← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

والسبل: داء يصيب العين بغشاوة كأنها نسج العنكبوت بعروق حمر، وهو لا يريد هذا المعنى فهو لا يريد الدعاء على الخزان وإنما يريد الدعاء لأرض مصر ونيلها وأن تزيد عروق قمح وسبل كما تقول العامة أو سنبلات. ومن تورياته: شهر الصيام تولّى ... فراقه يوم عيدى فقيل شيّع بستّ ... فقلت أيضا وسيدى وكلمة «ست» لها معنيان معنى قريب هو الأيام الستة البيض التى تصام نفلا بعد رمضان، ومعنى ثان هو السيدة، وقد وجه العبارة إلى هذا المعنى كما يشهد بذلك الشطر التالى. ولم تعن كتب الأدب والتراجم برواية شئ من بلاليقه. ومن موالياته: مزجت يوما مع الحبّ الرشيق القد ... وقلت آهى على من قبلك فى الخدّ فسلّ سيفو من اجفانو لقتلى حدّ ... قلت انتهى الأمر يا حبّى لهذا الحدّ وفى كلمة «الحد» الأخيرة تورية إذ لها معنيان: العقوبة مثل كلمة الحد السابقة، والنهاية المفرطة. ومن موالياته أيضا: رمى، أصاب صميم القلب زين الزّين ... واصبحت مضنى قلق أخشى حلول الحين وكنت قبل خلى لم أشك وشك البين ... سالم من العشق حتى صابنى بالعين ولكلمة «صابنى بالعين» معنيان هما الحسد، وإصابة المحب لمحبوبه بعينه وسهامها القاتلة. وله مواليات وأشعار مفحشة كثيرة كان يقولها تظرفا لأهل زمنه. الغبارى (١) هو خلف بن محمد الغبارى عاش فى القرن الثامن الهجرى، وكان فقيها وعالما وأديبا وشاعرا ينظم الشعر الفصيح ولكنه اشتهر بنظم الزجل. ونرى السلاطين منذ الناصر بن قلاوون يقربونه منهم، كما نراه ينظم أزجالا مختلفة فى أحداث مصر، ولا يعرف تاريخ وفاته، ويقال إن مئذنة

стр. 3537

المسجد بقلعة الجبل سقطت عليه فمات ودفن تحت أنقاضها، وهو يعد أستاذ فن الزجل لزمنه، فعنه تلقاه كثير من المصريين، ويبدو أنه نظمه فى موضوعات كثيرة: فى المديح والرثاء والأحداث السياسية، ومن زجل له فى مديح السلطان شعبان (٧٦٤ - ٧٧٨ هـ) وكان محبوبا من رعيته: حبّ قلبى شعبان موفّق رشيد ... وجمالو أشرق ومالو حدود وأبوه الحسن وعمه الحسين ... وارث الملك من جدود لجدود زعق السعد بين يديك شاويش ... فرح القلب بعد ما كان حزين ونصب لك كرسى على المملكه ... وظهر لك نصره بفتحو المبين والعصايب من حولك اشتالت ... -خفقت فى الركوب عليك-البنود فاحكم احكم فى مصر يا سلطان ... فجميع الجنود لحسنك جنود والشاويش: رتبة عسكرية، ويريد الغبارى أن السعد مثل بين يدى السلطان شعبان مؤتمرا بأمره، ويقول إن العصابات أو جماعات الفرسان والرجالة اشتالت أى رفعت البنود والأعلام كناية عن أنه أصبح فى مصر صاحب الأمر والنهى والسلطان. ونراه متصلا بابنه السلطان على (٧٧٨ - ٧٨٣ هـ) ناظما الأزجال فى الأحداث الكبرى لأيامه، من ذلك زجل طويل نظمه فى وقعة العربان بالبحيرة القريبة من الإسكندرية، وفى مطالعه يقول: جا الخبر يوم الأربعا ... بأنو فى ليلة الأحد جا دمنهور عرب خدوا ... سوقها وأخربوا البلد وابن سلام أميرهم ... هو الذى للجميع حشد فبرز أيتمش سريع ... بمماليك وجند نوب وعدد مالها عدد ... ويطلبوا لهم طلب حضروا ما التقوا أحد ... من جميع العرب حضر وله وراء ذلك أزجال كثيرة فى النصائح والوصايا والحكم، ولعلها أروع مما أنشدناه، إذ كانت تفصل من روحه ومن خبرته بالحياة، وكأنما يريد بها إلى حسن التربية وإحكام السلوك والانتفاع بخبرة الآباء والأسلاف وتجاربهم فى الحياة، من مثل قوله فى زجل طويل: فى الناس رأينا للخير معادن ... والدرّ يوجد فى كنز مثله

стр. 3538

وان رمت جوهر فى الشخص مكنون ... فجوهر الشخص حسن فعله وان كان تريد صحة المعانى ... وشترح ما فى البيان محرّر خد فرع بإيدك من أصل حنظل ... وازرع جذوره فى أرض عنبر واسقيه بماء بان وورد ممزوج ... وعقد جلاّب وحلّ سكّر (١) وحين تشوفه عقد ثماره ... وآن أوانه وحلّ فصله ذوقه تراه مرّ والسبب فيه ... ما يرجع الفرع إلا لأصله ولغة هذا الزجل تختلف عن لغة الزجلين السابقين، فهى أكثر خفة وقربا من اللغة العامية المصرية، وليس ذلك فحسب فهى تكتظ بالصور والاخيلة البديعة، وكأننا بازاء شاعر بارع يحسن تأليف الصور وايرادها فى موضع البراهين الساطعة، ومن طريف حكمه ووصاياه فى هذا الزجل نفسه قوله ناصحا صادقا: لا تحتقر أىّ ابن آدم ... فى طول حياتك ولا تذمّه كم حى خامل تقول عليه ... ما يعرف اسم البهيم من اسمه وان جيت صاحبته فى يوم بيان لك ... تظهر معارفه وينجلى علمه ويشبه الروض حين يبدو شوكه ... والورد مستور من تحت سلّه والبحر تلقى الرّمم تعوم به ... والدرّ غايص مخلوط برمله وهى وصية نفيسة أن لا يبادر الإنسان إلى الحكم حكما سريعا على شخص دون تبين حقيقته ومعرفة جوهره، والسّلّ فى العامية: الشوك. وبمثل هذا الزجل كان الغبارى إمام فنه فى زمنه غير مدافع.

стр. 3539

ابن (١) سودون هو على بن سودون أكبر شخصية شعبية فكهة فى القرن التاسع الهجرى عنى فى بواكير حياته بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلوم والمعارف حتى أصبح شيخا فقيها، وعيّن إماما بأحد المساجد فى القاهرة، وكان فيه ميل متأصل إلى الفكاهة والهزل وقدرة على نظم الأشعار الهازلة الفكهة، فشغف الناس به، وتنافسوا فى رواية أشعاره ودعاباته. ولم يلبث أن عنى بجمعها وأضاف إليها بعض حكايات فكهة مكونا من ذلك كتابه أو ديوانه: «نزهة النفوس ومضحك العبوس» وجعله فى خمسة أبواب: الباب الأول فى القصائد والتصاديق، ويقصد بالتصاديق مقدماتها وهى قصائد نظمت بالفصحى، والباب الثانى فى الحكايات الملافيق وواضح من اسمه أنه أقاصيص قصيرة، والباب الثالث فى الموشحات الهبالية كما يقول وهى بالعامية ومثل هذا الباب باب الزجل والمواليا التالى فهو أيضا عامى اللغة. أما الباب الخامس فجعله للطرف العجيبة والتحف الغريبة، وكأن البابين الثالث والرابع هما الخاصان بالشعر الشعبى العامى وإن كانت العامية عنده تتسرب إلى الباب الأول: باب القصائد، ومن الطريف أن عاميته شعرا ونثرا تقترب جدا من عاميتنا الحديثة، وقد يكون فى ذلك ما يشير إلى أن مصر بلد محافظ. وبدون ريب يصور ابن سودون فى كتابه مزاج المصريين الفكه. وفكاهته تقوم على ضروب من المفارقة المنطقية. تجعلك تشعر بغير قليل من فقدان التوازن على شاكلة قوله فى وصف الربيع وجمال طبيعته: إلى الربيع أرى الأهواء تلوينى ... لما بدا زهره فى حسن تلوين قد عطّر الأرض نشر الفول حين سرت ... نسيمة سحرا منه تحيّينى كأن زهرته أمّ الخلول إذا ... فلقتها فوق نعناع بصحنون وكاد يشبه تاج القمح بامية ... لولا شعور كأعراف البراذين (٢) واعجب من الماء وسط البحر كيف غدا ... يمشى بلا قدم سحبا على الطّين مسلسلا قد جرى يا صاح منطلقا ... فاعجب لمن جمع الضّدّين فى حين

стр. 3540

ومن يراه يتحدث عن الربيع والزهر فى البيت الأول يظن أنه سيستمر فى الحديث عن الجمال الهاجع فى الطبيعة وأزهارها وورودها ورياحينها، وإذا هو يسقط به إلى النشر الفائح من نبات الفول وإلى زهره الذى يشبه صدفة أم الخلول التى يطعمها المصريون واضعين على الخلول النعناع والبهارات. أما القمح فتشبه سنابله البامية: الخضار المعروف، لولا ما يتدلّى من سنابله من شعور كأعراف البغال والخيل. ويعجب عجبا لاحد له من جريان الماء على الطين، ويسمى الماء مسلسلا إذا جرى منحدرا. ويستغل الكلمة ابن سودون إذ لها هذا المعنى ومعنى ثان من السلسلة بمعنى مقيدا بالسلاسل. ونحن فى أثناء ذلك كله نضحك، لما أصاب توازننا المنطقى من اختلال، وكأنما الأشياء تهوى أمامنا من حالق. ومن ذلك قوله. عجب عجب هذا عجب ... بقرا تمشى ولها ذنب ولها فى بزيّزها لبن ... يبدو للناس إذا حلبوا من أعجب ما فى مصر يرى ال ... كرم يرى فيه العنب والنّخل يرى فيه بلح ... أيضا ويرى فيه رطب والمركب مع ما قد وسقت ... فى البحر بحبل تنسحب والناقة لا منقار لها ... والوزّة ليس لها قتب وحين نقرأ قوله عجب، نظن أنه سيعرض علينا بعض العجائب فإذا هو يعرض بديهيات غاية فى البداهة، فى صورة مغرقة من التباله. ونحس كأن عدوانا أصاب منطقنا أو وقع عليه، فالبقرة تمشى ولها ذنب وضرع مملوء لبنا، وشجر الكرم يحمل العنب، وعلى النخل البلح بسرا ورطبا، والملاحون يجرّون بحبالهم المركب الموسوق، والناقة لا منقار لها وكأنه كان يظنها بجسمها الضخم من الطير. ويظن الإوزة من الإبل تمشى على أربع، ويتساءل عن قتبها أو رحلها. وكل هذه مفارقات تعتدى على منطقنا فنفقد توازننا ونستغرق فى الضحك لهذا الهزل الذى يلغى فيه المنطق السديد إلغاء. ومن طريف هزل ابن سودون ومفارقاته المنطقية المتناهية فى الإضحاك. وصفه لحفل زواجه وقبح زوجته على هذا النمط: حلّ السرور بهذا العقد مبتدرا ... ونجم طالعه بالسّعد قد ظهرا

стр. 3541

و «الفلّ» كلّل وجه الأرض فانعطفت ... أغصانه بالتهانى تنثر الزّهرا والطير من فرحها فى دوحها صدحت ... بكل عود عليه لا ترى وترا تقول فى صدحها: دام الهنا أبدا ... على العرايس كى يقضوا به الوطرا هذا وعقل عروسى كان أصغر من ... عقلى ولكن حوت فى عمرها كبرا فى السنّ قد طعنت ما ضرّ لو طعنت ... بالسّنّ من رمح اوسيف إذا بترا فى وجهها نمش فى أذنها طرش ... فى عينها عمش للجفن قد سترا يا حسن قامتها العوجا إذا خطرت ... يوما وقد سبسبت فى جيدها شعرا تظلّ تهتف بى: حسنا حظيت بها ... أوّاه لو حاسها موت لها قبرا وهو فى أوائل الأبيات يجعل السعد رفيقا له كما يجعل الطبيعة ترقص طربا لزفافه على عروسه، فالأشجار تنثر أزهارها فرحا والطير تصدح على أعوادها داعية للعروسين بدوام الهنا أبدا. ونفاجأ بعد ذلك بمفارقة منطقية شديدة، فالعروس عجوز شمطاء صمّاء فى وجهها نمش وفى عينيها عمش وقد حنى قامتها الهرم. ومع كل هذا القبح تظل تهتف به أن يحمد الله على حظوته بها، ويتمنى لوطعنت بسيف أو حازها الموت ودفنت فى التراب إلى غير مآب. وعلى نحو هزل ابن سودون فى تصويره لحفل قرانه نراه يهزل فى رثائه لأمه هزلا، يبعث على الابتسام بل على الضحك والإغراق فيه، يقول: لموت أمىّ أرى الأحزان تحنينى ... فطالما لحستنى لحس تحنين وطالما دلّعتنى حال تربيتى ... خوفا على خاطرى كى لا تبكّينى أقول: «مم مم» تجى بالأكل تطعمنى ... أقول: «أمبو» تجى بالماء تسقينى إن صحت فى ليلة «وأوأ» لأسهرها ... تقول «هوهو» بهزّ كى تننّينى كم كحّلتنى ولى فى جبهتى جعلت ... «صوصو بنيلى» وكم كانت تحنيّنى ومن فقيهى إن أهرب ورام أبى ... مسكى وبعثى له كانت تخبيّنى وزغردت فى طهورى فرحة وغدت ... تنثّر الملح من فوقى وترقينى وخلّفتنى يتيما ابن أربعة ... وأربعين سنينا فى حسابينى والمرثية طويلة اقتصرنا منها على هذه الأبيات وكلها على هذا النحو عدوان على ما نألف فى الرثاء عامة، إذ بدلا من أن يحمل كل بيت صرخة ألم أو دمعة حزن تتحول المرثية كلها هزلا

стр. 3542

ودعابة. وكأنما ينظمها فى عيد من أعياد أمه فهو يذكّرها بأيام طفولته وكيف كان يقول لها «مم» فتأتى له بالطعام «وأمبو» فتأتى له بالماء، وكيف كان يبكى على صدرها وهى تهزه فى حنان، كما يذكّرها بأيام صباه، وكيف كانت تدلّى من شعره تعويذة على جبهته، وكيف كانت تخبئه حين يهرب من الكتّاب. ويذكّرها بيوم ختانه وزغار يدها فيه وكيف كانت تنثر فوقه الملح بركة، وترقيه من شر كل ما يؤذيه. وكل هذه مفارقة شديدة للرثاء وموقف الموت الوقور الحزين، فإذا ابن سودون يهزل فنضحك ونتمادى معه فى الضحك. وقد جاء فى المرثية ببعض كلمات الأطفال، وهو يكثر من لغتهم فى هزله كقوله: ولما أن كبرت بحمد ربّى ... وصار لمنتهى عقلى ابتداء بقيت أقول: ننّو تتّو تاته ... ودحّو كخ وأمبو ممّ آء والكلمات كلها من لغة الأطفال قبل نطقهم بالكلام، ومعنى كلمة دح فى اللهجة المصرية العامية حسنا كلمة كخ قبيح ولا تفعل. والحق أن ابن سودون كان جعبة هزل وفكاهة، وقد بنى فكاهته على المفارقة المنطقية فنحس دائما بعدوانه على منطقنا ببلاهته، ونشعر كأنما الأشياء من حولنا تهوى من أبراج عالية، هى أبراج المنطق والعقل الواعى، فنضحك ونسترسل فى الضحك.

стр. 3543

الفصل الخامس النّثر وكتّابه ١ - الرسائل الديوانية ظلت مصر فى عهد ولاتها من قبل الأمويين والعباسيين لا تعرف من الدواوين سوى ديوانى الخراج والبريد، وكانت الكتابة فى الديوان الأول باليونانية إلى أن تعرب فى عهد الوليد بن عبد الملك، وعادة كان القائمون عليه وعلى ديوان البريد يجلبهم الولاة معهم من العراق (١)، وبحق يقول القلقشندى إنه «لم يصدر عنهم ما يدوّن فى الكتب وتتناقله الألسنة (٢)». ومرجع ذلك-كما لاحظ-أن الولاة لم يهتموا حينئذ باتخاذ ديوان للإنشاء. يوظّف فيه كتاب مجيدون وتصدر عنهم رسائل محبّرة. حتى إذا ولى مصر أحمد بن طولون وأسس بها دولته الطولونية وامتد سلطانه إلى الشام وعلا شأنه أقام ديوان الإنشاء ورفع مقداره كما يقول القلقشندى (٣)، واتخذ فيه جماعة من مهرة الكتاب على رأسهم أحمد بن محمد بن مودود المعروف باسم ابن عبد كان. ويشهد اسمه بأنه فارسى الأصل، إذ الكاف فى الفارسية القديمة تدل على التصغير والألف والنون على النسبة، فعبد كان يقابلها فى العربية عبيدى. وقد ظل قائما على ديوان الإنشاء بعد وفاة ابن طولون فى عهد ابنه خماروية حتى توفى فخلفه على الديوان إسحق بن نصير الكاتب البغدادى. وابن عبد كان يبتدئ بمصر سلسلة كتابها المشهورين، ودوّت شهرته منذ زمنه لا فى مصر وحدها بل أيضا فى العراق، إذ نجده بعد نحو قرن من الزمان يقرن إلى أبى إسحق الصابى كاتبها حينئذ. وإذا رجعنا إلى رسائله الديوانية وجدناه يعنى فيها بالسجع، وقد يتخفف منه فيستخدم

стр. 3544

الازدواج من حين إلى آخر، وسجعه خفيف. ويمده بغير قليل من التصاوير (١)، وتوقف القلقشندى فى كتابه صبح الأعشى ليذكر عنه كيف وضع رسوم الدعاء فى افتتاح الرسائل وكيف تبتدئ أجوبة الكتب (٢). وكان أهل بغداد فى زمنه يغبطون عليه مصر، ويقولون إن بها كاتبا- يقصدون ابن عبد كان-ليس لأمير المؤمنين بمدينة بغداد مثله (٣). وكانت رسائله متداولة بين الكتاب حتى زمن ياقوت فى القرن السابع الهجرى (٤). ونمضى إلى زمن الدولة الإخشيدية وقد ترتب ديوان الإنشاء وكثر الكتاب فيه، غير أن أحدا منهم لم يشتهر شهرة ابن عبد كان، ومن كتاب الديوان حينئذ إبراهيم بن عبد الله النجيرمى، واشتهر برسالة طويلة له، ردّ بها على رومانوس حاكم بيزنطة، وكان قد أرسل إلى الإخشيد رسالة يفتخر فيها ويمنّ عليه بأنه كاتبه وعادته أن لا يكاتب إلا خليفة، فكال له النجيرمى الصاع صاعين، ولإعجابه برسالته كتب منها نسخا وأرسلها إلى العراق مفاخرا بها مباهيا (٥). ويستولى الفاطميون على مقاليد الأمور بمصر منذ منتصف القرن الرابع الهجرى ويعظم ديوان الإنشاء فى زمانهم لا تساع دولتهم من أقاصى المغرب إلى نهر الفرات وامتداد سلطانهم إلى الحجاز واليمن وأيضا لأنهم كانوا أصحاب نحلة شيعية غالية اتخذوا لها دعاة كثيرين فى العالم العربى ونظموا الدعوة لها تنظيما دقيقا، فكان من الطبيعى أن يهتموا اهتماما واسعا بديوان الإنشاء القائم على كل شئون الدولة السياسية والإدارية والمذهبية، وفى ذلك يقول القلقشندى: «لما ولى الفاطميون مصر صرفوا مزيد عنايتهم لديوان الإنشاء وكتّابه، فارتفع بهم قدره، وشاع فى الآفاق ذكره، ووليه عنهم جماعة من أفاضل الكتاب وبلغائهم ما بين مسلم وذمى (٦)». وكانت لصاحب هذا الديوان منزلة كبرى لدى الفاطميين، فكان لا يتولاه-كما يقول القلقشندى-إلا أجلّ كتاب البلاغة، ويخاطب بالأجلّ ويلقب بكاتب الدّست، والدست صدر المجلس إشارة إلى أنه فى الصدر من مناصب الدولة «وكان أول أرباب الإقطاعات فى الكسوة والرسوم والملاطفات. . وله حاجب من الأمراء والشيوخ، وله فى مجلسه المرتبة العظيمة والمخادّ والمسند والدواة العظيمة

стр. 3545

الشأن، ويحمل دواته أستاذ من خواص الخليفة عند حضوره إلى مجلس الخلافة» (١). وكانت تساعده طائفة من الكتاب البلغاء. وبلغ من اهتمام الفاطميين بهذا الديوان أن ألحقوا به دائما أكبر النحاة واللغويين فى أيامهم لمراجعة الرسائل قبل صدورها من الديوان، وممن اختاروه لذلك ابن بابشاذ كبير نحاة مصر ولغوييها فى القرن الخامس الهجرى وخلفه فى مكانه ابن بركات من تلاميذه، حتى إذا توفى خلفه ابن برّى اللغوى المشهور، إلى نهاية أيام الدولة الفاطمية (٢). وكان يلتحق بالديوان بعض الشباب للتدريب فيه على تجويد الكتابة، حتى إذا جوّدها شاب وأتقنها أصبح من كتّابه على نحو ما حدث (٣) للقاضى الفاضل بأخرة من زمن الفاطميين. وتظل لديوان الإنشاء مكانته فى عهد الأيوبيين، ويتولاه لصلاح الدين القاضى الفاضل مع قيامه على وزارته، ويشرك معه العماد الأصبهانى فى الكتابة، وكان صاحب الديوان حينئذ يسمى كاتب الدّست وكاتب الدّرج وهو الورق الذى يكتب فيه. واتسع عمل هذا الديوان اتساعا كبيرا فى عهد المماليك، مما جعل الظاهر بيبرس يعيّن ثلاثة كانوا أصحاب الدّست، حتى إذا تحولت السلطة إلى قلاوون سمى صاحب الديوان كاتب السّرّ (٤). ورفع منزلته فوق كتاب الدست. وجعلهم أعلى درجة من كتاب الدرج، وكان فى كل ولاية كبيرة لمصر ديوان إنشاء: فى الإسكندرية وفى دمشق وغير دمشق. وظل هذا الديوان قائما إلى نهاية عصر المماليك، حتى إذا تبعت مصر الدولة العثمانية ضاعت منزلته نهائيا وأصبح أثرا بعد عين. وفى صبح الأعشى للقلقشندى ثبت بأسماء من تولوا رياسة هذا الديوان حتى زمنه (٥) سنة ٨٢١ وأضاف إليه ابن تغرى بردى من تولوه حتى أيامه (٦) سنة ٨٦٥ وأتمه السيوطى حتى نهاية القرن التاسع الهجرى (٧)، ووراء هؤلاء الرؤساء كتاب كثيرا ما بذّوا من كانوا يكتبون بين أيديهم وهم كثيرون. ومرّ بنا أن ابن عبد كان الذى وضع رسوم الكتابة الإنشائية بمصر لزمن الطولونيين كان يعنى بالسجع فإن تركه فإلى صور من الازدواج، وظل كتاب الدولة الفاطمية فى القرن الرابع الهجرى يترسّمون طريقته، فهم يسجعون ويزاوجون على نحو ما يلاحظ فى الكتب التى كانت تصدر عن المعز والعزيز، ويبدو أن ابن سورين المسيحى كاتب العزيز والحاكم كان يعنى يالسجع

стр. 3546

كثيرا (١)، وإذا مضينا إلى القرن الخامس الهجرى، وجدنا كتابا يصدر على لسان الخليفة الظاهر سنة ٤١٤ مسجوعا كله، وربما كان الذى كتبه أحمد بن على بن خيران الملقب بولى الدولة، وكان يلى ديوان الإنشاء فى عهد الظاهر (٤١١ - ٤٢٧ هـ) والمستنصر إلى وفاته سنة ٤٣١، وكان كاتبا شاعرا، وكان يعتدّ بشعره وكتابته مما جعله يرسل إلى الشريف المرتضى ببغداد جزءين من شعره ورسائله ليعرضهما على الأدباء هناك، فإن استحسنوهما خلدهما له بمكتبة دار العلم، وأعجب هلال بن المحسن الصابئ-فيما يبدو-برسائله (٢). ويقول ابن سعيد فى المغرب: «وقفت على رسائله فى مجلدين. وأكثرها من طبقة المغسول» (٣) ويسوق له رسالة عن الظاهر مسجوعة، ويبدو أن ابن سعيد بالغ فى الحكم عليه، أو لعله وجد عنده السجع فقط ولم يجد سجعه يزدان بألوان البديع، ولذلك قال إن رسائله مغسولة أى من زينة البديع ومحسناته، ومع ذلك فقد روى له قوله فى فصل من إحدى رسائله: «وكان قلمك يجف (٤) ولا يجفّ، وسيفك من ذوى العناد يكف (٥) ولا يكفّ، ووزنك فى سدّ ثلم الفساد يرجح ولا يخفّ». والجناس واضح بين يجف ويجفّ وبين يكف ويكفّ وقد طابق بين يرجح ويخف مما يدل على أن ابن خيران لم يكن يخلى سجعه من محسنات البديع، فهو ليس مغسولا دائما كما يقول ابن سعيد. ولعل أهم كاتب خلف ابن خيران بديوان الإنشاء فى القرن الخامس الهجرى ابن أبى الشخباء ولم يكن من رؤساء الديوان بل كان من الكتاب فيه، وسنترجم له بين كتاب الرسائل الشخصية. واشتهر ابن الصيرفى فى إثره إذ تولى ديوان الإنشاء فى عهد الآمر (٤٩٥ - ٥٢٤ هـ) وسنترجم له عما قليل. وكان يكتب معه ابن قادوس المار ذكره بين الشعراء، ومازال يرقى فى الديوان حتى أسند إليه الديوان مع الموفق بن الخلاّل إلى وفاته سنة ٥٥١. وكان يعمل معه لزمن ابن الصيرفى الحسن بن زيد الأنصارى وهو حفيد ابن أبى الشخباء من قبل أمه، وكان كاتبا بليغا واحتفظ العماد الأصبهانى بطائفة من رسائله الديوانية والشخصية (٦). وقام على ديوان الإنشاء حتى نهاية الدولة الفاطمية الموفق بن الخلاّل وفى صبح الأعشى بعض رسائله (٧)، وعلى يديه تخرّج القاضى الفاضل

стр. 3547

فى صناعة الرسائل. وظل يرعى له حق التعليم والتخريج إلى أن توفى سنة ٥٦٦ للهجرة. وكان القاضى الفاضل صاحب ديوان الإنشاء ووزير صلاح الدين وابنه العزيز ومقاليد الأمور كلها بيده فأشرك معه العماد الأصبهانى كما أسلفنا، وسنترجم لهما بعد قليل، ومن كتاب الأيوبيين فى عهد الفاضل ابن مماتى وسنترجم له بين كتاب الرسائل الشخصية، وكتب من بعدهما للأيوبيين جماعة، منهم البهاء زهير الشاعر الذى ترجمنا له، ولم تؤثر له رسائل مدونة، وأشرك معه إبراهيم بن لقمان لعهد الصالح نجم الدين أيوب. ولم يلبث الصالح أن أعفى البهاء، وظل ابن لقمان حتى نهاية الدولة الايوبية، وامتازت الكتابة الديوانية فى العهد الأيوبى بأنه تكوّنت فيها مدرسة جديدة قادها القاضى الفاضل، والحق أنها ليست جديدة خالصة، فهى الثمرة النهائية لرقى الكتابة زمن الفاطميين، إذ نرى الفاضل يكثر من المحسنات البديعية، وكانت قد بدأت مع ابن خيران كما مر بنا، وأضاف الفاضل إليها الإكثار من التورية، وهى أيضا قديمة فى الكتابات والأشعار الفاطمية منذ القرن الخامس على نحو ما مر بنا فى حديثنا عن أشعار الشريف العقيلى. وألّف فى العصر الأيوبى كتابان فى دواوين الخراج وشئونها المالية هما كتابا قوانين الدواوين لابن مماتى، وسنعرض له فى ترجمته عما قليل، وكتاب لمع القوانين المضيّة فى دواوين. الديار المصرية لعثمان بن إبراهيم النابلسى، وكان كاتبا فى دواوين مصر لعهد السلطان نجم الدين الأيوبى (٦٣٧ - ٦٤٨ هـ). وبلقانا إبراهيم (١) بن لقمان على ديوان الإنشاء أيام المماليك فى عهد أيبك وقطز وبببرس ومدة قليلة فى عهد قلاوون ثم نقله إلى الوزارة، وظل وزيرا لابنه خليل. ثم عاد كاتبا فى ديوان الإنشاء إلى أن توفى سنة ٦٩٣. وكان يشاركه فى عهد الظاهر بيبرس محيى الدين بن عبد الظاهر، وهو أهم كتاب المماليك، وجعله قلاوون كاتب السر، وظيفة أنشأها لأول مرة، وسنترجم لابن عبد الظاهر، وممن كان يكتب بين يديه فى الديوان ابنه فتح (٢) الدين. وخلفه على كتابة السر لعهد السلطان خليل بن قلاوون، وكتب بين يديه أيضا سبطه شافع (٣) بن على بن عباس، وهو الذى كتب عن السلطان قلاوون رسالة طويلة إلى السلطان أحمد القان بن هولاكو جواب كتاب كان قد أرسله القان إلى قلاوون يذكر فيه إسلامه وأنه حرّم على عساكره الغارات على البلاد (٤).

стр. 3548

ويلمع فى رياسة ديوان الإنشاء بمصر ودمشق منذ عهد السلطان خليل المتوفى سنة ٦٩٣ حتى نهاية القرن الثامن غير كاتب من أسرة فضل الله العمرى. وأول من ولى كتابة السر منها أو بعبارة أخرى رياسة الديوان عبد (١) الوهاب بن فضل الله العمرى، وظل يشغل هذه الوظيفة حتى العقد الثانى من القرن الثامن إذ نقله الناصر بن قلاوون إلى دمشق ووليها بعده من الأسرة فى سنة ٧٢٩ أخوه (٢) محيى الدين يحيى، وكان يشركه فى كتابة السر ابنه شهاب الدين أحمد، وفى سنة ٧٣٢ نقلهما الناصر فترة قليلة إلى دمشق ولم يلبث أن أعادهما فظلا على كتابة السر حتى سنة ٧٣٨ إذ تغير الناصر على شهاب الدين وأقام مقامه أخاه (٣) علاء الدين، وظل فى الوظيفة حتى سنة ٧٦٩ وتولاها بعده ابنه بدر الدين (٤) إلى أن توفى سنة ٧٩٦. ومن الكتاب المهمين المعاصرين له ابن مكانس، وسنترجم له بين كتاب الرسائل الشخصية. ويلمع فى أوائل عهد المماليك البرجية اسم القلقشندى صاحب صبح الأعشى، ولم يتول كتابة السر ولكنه ألمع كاتب بالدواوين فى زمنه وسنترجم له بين كتّاب المقامات. ويتولى رياسة ديوان الإنشاء غير كاتب مصرى وشامى ويتوقف النشاط فيه مع دخول العثمانيين مصر كما أسلفنا. ونعرض طائفة من أنبه كتابه. ابن (٥) الصيرفى هو على بن منجب بن سليمان ولد بالقاهرة سنة ٤٦٣ وكان أبوه صيرفيا، بينما كان جده معدودا بين كتّاب زمنه. ولعله هو الذى وجّهه إلى اتخاذ الكتابة الديوانية حرفة له. ولا بد أنه جمع له من أسبابها وأدواتها الثقافية ما جعله يتقنها سريعا، والتحق بديوان الجيش وعنى به صاحبه صاعد بن مفرج، وعمل فى ديوان الخراج. وتنبه له وزير مصر لأيامه الأفضل بن بدر الجمالى (٤٨٧ - ٥١٥ هـ) فنقله إلى ديوان الإنشاء، وأعجب به متوليه سناء الملك أبو محمد الحسنى

стр. 3549

الزيدى، فأسند إليه كتابة التقاليد والمراسيم والتوقيعات، حتى إذا توفى الخليفة الفاطمى المستعلى سنة ٤٩٥ وولّى الأفضل الجمالى ابنه الآمر (٤٩٥ - ٥٢٤ هـ) وهو فى الخامسة من عمره حينئذ نرى ابن الصيرفى هو الذى يكتب السجل بوفاة المستعلى وولاية الآمر. ويقرأ سجله على رءوس كافة الأجناد والأمراء. ويضيف إلى ذلك كتابا عن الآمر عند استقراره فى الخلافة بعد أبيه بأنه فوّض إلى الأفضل الجمالى وزيره تدبير شئون الدولة والرعية. ويكتب كتابا ثانيا إلى ولاة الأطراف بعد كتابة السجل أو العهد وتفويض الأمور إلى الأفضل مهنئا فيه بخلافة الآمر وتجديد ولايته. ويسجل القلقشندى فى صبحه طائفة أخرى من كتب ابن الصيرفى فى البشارة بسلامة الخليفة فى مواسم رمضان إذ كانت تكتب فى مواكب الجمعة الأولى والثانية والثالثة وكذلك فى عيد الفطر وعيد النحر، وحذف القلقشندى من تلك الكتب اسم الخليفة، وقد ظل يعمل فى ديوان الإنشاء لعهد الآمر برياسة الشيخ ابن أسامة، حتى إذا خلفه فيه ابنه أبو الرضا شركه فى رياسة الديوان، ثم انفرد برياسته لعهد الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٣ هـ). ويبدو أنه ظل يعمل فيه حتى توفى سنة ٥٤٢. ويذكر ياقوت أنه توفى لأيام طلائع بن رزيك وزير الخليفة الفائز بعد سنة ٥٥٠ ولعل التاريخ الأول لوفاته هو الصحيح. وكان ابن الصيرفى كاتبا بليغا بل يعدّ أبلغ الكتاب المصريين زمن الفاطميين، وفيه يقول ياقوت: «أحد فضلا المصريين وبلغائهم مسلّم ذلك له غير منازع فيه. . وله رسائل أنشأها عن ملوك مصر تزيد على أربع مجلدات» ويشيد ابن سعيد فى المغرب ببلاغته قائلا: «وقعت على ترسله فى مجلدات عدة، فوجدت [القاضى] الفاضل البيسانى ينسج على منواله وينزع منزعه» وسنعرف عما قليل أن القاضى الفاضل أبرع كتاب مصر فى هذا العصر. وتتضح مهارة ابن الصيرفى البيانية فى أول كتاب احتفظ له القلقشندى به، وهو السجل الذى كتبه على لسان الآمر بوفاة الخليفة المستعلى وولايته الخلافة بعده سنة ٤٩٥ وقد استهله بحمد الله والصلاة على الرسول وعلى آله الطيبين الطاهرين الأئمة المهديين، يقصد آباءه من الخلفاء الفاطميين، ويقول إن الله استرعى الأئمة هذه الأمة مشيرا بذلك إلى أن الله اصطفاه لهداية الناس، ويصلّى على جدّه لأبيه على بن أبى طالب، ويقول «إن الله أكرمه بالمنزلة العلية، وانتخبه للإمامة رأفة بالبرية، وخصّه بغوامض علم التنزيل، وجعل له مبرة التعظيم ومزية التفضيل». وكل ذلك ترداد لما كان يبدئ الفاطميون فيه ويعيدون من تفضيل علىّ بن أبى طالب على أبى بكر وعمر وغيرهما من جلّة الصحابة، وأن الله خصه بعلم فوق العلم الدينى المعروف للأمة، به يعرف المعنى الحقيقى للقرآن أو المعنى الخفى الذى

стр. 3550

يعلو على الفهم العادى، ويشيد ابن الصيرفى على لسان الآمر بنشر أبيه المستعلى للعدل بين الزعية، ويصور فداحة الرزء به والفجيعة فيه ثم يقول: «وقد كان الإمام المستعلى بالله-قدّس الله روحه-عند نقلته، جعل لى عقد الخلافة من بعده، وأودعنى ما حازه من أبيه عن جده، وعهد إلىّ أن أخلفه فى العالم، وأجرى الكافة فى العدل والإحسان على منهجه المتعالم، وأطلعنى من العلوم على السر المكنون، وأفضى إلىّ من الحكمة بالغامض المصون، وأوصانى بالعطف على البرية، والعمل فيهم بسيرته المرضيّة، بما جبلنى (١) الله عليه من الفضل، وخصّنى به من إيثار العدل، وإننى-فيما استرعيته-سالك منهاجه، عامل بموجب الشرف الذى عصب الله لى تاجه». والسجل أو العهد كله بهذه اللغة الصافية المسجوعة، لا غرابة فى كلمة ولا نبو فى لفظ، بل ينساب الكلام فى فيض من البراعة البيانية، وفيه يقرر ابن الصيرفى على لسان الآمر أن الخلافة انتقلت إليه بالوراثة عن آبائه، وأن أباه عهد إليه بها، فهو يخلفه عن عهد أو وصية، وعند الفاطميين وجميع الشيعة أن الرسول أوصى بالخلافة لعلى وأنها تنتقل بالوصية من الأب إلى الابن. ويقول ابن الصيرفى على لسان الآمر إن الله أطلعه من العلوم على السر المكنون ومن الحكمة على الغامض المصون، مشيرا بذلك إلى عقيدة الفاطميين فى أن الأئمة يتميزون من الناس بعلم باطنى يتوارثه إمام بعد إمام متنقلا من جيل إلى جيل، وهو عندهم علم لا يشمل أمور الدين وحقائقه فحسب، بل أيضا يتّسع ليشمل حوادث العالم حتى يوم القيامة، وهو ما يفرض لهم على الناس طاعة واجبة لا تحدها حدود، طاعة بدون قيد أو شرط. وتتوالى كتب ابن الصيرفى فى الجزء الثامن من صبح الأعشى يكتبها فى وصف خطابة الآمر وصلاته فى جمع شهر رمضان وفى عيد الفطر وعيد النّحر أو الأضحى وفى وفاء النيل. ولا نراه يعود إلى مثل الإشارات السالفة للعقيدة الفاطمية الإسماعيلية، ويبدو أنه لم يكن غاليا فى العقيدة أو لعل القلقشندى حذف مما دوّنه من كتبه ورسائله غلوه. ولم يكن كاتبا بليغا يكتب الرسائل الديوانية فحسب، بل كان أيضا يكتب رسائل أدبية طريفة، وقد أشار إليها ابن سعيد فى المغرب حين قال: «له تصانيف مشهورة صغار ظراف» ويبدو أنه كان قد صنّفها للوزير الأفضل بن بدر الجمالى صاحب الأيادى السابغة عليه، وله فيه إشادات مختلفة سجلها فى رسائله الديوانية التى

стр. 3551

أشرنا إليها وردّدها مرارا وتكرارا، وقد ذكر ابن سعيد من تصانيفه كتاب «لمح الملح (١)» وأورد من نثره فيه قوله: «جرت العادة فى الغطاس، إعمال الكاس والطاس، وهذه الآلة-إذا فقدت الراح- بمنزلة أجسام عدمت الأرواح، فداو بإحيائها قلبا لى قريحا، وإذا كانت عازر فكن مسيحا». والغطاس عيد من أعياد القبط بمصر كان يحتفل بليلته النصارى والمسلمون فى الحادى عشر من شهر طوبة أشد أشهر الشتاء برودة، وكانوا يكثرون فيه من الملاهى فى الزوارق بالنيل وعلى شاطئيه كما كانوا يكثرون من إيقاد المشاعل والفوانيس مع الاستماع إلى المغنين والمغنيات. وواضح أن ابن الصيرفى يشير إلى ما كان يتخذ فى هذا العيد من اللهو وشرب الخمر فى أوعيتها من الكاس والطاس، ويقول إن هذه الأوعية إن لم تملأ بالخمر أو الراح كانت أجساما بدون أرواح. وكأنه يطلب خمرا من صديق، فيقول له: داو بإحيائها قلبا لى جريحا، يطلب منه أن يبث فى دنانه الحياة التى عدمتها بفقدانها الراح. ويقول إنها أصبحت مثل الميت المعروف باسم عازر الذى أحياه المسيح، فأحيها وابعثها من جديد. ويذكر ابن سعيد من رسائل ابن الصيرفى الأدبية التى صنفها للأفضل الجمالى رسالة بعنوان «منائح القرائح» وينقل من صدرها قوله: «أولى ما تقرّب به إلى الله تعالى الإكثار من تحميده، والإقرار بربوبيته وتوحيده، والصلاة على نبيه محمد الذى عضده بتأييده، وخصّه من الشرف بمالا سبيل إلى تحديده (٢)، وعلى آله الممنوحين من الفضل ما يعجز الواصف عن تعديده، ثم التوسل إلى ملوك كل وقت بشكر نعمتهم ومواصلة خدمتهم، وشهر خصائصهم التى امتازوا بها عن العباد، وذكر مناقبهم التى سارت فى الأقطار ونقّبت (٣) فى البلاد، والاجتهاد فيما نفقت (٤) بشريف مقاماتهم سوقه، والاعتماد على ما ظهر سموقه (٥) فى البلاغة وبسوقه، ولا خلاف أن سلطان هذا العصر، والمخصوص من الفضائل بمالا يدخل تحت الحصر، مالكنا السيد الأجلّ الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام» يقول ابن سعيد: وأخذ فى الاطناب على الأفضل. ويذكر أنه قال من تتمة تقدمته لتلك الرسالة:

стр. 3552

«فيجب على كل من صفت فكرته، وصحّت فطرته، وأمكنه استنباط معنى غامض، واستدلّ على المحاسن ببرقها الوامض، وعرف موضع الفضيلة فيما يضعه (١) من تصنيف، وعلم موقع الوسيلة به إلى كل موقف شريف، أن يظهر كامن قوّته، ويعمل مطايا رويّته، فيما يخدم مجلسه (٢) العالى به، مما يطرب مورده ومسموعه، ويعجب مؤلفه ومجموعه». وواضح أن ابن الصيرفى كان يحسن الكتابة إحسانا بعيدا، دون أى غرابة فى لفظ، بل مع السهولة واليسر، فسجعه خفيف لا غلظ فيه ولا كزازة، وكأنه يفيض من ينبوع غدق، شرابا يمتع النفس. وكان يوشّيه أحيانا بالألفاظ القرآنية مثل قوله عن المناقب إنها «نقّبت فى البلاد» أى مضت وانتشرت أخذا من قوله تعالى: ﴿(فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)﴾. واقتباسه للألفاظ والآيات القرآنية واضح فى رسائله. وكثيرا ما يوشى سجعه بالمحسنات البديعية وخاصة الاستعارة والتشبيه والجناس والطباق. وأورد ابن سعيد لغزا له فى السيف على هذا النحو: «يبالغ فى شكره إذا أقصد (٣) وجرّح، وتقبل فى تزكيته شهادة المجرّح». وفى كلمتى التزكية والمجرّح توريتان واضحتان فللتزكية معنيان. التعديل من قولهم زكى الشهود أى عدّلهم، وهو المعنى القريب للكلمة بدليل كلمة الشهادة. والمعنى الثانى بعيد، وهو الإطراء وهو المراد، وكذلك لكلمة المجرّح معنى قريب بدليل كلمة الشهادة وهو الذى لا تقبل شهادته. ومعنى ثان بعيد وهو المجرّح بالسيف فى الحرب، وهو أيضا المراد. ولعل فى هاتين التوريتين ما يدل على أن ابن الصيرفى كان يستظهر التورية فى نثره أحيانا ومرّ بنا أن شعراء القرن الخامس وفى مقدمتهم الشريف العقيلى كانوا يستخدمونها كثيرا. وتبعهم فى ذلك الكتاب كما نرى الآن عند ابن الصيرفى. وبذلك يتبين خطأ ابن حجة الحموى حين زعم أن القاضى الفاضل هو الذى ذلل من التورية الصعاب وأنزل الشعراء بساحاتها ورحابها (٤) فقد نزلها شعراء الدولة الفاطمية من قبله وكتّابها، وبهديهم اهتدى القاضى الفاضل، وعن قوسهم رمى. ولابن الصيرفى كتابان مطبوعان موجزان هما: قانون ديوان الرسائل، وكتاب الإشارة إلى من نال الوزارة. والكتاب الأول فى نظام ديوان الرسائل وبيان ما ينبغى أن يتحلى به رئيسه وموظفوه من ثقافات وصفات مميزة، وبه مقتطفات من بعض رسائله وهو كتاب نفيس. والكتاب الثانى

стр. 3553

يؤرخ فى إجمال لوزراء الدولة الفاطمية، وهو مع إجماله بالغ الأهمية التاريخية. وأنشد ياقوت لابن الصيرفى بعض أشعار، وهى تدل على أن ملكته النثرية كانت أخصب من ملكته الشعرية. القاضى (١) الفاضل هو عبد الرحيم بن على بن حسن اللخمى أصلا، العسقلانى مولدا، البيسانى نسبة إذ كان أبوه يتولى قضاء بيسان بفلسطين للفاطميين فنسب إليها. ويذكر بعض من ترجموا له أنه ولد سنة ٥٢٩ وأكبر الظن أنه ولد قبل هذا التاريخ. كما سنرى بعد قليل. وكان طبيعيا أن يعنى أبوه بتربيته، وبدأ بإرساله إلى كتّاب أو مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وحفظه وحفظ كثيرا من الأشعار. ويبدو أن الأب أحسّ بميل ابنه إلى الأدب، فرأى أن يرسل به إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة ليتدرب فيه على الكتابة، وفرح الابن برغبة أبيه: أن يصبح من كتّاب الدواوين الفاطمية، فسافر إلى حاضرة الفاطميين لعهد الخليفة الفاطمى الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٣ هـ) ويقول الرواة إنه كان فى الخامسة عشرة من عمره، ونظن ظنا ان سنه كانت أعلى من ذلك على الأقل سنتين أو أكثر حتى يتسنى له أن يهاجر من بيسان إلى القاهرة، وقد اشتد عوده قليلا وخاصة أنه كان أحدب ضعيف البنية. ويقول الرواة إنه حين ألمّ بديوان الإنشاء كان يرأسه الموفق بن الخلاّل أحد كتاب مصر المبدعين، وكان يشركه فى رياسته ابن قادوس الذى ترجمنا له بين الشعراء، وظلت لهما الرياسة حتى توفى ابن قادوس فانفرد بها الموفق بن الخلال حتى نهاية الدولة الفاطمية. وعنى به الكاتبان الكبيران، وخاصة الموفق بن الخلال، ويقول القاضى الفاضل إنه سأله فى أول لقاء له: ما الذى أعددت لفن الكتابة من الآلات؟ فأجابه ليس عندى شئ سوى أنى أحفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة، فقال له. فى هذا بلاغ ثم أمره بملازمته فمكث يتردد إليه ويتدرّب بين يديه، وأمره الموفق بحلّ شعر ديوان الحماسة، فحلّه من أوله إلى آخره، ولم يزل ابن

стр. 3554

الخلال يدربه حتى أتقن فن الكتابة. ويبدو أنه أحسّ أن المكانة التى يريدها لنفسه فى ديوان الإنشاء بالقاهرة من الصعب تحقيقها سريعا لكثرة منافسيه فيه، فرحل إلى ابن حديد قاضى الإسكندرية ومتولى الأمر فيها لعله يحقق لنفسه ما يريد من الشهرة، ورحّب به ابن حديد وعهد إليه بالكتابة عنه وظل عنده ثمانى سنوات، وكانت كتبه تسترعى أنظار موظفى الديوان الفاطمى لفصاحته فيها وحسن بيانه. ويقول الرواة إنها لفتت نظر العادل بن رزيك حين تقلد الوزارة للعاضد آخر الخلفاء الفاطميين سنة ٥٥٦ فأرسل إلى ابن حديد فى طلبه ليعمل فى دواوينه، وأرسله إليه، ووظفه رئيسا لديوان الجيش وتوثقت الصلة بينه وبين الوزير. ويبدو أنه انتقل من ديوان ابن حديد إلى دواوين الخلافة بالقاهرة فى وقت مبكر عن خلافة العاضد (٥٥٥ - ٥٦٧) إذ نرى فى الجزء التاسع من صبح الأعشى ص ٣٧٩ عهدا من إنشائه بولاية العهد من خليفة لولده بالخلافة ولم يذكر اسم الخليفة، وآخر خليفة فاطمى تولى الخلافة بعد أبيه الفائزين الظافر الذى تقلدها من سنة ٥٤٩ إلى سنة ٥٥٥ ووليها بعده عمه العاضد آخر خلفائهم. وواضح أن هذا العهد يؤكد أن القاضى الفاضل عمل فى دواوين القاهرة على الأقل فى عهد الفائز بل لا بد أن يكون قد عمل فيها قبله فى عهد أبيه الظافر (٥٤٣ - ٥٤٩) حتى يمكن أن يكتب عنه هذا العهد. وقد استخلصه الموفق ابن الخلال رئيس ديوان الإنشاء لنفسه فكان يكتب بين يديه. ولا يلبث شاور أن يقتل العادل ويستولى على مقاليد الوزارة سنة ٥٥٨، وينشب خلاف عنيف بين شاور وضرغام على نحو ما مر بنا فى الفصل الأول من هذا القسم، ويستنجد شاور والخليفة العاضد بنور الدين صاحب حلب، ويقدم عليه شاور ويرسل معه بعساكر يقودها أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، وينصرانه. وسرعان ما يعض اليد التى نصرته. وتتطور الأمور ويستعين شاور بالصليبيين مرارا، ويستصرخ العاضد نور الدين فيرسل إليه شير كوه وابن أخيه صلاح الدين المرة تلو المرة ولكن «شاور» لا يثوب إلى رشده فيفتك به ويقتل، ويتقلد أسد الدين شير كوه الوزارة المصرية للخليفة العاضد. وفى هذه الأثناء كان القاضى الفاضل يكتب السجلات والتقاليد والمنشورات عن العاضد بين يدى الموفق بن الخلال، وكان قد أخذ بصر الموفق يضعف جدا حتى أضرّ، فأصبح القاضى الفاضل هو المتصرف فى المكاتبات باسم العاضد وفى الجزء التاسع من صبح الأعشى ص ٣٧٩ عهد من إنشائه بولاية العهد من خليفة لولده بالخلافة، ولم يذكر اسم الخليفة، وأكبر الظن أنه العاضد، وتكثر العهود والسجلات من إنشائه فى الجزء العاشر مما كتب به عن العاضد إلى القضاة

стр. 3555

والولاة بتقلد أعمالهم، ومن ذلك العهد الذى كتبه عن العاضد بتولى أسد الدين شيركوه الوزارة فى شهر ربيع سنة ٥٦٤ وتفويض كل شئ إليه، وأيضا العهد الذى كتبه عن العاضد فى نفس السنة حين توفى أسد الدين فى جمادى الآخرة بتولى ابن اخيه صلاح الدين الوزارة بعده. وكان القاضى الفاضل قد وثّق الصلة به وبعمه، وأنس به صلاح الدين وتمكن منه غاية التمكن كما يقول ابن خلكان، فلم يكتف له برياسته لديوان الإنشاء، بل اتخذه وزيرا، قلما يبرم شيئا إلا بعد مشورته، وكان إذا أناب عنه أحدا من أفراد أسرته بمصر فى اثناء غزواته للصليبيين أبقاه معه لإدارة دفة السياسة، وكثيرا ما كان يصحبه معه فى مواقعه مع الصليبيين، وخاصة منذ منازلته لهم فى حطين وفتح القدس. وكان القاضى الفاضل اللسان المبين لصلاح الدين طوال حكمه يكتب عنه إلى الخلفاء العباسيين والملوك والولاة مسجلا أحداث زمنه ومبلغا عنه عهوده وسجلاته وتوقيعاته إلى كل من تشملهم راية حكمه من الإسكندرية إلى الفرات وإلى النوبة وأقاصى الصعيد والحجاز واليمن. وبلغ من تقدير صلاح الدين له أن كان يقول لأصحابه، لا تظنوا أنى ملكت البلاد بسيوفكم، إنما ملكتها بقلم القاضى الفاضل. وللفاضل كتب كثيرة وجّه بها إليه، تفيض بالحب والإجلال والإعزاز، وكان حاضرا وفاته بدمشق سنة ٥٨٩، وبكاه بكاء مرا. وولى بعده على مصر ابنه العزيز فآزره، وظل عنده فى نفس المكانة التى كانت له عند أبيه والرفعة ونفاذ الأمر، وتوفى العزيز سنة ٥٩٥ وخلفه ابنه المنصور وكان صبيا فظل على ولائه له وعونه، حتى قدم الأفضل عمه من الشام. ولم يلبث السلطان العادل أخو صلاح الدين أن قدم إلى مصر بنية أخذها من المنصور وعمه الأفضل فى سنة ٥٩٦ وكانت بينه وبين القاضى الفاضل وحشة كما يقول ابن تغرى بردى، فدعا الفاضل على نفسه بالموت-فيما يقولون-واستجاب الله دعوته فبينما كان العادل داخلا من باب النصر كانت جنازة الفاضل خارجة من باب زويلة. وكان الفاضل شاعرا وله ديوان شعر مطبوع، كما كان كاتبا، ودوت شهرته فى الكتابة، وعدّ فيها رئيس مدرسة تبعه فيها المصريون والشاميون، وفيه يقول العماد الأصبهانى فى كتاب الخريدة: «ربّ القلم والبيان واللّسن واللسان، والقريحة الوقّادة، والبصيرة النقّادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذى ما سمع فى الأوائل بمن لو عاش فى زمانه لتعلق بغباره، أو جرى فى مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التى نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار». ويقول النويرى: «إلى القاضى

стр. 3556

انتهت صناعة الإنشاء ووقفت، وبفضله أقرت أبناء البيان واعترفت، ومن بحر علمه رويت ذوو الفضائل واغترفت، وأمام فضله ألقت البلاغة عصاها، وبين يديه استقرّت به نواها، فهو كاتب الشرق والمغرب فى زمانه وعصره، وناشر ألوية الفضل فى مصره وغير مصره، ورافع علم البيان لا محالة، والفاضل بغير إطالة». وفيما يلى قطعة من السجل أو العهد الذى كتبه بلسان العاضد آخر الخلفاء الفاطميين مسندا فيه الوزارة إلى صلاح الدين، يقول بعد أن صوّر ما قدمه هو وعمه أسد الدين شير كوه للعاضد من عون متحدثا بلسان الخليفة: «ولو لم يكن لك هذا الإسناد فى هذا الحديث، وهذا المسند الجامع من قديم الفخر وحديث، لأغنتك غريزة، عزيزة، وسجيّة، سجيّة (١)، وشيمة، وسيمة (٢)، وخلائق، فيها ما تحب الخلائق، ونحائز (٣)، لم يحز مثلها حائز، ومحاسن، ماؤها غير آسن (٤)، ومآثر جدّ غير عاثر، ومفاخر، غفل عنها الأول ليستأثر بها الآخر، وبراعة لسان ينسجم قطارها (٥)، وشجاعة جنان تضطرم نارها، وخلال جلال (٦) عليك شواهد أنوارها تتوضح، ومساعى لديك كمائم (٧) نورها تتفتح. . وابسط يدك فقد فوّض إليك أمير المؤمنين بسطا وقبضا، وارفع ناظرك فقد أباح لك رفعا وخفضا، واثبت على درجات السعادة فقد جعل لحكمك تثبيتا ودحضا، واعقد حبى (٨) العزمات للمصالح فقد أطلق بأمرك عقدا ونقضا. وانفذ فيما أهّلك له فقد أدّى بك نافلة من السياسة وفرضا، وصرّف أمور المملكة فإليك الصّرف والتصريف، وثقّف أود (٩) الأيام فعليك أمانة التهذيب والتثقيف». وإنما اخترت هذه القطعة من سجل أو عهد كتبه الفاضل سنة ٥٦٤ لأدل على أن خصائص فنه النثرى كانت قد استوت وتهيأت له مبكرة، وقد استهل القطعة بذكر الإسناد والحديث كأنه يريد أن يحدث تورية، فهو لا يريد الحديث النبوى وإنما يريد ما سبق فى العهد من حديث عن عم صلاح الدين وجهوده التى بذلها للخليفة الفاطمى، وجعل لصلاح الدين إسنادا فيه لا من السند وإنما من المساندة والمساعدة، ومضى فى تورياته المتصلة بالحديث النبوى، فجعل قديم فخر

стр. 3557

صلاح الدين وحديثه مسندا جامعا، وكتب المساند النبوية معروفة ومنها الجامع الصحيح للبخارى، وقد جانس بين الحديث أى الكلام السابق وحديث بمعنى جديد والطباق واضح بين كلمتى قديم وحديث. وتتوالى سجعات قصيرة أقامها على الجناس الناقص وكان كلفا بجميع صوره. ويجانس بين خلائق بمعنى طباع والخلائق بمعنى الناس والتورية واضحة فى كلمة الخلائق. وتتوالى جناسات ناقصة وتداخلها بعض التصاوير، فماء المحاسن غير آسن والجدّ أو الحظ غير عاثر. ويحاول الإغراب والابداع فى سجعه فيأتى بسجعة هى كلمة مفاخر تليها سجعة طويلة يداخلها طباق بين الأول والآخر. ويوغل فى إغرابه وإبداعه، فيأتى بسجعتين تداخلهما فى صدرهما سجعتان إذ يقول: «وبراعة لسان، ينسجم قطارها، وشجاعة جنان يضطرم نارها». ويعمد إلى التصوير البارع فى السجعتين التاليتين فشواهد أنوار الخلال أو الخصال تتوضح، وكمائم نور المساعى وزهرها تتفتح. ويفزع إلى الطباق فى السجعات الخمس التالية وقد تصنع أو تكلف فى استخدامه للطباق بذكره المصطلحين النحويين: رفعا وخفضا، ولكنه تصنع مقبول، فقد استظهرهما فى خفة وعذوبة. ولعل فيما قدمنا ما يصور بوضوح خصائص القاضى الفاضل فى كتابته الديوانية، وهى كتابة فيها روح مصر التى نشأ فى دواوينها وصقل لسانه فى رسائل كتابها من أمثال ابن الصيرفى والموفق بن الخلال، كتابة ليس فيها ثقل ولا تكلف بعيد، بل فيها انطلاق وسهولة مع الرونق وصفاء التعبير. وتتردد فى الكتب التى ترجمت للقاضى الفاضل أو عرضت لبراعاته البلاغية عبارات مضيئة بحسنها البيانى كقوله عن صلاح الدين وأسرته: «أنتم-يا بنى أيوب-أيديكم آفة أنفس الأموال، كما أن سيوفكم آفة أنفس الأبطال، ولو ملكتم الدهر لا متطيتم لياليه أداهم (١)، وقلّدتم بيض أيامه صوارم (٢)، وأفنيتم شموسه وأقماره فى الهبات دنانير ودراهم، وأوقاتكم أعراس إلا على الأموال فهى مآتم، والجود فى أيديكم خاتم، ونفس حاتم (٣) فى نقش ذلك الخاتم». والقطعة تمتلئ بالاستعارات والتشبيهات الرائعة، مع ما يحفّ بها من الجناسات والطباقات، ومع ما صيغت فيه من العبارات الناصعة التى تلذ الألسنة والأفئدة. ومن هذا النسيج البديع قوله من رسالة فى صفة قلعة شاهقة، اسمها كوكب:

стр. 3558

«وهذه القلعة عقاب فى عقاب (١)، ونجم فى سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة». والجناس واضح بين عقاب بضم العين وعقاب بكسرها، وقد استمر فى تشبيهات وتصويرات بديعة، وقال نقاده: إن قوله: «كان الهلال لها قلامة» أخذه من قول ابن المعتز فى الهلال: ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر غير أن القاضى أضاف إلى القلامة إضافة بديعة بذكره الأنملة إذا خضبها الأصيل. ولعل فى ذلك ما يشير إلى قدرته على مراعاة النظير فى صياغاته، وذلك كثير فى كتاباته على نحو ما نرى الآن حين ذكر القلامة ذكر معها الأنملة والخضاب. ومن أروع رسائله رسالته، التى كتب بها إلى الخليفة الناصر يبشره فيها بانتصار صلاح الدين على حملة الصليب فى حطّين وفتحه العظيم لبيت المقدس. وللقاضى الفاضل كثير من الرسائل الشخصية، وسنقف عندها قليلا فى غير هذا الموضع، ومرّ بنا أن مخطوطة فصوص الفصول المحفوظة بدار الكتب المصرية تجمل مراسلات كثيرة بينه وبين ابن سناء الملك، وكان يتخذه ابنا روحيّا له وذكرنا فى غير هذا الموضع أن بها ملاحظات ومراجعات نقدية كثيرة. محيى الدين (٢) بن عبد الظاهر هو عبد الله بن عبد الظاهر المصرى من بيت علم وفقه وأدب، ولد سنة ٦٢٠ وبدأ بحفظ القرآن الكريم مثل لداته ثم اختلف إلى حلقات الفقهاء والمحدثين وأصحاب التاريخ والسير، وأحس بميل شديد إلى الأدب وجرى على لسانه الشعر، وأنس فى نفسه قدرة أدبية، فالتحق بالدواوين لعهد الأيوبيين، ولم يلبث أن أظله عهد المماليك ونرى نجمه يتألق فى عهد الظاهر

стр. 3559

بيبرس، إذ يصبح رئيسا لكتاب الدّست، ثم رئيسا لديوان الإنشاء، وتظل له هذه الوظيفة فى عهد السلطان قلاوون وابنه الأشرف خليل حتى يلبى نداء ربه سنة ٦٩٢. وعنه كانت تصدر العهود والسجلات والتقاليد والمنشورات والتوقيعات نحو أربعين عاما، مما جعله يضع مصطلحات ديوان الإنشاء لزمنه وبقية زمن المماليك، وكان ابنه فتح الدين على غراره مهارة بيانية، ورقى إلى وظيفة كاتب السر لعهد قلاوون وابنه الأشرف خليل. وهى أكبر وظيفة فى الدولة حينئذ، وسبق أباه إلى رضوان ربه بعام فحزن عليه حزنا شديدا. وقد أشاد بمحيى الدين وبلاغته معاصروه إشادات رائعة، من ذلك قول النويرى فى نهاية الارب: «كان محيى الدين أجلّ كتاب العصر، وفضلاء المصر، وأكابر أعيان الدّول، والذى افتخر بوجوده أبناء عصره على الأول، له من النظم الفائق ما راق صناعة وحسنا، ومن النثر الرائق مافاق بلاغة ومعنى، فقصائده مدونة مشهورة، ورسائله بأيدى الفضلاء ودفاترهم مسطورة، وكلامه كاد يكون لأهل هذه الصناعة وعليهم حجة، وطريقه فى البلاغة أسهل طريق وفى الفصاحة أوضح محجّة» ويقول ابن شاكر فى كتابه الفوات عنه: «الكاتب الناظم الناثر شيخ أهل الترسل ومن سلك الطريقة الفاضلية فى إنشائه». وجمع بعض رسائل القاضى الفاضل فى كتاب سماه: «الدر النظيم من ترسل عبد الرحيم». وكان يستخدم فى كتاباته السجع، وكثيرا ما يطيل السجعة الثانية ليضمّنها ما يريد من المحسنات البديعية، وفى مقدمتها التصاوير والجناس والطباق، وكذلك ما يريد من الاقتباسات القرآنية ومن حلّ بعض الأشعار ونثرها، مع حسن الألفاظ وعذوبة الكلم. وكان يرافق الظاهر بيبرس وقلاوون والأشرف خليل فى غزواتهم، ويرسل بوصفها لملك اليمن وغيره من أصحاب السلطان وللوزراء فى مصر. ومن رسائله المهمة رسالته إلى الوزير بهاء الدين بن حنا، يصف له حروب بيبرس مع التتار وبنى سلجوق واقتلاعه مدينة قيسارية من أيديهما مع ما أخذ فى طريقة إليها من الحصون والبلاد، مصورا مسيرة الجيش المصرى فى جبال شامخة مذلّلا فيها طريقه لا يعوقه عن مقصده عائق. والرسالة طويلة فى نحو خمس عشرة صحيفة مدّونة فى الجزء الرابع عشر من صبح الأعشى، وهى وثيقة تاريخية بحروب بيبرس للتتار والسلجوقيين فى ذى القعدة من سنة ٦٧٢ وفيها يقول: «سرنا لا يستقر بنا فى شئ من المهالك قرار، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار، ولا نمرّ

стр. 3560

على مدينة إلا مرور الرياح على الخمائل فى الأصائل والأبكار، ولا نقيم إلا بمقدار ما يتزيّد الزائرين من الأهبة، أو يتزوّد الطائر من النّغبة (١)، نسبق وفد الرّيح من حيث ننتحى، وتكاد مواطئ خيلنا بما تسحبه أذيال الصوافن (٢) تمّحى، تحمل همّنا الخيل العتاق، ويكبو البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق، وكلّ يقول لسلطاننا نصره الله: أين أزمعت أيّهذا الهمام ... نحن نبت الرّبى وأنت الغمام وبتنا هنالك ليلة نستحقر بالنسبة إلى شدّتها ليلة الملسوع، وتتمنّى العين بها هجمة هجوع، وأخذنا فى اختراق غابات أشجار تخفى الرفيق عن رفيقه، وتشغله عن اقتفاء طريقه، ينبرى منها كل غصن يرسله المتقدم إلى وجه رفيقه، كما يخرج السهم بقوة من منجنيقه، حولها مغائر أحجار كأنها قبور بعثرت، أو جبال تفطّرت (٣)، بينها مخائض لا بل مغائض ماخر جنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول وتعممت بالثلوج، وعمّيت مسالكها فلا أحد إلا هو قائل: فهل إلى خروج من سبيل أو إلى سبيل من خروج، تضيق مناهجها بمشى الواحد، وتلتفّ شجراتها التفاف الأكمام على السواعد». وعلى هذه الشاكلة يتدفق ابن عبد الظاهر فى الرسالة دون أى عائق من لفظ غريب أو أسلوب ملتو، بل سيولة وعذوبة مع السجع الرشيق ومع ما يشاء من الجناسات والاستعارات دون أن نشعر بالكلفة أو بشئ منها، وفى صبح الأعشى رسائل وعهود له بديعة، منها عهد الظاهر بيبرس لابنه الملك السعيد وعهد قلاوون لابنه الملك الأشرف خليل، وفيه ينوه ابن عبد الظاهر بالأشرف على لسان أبيه قلاوون قائلا: هو الذى بقواعد السلطنة أدرى وبقوانينها الأعرف، وعلى الرعايا الأعطف، وبالرعايا الأرأف، وهو الذى ما قيل لبناء ملك هذا عليّه قد وهى إلا وقيل هذا خير منه ومن أعلى بناء سعد أشرف، والذى ما برح النصر يتنسّم من مهابّ تأميله الفلاح، ويتبسّم ثغره فتتوسم الثغور من مبسمه النجاح، ويقسم نوره على البسيطة فلا مصر من الأمصار إلا وهو يشرئب إلى ملاحظة جبين عهده الوضاح. . والذى كم جلا ببهىّ جبينه من بهيم، وكم غدا الملك بحسن روائه ويمن

стр. 3561

آرائه يهيم، وكم أبرأ مورده العذب هيم (١)، ولا ينكر الخليل إذا قيل عنه أبراهيم». والسجعات فى هذا العهد تتوالى فى مجاميع على حرف واحد أو روىّ واحد، قد يكون الفاء أو الحاء أو الميم كما فى هذه القطعة، وقد يكون حرفا آخر كالدال أو التاء أو النون إلى غير ذلك من حروف تتعاقب فيها السجعات فى خفة. وقد ورّى فى السجعات الفائية حين ذكر فيها لفظ «أشرف» موريا به عن الأشرف خليل، ولم يكتف بهذه التورية فى اسمه فقد أضاف إليها تورية أخرى فى لفظ أبراهيم بآخر القطعة، وقدم لذلك بذكر الخليل كأنه يريد إبراهيم ﵇، وهو لا يريده إنما يريد بالكلمة أنه أبرأهيما أى عطاشا أشد العطش. ومن ذلك قوله فى رسالة إلى صاحب اليمن مبشرا بفتوح قلاوون لبعض حصون الصليبيين بالشام. «تعطيه الملوك الجزية عن يد وهم صاغرون، ويصطفى كرام أموالهم وهم صابرون لا مصابرون، وكم شكت منه حماة تنبئ بشكوها عن قلة الإنصاف، وكم خافته معرّة وما من معرّة خاف، ومازالت أيدى الممالك تمتد إلى الله بالدعاء عليه تشكو من جور جواره تلك الحصون والصّياصى (٢)، وتبكى بمدمع نهرها من تأثير آثاره مع عصيانها وناهيك بمدمع العاصى». وواضح فى أول هذه القطعة اقتباس محيى الدين بن عبد الظاهر لآية سورة التوبة: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). ويكثر الاقتباس لآى الذكر الحكيم وألفاظه فى كتاباته كما يكثر حلّ الشعر والاستشهاد بنصوصه وأبياته. وقد ورّى فى القطعة بذكره لفظ معرة الثانية من العار مقدما لها بذكر حماة والمعرّة وهما من مدن الشام. وورّى أيضا فى قوله: «وناهيك بمدمع العاصى» وهو إنما يريد نهر حماة المعروف باسم العاصى. ودائما نحس عنده العذوبة والسلاسة وكأنه يستمد من نبع فياض لا يغيض أبدا، على نحو ما نرى فى قوله من رسالة يصف بها فتح قلاوون لطرابلس: «صرف مولانا السلطان إلى طرابلس العنان، وسبق جيشه إليها كل خبر وليس الخبر كالعيان، وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد حرسته عيونها والمخاوف كلها أمان. . وفى خدمته جنود لا تستبعد مفازة. وكم راحت وغدت وفى نفسها للأعداء حزازة، فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان تيجانا لها صاغتها الثلوج، ومعارج لا مرافق بها غير الرّياح الهوج، وانحطت الجنود من تلك الجنادل انحطاط الأجادل (٣)، واندفعوا فى تلك الأوعار اندفاع الأوعال (٤)، ولم يحفل أحد

стр. 3562

منهم بطريق لا صق، ولا جبل شاهق، فقال: هذا منخفض أوعال». والكلمات والسجعات تنزلق عن اللسان فى خفة إذ كانت ملكته الأدبية خصبة، فهى ما تزال ترفده بما يريد من الألفاظ التى تروق فى السمع لا بسجعها فحسب، بل أيضا بجرسها وحسن انتخابه لها، وما يوفره لها من محاسن بديعة بقدر الحاجة دون تكثر يحيلها إلى تكلف شديد. وحقا كان يتصنع أحيانا لبعض مصطلحات النحو ولكنه لأياتى بها إلا فى الحين بعد الحين ما عدا رسالة اقترحت عليه أن تكون توقيعا لمدرس نحو استهلها بقوله مداعبا: «حرس الله نعمة مولاى، ولا زال كلم السعد من اسمه وفعله، وحرف قلمه يأتلف، ومنادى جوده لا يرخّم وأحمد عيشه لا ينصرف» ومضى فيها على هذه الشاكلة متصنعا لمصطلحات النحو، ولكن من الحق أنه أرادبها إلى الدعابة، وعلى نحو ما كان يبشر بالفتوح كان يبشر بوفاء النيل وله فى ذلك رسائل بارعة يقول فى إحداها: «نعم الله وإن كانت متعددة، ومنحه وإن غدت بالبركات متردّدة، ومنّته وإن أصبحت إلى القلوب متوددة، فإن أشملها وأكملها، وأجملها وأفضلها، وأجزلها وأنهلها، وأتمهّا وأعمّها، وأضمّها وألمّها، نعمة أجزأت المنّ والمنح، وأنزلت فى برك سفح المقطّم أغزر سفح، وأتت بما يعجب الزرّاع، ويعجز البرق اللمّاع، ويعلّ (١) القطاع، ويغلّ (٢) الأقطاع، ويأتى فى الغد بأكثر من اليوم وفى اليوم بأكثر من الأمس، ويركب الطريق مجدّا فإن ظهرت بوجهه حمرة فهى ما يعرض للمسافر من حر الشمس. . وبينا يكون فى الباب إذا هو فى الطاق، وبينا يكون فى الاحتراق (٣)، إذا هو فى الاجتراء للإغراق، وبينا يكون فى المجارى، إذا هو فى السوارى (٤)». والتورية واضحة فى كلمة سفح الثانية، إذ ليس معناها معنى سابقتها وهى سفح جبل المقطم إذ أراد الانصباب من قولهم سفح الماء إذا صبّه. واقتبس من القرآن الكريم قوله عز شأنه فى سورة الفتح (يعجب الزرّاع) واقتباسه من الذكر الحكيم كثير فى كتاباته كما أسلفنا. وتعليل ما يخالط النيل من الطمى بأنه نفس الحمرة التى تعرض للمسافر من طول سفره وتعرضه للشمس تعليل حسن يدل على عمق تخيله وطرافته. وتصويره لفيضان النيل وأنه سرعان ما يملأ مجرى النهر وتعلو أمواجه ويطفح عبابه ويتمادى طوفانه، فبينا يدخل سدّة باب إذا هو فى الطاق وأعلى الشرفات،

стр. 3563

وبينما تكون مصر قبل فيضانه فى زمن الاحتراق والتعطش للماء إذا هو يخترق الآفاق فيها لإغراقها بمياهه العذبة، وبينا يكون فى أسافل الأرض ومجاريها إذا هو فى السوارى وأعلى الأعالى. ولم يكن محيى الدين بن عبد الظاهر كاتبا ديوانيا فحسب، فله رسائل شخصية سنلمّ بإحداها، وأيضا كان مؤرخا، وعنه أخذ البرزالى وغيره من كبار المؤرخين لزمنه، واهتم فى التاريخ بكتابة السير، فكتب سيرة الظاهر بيبرس، وهى أحد مصادر المقريزى فى خططه، وكتب سيرة قلاوون بعنوان «تشريف الأيام والعصور فى سيرة الملك المنصور»، وكتب أيضا سيرة الأشرف خليل بعنوان «الألطاف الخفية من السيرة الشريفة السلطانية الأشرفية» وله كتاب فى خطط القاهرة ينقل عنه كثيرا المقريزى وكذلك القلقشندى فى صبح الأعشى. ولعل فيما قدمنا من رسائله الديوانية ما يدل بوضوح على قدرته البيانية والبلاغية. ابن (١) فضل الله العمرى هو شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمرى، من سلالة أسرة مصرية تنتسب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وليت أسرته ديوان الإنشاء بمصر ودمشق نحو قرن من الزمان هو القرن الثامن الهجرى، وقد ولد لأبيه كاتب السر بدمشق سنة ٧٠٠ للهجرة وبها نشا، فحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ يختلف إلى حلقات علمائها من أمثال ابن تيمية الفقيه الحنبلى المشهور وقاضى قضاة دمشق الشافعى شهاب الدين محمد بن المجد وشيخ الشافعية بدمشق برهان الدين بن الفركاح الفزارى وأخذ علم الأصول على الشيخ شمس الدين الأصفهانى نزيل دمشق منذ سنة ٧٢٤ وبها ظل سبع سنوات وكان من أبرع علماء زمنه فى العقليات، وأذن لابن فضل الله فى الإفتاء على مذهب الشافعى. وأخذ شهاب الدين العربية عن كمال الدين بن قاضى شهبة وابن الزّملكانى، أما الأدب فأخذه عن أبيه ورفيقيه فى ديوان الإنشاء الشهاب محمود وعلاء الدين

стр. 3564

الوداعى. ورحل إلى مصر فى أثناء الطلب، وأخذ العربية عن شيوخها وعلمائها مثل ابن الصائغ الحنفى ونزيلها أبى حيان الأندلسى. وسمع الحديث على علمائها كما سمعه على حفاظ الشام. ويبدو أنه نزع إلى العمل مع أبيه مبكرا فى ديوان الإنشاء بدمشق، وتخرج فيه كاتبا بارعا. وكان إلى ذلك لا يزال يأخذ عن العلماء فى زمنه بالشام ومصر، وكان أبوه يعمل أحيانا بالديوان فى دمشق وأحيانا يعطل، فكان إذا عمل لزمه، حتى إذا استدعى الناصر محمد بن قلاوون أباه لكتابة السر بالقاهرة سنة ٧٢٩ تقلّد معه هذه الوظيفة فكان هو الذى يقرأ كتب البريد ورسائله على الناصر، ونقلهما إلى دمشق فى شعبان سنة ٧٣٢ ثم أعادهما ثانية إلى القاهرة مسندا إليهما كتابة السر ورياسة ديوان الإنشاء سنة ٧٣٣ ويبدو أنه كان حادّ الطبع، ولم يتحاش عن إظهار هذه الحدة فى مخاطبته للناصر، فتغّير عليه وصرفه، وولّى أخاه علاء الدين مكانه، وكانت منزلة أبيه عند الناصر قد عظمت، وطلب أن يرجع إلى دمشق فأجابه إلى طلبه، على أن تستمر له رياسة ديوان الإنشاء فى جميع ديار السلطنة وأن يكون جميع الموظفين فى تلك الدواوين نوابه، وسرعان مالبى نداء ربه. وعاد الناصر فى سنة ٧٤٠ فرضى عن شهاب الدين وولاه كتابة السر بدمشق، ودخلها فى المحرم سنة ٧٤١ وظل يلى وظيفته بها حتى طلب إلى القاهرة سنة ٧٤٣ لكثرة الشكايات منه وشفع فيه أخوه علاء الدين، وقبلت شفاعته وعاد إلى دمشق، وبارحها فى سنة ٧٤٩ لقضاء فريضة الحج، وتوفى بمكة ونقل تابوته إلى دمشق، ولم يكد يبلغ الخمسين من عمره. وكان شاعرا كما كان كاتبا، نظم كثيرا من القصائد والأراجيز والمقطعات والدوبيت، غير أن شهرته الكتابية غطت على شهرته الشعرية، وقد أشاد بكتابته معاصروه من ذلك قول صلاح الدين الصفدى: «هو الإمام الفاضل البليغ المفوّه الحافظ حجة الكتّاب، إمام أهل الأدب، أحد رجالات الزمان كتابة وترسلا، وتوسلا إلى غايات المعانى وتوصلا، يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهّب، وينحدر سيله مذاكرة وحفظا ويتصبّب، ويتدفق بحره بالجواهر كلاما، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المستعرة نظاما، ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة، وتندى عباراته انسجاما وصياغة، وينظر إلى غرر المعانى من ستر رقيق، ويغوص فى لجّة البيان فيظفر بكبار اللؤلؤ من البحر العميق، يكتب من رأس قلمه بديها، ما يعجز تروّى القاضى الفاضل أن يدانيه تشبيها. . صرّف الزمان أمرا ونهيا، ودبّر المماليك تنفيذا ورأيا». ولعل من الطريف ان ابن فضل الله جمع من كتاباته نماذج فى جميع صور المكاتبات الديوانية وضمنها كتابه النفيس: «التعريف بالمصطلح الشريف» وجعله فى سبعة أقسام أولها فى رتب

стр. 3565

المكاتبات إلى الخليفة العباسى بالقاهرة وعنه مع رسوم الكتابة إلى أمراء البلدان وراء السلطنة المصرية من الهند إلى الأندلس، وأيضا إلى نواب السلطنة والحكم خارج مصر. والقسم الثانى فى العهود والتقاليد والتواقيع والمراسيم والمناشير والعهود إما من الخلفاء إلى السلاطين وإما من السلاطين إلى ولاة العهد. والتقاليد خاصة بكبار الموظفين والتواقيع لصغارهم والمراسيم لصغائر الأمور والشئون والمناشير خاصة بالأمراء والجند. والقسم الثالث خاص بنسخ الأيمان على العامة والولاة وكبار الموظفين وأهل الكتاب. والقسم الرابع فى الأمان والهدن مع الأعداء ونقض المعاهدات. والقسم الخامس فى حدود المدن والبلاد وهو جغرافى. والقسم السادس فى مراكز البريد ووسائله برا وبحرا. والقسم السابع فى الآلات وخاصة آلات الحرب من سيف وغير سيف وكذلك آلات السفر وآلات الصيد وآلات الطرب وأيضا الحيوان الأليف والوحشى والطير، ويتسع هذا القسم للحديث عن المدن والحصون وأنواعها والأزمنة وفصولها والأنواء. وواضح أن الأقسام الأربعة الأولى هى التى دفعته لإعطاء النماذج الكتابية المتصلة بموضوعاتها. أما الأقسام الثلاثة التالية فقد رأى معرفتها ضرورية لكتّاب الديوان لأنها تتصل بأعمالهما اتصالا قويا. واشتهر هذا الكتاب بعد ابن فضل الله واتخذه الكتّاب إماما لهم وجعلوه نصب أعينهم فى كتاباتهم الديوانية يحاكون نماذجه وأمثلته، واعتمد عليه القلقشندى فى بيان رسوم الكتابة الديوانية، وما يصورها من أمثلة بليغة محكمة، من ذلك قوله فى تقليد وزير ووصيته بما ينبغى عليه فى وزارته: «عليه بالكفاة الأمناء، وتجنّب الخونة وإن كانوا ذوى غناء، وإياه والعاجز، ومن لو رأى المصلحة بين عينيه ألقى بينه وبينها ألف حاجز، وليطهّر بابه، ويسهّل حجابه، ويفكر فيما بعد أكثر مما قرب مقدما الأهّم فالأهمّ من المصالح، وينظر إلى ماغاب عنه وحضر نظر المماسى والمصابح، ولا يستبدل إلا بمن ظهر لديه عجزه أو ثبتت عنده خيانته، ولا يدع من جميل نظره من صحّت لديه كفايته، أو تحققت عنده أمانته. وليصرف اهتمامه إلى استخلاص مال الله الذى نحن أمناؤه، وبه يشغل أوقاته وتمتلئ كالإناء آناؤه، فلا يدع شيئا يجب لبيت المال المعمور من مستحقه، ولا يتسّمّح فى تخلية بشئ منه كما نوصيه أن لا يأخذ شيئا إلا بحقّه». وواضح أن ابن فضل الله لا يتكلف فى كتابته، وكأنه-كما قال الصفدى-بحر يتدفق، وفى تضاعيف تدفقه ينثر جواهر المحسنات، وهى تواتيه طيعة، تارة يطابق وتارة يجانس فى يسر دون أن نحس عنده بتصنع أو ما يشبه التصنع. ومن طريف وصفه للسيف فى كتابه التعريف قوله:

стр. 3566

«سلّ سيفا سال المنون من لعابه، وسار الموت فى إهابه (١)، وتناوم غراره (٢) ملء جفنيه فما هجع، وتناوب (٣) للوثوب للمهج فما رجع، وتباكى على من قتل فجرت دموعه دماء، وتحرّق على من سلم فتوقّدت ضلوعه نارا وترقرقت مآقيه ماء». وهى كلمات قصار ولكنها مليئة بالاستعارات والتشخيصات المتلاحقة، وفيها الجناس والطباق وكأنهما غير ملحوظين، لما تجريان فيه من سهولة اللفظ وعذوبته. وله فى وصف قدح أو كاس: «تكوّن من جوهر مكنون، وتجسّد من هواء مظنون، واتّخذ خدرا لابنة العنب (٤)، وطاف به الساقى فأصبح منه فى راحة وهو فى تعب، قهقه عليه الإبريق فصدح، وطار منه شرار المدام فقيل: قدح». والقطعة مثل سابقتها زاخرة بالاستعارات والصور الطريفة. مع جناسات وطباقات بديعة ومع جمال الجرس والمهارة فى انتخاب اللفظ، وقد ختمها بكلمة قدح والتورية واضحة، فهو لا يريد ما يتبادر من أنه يريد القدح الذى يصفه، إنما يريد الفعل الماضى قدح أى قدح الشرر وأذكاه من قولهم قدح النار من الزند. ولابن فضل الله العمرى بجانب رسائله الديوانية رسائل شخصية قليلة وذكر له مترجموه نحو عشرة كتب، منها التعريف بالمصطلح الشريف الذى وصفناه. ومنها فواصل السمر فى فضائل آل عمر، ومنها صبابة المشتاق فى مجلد فى مدح النبى ﷺ . وأهم كتبه دون ريب كتابه «مسالك الأبصار» وقد نشر الجزء الأول منه وهو خاص بالديارات، وهو فى أكثر من عشرين مجلدا، وهو مقسوم إلى قسمين كبيرين: قسم للأرض وأقاليمها وبحارها وطرقها أو مسالكها، وقسم للممالك فى العالم الإسلامى وغيره وسكان المعمورة، وبه فصول طويلة عن الكتاب والشعراء فى العالم العربى بمختلف أقطاره، وعادة يضع مقدمة مسجوعة لكل كاتب وشاعر ثم يختار للكاتب نماذج من رسائله وللشاعر نماذج من شعره، وبه مقتبسات من كتب سقطت من يد الزمن، ومن خير ما احتفظ به تراجمه لشعراء صقلية، وكذلك معلوماته الجغرافية والتاريخية عنها. وبالكتاب مفاخرة طريفة بين المشرق والمغرب تمس حضارتيهما ومن كان بهما من أفذاذ العلماء والأدباء.

стр. 3567

٢ - الرسائل الشخصية تموج كتب الأدب والتراجم بكثير من رسائل الأدباء والكتاب المصريين الشخصية والإخوانية فى التهنئة والتهادى والشكر والعتاب والاعتذار والاستعطاف والتعزية. وعادة معانيها محدودة، ولكن أصحابها يحاولون إظهار براعتهم بإطالتها وتحبير عباراتها ونشر زخارف البديع ومحسناته عليها حتى تروق من ترسل إليهم وتبلغ من التأثير فيهم المبلغ المنشود. وممن برعوا فى تدبيجها وكتابتها فى أيام الفاطميين عبد المجيد بن أبى الشخباء العسقلانى الكاتب الديوانى لزمن الخليفة المستنصر، وسنخصه بحديث مفرد، وكان لا يكاد يقل عنه إحسانا فى تلك الرسائل سبطه أو ابن ابنته الحسن (١) بن زيد الأنصارى الكاتب مثله فى الدواوين الفاطمية، وكان جده لأبيه شاعرا، وهو على بن إسماعيل، وكان أيضا فقيها ولى قضاء الأردن للفاطميين، ويقول السلفى فى معجمه: لم يكن له نظير فى الأدب بقطره سوى ابن أبى الشخباء، وقتلهما بدر الجمالى وزير المستنصر. والحسن بن زيد بذلك سليل قتيلين وكأنما كتب عليه أن يقتل مثلهما، وتولى إثم ذلك الحسن بن الخليفة الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٣) فى أوائل خلافة أبيه لأبيات فى هجائه دسّها بعض معاصريه عليه، وكأنما أراد القدر أن يثأر له وكان الحسن قد استبدّ بتنفيذ الأمور دون أبيه فدس عليه السم فى طعامه فمات لسنة ٥٢٨. وواضح أن الحسن بن زيد-كما يقول ابن سعيد- «عريق النسب، فى صناعة الأدب، يمتّ إليها بأوفى ذمام، ويضرب فيها بأخوال وأعمام» ويقول العماد الأصبهانى: «وصفه القاضى الفاضل وأثنى على فضله، وأنه فى فنه لم يسمح الدهر بمثله». واحتفظ العماد له فى خريدته بطائفة من رسائله الديوانية والشخصية، من ذلك قوله فى رسالة إلى صديق يهنئه بالبرء من مرضه. «إذا قدم الوداد، وصحّ الاعتقاد، وصفت الضمائر، وخلصت السرائر، حلّ الإخاء المكتسب، محلّ أخوة النسب، وصار المتعاقدان على الإيثار، والمتحابّان على بعد الدار، متساهمين فيما ساء وسرّ، ومتشاركين فيما نفع وضرّ، وتلك حالى وحال حضرة مولاى فانى وإياها

стр. 3568

كنفس قسّمت على جسمين، وروح فرّقت بين شخصين، فأما ألمها فقد مضى وأزعجنى، وأما برؤها فقد سرّها وأبهجنى». ومهارته فى صياغة أسجاعه واضحة فعباراتها تتوازن وتتعادل تعادلا دقيقا، وكأن كل كلمة فى السجعة الثانية تعانق أختها فى السجعة الأولى فى عذوبة ونصاعة وسلاسة وطلاقة. ومن كتاب له فى تعزية: «الخطب الحادث، فادح كارث (١)، كادت له القلوب أن تتبرّا من أضالعها، والعيون أن تتعوّض بدمائها من مدامعها، والضحى أن يدّرع (٢) جلباب الدّجنّة، والحوامل أن تجهض بما فى بطونها من الأجنّة. وإن المنية حوض كل الناس وارده، ومنهل كل الخليقة قاصده، لا يسلم منها ملك نافذ الأمر. . ولا فقير خامل الذكر». وتحمل القطعة نفس الصياغة السالفة بكل ما تتسم به من اكتمال الإيقاع فى الألفاظ بين السجعات وحسن الانتخاب للألفاظ والكلمات. وكان يعاصر الحسن بن زيد الشاعر ظافر الحداد الذى مرت ترجمته بين الشعراء، وكانت قد انعقدت صداقة بينه وبين أبى الصلت أمية بن عبد العزيز نزيل الإسكندرية، وكان قد بارحها إلى المهدية بتونس سنة ٥٠٦ ولم يصله من ظافر كتاب فأرسل إليه يعاتبه، ومن قوله يجيبه عن كتابه (٣): «فضضت الكتاب عن رسالته التى يبهج قشيبها (٤)، ويضوع (٥) طيبها، ولا ينزف قليبها (٦)، فخلت أنى أختال أىّ اختيال فى حلل الشباب، وأذكر الأحباب، وأرشف الرّضاب (٧)، من الثنايا العذاب، بعد الصدّ والاجتناب: ذكرت به عهدا كأن لم أفز به ... وعيشا كأنى كنت أقطعه وثبا ثم نزهت ناظرى، وجلوت خاطرى، ببدائع ما تضمّنه الكتاب، من العتاب، حتى وددت أنى أجدّد كل يوم ذنبا، يوجب منه عتبا، كى أقطف منه مثل تلك الأزهار، وأجنى مثل تلك

стр. 3569

الأثمار، فما أخصبها رياضا، وأعذبها حياضا، وأشرفها أجساما وأعراضا». وظافر يعنى فى رسالته بسجعاته، ويوفر لها كل ما يستطيع من جمال اللفظ وحسن الجرس، حتى تقع من نفس أمية الموقع الذى يريده من بلاغة القول وروعة البيان. وإذا مضينا إلى زمن الأيوبيين لقينا القاضى الفاضل أهم كتأبهم يدبج كثيرا من الرسائل الإخوانية أو الشخصية واقتطف منها محيى الدين بن عبد الظاهر باقات كثيرة فى مختاراته من رسائله التى سماها «الدر النظيم من ترسل عبد الرحيم» ومن قوله فى إحداها يصف لأحد أصدقائه دمشق: «إنى وصلت إلى دمشق المحروسة حين شرّد بردها، وورّد وردها، واخضرّ نباتها، وحسن نعتها، وصفا ماؤها، وضفا (١) رداؤها، وتغنت أطيارها، وتبسّمت أزهارها، وافترّ (٢) زهر أقحوانها فحكى ثغور غزلانها، ومالت قضب بانها، فانثنت تثنّى ولدانها. فلما قربت من بساتينها، ولاح لى فسح ميادينها، وتوسطت جنّة واديها، ورأيت ما أودعه الله العظيم فيها، سمعت عند ذلك حماما يغّرد، وهزارا (٣) ينشد ويرّدد، وقمريّا (٤) ينوح، وبلبلا بأشجانه يبوح». وأسلوب القاضى الفاضل واضح فى هذه القطعة لا بأسجاعه فحسب وما يبلغ فيها من اكتمال الجرس والإيقاع بين أوائلها وتواليها، بل أيضا بما يوشىّ به كلامه من الاستعارات البديعة وزخارف الجناسات، وكان ما يزال يضيف إلى مثل ذلك طباقاته وتورياته الرشيقة وما عرف به من العناية بمراعاة النظير. وكثرت المراسلات بينه وبين ابن سناء الملك وأبيه القاضى الرشيد، مما أتاح لابن سناء الملك أن يجمع منها كتابا يسميه «فصوص الفصول وعقود العقول»، وتحتفظ دار الكتب المصرية بمخطوطة منه، وهو مقسوم قسمين: قسم لمراسلات القاضى الفاضل وابن سناء الملك وقسم لمراسلات القاضى الفاضل مع أبيه، وفيه مراجعات كثيرة بين الفاضل وابن سناء الملك تتصل بنظرات له ونقد لبعض أبيات من قصائده. وحرىّ بنا أن نذكر كثرة استشهاد الفاضل فى رسائله الشخصية بالشعر حتى ليروى له القلقشندى فى الجزء الأول من صبحه (٥) رسالة موزعة بين كلمات نثرية تليها أبيات شعرية، ورسالة ثانية موزعة بين كلمات وشطور أبيات. ومن كتّاب الديوان حينئذ البارعين فى تحبير الرسائل الشخصية الأسعد بن مماتى، وسنترجم له عما قليل.

стр. 3570

ونمضى فى زمن المماليك فنجد الأدباء من كتاب وشعراء يتبادلون رسائل شخصية كثيرة، من ذلك رسالة بعث بها محيى الدين بن عبد الظاهر سنة ٦٥٣ إلى الشاعر ابن النقيب الذى مرت ترجمته، وقد بلغه أن شخصا عابه فى مجلسه وأزرى به وبقدرته الكتابية، وكان لا يزال شابا فى نحو الثلاثين من عمره، ويبدو أنه عرف أن ابن النقيب ردّ على عائبه، فكتب إليه يهجو هذا العائب ويشكره على جميل رده عليه، وهى رسالة طويلة (١)، جعل عنوانها «التواضع» وقد مضى فيها يصور حملة هذا العائب عليه ثم أخذ يعنّفه تعنيفا شديدا، وأنهاها بالدعاء لابن النقيب والدعاء على عائبه بالويل والثبور، ونلم بأطراف منها، يقول: «إن فلانا غضّ منى. . وزعم أن إناء إبائى غير مفعم (٢)، وبناء مجدى غير محكم، وأن جوارح إجادتى جريحة، وقرائح ارتجالى قريحة (٣)، وأن صدور المجالس تنكر إقدام أقدامى، وبطون الطروس لا تلقح بأقلامى، وأنى لا أعدّ فى جملة الكتّاب، وإذا دخلوا من أبواب متفرقة للتكريم لا أدخل معهم فى باب، والذى أقوله له مخاطبا، وأومى (٤) به إليه مجاوبا: ما كل الأفاعى تعبث بها الأنامل، ولاكل المراعى تنصب بها الحبائل، ولاكل زخّار (٥) يخاض، ولاكل جناح يهاض، ولاكل جامح يراض، ولاكل سابغة تفاض (٦). . ولا يضرّ الزناد الوارى (٧) قدح القادح، كما أنه لا يضير النجم السارى نبح النابح». والرسالة على هذه الشاكلة من السجع الموقّع الملحن تلحينا حسنا، مع توشيته بزخارف الاستعارات ومحاسن الجناسات، وقد ورّى فى كلمة «قدح القادح» مع ذكر الزند الوارى فلم يرد بها قدح القادح للزند طلبا لإخراج النار منه، وإنما أراد ذم الهاجى، من قولهم: قدح فى عرض أخيه إذا عابه وثلبه. وتكثر فى الرسائل الشخصية حينئذ تقريظات الأدباء والشعراء، ولعل شاعرا لم يكثر تقريظ شعره ومصنفاته كما قرّظ ابن نباتة. ومرّ فى ترجمته أن له كتابا سماه «سجع المطّوق» ترجم فيه لكل من قرظوا كتابه «مجمع الفوائد». ولتلميذه برهان الدين القيراطى الذى مرّت ترجمته بين الشعراء تقريظ طريف لشعره ونثره، ومن قوله فيه (٨):

стр. 3571

«لا غرو أن فضح بديع (١) الزمان بلفظه البديع، وأزهرت الأوراق بمنثور رسائله التى كل فصل منها ربيع، وتبارك الذى جعل فى سماء دوحته لشمس بلاغته بروجا، وأعلى هممه التى لا ترضى الشهب جيادا والأهلّة سروجا. . وقد زهت أمداحه المؤيدية (٢) فأصبحت بيوته المرفوعة (ذات العماد) وراقت محاسنه التى (لم يخلق مثلها فى البلاد). . وطالما سرّح الناظر فى بستانها نظره، ورام (٣) ابن سكّرة فتح الأبواب لمعارضة قطرها النباتى فوجدها مسكّره (٤)، وعلم المتنبى أن هذا خاتم الأدباء لا محاله، والمترسل الذى نهض دونه بأعباء كل رساله». والتقريظ زاخر بالاقتباس لآى القرآن الكريم وألفاظه كقوله فى مديح أبيات ابن نباته إن بيوته المرفوعة أصبحت ذات العماد. وفى كلمة بيوت تورية إذ لا يريد بيوت الشعر من الخيام التى ترفعها الأعمدة أخذا من قوله تعالى فى سورة الفجر ﴿(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ)﴾ أى أنهم كانوا أهل خيام وأعمدة، وهو لا يريد ذلك كله وإنما يريد بيوت شعر ابن نباتة أو أبياته. وأكمل فى العبارة التالية وصف القرآن فى السورة نفسها لعاد بقوله: (التى لم يخلق مثلها فى البلاد). وراعى النظير مراعاة دقيقة حين ذكر ابن سكرة فذكر معه القطر النباتى يريد شعر ابن نباتة الحلو. وحين ذكر المتنبى أشار إلى ما قيل من تنبؤه وأنه نهض عنه بأعباء كل رسالة ومعروف أنه لم يثبت تنبؤ المتنبى تاريخيا غير أن القيراطى رأى استغلال ذلك فى جلب ما يخدم غرضه من مراعاة النظير والتورية بكلمة رسالة. وربما كان أكثر من رسائل التقريظات رسائل الاستدعاءات، إذ كان الأدباء من الكتاب والشعراء يستدعى بعضهم بعضا للمشاركة فى مجالسهم وما بها من أنس ومدام ومن رفاق وصحاب. ولبدر الدين بن الصاحب المتوفى سنة ٧٨٨ للهجرة رسالة (٥) طويلة أرسل بها إلى فخر الدين بن مكانس يدعوه لمجلس أنس وشراب، واصفا له ما سيتمتع به معه من خمر معتقة، وكأنه كان من المدمنين عليها فى غير تحرج، وله يقول: «هل لك-بسط الله آمالك، وضاعف نعيمك ودلالك-فى عذراء مصونة، كالدرة المكنونة، فتّانة مفتونة، كأن على خدها فوق ورده ياسمينة. . لها من ذاتها طرب يغنى عن المزامير، بلقيسية الجمال لها (صرح ممرّد من قوارير) ليلها من حسنها نهار، وضوء وجهها ليد لامسها سوار، تلثمت بالصباح، وتلطفت حتى مازجت الأرواح، أديمها كلما تعتّق يغلو،

стр. 3572

ووردها كلما مرّ يحلو، أيامها أعياد، وأوقاتها أقوات القلوب والأكباد. من «القاصرات الطّرف» فى كل قصر وهى على الإطلاق ذهبية العصر. . لا تنزل الحوادث ساحتها، ولا يعرف التعب من صافح راحتها، حمراء تخلع ثوبها على الندمان، بل تكاد تطبق عينها على الإنسان». وهو ينثر فى الرسالة كثيرا من التصاوير مع القدرة البديعة على صياغة السجع والاقتباس فيه أحيانا من لفظ الذكر الحكيم كقوله مورّيا عن دنّ الخمر الزجاجية بما جاء فى سورة النمل من وصف الصرح فى قصر سليمان ﵇ الذى شمرت بلقيس ملكة سبأ ثوبها حين دخلته إذ (حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرّد من قوارير) أى من زجاج شفّاف لا يحجب ما وراءه. ووصف بدر الدين بن الصاحب الخمر التى دعا ابن مكانس إليها بأنها من القاصرات الطرف اللائى لم يمسسهن أحد، أخذا للكلمة من الذكر الحكيم، ولم يلبث أن قال إنها ذهبية العصر. والتورية واضحة إذ لا يريد أن عصرها ذهبى كما يقال عصر هرون الرشيد الذهبى مثلا وإنما يريد أنها صفراء اللون حين تعصر من عنبها وكرمها. وفى السجعتين التاليتين بآخر القطعة توريتان واضحتان، فهو لا يريد. بلفظة «راحتها» كفّها كما تشهد لذلك كلمة صافح، وإنما يريد الخمر نفسها إذ تسمى راحة. وبالمثل لا يريد فى السجعة التالية بالإنسان إنسان العين وسوادها وإنما يريد الإنسان الحقيقى الذى يحتسيها. وظلت الرسائل الشخصية تتداول بين الأدباء طوال الحقبة العثمانية، ودخلها غير قليل من التكلف والتصنع. ونسوق قطعة حينئذ من رسالة محمد بن أبى الحسن البكرى الذى مرت ترجمته، أرسل بها إلى النور العسيلى ليتسلى بمجلسه فى منتزه نضر يلتقى فى شاطئه ماء النيل وقت فيضانه بخضرة الزروع الزاهية، وفيها يقول (١): «سيدنا البرّ الذى يجرى بحر الفضائل من برّه، ويعذب الورد والصّدر بما يصدر من صدره، ويفيض إحسانه نهرا لراجيه وآمله، وتبتدر الأنام لتلقى تيار أنامله، وتتزاحم على سيف (٢) زخّار علومه، تزاحم رقاب أعدائه على سيفه وخصومه. . ومدينة بولاق هى مجتمع البحور، ومدار فلك السرور، بفلك الحبور، طفحت بالنيل لا جزر عن الجزر مدّه المديد، واستلّت سيف النهر لقطع حروف الجروف من أقصى الصعيد». والرسالة تجرى على هذه الصورة من التكلف الشديد كما يلاحظ فى السجعات الأخيرة، وقد تصنع فيها لذكر مصطلحات الفلك والعروض والنحو. ولمحمد الطيلونى من كتاب القرن الحادى

стр. 3573

عشر الهجرى وشعرائه رسالة (١) هجا بها القاضى عمر المغربى هجاء أراد به إلى الفكاهة والضحك من مثل قوله: «يا من ثوبة رثّ، وحديثه غثّ، يا كثير النّباح، يا خائبا فى الغدوّ والرواح، يا تارك السّنّة والفرض، يا من سعى بالفساد فى الأرض، يا مهبط الدواهى، وتابع الغىّ والملاهى. . يا كثير الشكوى، يا أثقل من رضوى (٢)، يا موت الحبيب وطلعة الرقيب. . يا أثقل من المكتب على الصّبيان، ومن كرا (٣) الدار على السكان». والرسالة طويلة اقتطف منها المحبى مقتطفات فى نحو سبع صفحات أتبعها بقصيدة هجاء على غرارها للشهاب الخفاجى مؤلف ريحانة الألبا. وتظل المحسنات البديعية بارزة فى الرسائل، ولكنا نشعر فى العبارات بضعف الصياغة، وقلما نشعر بعاطفة فياضة أو إحساس مرهف أو معنى دقيق. وحرى بنا أن نقف عند بعض النابهين من كتاب هذه الرسائل الشخصية على مدار العصر ومختلف أزمنته. ابن (٤) أبى الشخباء وقيل ابن الشخباء، هو الحسن بن محمد بن عبد الصمد العسقلانى، ولا نعرف متى انتقل هو أو أسرته العسقلانية إلى القاهرة، ويبدو أنه التحق مبكرا بدواوين الدولة الفاطمية لعهد الخليفة المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) وتخرج فيها على من كان يعمل بها من كبار الكتاب، ولمع اسمه فيها وتألق، غير أننا لا نمضى إلى سنة ٤٨٢ حتى نراه يقتل بسجن مصر المسمى خزانة البنود، وأكبر الظن أن بدرا الجمالى وزير المستنصر هو الذى أمر بقتله كما أمر بقتل صهره القاضى إسماعيل بن على كما مرّ بنا آنفا فى الحديث عن حفيدهما الحسن بن زيد. وكان ابن أبى الشخباء شاعرا بارعا كما كان كاتبا بارعا، ولذلك لقّب بالمجيد ذى الفضيلتين، وفيه يقول العماد: «المجيد مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له الخطب البديعة، والملح الصنيعة»، ويقول ياقوت عنه: «أحد البلغاء الفصحاء والشعراء، له رسائل مدونة مشهورة قيل إن القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى منها استمّد، وبها اعتدّ. . كتب فى ديوان

стр. 3574

الرسائل للمستنصر صاحب مصر. . إلا أن أكثر رسائله إخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه» ويقول عنه ابن خلكان: «صاحب الخطب المشهورة، والرسائل المحبرة، كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطّولى». وبدون ريب كان أبرع كاتب قاهرى فى القرن الخامس الهجرى، كما تشهد رسائله الديوانية والشخصية، واحتفظ ياقوت وابن بسام فى الذخيرة بطائفة كبيرة منها، وأكثرها رسائل شخصية بديعة، من ذلك قوله فى رسالة استعطاف: «المودّات إذا كانت متينة العقود، صادقة المشهود، موضوعة على أصل عريق، وأساس وثيق، لم تخترمها الشبهة المرمضة (١)، ولم تزلزلها الأباطيل المعترضة، وإن تناقلتها ألسن مختلفة، وعلتها برود من اللفظ مفوّفة (٢)، ولما رأيت زيارة مولاى قد صارت مرقّعة، وجنوب (٣) مودته قد عادت مروّعة، وصرت أرى قوله متناقضا، وماء البشر من وجهه غائضا، من بعد ما عهدته: تنبى طلاقة وجهه عن وجهه ... فتكاد تلقى النجح قبل لقائه وضياء وجه لو تأمّله امرؤ ... صادى الجوانح (٤) لارتوى من مائه لم أتجاسر على سؤاله عن العلة خوفا أن يعيب علىّ الارتياب بودّه، ويتطرّق سوء الظن على عهده، فسألت من يعلم دفائنه، ويخبر ظاهره وباطنه، فأخبرنى أن بعض الناس-ولم يسمّه- نقل إليه عنّى فشنّ الغارة على وفائه، وزلزل أواخى (٥) وده وإخائه، فقلت: عتب، والله ولا ذنب، وشكاية ولا نكاية (٦)، وأنا أحاكم مولاى إلى إنصافه، لا إسعافه، وعدله، لا فضله، وما كان أجدره برفض قول الماحل (٧)، وتغليب الحقّ على الباطل. . والآن فقد أوضعت وأوجفت (٨)، وتألفت مولاى واستعطفت، فإن عادت ظلال وده مديدة، وحبال كرمه محصوفة (٩) جديدة، فحسن بتلك الشمائل، أن تجمع شمل الفضائل». والسجعات تنزلق عن الفم بخفة ورشاقة، تشهد لابن أبى الشخباء بأنه كان كاتبا مجيدا حقا، وأن الكلم كان يطاوعه، ليحيله دررا مختارة. وكان يزين سجعاته بمحسنات البديع من جناس

стр. 3575

وطباق. وتكثر عنده الاستعارات المبتكرة الطريفة، وكان يعرف كيف يغوص عليها ويستخرج لآلئها النفيسة من أصدافها البراقة، وطبيعى للقاضى الفاضل وللكتّاب من بعده أن يعنوا بحفظ كلامه ويستحضروه فيما يكتبون ويصوغون. وله من رسالة يعاتب فيها بعض القواد. «رأيت فلانا عند نظرته لى بالأمس قد قطّب (١) حاجبه، وزعزع مناكبه، فقلت: ماله؟ أأنزل إليه وحى، أم عصب (٢) به أمر ونهى، أم قلّ عقله فعقّ نفسه وظلمها، وجهل مقادير الأشياء وقيمها، واعتقد أن الدنيا طوع حكمه، والفطن صائب فهمه، أم رأى الملائكة المقربين تتشفع به، والحور العين (٣) تشكو لاعج حبّه، وثمار الجنة تدلّت إلى يده، ونار جهنم تقتبس من زنده، والكوثر يمدّ من معينه، والسموات مطويات بيمينه» وهو عتاب مرير لهذا القائد الذى شمخ بأنفه عليه، وتعالى واستكبر استكبارا، فمضى يهزأ به ويسخر منه سخريات متعاقبة، فهو ليس نبيا مرسلا. ولا آمرا ناهيا، بل هو جاهل مغرور، لا يعرف قيم الناس ولا أقدارها، وكأنما ظن أنه الحاكم بأمره وأن عقله مجمع الفطن، بل لكأنما توهم أنه نبى تتشفع به الملائكة، وأن الحور العين تشكو تباريح حبه، وأن ثمار الجنة مدّ يده، ونار جهنم تقتبس من زنده الوارى المضطرم، ومن معينه يستمد نهر الجنة، أو أحد أنهارها: الكوثر. بل لكأنما توهم نفسه رب الكون، وخال السموات مطويّات بيمينه. وعلى هذا النحو تتوالى سخرياته، يطعن بها هذا القائد فى الصميم، وفى آخر القطعة اقتباس واضح لآية سورة الزمر: (والسموات مطويّات بيمينه). ويكثر هذا الاقتباس لآيات القرآن الكريم وألفاظه فى رسائله، كما يكثر الاستشهاد بالشعر وإنشاده فيها مازجا له بكلامه. وكلّ ذلك وما تقدم من استخدامه للمحسنات البديعية وضعه الكتاب المصريون بعده شعارا لهم وسننا فى رسائلهم وله من رسالة فى هجاء مضيف ومائدته. «ولجت منزلا قد استعار من قلب العاشق حرّا ورهجا (٤) ومن أخلاق مالكه ضيقا وحرجا، كأنما زفرت فيه النار، ونقّط على جدرانه بالقار، فجلست طويلا إلى أن حضر الإخوان، وقدّم
следующие страницы →