الحب من أشعار لعلها أروع ما نظمه الصوفية فى حبهم الإلهى، حتى لقّب بحق سلطان العاشقين للذات الربانية. وهى أشعار تموج بوجد ملتاع لا حدود له، متخذا لذلك لغة العشاق العذريين وما يذكرونه من معاهد المحبوبة يريد معاهد مكة التى هبط عليه فيها النور الإلهى، وأيضا ما يذكرونه من نسيم الصبا المحمل بشذى المحبوبة، وهو فى أثناء ذلك يئن وينوح آملا فى الوصال وأن يشرق عليه النور الربانى، متجرعا غصص الهجر والصد والسهاد، ويصيح فيمن تحدثه نفسه بسلوك هذا الطريق المحفوف بمالا يحصى من الأشواك والصعاب:
هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خاليا فالحبّ راحته عنا ... وأوّله سقم وآخره قتل
وهو لا يريد القتل الحقيقى، بل يتخذه رمزا للحظات الفناء فى الذات العلية حين يتجرد الصوفى-مثل ابن الفارض-من حواسّه ومن كل وجوده فلا يشعر بزمان ولا بمكان، وكأنما غاب عن حياته، بل كأنما مات بسبب حبه شهيدا، وهو موت لا يتحقق تصوف بدونه، حتى ينمحى المتصوف فى الذات الربانية ونورها الإلهى، وحتى لا يرى فى الوجود سوى ربه المائل فى الكون وكائناته وكل شئ فيه، يقول:
تراه-إن غاب عنى-كلّ جارحة ... فى كلّ معنى لطيف رائق بهج
فى نغمة العود والنّاى الرّخيم إذا ... تألّفا بين ألحان من الهزج (١)
وفى مسارح غزلان الخمائل فى ... برد الأصائل والإصباح فى البلج (٢)
وفى مساقط أنداء الغمام على ... بساط نور من الأزهار منتسج
وفى مساحب أذيال النّسيم إذا ... أهدى إلىّ سحيرا، أطيب الأرج (٣)
فهو يرى الله وجلاله وجماله ماثلا فى جميع أركان الكون وعناصره: فى أنغام العود والناى المرافقة لألحان الهزج، وفى مشهد غزلان الرياض وقد انتعشت قلوبها بأنفاس الأصيل والصباح، وفى الأزهار والورود مساقط أنداء الغمام وهى متناثرة هنا وهناك على أبسطة الطبيعة البهيجة، وفى النسيم يملأ الجو سحرا بشذاه وأريجه العطر. وابن الفارض لا يعبر بذلك ومثله فى أشعاره عن إيمانه
стр. 3502
بوحدة الوجود التى كان يؤمن بها غلاة الصوفية من أمثال ابن العربى معاصره، فهو إنما يريد أن يقول إن نور الله منبثّ فى الكون بجميع كائناته وعناصره، متجلّ فى كل مناظره ومشاهده، وذلك هو سر وجده وهيامه وولهه بربه، يريد أن يشرق عليه ضياء جماله. ويظل يحلم بشهوده حلما متصلا مجاهدا فى سبيل ذلك محتملا من العذاب ما يطاق وما لا يطاق، متغنيا بالجمال الربانى وما يصلّى فيه من هجر، هاتفا من فؤاده:
ته دلالا فأنت أهل لذاكا ... وتحكّم فالحسن قد أعطاكا
وتلافى إن كان فيه ائتلافى ... بك عجّل به جعلت فداكا
فقت أهل الجمال حسنا وحسنى ... فبهم فاقة إلى معناكا
وهو يضيف إلى الذات العلية التحكم والدلال على طريقة أصحاب الحب العذرى، ولا يلبث أريج الحب الصوفى أن يعبق فى البيت الثانى، فهو يطلب أن يتلف فى حبه مادام فى تلفه ائتلافا بربه المحبوب، وهو لا يريد التلف الحقيقى إنما يريد الفناء المطلق فى ربه وجماله الذى يفوق كل جمال، بل إن كل جميل ليفتقر إلى جماله المتجلى فى الكون بنوره. وعلى نحو اتخاذ ابن الفارض للغزل العذرى رمزا لحبه الصوفى نراه يتخذ الخمر ونشوتها رمزا لهذا الحب، ولا خمر ولا كئوس ولا دنان ولا سقاة، وإنما هو جمال الذات الإلهية الذى شغف به حتى ليظن كأنما نهل من شراب قدسى مسكر، فهو سكران دائما منتش غائب عن وجوده. ومن قوله فى ذلك من قصيدة بديعة:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهى شمس يديرها ... هلال وكم يبدو-إذا مزجت-نجم
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ ... أقامت به الأفراح وارتحل الهمّ
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميّت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
وهو يقول إن سكره بتلك المدامة أو الخمر قديم أقدم من الوجود، وهو يشير إلى فكرة الحقيقة المحمدية التى يذهب المتصوفة إلى أنها تسبق نشأة الكون، وأن أضواء مازالت تفيض من تلك الحقيقة فى نفوس الأنبياء ونفس الرسول ﷺ ونفوس المتصوفة من بعده حتى تجلت فى ابن الفارض، ومن هنا يقول إن سكره بها ونشوته يسبقان الخليقة. ويقول إنها تجلب الفرح وتطرد
стр. 3503
الهم، وتحيى الروح لا مجازا بل حقيقة، فلو صبوها على قبر ميت لعادت إليه الروح ودبت فيه الحياة. ويمضى فيقول: إنها صفاء ولا ماء، ولطف ولا هواء، ونور ولا نار، وروح ولا جسم.
خمر ربانية لا تشوبها أى شائبة مادية، خمر ينتشى بها ابن الفارض وأمثاله فيغيبون عن وجودهم غيبة كلها متاع وكلها نعيم لا حدود له. وديوانه كله من هذا الطراز انتشاء وسكر وحب ووجد ووله والنياع، وتطول إحدى قصائده حتى تبلغ سبعمائه وستين بيتا أو تزيد، وهى تائية وتسمى التائية الكبرى لأن له بجانبها تائية صغرى، وهو فيها يصور معراجه القدسى بمكة وفتوحه التى هبطت عليه هناك وإنمحاءه حينئذ فى الحقيقتين: الإلهية والمحمدية، حتى ليتكلم فى بعض أجزاء القصيدة باسمهما، وهو يستهلها ببيان شربه من كأس المحبة الربانية ونشوته بها وما تجشمه فى معراجه من أهوال وخطوب ومحن، وكلها كما يقول منح من ربه وعطايا اجتازها فى معراجه، خالصا إلى الانمحاء والفناء فى الذات العلية حتى ليقول:
ولم تهونى ما لم تكن فىّ فانيا ... ولم تفن ما لم تجتلب فيك صورتى
كلانا مصلّ واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع فى كلّ سجدة
وما كان لى صلّى سواى ولم تكن ... صلاتى لغيرى فى أدا كلّ ركعة
وكأنه يشعر فى البيت الأول أنه لا يزال دون الحب الإلهى لا تصاله بل لا تصافه بالصفات البشرية. ويقول فى البيت الثانى إنها ينبغى أن تمحى فيه حتى يفنى فى الذات الربانية وتتجلّى فيه الصورة الإلهية، وما يلبث أن يقول فى البيت الثالث إن حواسه تعطلت وتعطلت فيه كل إرادة وشعور، حتى فنى فناء مطلقا فى ربه، متخطيا مرتبة الصحو إلى مرتبة الشهود أو كما يسميها الجمع، وكأنما يصلى لنفسه أو لربه متجليا فيه، يقول:
وطاح وجودى فى شهودى وبنت عن ... وجود شهودى ماحيا غير مثبت
وفى الصّحو بعد المحو لم أك غيرها ... وذاتى بذاتى إذ تجلّت تجلّت
فهو قد انمحى وفنى فناء كليا فى الذات العلية، وبلغ من هذا الانمحاء والفناء أعلى مراتبه، إذ لا يعتريه فى حال المحو والغيبة مع الشهود للنور الربانى، بل أيضا يعتريه فى حال الصحو، فهو دائما ممحوّ فان فى الذات الإلهية. وهو دائما يعلن أنه متمسك أشد التمسك بالكتاب وأداء الفرائض
стр. 3504
الدينية وبالسنة والحديث النبوى، فمنهما يستمد فى كل موارده الروحية. وقد أشار مرارا إلى أن لب تصوفه وما يذهب إليه من عقيدة الفناء فى الذات الربانية إنما يصدر فيه عن الرسول، يقول:
وجاء حديث فى اتحادى ثابت ... روايته فى النّقل غير ضعيفة
يشير بحبّ الحقّ بعد تقرّب ... إليه بنفل أو أداء فريضة
وهو يشير إلى الحديث النبوى المشهور: «ما تقرّب إلىّ عبدى بشئ أحبّ إلىّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرّب إلىّ بالنوافل حتى أحببته، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها. . وإن سألنى أعطيته، ولئن استعاذنى لأعيذنّه». وفكرة الانمحاء والفناء واضحة فى الحديث، ولعل فى ذلك ما يشير بوضوح إلى أن تصوف ابن الفارض وأمثاله إنما كان تصوفا إسلاميا خالصا. ومازال يتنسك لربه حتى وفاته سنة ٦٣٢ للهجرة.
البوصيرىّ (١)
هو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد، كان أبوه من بوصير وأمه من دلاص، فكّون لنفسه من اسم بلديهما لقبا هو الدلاصيرى، غير أن اللقب الذى غلب عليه، وبه اشتهر، هو البوصيرىّ.
واختلف م ترجموا له فى تاريخ مولده كما اختلفوا فى تاريخ وفاته، والأرجح أنه ولد سنة ٦٠٨ وتوفى سنة ٦٩٨ وقى بل ولد سنة ٥٩٨ وتوفى قبل السنة السالفة فقيل سنة ٦٩٤ أو ٩٥ أو ٩٦ أو ٩٧ وقيل بل سنة ٦٨١ والصحيح ما رجحناه. واختلف مثل لداته إلى الكتاتيب حتى حفظ القرآن الكريم، ثم انتظم فى حلقات الشيوخ يأخذ عنهم علوم الشريعة واللغة، ويبدو أن ميوله الأدبية اتضحت فيه مبكرة وتفتحت فى نفسه ملكاته الشعرية، مما جعله ينتظم فيمن يعملون فى الكتابة الديوانية، وعيّن فى دواوين بلبيس بالشرقية. ومرّ بنا هجاؤه للموظفين هناك وتسجيله عليهم
стр. 3505
الخيانة للدولة وأكل أموال الناس بالباطل. ويبدو أنه زهد فى العمل معهم سريعا وعاد إلى القاهرة، محترفا إقراء القرآن للصبية وبعض الفتية فى مسجد الشيخ عبد الظاهر، وكان مسجدا مغمورا وتصادف أن أمر الملك الصالح فى أثناء توليه لمقاليد الأمور بمصر (٦٣٧ - ٦٤٧ هـ) بتوزيع ألف دينار على طلبة العلم. ولم يصب منها مسجده المغمور وطلابه شيئا، فنظم على لسان المسجد شكوى للملك الصالح استهلها بقوله:
ليت شعرى ما مقتضى حرمانى ... دون غيرى والألف للرّحمن
أترانى لا أستحقّ لكونى ... جامعا شمل قارئى القرآن
ونراه كثير الرحلة إلى البلدان المصرية والاتصال بمن فيها من الولاة، وله فيهم بعض المدائح وكذلك فى بعض وزراء الدولتين الأيوبية والمملوكية وفى بعض الأمراء والسلاطين، ويبدو أنه كان يضطر للمديح اضطرارا، ليوفر لأولاده الكثيرين الطعام والثياب، ويصرح بذلك مرارا فى مديحه بمثل قوله:
إليك نشكو حالنا إننا ... عائلة فى غاية الكثره
وكما تلقانا فى أشعاره المبكرة أهاج مختلفة لموظفى الشرقية تلقانا عنده دعابات مختلفة تصور المزاج المصرى المعروف بالميل إلى الفكاهة والنادرة، وربما أراد بشكواه فى مدائحه من فقره وبؤسه إلى الدعابة، ويقول:
ولو أنّى وحدى لكنت مريدا ... فى رباط أو عابدا فى مغاره
وكأنه كان يشعر فى أعماقه بأنه خلق لا ليكون إنسانا يضطرب فى الحياة ومشاغلها اليومية ومكاسبها الضرورية له ولأسرته، وإنما ليكون عابدا ناسكا فى رباط صوفى أو فى كهف يخلو فيه للنسك والعبادة. ويبدو أنه مدّ إحدى رحلاته إلى الاسكندرية وتعرف على أبى الحسن الشاذلى صاحب الطريقة الشاذلية المشهورة، وانتظم فى سلك مريديه وطريقته الصوفية، حتى إذا خلفه أبو العباس المرسى على الطريقة ظل يلزمه، حتى عدّ ثانى اثنين من تلاميذه هو وابن عطاء الله السكندرى، وفى ديوانه قصيدة دالية يمدحه بها، ويعزيه فى شيخه أبى الحسن حين توفى سنة ٦٥٦ ويشيد به إشادة رائعة إذ كان من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب، يقول:
стр. 3506
اسلك طريق محمدىّ شريعة ... وحقيقة ومحمّدىّ المحتد
إن الإمام الشاذلىّ طريقه ... فى الفضل واضحة لعين المهتدى
قطب الزمان وغوثه وإمامه ... عين الوجود لسان سرّ الموجد
فهو قطب الزمان وإمامه، وعين الوجود إذ كان يؤمن المتصوفة بأن القبس الإلهى المبثوث فى الأنبياء نقل إليهم وإلى أئمتهم، ويقول إنه من أهل الشريعة المحمدية والحقيقة الصوفية ويشير إلى أنه سليل الرسول ﷺ فهو محمدى نسبا وحقيقة صوفية وشريعة إسلامية.
ويبدو أن البوصيرى منذ صلته بالطريقة الشاذلية لم يتجه بأشعاره نحو المحبة الإلهية على نحو ما اتجه ابن الفارض، بل اتجه إلى المديح النبوى، وبلغ فيه ذروة لم يبلغها أحد قبله ولا فى زمنه، فقد نظم فيه ديوانا رائعا. وكان الصليبيون، شاهت وجوههم، يكتبون رسائل ضد الدين الحنيف وصاحبه، فرد عليهم طويلا فى مديحه النبوى، وأفرد للرد عليهم وعلى اليهود قصيدة طويلة فى نجو مائتين وسبعين بيتا، داحضا افتراءاتهم على الرسول الكريم ناقضا ما ادعاه النصارى من ألوهية المسيح وصلبه وما جاء فى التوراة المحرّفة من ارتكاب الأنبياء للمعاصى، وسمى قصيدته «المخرج والمردود على النصارى واليهود» ويتحدث فى حماسة فياضة عن صفات الرسول وسيرته ومعجزاته الباهرة وانتصاراته الساحقة على أعدائه وأعداء الله. ويكثر من المديح النبوى ومن التنويه بالخلفاء الراشدين وبالصحابة وآل البيت مصورا فى الرسول أزلية النور المحمدى المعنوى لبّ الوجود وروحه، وكأن للرسول وجودين هذا الوجود المعنوى الذى يستمد منه الكون وجوده والذى تعاقب فى الأنبياء منذ آدم، ووجود ثان حسى مادى هو وجوده حين ولد ثم بعث بشيرا ونذيرا، وبذلك اتحد المعنى والصورة أو قل الحقيقة المحمدية الأزلية وصورة الإنسان، على نحو ما نقرأ فى قوله:
محمد حجّة الله التى ظهرت ... بسنّة مالها فى الخلق تحويل
من كمّل الله معناه وصورته ... فلم يفته على الحالين تكميل
من آدم ولحين الوضع جوهره ال ... مكنون فى أنفس الأصداف محمول
فللنبوّة إتمام ومبتدأ ... به وللفخر تعجيل وتأجيل
ودائما يعصف الحنين بقلبه إلى زيارة مكة والمدينة عصف الوجد الملتاع، ودائما يردد معجزات
стр. 3507
الرسول وجهاده فى غزواته، ودائما يكرر حقيقته الأزلية، حتى لكأنه مبدأ الوجود ومبدأ النبيين وأيضا خاتمهم، يقول:
كان سرّا فى ضمير الغيب من ... قبل أن يخلق كون أو يكونا
تشرق الأكوان من أنواره ... كلما أودعها الله جبينا
ختم الله النبيين به ... قبل أن يجبل من آدم طينا
فهو فى آبائهم خير أب ... وهو فى أبنائهم خير البنينا
فهو السر الأول فى الكون أو هو العلة الأولى، خلق قبل الكون وخلق قبل أن يجبل أو يخلق آدم، وكل نور فى الكون مستمد منه، وهو مبدأ الأنبياء ومنتهاهم، وهو أبوهم المعنوى الأزلى، فيه تبدأ الحياة وإليه تنتهى. ويكثر البوصيرى فى مدائحه النبوية من الضراعة للرسول أن يقبل توبته وأن يكون شافعه يوم القيامة حتى ينال رضوان ربه وغفرانه.
ويشتهر البوصيرى بمدحته النبوية المسماة بالهمزية وقد سماها «أم القرى فى مدح خير الورى» وهى فى نحو أربعمائة وخمسين بيتا وعنى كثيرون بشرحها، وهو فيها يجمل سيرة الرسول حتى يوقد حمية الشباب المحاربين للصليبيين، ويفتتحها بفكرة الحقيقة المحمدية وأن الرسول سر الوجود ونوره الذى يفيض على الكون وعلى الأنبياء من قديم، يقول:
كيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
إنما مثّلوا صفاتك للنّا ... س كما مثّل النجوم الماء
أنت مصباح كلّ فضل فما تص ... در إلا عن ضوئك الأضواء
فالرسول لا تبلغ منزلته ودرجته الرفيعة منزلة أى نبى أو رسول، إنه فى أعلى علّيين، وكل رسول إنما مثّل جانبا من صفاته الربانية، كما تمثّل النجوم المترائية على صفحة الماء النجوم على صفحة السماء. وإن كل ضوء ونور فى الكون ليستمد من مصباحه، فهو منبع كل نور ومصدره. ويتحدث عن مولده وما اقترن به من دلائل النبوة، ويفيض فى الحديث عن سيرته حتى مبعثه، ويعدد بعض معجزاته الباهرة وفى مقدمتها الإسراء، ويصور جهاده الباسل فى نشر دينه، ويرد على النصارى واليهود افتراءاتهم على الدين الحنيف، ويعرض بعض معتقداتهم الفاسدة، ويلم بعداء اليهود للإسلام وحربهم لرسوله. ويصور حجّته إلى مكة وأداء المسلمين
стр. 3508
لمناسك الحج. وينوه بمواقف كبار الصحابة وبالصحابة جميعا وبأستاذيه الشاذلى وخليفته أبى العباس المرسى، ويتضرع فى أثناء ذلك للرسول أن يكون شفيعا له عند ربه فى محو ذنوبه.
وأروع من هذه المدحة النبوية مدحته الميمية المسماة بالبردة وقد عارضها كثيرون ويقال إنه كان قد أصابه فالج، فنظم هذه القصيدة وأتخذها شفيعا لدى الله كى يعافيه، وظل يكرر إنشادها ويبكى ويدعو ويتوسل، ونام فرأى النبى ﷺ يمسح على وجهه بيده المباركة ويلقى عليه بردة، وانتبه فوجد نفسه معافى، وشاعت القصة وسميت القصيدة البردة. وهو يفتتحها متغزلا بحجازية من ذى سلم أشعلت الحب فى قلبه، وهو إنما يتخذها رمزا لوجده الملتاع بحب الرسول ﵇، ويلم بأصل من أصول الطريقة الشاذلية. وهو كبح جماح النفس وردها عن شهواتها.
ويتحدث عن فضائل الرسول مبتدئا بفضيلة الزهد وكيف أنه لولاه لم تخرج الدنيا من العدم ويسترسل فى تصوير الحقيقة المحمدية الأزلية قائلا:
فاق النبيين فى خلق وفى خلق ... ولم يدانوه فى علم ولا كرم
وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أورشفا من الدّيم
فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس فى الظّلم
فهو يفوق الأنبياء صورة وخلقا وعلما وكرما وكلهم يلتمس من علمه وحكمته ويستمد من نوره، فنوره يتجلىّ فى الأنبياء جميعا ومهما تعددوا فى الأزمنة فإنهم شخصية واحدة وحقيقة واحدة هى الحقيقة المحمدية. ويفيض البوصيرى فى بيان معجزات الرسول، وخاصة القرآن معجزته الكبرى كما يفيض فى بيان جهاد الرسول وصحابته لأعداء الرسول ودينه الحنيف حتى استسلموا صاغرين. ويضرع للرسول أن يكون شفيعا له عند ربه كما يضرع لله أن يلطف به فى دنياه وآخرته. ولا تزال هذه القصيدة وأختها الهمزية تنشد إلى اليوم فى حفلات الموالد وحلقات الذكر الصوفى وله بجانبهما فى المدائح النبوية أناشيد أخرى رائعة.
стр. 3509
محمد بن أبى الحسن (١) البكرى الصّدّيقى
من سلالة أبى بكر الصديق بمصر، ولد بها سنة ٩٣٠ وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأقبل على حفظ المتون والتلقى على شيوخ عصره يأخذ ما عندهم، وكان أستاذه الأول أباه، وجلس مكانه فى الجامع الأزهر للتدريس بعد وفاته وعمره لا يتجاوز إحدى وعشرين سنة، وكان يدرس لطلابه فقه الشافعى، وله شرح على متن أبى شجاع. وكان آية فى العلم والزهد واشتهر بتعمقه فى العلوم الشرعية واللغوية والصوفية، وورث عن أبيه مشيخة السادة البكرية وله يناجى ربه:
ربّ إنى عبد ذليل ضعيف ... فلحالى باللطف منك تدارك
كلّ قطر أصابنى منك بحر ... كيف والحال فىّ تجرى بحارك
كلّ جزء منى لسّرك دار ... عمّر الله يا حبيبى ديارك
من رآنى رآك من غير شكّ ... أىّ شكّ وقد جعلت مزارك
وتمثل فى الأبيات مثولا بينا فكرة الاتحاد بالذات الربانية المعروفة عند المتصوفة وما يتبعها من فكرة الفناء، فناء الإنسان عن صفاته البشرية، وهى فكرة رأيناها واضحة عند ابن الفارض:
وله قصائد كثيرة يصف فيها حبه ومواجده الروحية من مثل قوله:
حبيبك دان رقيب قريب ... فماذا البكاء وماذا النّحيب
نعم هو دان ولكنّنى ... بعيد فقيد طريد غريب
بكائى علىّ لأنى بليت ... بداء الصّدود وعزّ الطبيب
وعلى هذا النحو دائما هو واله ملتاع يبغى الوصال، ومحبوبه قريب منه، بعيد لأنه لا ينيله أمنيته من الوصول وهو لذلك دائم القلق، ويئن والمحبوب منصرف عنه معرض. وهو يهتف
стр. 3510
وينادى آملا راجيا ويردد ماردده ابن الفارض وغيره من الصوفية قبله. من الحديث عن مدامة الحب الإلهى ورحيقه المسكر للصوفية.
وللبكرى استغاثات كثيرة بالرسول ﷺ حبيب الله خير مبعوث قرّبه الله إليه، وسره الأعلى الذى لا يخيب أمله، والذى ينال سؤله اللائذ. ومن قوله فى إحدى استغاثاته:
يا أكرم الخلق على ربّه ... وخير من فيهم به يسأل
قد مسّنى الكرب وكم مرة ... فرّجت كربا بعضه يذهل
وأنت باب الله أىّ امرئ ... أتاه من غيرك لا يدخل
ويضيف فى استغاثاته بالرسول إلى تفريج الكرب عنه وإقالته من عثراته الشفاعة له من ذنبه يوم المحشر بما أوتى من محبة الله ورؤيته له فى عروجه إلى السموات.
٥ - شعراء الفكاهة
من أهم ما يميز مصر قديما وحديثا ميل أهلها إلى الفكاهة والتندير والدعابة، وقد صورنا ذلك تصويرا جامعا فى كتابنا «الفكاهة فى مصر» مستعرضين هذه الخصلة فى مزاج المصريين من عصر الفراعنة حتى العصر الحديث. ونراها واضحة طوال هذا العصر. بل منذ أن وجدت مصر شخصيتها الأدبية زمن الدولة الطولونية على نحو ما يتضح من نبز شاعر بلقب الجمل الأكبر، وخلفه شاعر كان يلقّب بالجمل الأصغر، ويقول ابن سعيد. «كان ينحو فى الظرافة والتطايب منحى الجمل الأكبر (١)». ولا يلبث أن يقول فى سعيد القاص شاعر الإخشيد الملقب هو الآخر بقاضى البقر: «من شعراء الإخشيد وزاد اختصاصه لديه بما كان فيه من الحلاوة والتندبير والهزل (٢)». وإذا مضينا إلى زمن الدولة الفاطمية وجدنا ظاهرة النبز بالألقاب دعابة للشعراء
стр. 3511
تتسع، إذ ينبز غير شاعر بلقب غريب كما يوضح ذلك كتاب الخريدة للعماد الأصبهانى إذ يلقانا فيه شاعر لقّب بشلعلع وثان بالوضيع وثالث بالكاسات ورابع بالجهجهان وخامس بالنسناس إلى غير ذلك من ألقاب.
ومن أوائل الشعراء فى هذا العصر ابن وكيع التنيسى ومرت فى الفصل الماضى مربعة مزدوجة له، جعل موضوعها غزله بغلام مسيحى، وقد مضى فيها يداعبه، منذرا له، إن ظل هاجرا، أن يشكوه إلى القساوسة ويتسع فى ذلك محتجا بتعاليم المسيح ووصايا متى ولوقا ومرقص ويوحنا، ويقول إنه سيشكوه إلى الأسقف فإن لم يقلع عن هجره شكاه إلى المطران، فإن لم يكف شكاه إلى البطريرك. وكانت تقترن بهذه الفكاهة سخرية شديدة بالفاطميين ووزرائهم عرضنا لها فى حديثنا عن الهجاء. وأدى هذا الميل إلى السخرية والفكاهة والرغبة فى التندير بالمصريين إلى الاتساع فى القذف بسهام التورية، وهى تكثر فى سماء أشعارهم طوال هذا العصر حتى لتشبه النيازك التى يكثر إلقاؤها إلى الفضاء فى الأعياد، فلا تزال النيازك تلقى ليلة العيد، ولا يزال الشعراء المصريون يرمون بتورياتهم قدحا ومدحا وغزلا على كل لون من مثل قول الشريف العقيلى مثنيا على زامر ونايه أو ناياته (١):
وزامر يكذب فيه عائبه ... تكثر فى صنعته عجائبه
يحجب صبر المرء عنه حاجبه ... كأنما ناياته ذوائبه
والتورية واضحة فى حاجب وذوائب. وممن تعلقوا بصنع التورية فى الحقبة الفاطمية ابن قادوس-كما مر فى غير هذا الموضع-ومثله قمر الدولة جعفر بن دوّاس، وله يقول فى ابن أفلح أحد الكتاب الشعراء وكان شديد السواد (٢):
هذا ابن أفلح كاتب ... متفرّد بصفاته
أقلامه من غيره ... ودواته من ذاته
وتلقانا بجانب التورية دعابات كثيرة للشعراء فى زمن الفاطميين، يداعبون بها زملاءهم من الشعراء وأصدقاءهم من الكتاب والعلماء والأطباء، من ذلك دعابة مشهورة للقاضى الجليس
стр. 3512
شاعر الفاطميين ووزيرهم طلائع ابن رزيك وجّه بها إلى طبيب تعهّده وكان محموما، فلم يبرأ على يديه وفيها يقول (١):
وأصل بليّتى من قد غزانى ... من السّقم الملحّ بعسكرين
طبيب طبّه كغراب بين ... يفرّق بين عافيتى وبينى
أتى الحمّى وقد شاخت وباخت ... فردّ لها الشباب بنسختين
ودبّرها بتدبير لطيف ... حكاه عن سنان أو حنين (٢)
وكانت نوبة فى كلّ يوم ... فصيرّها بحذق نوبتين
والجليس يداعب الطبيب فبدلا من أن يصله بعافيته فرق بينهما، ويقول إنه جاء فى أواخر الحمى وقد شاخت وباخت أو فترت فإذا هو يردّ لها الشباب بورقتين من سفوف الدواء أو كما يقول بنسختين، وكأنما أحكم تدبيره فى ردّ قوة الحمى إليها فإذا هى لا تعاوده فى اليوم نوبة بل نوبتين.
ولعل القارئ لم ينس ابن الذّروى فى الحقبة الأيوبية ووصفه لحدبة ابن أبى حصينة وصفا ساخرا لاذعا. ومن طريف ما نقرأ من دعابات فى هذه الحقب دعابة البهاء زهير مع أحد أصدقائه، وقد جعل موضوعها بغلته، يقول (٣):
لك يا صديقى بغلة ... ليست تساوى خردله
تمشى فتحسبها العيو ... ن على الطريق مشكّله (٤)
وتخال مدبرة إذا ... ما أقبلت مستعجله
مقدار خطوتها الطو ... يلة حين تسرع أنمله
تهتزّ وهى مكانها ... فكأنما هى زلزله
ويريد البهاء زهير بالخردلة أقل شئ فى الصغر، ويقول إنها حين تمشى يظّن أنها مقيدة لبطئها الشديد، ويجعلها مدبرة حين تقبل ومقدار خطوتها الطويلة أنملة فما بالنا بخطوتها القصيرة، وإنها لتهتز واقفة لا تسير ولا تتحرك كأنما هى زلزلة.
стр. 3513
وتكثر التورية فى شعر القاضى الفاضل وزير صلاح الدين كثرة مفرطة من مثل قوله متشوقا إلى مصر وإلى شربة من ماء النيل (١):
بالله قل للنيل عنى إننى ... لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لى شاهد ... أن كان طرفى بالبكاء بخيلا
يا قلب كم خلّفت ثمّ بثينة ... وأظن صبرك أن يكون جميلا
فقد غاب عن مصر مع صلاح الدين فى بعض رحلاته وحملاته إلى الموصل، وهو يعلن أن ماء الفرات لن يشفى غليله، ولن يكف بكاؤه شوقا إلى مصر ورياضها ونيلها. والتورية واضحة فى كلمة جميل بعد ذكره لبثينة صاحبة جميل الشاعر الغزل القديم.
ويتوقف ابن حجة الحموى بكتابه خزانة الأدب فى حديثه عن التورية ملاحظا أنه خلفت القاضى الفاضل شعبتان (٢): شعبة مبكرة وشعبة لا حقة، أما المبكرة فجميعها مصريون وجميع اللاحقة شاميون، ويعدّد المبكرة ومن قاموا عليها من المصريين فى القرنين السادس والسابع للهجرة مسميا لهم، وهم ابن سناء الملك من مثل قوله فى بعض غزله (٣):
ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبى وقرطك
فهى لا تمتلك قرطها الخافق المهتز وحده بل تمتلك أيضا قلبه الخافق، والتورية فى كلمة الخافقين وهما الشرق والغرب. ويذكر ابن حجة بعد ابن سناء الملك شعراء القرن السابع المصريين: الجزار والوراق وابن النقيب والحمّامى وابن دانيال ومحيى الدين بن عبد الظاهر، وسنلم ببعض توريات من سنترجم لهم منهم، ومن توريات ابن النقيب قوله المشهور (٤):
أقول وقد شنوا إلى الحرب غارة ... دعونى فإنى آكل الخبز بالجبن
والتورية فى الجبن واضحة. ومن توريات النصير الحمامى قوله فى بعض غزله (٥):
ويظننى حيّا رويت بريقه ... فإذا دعا قلبى يجاوبه الصّدى
стр. 3514
والمعنى القريب للصّدى المتصل بالدعاء والجواب وجع الصوت، والمعنى البعيد المراد الذى ورّى عنه النصير الحمامى هو العطش. ويتوقف ابن حجة طويلا عند توريات ابن نباتة، وقد روى منها أكثر من مائة تورية، غير ما رواه مما أخذه عنه الصفدى وغيره، ومن طريف تورياته قوله لمن أهدى إليه تمرا رديئا غالبه نوى، إذ كتب إليه (١):
أرسلت تمرا بل نوى فقبلته ... بيد الوداد فما عليك عتاب
وإذا تباعدت الجسوم فودّنا ... باق ونحن على النّوى أحباب
والمعنى القريب المتبادر لكلمة النوى هو نوى التمر، والمعنى البعيد الذى أراده ابن نباتة هو البعد والفراق.
ويترك ابن حجة توريات ابن نباتة إلى توريات من جاء بعده من المصريين أمثال ابن الصائغ الحنفى وفخر الدين بن مكانس وبدر الدين البشتكى وابن أبى الوفا وابن حجر العسقلانى المصرى. وتستمر التورية فى الحقبة العثمانية وكأنها والمزاج المصرى صنوان لا يفترقان. ويلقانا فى أيام العثمانيين شاعر فكه كان يعيش للهزل هو عامر الأنبوطى وسنترجم له عما قليل بين شعراء الفكاهة فى العصر.
ابن (٢) مكنسة
هو إسماعيل بن محمد الإسكندرى عاش فى القرنين الخامس والسادس للهجرة إذ توفى سنة ٥١٠ وفيه يقول أبو الصلت فى الرسالة المصرية: «شاعر مكثر التصرف، قليل التكلف، يفتنّ فى نوعى جدّ التعريض وهزله، وضارب بسهم فى رقيقه وجزله». وكان مع جودة شعره يتبذل فى مديحه وبلغ منه ذلك أنه انقطع إلى عامل مسيحى يسمى أبا مليح فى عهد بدر الجمالى وزير المستنصر وكأنه لم يجد عند بدر ما يغنيه، فلما تحوّلت الوزارة منه إلى ابنه الأفضل وتعرّض لا ستماحته لم يقبله ولم يقبل عليه، لقوله فى رثاء أبى مليح:
طويت سماء المكرما ... ت وكوّرت شمس المديح
ماذا أرجّى فى حيا ... تى بعد موت أبى مليح
стр. 3515
ويبدو أن البيت الثانى هو الذى آذى نفس الأفضل، فأعرض عنه وكفله عز الدولة بن فائق ويبدو أنه كان من كبار رجال الدولة الفاطمية، وله فى المديح كثير من الأبيات الطريفة كقوله:
يلقاك مبتهجا والغيث فى يده ... يهمى فيجمع بين الشمس والمطر
وقوله:
الطّود حاسد حلمه وأناته ... والسيف حاسد بأسه ومضائه
وله أشعار غزلية كثيرة كان يعرف كيف يسوق فيها أفكارا وصورا مبتكرة، وهو كالسابق إليها أو سابق فعلا من مثل قوله يصف خصلة من الشعر التوت على خد جميل فى شكل عقرب:
قلت إذ عقرب الدّلا ... ل على خدّه الشّعر
مارئى قطّ قبل ذا ... عقرب حلّت القمر
والحديث عن عقرب الشعر وقرنه ببرج العقرب قديم، وربما كان أروع من هذه الصورة، وهى بحق صورة مبتكرة له قوله:
لا تخدعنّك وجنة محمرّة ... رقّت ففى الياقوت طبع الجلمد
وعلى شاكلة هذه الصورة المبتكرة قوله:
الحسن فى وجنته وطرفه ... يفتح وردا ويغضّ نرجسا
وكانت له أشعار كثيرة فى المجون والخمر ومعاقرة الدنان، وكثيرا ما ينفذ منها إلى صور وخيالات بديعة من مثل قوله يصف الخمر وهى تصبّ من إبريق:
إبريقنا عاكف على قدح ... كأنه الأمّ ترضع الولدا
أو عابد من بنى المجوس إذا ... توهّم الكأس شعلة سجدا
وكان فى ابن مكنسة ميل شديد إلى الفكاهة والدعابة، وله فى ذلك نوادر وأشعار كثيرة، كان فيها يتماجن على طريقة أبى الشمقمق الذى عرضنا له فى كتاب العصر العباسى الأول، إذ كان دائم التصوير لبؤسه وفقره وخلو داره من الطعام وعبث الجرذان فيها وبنات وردان أو الصراصير، ويتابعه ابن مكنسة واصفا قبح داره وضيقها، قائلا:
стр. 3516
لى بت كأنه بيت شعر ... لابن حجاج من قصيد سخيف
أين للعنكبوت بيت ضعيف ... مثله وهو مثل عقلى الضعيف
بقعة صدّ مطلع الشمس عنها ... فأنا-مذ سكنتها-فى الكسوف
وهو يذكر عبث بنات وردان فيه وضيقه الشديد وقبحه، ويقول أنه يشبه بيت شعر سخيف من أشعار ابن حجاج المفحشة، ويقول إنه-مذ سكنه-فى الكسوف ولا يريد كسوف الشمس وهو المعنى القريب الملائم لما قبله، وإنما يريد المعنى البعيد من الخجل والاستحياء الشديد. وهى تورية واضحة. ومن قوله الفكه يشكو شيخوخته ووهن عظمه وكلال بصره:
عشت خمسين بل تزي ... د رقيعا كما ترى
أحسب المقل بندقا ... وكذا الملح سكرا
وأظن الطويل من ... كلّ شئ مدوّرا
قد كبر بر ببر ببر ... ت وعقلى إلى ورا
عجبا كيف كلّ ش ... يئ أراه تغيرا
لا أرى البيض صار يؤ ... كل إلا مقشّرا
وإذا دقّ بالحجا ... ر زجاج تكسّرا
وهو يعلن فى مطلع الأبيات أنه عاش ماجنا رقيعا، وكأنه لن يكفّ عن رقاعته ومجونه، ويصور شيخوخته وضعف نظره حتى لم يعد يفرق بين ثمر الدوم المسمى بالمقل والبندق ولا بين الملح والسكر ولا بين الطويل والمدور، ويجسّم ارتعاشه فى شيخوخته بالبيت الرابع إذا لم يكد يلفظ بكلمة كبرت حتى ارتعش به فمه مكونا شطرا من بيت، ويعجب أن كل شئ تغير، ونقرأ ما تغير فنستغرق فى الضحك، إذ تحولت الحقائق فى عقله الكليل إلى عجائب، فالبيض يؤكل مقشرا، والزجاج إذا دق بالحجارة تكسر. وما من ريب فى أن هذه الفكاهة فيه والدعابة هى التى جعلت المصريين لزمنه يلقبونه ابن مكنسة.
стр. 3517
الجزّار (١)
هو يحيى بن عبد العظيم ولد سنة ٦٠١ وتوفى سنة ٦٧٩ فهو من شعراء الدولتين: الأيوبية والمملوكية، نشأ بالفسطاط فى أسرة كانت تحترف الجزارة، ويقول ابن سعيد صديقه فى ترجمته له بكتاب المغرب: دكاكين أسرته فى الفسطاط عاينتها وأبصرته معهم بها. وكان فى أول أمره قصّابا وسال الشعر على لسانه وكانت ملكته خصبة فاحترفه، وقصد به السلاطين والأمراء وعمال الدولة فى الاسكندرية والمحلة ودمياط. وروى ابن سعيد فى ترجمته قطعة كبيرة من شعره ومدائحه، ويرجع تاريخ بعضها إلى سنة ٦٢٧ ويقول صاحب مسالك الأبصار: «قال الشعر وهو صغير أول ما احتلم، وطاف بأركان بيت له واستلم». ويشيد ابن سعيد بكرمه وما أغدق عليه من بره، ويذكر دعوته له مرارا للنزهة مع طائفة كبيرة من شعراء جيله أمثال ابن النقيب والسراج الوراق. وكانت للجزار مسامرات ولقاءات كثيرة مع البوصيرى والحمامى وابن دانيال، وجعله كرمه يقترب ممن كانوا يفدون على مصر أمثال ابن العديم وابن خلكان وابن سعيد الذى يشيد بوصف مروءته وكرمه وحسن عشرته. ويخيل إلى الإنسان كأن لم يبق سلطان ولا وزير ولا قاض ولا كبير فى الدولة إلا أسبغ عليه مدائحه، وهى مدائح وسطى ليست بالغة الجودة، ومع ذلك يقول الصفدى: «لم يكن فى عصره من يقاربه فى جودة النظم غير السراج الوراق، وهو كان فارس الحلبة، ومنه أخذوا وعلى نمطه نسجوا ومن مادته استمدوا» ويقول ابن سعيد: «رزق من حسن الاهتداء لغرائب المعانى وبدائع الالفاظ ما يدل على غوص فكره، وطريقه من أسهل الطرق التى يميل إليها العامة ولا ينكرها الخاصة، لقرب مأخذها وحسن منزعها».
وابن سعيد دقيق كل الدقة فى وصف لغة الجزار بأنها سهلة تميل إليها العامة، مع فصاحتها، وهى ظاهرة ترجع إلى نشأته، وأنه تربى بين طبقة العامة فى الفسطاط لزمنه، فطبيعى أن لا يجنح فى أشعاره إلى الألفاظ الغريبة إنما يجنح إلى الألفاظ الواسطة بين لغة العامة ولغة الخاصة بحيث يرضى الطرفين ويقع منهما موقعا حسنا. والجزار إحدى حلقات هذه السلسلة التى تصور صلة عامّة
стр. 3518
الشعب المصرى دائما بالشعر العربى صلة لا تنقطع، إذ دائما نرى شعراء من طبقة العامة الكادحة يرقون فى الشعر إلى درجة عالية مثل ظافر الحداد فى الحقبة الفاطمية، وكثير من معاصرى الجزار كانوا مثله من أبناء عامة الشعب نذكر منهم صديقه الوراق، وكان ورّاقا يبيع الكتب، وكذلك صديقه الحمامى، وكان له حمّام يقوم عليه، ومثل مجاهد الخياط بالفسطاط، وله فيه بيت مشهور لزمنهما دار على الألسنة إذ يقول:
وليس يرجوه غير كلب ... وليس يخشاه غير تيس
وردّ عليه الجزار غير غاضب بل كأنما يريد استمرارا فى الدعابة:
يرجّينا بنو كلب ... ويخشانا بنو عجل
ويبد أنه كان يعود فى بواكير حياته إلى القصابة والجزارة مما جعل صديقا له يسمى شرف الدين يعاتبه ويكثر من عتابه ولومه لتركه الأدب إلى حرفة الجزارة فقال:
كيف لا أشكر الجزارة ما عش ... ت حفاظا وأرفض الآدابا
وبها أضحت الكلاب ترجّي ... نى وبالشعر كنت أرجو الكلابا
ولا بد أن أزمة كرامة مرت به، فانسحب فترة إلى دكاكين أهله، ولكن سرعان ما عاد إلى الأدب وإلى الكرام من ممدوحيه وأصدقائه وزملائه الكثيرين.
وربما كان أهم ما يتصف به الجزار ميل متأصل فى نفسه إلى الفكاهة والدعابة، مما جعله يشبّة بابن مكنسة وأبى الشمقمق العباسى فى الشكوى من بؤسه وفقره مداعبا متفكّها بمثل قوله:
لى من الشمس خلعه صفراء ... لا أبالى إذا أتانى الشّتاء
بيتى الأرض والفضاء به سو ... ر مدار وسقف بيتى السماء
لو ترانى فى الشمس والبرد قد أن ... حل جسمى لقلت إنى هباء
كلما قلت فى غد أدرك السّؤ ... ل أتانى غد بما لا أشاء
فحتى الثياب لا يجدها، وبيته الأرض وسقفه السماء، وقد أنحله البرد حتى صار شبحا لا يكاد يرى، وكل يوم يأمل ويرجو ويخيب الأمل والرجاء، إذ لا ينال شيئا من دنياه سوى اليأس والشقاء، ويعود إلى وصف داره قائلا:
стр. 3519
ودار خراب بها قد نزلت ... ولكن نزلت إلى السابعة
فلا فرق ما بين أنى أكون ... بها أو أكون على القارعه
وأخشى بها أن أقيم الصلاة ... فتسجد حيطانها الراكعه
إذا ما قرأت: (إذا زلزلت) ... خشيت بأن تقرأ: (الواقعه)
إنها دار خربة هوت به إلى الأرض السابعة ولا سقف ولا حيطان فكأنه على القارعة أو على الطريق. وإنه ليخشى أن يقيم بها الصلاة فتنقضّ حيطانها. ويتندر قائلا إذا قرأت فى صلاتى سورة الزلزلة خشيت أن تقرأ هى سورة الواقعة، والتورية واضحة، ويعود إلى ثيابه ويصف جبّة له هذا الوصف الفكه:
لى نصفيّة تعدّ من العمر ... سنينا غسلتها ألف غسله
كلّ يوم يحوطها العصر والدّقّ ... مرارا وما تقرّ بعمله
أين عيشى بها القديم وذاك المتّيه ... فيها وخطرتى والشّمله
حيث لا فى أجنابها رقعة قطّ ... ولا فى أكمامها قطّ وصله
فهى نصفية أو «جبّة» طالما لبست وغسلت وصبغت، وفى كلمة «العصر» تورية لأنها كانت شائعة الدلالة على عصر الخصيتين تأديبا للمجرمين وتقريرا لهم، وترشحها فى البيت كلمة الإقرار بالعملة وهى بفتح العين الجناية وبالضم النقود. والشملة لا تزال تستعمل فى العامية المصرية على ما يتلفع به الرجال من الصوف أو الحرير، وهى فصيحة. والأبيات مختارة من قطعة طويلة مضحكة فى وصف هذه الجبة البالية. وصلى التراويح عند الوزير بهاء الدين بن حنّا فقرأ الإمام فى ركعة من ركعات التراويح سورة الأنعام، فقال توّا:
مالى على الأنعام من قدرة ... لاسيّما فى ركعة واحده
فلا تسومونى حضورا سوى ... فى ليلة الأنفال والمائده
ولكلمة الأنفال معنى قريب هو السورة الكريمة ومعنى بعيد هو الهبات، وهو المراد، وبالمثل لكلمة المائدة معنى قريب هو سورتها فى القرآن ومعنى بعيد هو مائدة الطعام وهو المراد. وله فى أطعمة رمضان: القطائف والكنافة وما إليها مداعبات كثيرة من مثل قوله:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر ... وجاد عليها سكر دائم الدّرّ
стр. 3520
والقطر هنا السكر، والدر: الهطلان والكثرة.
وتزوج أبوه امرأة متقدمة فى السن، فمضى ينتقم منه ومنها بفكاهات واصفا فيها هرمها، مصورا ضعف عقلها لكبر سنها وقبح وجهها كما يزعم بمثل قوله:
تزوّج الشيخ أبى شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن
لو برزت صورتها فى الدّجى ... ما جسرت تبصرها الجن
كأنها فى فرشها رمّة ... وشعرها من حولها قطن
وقائل قال فما سنّها ... فقلت ما فى فمها سنّ
والبيت الثالث شديد الإقذاع لهذه المرأة المسنة، واستخدام التورية فى البيت الأخير إذ سئل عن سنها أى عمرها، فجعل السؤال عن أسنانها.
وينظم فى حمار له مقطعات كثيرة فكهة، ومات فأكثر من رثائه محاكيا بشارا فى رثائه لأتانه، وجمع بعض معاصريه مراثيه لحماره فى مجلد، وهى مراث تدور على الدعابة الخالصة.
ومن قوله اللاذع فى أحد البخلاء لأيامه:
لا يستطيع يرى رغي ... فا عنده فى البيت يكسر
فلو انّه صلّى-وحا ... شاه لقال الخبز أكبر
وفى الحق أنه كان جعبة فكاهة ودعابة، وهو أحد من أكثروا لزمنه صنع التوريات، وقد روى له ابن حجة طائفة كبيرة، منها قوله:
قلت لسقم الجسم منى وقد ... أفرط بى فرط ضنا واكتئاب
فعلت بى يا سقم ما لم يكن ... تلبس-والله-عليه الثياب
والشطر الأخير له معنيان: المعنى الظاهر الضنا والنحول حتى لا تكاد الثياب تلبس، والمعنى البعيد المراد وهو: ما لا يصح ولا يجوز أبدا.
стр. 3521
السراج (١) الوراق
هو سراج الدين عمر بن محمد بن حسن رفيق الجزار وصديقه، ولد مثله بالفسطاط سنة ٦١٥ وتوفى سنة ٦٩٥ وفيه يقول ابن تغرى بردى: «كان إماما فاضلا أديبا مكثرا متصرفا فى فنون البلاغة، وهو شاعر مصر (الفسطاط) فى زمانه بلا مدافعة» ويقول صاحب فوات الوفيات:
«كان حسن التخيل، جيد المقاصد، صحيح المعانى، عذب التراكيب عارفا بالبديع وأنواعه». ولم يكثر أحد من الشعر إكثاره إذ كان ديوانه سبعة أجزاء كبار، وأكثره مقطوعات قصيرة. ويمتاز شعره-مثل الجزار-بالسهولة المفرطة، لسبب طبيعى، وهو أنه نشأ فى أسرة شعبية متواضعة، ومازال الشعر يصعد به حتى عيّن كاتبا للدرج عند بعض الأمراء، ويبدو أنه لم يظل فى ذلك طويلا وأنه احترف الوراقة، وفى شعره مدائح لبعض السلاطين والأمراء كقوله فى الظاهر بيبرس أثناء الاحتفال بافتتاح مدرسته الظاهرية:
وشيّدها للعلم مدرسة غدا ... عراق إليها شيّق وشآم
ولا تذكرن يوما نظاميّة لها ... فليس يضاهى ذا النظام نظام
وهو يجعلها فوق نظامية بغداد المشهورة التى بناها بها نظام الملك الوزير السلجوقى المشهور، وقد عرضنا لها فى حديثنا عن العراق بالجزء السابق من هذه السلسلة ومدى إنفاقه عليها وعلى العلماء والطلاب بها، وما حبس عليها من أوقاف دارّة، وكان لها شأن بعيد فى النهضة العلمية ببغداد. ومر بنا حديث عن المدرسة الظاهرية فى فصل الثقافة. وللوراق مرثية بديعة فى المعز أيبك حين قتل، يقول فيها:
نقيم عليه مأتما بعد مأتم ... ونسفح دمعا دون سفح المقطم
وله شعر غزل كثير مثل الجزار ولا نحس عنده بحرقة ولا بلوعة، مثله فى ذلك مثل صاحبه، ومن قوله فى بعض غزله:
стр. 3522
فى خدّها ضلّ علم الناس واختلفوا ... أللشقائق أم للورد نسبته
فذاك بالخال يقضى للشقيق وذا ... دليله أن ماء الورد ريّقه
وإذا غضضنا النظر عن حشره لعلم الناس واختلافهم فى خدّ صاحبته، فإن الصورة تبدو بعد ذلك بديعة ومعروف أن الشقيق قاتم الحمرة، وقد أبدع فعلا إذ جعل دليل نسبة الخد إلى الورد رى صاحبته الشبيه بمائه. ومن غزله أيضا:
لا تحجب الطيف إنى عنه محجوب ... لم يبق منى لفرط السّقم مطلوب
ولا تثق بأنينى إن موعده ... بأن أعيش للقيا الطّيف مكذوب
هذا وخدّك مخضوب يشاكله ... دمع يفيض على خدّىّ مخضوب
تأوّد الغصن مهتزّا فأنبأنا ... أن الذى فيك خلق فيه مكسوب
وإنه ليتمنى رؤية خيال المحبوبة قبل موته وهيهات، ويقول إنه يبكى دما قانيا كخد صاحبته فى حمرته. ويزعم أن ميلان الغصن واهتزازه إنما هو خلق فيه اكتسبه من تقليد صاحبته. وهو يستعير صورة الكسب فى البيت من رأى المعتزلة فى أن الإنسان يكسب عمله بفعله لا بقدر مقدور عليه.
وأهمية السراج الوراق فى تاريخ الشعر المصرى كأهمية الجزار، إنما ترجع إلى جانب الفكاهة والدعابة عنده، وقد خطا بفن التورية خطوة أوسع من خطوة صديقه الجزار، مستغلا فيها إلى أبعد حد لقبه: السراج الوراق كما استغل الجزار لقبه فى كثير من تورياته. ومن المؤكد أن السراج أربى عليه فى هذا الباب حتى قال له بعض معاصريه: «لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك» ومن تورياته فى لقبه السراج قوله مادحا:
كم قطع الجود من لسان ... قلّد من نظمه النّحورا
فها أنا شاعر سراج ... فاقطع لسانى أزدك نورا
وهو يشير إلى السراج الحقيقى حين يقول «اقطع لسانى» وهو إنما يريد النوال الذى يقطع لسانه ويزيده مدحا وتنويها وإشادة. ومن تورياته فى لقبه الوراق:
واخجلتى وصحائفى قد سوّدت ... وصحائف الأبرار فى إشراق
стр. 3523
وفضيحتى لمعنّف لى قائل ... أكذا تكون صحائف الورّاق
فهو خجل من لقاء ربه بصحائفه السود، ويقول له لائمه: أكذا تكون صحائف الوراق سوداء، بينما ينبغى أن تكون مشرقة بيضاء كصحائف زملائه من الوراقين. ومن تورياته فى غير لقبه «السراج» وصناعته «الوراق»:
أصون أديم وجهى عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديب
وربّ الشّعر عندهم بغيض ... ولو وافى به لهم حبيب
ولكلمة حبيب معنيان: معنى قريب من الحب، ومعنى بعيد هو أبو تمام إذ اسمه حبيب، وهو المعنى المراد. ومن تورياته البديعة قوله:
دع الهوينى وانتصب واكتسب ... واكدح فنفس المرء كدّاحه
وكن عن الراحة فى عزلة ... فالّصفع موجود مع الرّاحه
ولكلمة الراحة معنيان: معنى أول هو الراحة من الاستراحة، ومعنى ثان هو الكف أو اليد، ومن تورياته فى بقلة معروفة فى مصر باسم «الرجلة» وقد أضافه بعض أصدقائه، فداعبه قائلا:
وأحمق أضافنا ببقله ... لنسبة بينهما ووصله
إذ مدّ فى وجه الضيوف رجله
وهو لا يريد مد الرجل الحقيقية، وإنما يريد مد طعام الرجلة على المائدة، مما يدل بوضوح على حضور بديهة الوراق. ومن تورياته.
فسّر لى عابر مناما ... فصّل فى قوله وأجمل
وقال: لا بد من طلوع ... فكان ذاك الطلوع دمّل
والطلوع: الصعود والرقى، واستغل الوراق تسمية العامة للدمل طلوعا، وصنع هذه التورية البارعة. وفى كتاب خزانة الأدب للحموى توريات كثيرة للسراج الوراق اقتظفنا منها ما أنشدناه.
ووراءها توريات لا تقل عنها لطفا وبراعة.
стр. 3524
ابن (١) دانيال
هو شمس الدين محمد بن دانيال، ولد سنة ٦٤٦ للهجرة بالموصل وتركها فتىّ إلى القاهرة، ولا نعرف أسباب هجرته من بلدته ولا تاريخ هذه الهجرة، ويقال إنه نزل القاهرة فى سن العشرين، ويلقب بالكحّال، ويقولون: كان له دكان كحل داخل باب الفتوح ويلقبونه بالحكيم وليس معروفا بالضبط هل احترف طب العيون أو كان تاجر كحل وبائعه فقط. وأغلب الظن أنه كان يعالج العيون لقوله:
يا سائلى عن حرفتى فى الورى ... واضيعتى فيهم وإفلاسى
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس
والتورية فى الشطر الأخير واضحة، وهى عبارة تدور على ألسنة العامة، يقولون يأخذ حقه من عينه أى رغم أنفه، وهو لا يريد ذلك إنما يريد الإشارة إلى صنعته وحرفته. وكانت تنعقد فى دكانه أغلب الليالى ندوة سمر يجتمع فيها كبار الفكهين لزمنه من أمثال الجزار وابن النقيب والوراق والحمامى، ويروى أنهم جاءوه يوما فقالوا له: نحتاج إلى عصيّات يومئون بذلك إلى أن من يداوى عيونه يجهز على بصره فيصبح ضريرا محتاجا إلى عصا تقوده، فقال لهم على الفور: ليس عندى إلا أن يكون فيكم من يقود لله تعالى. وكان يلازم الأشرف خليل ابن السلطان قلاوون قبل تقلده الحكم فى عهد أبيه، وأعطاه يوما فرسا ومرت أيام فإذا به يراه على حمار أعرج، فقال له:
يا حكيم أما أعطيناك فرسا تركبه؟ فأجابه مسرعا: نعم بعته وزدت على ثمنه واشتريت هذا الحمار، فضحك الأشرف وأعطاه فرسا آخر. ومن تورياته الطريفة قوله:
قد عقلنا والعقل أىّ وثاق ... وصبرنا والصّبّر مرّ المذاق
كلّ من كان فاضلا كان مثلى ... فاضلا عند قسمة الأرزاق
وكلمة «فاضلا» الثانية ليست من الفضيلة كسابقتها. وإنما من الفضل بمعنى الزائد عن
стр. 3525
الحاجة. وهذا الجانب الفكه فى ابن دانيال استطاع أن ينفذ منه إلى صنع ثلاث تمثيليات أو كما يسميها بابات لتمثّل على مسرح خيال الظل فى أيامه، وهو مسرح دمّى متحركة متحاورة، واسم أولاها «طيف الخيال» والثانية «عجيب وغريب» والثالثة «متيم». وتصور الأولى الحياة الاجتماعية لعهد الظاهر بيبرس. والثانية تصور سوقا مصرية ومن فيها من أخلاط الناس والأمم وقد جمدت ألسنتهم عند لهجاتهم الوطنية فى بلدانهم وصور معينة من كلامهم تثير الضحك فى النظارة. وتصور الثالثة الحيل وخاصة حيل المحبين مع صور مضحكة من عراك الديكة ونطاح الكباش والثيران.
وأبدع المسرحيات الثلاث وأطرفها «طيف الخيال» وهى مسرحية شعرية نثرية ونثرها مسجوع كنثر المقامات وليس فيها لفظ غريب، وكأنما حاول ابن دانيال أن يجعلها قريبة قربا شديدا إلى عامية أهل القاهرة لزمنه، وهو يفتتحها بتقديمه لطيف الخيال الأحدب الموصلى متغنيا بفضله وجدّه وهزله، ويسلّم سلام القادم ويرد عليه الريس السلام مادحا له ولحدبته بمثل قوله:
قسما بحسن قوامك الفتّان ... يا أوحد الأمراء فى الحدبان
يا مشبه الغصن الرطيب إذا انثنى ... من حدبتيه يميس بالرمّان
يا مخجلا شكل الهلال بقدّه ... حاشاك أن تعزرى إلى نقصان
ويستمر فى ثحسين حدبته، فهو صاحب ردفين، وهو جمل جليل السنّام، بل هو كالعود الأحدب المطرب. ويرد طيف الخيال عليه: لا فضّ الله فاك، ولا أقال من سيف الحسبة قفاك.
وكان الحاسب رجل شرطة وقانون. فهو يتمنى أن يظل سيفه مسلطا على قفاه. ويغنى طيف الخيال بأبيات يستقبل بها النظارة من الحاضرين، ويذكر أنه جاء مصر من الموصل زمن الظاهر بيبرس حين أمر فى سنة ٦٦٦ بتحريم المنكرات وإغلاق الحانات وإعدام أحد أصحابها المسمى ابن الكازرونى بعد تجريسه فى الطرقات وفى عنقه دنّ نبيذ أو نباذية. وإلى ذلك يشير طيف الخيال، إذ يقول ابن دانيال على لسانه:
لقد كان حدّ السّكر من قبل صلبه ... خفيف الأذى إذ كان فى شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى ... ألا تب فإنّ الحدّ قد جاوز الحدّا
والتورية واضحة فى كلمة «جاوز الحد» إذ لا يريد المعنى المتبادر من مجاوزة الشئ لحده
стр. 3526
وإفراطه، وإنما يريد مجاوزة الحد الشرعى فى العقوبة. ويتوقف طيف الخيال الأحدب ليرثى إبليس وغواياته ويندب تحطيم أوانى الخمر ودنانه وندمانها وسقاتها بمثل قوله:
مات-يا قوم-شيخنا إبليس ... وخلا منه ربعه المأنوس
والقنانى به تكسّرن والخمّ ... ار من بعد كسرها محبوس
وذوو القصف ذاهلون وقد كا ... دت على سيلها تسيل النفوس
والحرافيش حولها يتباكو ... ن بنار تراع منها المجوس
وقضيب ونرجس وسعاد ... باكيات ونزهة وعروس
والمرثية طويلة، واكتفينا منها بهذه الأبيات لندل على ما تموج به من هزل ودعابة. ويذكر طيف الخيال أنه جاء إلى مصر يبحث عن أخيه الأمير وصال، وهو أمير مزيف، ويظهر أخوه، ويطلب الأمير كاتبه، ويحدّثه فى توقيعات وودائع، ويأمره بكتابة تقليد بولاية، تدليسا وافتراء.
ويلقب الكاتب طيف الخيال بلقب صرّبعر انتقاما منه حين هزئ به، فى مقابل لقب لشاعر بغدادى مشهور يسمى صرّدرّ. ويذكر وصال لأخيه أنه قد عزم على ترك الخلاعة والمجون والتوبة إلى الله والعمل بعمل أهل السنة والجماعة، بادئا بالزواج. وتبدأ مشاهد التمثيلية من حين هذا اللقاء بين وصال وأخيه وتدور حول مشكلة الخاطبة فى الحقب الماضية وما كان ينشأ عنها من أغلاط فى تبين حقائق العروسين، فالزوج يدّعى أنه من أمراء الموصل ومعه كاتبه وحاسبه المزيف، وحقيقته أنه بائس فقير لا يملك شروى نقير كما يقول بلسانه فى التمثيلية، حين طلب منه المهر. وقد أطلق البخور ورشّ الطّيب على الحضور وينشد:
أمسيت أفقر من يروح ويغتدى ... ما فى يدى من فاقتى إلا يدى
فى منزل لم يحو غيرى قاعدا ... فإذا رقدت رقدت غير ممدّد
وترى البعوض يطير وهو بريشه ... فإذا تمكّن فوق عرق يفصد
والفار يركض كالخيول تسابقت ... من كلّ جرداء الأديم وأجرد
وترى الخنافس كالزنوج تصفّفت ... من كل سوداء الأديم وأسود
هذا ولى ثوب تراه مرقّعا ... من كل لون مثل ريش الهدهد
ومع ذلك يزفّ الأمير وصال على عروسه، وحين تكشف عن وجهها يصيبه الذهول لهرمها
стр. 3527
وقبحها المتناهى، وينادى على الخاطبة وتأتيه ويشكو منها. وينشد طيف الخيال على لسانه شكوى مرة من زوجته. ويصور ما يتعاطاه من الحشيش وما يرسم له من الخيالات والأوهام، حتى ليرى وجهه فى زير مملوء ماء فيظن به لصا إذ يراه يعبس ويضحك مثل عبسه وضحكه، فيحطمه حطما. وتموت الخاطبة وينوح عليها زوجها بمثل قوله:
ساعدونى بالنّوح والتعديد ... بعد فقد العجوز أمّ رشيد
هلكت آخر الليالى السود ... يا ليالى الوصال بالله عودى
والتمثيلية تزخر بالمواقف المتناقضة كما تزخر بهذه الروح الفكهة، ويتخللها الغناء والرقص ويطّرد فيها التسلسل، وشخوصها فى غاية الوضوح. وهى تصور جوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية والسياسية وعلاقات الرجال بالنساء وعلاقات الشعب بحكامه فى تلك الحقبة. ومازال ابن دانيال يمتع أهل القاهرة بتمثيلياته الهزلية وفكاهاته التى كانت تدور فى أفواه الناس حتى وفاته سنة ٧١٠ للهجرة.
عامر (١) الأنبوطى
يقول الجبرتى فى ترجمته: «شاعر مفلق هجاء» ويقول إنه كان يقيم فى بلده ويلم بالقاهرة من حين إلى حين فيزور العلماء والأعيان، وكلما رأى قصيدة مشهورة سائرة قلبها وزنا وقافية إلى الهزل والطبيخ، فكان الشيوخ والشعراء يتحامونه ويكرمونه ويجزلون له فى العطاء، وكان فيه ظرف يجعلهم يأنسون لكلامه ويهشون لشعره الفكه. من ذلك نظمه لألفية فى الطعام على غرار ألفية ابن مالك فى النحو، استهلّها بقوله:
يقول عامر هو الأنبوطى ... أحمد ربى لست بالقنّوطى (٢)
وأستعين الله فى ألفيّه ... مقاصد الأكل بها محويّه
فيها صنوف الأكل والمطاعم ... لذّت لكل جائع وهائم (٣)
طعامنا الضّانى لذيذ للنّهم ... لحما وسمنا ثم خبزا فالتقم
стр. 3528
فإنها نفيسة والأكل عمّ ... مطاعم إلى سناها القلب أمّ (١)
والأصل فى الأخباز أن تقمّرا ... وجوّزوا التّقديد إذ لا ضررا (٢)
ولا ريب فى أن شيوخ الأزهر وطلابه حين كانوا يسمعون منه شيئا من أشعار هذه الألفية يغرقون فى الضحك إغراقا، لأنه نقل أكثر صنيع ابن مالك فى ألفيته النحوية الجادة منتهى الجد إلى هذه الألفية الجديدة المضحكة غاية الضحك. ورأى أن لامية العجم للطغرائى تستولى على إعجاب الشعراء والناس منذ زمنه فى القرن السادس لما تحمل من حكم وخبرات تنفع الناس فى حياتهم وسلوكهم، فنظم على وزنها وقافيتها لامية فى المطاعم من مثل قوله:
أناجر الضّان ترياق من العلل ... وأصحن الرزّ فيها منتهى أملى (٣)
ولا خليل بدفع الجوع يرحمنى ... ولا كريم بلحم الضّان يسمح لى
طال التلهف للمطعوم واشتعلت ... حشاشتى بحمام البيت حين قلى
أريد أكلا نفيسا أستعين به ... على العبادات والمطلوب من عملى
وكانت لابن الوردى الشامى المتوفى سنة ٧٤٩ قصيدة لامية جعلها جميعا حكما وأمثالا، طارت شهرتها بين معاصريه ومن خلفوهم فصاغ على وزنها لامية حكمية فى الطعام، يقول فيها:
اجتنب مطعوم عدس وبصل ... فى عشاء فهو للعقل خبل
وعن البيصار لا تعن به ... تمس فى صحّة جسم من علل
واحتفل بالضان إن كنت فتى ... زاكى العقل ودع عنك الكسل
من كباب وضلوع قد زكت ... أكلها ينفى عن القلب الوجل
وطعام العدس والبصل وكذلك البيصار من الأكلات الشعبية المصرية، وهو ينهى عن أكلها ويدعو إلى أكل لحم الخرفان الضانى وما يتخذ منه من طعام الكباب واللحم المشوى.
وكان عامر بهذه الأشعار وما يماثلها يطرف معاصريه فى القاهرة ويسرّى عن نفوسهم بهزله ويجعلهم يستغرقون فى الضحك، بما يعرض عليهم فى أشعاره الفكهة من أصناف الأطعمة وألوان
стр. 3529
الحلوى، مع إكثاره من دعاء ربه أن ينيله «كبابا» ودواء من الحلوى والخشاف. ومازال ذلك دأبه فى أشعاره حتى توفى سنة ١١٧٣ للهجرة.
٦ - شعراء شعبيون
ليس معنى هذا العنوان أن شعراء مصر لهذا العصر ينقسمون إلى شعبيين وغير شعبيين، فشعراؤها جميعا كانوا شعبيين إذا أردنا من نشأوا فى بيئات شعبية ولم يكونوا من أبناء القصور أو من الطبقات الأرستقراطية. ونستطيع أن نستثنى فقط تميم بن المعز أول خلفاء الدولة الفاطمية بمصر، فهو وحده الذى نستطيع أن نقول عنه إنه نشأ فى ترف ونعيم، أما بعد ذلك فالشعراء كانوا من أبناء الشعب، وكثيرون منهم كانوا من طبقته الدنيا التى تمتهن الحرف والصناعات، بل هم أنفسهم كانوا يمتهنون تلك الصناعات والحرف على نحو ما مر بنا فى حديثنا عن ظافر الحداد وأنه نشأ حدادا، وتفجر ينبوع الشعر على لسانه، فترك عالم الحدادة إلى عالم الشعر والفن. ويلقانا كثيرون من هؤلاء الشعراء المحترفين حرفا متنوعة مثل الجزار والوراق ومجاهد الخياط والحمامى الذين عرضنا لهم فى حديثنا عن شعراء الفكاهة.
ومعنى ذلك أننا لا نريد أن نتحدث عن شعبية شعراء العصر بهذا المعنى من نشأتهم فى الأوساط الشعبية، فهى نشأة مشتركة تجعلهم جميعا شعراء شعبيين، إنما نريد معنى أدق من ذلك معنى يتصل بلغة طائفة من شعراء مصر فى العصر رأوا أن ينظموا بلغة الحياة اليومية حتى يصلوا مباشرة إلى التأثير فى الناس باستخدام العامية لغتهم فى التخاطب اليومى. وكانت قد نشأت فى البلاد العربية فنون شعرية عامية، هى الزجل أنشأته أو استحدثته الأندلس، والمواليّا استحدثه أهل واسط بالعراق، والكان وكان استحدثته بغداد ومثله القوما. وسرعان ما شاعت هذه الفنون فى العالم العربى وخاصة الزجل والمواليا.
والزجل أنواع منه ما يسمى بالاسم الأصلى وهو الزجل ويختص بالغزل والنسيب والخمر والطبيعة، ومنه ما سمّته مصر بلّيقا وجمعته على بلاليق، وهو ما تضمن الغزل أو الخلاعة والأحماض، ومنه ما سمّى قرقيّا وهو ما تضمن الهجاء أو الهزل، ومنه ما سمّى مكفّرّا وهو ما تضمن المواعظ والحكمة، وكأنهم اشتقوه من تكفير الذنوب. ومرّ بنا أن الشريف العقيلى فى القرن
стр. 3530
الخامس كان يختم كل قافية من قوافى ديوانه بأبيات مكفّرة لما قدم فى القافية من مجون.
وأخذت مصر منذ القرن السادس الهجرى تشترك فى صنع الزجل بأنواعه السابقة، وأخذت تلّطف أساليبه وأوزانه حتى بلغت فيه غاية لا تكاد تدرك، وكما أقبلت على الزجل بالمعنى العام أقبلت على البلّيق وهو زجل هزلى ويقول ابن سعيد فى منتصف القرن السابع الهجرى: «كان بالفسطاط جماعة يصنفون البلّيق، وهو على طريقة الزجل الأندلسى، منهم ساكن البلّيقى، ومن بلّيقاته:
بسّى من الدين الثانى ... نرجع لدينى الحقانى
نرجع لدينى الأول ... عن النّسا لس نتحوّل
إن كنت ف ذا تتقوّل ... اصفع وقطّع آذانى
وهذا من الطراز العالى فى هذا الفن، وهو عنوان كاف عن غيره (١)». واشتهر فى القرن السابع ابن دقيق العيد ينظم البلاليق (٢) وممن اشتهر فى القرن الثامن بصنع البلاليق زين الدين القوصى وقد روى له ابن حجر بلّبقا (٣) ومثله سراج الدين عمر بن مولاهم، وقد روى له ابن تغرى بردى بلّيقا (٤) هزليا رقص به منشدوه بين يدى السلطان حسن، وفيه يقول:
من قال أنا جندى خلق ... فقد صدق
عندى قبا من عهد نوح ... على الفتوح (٥)
لو صادفوا شمس السطوح ... كان احترق
وقد أشار بقوله: «أنا جندى خلق» أى هرم إلى يلبغا مملوك السلطان وكان واقفا بين يديه، وأغرق السلطان فى الضحك واستعاد البلّيق مرارا. وبجانب البلاليق تلقانا أزجال كثيرة فى هذا العصر، من ذلك مطلع زجل رواه صفى الدين الحلّى، وكان قد نزل القاهرة فى العقد الثالث من القرن الثامن الهجرى، وهو يجرى على هذا النمط (٦):
стр. 3531
من نعشقوا سيد الملاح فى خدّو ما ونار ... طرّزوا من زانوا بالعذار
عرضت لو بالالتماح صار وردو كالبهار (١) ... وتبدّل لونو بالصّفار
وأنشد زجلا مصريا كاملا، قال: سمعته للمصريين، وهو يصور خفة روحهم ورقتهم ولطفهم وظرفهم، ومما جاء فيه (٢):
لس غريب من فارق أوطانو ... أو بعد عن ناظرو المحبوب
إلا من دارو قبل دارو ... والحبيب عن ناظرو محجوب
حبّى عنّى حجّبوه أهلو ... وأسرفوا فى جمع حفّاظو
والرّقيب قد غيّبوا عنى ... حتى عنى قيد الفاظو
كل يوم لأجلو يغيظ قلبو ... ربّ غيظ قلب الذى غاظو
ما خطر إلا وهو خائف ... أو عبر إلا وهو مرعوب
لس نطيق نلفظ معو لفظه ... لا ولا نرسل إليه مكتوب
ريت حبيبى فى الرياض يمرح ... بين أقرانو وأترابو
قلت قد صحّ المثل فينا من ... لقى أحبابونسى آصحابو
قال لى قد ضجّت بنا اعدانا ... ورمونا قلت ما صابوا
والزجل يسيل رقة ونعومة وعذوبة. وقد روى صاحب خزانة الأدب قطعة من زجل ابن القماح فى وصف النرجس (٣). ولما توفى السلطان الأشرف شعبان سنة ٧٧٨ حزن الناس عليه حزنا عظيما ورثاه الشعراء بعدة قصائد، كما رثاه الزجالون ومن قول أحدهم (٤):
كوكب السعد غاب من القلعه ... وهلالو قد انطفا بأمان
وزحل قد قارن المرّيخ ... لكسوف شمس الضّحى شعبان
ومن أطرف الأزجال المصرية لعهد المماليك زجل نشرته قديما بمجلة الثقافة (٥) نظمه زجال مصرى فى رثاء الفيل مرزوق، وهو فيل كان قد أهداه تيمور لنك فى أوائل القرن التاسع الهجرى إلى سلطان مصر، وتصادف أن الغلمان الموكّلين به ساروا معه نحو بولاق ورجعوا مجازفين به على
стр. 3532
قنطرة ضعيفة فوق ماء، فانخسفت به ولم يقدر أحد على إنقاذه ومات، وخرج الناس زمرا يتفرجون عليه، وأنشأ فيه بعض الزجالة مرثية بديعة، وفيها يقول على لسان زوجته باكية له نادية:
سهم الفراق قد صاب قلبى ... يا مسلمين
ونا غريبه هنديّه ... قلبى حزين
وعيّطت حتى أبكت ... جيرانها (١)
من كتر ما ناحت ناحوا ... لأحزانها
من نارها صارت تلطم ... بودانها (٢)
حتى الزرافة جاءتها ... متحسّره
تبكى على الفيل اللى مات ... فى القنطرة
وكانت لدى هذا الزجال روح فكهة ولفتات ذهنية بديعة، إذ جعل زوجة الفيل هندية كما جعلها تلطم «بودانها» أو آذانها، واختار الزرافة لتساعدها فى حزنها لما يبدو عليها دائما من تأمل وحزن كأنما ضاع منها شئ. ويبدو أن الزجل ازدهر حينئذ بمصر. وفى دار الكتب مجلد نفيس لأحمال زجل مصرية مطبوع بباريس.
وتظل الأزجال حية فى الحقبة العثمانية ومثلها المواليا، وهى الفن الشعبى العامى الثانى الذى استكثر منه المصريون ومعروف أنه يخرج من بحر البسيط، ونجده فى ديوان ابن الفارض الصوفى، واشتهر به فى عصر المماليك أبو بكر بن العجمى عين كتاب الإنشاء فى مطلع القرن التاسع الهجرى وكان إمام فن المواليا (٣) لزمنه وضروبه المتشعبة، ومن موالياته:
للحبّ قالوا معنّاك الذى اذبلتو ... جدلو بقبله فقلبو فيك خبّلتو
فقال أقسم لو انّ البوس سبّلتو ... ومات، للشّرق مادرتو وقبّلتو (٤)
стр. 3533
وتظل المواليا حية فى أيام المماليك وأيضا فى أيام العثمانيين. وكانت تتوزعها منذ القرن السابع الهجرى الأنواع التى مرت فى الزجل وهى: البلّيق، وموضوعه الغزل وقد تصحبه الخلاعة، وأنشد الجبرتى من أمثلته الغزلية البارعة قول الشيخ الشمس الحفنى الشافعى الخلوتى:
خطر علىّ غزالى مر ما اتكلّم ... فوّق جفونه وقلبى والحشا اكّلّم
إيش كان يضرّه إذا بالراس لى سلّم ... حتى أسر مهجتى لولا السلام سلّم
والنوع الثانى القرقيا وينظم فى الهزل والفكاهة وما يتصل بهما ويسوق الجبرتى منه مثل قول حسن شمّه.
قالوا تحب المدمّس؟ قلت بالزيت حارّ ... والعيش الابيض تحبّه قلت والكشكار
قالوا تحب المطبّق؟ قلت بالقنطار ... قالوا اش تقل فى الخضارى قلت عقلى طار
والفول المدمس طعام شعبى لأهل مصر ومثله الكشك، والمطبق نوع من الرقاق محشو بالنقل والسكر، أما الخضار فمن طيور البحيرات. والنوع الثالث من المواليا المكفّر وينظم فى الحب الإلهى والمديح النبوى والمواعظ وفى ديوان ابن الفارض منه أمثلة متعددة. ويسوق منه الجبرتى قول الشيخ شمس الحفنى أو الحفناوى وهو مواليا يمكن قراءتها معربة على هذا النمط.
بالله يا قلب دع عنك الهوى واسلم ... من كلّ ميل ووافى عهدهم أسلم
والزم حمى سادة من أمّهم يسلم ... واسلك سبيل التّقى يوم اللّقا تسلم
ويقول صفى الدين الحلى إن القوما خاصة بسحور رمضان من قول المغنين فى آخر كل بيت فيها «قوما قوما للسحور». أما الكان وكان فالشطر الأول من البيت فيه غالبا يكون أطول من الشطر الثانى وهو خاص بالحكايات والخرافات والمراجعات فكأن قائله يحكى ما كان وكان. ويقول إن فن القوما وكذلك فن الكان وكان لا يعرفهما سوى أهل العراق (١). ويحكى ابن تغرى بردى منه منظومة فى وقعة قوصون ساقى الناصر بن قلاوون وما كان من قتله، وهى تستهل على هذا النمط (٢):
من الكرك جانا الناصر ... وجب معه أسد الغابه
стр. 3534
ووقعتك يا أمير قوصون ... ما كانت الا كدّابه
ويبدو أن المصريين حاكوا فن القوما العراقى أيضا، إذ نرى الجبرتى فى الحقبة العثمانية يتوقف مرارا ليقول إن هذا الشاعر أو ذاك كان ينظم فى الزجل والقوما والكان وكان والمواليا والبلّيق (١).
ونقف قليلا عند بعض أصحاب هذا الشعر الشعبى العامى.
إبراهيم (٢) المعمار
هو جمال الدين إبراهيم بن على المعمار، يقول فيه صاحب فوات الوفيات: «إبراهيم الحائك وقيل المعمار وقيل الحجار عامى مطبوع تقع له التوريات المليحة المتمكنة لا سيما فى الأزجال والبلاليق» ويقول الصفدى: «عامى مطبوع تقع له التوريات المليحة المتمكنة المطبوعة الجيدة ولا سيما فى الأزجال والبلاليق، بحيث إنه فى ذلك غاية لا تدرك، أما المقاطيع الشعرية فإنه يقعد به عنها مراعاة الإعراب وتصريف الأفعال» ويقول ابن تغرى بردى: «كان ذكى الفطرة قوى القريحة لطيف الطبع» ويقول ابن حجر: «كان يلزم القناعة ولا يتردد إلى أحد من الأكابر إلى أن مات فى الطاعون سنة ٧٤٩ ومن قوله فيه قبل موته.
قبّح الطاعون داء ... فقدت فيه الأحبّه
بيعت الأنفس فيه ... كلّ إنسان بحبّه
وفى كلمة «حبة» تورية واضحة لأن الطاعون يصحبه دمّل كبير، وله توريات كثيرة كما قال من ترجموا له، من ذلك قوله:
يا قلب صبرا على الفراق ولو ... رميت ممن تحبّ بالبين
وأنت يا دمع إن ظهرت بما ... يخفيه قلبى سقطت من عينى
وفى كلمة «سقطت من عينى» تورية إذ لا يريد معناها القريب وهو تحدر الدمع من عينه وإنما يريد معناها المعروف فى العامية إلى اليوم وهو أنه ضاع ولم تعد له مكانة. وكان الناصر بن قلاوون
стр. 3535
يألفه ويقربه منه لطرافة تورياته وله فى زوجته مداعبا:
لما جلوا عرسى وعاينتها ... وجدت فيها كلّ عيب يقال
فقلت للدلاّل ماذا ترى؟ ... فقال: ما أضمن إلا الحلال
والدلال: جالب العروس، ولكلمة الحلال معنيان: ضد الحرام والمباح. ومن تورياته مداعبا بعض من أمر بصفعه، فحتى فى هذا الموقف يفزع إلى التورية قائلا:
ما كان صفح بالرّضا ... لكنه من خلف أذنى
لولا يد سبقت له ... لأمرته بالكفّ عنى
وفى البيت الأول تورية فى كلمة «من خلف أذنى» إذ تحمل معنيين هما القفا موضع الصفح وعدم الاكتراث. وفى البيت الثانى تورية فى كلمة «يد» إذ لها معنيان هما النعمة والصفع باليد، وبالمثل لكلمة «الكف» معنيان هما: الانصراف عن الشئ والصفع بالكف. ومن تورياته:
وخادم يعلو على عشاقه ... برتبة من الجمال نالها
وإسمه-وهو العجيب-محسن ... وكم دموع فى الهوى أسا لها
وفى كلمة «أسالها» تورية إذ تحمل معنى قريبا هو إسالة الدمع ومعنى بعيدا من الأسى وهو الحزن كأنه يرق لمحبيه حين يرى دموعهم ويحزن لهم. ومن لطائف تورياته:
ما مصر إلا منزل مستحسن ... فاستوطنوه مشرقا أو مغربا
هذا وإن كنتم على سفر به ... فتيمّموا منه صعيدا طيبّا
وقد اقتبس الشطر الأخير من الآية القرآنية: (فتيمموا صعيدا طيبا) وهو لا يريد معنى الصعيد فى الآية وهو وجه الارض وإنما يريد صعيد مصر ووجهها القبلى، وهى تورية بديعة، ومن ذلك قوله:
حزن الخزّان لما أن رأى ... نيلنا قد عمّ سهلا وجبل
ورأى الأرض لنا قد أخرجت ... سنبلات ذات حبّ فاختبل
وبكى إذ رمدت أعينه ... زادها الله عروقا وسبل
стр. 3536
والسبل: داء يصيب العين بغشاوة كأنها نسج العنكبوت بعروق حمر، وهو لا يريد هذا المعنى فهو لا يريد الدعاء على الخزان وإنما يريد الدعاء لأرض مصر ونيلها وأن تزيد عروق قمح وسبل كما تقول العامة أو سنبلات. ومن تورياته:
شهر الصيام تولّى ... فراقه يوم عيدى
فقيل شيّع بستّ ... فقلت أيضا وسيدى
وكلمة «ست» لها معنيان معنى قريب هو الأيام الستة البيض التى تصام نفلا بعد رمضان، ومعنى ثان هو السيدة، وقد وجه العبارة إلى هذا المعنى كما يشهد بذلك الشطر التالى. ولم تعن كتب الأدب والتراجم برواية شئ من بلاليقه. ومن موالياته:
مزجت يوما مع الحبّ الرشيق القد ... وقلت آهى على من قبلك فى الخدّ
فسلّ سيفو من اجفانو لقتلى حدّ ... قلت انتهى الأمر يا حبّى لهذا الحدّ
وفى كلمة «الحد» الأخيرة تورية إذ لها معنيان: العقوبة مثل كلمة الحد السابقة، والنهاية المفرطة. ومن موالياته أيضا:
رمى، أصاب صميم القلب زين الزّين ... واصبحت مضنى قلق أخشى حلول الحين
وكنت قبل خلى لم أشك وشك البين ... سالم من العشق حتى صابنى بالعين
ولكلمة «صابنى بالعين» معنيان هما الحسد، وإصابة المحب لمحبوبه بعينه وسهامها القاتلة. وله مواليات وأشعار مفحشة كثيرة كان يقولها تظرفا لأهل زمنه.
الغبارى (١)
هو خلف بن محمد الغبارى عاش فى القرن الثامن الهجرى، وكان فقيها وعالما وأديبا وشاعرا ينظم الشعر الفصيح ولكنه اشتهر بنظم الزجل. ونرى السلاطين منذ الناصر بن قلاوون يقربونه منهم، كما نراه ينظم أزجالا مختلفة فى أحداث مصر، ولا يعرف تاريخ وفاته، ويقال إن مئذنة
стр. 3537
المسجد بقلعة الجبل سقطت عليه فمات ودفن تحت أنقاضها، وهو يعد أستاذ فن الزجل لزمنه، فعنه تلقاه كثير من المصريين، ويبدو أنه نظمه فى موضوعات كثيرة: فى المديح والرثاء والأحداث السياسية، ومن زجل له فى مديح السلطان شعبان (٧٦٤ - ٧٧٨ هـ) وكان محبوبا من رعيته:
حبّ قلبى شعبان موفّق رشيد ... وجمالو أشرق ومالو حدود
وأبوه الحسن وعمه الحسين ... وارث الملك من جدود لجدود
زعق السعد بين يديك شاويش ... فرح القلب بعد ما كان حزين
ونصب لك كرسى على المملكه ... وظهر لك نصره بفتحو المبين
والعصايب من حولك اشتالت ... -خفقت فى الركوب عليك-البنود
فاحكم احكم فى مصر يا سلطان ... فجميع الجنود لحسنك جنود
والشاويش: رتبة عسكرية، ويريد الغبارى أن السعد مثل بين يدى السلطان شعبان مؤتمرا بأمره، ويقول إن العصابات أو جماعات الفرسان والرجالة اشتالت أى رفعت البنود والأعلام كناية عن أنه أصبح فى مصر صاحب الأمر والنهى والسلطان. ونراه متصلا بابنه السلطان على (٧٧٨ - ٧٨٣ هـ) ناظما الأزجال فى الأحداث الكبرى لأيامه، من ذلك زجل طويل نظمه فى وقعة العربان بالبحيرة القريبة من الإسكندرية، وفى مطالعه يقول:
جا الخبر يوم الأربعا ... بأنو فى ليلة الأحد
جا دمنهور عرب خدوا ... سوقها وأخربوا البلد
وابن سلام أميرهم ... هو الذى للجميع حشد
فبرز أيتمش سريع ... بمماليك وجند نوب
وعدد مالها عدد ... ويطلبوا لهم طلب
حضروا ما التقوا أحد ... من جميع العرب حضر
وله وراء ذلك أزجال كثيرة فى النصائح والوصايا والحكم، ولعلها أروع مما أنشدناه، إذ كانت تفصل من روحه ومن خبرته بالحياة، وكأنما يريد بها إلى حسن التربية وإحكام السلوك والانتفاع بخبرة الآباء والأسلاف وتجاربهم فى الحياة، من مثل قوله فى زجل طويل:
فى الناس رأينا للخير معادن ... والدرّ يوجد فى كنز مثله
стр. 3538
وان رمت جوهر فى الشخص مكنون ... فجوهر الشخص حسن فعله
وان كان تريد صحة المعانى ... وشترح ما فى البيان محرّر
خد فرع بإيدك من أصل حنظل ... وازرع جذوره فى أرض عنبر
واسقيه بماء بان وورد ممزوج ... وعقد جلاّب وحلّ سكّر (١)
وحين تشوفه عقد ثماره ... وآن أوانه وحلّ فصله
ذوقه تراه مرّ والسبب فيه ... ما يرجع الفرع إلا لأصله
ولغة هذا الزجل تختلف عن لغة الزجلين السابقين، فهى أكثر خفة وقربا من اللغة العامية المصرية، وليس ذلك فحسب فهى تكتظ بالصور والاخيلة البديعة، وكأننا بازاء شاعر بارع يحسن تأليف الصور وايرادها فى موضع البراهين الساطعة، ومن طريف حكمه ووصاياه فى هذا الزجل نفسه قوله ناصحا صادقا:
لا تحتقر أىّ ابن آدم ... فى طول حياتك ولا تذمّه
كم حى خامل تقول عليه ... ما يعرف اسم البهيم من اسمه
وان جيت صاحبته فى يوم بيان لك ... تظهر معارفه وينجلى علمه
ويشبه الروض حين يبدو شوكه ... والورد مستور من تحت سلّه
والبحر تلقى الرّمم تعوم به ... والدرّ غايص مخلوط برمله
وهى وصية نفيسة أن لا يبادر الإنسان إلى الحكم حكما سريعا على شخص دون تبين حقيقته ومعرفة جوهره، والسّلّ فى العامية: الشوك. وبمثل هذا الزجل كان الغبارى إمام فنه فى زمنه غير مدافع.
стр. 3539
ابن (١) سودون
هو على بن سودون أكبر شخصية شعبية فكهة فى القرن التاسع الهجرى عنى فى بواكير حياته بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلوم والمعارف حتى أصبح شيخا فقيها، وعيّن إماما بأحد المساجد فى القاهرة، وكان فيه ميل متأصل إلى الفكاهة والهزل وقدرة على نظم الأشعار الهازلة الفكهة، فشغف الناس به، وتنافسوا فى رواية أشعاره ودعاباته. ولم يلبث أن عنى بجمعها وأضاف إليها بعض حكايات فكهة مكونا من ذلك كتابه أو ديوانه: «نزهة النفوس ومضحك العبوس» وجعله فى خمسة أبواب: الباب الأول فى القصائد والتصاديق، ويقصد بالتصاديق مقدماتها وهى قصائد نظمت بالفصحى، والباب الثانى فى الحكايات الملافيق وواضح من اسمه أنه أقاصيص قصيرة، والباب الثالث فى الموشحات الهبالية كما يقول وهى بالعامية ومثل هذا الباب باب الزجل والمواليا التالى فهو أيضا عامى اللغة. أما الباب الخامس فجعله للطرف العجيبة والتحف الغريبة، وكأن البابين الثالث والرابع هما الخاصان بالشعر الشعبى العامى وإن كانت العامية عنده تتسرب إلى الباب الأول: باب القصائد، ومن الطريف أن عاميته شعرا ونثرا تقترب جدا من عاميتنا الحديثة، وقد يكون فى ذلك ما يشير إلى أن مصر بلد محافظ. وبدون ريب يصور ابن سودون فى كتابه مزاج المصريين الفكه. وفكاهته تقوم على ضروب من المفارقة المنطقية.
تجعلك تشعر بغير قليل من فقدان التوازن على شاكلة قوله فى وصف الربيع وجمال طبيعته:
إلى الربيع أرى الأهواء تلوينى ... لما بدا زهره فى حسن تلوين
قد عطّر الأرض نشر الفول حين سرت ... نسيمة سحرا منه تحيّينى
كأن زهرته أمّ الخلول إذا ... فلقتها فوق نعناع بصحنون
وكاد يشبه تاج القمح بامية ... لولا شعور كأعراف البراذين (٢)
واعجب من الماء وسط البحر كيف غدا ... يمشى بلا قدم سحبا على الطّين
مسلسلا قد جرى يا صاح منطلقا ... فاعجب لمن جمع الضّدّين فى حين
стр. 3540
ومن يراه يتحدث عن الربيع والزهر فى البيت الأول يظن أنه سيستمر فى الحديث عن الجمال الهاجع فى الطبيعة وأزهارها وورودها ورياحينها، وإذا هو يسقط به إلى النشر الفائح من نبات الفول وإلى زهره الذى يشبه صدفة أم الخلول التى يطعمها المصريون واضعين على الخلول النعناع والبهارات. أما القمح فتشبه سنابله البامية: الخضار المعروف، لولا ما يتدلّى من سنابله من شعور كأعراف البغال والخيل. ويعجب عجبا لاحد له من جريان الماء على الطين، ويسمى الماء مسلسلا إذا جرى منحدرا. ويستغل الكلمة ابن سودون إذ لها هذا المعنى ومعنى ثان من السلسلة بمعنى مقيدا بالسلاسل.
ونحن فى أثناء ذلك كله نضحك، لما أصاب توازننا المنطقى من اختلال، وكأنما الأشياء تهوى أمامنا من حالق. ومن ذلك قوله.
عجب عجب هذا عجب ... بقرا تمشى ولها ذنب
ولها فى بزيّزها لبن ... يبدو للناس إذا حلبوا
من أعجب ما فى مصر يرى ال ... كرم يرى فيه العنب
والنّخل يرى فيه بلح ... أيضا ويرى فيه رطب
والمركب مع ما قد وسقت ... فى البحر بحبل تنسحب
والناقة لا منقار لها ... والوزّة ليس لها قتب
وحين نقرأ قوله عجب، نظن أنه سيعرض علينا بعض العجائب فإذا هو يعرض بديهيات غاية فى البداهة، فى صورة مغرقة من التباله. ونحس كأن عدوانا أصاب منطقنا أو وقع عليه، فالبقرة تمشى ولها ذنب وضرع مملوء لبنا، وشجر الكرم يحمل العنب، وعلى النخل البلح بسرا ورطبا، والملاحون يجرّون بحبالهم المركب الموسوق، والناقة لا منقار لها وكأنه كان يظنها بجسمها الضخم من الطير. ويظن الإوزة من الإبل تمشى على أربع، ويتساءل عن قتبها أو رحلها. وكل هذه مفارقات تعتدى على منطقنا فنفقد توازننا ونستغرق فى الضحك لهذا الهزل الذى يلغى فيه المنطق السديد إلغاء.
ومن طريف هزل ابن سودون ومفارقاته المنطقية المتناهية فى الإضحاك. وصفه لحفل زواجه وقبح زوجته على هذا النمط:
حلّ السرور بهذا العقد مبتدرا ... ونجم طالعه بالسّعد قد ظهرا