«لا غرو أن فضح بديع (١) الزمان بلفظه البديع، وأزهرت الأوراق بمنثور رسائله التى كل فصل منها ربيع، وتبارك الذى جعل فى سماء دوحته لشمس بلاغته بروجا، وأعلى هممه التى لا ترضى الشهب جيادا والأهلّة سروجا. . وقد زهت أمداحه المؤيدية (٢) فأصبحت بيوته المرفوعة (ذات العماد) وراقت محاسنه التى (لم يخلق مثلها فى البلاد). . وطالما سرّح الناظر فى بستانها نظره، ورام (٣) ابن سكّرة فتح الأبواب لمعارضة قطرها النباتى فوجدها مسكّره (٤)، وعلم المتنبى أن هذا خاتم الأدباء لا محاله، والمترسل الذى نهض دونه بأعباء كل رساله».
والتقريظ زاخر بالاقتباس لآى القرآن الكريم وألفاظه كقوله فى مديح أبيات ابن نباته إن بيوته المرفوعة أصبحت ذات العماد. وفى كلمة بيوت تورية إذ لا يريد بيوت الشعر من الخيام التى ترفعها الأعمدة أخذا من قوله تعالى فى سورة الفجر ﴿(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ)﴾ أى أنهم كانوا أهل خيام وأعمدة، وهو لا يريد ذلك كله وإنما يريد بيوت شعر ابن نباتة أو أبياته.
وأكمل فى العبارة التالية وصف القرآن فى السورة نفسها لعاد بقوله: (التى لم يخلق مثلها فى البلاد). وراعى النظير مراعاة دقيقة حين ذكر ابن سكرة فذكر معه القطر النباتى يريد شعر ابن نباتة الحلو. وحين ذكر المتنبى أشار إلى ما قيل من تنبؤه وأنه نهض عنه بأعباء كل رسالة ومعروف أنه لم يثبت تنبؤ المتنبى تاريخيا غير أن القيراطى رأى استغلال ذلك فى جلب ما يخدم غرضه من مراعاة النظير والتورية بكلمة رسالة. وربما كان أكثر من رسائل التقريظات رسائل الاستدعاءات، إذ كان الأدباء من الكتاب والشعراء يستدعى بعضهم بعضا للمشاركة فى مجالسهم وما بها من أنس ومدام ومن رفاق وصحاب. ولبدر الدين بن الصاحب المتوفى سنة ٧٨٨ للهجرة رسالة (٥) طويلة أرسل بها إلى فخر الدين بن مكانس يدعوه لمجلس أنس وشراب، واصفا له ما سيتمتع به معه من خمر معتقة، وكأنه كان من المدمنين عليها فى غير تحرج، وله يقول:
«هل لك-بسط الله آمالك، وضاعف نعيمك ودلالك-فى عذراء مصونة، كالدرة المكنونة، فتّانة مفتونة، كأن على خدها فوق ورده ياسمينة. . لها من ذاتها طرب يغنى عن المزامير، بلقيسية الجمال لها (صرح ممرّد من قوارير) ليلها من حسنها نهار، وضوء وجهها ليد لامسها سوار، تلثمت بالصباح، وتلطفت حتى مازجت الأرواح، أديمها كلما تعتّق يغلو،
стр. 3572
ووردها كلما مرّ يحلو، أيامها أعياد، وأوقاتها أقوات القلوب والأكباد. من «القاصرات الطّرف» فى كل قصر وهى على الإطلاق ذهبية العصر. . لا تنزل الحوادث ساحتها، ولا يعرف التعب من صافح راحتها، حمراء تخلع ثوبها على الندمان، بل تكاد تطبق عينها على الإنسان».
وهو ينثر فى الرسالة كثيرا من التصاوير مع القدرة البديعة على صياغة السجع والاقتباس فيه أحيانا من لفظ الذكر الحكيم كقوله مورّيا عن دنّ الخمر الزجاجية بما جاء فى سورة النمل من وصف الصرح فى قصر سليمان ﵇ الذى شمرت بلقيس ملكة سبأ ثوبها حين دخلته إذ (حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرّد من قوارير) أى من زجاج شفّاف لا يحجب ما وراءه. ووصف بدر الدين بن الصاحب الخمر التى دعا ابن مكانس إليها بأنها من القاصرات الطرف اللائى لم يمسسهن أحد، أخذا للكلمة من الذكر الحكيم، ولم يلبث أن قال إنها ذهبية العصر. والتورية واضحة إذ لا يريد أن عصرها ذهبى كما يقال عصر هرون الرشيد الذهبى مثلا وإنما يريد أنها صفراء اللون حين تعصر من عنبها وكرمها. وفى السجعتين التاليتين بآخر القطعة توريتان واضحتان، فهو لا يريد. بلفظة «راحتها» كفّها كما تشهد لذلك كلمة صافح، وإنما يريد الخمر نفسها إذ تسمى راحة. وبالمثل لا يريد فى السجعة التالية بالإنسان إنسان العين وسوادها وإنما يريد الإنسان الحقيقى الذى يحتسيها.
وظلت الرسائل الشخصية تتداول بين الأدباء طوال الحقبة العثمانية، ودخلها غير قليل من التكلف والتصنع. ونسوق قطعة حينئذ من رسالة محمد بن أبى الحسن البكرى الذى مرت ترجمته، أرسل بها إلى النور العسيلى ليتسلى بمجلسه فى منتزه نضر يلتقى فى شاطئه ماء النيل وقت فيضانه بخضرة الزروع الزاهية، وفيها يقول (١):
«سيدنا البرّ الذى يجرى بحر الفضائل من برّه، ويعذب الورد والصّدر بما يصدر من صدره، ويفيض إحسانه نهرا لراجيه وآمله، وتبتدر الأنام لتلقى تيار أنامله، وتتزاحم على سيف (٢) زخّار علومه، تزاحم رقاب أعدائه على سيفه وخصومه. . ومدينة بولاق هى مجتمع البحور، ومدار فلك السرور، بفلك الحبور، طفحت بالنيل لا جزر عن الجزر مدّه المديد، واستلّت سيف النهر لقطع حروف الجروف من أقصى الصعيد».
والرسالة تجرى على هذه الصورة من التكلف الشديد كما يلاحظ فى السجعات الأخيرة، وقد تصنع فيها لذكر مصطلحات الفلك والعروض والنحو. ولمحمد الطيلونى من كتاب القرن الحادى
стр. 3573
عشر الهجرى وشعرائه رسالة (١) هجا بها القاضى عمر المغربى هجاء أراد به إلى الفكاهة والضحك من مثل قوله:
«يا من ثوبة رثّ، وحديثه غثّ، يا كثير النّباح، يا خائبا فى الغدوّ والرواح، يا تارك السّنّة والفرض، يا من سعى بالفساد فى الأرض، يا مهبط الدواهى، وتابع الغىّ والملاهى. . يا كثير الشكوى، يا أثقل من رضوى (٢)، يا موت الحبيب وطلعة الرقيب. . يا أثقل من المكتب على الصّبيان، ومن كرا (٣) الدار على السكان».
والرسالة طويلة اقتطف منها المحبى مقتطفات فى نحو سبع صفحات أتبعها بقصيدة هجاء على غرارها للشهاب الخفاجى مؤلف ريحانة الألبا. وتظل المحسنات البديعية بارزة فى الرسائل، ولكنا نشعر فى العبارات بضعف الصياغة، وقلما نشعر بعاطفة فياضة أو إحساس مرهف أو معنى دقيق.
وحرى بنا أن نقف عند بعض النابهين من كتاب هذه الرسائل الشخصية على مدار العصر ومختلف أزمنته.
ابن (٤) أبى الشخباء
وقيل ابن الشخباء، هو الحسن بن محمد بن عبد الصمد العسقلانى، ولا نعرف متى انتقل هو أو أسرته العسقلانية إلى القاهرة، ويبدو أنه التحق مبكرا بدواوين الدولة الفاطمية لعهد الخليفة المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) وتخرج فيها على من كان يعمل بها من كبار الكتاب، ولمع اسمه فيها وتألق، غير أننا لا نمضى إلى سنة ٤٨٢ حتى نراه يقتل بسجن مصر المسمى خزانة البنود، وأكبر الظن أن بدرا الجمالى وزير المستنصر هو الذى أمر بقتله كما أمر بقتل صهره القاضى إسماعيل بن على كما مرّ بنا آنفا فى الحديث عن حفيدهما الحسن بن زيد.
وكان ابن أبى الشخباء شاعرا بارعا كما كان كاتبا بارعا، ولذلك لقّب بالمجيد ذى الفضيلتين، وفيه يقول العماد: «المجيد مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له الخطب البديعة، والملح الصنيعة»، ويقول ياقوت عنه: «أحد البلغاء الفصحاء والشعراء، له رسائل مدونة مشهورة قيل إن القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى منها استمّد، وبها اعتدّ. . كتب فى ديوان
стр. 3574
الرسائل للمستنصر صاحب مصر. . إلا أن أكثر رسائله إخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه» ويقول عنه ابن خلكان: «صاحب الخطب المشهورة، والرسائل المحبرة، كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطّولى». وبدون ريب كان أبرع كاتب قاهرى فى القرن الخامس الهجرى، كما تشهد رسائله الديوانية والشخصية، واحتفظ ياقوت وابن بسام فى الذخيرة بطائفة كبيرة منها، وأكثرها رسائل شخصية بديعة، من ذلك قوله فى رسالة استعطاف:
«المودّات إذا كانت متينة العقود، صادقة المشهود، موضوعة على أصل عريق، وأساس وثيق، لم تخترمها الشبهة المرمضة (١)، ولم تزلزلها الأباطيل المعترضة، وإن تناقلتها ألسن مختلفة، وعلتها برود من اللفظ مفوّفة (٢)، ولما رأيت زيارة مولاى قد صارت مرقّعة، وجنوب (٣) مودته قد عادت مروّعة، وصرت أرى قوله متناقضا، وماء البشر من وجهه غائضا، من بعد ما عهدته:
تنبى طلاقة وجهه عن وجهه ... فتكاد تلقى النجح قبل لقائه
وضياء وجه لو تأمّله امرؤ ... صادى الجوانح (٤) لارتوى من مائه
لم أتجاسر على سؤاله عن العلة خوفا أن يعيب علىّ الارتياب بودّه، ويتطرّق سوء الظن على عهده، فسألت من يعلم دفائنه، ويخبر ظاهره وباطنه، فأخبرنى أن بعض الناس-ولم يسمّه- نقل إليه عنّى فشنّ الغارة على وفائه، وزلزل أواخى (٥) وده وإخائه، فقلت: عتب، والله ولا ذنب، وشكاية ولا نكاية (٦)، وأنا أحاكم مولاى إلى إنصافه، لا إسعافه، وعدله، لا فضله، وما كان أجدره برفض قول الماحل (٧)، وتغليب الحقّ على الباطل. . والآن فقد أوضعت وأوجفت (٨)، وتألفت مولاى واستعطفت، فإن عادت ظلال وده مديدة، وحبال كرمه محصوفة (٩) جديدة، فحسن بتلك الشمائل، أن تجمع شمل الفضائل».
والسجعات تنزلق عن الفم بخفة ورشاقة، تشهد لابن أبى الشخباء بأنه كان كاتبا مجيدا حقا، وأن الكلم كان يطاوعه، ليحيله دررا مختارة. وكان يزين سجعاته بمحسنات البديع من جناس
стр. 3575
وطباق. وتكثر عنده الاستعارات المبتكرة الطريفة، وكان يعرف كيف يغوص عليها ويستخرج لآلئها النفيسة من أصدافها البراقة، وطبيعى للقاضى الفاضل وللكتّاب من بعده أن يعنوا بحفظ كلامه ويستحضروه فيما يكتبون ويصوغون. وله من رسالة يعاتب فيها بعض القواد.
«رأيت فلانا عند نظرته لى بالأمس قد قطّب (١) حاجبه، وزعزع مناكبه، فقلت: ماله؟ أأنزل إليه وحى، أم عصب (٢) به أمر ونهى، أم قلّ عقله فعقّ نفسه وظلمها، وجهل مقادير الأشياء وقيمها، واعتقد أن الدنيا طوع حكمه، والفطن صائب فهمه، أم رأى الملائكة المقربين تتشفع به، والحور العين (٣) تشكو لاعج حبّه، وثمار الجنة تدلّت إلى يده، ونار جهنم تقتبس من زنده، والكوثر يمدّ من معينه، والسموات مطويات بيمينه»
وهو عتاب مرير لهذا القائد الذى شمخ بأنفه عليه، وتعالى واستكبر استكبارا، فمضى يهزأ به ويسخر منه سخريات متعاقبة، فهو ليس نبيا مرسلا. ولا آمرا ناهيا، بل هو جاهل مغرور، لا يعرف قيم الناس ولا أقدارها، وكأنما ظن أنه الحاكم بأمره وأن عقله مجمع الفطن، بل لكأنما توهم أنه نبى تتشفع به الملائكة، وأن الحور العين تشكو تباريح حبه، وأن ثمار الجنة مدّ يده، ونار جهنم تقتبس من زنده الوارى المضطرم، ومن معينه يستمد نهر الجنة، أو أحد أنهارها:
الكوثر. بل لكأنما توهم نفسه رب الكون، وخال السموات مطويّات بيمينه. وعلى هذا النحو تتوالى سخرياته، يطعن بها هذا القائد فى الصميم، وفى آخر القطعة اقتباس واضح لآية سورة الزمر: (والسموات مطويّات بيمينه). ويكثر هذا الاقتباس لآيات القرآن الكريم وألفاظه فى رسائله، كما يكثر الاستشهاد بالشعر وإنشاده فيها مازجا له بكلامه. وكلّ ذلك وما تقدم من استخدامه للمحسنات البديعية وضعه الكتاب المصريون بعده شعارا لهم وسننا فى رسائلهم وله من رسالة فى هجاء مضيف ومائدته.
«ولجت منزلا قد استعار من قلب العاشق حرّا ورهجا (٤) ومن أخلاق مالكه ضيقا وحرجا، كأنما زفرت فيه النار، ونقّط على جدرانه بالقار، فجلست طويلا إلى أن حضر الإخوان، وقدّم
стр. 3576
الخوان (١)، فرأيت أرغفة قد أحكمت فى الصغر والإلطاف، ولم تتعوّذ (٢) قط من الأضياف. .
وثلاثة صحاف، واسعة الأكناف، بعيدة الأوساط من الأطراف، قد جعل فى قرارة كل منها ما لا يدفع السّغب (٣)، ولا تجده اليد إلا بالتعب، فجلنا جولة وعينه تطرف علينا شمالا ويمينا، وتتفقد منا حركة وسكونا، وقمنا ولم نقارب الكفاف، وقد ظنّ بنا الإسراف».
والسجع يطرد دائما عنده على هذا النحو من صفاء اللفظ ورصانته والقدرة البارعة على الملاءمة بين السجعات فى الجرس، مع الانطلاق والسهولة، وكأنه يصدر عن النيل العذب وسلاسته. وهو بحق جدير بما أسبغ عليه الأسلاف من ثناء وإطراء.
ابن (٤) ممّاتى
هو أسعد بن الخطير مهذب بن مينا بن أبى المليح زكريا بن ممّاتى، سليل أسرة قبطية من أسيوط، هاجرت منها إلى القاهرة فى القرن الخامس الهجرى، وكان جده ممّاتى جوهريا واشتهر بأنه كان يصبغ البلّور صبغة الياقوت فلا يعرفه إلا الخبير بالجواهر. ويقال إن الفصّ من عمله كان إذا نودى عليه فى سوق الصاغة تشوفت نحوه العيون لجودته وحسن منظره. واتصل ابنه أبو المليح بوزير المستنصر بدر الجمالى أمير الجيوش، ووظفه بديوان الإقطاعات وشئون المال، وكتب بعده لابنه الأفضل، وظل هذا العمل الديوانى فى بيته، يتولون ديوان الإقطاعات أو ديوان الجيش أو ديوان المال، ولعلها جميعا كانت ديوانا واحدا متداخلا. وتولّى هذا الديوان لآخر أيام الدولة الفاطمية الخطير مهذب، حتى إذا أسندت الوزارة فى آخر أيام العاضد الفاطمى إلى أسد الدين شير كوه نراه يسلم هو وأولاده على يده. وأقره أسد الدين على ما بيده من ديوان الإقطاعات، وقيل بل ديوان الجيش. وكانا متداخلين كما ذكرنا. ومعروف أن أسد الدين شير كوه ولى الوزارة المصرية
стр. 3577
سنة ٥٦٤ وكان أسعد فى العشرين من عمره فأسلم وحسن إسلامه وهو لا يزال فى ريعان شبابه، وكان ساعد أبيه وعونه طوال عمله الديوانى إلى وفاته سنة ٥٧٧.
وكان القاضى الفاضل يعجب بابن مماتى ويسميه بلبل المجلس لظرفه، مما جعله يعينه ناظر الدواوين بمصر مع إسناد ديوانى الجيش والمال إليه، وظل له هذا العمل بقية مدة صلاح الدين وابنه العزيز والأفضل، حتى إذا ولى السلطان العادل بن أيوب سنة ٥٩٦ واستوزر الصفى بن شكر أخذ الجو يكفهر بينه وبين الوزير، بسبب ما كان يصدر منه فى حقه أيام عمله فى الديوان معه، فلم تمض مدة طويلة حتى أخذ يدبر عليه المؤامرات، وصودرت أمواله. واستتر فترة نحو عام ثم احتال فى الفرار إلى الشام، وأبعد فى فراره حتى نزل حلب سنة ٦٠٤ على سلطانها الظاهر بن صلاح الدين فأحسن استقباله، وجعل له راتبا معلوما وظل يسبغ عليه عطاياه حتى توفى هناك سنة ٦٠٦.
وصنف ابن مماتى مصنفات كثيرة عدّ له ياقوت فى معجمه منها أكثر من عشرين مصنفا، منها مؤلفات ومنها مختارات شعرية من بعض الدواوين أو من كتب الموسوعات الشعرية مثل الذخيرة لابن بسام. ومن مصنفاته «الشئ بالشئ يذكر» ويقال إن القاضى الفاضل أعجب به حين عرضه عليه وسماه سلاسل الذهب. ومن أهم مؤلفاته كتاب قوانين الدواوين الذى نشره بمصر عزيز سوريال عطية فى جزء واحد، ويبدو أنه مختصر للكتاب إذ يقول المقريزى فى خططه.
«كتابه قوانين الدواوين صنفه للملك العزيز فيما يتعلق بدواوين مصر ورسومها وأصولها وأحوالها وما يجرى فيها، وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذى يقع فى أيدى الناس جزء واحد اختصره منها غير المصنف، فإن ابن مماتى ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر ومساحة كل ضيعة وقانون ريّها ومتحصّلها من عين (نقد) وغلّة». ومن أهم مؤلفاته تهذيب أفعال ابن طريف فى اللغة، ويقول القفطى فى إنباه الرواة: «أجاده، وأتى فيه بالحسنى وزيادة» ومن أجله ترجم له بين اللغويين والنحاة. وله كتاب اختار العامية لغة له، هو كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش، وسنعرض له فى غير هذا الموضع. وكان له ديوان شعرى سقط من يد الزمن. ونظم سيرة صلاح الدين كما نظم كتاب كليلة ودمنة شعرا. وكان أبوه الخطير شاعرا كما تدل على ذلك ترجمته عند العماد وفى المغرب.
وكان ابن مماتى يحسن الكتابة كما يحسن الشعر، وفيه يقول العماد: «أحد الكتاب فى الديوان الفاضلى، ذو الفضل الجلىّ، والشعر العلىّ، والنظم السّوىّ، والخاطر القوىّ، والسحر
стр. 3578
المانوى (١)، والروىّ الروىّ (٢)، والقافية القافية (٣) أثر الحسن، والقريحة المقترحة صورة اليمن، والفكرة المستقيمة على جدد (٤) البراعة، والفطنة المستمدة من مدد الصناعة». وبعد أن أنشد العماد طائفة من أشعاره روى فصولا من رسائله الشخصية تدل على براعته الكتابية بجانب براعته الشعرية مستهلا لها بقوله: «ومن نور (٥) نثره البديع، ونور فجره الصّديع (٦) وغرر درره النّصيعة (٧) ودرر غرره الصّنيعة (٨)، ما تحذى (٩) له بهائم التمائم. وتحدى (١٠) به كرائم المكارم، ويرتع الحسن فى روضه، وتكرع الحسناء من حوضه، وتغتبط الآداب بدابه (١١)، وترتبط الألباب ببابه».
ومن طريف مادوّنه له العماد فصل من رسالة شخصية يصور فيها فراقه لصديق فى إحدى الأمسيات قائلا:
«فصلت عنه فى أخريات النهار، وقد ظهر فى أطراف الجدران لفرق (١٢) فراق الشمس اصفرار، فلما ذهب ذهب الأصيل بنار الشّفق، ولبست المشارق السّواد لما تمّ فى المغارب على الشمس من الغرق، وأقبلت مواكب الكواكب فى طلب الثار، كدراهم النّثار (١٣) وتشابهته زواهرها-وإن اختلفت فى الأسحار-بالأزهار فى الأشجار، وتكلف القمر الموافقة فظهر على وجهه الكلف (١٤)، ومرت به طوالع النجوم فلم يستخبرها حسدا فأعرب عن غدر الخلف بالسّلف، وظهر الوجوم، فى وجوه النجوم، وعيل صبر النّسرين (١٥) فواحد طائر يحوم، وآخر واقع لا يقوم. ولم تزل متلاحقة متسابقة لتقفو الأثر وتسمع الخبر، إلى أن بدا سوسن الفجر ولاح، وابتسم ثغر الصباح عن الأقاح (١٦)، وكاد ثعلبه يأكل عنقود الثريا، وبرزت الغزالة من أسّ الكناس (١٧) طلقة المحيّا».
стр. 3579
ويدل هذا الفصل على أن العماد الأصبهانى كان محقا كل الحق فى التنويه ببراعة ابن مماتى الكتابية، وهى براعة تكاد تبدو فى كل سجعة من سجعات هذا الفصل، فأضواء الشمس فى الأصيل تعكس بصفرتها على أطراف الجدران فرقا وفزعا لهول الفراق. وتوارى ذهب الأصيل وراء نار الشفق الملتاع، ولبست المشارق السواد على الشمس الغريقة فى المغارب. وأقبلت مواكب الكواكب، وجيوشها تطالب للشمس بالثأر، متفرقة ومتجمعة وكأنها نثار الدراهم فى الأعراس، أو كأنها الأزهار على الأشجار فى الأسحار، وتكلف القمر أن يظهر وحده لغياب الشمس أخته فظهر الكلف على وجهه، ومرت به الكواكب وطوالعها فلم يسألها ما الخبر، حسدا وغدرا كما يغدر الخلف بالسلف. وبدأ الوجوم فى وجوه النجوم، وكاد النسران أن يفقدا صبرهما فواحد طائر يحوم وآخر واقع لا يقوم. ولم تزل النجوم متلاحقة، إلى أن بدا سوسن الفجر وزهره الأبيض المشرق ولاح ضياؤه، وابتسم ثغر الصباح عن أضواء كالأقاح. وطالما شبّه الشعراء مجموعة نجوم الثريا بالعنقود. ويستغل ذلك ابن مماتى، كما يستغل تسمية الشعراء للشمس الغزالة فجعلها تستتر ليلا وراء الأفق فى كناس ككناس الغزال والظباء فى الشجر. ومراعاة النظير واضحة فى السجعات الأخيرة. ويشيع فى الفصل كله حسن التعليل، كتعليل ابن مماتى الرائع لصفرة الأصيل على أطراف الجدران، وتعليله لانتشار الظلام فى بواكير الليل على المشارق حزنا على غرق الشمس، وهو حزن تبعه لبس السواد، ومن هذا اللون أيضا تعليله لكلف القمر لتكلفه الحزن على غرق الشمس. ويتمادى ابن مماتى مع مراعاة النظير، فيجعل القمر لا يسأل الكواكب عن مصير الشمس حسدا يستشعر فيه من تلقاء نفسه غدر الخلف المعروف بالسلف. ومن هذا اللون أيضا ما علل به طيران أحد النسرين ووقوع صاحبه لما فقدا من صبرهما. وتتلاحق فى تضاعيف ذلك الاستعارات، وما يوشى به سجعاته من الجناسات والطباقات. وله من صدر مكاتبة:
«لم يزل العبد لما عرض من إعراض المجلس. . ذا زفرات سوام تتضرّم (١)، وعبرات هوام تتصرّم (٢)، وعبارات عن بسط عذره تعثر بالكلام عيّا فيتذمّم (٣)، بالصمت عن أن يتحرّز ويتحرّم (٤)، وأفكار تتنزّه عن إساءة الظن بمودته فما يتكدّر حتى يتكرم، فكم تناول القلب جلده، فجلده بالقلق لما تجاوز حدّه وحدّه (٥)، وأجرى من سوابق دموعه عسكرا أجرى فشق
стр. 3580
خدّه وخدّه (١). . إلى أن بدت صحيفة وجه صبره مسودّة، وتمنى لو كان الموت قبل إخلافه وعده، وإخلافه ودّه (٢) ودّه (٣)، حتى جنى ورد ورود كتابه الكريم من انتظام شوك انتظاره، ورفع ناظره بقدومه عليه على كافّة أمثاله وأنظاره، فعلم أن علم المودة قد رفع، وموصول حبل الجفوة قد قطع، وكاد القلب يخرج لمصافحته لو استطاع نفاذا، واجتمعت فيه أمانى النفس، فاتخذته دون جميع الملاذّ ملاذا (٤). وتناوله بيد الإجلال، وفضّه بيد الإدلال، فوجده منظوما على خطّ كالكئوس المرصّعة لما لاح مداده مداما ونقطه حببا. وألفاظ تتيح للخواطر طربا، وتعريضات لو كان التصريح فضة لكانت ذهبا، ومنن مالاحت سحائبها حتى وكفت (٥) وأياد ما استكفت فواضلها حتى عمّت وكفت».
ووشى الجناسات والاستعارات واضح فى هذا الفصل، فالزفرات تتضرّم والعبرات تتصرّم بينما يتذمم بالصمت ويتحرم. ولا تلبث أن تلقانا جناساته التامة. فالقلب يلوذ إزاء إعراض صاحبه عنه فى مجلسه بجلده فيضربه بأسواط القلق، حين تجاوز حدّه ومنتهاه، ويحدّه كما يحدّ الجناة، وتجرى سوابق دموعه فتشق خده وتخدّه أى تشقه وتؤثر فيه، وتخلق وتبلى مودة صاحبه فيتمنّى لو كان الموت ودّه وزاره. ويعود ابن مماتى إلى هذا الجناس التام بين «الملاذّ وملاذا، كما يعود إليه فى نهاية الفصل حين وكفت السحب أى أمطرت وعمت فواضل صاحبه وكفت من الكفاية. وتلقانا فى الفصل مراعاة النظير والطباق، وكأنما كان ذلك شعارا له فى نثره. ومن طريف ما أثر عنه من تصويره لوفاء النيل قوله.
«وأما النيل المبارك فإنه عمّ اليفاع (٦)، وطبّق (٧)، البقاع، وانتقل من الإصبع للذراع، حتى لم يلف بمصر قاطع طريق سواه، ولا موهوب مرهوب إلا إياه».
وهو يصور فى هذه الكلمات القليلة فيضان النيل بل طوفانه الذى لا يقاس بالإصبع وإنما بالذراع والذى علا موجه مرتفعات الوادى وجميع البقاع، حتى قطع الطرق وأخذ بخناق الدور والسكان، ورهبه الناس وطلبوا منه الأمان. ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور قدرة ابن مماتى البيانية
стр. 3581
وأنه كان جديرا بأن تعنى كتب الأدب والتراجم. بشعره ونثره، وتحمل إلينا باقات كثيرة من رسائله.
فخر الدين (١) بن مكانس
هو أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس، من سلالة أسرة قيطية، ولد لأبيه سنة ٧٤٥ بالقاهرة. وكان الأب مسلما كما يتضح من اسمه، وكان من الكتاب فى الدواوين، فنشأ ابنه على غراره، وكان ذكيا ذا ملكة خصبة، فسال الشعر مبكرا على لسانه.
وصحب برهان الدين القيراطى وبدر الدين البشتكى الشاعر أحد تلاميذ ابن نباتة، وعنه روى شعره ونثره. وكان حنفى المذهب. واحتل سريعا مكانة أدبية بين أقرانه فى القاهرة ودواوينها السلطانية، ورقى بها إلى منصب ناظر الدولة، وغيره من المناصب الرفيعة. وغضب عليه السلطان برقوق (٧٨٣ - ٨٠١) ذات مرة فأمر بمصادرته وتأديبه على خشبة السّرياق منكّسا على رأسه، فقال:
وما تعلّقت بالسّرياق منتكسا ... لجرمة أوجبت تعذيب ناسوتى (٢)
لكننى مذ نفثت السّحر من أدبى ... علّقت تعليق هاروت وماروت
ويدل البيتان على ظرفه. وعفا عنه السلطان برقوق وأعاده إلى العمل، ثم عينه وزير دمشق، فأقام بها مدة. وفى صحبة السلطان برقوق دخل حلب، وطارح فضلاءها كما طارح فضلاء دمشق. وطلبه السلطان برقوق بعد عودته إلى القاهرة ليلى الوزارة بالديار المصرية، غير أنه توفى قبل دخوله القاهرة، ودفن بها سنة ٧٩٤ قبل أن يكمل سنته الخمسين. وخلف ديوان شعر كبير، وفى دار الكتب المصرية مخطوطتان منه إحداهما بخط ابنه مجد الدين وكان شاعرا بارعا على شاكلة أبيه، وقد أنشدنا بعض شعره البديع فى غير هذا الموضع.
وأشاد بفخر الدين كل من ترجموا له، فيقول ابن حجر فى الدر الكامنة: «كان قوى الذهن حسن الذوق حاد النادرة يتوقد ذكاء» ويقول صاحب النجوم الزاهرة: «كان أديبا فاضلا شاعرا
стр. 3582
فصيحا بليغا. . وهو أحد فحولة الشعراء بالديار المصرية فى عصره، وشعره فى غاية الحسن والرقة والانسجام، وديوان شعره مشهور كثير الوقوع بأيدى الناس» وكان كثير التورية فيه على نحو ما يتضح مما رواه له مترجموه وخاصة الحموى صاحب خزانة الأدب. وله رسائل شخصية تدل على روعته البيانية، من ذلك رسالة احتفظ بها القلقشندى فى صبحه كتب بها إلى بدر الدين البشتكى فى غيبته عن مصر بدمشق سنة ٧٨٤ وتصادف أن كان فيضان النيل عاليا وزاد زيادة مفرطة، فرأى أن يصور له ذلك قائلا:
«ربّنا اجعلنا فى هذا الطوفان من الآمنين، وسلام على نوح فى العالمين. ما تأخير مولانا بحر العلم وشيخه عن رؤية هذا الماء؟ . . فإنه قارب النيل أن يمتزج بنهر المجرّة بل وصل وامتزج، وأرانا من عجائبه ما حقق أنه المعنىّ بقول القائل: حدّث عن البحر ولا حرج. . وسقى الناس من ماء حياته المعهودة كما شربوا من الموت أصعب كاس، وسئل ابن أبى الرّدّاد عن قياس الزيادة فقال:
زاد بلا قياس، امتلأ اليباب (١)، وهال العباب، كال فطفّف، وزار فما خفّف، جمع فى صعوده إلى الجبال بين الحادى والملاّح، ودخل الناس إلى أسواق مصر وخصوصا سوق الرقيق على كل جارية ذات ألواح (٢)، وغدا التيّار ينساب فى كل يم كالأيم (٣)، وأصبحت هضاب الموج فى سماء البحر وكأنماهى قطع الغيم، واستحالت الأفلاك فكل برج مائىّ، وتغيّرت الألوان فكل ما فى الأرض سمائى. . وتحالى إلى أن أقرف (٤) الليمون الأخضر، واحمرّت (٥) عينه على الناس فأذاقهم الموت الأحمر، ولقد صعب سلوكه وكيف لا وهو البحر المديد، وأصبح كل جدول منه جعفرا (٦) ويزيد. . ولكم قال الهرم للسّارين، يا سارية الجبل، وأنشد وقد شمرّ ساقه للخوض: أنا الغريق فما خوفى من البلل، وكم قال أبو الهول: لا هول إلاّ هول هذا البحر، وقال المسافرون: ما رأينا مثل هذا النيل من هنا إلى ما وراء (٧) النهر. . ولو رآه مولانا وقد هجم على مصر فجاس خلال الديار، ودخل إلى المعشوق فتركه كالعاشق المهجور لم ير منه غير الآثار، لبكى بعينى عروة (٨)، وأوى من الرّصد إلى ربوة. . وكل سفينة قد علت على وجه الماء، وارتقت لارتقاء البحر إلى أن اختلطت بالسماء، وقد قالت لها أترابها عند الفراق إلاّ ترجعى،
стр. 3583
وقلنا لها نحن على سبيل التفاؤل: (يا سماء أقلعى (١)). . ولقد طار النّسر مبلول الجناح، ودنا نهر المجرة من السّكارى بالشخاتيت (٢) إلى أن كاد يدفعه من قام بالرّاح، ونرجس البساتين وقد ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. . والورد وقيل له مالك من آس، وغصن البان وقد قيل له طوبى لمن عانقك ولا باس».
ونكتفى بهذه المقتطفات من الرسالة فإنها طويلة، وهى رسالة بديعة فى وصف فيضان النيل وسمو أمواجه وارتفاعها إلى أعلى الأعالى فى شواطئ النيل حتى كادت أن تمتزج بالمجرة فى السماء كما يقول ابن مكانس، فإذا الحادى للإبل يلتقى بالملاح، وإذا الناس يدخلون إلى أسواق مصر والفسطاط على سفن ذات ألواح. فقد انسابت غدرانه وأمواجه إلى الطرقات والشوارع وتعالت هضاب أمواجه إلى السماء حتى لكأنها قطع السحاب. ولم تعد هناك أرض وسماء ولا أفلاك ووهاد، وحلا النيل وتظرف حتى عطّر الليمون الأخضر، واحمرت عينه إشارة إلى طميه الأحمر، فأغرق الناس وأذاقهم الموت الزّؤام. ويستمر ابن مكانس فى هذه الاستعارات، فيخلط بين النيل وبين وزن المديد الصعب فى الشعر وبحره وكذلك بين جداوله والجعفر أى النهر الصغير. ويستعير الكلمة المأثورة عن عمر بن الخطاب وهو على المنبر حين هتف بقائده سارية وهو يحارب فى الشام فقال له يا سارية الجبل أى الزمه ويقال أن الريح حملت الكلمة إلى سارية.
وما أروع تصويره لهرم الجيزة وقد شمر ساقه للفيضان حين علا إلى جدرانه فقال متمثلا بشطر من الشعر: أنا الغريق فما خوفى من البلل. وقد ورّى بكلمة ماوراء النهر فهو لا يريد ماوراء النيل من بلاد السودان وإنما يريد ماوراء خراسان فى أوزبكستان الحالية وكانت تسمى بلاد ماوراء النهر.
والمعشوق بستان ورباط عظيمان كانا بظاهر القاهرة. وقد اقتبس من الحديث عن الطوفان فى القرآن الكريم: (ويا سماء أقلعى). وتلقانا فى الرسالة آيات أخرى وأشعار كثيرة منثورة. وما أسرع ما جاء باقتباس من سورة يوسف عن أبيه وقد أسف عليه: (وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم). وورّى فى كلمة آس فهى تحمل معنيين: الآس زهر وردى أو أبيض، والآسى الطبيب المداوى. والاستعارات بديعة هى وما تتحلّى به من زخارف البديع وحلاه ومحسناته من جناس وطباقات ومراعاة نظير وحسن تعليل.
ووشى شخص قيروانى ضرير إلى أبى بكر بن العجمى أحد الكتاب النابهين فى ديوان الإنشاء
стр. 3584
بأن صديقه ابن مكانس يقول عنه إنه يستعين بكلام غيره، فتأذى ابن العجمى من ذلك، وتأذى ابن مكانس من كذب الناقل فكتب إليه من رسالة:
«(ليس على الأعمى حرج) بلغنى-ما بلغ سيدنا ومولانا الإمام العالم العلامة الأديب الشاعر الناظم الناثر المحقق الأمة الكاتب الحجة زين الدنيا والدين، قرة عين الكرام الكاتبين، لا زال زينة يحلى به العاطل، ويظلّ تحت جناح أدبه القائل (١) -من غيبة ذلك الضرير، ما لا خشى الله فيه بظهر الغيب، ونقل إلى المسامع الكريمة ما لا يحتاج للاعتذار عنه لما فيه من الرّيب، ولكن لا غناء لسيف ذهن المملوك الكليل من التنصل، (٢) ولا بد من نهلة اعتذار على سبيل التعلل. . ولو اختلف الأدباء على إمام لأهل هذه الصناعة مطهّر من الأرجاس (٣)، لقال لهم لسان البلاغة مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. . والمسئول من إحسانه أمران: أحدهما الجواب فإنه يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة، والآخر ردّ كل فاسق عن الباب العالى فن أبا بكر أول من تصلّب (٤) فى الردة، وبلغ المملوك أن هذا الضرير قصد بعض الأصحاب برمية كهذه فأصمى (٥)، وتردّد إليه مرة أخرى ف (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى)». .
والسجعات خفيفة رشيقة مع ما يزينها من الاستعارات والجناسات، وفى كلمة «القائل» تورية واضحة، إذ لا يريد أن ابن العجمى يظل تحت جناح أدبه الأديب المتكلم القائل، وإنما يريد القائل من القيلولة ووقتها الحار فى الظهيرة، فهو غوث العائذين وملاذ المعوذين المحتاجين.
واستغل اسمه أبا بكر فى التورية باسم أبى بكر الصديق متلطفا بذكر حادث صلاته بالمسلمين نزولا على أمر الرسول ﷺ له حين اشتد به المرض إذ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». وعاد ابن مكانس إلى التورية بأبى بكر الصديق حين طلب من ابن العجمى أن لا يفتح بابه للواشى مقتديا فى ذلك بالصديق حين تشدد فى حروب الردة على نحو ما هو معروف. ولم يلبث أن اقتبس من الذكر الحكيم آية تصور ما ينبغى على ابن العجمى من لقاء الواشى لقاء متجهما على نحو ما تصور ذلك الآية: (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى). ولعل فى كل ما قدمت ما يصور خفة روح ابن مكانس وعذوبة سجعه وما يشيع فيه من سلاسة.
стр. 3585
٣ - المقامات
معروف أن المقامة حديث قصصى قصير يصور كيف يحتال أديب متسوّل على سامعيه بسجعه وأساليبه الرشيقة، فيستخرج الدراهم والدنانير من جيوبهم، وهو جوّاب آفاق يظهر فى بلدان كثيرة أديبا متسولا يخلب الجماهير ببيانه وبلاغته، وبديع الزمان الهمذانى هو أول من ابتكر هذه الأحاديث القصصية، على نحو ما هو معروف عن مقاماته، ونسج على منواله الحريرى فى مقاماته المشهورة.
وأكبّ الناس على مقاماتهما إكبابا شديدا مما دفع كثيرين من الأدباء فى الأقطار العربية المختلفة إلى محا كاتهما ف هذا الفن البديع، تارة يبنونه على الشحاذة الأدبية مثلهما، وتارة يستقلون عنهما مكتفين فيه بضرب من الحديث القصصى الفكه. وقد يتركون القصص جانبا، ويبنون المقامة على الوعظ أو على عرض مسائل علمية، أو على وصف الحيوانات، أو وصف البساتين والحوار بين الأزهار، وغير ذلك من موضوعات شتى. ولظافر الحداد الذى ترجمنا له بين الشعراء والذى توفّى بعد الحريرى بنحو عشر سنوات مقامة (١)، صوّر فيها نفسه وقد أصبح ذات يوم تاثقا إلى لقاء بعض الأدباء، ومطرته الح، لم يلبث أن جاءته منهم رفقة، فتلقاهم بالبشر والسرور وأخذ فى الحديث معهم، حتى دن وقت الغداء فأسرّ إليه غلام أن ليس عندهم للإنفاق إلا الإملاق، وبينما هو يفكر فى وسيلة لإنقاذ الموقف إذا الباب يقرع وإذا رسول شّواء كان قد خلصه من حبس الشرطة يرسل إليه بإناء كبير ملئ بأرز ولحم وسكر. وبعد حوار مع غلامه هل يرجعه للشواء أو يقبله، يقنعه بقبوله. ويشبع الضيفان، ولا يجد عنده شيئا من فاخر الحلوى يقدمه لهم. ويقدم قصيدة يعتذر بها عن ضيق حاله، ويستفزهم الضحك والطرب، ويعودون إلى حديثهم العذب حتى غروب الشمس، ويستهل ظافر مقامته على هذا النمط:
«أصبحت ذات يوم فى منزلى، وقد كلّ جنانى وبنانى ولسانى وإنسانى (٢)، من الدّأب فى الطلب، والإكباب على الكتب، ومتابعة المراجعة، فى النسخ والمطالعة، بين معنى أحكمه، أو
стр. 3586
خطّ أرقمه (١)، فتاقت النفس إلى الإحماض بمفاكهة أديب، والارتياض بمذاكرة لبيب، وإذا الغلام قد دخل وأسرع، وقال: الباب يقرع. فقلت له: ما الشان؟ فقال جماعة من الإخوان، منهم فلان، فذكر لى كل صديق صدوق، ورفيق رفيق، فقلت: ويحك عجّل بفتح الباب، وأذن للأحباب، فهم نزهة النفس، وثمرة الأنس».
وتمضى المقامة بهذا السجع الخفيف، الذى يكاد يطير عن الأفواه طيرانا بعذوبته وقصره، وحسن الاختيار للفظه. ويلقانا بأخرة من أيام الدولة الفاطمية الرشيد (٢) بن الزبير المتوفى سنة ٥٦٢ وهو أخو المهذب الذى ترجمنا له بين الشعراء وكان شاعرا مثله، ويقول ابن خلكان له ديوان شعر، وكان من أهل الفضل والنباهة والرياسة صنّف كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان فى شعراء عصره، وكان تكملة لكتاب اليتيمة للثعالبى وسقط من يد الزمن، وقال العماد الأصبهانى عنه: «أوحد عصره فى علم الهندسة والرياضيات والعلوم الشرعيات والآداب» ويقول ياقوت عنه: «كان كاتبا شاعرا، فقيها نحويا لغويا عروضيا مؤرخا منطقيا. مهندسا، عارفا بالطب والموسيقى والنجوم متفننا». ومن كتبه كتاب منية الألمعىّ وبلغة المدعى، وهو موسوعة علمية.
وصوّر معارفه الكثيرة فى مقامة تسمى المقامة الحصيبية (٣)، استعرض فيها جوانب من معارفه العلمية الواسعة، وهو يدير فيها الحوار بينه وبين طائفة من العلماء بادئا بعالم نحوى موردا عليه من النحو ومسائله ما يبهره. ويصنع نفس الصنيع بعالم بلاغى، ويتوالى حواره أو حديثه مع علماء العروض والفقه وأصوله والتفسير والتأويل والفلسفة والمنطق والهندسة والحساب والرياضة وعلم الفلك والهيئة والأجرام والكواكب العلوية وعلم الطب. حتى إذا أنهى المقامة تلاها بشرح لما جاء فيها من مسائل هذه العلوم ومصطلحاتها. والمقامة تموج بالسجع، من ذلك قوله فى مطالع مقامته ناعيا على من لا يعرفون سوى علم أو علمين ويعمدون إلى التزيّى بزى الزهاد والصوفية احتيالا على الناس ليسبغوا عليهم من أموالهم، وهم لا يقدرون العلوم حق قدرها فضلا عن التغلغل إلى مسائلها ومشاكلها:
«أحسبتم يا أعلام الضلال أن كل من نظر فى علم أو علمين وحفظ مسألة أو مسألتين ثم قصّر سرباله (٤)، وقصّ سباله (٥)، مظهرا للنسك والزهادة، متعرضا للاستفادة فى معرض
стр. 3587
الإفادة، يستوهب بذلك الطعام، ويستجلب الحطام (١)، ويجلب الحرام، ويسمى بالشيخ الإمام، قد صلح لأن يفصل بين العلوم، ويميز بين المحمود منها والمذموم».
والمقامة كسابقتها ليس فيها أديب شحاذ يروى حيله وما يحسن من الأساليب الأدبية، فقد تحولت من بعض الوجوه إلى ما يشبه الرسائل إذ تتناول موضوعا يحلّ صاحبها فيه محل أبى الفتح الإسكندرى عند بديع الزمان وأبى زيد السّروجى عند الحريرى.
ويعرض الأدفوى فى الطالع السعيد طائفة من هذه المقامات أو الرسائل على ألسنة كتابها من أدباء الصعيد، من ذلك مقامة (٢) أو رسالة لمحمد بن يوسف بن نحرير المتوفى بعد سنة ٦٦٥ يمدح فيها أميرا ويصف خروجه إلى الصيد، من ذلك قوله فيها:
«خرج يوما ما مع أناس، وصل برّهم بإيناس، كل منهم يهتزّ للأكرومة، ويأوى إلى أشرف (٣) أرومة، على خيل مسوّمة (٤)، مثقفة مقوّمة، ما بين جون أدهم (٥)، أذكى من فارسه وأفهم، إذا زاغ عن سنان، أو انعطف لعنان، وأشهب كريم، له سالفة ريم (٦)، كأنما خلق من عقيق أو تردّى برداء شقيق، إن أوردته الطّراد، أوردك المراد، وهملاج (٧) إن زجرته ألهب أديمه (٨)، روضة بهار (٩)، ينظر فى ليل كالنهار، ينساب انسياب الأيم (١٠)، ويمر مرور الغيم، لا ينبه النائم إذا عبر به، ولا يحرك الهواء فى سربه، أخف وطأ من طيف، وأوطأ من مهاد الصيف. . ولم يزل بنا المسير، وكل منا فى طاعة صاحبه أسير، إلى أن قصدنا واديا، كان لعيوننا باديا، فما قطعنا منه عرضا، حتى أتينا أرضا، كأنما فرش قرارها زبرجد، وصيغت ألوانها من لجبن وعسجد. . تهدى للناشق، أنفاس المعشوق للعاشق».
والمقامة على هذا النحو قطع من الوصف المسجوع البارع للخيل ولكلاب الصيد.
стр. 3588
وتكثر المقامات فى أيام المماليك، وتأخذ طابع المناظرات والمفاخرات، وكأنما نسى أصلها عند الهمذانى والحريرى نهائيا، فلا بطل صاحب حيل، ولا قصص، وإنما حجاج وجدال وتوليد لا يكاد ينتهى للأدلة والبراهين، مع السفسطة والمغالطة وقلب المحاسن مساوى بغرض الإفحام وإظهار القدرة على القهر والغلبة، ومع المبالغات والإفراط فيها بهدف الاستعلاء. ومن طريف هذه المقامات والمفاخرات المفاخرة بين السيف والقلم لابن نباتة (١)، وفيها يستهل القلم مفاخرته بقوله تعالى: ﴿(ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ)﴾ وهى براعة استهلال واضحة، وما يلبث أن يقول ابن نباتة عنه.
«إن القلم منار الدين والدنيا، ونظام الشرف والعليا، وزمام أمور الملك السائرة، وقادمة (٢) أجنحته الطائرة، ومطلق أرزاق عفاته (٣) المتواترة، وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة، به رقم كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل وسنة نبيه ﷺ التى تهذب الخواطر الخواطل (٤). . إن نظمت فرائد العلوم فإنما هو سلكها، وإن علت أسرّة الكتب فإنما هو ملكها. . وإن وعد أوفى بجلب النّفع، وإن أوعد أخاف كأنما يستمد من النّقع (٥)».
ويستمر القلم فى هذه المفاخرة، فهو الذى يأمر بالجهاد والسيف نائم فى قرابه، وهو الذى يأمر بالعدل والإحسان، مع المحاماة عن الدين وما ينزل بالأعداء من الرعب. وكأن ابن نباتة يريد ان يعلى فضله على السيف حتى فى الحرب وجهاد الأعداء. ويستغفر القلم من الشرف وخيلائه والخيلاء وكبريائه. وينبرى السيف مدافعا عن حماه مستهلا كلامه بقوله تعالى: ﴿(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)﴾ ويحمد الله الذى جعل الجنة تحت ظلال السيوف. ويفاخر القلم بعزمه الثاقب وفتوحه، مما جعل الناس يدخلون فى دين الله أفواجا. وينتفض القلم فى دواته ويضطرب على وجه القرطاس، وينفجر قائلا للسيف فى حدة وعنف.
«أتفاخرنى وأنا للوصل وأنت للقطع، وأنا للعطاء وأنت للمنع، وأنا للصلح وأنت للضّراب، وانا للعمارة وأنت للخراب، وأنا المعمر، وأنت المدمر. . وأنا ذو اللفظ المكين وأنت
стр. 3589
ممن دخل تحت قوله تعالى ﴿(أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ)﴾ لقد تعدّيت حدّك، وطلبت ما لم تبلغ به جهدك، هيهات أنا المنتصب لمصالح الدول وأنت فى الغمد طريح، والمتعب فى تمهيدها وأنت غافل مستريح. . أين بطشك من حلمى، وجهلك من علمى. . وأين نذير الأعداء من رسول الأحباب».
ويرد عليه السيف مغيظا محنقا، ويكيل له الكيل كيلين. . ويشعر القلم أخيرا بفضل السيف، ويميلان إلى الصلح معترفين بأنهما للملك كاليدين وفى آفاقه كالقمرين. وهى مقامة أو قل مناظرة بديعة دبّجت بأسلوب يتدفق بالسلاسة وخفة السجع ولطف مآخذه ودقة معانيه. وابن نباتة فى نثره مثل شعره يمتاز بالصفاء مع الرصانة والرونق وجمال اللفظ وحسن اختياره. ولابن مكانس الذى ترجمنا له بين كتاب الرسائل الشخصية مقامة فى ديوانه المخطوط بدار الكتب المصرية بناها على الفكاهة والمجون إذ أدارها على الشراب. وقد جعلها حوارا بين عشرات من الأشخاص يمثلون ما كان بالقاهرة لزمنه من المهن والصناعات.
وتظل المقامات حية فى الفترة العثمانية، وينحو بعضها نحو الفكاهة والمجون والدعابة أو نحو الهجاء كما سترى عند الشهاب الخفاجى، وسنخصه بكلمة، وكثير منها يتخذ المديح موضوعا له، من ذلك مقامتان (١) لمصطفى اللقيمى الدمياطى المتوفى سنة ١١٧١ مدح بهما الأمير العثمانى رضوان كتخدا، وإحداهما طويلة وتكثر فيها مقطوعات الشعر ونقرأ بها قصيدتين ومزدوجة فى مديح الأمير. ولحسن شمّه مقامة (٢) فى مديح الشيخ محمد بن سالم الحفناوى الشافعى الخلوتى ضمّنها سائر الفنون الشعرية من النسيب والموشح والدوبيت والزجل والكان وكان والقوما والمواليا مع العناية بالسجع فى نثرها وحشد محسنات البديع، وجدير بنا أن نترجم لبعض أصحاب المقامات والمفاخرات.
ابن (٣) أبى حجلة
هو شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبى بكر بن عبد الواحد أبى حجلة التلمسانى الأصل. ولد بزاوية جدّه أبى حجلة بتلمسان سنة ٧٢٥ ورحل فى بواكير حياته إلى الحج ودخل دمشق، ثم
стр. 3590
استوطن مصر، وأولع بالأدب حتى مهر فيه، واعتنق المذهب الحنفى مع ميله إلى المذهب الحنبلى. ولم يلبث بمصر أن أصبح شاعرا بارعا فاضلا وكاتبا ناثرا، وولى مشيخة الصوفية بخانقاه منجك اليوسفى بظاهر القاهرة. وكان يكثر الإزراء على أهل الوحدة من الصوفية، كما كان يحمل على ابن الفارض وامتحن بسببه. وعارض جميع قصائده بقصائد نبوية. ومازال يتولى خانقاه منجك حتى توفى سنة ٧٧٦ للهجرة. ويقول ابن تغرى بردى: له مصنفات كثيرة تبلغ ستين مصنفا، وأكثرها كتب أدبية ومن أشهرها: «سكر دان السلطان» و «ديوان الصبابة» وهما مطبوعان.
ومعنى سبكردان إناء السكر وقد أهداه بعد سنة ٧٥٥ إلى سلطان مصر المملوكى السلطان حسن ابن محمد الناصر بن قلاوون، وهو يدور فى معظمه حول العدد ٧ وأهميته فى تاريخ مصر وأحداثها. وقد جعله فى مقدمة وسبعة أبواب، ويذكر فى الباب الأول خاصية العدد: ٧.
ويتحدث فى الباب الثانى عن السلطان حسن وأنه سابع السلاطين فى أسرته. ويعرض فى الباب الثالث لإقليم مصر وصلة العدد سبعة به. ويعود فى الباب الرابع إلى السلطان حسن مع أحاديث قصيرة عمن تقدمه من ملوك مصر. ويخص الباب الخامس بأسرة السلطان حسن وجده قلاوون ويمتد به الحديث عن الأسرة فى البابين السادس والسابع. ويتبع ابن أبى حجلة هذه الأبواب بأبواب سبعة أخرى، يتناول فى أولها قصة يوسف وتفسير سورته. ويجعل الثانى لقصة موسى وفرعون، والثالث لملوك مصر وبعض أخبارهم، والرابع لسيرة الحاكم الفاطمى، والخامس لبعض الأحداث بمصر، والسادس لأحداث القاهرة، والسابع للزهرات السبع. ومما ذكره عن الحاكم الفاطمى، أنه لبس الصوف سبع سنين وأمر بإيقاد الشمع ليلا ونهارا مدة سبع سنين ومنع النساء من الخروج سبع سنين وسبعة أشهر، وكان يقرأ نسبه على المنبر كل جمعة أو كل سبعة أيام، وقتل وهو يلبس سبع جبّات بعضها فوق بعض. ولا ريب فى أنه بالغ فى ربط الأحداث التاريخية بالعدد ٧، ومع ذلك فالكتاب يشتمل على أخبار تاريخية كثيرة، تجعل له من حيث التاريخ لا من حيث العدد ٧ غير قليل من الأهمية.
وكتاب ديوان الصبابة-كما يتضح من عنوانه-يتناول العشق وكل ما يتصل به من الوصف المادى للمرأة ومن الزيارة والعتاب واللقاء والهجران والاستعطاف وإفشاء السر والكتمان والغيرة ومن أحب من أول نظرة وأشهر العشاق، وهو فى ثلاثين بابا ويزخر بالمختارات الشعرية والنثرية فى الحب والصبابة. ووضع بين يدى أبوابه عن العشق أسبابه وعلاماته، ويذكر طائفة من أحاديث
стр. 3591
الأدباء والفلاسفة عنه. ويختمه بذكر من مات بسبب عشقه. والكتاب كسابقه طريف فى بابه.
وربما كان أهم من الكتابين السابقين لابن أبى حجلة مقاماته، وكانت مشتهرة فى زمنه، ويقول ابن حجر: «أنشأ مقامات أجاد فيها». ويعرض القلقشندى لإحدى مقاماته وهى المقامة الزعفرانية الخاصة بفيضان النيل ووفائه، ويقتبس منها نحو خمس صفحات كبيرة مقدما لها بقوله عنه، «الأديب الذى كان حجة العرب، والناثر الذى كان بنسبته إلى الطيور (١) محرّك المناطق وإلى الشعر صنّاجة الأدب» ويستمر فى الثناء عليه حتى يقول: من مقامته الزعفرانية عن أبى الرّياش، وكأن ابن أبى حجلة سمّى راويها أبا الرياش، ومن قوله فيها:
«إن النيل تزايد دفعه فقد امتزج بالمعصرات ثجّاجه (٢)، وأعيى طبيب الغيطان (٣) علاجه:
وشرق حتى ليس للشّرق مشرق ... وغرب حتى ليس للغرب مغرب
قلت: فما فعل النّغير (٤)، بجزيرة الطّير؟ قال: لم يبق بها هاتف يبشّر بالصباح، ولا ساع يسعى برجل (ولا طائر يطير) بجناح، إلا اتخذ (نفقا فى الأرض أو سلّما فى السماء) أو آوى (إلى جبل يعصمه من الماء) فأذاق بها الحمام الحمام (٥) فى المروج، وترك أرضها كسماء مالها من فروج، وتلا على الحمام: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج) وكم فى سماء مائها من نسر واقع، وبومة تصفّر على ديارها البلاقع (٦):
ومنهل فيه الغراب ميت ... سقيت منه القوم واستقيت
قلت: فمصر؟ قال: زحف عليها بعسكره الجرار، ونفط مائه الطيّار، قلت فالجيزة؟ قال، طغى الماء حتى علا على قناطرها وتجسّر، ووقع بها القصب من قامته حين علا عليه الماء وتكسّر، فأصبح بعد اخضرار بزّته (٧) شاحب الإهاب، ناصل الخضاب، غارقا فى قعر بحر (يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب) وقطع طريق زاويتها على من بها من المنقطعين والفقراء، وترك الطّالح كالالح يمشى على الماء (فتنادوا مصبحين): (أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين)
стр. 3592
وأدركهم الغرق فأيسوا (١) من الخلاص (فغشيهم من اليمّ ما غشيهم) (ولات حين مناص (٢)) و (خرّ عليهم السّقف من فوقهم) فهدّت قواهم، واستغاثوا من كثرة الماء بالذين آمنوا وعملوا الصالحات (وقليل ما هم) قلت: فالروضة؟ قال: أحاط بها إحاطة الكمام (٣) بزهره، والكأس بحباب (٤) خمره:
فكأنها فيه بساط أخضر ... وكأنه فيها طراز مذهب (٥)
فلم يكن لها بدفع أصابعه يدان، وكم أنشد مرجها حين (مرج (٦) البحرين يلتقيان):
أعينىّ كفّا عن فؤادى فإنه ... من البغى سعى اثنين فى قتل واحد (٧)
قلت: فدار (٨) النّحاس؟ قال: أنحس حالها، وأفسد ما عليها ومالها، فدخل من حمّامها الطّهر، وقطع الطريق بالجامع الظّهر، فألحق مجاز بابه بالحقيقة، ورقى منه على درجتين فى دقيقة. . قلت فجزيرة أروى؟ قال: قد أفسد جلّ ثمارها، وأتى على مغانيها (٩) فلم يدع شيئا من رديّها وخيارها، أخلق ديباجة روضها الأنف (١٠)، وترك قلقاسها فى الجروف (١١) على شفا جرف (١٢):
بعينى رأيت الماء يوما وقد جرى ... على رأسه من شاهق فتكسّرا
طالما تضرّع بأصابعه إلى ربّه، ولطم برءوسه الحيطان مما جرى من الماء على قلبه، وتمثّل بقول الأول:
وإن سألوك عن قلبى وما قاسى ... فقل قاسى وقل قاسى وقل قاسى
لم يفده تحصّنه من ورقه بالدّرق (١٣) والستائر، ولا حنّ عليه حين تضرّع بأصابعه فصحّ أن
стр. 3593
الماء سلطان جائر».
وهو وصف رائع لفيضان النيل وعلو أمواجه، كأنما يريد أن يبلغ عنان السماء، وحلّقت الطير فى أعلى عليين فرقا منه واعتصم الناس بالكثبان والجبال. ويصف ابن أبى حجلة زحفه على الفسطاط أو كما يسميها مصر وطغيانه على الجيزة حتى علا قناطرها وجرّد القصب من بزّته، وطما عليه حتى غرق فى قاعه، وقطع طريق الزاوية أو خانقاه الصوفية وأدركهم جميعا الغرق فى عبابه، وخرّ عليهم السّقف من فوقهم، ولا ملجأ ولا مناص، وأحاط بجزيرة الروضة إحاطة السوار بالمعصم، ولم تستطع دفع أصابعه التى يقاس بها عادة طوفان فيضانه، ولا ردّ مجرييه أو كما يسميهما ابن أبى حجلة بحريه من حولها آخذين بخناقها، كأنما يريدان أن تصبح خاوية على عروشها. ويصف دار النحاس وما أصابها وأصاب جامعها من مياهه المتدفقة، ويصف ما أنزله بجزيرة أروى ومغانيها وكيف عمّ ما بها من الخضراوات مثل «القلقاس» وقد تكسر، وهو يتضرع بأصابعه إلى ربه إذ أصبح عاليه سافله. وتنبت فوقه فروع ذات ورق عريض، ويتصورها ابن أبى حجلة ستائر له ودرقا أو تروسا غير أنها لم تفده إزاء أمواج النيل وطوفانه.
ويمضى ابن أبى حجلة فيصور ما أصاب بولاق وغير بولاق من النيل فى هذه اللغة العذبة التى عرف كيف يصب فيها وصفه للنيل وفيضانه. وهو يكسوها بألوان البديع من جناس وغير جناس، ولا نحس أى كلفة. وقدرته على بث التصاوير فى لغته واضحة، وهى تصاوير رسمها مصور ماهر. ومن تتمة براعته الأدبية قدرته على اقتباس الأشعار فى موضعها الملائم، وأهم من ذلك قدرته على اقتباس الآيات والكلم القرآنية، فتزيد لغته عذوبة ونصاعة، وهو تارة يأتى بالآيات تامة، وتارة يأتى بكلم منها. ويكثر ذلك فى المقامة، وقد وضعنا الآيات بين قوسين هلاليين تمييزا لها. وقد تمثل فى القلقاس ببيت يحمل شطره الثانى جناسا طريفا مع اسمه. وفى المقامة روح الدعابة والفكاهة المصرية، وكأنه تشربها فى استيطانه بمصر حتى الثمالة. والتورية عنده واضحة فى قوله عن النيل بدار النحاس: «قطع الطريق بالجامع الظهر فألحق مجاز بابه بالحقيقة» ولكلمة مجاز معنيان: معنى قريب وهو ما يخالف الحقيقة بدليل اقترانها به، ومعنى بعيد وهو المعبر الى الجامع. وهو لا يريد المعنى القريب للقلب أى قلب الإنسان مما قد يفهم مع ظاهر استعارته، وإنما يريد ما حدث للقلقاس من القلب فأصبح أسفله أعلاه، وهى تورية بديعة.
ولعل فيما قدمت ما يصور براعة ابن أبى حجلة الأدبية.
стр. 3594
القلقشندى (١)
هو شهاب الدين أحمد بن على ولد بقلقشندة بالقرب من قليوب سنة ٧٥٦ وإليها ينسب، وهو من أصل عربى صميم إذ ينتمى إلى عشائر فزارة التى استوطنت مصر عقب الفتح الإسلامى.
ويبدو أنه نشأ فى القاهرة، وأخذ فيها ينهل من حلقات علماء الشافعية وغيرهم فى زمنه، وهو مع ذلك يعنى بالأدب والعلوم اللغوية. وفى نحو العشرين من عمره بارحها إلى الإسكندرية ونرى العالم الشافعى الكبير المعروف بابن الملقن يجيزه فيها سنة ٧٧٨ بالفتيا والتدريس على مذهب الإمام الشافعى كما يجيزه برواية مؤلفاته فى الفقه والحديث وكل ما كان يرويه من الصّحاح الستة ومسند الشافعى ومسند ابن حنبل. وسرعان ما تصدر للإفادة وهو فى الحادية والعشرين من عمره، وأقبل عليه كثير من التلاميذ يأخذون عنه الفقه والأصول وعلوم العربية. وظل فى ذلك نحو ثلاثة عشر عاما، ألف فى أثنائها شرحا فى الفقه الشافعى على كتاب جامع المختصرات ومختصرات الجوامع سمّاه الغيوث الهوامع. كما ألف فى أنساب القبائل العربية كتابين هما: «نهاية الأرب فى معرفة قبائل العرب» و «قبائل الجمان فى التعريف بقبائل عرب الزمان». ونراه فى سنة ٧٩١ يترك مهنة التدريس للعمل بديوان الإنشاء، وكان يرأسه بدر الدين بن علاء الدين بن يحيى بن فضل الله العمرى، وهو آخر من وليه من هذا البيت كما مر فى ترجمة عمه ابن فصل الله العمرى. واعترافا بفضله أنشأ القلقشندى مقامة طويلة فى تقريظه صوّر فيها صناعة الإنشاء وأصولها وعكف توّا على تأليف كتابه «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا». وهو موسوعة ضخمة فى أربعة عشر مجلدا ظل يعنى بتأليفها فى نحو ربع قرن من الزمان حتى سنة ٨١٤ وظل يراجعها ويزيد عليها حتى حين وفاته سنة ٨٢١ للهجرة.
ويبتدئ القلقشندى صبح الأعشى بمقدمة تتناول فضل الكتابة ومدلولها وتفضيل كتابة الإنشاء على سائر أنواع الكتابة وصفات الكتّاب وآدابهم والتعريف بحقيقة ديوان الإنشاء وقوانينه ووظائفه، ثم تتوالى عشر مقالات أو أقسام كبيرة، والمقالة الأولى تتحدث عما يحتاج إليه كاتب
стр. 3595
الإنشاء من المعارف والأدوات المتعلقة بصناعته كالخط واللغة والنحو والبلاغة وغير ذلك من مختلف العلوم، يشغل ذلك من الكتاب الجزء الأول بعد المقدمة والجزء الثانى وشطرا غير قليل من الجزء الثالث. والمقالة الثانية تبدأ بالمسالك والممالك وبمعلومات تاريخية عن الخلافة الأموية والعباسية وبمعلومات جغرافية وتاريخية مهمة عن مصر من أول دخولها فى الإسلام إلى زمن القلقشندى، ويترك مصر إلى الشام وجميع الدول التى كان لها أدنى صلة بمصر من أقصى الشرق إلى السودان وأقصى الغرب والبلدان الأوربية. ويمتد حديث القلقشندى فى ذلك إلى الشطر الأكبر من الجزء الخامس. والمقالة الثالثة فى أنواع المكاتبات وأسماء الكنى وألقاب أرباب السيوف والأقلام وأصحاب الوظائف من النصارى واليهود والخلفاء العباسيين والأمويين فى الأندلس والفاطميين والموحدين بالمغرب وألقاب الملوك الأقدمين فى اليمن وإيران ومصر والروم والحبشة وملوك فرغانة وأوروبا والحبشة مع التفصيل فى الألقاب الإسلامية. ويعود إلى الحديث عن الورق والكتابة ويشغل ذلك كله بقية الجزء الخامس والجزء السادس. ويتحدث القلقشندى فى المقالة الرابعة عن المكاتبات الصادرة عن ملوك مصر وغيرهم ومصطلحات الكتابة السلطانية والإخوانية ويمتد ذلك فى الكتاب إلى شطر من الجزء التاسع، والمقالة الخامسة يوضح فيها القلقشندى الولايات ووظائف الدولة الكبرى ويقدم طائفة كبيرة من البيعات والعهود والتقاليد والمراسيم والتفاويض والتواقيع وخاصة ما يتصل بزمن المماليك. وتحمل هذه المقالة كثيرا من الوثائق التاريخية والاجتماعية المهمة، وهى تشغل بقية الجزء التاسع حتى نهاية الجزء الثانى عشر. والمقالة السادسة فى متنوعات من الوصايا الدينية والإطلاقات والمراسيم السلطانية والإقطاعات والأيمان وعقود الصلح والأمانات والهدن. وتشغل هذه الوثائق الجزء الثالث عشر من الكتاب وشطرا من الجزء الرابع عشر. وتعرض بقية هذا الجزء طرائف من المقامات والرسائل والمفاخرات والإجازات والتقريظات والتقاليد، وتلحق بالجزء خاتمة عن البريد وشئون المواصلات والاتصالات بين مصر وغيرها من البلدان الإسلامية.
ونعود إلى مقامته التى أشرنا إليها والتى وصف فيها صناعة الإنشاء وقرّظ بها صاحب ديوانها بدر الدين العمرى وقد سماها: «الكواكب الدرّية فى المناقب البدرية» وهى محكية أو مروية على لسان الناثر بن نظام ويلقانا فى فواتحها قوله:
«لم أزل من قبل أن يبلغ بريد عمرى مركز التكليف، ويتفرق جمع خاطرى بالكلف بعد التأليف، أنصب لاقتناص العلم أشراك التحصيل، وأنزّه توحيد الاشتغال عن إشراك التعطيل. .
стр. 3596
أونس من شوارد العقول وحشيّها، وأشرّد عن روابض المنقول حوشيّها، وألتقط ضالّة الحكمة حيث وجدتها، وأقيّد نادرة العلم حيث أصبتها، مقدّما من العلوم أشرفها، ومؤثرا من الفنون ألطفها، معتمدا من ذلك ما تألفه النّفس ويقبله الطبع، مقبلا منه على ما يستجلى حسنه النظر ويستحلى ذكره السمع. . عارفا لكل عالم حقّه، وموفيا لكل علم مستحقّه، قد استغنيت بكتابى عن خلّى ورفيقى، وآثرت بيت خلوتى على شفيقى وشقيقى. . إلى أن أتيح لى من الفتح ما أفاضته النعمة وحصلت من الغنيمة على ما اقتضته القسمة».
وأكبر الظن أن قد اتضح لنا صوت القلقشندى وما يعمد إليه من حسن الجرس فى انتخاب ألفاظه وقوافى أسجاعه، بحيث لا نكاد نشعر بتكلف عنده، والجناس يرصّع كلامه على نحو ما نرى فى التكليف والكلف، وأشراك (حبالات) الصائد، والإشراك، وشوارد وأشرّد، والوحشى والحوشى، ويستجلى ويستحلى، وحقه ومستحقه، ورفيقى وشفيقى وشقيقى، وكل ذلك يمر على اللسان والسمع دون أى إحساس بنبو أو كلفة غير مستحبة، وبالمثل يرصّع كلامه بطباقات كثيرة من مثل التفرق والجمع والتوحيد والتعطيل وشوارد العقول وروابض المنقول. وفى أثناء ذلك يوشّى كلامه بالتورية إذ يقول: «أنزّه توحيد الاشتغال عن إشراك التعطيل» والتعطيل رفض التوحيد والشريعة، وهو المعنى القريب لسبق التعطيل بالإشراك والتوحيد، وهو لا يريده، وإنما يريد التعطل عن الاشتغال بالعلم والانصراف عنه. وبالمثل لا يريد بالإشراك الكفر الذى قد يفهم من اقترانه بالتعطيل إنما يريد الشركة أو المشاركة، وأيضا لا يريد بالتوحيد توحيد الله لاقترانه بالتنزيه وإنما يريد الوحدة. والتعبير لذلك كله ملئ بتوريات متعاقبة. وبالمثل قوله فى نهاية كلامه: «الفتح» وقد تلاه بالغنيمة والقسمة موريا بذلك عن الفتوح العلمى لا كما يظن من السياق الفتح الحربى. وبالمثل كلمة القسمة فهو لا يريد بها المعنى القريب الملائم للغنيمة وهو القسمة فى الحرب وإنما يريد بها المعنى البعيد وهو الحظ من قولهم قسمة ونصيب.
ولعل خصائص صوت القلقشندى ولغته قد اتضحت لنا تماما فهو كمعاصريه يستخدم السجع ويوشيه بمحسنات البديع وفى مقدمتها، الجناس والطباق والتورية، ونحس عنده بطواعية العبارات المسجوعة ومرانه على استخدام ألوان البديع دون أن نشعر بأى ثقل أو أى عبارة أو كلمة مستكرهة. وإذا مضينا فى قراءة المقامة وجدناه يذكر على لسان الناثرين نظام أنه لا بد لكل إنسان من حرفة يكتسب بها معاشه وأن الكتابة هى خير الحرف، وأفضل أنواعها الديوانية كتابة الإنشاء، إذ لها الذروة المنيفة والرتبة الشريفة، وأصحابها-كما يقول-أسّ الملك وعماده،
стр. 3597
وأركان الملك وأطواده. ولسان المملكة الناطق، وسهمها المفوّق الراشق. ويحاور الناثر بن نظام فى كتابة الإنشاء والخراج أيهما أفضل؟ ويجيبه أنّى لكتّاب الأموال التأثير فى فلّ الجيوش من غير قتال، وفتح الحصون من غير نزال. وكأن القلم فى يد كاتب الإنشاء ينال من الأعادى مالا تناله السيوف والرماح. ويأخذ القلقشندى على لسان الناثر بن نظام فى بيان ما يلزم كاتب الإنشاء من حفظ كتاب الله وأحاديث رسوله وجوامع كلمه والعلم بالأحكام السلطانية واستظهار أشعار العرب على مر الأزمنة وأمثالهم وأقوال فصحائهم وخطبهم ورسائلهم مع سعة الباع فى اللغة والنحو والتصريف وفى علوم المعانى والبيان والبديع، ومع معرفة الخط وقوانينه وأصوله وقواعده، ومع ما تتم به الصناعة من الوقوف على علم الكلام وأصول الفقه والأحكام الشرعية والمنطق والجدل وأحوال الفرق والنّحل وعلم العروض والقوافى والرياضيات والهندسة وعلم الطب والبيطرة وعلمى الأخلاق والسياسة وعلم تدبير المنزل والفراسة. وأيضا لا بد من المعرفة بكل ما ذكره القلقشندى بعد ذلك مفصلا فى صبحه من شئون الولايات وألوان المكاتبات والبيعات والعهود والتقاليد والمراسيم والتواقيع والمناشير والأيمان والهدن وطرق البلدان ومسالكها. ويتساءل القلقشندى عمن يضم هذه الرتبة الرئيسة والمنقبة الشريفة؟ ويجيبه الناثر بن نظام إن ذلك قاصر على آل فضل الله العمرى ومنحصر فى سليلة البدر، الذى تدور عليه، فهو ابن بجدتها الذى ترجع فى علومها ورسومها وسائر أمورها إليه.
وللقلقشندى مقامة فى المفاضلة بين العلوم. وهى تنزع منزع المقامة الحصيبية للرشيد بن الزبير التى ألممنا بها فيما مر من حديثنا وفيها يعقد القلقشندى مفاخرة بين نحو سبعين علما ابتدأها بعلم اللغة واختتمها بفن التاريخ ذاكرا فخر كل علم على ما سبقه، محتجا عليه بفضائل موجودة فيه دون سابقه. استهلّها ببيان منافع العلوم بعامة، وذكر أنها اجتمعت يوما فتجادلت وتفاخرت، وكل منها ينتصر لنفسه بالحجج والبراهين الدامغة. وقد تلا فخر علم اللغة بفخر علم الصرف ثم بفخر علم النحو عليه قائلا:
«هل أنت إلا بضعة (١) منى، تسند إلىّ وتنقل عنى، لم يزل علمك بابا من أبوابى، وجملتك داخلة فى حسابى، حتى ميّزك المازنى فأفردك بالتصنيف، وتلاه ابن جنّىّ فتبعه فى التأليف. . وأنت مع ذلك كله مطوىّ ضمن كتبى، نسبتك متصلة بنسبتى، وحسبك لا حق بحسبى. أنا ملح الكلام، ومسك الختام، لا يستغنى عنى متكلم، ولا يليق جهلى بعالم ولا متعلم،
стр. 3598
بى تتبيّن أحوال الألفاظ المركبة فى دلالتها على المقاصد، ويرتفع اللّبس عن سامعها فيرجع من فهمها بالصلة والعائد».
وهذه القطعة من مفاخرة علم النحو على علم الصرف فضلا عن تصويرها لبراعة القلقشندى البيانية ترينا جانبا من ثقافته بعلمى النحو والصرف، وكانا مندمجين بعضهما ببعض فى كتاب سيبويه، وظلا على ذلك بعده حتى أفرد أبو عثمان المازنى علم الصرف بالتأليف وتبعه فى ذلك ابن جنّى. ومضى المؤلفون فى العلمين تارة يجمعون بينهما، وتارة يفصلون، مما جعل القلقشندى يصور ذلك مرارا على لسان علم النحو قائلا إن علم الصرف باب من أبوابه ينقل عنه ويسند إليه وأنه مطوىّ فى كتبه متصل بنسبه لا حق بحسبه. واستخدم فى آخر ما اقتبسناه من تلك المفاخرة مصطلحى الصلة والعائد المعروفين فى النحو وهما صلة الموصول وما تحمل من الضمير العائد فى عبارتها على الموصول، معبرا بهما عن العطية وما يعود منها بالنفع. وللقلقشندى مفاخرة ثانية بين السيف والفلم، ومن قول القلم فيها مفاخرا للسيف:
«مهلا أيها المساجل، وعلى رسلك أيها المغالب والمناضل، لقد أسأت مقالا، ونمّقت محالا. . وإنى-وإن صغر جرمى-فإنى لكبير الفعال، وإن نحف بدنى فإنى لشديد البأس عند النزال. وإن عرى جسمى فكم كسوت عاريا، وإن جرى دمعى فكم أرويت ظاميا، وإن ضاق ذرعى فإنى بسعة المجال مشهور، وإن قصر باعى فكم أطلقت أسيرا وأنا فى سجن الدواة مأسور». ويمضى القلقشندى بمثل هذه الصياغة الموشاة بالسجع ومحسنات البديع من تصوير وغير تصوير، ودائما نشعر عنده بالطلاقة والسلاسة ونصاعة الكلم.
السيوطى (١)
هو جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبى بكر بن محمد، من سلالة شيخ صوفى أسيوطى هو همام الدين السيوطى، وكان لأسرته وجاهة ورياسة فى أسيوط، منهم من ولى الحكم فيها،
стр. 3599
ومنهم من ولى الحسبة، ومنهم من كان تاجرا ثريا، وأول من خدم العلم من أسرته أبوه، وقد هاجر من بلدته إلى القاهرة ونبه شأنه بين فقهاء الشافعية وأفتى ودرّس وناب فى الحكم بالقاهرة، وفى سنة ٨٤٩ ولد له عبد الرحمن ولم يكد يبلغ السادسة من عمره حتى توفى الأب، ويبدو أنه ترك له ثروة أعانته على نشأة علمية طيبة، وقد ترجم لنفسه فى كتابه: «حسن المحاضرة» ترجمة ضافية، ذكر فيها طائفة من شيوخه فى مقدمتهم الشيخان: البلقينى والمناوى فى الفقه الشافعى وتقى الدين الشّبلى فى الحديث والكافيجىّ فى التفسير والأصول والعربية وعلم المعانى وسيف الدين الحنفى فى الكشاف للزمخشرى وفى بعض المصنفات البلاغية للسكاكى والقزوينى. ويقول إنه شرع فى التصنيف سنة ٨٦٦ ولما يتجاوز السابعة عشرة من عمره، كما يقول إنه أفتى فى سنة ٨٧١ وعقد له مجلس لإملاء الحديث سنة ٨٧٢. ويذكر أن زار بلادا كثيرة: الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، كما يذكر أنه تبحّر فى سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعانى والبيان والبديع، ويقول إنه يستثنى الفقه فأستاذه كان أعلم به منه. أما العلوم الستة الباقية فلم يكن أحد يجاريه فيها، ودونها فى التعمق العلمى أصول الفقه والجدل والصرف، ودونها هى الأخرى الإنشاء والترسل وعلم الميراث والقراءات ثم الطب. ويذكر أن مشايخه فى الرواية سماعا وإجازة كثيرون إذ تبلغ عدّتهم نحو مائة وخمسين.
ويمضى السيوطى فى ترجمته لنفسه، فيذكر مؤلفاته فى العلوم والفنون المختلفة، وقد بلغت أكثر من ثلاثمائة كتاب ورسالة، منها فى الحديث النبوى نحو تسعين مصنفا وفى التفسير ومتعلقاته نحو عشرين وفى اللغة وعلوم العربية نحو خمسين وفى الأصول والبلاغة والتصوف نحو عشرين وفى الفقه نحو عشرين أيضا وفى التاريخ والأدب نحو خمسين. وعلى هذا النحو تلقانا لا مؤلفات بل سيول من المؤلفات فى كل علم وفن. وبحق يعدّ السيوطى أكثر علماء هذا العصر تأليفا وإحاطة بالعلوم العربية والشرعية الدينية. وله أكثر من كتاب طبع فى العصر الحديث وطارت شهرته، من ذلك فى الحديث النبوى كتابه «جمع الجوامع» وهو معجم واف للأحاديث النبوية، ومن ذلك فى التفسير تفسير الجلالين، ومرّ حديث عنه فى الفصل الثانى، وله لباب العقول فى أسباب النزول، وأيضا الدر المنثور فى التفسير بالمأثور، وهو مطبوع فى ستة مجلدات. وكتابه «الإتقان فى علوم القرآن» كتاب رائع. ومن مصنفاته فى التاريخ والتراجم تاريخ الخلفاء وهو مطبوع مرارا فى الغرب والشرق. وقد عرضنا لنشاطه فى هذا الجانب فى حديثنا بالفصل الثانى عن التاريخ والمؤرخين. وكان نشاطه اللغوى والنحوى خصبا إلى أبعد غاية، وصورنا ذلك من بعض الوجوه
стр. 3600
فى حديثنا عن اللغة واللغويين والنحاة والنحويين فى الفصل الثالث.
وهذا النشاط العلمى الواسع اقترن به نشاط أدبى، فقد كان السيوطى شاعرا، كما كان كاتبا ناثرا، وعنى عناية واسعة بفن المقامة على الطريقة المصرية التى وصفناها، فالمقامة لا تدور على الصعلكة كما كانت عند الهمذانى والحريرى، وإنما تدور على المنافرة والمفاخرة، وأكثر من ذلك حتى لتبلغ مقاماته نحو الأربعين، وربما كان أطرفها ما أداره منها حول مفاخرات الأزهار والفواكه والبقول والنقل والعطور، وقد خص الأزهار بمقامته الوردية والفواكه بمقامته التفاحية والبقول الخضراء بمقامته الزمردية والنّقل بمقامته الفستقية والعطور بمقامته المسكية، وخصّ الأحجار الكريمة بمقامته الياقوتية. ونقف قليلا عند مقامته الوردية فعلى غرارها تلك المقامات جميعا، وهى مفاخرة أو مناظرة بين الأزهار والرياحين، استهلّها الورد ببيان محاسنه وأنه ملك الرياحين منعش للأرواح ومتاع إلى حين، وأنه ظاهر على أزهار البساتين منتصر منها بقوة الشوكة والصولة.
وواضح ما فى كلمة الشوكة من تورية إذ لا يريد البأس بشهادة كلمة الصولة، وإنما يريد الشوكة الحقيقية للورد واحدة أشواكه، وما يلبث الورد أن يدلّ بفوائده الطبية، ويرد عليه النرجس مفاخرا بمحاسنه محاولا أن يغض منه، قائلا:
«لقد تجاوزت الحد، ياورد، وزعمت أنك جمع فى فرد، إن اعتقدت أنه لك بحمرتك فخر، فإنه منك فجر. . فاحفظ بالصمت حرمتك، وإلا كسرت بقائم سيفى شوكتك. وإنى القائم لله فى الدياجى على ساقى، الساهر طول الليل فى عبادة ربى فلا تطرف أحداقى. . وأنا فريد الزمان فى المحاسن والإحسان، ولهذا قال فىّ كسرى أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر. . وأنا المشبّه بى عيون الملاح، والمقرون فى مهمات الأدواء بالصلاح».
وللسيوطى بجانب ذلك مقامات جعل محورها الذى تدور عليه مسائل علمية، إذ يورد فيها أسئلة تحمل ألفاظا غريبة ملغزا بها، ثم يذكر جوابها مفسرا لها. مزيلا عنها غرابتها، محاكيا بذلك الحريرى فى مقامته الطيبيّة نسبة إلى طيبة أى المدينة وقد ضمّنها مائة مسألة فقهية وأجوبتها كأن يقول فيها: «أيستباح ماء الضرير؟ » ويجيب أبو زيد السروجى بطل المقامات الحريرية: نعم ويجتنب ماء البصير» والضرير: حرف الوادى والبصير الكلب. ونرى السيوطى يستوحى هذه المقامة، فيكتب على غرارها مقامته المكية، ويستهلها على هذا النمط:
«حدثنا هاشم بن القاسم قال: مازلت أقتحم المهامه (١) المخيفة، وأدخل فى المسالك العنيفة
стр. 3601
إلى أن نزلت بمكة الشريفة، فحططت الرّحال بعتابها (١)، وأرحت النفس من عنائها، وظللت أجوب فى مشاهدها وأجول فى معاهدها. . وأتردد فى الغدو والرّواح، وأتزوّد من تلك الآثار فى المساء والصباح، وأتمنى أديبا يسلّى بمسامرته الغربة، وأديبا ينيل بمحاضرته الإربة (٢)، فبينا أنا ذات ليلة فى المطاف، وقد تسمّرت سحائب الألطاف، إذا أنا بشعبة مؤتلفين، وعصبة محتفين، وهم بين سلام وترحيب، وبكاء ونحيب. وفى صدر الحلقة، شاب نحيف الخلقة، قد تدرع بثياب البهاء. قال هاشم بن القاسم: فتساميت إلى لقائه، وتقدمت إلى تلقائه، لأستنور بباطنه على ظاهره، وأستظهر من كامنه على باهره، وأتخذه معاضدا ونصيرا، ومحاضرا وسميرا، فقلت:
وعيت ما منك رأيت، وشمت (٣) ما عنك فهمت، فائت على ما ادّعيت ببرهان من الدلائل، وأجب إلى ما أقترحه عليك من مسائل، فقال: على الخبير سقطت، ومن البحر لقطت، فأوضح عن مسائلك، وأفصح عن مقالك، فقلت: ما تقول فيمن توضأ ولم يمسح أمّه؟ فقال:
لم يصحّ يا أمّة».
والأم الأولى الرأس والوضوء بدون مسحها باطل، وقد ألغز السيوطى بها، كما هو واضح.
وتوالت الأسئلة على هذا النحو مثل هل يجوز بيع الحر؟ والجواب الجواز، لان المراد بالحر الفرس الأصيل. ومثل هل تصح الصلاة على الفحل؟ والجواب تصح لأن المراد بالفحل الحصير المتخذ من فحل النخل.
وللسيوطى مقامة ثانية سماها المقامة الأسيوطية بناها على ألغاز نحوية، محاكاة لمقامة الحريرى المسماة بالمقامة القطعية وهى المقامة الرابعة والعشرون بين مقاماته. وللسيوطى مقامة فكهة سماها «رشفة الزلال من السحر الحلال كتبها على لسان عشرين عالما بينهم المقرئ والمفسر والأصولى والفقيه واللغوى والنحوى، وجعل كلا منهم يصف ليلة زفافه على عروسه بلغة علمه ومصطلحاته. ومن مقاماته مقامة تسمى الجيزية جعل موضوعها لغزا شعريا. وكأنه كان يرى المقامة صالحة لأن تعرض أى موضوع حتى لنراه يتخذ نجاة أبوى الرسول ﷺ من النار موضوعا لإحدى مقاماته، وقد سماها المقامة السندسية، وهى مطبوعة، ونجاة أبوى الرسول من النار لا يشوبها أى شك. إذ هما الطاهران الطيبان الذكيان النيّران. ولعل فيما قدمنا ما يدل على الخصائص الأدبية لمقامات السيوطى وبدون ريب كانت ملكاته العلمية أخصب من ملكاته الأدبية.
стр. 3602
الشهاب (١) الخفاجى
هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجى المصرى، ولد لفقيه شافعى بسر ياقوس قرب القاهرة سنة ٩٧٧ ونشأ فى حجر أبيه يعلمه، ثم اختلف إلى شيوخ الأزهر فى زمنه، فأخذ النحو وعلوم العربية عن خاله أبى بكر الشعرانى والفقه الشافعى عن مفتى زمنه شمس الدين الرملى. ومضى ينهل من حلقات الشيوخ المختلفين الحديث والتفسير والأدب والمنطق وعلم الأصول، ورحل مبكرا مع أبيه إلى حج بيت الله وأخذ عن شيوخ الحرمين لأيامه. ولم يعد إلى مصر بعد الحج، بل رحل إلى القسطنطينية عاصمة الدولة العثمانية فأخذ عن شيوخها، وفى طريقه إليها نهل من حلقات الشيوخ فى بيت المقدس ودمشق. وعرف فضله فى القسطنطينية فعين قاضيا فى الرومللى ثم فى سلانيك. وعينه السلطان مراد قاضيا للعسكر بمصر، فظل بها مدة، وزار القسطنطينية فلقيه مفتيها يحيى بن زكريا لقاء سيئا وأمر بعزله. وعاد إلى مصر وعين قاضيا فى القاهرة وأخذ يصنف ويحاضر طلابه وأتوه من كل بلد عربى، ومن أهمهم عبد القادر البغدادى صاحب الخزانه، وظل على ذلك حتى وفاته سنة ١٠٦٩ للهجرة، وكان ما حدث له فى لقاء المفتى سببا فى أن يكتب رسالة فى بيان فساد القضاء والحكم فى القسطنطينية وأتبعها بخمس مقامات يصور فيها تفاقم الأحوال بعاصمة الخلافة. وكان إلى ذلك عالما ومؤرخا كبيرا، صنف حاشية على تفسير البيضاوى طبعت بمصر فى ثمانية مجلدات وحاشية على شفاء القاضى عياض طبعت فى أربع مجلدات وله شفاء الغليل بما فى كلام العرب من الدخيل وهو كتاب نفيس طبع مرارا. وصنف فى تراجم الأدباء لزمنه فى جميع البلدان العربية كتابه «ريحانة الألبا» الذى نذكره كثيرا فى هوامش الفترة العثمانية ومثله خبايا الزوايا ولا يزال مخطوطا. وكان شاعرا مجيدا، وتحتفظ المكتبة التيمورية بديوانه مخطوطا، وقد أنشد من شعره كثيرا فى الريحانه وبالمثل أنشد منه كثيرا المحبى فى ترجمته له، وهى فى أكثر من مائة صفحة.
وقد دوّن الشهاب الخفاجى مقاماته التى أشرنا إليها فى ترجمته التى عقدها لنفسه فى نهاية كتابه الريحانة وسمى أولاها المقامة الرومية وهو يستهلها بقوله: «أنبأنا النعمان بن ماء السماء عن شقيق وقد رحل من وادى العقيق فى الحجاز إلى القسطنطينية، ويصفها بأن البحر قد مدّ لعناقها ساعديه
стр. 3603
بينما تقبّل الأمواج الأرض بين يديه، ويصف من بها من الجوارى الحسان والفرسان الشجعان، ثم يهاجم متصوفتها وعلماءها. ولا يلبث أن يكوى المفتى دون ذكر اسمه بسياط من الهجاء المقذع من مثل قوله:
«لوقارنه السّعد الأكبر إلى أعلى علّيين، حملته بنات نعش إلى أسفل سافلين، أعمى البصيرة والبصر، عار على آدم أبى البشر، إنما خلق اعتذارا لإبليس فى ترك السجود، وأنّى يقبل له عذر وهو كفور جحود. . وما أحسنه فى زوال النعم، وأقبحه إذا قضى له الدهر بدولة وحكم».
ويختم المقامة بمديح السلطان العثمانى حينذاك. ويذكر بعدها مقامة الغربة راويا لها عن الربيع ابن ريان عن شقيق بن النعمان، وفيها يصور فساد الأمور فى القسطنطينية، ويوجه إلى المفتى المذكور فيها قصيدة هجاء لاذعة. ويتلوها بالمقامة الساسانية، وقد استعار اسمها من الحريرى فى مقامته التاسعة والأربعين، وفيها صور الفقهاء والعلماء فى القسطنطينية كأنهم جميعا أهل كدية واستجداء يتقدمهم المفتى. ويقول قد فقد العلم لولا بقايا شرح الله بهم صدر الدين. ويدعو للدولة العثمانية بالازدهار. ويعارض بالمقامة الرابعة رسالة لرشيد الدين الوطواط المترجم له فى قسم إيران كتبها فيمن كان يزاحمه فى أداته ودواته وعمله فى ديوان الدولة الخوارزمية وفيها يزرى بصاحبه ويحط منه حطا شديدا، ونسج الشهاب الخفاجى على منواله فى صنع هذه المقامة قاصدا بها المفتى خصيمه مسميا له باسم الوزير، وفيها يضع منه ويهجوه هجاء مرا، ويصور قصته معه وأنه سمع قول الوشاة ونفاه ويمثّل به تمثيلا شديدا. والمقامة الخامسة سماها المقامة المغربية، اقترض اسمها من لدن الحريرى وتسميته لمقامته السادسة عشرة بالمقامة المغربية، والشهاب الخفاجى يكثر فى مقامته تلك من بعض الأمثال والأعلام والمقتطفات من الأشعار وبعض أقوال الحكماء والألفاظ الغربية، ولذلك أتبعها بشرح لما استظهره فى المقامة من ذلك كله.
٤ - المواعظ والابتهالات
فرض الإسلام الوعظ فى خطب صلاة الجمعة من كل أسبوع، وفى خطب صلاة العيدين، وكان يتولاهما أئمة المساجد، وأحيانا خلفاء الأمة، واشتهر كثير من الوعاظ نسمع عنهم فى كل بلدة، غير أن المصادر قلما احتفظت بمجاميع من خطبهم إلا ما كان من خطب ابن نباتة خطيب
стр. 3604
سيف الدولة الحمدانى. وطبيعى أن يشتهر بمصر غير واعظ، ويلقانا فى مفتتح هذا العصر أبو الحسن (١) على بن محمد البغدادى المتوفى سنة ٣٣٨ وقد استوطن الفسطاط، وكان له بها مجلس وعظ عظيم. ويستولى المعز لدين الله الفاطمى على مصر، ويؤسس بها الدولة الفاطمية التى ظلت نحو مائتى عام، وكان خطيبا مفوها، وكان يخطب الناس يوم الجمعة بالجامع الأزهر، ولم تحتفظ كتب التاريخ بشئ من خطبه ومواعظه فى القاهرة، وقد احتفظت بخطبة (٢) خطبها عقب وفاة أبيه المنصور فى بلدة المنصورة بالقرب من القيروان، بدأها بأسجاع فى بيان عظمة الله وتحميده وتمجيده. وكان ابنه العزيز يخطب مثله فى الجامع الأزهر حتى إذا بنى الحاكم جامعه أخذ هو ومن جاءوا بعده يخطبون فيه (٣). ويبدو أن الخطب والمواعظ كانت تعدّ لهم-ولمن ينيبونه عنهم من الوزراء-فى ديوان الإنشاء. ويذكر الرواه لابن أبى الشخباء كاتب الدواوين فى زمن المستنصر مجموعة من المواعظ لعلها كانت خطبا أعدّها للخليفة ووزيره بدر الجمالى، وقد اشتهرت فى أيامه ببلاغتها، إذ كان-كما مر بنا فى ترجمته-كاتبا بارعا، ونقتطف قطعة من إحدى خطبه، إذ يقول (٤):
«أيها الناس فكّوا أنفسكم من حلقات الآمال المتعبة، وخففوا ظهوركم من الآصار المستحقبة (٥)، ولا تسيموا (٦) أطماعكم فى رياض الأمانى المتشعّبة، ولا تميلوا صغوكم (٧) إلى زبارج (٨) الدنيا المحبّبة. . أين الجبابرة الماضية المتغلّبة، والملوك المعظّمة المرجّبة (٩) أولو الحفدة (١٠) والحجبة، والزخارف المعجبة، والجيوش الجرّارة اللّجبة (١١). . طرقت-والله- خيامهم غير منتهبة، وأصبحت أظفار المنية من مهجهم قانية (١٢) مختضبة، وأكلت لحومهم هوامّ الأرض السّغبة (١٣)، ثم إنهم مجموعون ليوم لا يقبل فيه عذر ولا معتبة، وتجازى كل نفس
стр. 3605
بما كانت مكتسبة، فإما سعيدة مقرّبة، تجرى من تحتها الأنهار مثوّبة (١)، وإما شقيّة معذّبة، فى النار مكبكبة (٢)».
وقد التزم ابن أبى الشخباء فى موعظته الباء والهاء فى روى أسجاعه، ليعطى للصوت فى أول السجعة وما وراءه من الكلمات والمقاطع الفرصة كى يعلو، ثم ينخفض فجأة آخر السجعة، وكأنما لم تعد فيه بقية من شدة التأثر. وخصائص ابن أبى الشخباء الفنية التى عرضنا لها فى حديثنا عنه واضحة أتم وضوح فى هذه القطعة من الخطبة، فهو يعنى بالتصاوير عناية شديدة، إذ يطلب إلى الناس أن يفكوا أنفسهم من سلاسل الآمال المرهقة ويحطوا عن ظهورهم ذنوبهم المقترفة، ويصرفوا أطماعهم عن رياض الأمانى المتشعبة، ولا تغرنهم زينة الحياة الدنيا. ويدعو الناس إلى العظة بالأمم الخالية والملوك السالفة وما كانوا فيه من ترف ونعيم. كل ذلك زال إلى غير مآب، وذاقوا كئوس الموت دهاقا، وأكلت هوامّ الأرض وحشراتها لحومهم. ويرفع أمام أعين الناس يوم القيامة، يوم الجزاء الأكبر، فإما إلى النعيم وإما إلى الجحيم.
ونمضى إلى زمن الأيوبيين، فيلقانا إبراهيم بن منصور المتوفى سنة ٥٩٦ إمام جامع عمرو بن العاص بالفسطاط وخطيبه، وولى الخطابة بعده ابنه محمد يقول السبكى: «وله ديوان خطب مشهور (٣)». وطبيعى أن الخطابة لزمن الأيوبيين وحروبهم مع الصليبيين كانت تحض بقوة على جهاد أعداء الله والإسلام وبذل المهج والأرواح فى سبيل نصرة دينه الحنيف. ولم تكن خطب الجهاد تلقى فى أيام الجمع فحسب. بل كانت تلقى كلما أريد تجميع الشعب لحمل السيف والسلاح. ويروى المقريزى (٤) أنه حينما علم الفرنج بموت الملك نجم الدين أيوب سنة ٦٤٧ تقدموا من دمياط تجاه المنصورة «فورد كتاب إلى القاهرة من العسكر أوله: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) وكان فى الكتاب مواعظ بليغة فى الحث على الجهاد، فقرئ على منبر جامع القاهرة، وقد جمع الناس لسماعه، فارتجّت القاهرة والفسطاط وضواحيهما وخرج الناس للقاء الصليبيين من المدينتين الكبيرتين ومن سائر الأعمال، فاجتمع عالم عظيم سحق الصليبيين سحقا ذريعا كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.
стр. 3606
ونلتقى فى زمن المماليك بابن المنير (١) الإسكندرى المتوفى سنة ٦٨٣ المتولى قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين، ويقول صاحب فوات الوفيات: «له ديوان خطب». وكان يعاصره أخطب الخطباء قاطبة أيام المماليك ابن دقيق (٢) العيد المتوفى سنة ٧٠٢ علم الأعلام وشيخ الإسلام وقاضى القضاة فى جميع ديار مصر منذ سنة ٦٩٥ إلى وفاته. ويشيد مترجموه بورعه وتقواه، ويقول السبكى: «له ديوان خطب مفرد معروف». وكان شاعرا، ويطيل مترجموه فى ذكر أشعاره، ولا يعرضون شيئا من خطبه ومواعظه إلا موعظة ذكر السيوطى أنه كتب بها إلى قاضى إخميم بالصعيد، وفيها يقول (٣):
«نحمد الله الذى (يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور)، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، ونذكّره بأيام الله (وإن يوما عند ربّك كألف سنة مما تعّدون) ونحذره صفقة من باع الآخرة بالدنيا فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التذكار. وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار، والمقتضى لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم مما يجب للرب على المربوب، . . . وو الله إن الأمر عظيم، والخطب جسيم، ولا أرى. . إلا رجلا نبذ الآخرة وراه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همّه وهمته على حظّ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حب الجاه. . فاتق الله الذى يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فإن المحروم من فضله غير مرحوم. . واجعل أكثر همومك الاستعداد ليوم المعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد فإنه يقول: (فو ربّك لنسألنّهم أجمعين عما كانوا يعملون).
ولعل فى هذه القطعة ما يصور وعظ ابن دقيق العيد فى خطبه وأنه كان يتدفق فيه كالنيل العذب. مما جعل معاصريه يشيدون طويلا برقائق وعظه وكلمه التى كان يخلب بها وبما يضمنها من آى الذكر الحكيم عقول مستمعيه، فيملأ نفوسهم بالإنابة إلى الله. وكان دائما يرفع أمام أعينهم أهوال يوم المحشر يوم تجزى كل نفس بما كسبت وعملت وقدمت، فاذا هم يرتجفون ويبكون بدموع غزار، وقد خشعت قلوبهم وذابت نفوسهم وهلعوا إلى دعاء الله يستغفرونه ويتوبون إليه توبة نصوحا.
стр. 3607
وما يزال السيوطى فى حسن المحاضرة يسوق إلينا أسماء كبار الوعاظ وخاصة بين الصوفية، ومرّ بنا فى الفصل الأول حديث مفصل عن التصوف بمصر وكيف أخذ يزدهر بها منذ عنيت به الدولة فى عهد صلاح الدين، وإنشائه لخانقاه سعيد السعداء. واتسع بناء الخانقاهات بعده فى أيام المماليك، وكانت دورا كبيرة للنسك ودراسة العلوم الدينية على نحو ما يذكرون عن خانقاه سرياقوس التى أنشأها الناصر محمد بن قلاوون، ومرّ حديث مفصل عنها وعن غيرها من الخانقاهات المملوكية. وبنوا بجانبها للصوفية اثنى عشر رباطا. كل ذلك عمل على ازدهار التصوف بمصر منذ القرن السادس الهجرى. وكان كثير من الصوفية يتبعون الطريقتين العراقيتين:
القادرية الجيلانية والرفاعية.
ولم تشع طريقة فى العالم الإسلامى إلا كان لها فروع وأتباع فى مصر، وأخذت تؤسّس بها طرق مشهورة فى مقدمتها الطريقة الشاذلية المنسوبة إلى مؤسسها أبى الحسن الشاذلى المتوفى سنة ٦٥٦ وسنخصه بترجمة قصيرة. وتلتها سريعا الطريقة البرهامية نسبة إلى إبراهيم (١) الدسوقى المتوفى سنة ٦٧٢ بدسوق بالقرب من رشيد، وهو من ذرية على بن أبى طالب، والطريقة الأحمدية نسبة إلى أحمد (٢) البدوى المتوفى سنة ٦٧٥ بطنطا وهو أيضا سليل على بن أبى طالب.
وكان لكل طريقة ورد خاص تردده، كله ابتهالات إلى الله ومناجيات وأدعية، وكثرت على ألسنة المتصوفة هذه الأدعية والمناجيات والابتهالات والأوراد، وسنعرض لهذا الحانب عند أبى الحسن الشاذلى فى ترجمته. ونسوق قطعة من ورد أو حزب إبراهيم الدسوقى، يقول مناجيا ربه:
«بأسمائك يا رب العالمين. بالسموات القائمات، فهن بالقدرة واقفات، بالسّبع المتطابقات، بالحجب المترادفات، بمواقف الأملاك (الملائكة) فى مجارى الأفلاك. بالكرسى البسيط، بالعرش المحيط. . اللهم احرسنى من كيد الفاسق، ومن سطوة المارق، ومن لدغة المنافق».
وكان يعاصر الدسوقى والبدوى أبو العباس (٣) المرسى المتوفى سنة ٦٨٦ تلميذ أبى الحسن
стр. 3608
الشاذلى، وهو أندلسى من مرسية، ولد بها سنة ٦١٦ للهجرة، وفى الرابعة والعشرين من سنّه خرج إلى الحج، وفى طريقه توقف بتونس، وفيها تعرف على الصوفى الكبير أبى الحسن الشاذلى، وأصبح أقرب أتباعه ومريديه إليه، حتى إذا رحل إلى الاسكندرية سنة ٦٤٢ رحل معه. وكان لا يبرح مجلسه، وزوّجه ابنته، وأعلن إلى أتباعه فى جامع العطارين بالإسكندرية أنه خليفته، وكان يتقن العلوم الشرعية، ويدرّسها هى وبعض كتب الصوفية، وأقبل على دروسه الطلاب.
واستأذن شيخه فى السفر إلى القاهرة للتدريس بمساجدها ونشر طريقته بها، فأذن له، وكان يلقى دروسه فى الجامع العتيق: جامع عمرو بن العاص وجامع المقس ويسمى الآن جامع أولاد عنان بالقرب من محطة باب الحديد. وكانت حلقته فى الجامعين تزدحم بالطلاب والعلماء. وتوفى أستاذه سنة ٦٥٦ فخلفه على الطريقة، وكان أكثر مقامه بالإسكندرية، ومن حين إلى حين ينزل القاهرة، ناشرا هنا وهناك الطريقة الشاذلية، ولتلميذه ابن عطاء الله كتاب قصره عليه وعلى أستاذه الشاذلى سماه «لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وشيخه أبى الحسن» ويعد جامعه اليوم أكبر جوامع الإسكندرية، ويورد ابن عطاء الله كثيرا من أقواله، كما يورد له وردا أو حزبا نقتطف من ابتهالاته وأدعيته قوله (١):
«اللهم إنا نسألك الخوف منك والرجاء فيك، والمحبة لك، والشوق إليك، والأنس بك، والرضا منك، والطاعة لأمرك، على بساط مشاهدتك، ناظرين منك إليك، وناطقين بك عنك. . اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية والإخلاص والخشوع والهيبة والحياء والمراقبة ونور اليقين والعلم والمعرفة والحفظ والعصمة والنشاط والقوة والستر والمغفرة والفصاحة والبيان والفهم فى القرآن وخصّنا منك بالمحبة. . وآتنا العلم اللدنىّ والعمل الصالح والرزق الهنىّ على بساط علم التوحيد والشرع. . وسخّر لى الرزق واعصمنى من تعلق الهمة به ومن الذل للخلق بسببه. . وهب لى لسانا لا يفترعن ذكرك وقلبا يسمع بالحق منك. . وبغّض لنا الدنيا وحبّب لنا الآخرة. . اللهم لا تعذبنا بإراداتنا وحب شهواتنا فنشتغل أو نحجب أو نفرح بوجود مرادنا أو نحزن أو نسخط. . وأنت أعلم بقلوبنا فارحمنا بالنعيم الأكبر والمزيد الأفضل والنور الأكمل».
стр. 3609
والورد طويل ويتخلله كثير من الآيات القرآنية، وهو مناجاة روحية صافية للذات العلية.
ويتضح فيه كيف تجمع الطريقة الشاذلية بين علم الشريعة وعلم الحقيقة الصوفية، ولعل ذلك ما جعلها تشدّد على أتباعها فى أن لا يلبسوا المرقّعات وأن لا يسألوا الناس شيئا مما فى أيديهم من مال أو غذاء مع الاعتماد على النفس فى كسب القوت عن طريق التجارة والزراعة وغيرهما. وبذلك وصلت بين أتباعها والحياة والشريعة، وسنخص ابن عطاء الله تلميذ أبى العباس المرسى بترجمة قصيرة. ومن متصوفة مصر المعاصرين لأبى العباس عبد العزيز (١) الدّميرىّ الدّيرينىّ، ولد بقرية دميرة بالقرب من دمياط سنة ٦١٢ وتوفى بديرين فى الصعيد سنة ٦٩٤ وكان يتجول فى ريف مصر شمالا وجنوبا، وكان فقيها شافعيا، ونظم كتاب التنبيه لأبى إسحاق الشيرازى، ونظم سيرة نبويّة، وكان له تفسير فى مجلدين. وكان متقشّفا مخشوشنا، وله فى التصوف كتاب «طهارة القلوب فى ذكر علام الغيوب» وهو يمتلئ بمناجيات إلهية بديعة من مثل قوله:
«إلهى، عرّفتنا بربوبيّتك، وغرّقتنا فى بحار نعمتك، ودعوتنا إلى دار قدسك، ونعّمتنا بذكرك وأنسك.
إلهى، إن ظلمة ظلمنا لأنفسنا قد عمّت، وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمّت، فالعجز شامل، والحصر (٢) حاصل، والتسليم أسلم، وأنت بالحال أعلم.
إلهى، ما عصيناك جهلا بعقابك، ولا تعرّضا لعذابك، ولكن سوّلت (٣) لنا نفوسنا، وأعانتنا شقوتنا، وغرّنا سترك علينا، وأطمعنا فى عفوك برّك بنا، فالآن من عذابك من يستقذنا؟ وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنا؟ واخجلتنا من الوقوف غدا بين يديك، وافضيحتنا إذا عرضت أعمالنا القبيحة عليك.
اللهم اغفر ما علمت، ولا تهتك ما سترت.
إلهى، إن كنا عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل، حيث علمنا أن لنا ربّا يغفر الذنوب ولا يبالى».
وهى مناجاة لله بديعة صافية كل الصفاء نقية كل النقاء، مناجاة تنبئ عن قصور العبد وتعلقه
стр. 3610
بربه وطمعه فى غفرانه وعفوه إذ يرى كل صلاته ونسكه وعبادته وكل ما قدم يقصر عن حق إلهه.
ويروى السبكى مناجاة لصوفى شاذلى من صوفية القرن الثامن هو شمس (١) الدين بن اللبان محمد ابن أحمد المتوفى سنة ٧٤٩ وقد أخذ الطريقة الشاذلية عن ختنه (والد زوجته) ياقوت العرشى تلميذ أبى العباس المرسى، ويقول السبكى إنه نقل مناجاته عن كتابه «المتشابه فى الربانيات» وهى تطرد على هذا النمط.
«الهى! جلّت عظمتك أن يعصيك عاص، أو ينساك ناس، ولكن أوحيت روح أوامرك فى أسرار الكائنات، فذكرك الناسى بنسيانه، وأطاعك العاصى بعصيانه، وإن من شئ إلا يسبّح بحمدك، إن عصى داعى إيمانه فقد أطاع داعى سلطانك، ولكن قامت عليه حجّتك، ولله الحجّة البالغة: (لا يسال عما يفعل وهم يسألون).
ويبدو أن كتاب المتشابه فى الربانيات كان شطحات كثيرة على نحو ما نرى الآن من قوله: إن العاصى يطيع الله بعصيانه وإنه إن عصى داعى إيمانه فقد أطاع داعى سلطانه، فكيف يعد العاصى لله مطيعا له؟ وإذن لا يكون فى الدنيا عاص ومطيع. ولذلك يقول السبكى إن هذه المناجاة مما أخذ عليه. ويقول ابن حجر: ضبطت عليه كلمات على طريق الاتحادية القائلين بالحلول، كما يقول إن له كتابا على لسان الصوفية، فيه من إشارات الصوفية القائلين بالوحدة، وهو فى غاية الحلاوة لفظا وفى المعنى سم قاتل.
وكان يعاصره يوسف (٢) بن عبد الله العجمى الكردىّ المصرى الدار المتوفى سنة ٧٦٨ وقد دفن بزاويته بقرافة مصر. ويقول ابن حجر: «له زوايا فى عدة بلاد». ويصفه ابن تغرى بردى بقوله: «الإمام العالم المسلّك الصوفى العارف بالله تعالى المعتقد. . وقبره يقصد للزيارة، كان شيخا حقيقة ومقتدى طريقة، كان إمام المسلّكين (آخذى العهود على المريدين) فى عصره وله رسالة فى التصوف سماها «ريحان القلوب والتوصل إلى المحبوب». ومن هذه الرسالة مخطوطتان بدار الكتب المصرية وقد ذكر فيها شرائط التوبة ولبس الخرقة أو المرقعة الصوفية وتلقين الذكر. . ويقول ابن تغرى بردى: انتفع بصحبته جماعة من العلماء والصلحاء والفقهاء، وكان