التصوف بمصر وأنه أخذ طريقه فيها إلى الظهور منذ سنة ٢٠٠ للهجرة ولم يلبث ذو النون المصرى المتوفى سنة ٢٤٥ للهجرة أن رفع صرحه سامقا، إذ يعد المؤسس الحقيقى للتصوف الإسلامى وترتيب أحواله ومقاماته، وقد ذكرنا أطرافا من آرائه الصوفية وبعض تلاميذه من أعلام الصوفية بعده فى الشام والعراق وإيران، وكأن مصر التى يرجع إليها الفضل فى قيام نظام الرهبنة فى المسيحية يرجع الفضل إليها أيضا فى قيام التصوف فى أركان العالم الإسلامى، أو قل بعبارة أدق يرجع الفضل فى قيامه إلى أحد أبنائها وهو ذو النون المصرى، ومرّ بنا تصوير ذلك من بعض الوجوه وكيف أنه كان أول من وضع تعريفا للوجد الصوفى وأول من ذكر كأس المحبة الربانية التى هى جوهر التصوف وقوامه، ومن ضيائها استمد فى قوله مخاطبا ربه (٣): لك من قلبى المكان المصون ... كلّ لوم علىّ فيك يهون لك عزم بأن أكون قتيلا ... فيك والصبر عنك ما لا يكون وكأنه أول قتيل بل أول شهيد فى الحب الإلهى، فقد سبح فى بحاره وغرق بين أمواجه، غرق فى مياه عميقة، مادّا بصره إلى القاع وأعمق الأعماق، يريد أن يرتوى وأن يحظى بأمانيه من الوصال، محتملا فى ذلك جهودا مضنية، وفى ذلك يقول (٤):

стр. 3491

أموت وما ماتت إليك صبابتى ... ولا قضيت من صدق حبّك أوطارى تحمّل قلبى فيك مالا أبثّه ... وإن طال سقمى فيك أو طال إضرارى فصباباته بالحب الإلهى لا تنقضى، إنه لا يزال يريد أن يكون حبه لربه لا يدانيه حب، ولا يزال يجد فيه نصبا وشقاء، ولذته التى لا تحد إنما هى فى هذا الشقاء والنصب الذى لا يشبهه نصب. وتناول كأس هذه المحبة منه كثيرون فى العالم الإسلامى. ويدور الزمن بمصر دورات وندخل فى هذا العصر: عصر الدول والإمارات، وسرعان ما تنشأ بمصر الدولة الفاطمية الإسماعيلية، وكانت تعارض التصوف حتى لا يطفى على عقيدتها التى صورناها فى غير هذا الموضع وبصرف المصريين عنها، ومن هنا تراجعت موجته فى عهدها، ومع ذلك فينبغى أن لا نظن أنه تلاشى، فقد ظل حبله ممدودا بعد ذى النون. ومرّ بنا من متصوفتها بعده أبو بكر الدقاق الكبير المتوفى سنة ٢٩٠ وبنان الحمّال المتوفى سنة ٣١٦ وأبو على الروذبارى المتوفى سنة ٣٢٢ ويعد السيوطى بعض أسماء لمتصوفة ظهروا فى عهد الدولة الفاطمية (١) مثل ابن الترجمان المتوفى سنة ٤٤٨ ويقول عنه: كان شيخ الصوفية بديار مصر. ونلتقى بأخرة من أيام الفاطميين بصوفى كبير هو ابن الكيزانى وسنترجم له عما قليل. ومرّ بنا أنه أخذ يتضح فى التصوف منذ قيام الدولة الأيوبية اتجاهان، اتجاه فردى فلسفى واتجاه جماعى سنى، ومثّل الاتجاه الأول ابن الفارض وسنخصه بترجمة، ومن تلاميذه ابن الخيمى محمد بن عبد المنعم المتوفى سنة ٦٨٥ ولم يتجه بتصوفه اتجاه ابن الفارض الفلسفى، بل وقف به عند الوجد والحديث عن الشوق وأكثر من ذكر معاهد الحب على طريقة العذريين، واشتهر بأنه تنازع مع محمد بن إسرائيل صوفى الشام فى قصيدة صوفية واحتكما إلى ابن الفارض، فشهد لابن الخيمى أنها من نظمه، وفى فوات الوفيات قطعة من شعره، ومن قوله فى الذات الإلهية (٢): وحجّب عنا حسنه نور حسنه ... فمن ذلك الحسن الضلالة والهدى فيا نار قلبى حبّذا أنت مصطلى ... ويا دمع عينى حبّذا أنت موردا وشعره الصوفى يهبط عن شعر ابن الفارض كثيرا. وكان يعاصره كتاكت المصرى الواعظ

стр. 3492

المقرئ المتوفى سنة ٦٨٤ ونحس عنده قبسا من ابن الفارض فى مثل قوله (١): حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا ... والكلّ مذ سمعوا خطابك طابوا فكأنهم فى جنّة وعليهم ... من خمر حبّك طافت الأكواب أنت الذى ناولتنى كأس الهوى ... فإذا سكرت فما علىّ عتاب ويقول ابن تغرى بردى إنها قصيدة مشهورة عند الفقراء يريد الصوفية، وواضح أنه يصور فى هذه الأبيات الغيبة التى طالما صورها ابن الفارض والتى تعنى عنده السكر وفقدان الوعى، فقد غاب عن وعيه حين أحس بمشاهدته للجمال الربانى وكأنما طافت أكواب الخمر الإلهية، وتناول منها كوبا، جعله يغيب عن الوجود شاعرا بوجد لا يشبهه وجد، وجد بالجمال الإلهى المطلق الذى يسرى فى كل كائن جميل مستمدا منه حسنه وجماله، يقول (٢). من أنت محبوبه ماذا يغيّره ... ومن صفوت له ماذا يكدّره هيهات عنك ملاح الكون تشغلنى ... والكلّ أعراض حسن أنت جوهره وكأن الله يشاهد فى كل جميل بالكون، أو قل كأن كل جميل يستمد منه جماله، أو يشاهد فيه جماله، وفكرة الشهود سنعرض لها عند ابن الفارض عرضا أكثر سعة. وبدون ريب أثر ابن الفارض فى صوفية مصر وغير مصر بعده آثارا تضيق وتتسع حسب مواجد الصوفى. ويلقانا صوفى من أتباع ابن عربى، مر بنا ذكره فى الفصل الأول، وهو عبد العزيز بن عبد الغنى الحسنى المتوفى سنة ٧٠٣ وفى شعره ما يدل على تلمذته لابن عربى إذ يقول (٣): وجدت بقائى عند فقد وجودى ... فلم يبق حدّ جامع لحدودى وألقيت سرّى عن ضميرى ملوّحا ... برمز إشاراتى وفكّ قيودى فأصبحت منى دانيا بمعارفى ... وقد كنت عنّى نائيا بجمودى ويقول ابن حجر معلقا على الأبيات: «وهذا نفس الاتحادية لا شك فيه». يريد أن الأبيات تصدر عن فكرة الاتحاد بالذات العلية التى كان يؤمن بها ابن عربى، وكان له ديوان

стр. 3493

كبير، ويذكر له قصيدة نونية طويلة اسماها اليعسوب وهى ملكة النحل. ومن المؤكد أن النزعة الفلسفية فى التصوف بمصر كادت تنحسر بعده إلا قليلا، إذ مضت مصر تؤثر التصوف السنى وما أشاعه من الطرق الصوفية الكثيرة، وقد أفضنا فى بيان ذلك بالفصل الأول، وكان من أهم الطرق التى تأسست بها الطريقة الشاذلية، ومن أهم أصحابها ابن عطاء الله السكندرىّ الصوفى الواعظ تلميذ مؤسسيها أبى الحسن الشاذلى وأبى العباس المرسى، ومن شعره قصيدة يقول فيها (١): ويا صاح إن الركب قد سار مسرعا ... ونحن قعود ما الذى أنت صانع أترضى بأن تبقى المخلّف بعدهم ... صريع الأمانى والغرام ينازع وهذا لسان الكون ينطق جهرة ... بأنّ جميع الكائنات قواطع فهو يهتف بصاحبه أن يتبع ركب المحبوب ولا يتخلف، حتى لا يفقد أمانيه ويضيع منه حبه، بل إن الكون كله ليهتف به أن يرحل وراءه ويهاجر له، فجيمع الكائنات ما تزال مهاجرة تتبعه. وكثير من شعر هؤلاء الصوفية كانوا ينظمونه ليردده المنشدون فى الذكر بين صفوف الذاكرين الله كثيرا ليملئوهم حماسة وإمعانا فى ذكر الله وتسبيحه، من مثل قول عبد الغفار بن أحمد بن نوح القوصى الصوفى المتوفى سنة ٧٠٨ للهجرة: أنا أفتى أنّ ترك الحبّ ذنب ... آثم فى مذهبى من لم يحب ذق على أمرى مرارات الهوى ... فهو عذب وعذاب الحبّ عذب كل قلب ليس فيه ساكن ... صبوة عذريّة ماذاك قلب ويكثر هؤلاء الشعراء من الصوفية فى أيام المماليك، ومن أشهرهم برهان الدين بن زقّاعه، المتوفى سنة ٨٥٩ عن سن عالية، وكان يتبرك به السلطان برقوق وابنه السلطان فرج، وله فى الحب الصوفى ومواجده أشعار كثيرة من مثل قوله (٢): رأى عقلى ولبّى فيه حارا ... فأضرم فى صميم القلب نارا ألا يالائمى دعنى فإنى ... رأيت الموت حجّا واعتمارا وأهل الحب قد سكروا ولكن ... صحا كلّ وفرقتنا سكارى

стр. 3494

وهى نار كانت لا تزال مشتعلة فى قلوب الصوفية، نار حبهم للذات العلية، نار لا تنطفئ أبدا فى أثناء حبهم بل جهادهم الشاق العنيف فى هذا الحب، الذى كانوا لا يزالون يرحلون إليه رحلتهم الصوفية المجهدة حجّا وعمرة، وما يزالون راحلين هائمين مفضين إلى سكر لا يدانيه سكر، متجردين عن كل رغبة فى النفس، حتى لكأنما تتعطل إرادتهم ويموت كل شئ إلا رغبتهم الجامحة فى الوجد الربانى. ويلقانا شعراء صوفية كثيرون فى كل طريقة من طرق الصوفية بل إن كثيرين من أصحاب هذه الطرق التى كان يرثها الأبناء عن الآباء كانوا شعراء ويجرى الشعر على ألسنتهم على نحو ما نقرأ عند السادة الوفائية الشاذلية، والسادة البكرية فى أيام الماليك وأيام العثمانيين من مثل قول على بن وفا: تغيبت عن عينى فغيبك شاهدى ... ووجهك مشهودى وما عنك عائق فإن غبت فالأشباح منى مغارب ... وإن لحت فالأرواح منّى مشارق ويتلو الشهاب الخفاجى البيتين بطائفة من أشعار أبنائه ويقول لهم أنفس قدسية أفيضت عليها العلوم اللدنية (١). ونشأ للصوفية وطرقهم من قديم مريدون كثيرون كانوا لا يزالون ينوّهون بأصحاب طرقهم وأساتذتهم، وقد يبالغون فى ذلك، فيطلبون منهم الهداية إلى طريق التقوى والصلاح (٢). وكان المديح النبوى يقترن بشعر التصوف من قديم، ومنذ حسان بن ثابت وكعب بن زهير والشعراء يمدحون الرسول ﷺ . وأخذت هذه المدائح تتكاثر منذ القرن الرابع الهجرى، تكاثرت على ألسنة أهل السنة مجسدين فى الرسول المثل الكامل للمسلم فى نسكه وجهاده فى سبيل نشر دعوته ورسالته النبوية، وكذلك على ألسنة الشيعة ذاهبين إلى أن نوره المحمدى يتجسّد فى أئمتهم من بعده. وبالمثل على ألسنة المتصوفة وقد أخذوا منذ الحلاج يشيعون فكرة الحقيقة المحمدية وأن الرسول مبدأ الوجود الروحى للحياة الإنسانية، بل مبدأ النور فى الكون، منه يستمد ضياءه. وقد مضى كل هؤلاء المادحين ينوهون بصحابة الرسول وبمعجزاته المادية ومعجزته الكبرى القرآنية، مع التوسل إليه بطلب الشفاعة يوم العرض وأن يكون دائما معينا لهم ونورا هاديا. ومازال الشعراء المصريون-مثلهم مثل شعراء العالم الإسلامى يتغنون بمديح الرسول ﷺ ، حتى إذا نشبت

стр. 3495

الحروب الصليبية، وكانت حربا دينية، أخذ حملة الصليب يهاجمون رسول الإسلام برسائل منكرة، واندلعت الحروب بين المسلمين وبينهم فكان طبيعيا أن يزدهر المديح النبوى للرد على أعداء الإسلام من جهة، ومن جهة ثانية لرفع سيرته العطرة وجهاده فى نشر رسالته شعارا يتخذ منه الذائدون عن حمى الإسلام القدوة الحسنة دالعا فيهم الحماسة لدق أعناق الصليبيين وسحقهم سحقا ذريعا. وكاد لا يخلو ديوان شاعر مصرى حينئذ من مدحة أو مدائح نبوية، وخاصة منذ ظهور البوصيرى أنبه مادح مصرى للرسول، بل أنبه مادح عربى له على الإطلاق، وسنخصه بكلمة، ولكثيرين من معاصريه مدائح نبوية طنانة، ونكتفى بأن نشير من بينهم إلى شيخ الإسلام تقى الدين محمد بن على المشهور باسم ابن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ وله أكثر من مدحة نبوية، ومن قوله فى مديحه ﷺ (١): لم يبق لى أمل سواك فإن يفت ... ودّعت أيام الحياة وداعا لا أستلذّ لغير وجهك منظرا ... وسوى حديثك لا أريد سماعا وكان العزازى معاصره المار ذكره بين الوشاحين يكثر من المديح النبوى، ومن قوله فى بعض مديحه للرسول الكريم (٢): أفى النبيّين برهانا ومعجزة ... وخير من جاءه بالوحى جبريل سلّ الإله به سيفا لملّته ... وذلك السيف-حتى الحشر-مسلول ويل لمن جحدوا برهانه وثنى ... عنان رشدهم غىّ وتضليل ولابن سيد الناس صاحب السيرة النبوية المتوفى سنة ٧٣٤ للهجرة ديوان خصّه بمديح الرسول ﵇ سماه «بشرى اللبيب بذكر الحبيب» مخطوط بدار الكتب المصرية. ولابن نياته وبرهان الدين القيراطى مدائح نبوية مختلفة، ويظل الشعراء يمدحون الرسول الكريم مدائح كثيرة ويطرد ذلك فى الحقبة العثمانية عند الشهاب الخفاجى وغيره (٣)، كما يطرد التوسل به وطلب الشفاعة، على نحو ما نجد عند عبد الله الإدكاوى من مثل قوله متوسلا (٤):

стр. 3496

يا ربّ بالهادى الشفيع محمد ... من قد بدا هذا الوجود لأجله كن لى معينا فى معادى واكفنى ... همّ المعاش وما أرى من ثقله واستر بفضلك زلّتى واغفر بعد ... لك سيئتى واشف الحشا من غلّه وهو يضرع إلى الله متوسلا إليه بالرسول الشفيع يوم القيامة لأهل دينه أن يكون عونا له فى معاده ومعاشه، وأن يغفر له ذنوبه ويستر عيوبه، وحرى بنا أن نتوسع قليلا فى الحديث عن بعض شعراء التصوف والمديح النبوى: ابن (١) الكيزانى هو محمد بن إبراهيم الكنانى المقرئ الواعظ الشافعى، مصرى الدار، من شعراء الحب الإلهى وما يتصل به من الأحوال والمقامات، اشتهر باسم ابن الكيزانى ، من شعراء مصر فى النصف الأول من القرن السادس الهجرى، إذ توفى سنة ٥٦٢ للهجرة، وقد رأى ابن سعيد صاحب كتاب المغرب الذى زار مصر فى العقد الخامس من القرن السابع الهجرى ديوانه يباع بكثرة فى سوق الفسطاط وسوق القاهرة، غير أنه لم يصلنا إذ سقط من يد الزمن، وقد دوّن منه العماد الأصبهانى فى كتابه «الخريدة» طائفة كبيرة من شعره، تصور إلى حد بعيد مواجده الصوفية، ونراه يقدم لها بأنه «فقيه واعظ مذكر حسن العبارة مليح الإشارة لكلامه رقة وطلاوة، ولنظمه عذوبة وحلاوة. . وله ديوان شعر يتهافت الناس على تحصيله وتعظيمه وتبجيله، لما أودع فيه من المعنى الدقيق، واللفظ الرشيق، والوزن الموافق، والوعظ اللائق، والتذكير الرائع الرائق. ودفن عند قبر الشافعى» ويقول عنه: عالم بالأصول والفروع، عالم بالمعقول والمشروع ومشهور بالتحقيق فى علم الأصول، وكان ذا رواية ودراية بعلم الحديث ومعرفة بالقديم مكون الحديث إلا أنه ابتدع مقالة ضلّ بها اعتقاده، وزلّ فى مزالقها سداده، إذ ادعى أن أفعال العباد قديمة والطائفة الكيزانية بمصر على هذه البدعة إلى اليوم مقيمة «وهم أشباه الكرامية بخراسان» فهو عالم

стр. 3497

بالسنة والفقه والشريعة وبالفلسفة وعلوم الأوائل، غير أنه صاحب مقالة خاصة تشبة مقالة الكرامية فى خراسان. ويقول المقدسى الذى زار مصر فى أواخر القرن الرابع الهجرى إنه كان لهم محلة بالفسطاط، ومن الممكن أن تكون هذه المحلة ظلت حتى عصر ابن الكيزانى، وهو بذلك كان كراميا صوفيا، أو صوفيا على مذهب الكرامية القائلين بالتشبيه على الذات العلية للعباد، وهو تشبيه كان يقترن بالتنزيه، وتبدو الفكرة معقدة ولكن من الممكن تصورها، فأنت إذ تشاهد كائنا جميلا ترى فيه خالقك، مع تنزيهه عن أن يكون هو نفس الكائن الجميل. وليست هذه الفكرة كل ما يميز الكرامية، فقد كانوا يعتقدون-كما اعتقد الكيزانية-فكرة القدم فى أفعال العباد لا فى أفعال الله وحدها، وقد أنكر العماد ذلك على ابن الكيزانى. وهو والكرامية معه إنما يريدون قدمها فى العلم الإلهى، ومادام العلم الإلهى قديما فهى قديمة مثله. ومر بنا آنفا أن العماد قال إنه كانت تتبعه بمصر لعهده فى النصف الثانى من القرن السادس الهجرى فرقة كانت تعتنق نحلته، ويقول القفطى المتوفى سنة ٦٤٦: «لابن الكيزانى بمصر وسواحل الشام فرق تنتمى إليه فى المعتقد وأكثرهم بحوف مصر» ويقول ابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١: «بمصر طائفة ينسبون إلى ابن الكيزانى ويعتقدون مقالته». وفى ذلك ما يدل على أن منزعه الصوفى ظل معروفا بمصر وظل له أتباع طوال القرن السابع الهجرى على الأقل. ويبدو أنه كان هناك من يعارضه فى حياته وبعد مماته، فقد ذكروا أن الفقيه نجم الدين الخبوشانى نبش قبره فى عهد صلاح الدين وأخرج منه عظامه، وقال: «لا تتفق مجاورة زنديق إلى صدّيق» ويقصد بالصديق الشافعى. وقد نقله إلى سفح المقطم، يقول ابن خلكان: «وقبره مشهور هناك يزار، وزرته مرارا، ﵀» ويقول ابن تغرى بردى: «لا يلتفت لقول الخبوشانى فيه لأنهما أهل عصر واحد، وتهور الخبوشانى معروف». وتجمع كتب التراجم على أنه كان ورعا زاهدا، بل متصوفا متقشفا، وقد أنشد له العماد أكثر من ثلاثمائة بيت فى الحب الالهى، تسيل عذوبة ورشاقة وخفة من مثل قوله: تلذّ لى فى هوى ليلى معاتبتى ... لأنّ فى ذكرها بردا على كبدى وأشتهى سقمى أن لا يفارقنى ... لأنها أودعته باطن الجسد وليس فى النوم لى ما عشت من أرب ... لأنها أوقفت جفنى على السّهد ولو تمادت على الهجران راضية ... بالهجر لم أشك ما ألقى إلى أحد اللوم أشبه بى منها وإن ظلمت ... أنا الذى سقت حتفى فى الهوى بيدى

стр. 3498

ولو أننا لم نعرف قائل هذا الشعر وأنه من الصوفية لظنناه شاعرا عذريا، فهو يشكو الصد والهجر ويرمز عن الذات الإلهية بليلى، ويتمادى فى العتاب، معلنا سقمه وسهده، بل لقد عرض نفسه للموت والهلاك. وابن الكيزانى مثله مثل شعراء الحب الإلهى جميعا فقد رفعوا كل الحواجز بينهم وبين أصحاب الغزل العذرى، معبرين بما فى غزلهم من حسية واضحة عن رموز ومعان صوفية، حتى لنرى ابن الكيزانى يقول: أتزعم ليلى أننى لا أحبّها ... وأنّى-لما ألقاه-غير حمول فلا ووقوفى بين ألوية الهوى ... وعصيان قلبى للهوى وعذولى لو انتظمتنى أسهم الهجر كلّها ... لكنت على الأيام غير ملول ولست أبالى إذ تعلقت حبّها ... أفاضت دموعى أم أضرّ نحولى وما عبثى بالنوم إلا تعلّل ... عسى الطيف منها أن يكون رسولى وهل من فارق بين هذه الأبيات وأبيات الحب العذرى؟ إنه ليذكر وقوفه بمعاهد الهوى وعصيانه للعذول أو العواذل وصبره على الهجران الأليم وما يعانى فيه من البكاء والنحيب والسقم والنحول، ويأمل فى طيف يزوره فى الحلم ليلا، ولكن لنحذر هذا الفهم الظاهرى للأبيات فابن الكيزانى إنما يتخذ ذلك كله رموزا عن معانى حبه وهيامه بالذات العلية، وهو هيام لا نهائى غير محدود بحس ولا ما يشبه الحس، هيام كله لوعة ووجد، وجد سماوى علوى يندلع شرره فى كل جسمه وجوارحه وحشاه وهو صابر لا يتألم ولا يشكو، بل يجد لذة لا يبلغها وصف فى ألمه، حتى ليبذل دمه فى سبيل حبه طائعا مختارا، فهو النور الذى يضئ فى جنبات قلبه وفؤاده، وهو الخمر الروحانية التى سرت فى شرايينه، فلم يعد يملك إزاءها حولا ولا قوة، يقول: جر كيف شئت فلست أول عاشق ... كأس المحبّة فى محبته سقى إنه لم يعد فى حال صحو بل أصبح فى حال سكر بالعشق الإلهى الذى لا حدود ولا ضفاف له، عشق ما إن يأمل فيه بلقاء محبوبه، حتى يبتعد عنه، تاركا له الحسرات والدموع، لقد كان شهوده قاب قوسين أو أدنى، وسرعان ما طار الحلم وولى الأمل، وينادى ابن الكيزانى: يا حادى العيس اصطبر ساعة ... فمهجتى سارت مع الرّكب لا تحد بالتفريق عن عاجل ... رفقا بقلب الهائم الصّبّ

стр. 3499

وهو يعبر عن ضياع الأمل فى لقاء المحبوب بالرحلة ولوعاتها الممضة فى نفوس العشاق تعبيرا رمزيا عن آلامه وأوصابه وأوجاعه النفسية، فلم يعد يستطيع اللحاق بمحبوبه فضلا عن مشاهدته. وعلى نحو ما يعبر عن ذلك تعبيرا حسيا بالرحلة كذلك يعبر عنه-كما عبر المحبون العذريون طويلا-ببكاء الديار والوقوف على الأطلال الدارسة أو العافية، بمثل قوله: بربّكما عرّجا ساعة ... ننوح على الطّلل الدارس ففيض الدموع على رسمه ... يترجم عن حرق البائس ودائما يتعلق ابن الكيزانى بخيط من الأمل فى مشاهدة محبوبه، ونوره يتألق له ولا يراه، ويبحث عنه بين الأطلال، ويسأل عنه العيس، وهى ملحة فى المسير، لتلتفت إليه، وهو هائم على وجهه غارق فى دموعه، ونار الحب تتقد فى أحشائه، يقول: يا من يتيه على الزمان بحسنه ... اعطف على الصّبّ المشوق التائه أضحى يخاف على احتراق فؤاده ... أسفا لأنك منه فى سودائه ودائما تلقانا عند ابن الكيزانى هذه اللوعة ونارها التى توشك أن تحرق والتى ما يزال يذوقها ويصطلى بها مالكة عليه قلبه مستأثرة منه بكل شئ، إنه ليس حبا فقط، بل هو حب ومحنة أو هو سعادة وعذاب، وهو راض بذلك كل الرضا، حتى لا يطلب لحبّه دواء ولا شفاء، يقول: اصرفوا عنى طبيبى ... ودعونى وحبيبى علّلوا قلبى بذكرا ... هـ فقد زاد لهيبى طاب هتكى فى هواه ... بين واش ورقيب لا أبالى بفوات النّف ... س مادام نصيبى ليس من لام وإن أط ... نب فيه بمصيب جسدى راض بسقمى ... وجفونى بنحيبى إن الداء هو نفس الدواء وإن العلة هى نفس الشفاء، وهو لا يفكر فى برء من علة أو داء، لأنهما سعادته الغامرة، وحقّا إنهما يثيران حريقا فى فؤاده، غير أن ما يشربه معهما من رحيق المحبة الربانية المصفى ينسيه الحريق وناره المتلظية التى لا تنطفئ فى سويداء فؤاده أبدا.

стр. 3500

ابن (١) الفارض هو عمر بن كمال الدين على الفارض، كان أبوه من حماة بسوريا، هاجر منها فى مطالع شبابه إلى القاهرة، وفيها رزقه الله ابنه عمر سنة ٥٧٦ للهجرة، فهو مصرى المولد والمنشأ والمربى والحياة. كان أبوه من علماء الفقه والشريعة ولقّب بالفارض لكتابته الفروض على النساء والرجال. ولى نيابة الأحكام بالقاهرة والفسطاط، ويقال إنه عرضت عليه وظيفة قاضى القضاة فأباها ولزم قاعة الخطابة بالجامع الأزهر يتنسّك، وعنى بابنه فألحقه بدروس العلماء بالعلوم الشرعية واللسانية، حتى إذا شبّ دفعه إلى التقوى وعبادة الله ومعاشرة المستضعفين من المتصوفة فى الجبل الثانى من المقطم، وهناك أخذ عمر يتجرد للعبادة والنسك. وأحسّ برغبة شديدة للمقام بمكة مهبط الوحى على الرسول ﷺ فرحل إليها، ومكث بها خمسة عشر عاما سائحا فى أوديتها عابدا الله ناسكا مؤملا فى أن تفيض عليه الفتوحات الإلهية، مكثرا من الصلاة والصيام، حتى فتحت له الأبواب المغلقة، وشعر كأنه فى مقام الشهود للذات العلية. وعاد إلى وطنه، غير أنه ظل يأسى لفراقه مهبط فتوحاته الإلهية بمثل قوله: يا سميرى روّح بمكة روحى ... شاديا إن رغبت فى إسعادى كان فيها أنسى ومعراج قدسى ... ومقامى المقام والفتح بادى ولزم مناسك العبادة وخاصة وادى المستضعفين بالمقطم والجامع الأزهر، يذكر الله ويسبّحه ويعبده حق عبادته ناسكا خاشعا متضرعا، شاعرا من وقت إلى آخر أنه أصبح فى مقام الشهود لربه، فيشخص بصره ويغيب عن كل ما حوله غيبة قد تطول أياما وهو لا يسمع صوتا ولا يرى أحدا ولا يشرب ولا يطعم ولا ينام، فقد غاب عن كل حواسه وغمره نور شهوده للذات العلية، ومضى يعكف على التقوى والنسك والصلاة، وشاع أمره فى القاهرة فكان الناس يزدحمون عليه إذا سار فى الطرقات يلتمسون منه الدعاء، وهو غائب عنهم، مشغول بحبه لربه وبما ينظم فى هذا

стр. 3501

الحب من أشعار لعلها أروع ما نظمه الصوفية فى حبهم الإلهى، حتى لقّب بحق سلطان العاشقين للذات الربانية. وهى أشعار تموج بوجد ملتاع لا حدود له، متخذا لذلك لغة العشاق العذريين وما يذكرونه من معاهد المحبوبة يريد معاهد مكة التى هبط عليه فيها النور الإلهى، وأيضا ما يذكرونه من نسيم الصبا المحمل بشذى المحبوبة، وهو فى أثناء ذلك يئن وينوح آملا فى الوصال وأن يشرق عليه النور الربانى، متجرعا غصص الهجر والصد والسهاد، ويصيح فيمن تحدثه نفسه بسلوك هذا الطريق المحفوف بمالا يحصى من الأشواك والصعاب: هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل وعش خاليا فالحبّ راحته عنا ... وأوّله سقم وآخره قتل وهو لا يريد القتل الحقيقى، بل يتخذه رمزا للحظات الفناء فى الذات العلية حين يتجرد الصوفى-مثل ابن الفارض-من حواسّه ومن كل وجوده فلا يشعر بزمان ولا بمكان، وكأنما غاب عن حياته، بل كأنما مات بسبب حبه شهيدا، وهو موت لا يتحقق تصوف بدونه، حتى ينمحى المتصوف فى الذات الربانية ونورها الإلهى، وحتى لا يرى فى الوجود سوى ربه المائل فى الكون وكائناته وكل شئ فيه، يقول: تراه-إن غاب عنى-كلّ جارحة ... فى كلّ معنى لطيف رائق بهج فى نغمة العود والنّاى الرّخيم إذا ... تألّفا بين ألحان من الهزج (١) وفى مسارح غزلان الخمائل فى ... برد الأصائل والإصباح فى البلج (٢) وفى مساقط أنداء الغمام على ... بساط نور من الأزهار منتسج وفى مساحب أذيال النّسيم إذا ... أهدى إلىّ سحيرا، أطيب الأرج (٣) فهو يرى الله وجلاله وجماله ماثلا فى جميع أركان الكون وعناصره: فى أنغام العود والناى المرافقة لألحان الهزج، وفى مشهد غزلان الرياض وقد انتعشت قلوبها بأنفاس الأصيل والصباح، وفى الأزهار والورود مساقط أنداء الغمام وهى متناثرة هنا وهناك على أبسطة الطبيعة البهيجة، وفى النسيم يملأ الجو سحرا بشذاه وأريجه العطر. وابن الفارض لا يعبر بذلك ومثله فى أشعاره عن إيمانه

стр. 3502

بوحدة الوجود التى كان يؤمن بها غلاة الصوفية من أمثال ابن العربى معاصره، فهو إنما يريد أن يقول إن نور الله منبثّ فى الكون بجميع كائناته وعناصره، متجلّ فى كل مناظره ومشاهده، وذلك هو سر وجده وهيامه وولهه بربه، يريد أن يشرق عليه ضياء جماله. ويظل يحلم بشهوده حلما متصلا مجاهدا فى سبيل ذلك محتملا من العذاب ما يطاق وما لا يطاق، متغنيا بالجمال الربانى وما يصلّى فيه من هجر، هاتفا من فؤاده: ته دلالا فأنت أهل لذاكا ... وتحكّم فالحسن قد أعطاكا وتلافى إن كان فيه ائتلافى ... بك عجّل به جعلت فداكا فقت أهل الجمال حسنا وحسنى ... فبهم فاقة إلى معناكا وهو يضيف إلى الذات العلية التحكم والدلال على طريقة أصحاب الحب العذرى، ولا يلبث أريج الحب الصوفى أن يعبق فى البيت الثانى، فهو يطلب أن يتلف فى حبه مادام فى تلفه ائتلافا بربه المحبوب، وهو لا يريد التلف الحقيقى إنما يريد الفناء المطلق فى ربه وجماله الذى يفوق كل جمال، بل إن كل جميل ليفتقر إلى جماله المتجلى فى الكون بنوره. وعلى نحو اتخاذ ابن الفارض للغزل العذرى رمزا لحبه الصوفى نراه يتخذ الخمر ونشوتها رمزا لهذا الحب، ولا خمر ولا كئوس ولا دنان ولا سقاة، وإنما هو جمال الذات الإلهية الذى شغف به حتى ليظن كأنما نهل من شراب قدسى مسكر، فهو سكران دائما منتش غائب عن وجوده. ومن قوله فى ذلك من قصيدة بديعة: شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم لها البدر كأس وهى شمس يديرها ... هلال وكم يبدو-إذا مزجت-نجم وإن خطرت يوما على خاطر امرئ ... أقامت به الأفراح وارتحل الهمّ ولو نضحوا منها ثرى قبر ميّت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم وهو يقول إن سكره بتلك المدامة أو الخمر قديم أقدم من الوجود، وهو يشير إلى فكرة الحقيقة المحمدية التى يذهب المتصوفة إلى أنها تسبق نشأة الكون، وأن أضواء مازالت تفيض من تلك الحقيقة فى نفوس الأنبياء ونفس الرسول ﷺ ونفوس المتصوفة من بعده حتى تجلت فى ابن الفارض، ومن هنا يقول إن سكره بها ونشوته يسبقان الخليقة. ويقول إنها تجلب الفرح وتطرد

стр. 3503

الهم، وتحيى الروح لا مجازا بل حقيقة، فلو صبوها على قبر ميت لعادت إليه الروح ودبت فيه الحياة. ويمضى فيقول: إنها صفاء ولا ماء، ولطف ولا هواء، ونور ولا نار، وروح ولا جسم. خمر ربانية لا تشوبها أى شائبة مادية، خمر ينتشى بها ابن الفارض وأمثاله فيغيبون عن وجودهم غيبة كلها متاع وكلها نعيم لا حدود له. وديوانه كله من هذا الطراز انتشاء وسكر وحب ووجد ووله والنياع، وتطول إحدى قصائده حتى تبلغ سبعمائه وستين بيتا أو تزيد، وهى تائية وتسمى التائية الكبرى لأن له بجانبها تائية صغرى، وهو فيها يصور معراجه القدسى بمكة وفتوحه التى هبطت عليه هناك وإنمحاءه حينئذ فى الحقيقتين: الإلهية والمحمدية، حتى ليتكلم فى بعض أجزاء القصيدة باسمهما، وهو يستهلها ببيان شربه من كأس المحبة الربانية ونشوته بها وما تجشمه فى معراجه من أهوال وخطوب ومحن، وكلها كما يقول منح من ربه وعطايا اجتازها فى معراجه، خالصا إلى الانمحاء والفناء فى الذات العلية حتى ليقول: ولم تهونى ما لم تكن فىّ فانيا ... ولم تفن ما لم تجتلب فيك صورتى كلانا مصلّ واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع فى كلّ سجدة وما كان لى صلّى سواى ولم تكن ... صلاتى لغيرى فى أدا كلّ ركعة وكأنه يشعر فى البيت الأول أنه لا يزال دون الحب الإلهى لا تصاله بل لا تصافه بالصفات البشرية. ويقول فى البيت الثانى إنها ينبغى أن تمحى فيه حتى يفنى فى الذات الربانية وتتجلّى فيه الصورة الإلهية، وما يلبث أن يقول فى البيت الثالث إن حواسه تعطلت وتعطلت فيه كل إرادة وشعور، حتى فنى فناء مطلقا فى ربه، متخطيا مرتبة الصحو إلى مرتبة الشهود أو كما يسميها الجمع، وكأنما يصلى لنفسه أو لربه متجليا فيه، يقول: وطاح وجودى فى شهودى وبنت عن ... وجود شهودى ماحيا غير مثبت وفى الصّحو بعد المحو لم أك غيرها ... وذاتى بذاتى إذ تجلّت تجلّت فهو قد انمحى وفنى فناء كليا فى الذات العلية، وبلغ من هذا الانمحاء والفناء أعلى مراتبه، إذ لا يعتريه فى حال المحو والغيبة مع الشهود للنور الربانى، بل أيضا يعتريه فى حال الصحو، فهو دائما ممحوّ فان فى الذات الإلهية. وهو دائما يعلن أنه متمسك أشد التمسك بالكتاب وأداء الفرائض

стр. 3504

الدينية وبالسنة والحديث النبوى، فمنهما يستمد فى كل موارده الروحية. وقد أشار مرارا إلى أن لب تصوفه وما يذهب إليه من عقيدة الفناء فى الذات الربانية إنما يصدر فيه عن الرسول، يقول: وجاء حديث فى اتحادى ثابت ... روايته فى النّقل غير ضعيفة يشير بحبّ الحقّ بعد تقرّب ... إليه بنفل أو أداء فريضة وهو يشير إلى الحديث النبوى المشهور: «ما تقرّب إلىّ عبدى بشئ أحبّ إلىّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرّب إلىّ بالنوافل حتى أحببته، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها. . وإن سألنى أعطيته، ولئن استعاذنى لأعيذنّه». وفكرة الانمحاء والفناء واضحة فى الحديث، ولعل فى ذلك ما يشير بوضوح إلى أن تصوف ابن الفارض وأمثاله إنما كان تصوفا إسلاميا خالصا. ومازال يتنسك لربه حتى وفاته سنة ٦٣٢ للهجرة. البوصيرىّ (١) هو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد، كان أبوه من بوصير وأمه من دلاص، فكّون لنفسه من اسم بلديهما لقبا هو الدلاصيرى، غير أن اللقب الذى غلب عليه، وبه اشتهر، هو البوصيرىّ. واختلف م ترجموا له فى تاريخ مولده كما اختلفوا فى تاريخ وفاته، والأرجح أنه ولد سنة ٦٠٨ وتوفى سنة ٦٩٨ وقى بل ولد سنة ٥٩٨ وتوفى قبل السنة السالفة فقيل سنة ٦٩٤ أو ٩٥ أو ٩٦ أو ٩٧ وقيل بل سنة ٦٨١ والصحيح ما رجحناه. واختلف مثل لداته إلى الكتاتيب حتى حفظ القرآن الكريم، ثم انتظم فى حلقات الشيوخ يأخذ عنهم علوم الشريعة واللغة، ويبدو أن ميوله الأدبية اتضحت فيه مبكرة وتفتحت فى نفسه ملكاته الشعرية، مما جعله ينتظم فيمن يعملون فى الكتابة الديوانية، وعيّن فى دواوين بلبيس بالشرقية. ومرّ بنا هجاؤه للموظفين هناك وتسجيله عليهم

стр. 3505

الخيانة للدولة وأكل أموال الناس بالباطل. ويبدو أنه زهد فى العمل معهم سريعا وعاد إلى القاهرة، محترفا إقراء القرآن للصبية وبعض الفتية فى مسجد الشيخ عبد الظاهر، وكان مسجدا مغمورا وتصادف أن أمر الملك الصالح فى أثناء توليه لمقاليد الأمور بمصر (٦٣٧ - ٦٤٧ هـ) بتوزيع ألف دينار على طلبة العلم. ولم يصب منها مسجده المغمور وطلابه شيئا، فنظم على لسان المسجد شكوى للملك الصالح استهلها بقوله: ليت شعرى ما مقتضى حرمانى ... دون غيرى والألف للرّحمن أترانى لا أستحقّ لكونى ... جامعا شمل قارئى القرآن ونراه كثير الرحلة إلى البلدان المصرية والاتصال بمن فيها من الولاة، وله فيهم بعض المدائح وكذلك فى بعض وزراء الدولتين الأيوبية والمملوكية وفى بعض الأمراء والسلاطين، ويبدو أنه كان يضطر للمديح اضطرارا، ليوفر لأولاده الكثيرين الطعام والثياب، ويصرح بذلك مرارا فى مديحه بمثل قوله: إليك نشكو حالنا إننا ... عائلة فى غاية الكثره وكما تلقانا فى أشعاره المبكرة أهاج مختلفة لموظفى الشرقية تلقانا عنده دعابات مختلفة تصور المزاج المصرى المعروف بالميل إلى الفكاهة والنادرة، وربما أراد بشكواه فى مدائحه من فقره وبؤسه إلى الدعابة، ويقول: ولو أنّى وحدى لكنت مريدا ... فى رباط أو عابدا فى مغاره وكأنه كان يشعر فى أعماقه بأنه خلق لا ليكون إنسانا يضطرب فى الحياة ومشاغلها اليومية ومكاسبها الضرورية له ولأسرته، وإنما ليكون عابدا ناسكا فى رباط صوفى أو فى كهف يخلو فيه للنسك والعبادة. ويبدو أنه مدّ إحدى رحلاته إلى الاسكندرية وتعرف على أبى الحسن الشاذلى صاحب الطريقة الشاذلية المشهورة، وانتظم فى سلك مريديه وطريقته الصوفية، حتى إذا خلفه أبو العباس المرسى على الطريقة ظل يلزمه، حتى عدّ ثانى اثنين من تلاميذه هو وابن عطاء الله السكندرى، وفى ديوانه قصيدة دالية يمدحه بها، ويعزيه فى شيخه أبى الحسن حين توفى سنة ٦٥٦ ويشيد به إشادة رائعة إذ كان من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب، يقول:
следующие страницы →