﴿مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»﴾. وتردّد هذا المعنى فى الذكر الحكيم هو الذى يجعلنا نشك فى هذه القصيدة، ونعتقد اعتقادا أنها نظمت فى العصور الإسلامية على هدى التنزيل العزيز، ويدل على ذلك دلالة قاطعة أننا نحس إزاء بعض أبياتها أنها نظم مباشر لبعض آى القرآن الكريم مثل:
ليت شعرى! وأشعرنّ إذا ما ... قيل إقرأ عنوانها وقريت (١)
وأصل هذا البيت قوله تعالى فى سورة الإسراء: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً، اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»﴾ وعلى هذه الشاكلة:
ميت دهر قد كنت ثم حييت ... وحياتى رهن بأن سأموت
فإن البيت ترديد لمثل قوله سبحانه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»﴾.
والحق أن الشعر المضاف إلى يهود الجاهلية من أمثال السموأل ينبغى أن نحذر منه، وخاصة حين يعلى من أخلاقهم ويسمو بها، أو حين يندمج فى بعض ما يردده القرآن الكريم من أفكار ومعان لم تكن معروفة قبله، ولعله من أجل ذلك لم يرو المفضل الضبى فى مفضلياته شعرا ليهودى، وكأنه لم يثبت عنده شعر لهم.
وإذا كان العرب الشماليون فى الجاهلية استشعروا البغضاء لليهود فلم يتهود منهم أحد، فإنهم لم يحسوا نفس الإحساس إزاء النصرانية والنصارى، وإن ظلوا فى الجملة يحتفظون بدينهم الوثنى ويرون فيه رمز استقلالهم وسيادتهم، وأنه ينبغى أن لا تتخطفهم الديانات من حولهم. وقد كانت المسيحية أمامهم فى الشام دينا للدولة، ودخل فيها الغساسنة كما قدمنا فى غير هذا الموضع، وكانت منتشرة بين الآراميين فيما بين النهرين بالعراق، واعتبقها اللخميون فى أواخر القرن
стр. 387
السادس للميلاد، وكانت منتشرة قبل اعتناقهم لها فى جمهور عربى من سكان الحيرة سمى بالعباديين، وتشير الكلمة التى سموا بها، إلى أنهم عباد الله، وكانوا أخلاطا من قبائل شتى. وقد انتشرت فى الجنوب بنجران فكانت مركزا مهمّا من مراكزها، كما انتشرت فى القبائل الشمالية والشرقية مثل قضاعة وكلب وطيئ وبكر وتغلب وتنوخ وتميم، ويزعم اليعقوبى أن نفرا من مكة تنصروا قبيل الإسلام (١). وكل ذلك معناه أن المسيحية كانت منبثة فى الجزيرة وأن كثيرين من العرب الجاهليين دخلوا فيها، ويتردد عند شعرائهم الوثنيين ذكر الراهب المسيحى، وكأنه كان شخصية شعبية معروفة للجميع.
وأشهر شعراء المسيحية فى الجاهلية عدىّ بن زيد (٢) شاعر الحيرة المشهور، وهو من العباديين ومن بيت شريف من بيوتهم النصرانية، خدم أبوه فى دواوين الفرس وفى دواوين المناذرة بالحيرة، ولما أيفع ابنه عدى عنى بتربيته وتأديبه على الطريقة الفارسية، فكان يحسن لغة الفرس كما كان يحسن لغة العرب، وتعلّم الرمى بالنشّاب ولعب العجم على الخيل بالصّوالجة. ولم يلبث أن التحق بديوان كسرى أبرويز بن هرمز (٥٩٠ - ٦٢٨ م) وعهد إليه فيه بالشئون العربية، ويقال إن كسرى أرسله إلى ملك الروم فى بيزنطة بهدية، فلما أتاه بها أكرمه.
وفى أثناء عودته مر بدمشق وهناك انطلق لسانه بالشعر. وعاد إلى الحيرة فوجد أباه قد توفى. وظل مدة متنقلا بين الحيرة والمدائن، وما نلبث أن نرى الأمور تفسد بينه وبين النعمان أبى قابوس، مع أنهم يقولون إنه لعب دورا فى توليته على الحيرة بعد أبيه دون بقية إخوته. ويقال إن الذى أفسد ما بينهما بعض بنى مرينا، إذ زعموا للنعمان أنه يقول إنه عامله وإنه هو الذى ولاه ما ولاّه. فاضطغن عليه النعمان، وانتهز فرصة مجيئه من لدن كسرى ذات مرة، وأمر بحبسه، ولم يجده عنده استعطافه ولا ما نظمه فيه من أشعار. وعلم كسرى فكتب إلى النعمان يأمره
стр. 388
بإطلاقه، غير أن الرسول وجد عديّا قد مات فى سجنه مختنقا. وغضب كسرى حين علم بذلك على النعمان غضبا شديدا، وربما كان هذا الغضب أهم الأسباب فى قضائه عليه كما مر بنا فى غير هذا الموضع.
وأهم الموضوعات التى يدور فيها شعر عدىّ الخمر، وذكر الموت والفناء، وهو فى الموضوع الأول يعد أبا لشعراء الخمر فى الجاهلية من مثل الأعشى، ثم لمن ظهروا فى العصور الإسلامية بعد ذلك من مثل الوليد بن يزيد وأبى نواس. وفى أخبار الوليد أنه كان من ندمائه القاسم بن الطويل العبادى، وكان أديبا ظريفا شاعرا، وكان لا يصبر عنه. ونظن ظنا أنه هو الذى وصله بشعر عدى، إذ كان يرويه له ويغنّى فيه معبد وغيره من المغنين بمثل هذا الصوت (١):
بكر العاذلون فى وضح الصّب ... ح يقولون لى ألا تستفيق
لست أدرى وقد جفانى خليلى ... أعدوّ يلومنى أم صديق
ثم قالوا ألا اصبحونا فقامت ... قينة فى يمينها إبريق (٢)
قدّمته على عقار كعين ال ... دّيك صفّى سلافها الرّاووق (٣)
وواضح أن الأبيات من نفس الألحان والأنغام المعروفة للوليد ومن جاوا بعده من شعراء الخمريات، وكأن القاسم العبادى هو الذى وجه الوليد ليحتذى فى خمرياته على أسلوب عدى وليجرى فى طريقته.
ويروى الرواة لعدى بجانب شعره فى الخمر أشعارا فى الفناء وزوال الحياة، وهى تأخذ عنده أسلوبين: أسلوبا يتحدث فيه عن الحياة والموت وأن الدنيا غير باقية، وأسلوبا قصصيّا يتخذ فيه من التاريخ وهلاك الملوك والأوائل وسيلة إلى العظة والعبرة. ومن الأسلوب الأول قوله على لسان المقابر (٤):
من رآنا فليحدّث نفسه ... أنه موف على قرن زوال (٥)
وصروف الدّهر لا يبقى لها ... ولما تأتى به صمّ الجبال
стр. 389
ربّ ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزّلال (١)
عمّروا دهرا بعيش حسن ... آمنى دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودى بالرجال
وكذاك الدهر يرمى بالفتى ... فى طلاب العيش حالا بعد حال
فالدنيا إلى زوال وكلّ من عليها فان، حتى صمّ الجبال، ولا يغرنك ما يغرق فيه بعض الناس من ترف ونعيم، فعمّا قليل يعصف بهم الدهر كما عصف بمن قبلهم. ومن الأسلوب الثانى قوله (٢):
أيّها الشامت المعيّر بالدّهر ... أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام ... بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير (٣)
أين كسرى: كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... رّوم لم يبق منهم مذكور
ويستمر فى ذكر ملوك مختلفين شيدوا قصورا شامخة، وانتهى أمرهم إلى الفناء، وطوتهم الحفر والقبور كأن لم يكونوا شيئا مذكورا، إلى أن يقول:
ثم بعد الفلاح والملك والإمّ ... ة وارتهم هناك القبور (٤)
ثم صاروا كأنهم ورق ... جفّ فألوت به الصّبا والدّبور (٥)
ويكثر البحترى فى حماسته من إنشاد مثل هذه الأبيات لعدى بن زيد التى يتحدث فيها عن الحياة والموت ومصير الملوك السابقين. ونحن لا نطمئن إلى كل هذه الأشعار، بل نقف منها موقفنا من نظيرها عند الأعشى، فإن القصّاص والوعاظ على ما يظهر أضافوا إليه أشعارا كثيرة. ولعل ذلك ما جعل اللغويين
стр. 390
يرفضون الاستشهاد بشعره، ولاحظ ابن سلام كثرة الوضع عليه فقال: «عدى بن زيد كان يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شئ كثير وتخليصه شديد (١)». وأكبر الظن أن هذا هو السبب فى أن المفضل والأصمعى لم يثبتا له فى مجموعتيهما شيئا من شعره. وقد قلنا فى غير هذا الموضع إنه لا يفصح فى شعره عن فكرة التثليث المسيحية، وينبغى أن لا نغلو فى فهم مسيحية أمثال عدى فى الجاهلية، فإنها لم تكن تتعمق نفوسهم، وإن كان من المؤكد أنها أثرت فيهم، بل لقد سقط منها تأثيرات إلى الشعراء الوثنيين فرأيناهم يذكرون أحيانا الرهبان والنواقيس ومحاريب الكنائس أو قد يذكرون بعض الأنبياء مما جعل لويس شيخو يسلك أكثر شعراء الجاهلية فى النصرانية، وهو مخطئ فى ذلك خطأ بينا.
وربما كان أهم شاعر جاهلى وثنى ظهر عنده واضحا التأثر بأهل الكتاب أمية (٢) ابن أبى الصلت الثّقفى، وهو من الطائف ويقال إنه اتصل بالأحبار وتحنّف ولبس المسوح وتنسّك. وكان يزور مكة قبل البعثة، وله مدائح فى سيد من سادتها المشهورين هو عبد الله بن جدعان، الذى يقول له فى بعض مديحه (٣):
أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إن شيمتك الحياء
كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء
وأرضك كلّ مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لهم سماء (٤)
ويقول أيضا (٥):
عطاؤك زين لامرئ قد حبوته ... بخير، وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك، كما بعض السؤال يشين
ولما بعث رسول الله ﷺ إلى قومه أضلّه الله فعاداه، وزيّن له الشيطان سوء عمله وأغواه، فلم يسلم، بل أخذ فى معاندة الرسول ومحادّته بلسانه،
стр. 391
ولما هزمت قريش فى موقعة بدر هزيمتها المشهورة، فقتل كثير من رجالها وسادتها حزّ ذلك فى نفسه، فناح على قتلاها بقصيدة طويلة يقول فيها (١):
ماذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح (٢)
هلاّ بكيت على الكرا ... م بنى الكرام أولى الممادح
وجمع له شولتهس Schulthess مجموعة من أبياته ترجمها إلى الألمانية ونشرها فى ليبزج سنة ١٩١١ وفى سنة ١٩٣٦ نشر له بشير يموت فى بيروت صائفة من أشعاره باسم ديوان أمية. وتدور هذه الأشعار فى موضوعين أساسيين أما الموضوع الأول فيتحدث فيه عن خلق السموات والأرض ونشأة الكون مستدلا بذلك على وجود الله، ومتحدثا عن الموت والفناء والبعث والنشور والعذاب والثواب على شاكلة قوله (٣):
إله العالمين وكل أرض ... وربّ الراسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعا شدادا ... بلا عمد يرين ولا رحال (٤)
وسوّاها وزيّنها بنور ... من الشمس المضيئة والهلال
ومن شهب تلألأ فى دجاها ... مراميها أشدّ من النّصال (٥)
وشقّ الأرض فانبجست عيونا ... وأنهارا من العذب الزّلال (٦)
وكلّ معمّر لا بدّ يوما ... وذى دنيا يصير إلى زرال
ويفنى بعد جدّته ويبلى ... سوى الباقى المقدّس ذى الجلال
وسيق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنّكال (٧)
فنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجّوا فى سلاسلها الطّوال (٨)
стр. 392
فليسوا ميّتين فيستريحوا ... وكلهم بحرّ النار صال
وحلّ المتقون بدار صدق ... وعيش ناعم تحت الظلال
وهذه المعانى تستمد من القرآن الكريم بصورة واضحة، وأسلوبها ضعيف واهن، ولذلك كنا نظن ظنّا أنها وما يماثلها مما نحل على أمية. والموضوع الثانى الذى يدور فيه شعره ليس أقل من الموضوع الأول اتهاما، بل لعل الاتهام فيه أوضح، إذ نراه يقص علينا سير الأنبياء قصصا لا يكاد يفترق فى شئ عما جاء فى القرآن الكريم كقوله فى رؤية إبراهيم أنه يذبح ابنه إسماعيل وما كان من افتدائه بذبح عظيم (١):
ولإبراهيم الموفّى بالنّذ ... ر احتسابا وحامل الأجزال (٢)
بكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه فى معشر أقتال
يا بنىّ أنّنى نذرتك لله ... شحيطا فاصبر فدى لك حالى (٣)
فأجاب الغلام: أن قال فوه ... كلّ شئ لله غير انتحال
فاقض ما قد نذرت لله واكفف ... عن دمى أن يمسّه سربالى (٤)
بينما يخلع السّرابيل عنه ... فكّه ربّه بكبش جلال (٥)
قال: خذه وأرسل ابنك إنّى ... للذى إن فعلتما غير قال
وواضح أن هذا شعر ركيك ساقط الأسلوب نظمه بعض القصاص والوعاظ فى عصور متأخرة عن الجاهلية. وقد ذهب هيار يزعم حين اطلع على هذا القسم من شعر أمية أنه اكتشف فيه مصدرا من مصادر القرآن الكريم (٦)، ولو كان له علم بالعربية وأساليب الجاهليين لعرف أنه وقع على أشعار منتحلة بينة الانتحال، ولما تورط فى هذا الخطأ البيّن، وقد رد عليه غير واحد من المستشرقين (٧). ويظهر
стр. 393
أن الانتحال على أمية قديم، ففى ابن سلام أن الحسن بن على بن أبى طالب استنشد النابغة الجعدىّ بعض شعره، فأنشده قصيدته:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
فقال له: «يا أبا ليلى ما كنا نروى هذه الأبيات إلا لأمية بن أبى الصلت، قال: يا بن رسول الله! والله إنى لأول الناس قالها (١)» وكأن اختلاطا حدث بين شعر النابغة الجعدى وأمية. ومما نحلوا أمية من قديم أيضا أشعار مختلفة فى قصص الحيوان والطير وبعض الزواحف كالحيات، ويشركه عدى فى بعض هذه الجوانب، وكأن القصاص والوعاظ أجروا على لسانهما كثيرا من الشعر الذى أرادوا به إلى العظة والاعتبار، وإنما نقول إنهم نحلوهما ذلك من قديم، لأننا نجد الجاحظ ينشد لهما أشعارا كثيرة فى هذا الاتجاه (٢).
وواضح مما قدمناه أن ما روى من أشعار على ألسنة اليهود ومن تنصّر من العرب فى الجاهلية وكذلك من تحنّف كأمية دخله وضع كثير، ولذلك ينبغى أن نحترس منه وأن لا نتسع فى الحكم عن طريقه على ديانات القوم ومعتقداتهم، إذ يجرى فيه الانتحال، وقد دخله كثير من الغثاء والإسفاف فى اللفظ والتعبير.
стр. 394
الفصل الثانى عشر
النثر الجاهلى
١ - صور النثر الجاهلى
حين نتحدث عن النثر الجاهلى ننحّى النثر العادىّ الذى يتخاطب به الناس فى شئون حياتهم اليومية، فإن هذا الضرب من النثر لا يعدّ شئ منه أدبا إلا ما قد يجرى فيه من أمثال، إنما الذى يعدّ أدبا حقّا هو النثر الذى يقصد به صاحبه إلى التأثير فى نفوس السامعين والذى يحتفل فيه من أجل ذلك بالصياغة وجمال الأداء، وهو أنواع، منه ما يكون قصصا وما يكون خطابة وما يكون رسائل أدبية محبّرة.
ويسمّى بعض الباحثين النوع الأخير باسم النثر الفنى.
وليس بين أيدينا وثائق جاهلية صحيحة تدل على أن الجاهليين عرفوا الرسائل الأدبية وتداولوها، وليس معنى ذلك أنهم لم يعرفوا الكتابة، فقد عرفوها، غير أن صعوبة وسائلها جعلتهم لا يستخدمونها فى الأغراض الأدبية الشعرية والنثرية، ومن ثم استخدموها فقط فى الأغراض السياسية والتجارية (١). ولا ينقض ذلك ما جاء فى السيرة النبوية من أن سويد بن الصامت قدم مكة حاجّا أو معتمرا. . فتصدّى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى، فقال له رسول الله ﷺ : وما الذى معك؟ قال: مجلّة لقمان، فقال له رسول الله ﷺ : اعرضها علىّ، فعرضها عليه؛ فقال له: إن هذا لكلام حسن. والذى معى أفضل من هذا: قرآن أنزله الله علىّ: هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله القرآن، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن (٢). .»
стр. 395
وهذا الخبر إنما يفيد أنه كان عندهم صحيفة بها بعض أمثال وحكم مما كانوا ينسبونه إلى لقمان، ووجود مثل هذه الصحيفة لا يدل على أنهم استخدموا الكتابة فى التعبير عن وجدانهم نثرا وشعرا، فقد كانت محدودة الانتشار بينهم، ومن التعسف أن نزعم ذلك لمجرد الظن، بينما تنقصنا أو تعوزنا النصوص الحسية. وإذا كنا نفتقد الأدلة المادية على وجود رسائل أدبية فى العصر الجاهلى فمن المحقق أنه وجدت عندهم ألوان مختلفة من القصص والأمثال والخطابة وسجع الكهان. ومن المؤكد أنهم كانوا يشغفون بالقصص شغفا شديدا. وساعدتهم على ذلك أوقات فراغهم الواسعة فى الصحراء، فكانوا حين يرخى الليل سدوله يجتمعون للسمر، وما يبدأ أحدهم فى مضرب من مضارب خيامهم بقوله: كان وكان، حتى يرهف الجميع أسماعهم إليه، وقد يشترك بعضهم معه فى الحديث، وشباب الحى وشيوخه ونساؤه وفتياته المخدرات وراء الأخبية كل هؤلاء يتابعون الحديث فى شوق ولهفة.
ومن غير شك كان يفيض القصّاص على قصصه من خياله وفنه، حتى يبهر سامعيه، وحتى يملك عليهم قلوبهم فيحولهم من الشفقة إلى محبة الانتقام ومن الضحك إلى الجدّ، وعيونهم تلمع فى وجوههم السمر وقلوبهم تخفق من آن إلى آن. وليس بين أيدينا شئ من أصول هذا القصص الذى كان يدور بينهم، غير أن اللغويين والرواة فى العصر العباسى دونوا لنا ما انتهى إليهم منه. وطبيعى أن تتغير وتتحرّف أصوله فى أثناء هذه الرحلة الطويلة التى قطعتها من العصر الجاهلى إلى القرن الثانى الهجرى، وإن كان من الحق أنها لا تزال تحتفظ بكثير من سمات القصص القديم ولا تزال تنبض بروحه وحيويته.
ويمكننا بواسطة ما دوّنه العباسيون أن نعرف ألوان هذا القصص الذى كانوا يتناقلونه بينهم، وربما كان أكثر هذه الألوان شيوعا على ألسنتهم أيامهم وحروبهم وما سجّله أبطالهم فيها من انتصارات مروّعة وما منيت به بعض قبائلهم من هزائم منكرة.
وقد ظلوا يقصّون هذه الأيام والحروب إلى أن تناولها منهم لغويّو القرن الثانى للهجرة ورواته، فدونوها تدوينا منظما على نحو ما هو معروف عن أبى عبيدة فى شرحه لنقائض جرير والفرزدق، وتوالى من بعده التأليف فيها والعناية بها على نحو ما تقدم فى غير هذا الموضع.
стр. 396
وكانوا يقصون كثيرا عن ملوكهم من المناذرة والغساسنة ومن سبقوهم أو عاصروهم مثل ملوك الدولة الحميرية ومثل الزبّاء، مما نجده مبثوثا فى تاريخ الطبرى وفى السيرة النبوية لابن هشام، وسقط من ذلك كثير إلى أبى الفرج فى أغانيه. ومن المحقق أن كثيرا من هذا القصص يخالف التاريخ الحقيقى لهؤلاء الملوك، على نحو ما هو معروف عن قصة الزباء، فإنها لا تتفق فى شئ ووثائق التاريخ الرومانى الصحيحة (١) حتى اسمها وهو زنوبيا Zcnobia حرّف إلى الزباء، وربما جاء هذا التحريف من أن أباها كان يدعى زباى، فنسبوها إليه وقالوا بنت زباى، ومع مر الزمن حذفوا كلمة بنت، وأبدلوا الياء المتطرفة بعد الألف حسب قواعدهم الصرفية همزة، وأدخلوا على الاسم أداة التعريف فأصبح الزباء.
وعلى نحو ما كانوا بقصّون عن ملوكهم وأبطالهم كانوا يقصّون عن ملوك الأمم من حولهم وشجعانهم، يدل على ذلك ما جاء فى السيرة النبوية من أن النّضر بن الحارث كان من شياطين قريش وممن كان يؤذى رسول الله ﷺ وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا، فذكّر فيه بالله، وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه فى مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه. فهلم إلى، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار (٢)».
ومما لا ريب فيه أنهم كانوا يقصون كثيرا عن كهّانهم وشعرائهم وسادتهم، وهو قصص استمدت منه كتب التاريخ وللشعر والأدب معينا لا ينضب من الأخبار، وارجع إلى تراجم صاحب الأغانى فستراها تحفل بمادة غنية من القصص، وقد بثوا فيها غير قليل من قصص الهوى. كقصة المرقّش الأكبر وصاحبته أسماء بنت عوف، وما كان من عشقه لها وهو غلام ومحاولته خطبتها من أبيها. واعتذار الأب له بحداثة سنه وأنه لم يعرف بعد بشجاعة. وما كان من انطلاق المرقّش إلى بعض الملوك ومديحه له وبقائه عنده زمنا، وفى هذه الأثناء أصاب عوفا زمان شديد،
стр. 397
فأتاه رجل من مراد، فأرغبه فى المال، فزوجه ابنته على مائة من الإبل، ورحل بها إلى أهله. وقال إخوة المرقّش لا تخبروه بخبرها حين يرجع، بل قولوا له إنها ماتت، وذبحوا لذلك كبشا، أكلوا لحمه ودفنوا عظامه. فلما قدم المرقش قالوا له إنها ماتت. ولم يلبث أن عرف الحقيقة بعد أن ظل مدة يعود قبر الكبش ويزوره.
وخرج المرقش يطلب أسماء، وبعد مغامرات يتعرف على راعى زوجها، ويتوسل إليه أن يحدثها عنه، فيقول له: إنى لا أستطيع أن أدنو منها، ولكن تأتينى جاريتها كل ليلة، فأحلب لها عنزا، فتأتيها بلبنها. فقال له مرقش: خذ خاتمى هذا، فإذا حلبت فألقه فى اللبن، فإنها ستعرفه، وإنك مضيب بذلك خيرا لم يصبه راع قط إن أنت فعلت ذلك. فأخذ الراعى الخاتم. ولما راحت الجارية بالقدح وحلب لها العنز طرح الخاتم فيه، فانطلقت الجارية به وتركته بين يدى أسماء.
فلما سكنت الرّغوة أخذته فشربته، وكذلك كانت تصنع. فقرع الخاتم ثنيّتها، فأخذته واستضاءت بالنار، فعرفته، فقالت للجارية: ما هذا الخاتم؟ قالت:
مالى به علم. فأرسلتها إلى مولاها وهو بنجران، فأقبل فزعا، فقال لها: لم دعوتنى؟ قالت له: ادع عبدك راعى غنمك، فدعاه، فقالت: سله أين وجد هذا الخاتم، قال: وجدته مع رجل فى كهف خبّان، فقال لى: اطرحه فى اللبن الذى تشربه أسماء، فإنك مصيب به خيرا، وما أخبرنى من هو، ولقد تركته بآخر رمق. فقال لها زوجها: وما هذا الخاتم؟ قالت: خاتم مرقّش، فأعجل الساعة فى طلبه. فركب فرسه وحملها على فرس آخر وسارا حتى طرقاه من ليلتهما، فاحتملاه إلى أهلهما، فمات عند أسماء وقال قبل أن يموت:
سرى ليلا خيال من سليمى ... فأرّقنى وأصحابى هجود
فبتّ أدير أمرى كلّ حال ... وأذكر أهلها وهم بعيد
سكنّ ببلدة وسكنت أخرى ... وقطّعت المواثق والعهود
فما بالى أفى ويخان عهدى ... وما بالى أصاد ولا أصيد
ثم مات فدفن فى أرض مراد (١).
стр. 398
ولم نسق هذه القصة مؤمنين بأنها نفس قصة المرقش التى دارت فى الجاهلية بلغتها وبجميع تفاصيلها، ولكنا سقناها لندل بطوابعها على صورة أمثالها فى الجاهلية، وما كان يتيح القصّاص لمثلها من عناصر التشويق، تارة بما يضيف إلى القصة من خياله، وتارة بما يضيف إليها من أشعار، وقد يضيف إليها أمثالا، على نحو ما نعرف فى قصة الزبّاء، وهى تتضمن عند الضبى اثنى عشر مثلا (١).
وإذا صح ما ذهب إليه بروكلمان من أن تعرف أحد العاشقين على الآخر عن طريق الخاتم شائع فى كثير من الحكايات عند أمم غير العرب (٢) كان معنى ذلك أن قصص الجاهليين حتى فى الحب تسربت إليه عناصر من حكايات العشق المماثلة عند الأمم الأجنبية. ويدخل فى هذا الجانب بعض خرافاتهم عن الحيوانات التى يلتقون فيها بخرافات الأجانب (٣)، كخرافة الحية والفأس، وقد رواها الضبى على هذه الشاكلة (٤):
«زعموا أن أخوين كانا فيما مضى فى إبل لهما، فأجدبت بلادهما، وكان قريبا منهما واد فيه حية، قد حمته من كل أحد، فقال أحدهما للآخر: يا فلان لو أنى أتيت هذا الوادى المكلئ، فرعيت فيه إبلى وأصلحتها، فقال له أخوه:
إنى أخاف عليك الحية، ألا ترى أن أحدا لم يهبط ذاك الوادى إلا أهلكته، قال:
فو الله لأهبطنّ. فهبط ذلك الوادى، فرعا إبله به زمانا، ثم إن الحية لدغته، فقتلته. فقال أخوه: ما فى الحياة بعد أخى خير، ولأطلبن الحية فأقتلها أو لأتبعنّ أخى. فهبط ذلك الوادى، فطلب الحية ليقتلها، فقالت: ألست ترى أنى قتلت أخاك، فهل لك فى الصلح، فأدعك بهذا الوادى، فتكون به، وأعطيك ما بقيت دينارا فى كل يوم. قال: أفاعلة أنت؟ قالت: نعم، قال: فإنى أفعل. فحلف لها وأعطاها المواثيق، لا يضيرها. وجعلت تعطيه كل يوم دينارا، فكثر ماله ونمت إبله، حتى كان من أحسن الناس حالا. ثم إنه ذكر أخاه، فقال: كيف ينفعنى العيش، وأنا أنظر إلى قاتل أخى فلان؟ . فعمد إلى فأس، فأحدّها، ثم قعد لها، فمرت به، فتبعها، فضربها فأخطأها، ودخلت الجحر، فرمى الفأس بالجبل فوقع فوق جحرها، فأثر فيه. فلما رأت ما فعل قطعت عنه
стр. 399
الدينار الذى كانت تعطيه. ولما رأى ذلك تخوّف شرها وندم، فقال لها: هل لك فى أن نتواثق (نتعاهد) ونعود إلى ما كنا عليه، فقالت: كيف أعاهدك؟ وهذا أثر فأسك وأنت فاجر، لا تبالى العهد. فكان حديث الحية والفأس مثلا مشهورا من أمثال العرب، قال نابغة بنى ذبيان (من قصيدة يعاتب بها بنى مرة):
وإنى لألقى من ذوى الضّغن منهم ... بلا عثرة، والنفس لا بدّ عاثره
كما لقيت ذات الصّفا من حليفها ... وما انفكّت الأمثال فى الناس سائره
وينشد الضبى بقية القطعة التى يتحدث فيها النابغة عن قصة الحية مع هذا الراعى الذى اختان عهده. ونحن نشك فى الأبيات كما نشك فى أن القصة حافظت على الأصل الجاهلى، وإن كنا فى الوقت نفسه نظن ظنّا أنها تعطينا جانبا من روح القصص الجاهلى، وأنه كان يلتقى فى بعض جوانبه بقصص الحيوان المعروف عند الهنود، والذى تسرب منهم إلى الأمم الأخرى على نحو ما نعرف فى قصص إيسوب اليونانى، وبين قصصه الزارع والحية (١)، وكأنما تسرب هذا النوع من الهند إلى العرب واليونان جميعا.
ومما لا شك فيه أن عرب الجاهلية قصوا كثيرا عن الجن والعفاريت والشياطين، وقد زعموا أنها تتحول فى أى صورة شاءت إلا الغول فإنها دائما تبدو فى صورة امرأة عدا رجليها، فلابد أن تكونا رجلى حمار. وكثيرا ما تتراءى الجن فى صورة الثيران والكلاب والنعام والنسور. وكانوا يزعمون أن أهم منازلها أرض وبار وصحراء الدهناء ويبسرين. ومن غير شك دخل كثير من قصصهم عنها فى كتب الأساطير والعجائب التى ألفت فى العصر العباسى.
ونحن لم نسق ذلك لنؤكد أنه بقيت لنا من القصص الجاهلى بقية صالحة للدراسة، فإن شيئا من هذا القصص الذى يضاف إلى الجاهليين لم يصلنا مدونا مكتوبا، ولذلك كنا نتهمه جملة، وإن كنا بعد هذا الاتهام نعود فنزعم أنه يصور لنا مادة قصصهم وروحه وطبيعته وكثيرا من ملامحه، ولكن لا بصورة دقيقة، وإنما بصورة عامة.
стр. 400
٢ - الأمثال
إذا كان القصص الذى أضيف إلى الجاهليين لا يحمل لنا صورة دقيقة للنثر الجاهلى بحكم تأخره فى التدوين فإن الأمثال تحمل لنا غير قليل من هذه الصورة، إذ إن من شأنها أن لا تغيّر، وأن تظل طويلا بصورتها الأصلية، بحكم إيجازها وكثرة دورانها على الألسنة. وقد سارع العرب إلى تدوينها منذ أواسط القرن الأول للهجرة، إذ ألف فيها صحار العبدى أحد النسابين فى أيام معاوية بن أبى سفيان (٤١ - ٦٠ هـ) كتابا كما ألف فيها عبيد بن شريّة معاصره كتابا آخر، ويقول صاحب الفهرست إنه رآه فى نحو خمسين ورقة (١). وإذا انتقلنا إلى القرن الثانى وجدنا التأليف فى الأمثال يكثر، إذ أخذ علماء الكوفة والبصرة جميعا يهتمون بها ويؤلفون فيها، وقد وصلنا عن هذا القرن كتاب أمثال العرب للمفضل الضبى.
ونمضى إلى القرن الثالث، فيؤلف أبو عبيد القاسم بن سلام فيها كتابا يشرحه من بعده أبو عبيد البكرى باسم «فصل المقال فى شرح كتاب الأمثال لأبى عبيد القاسم بن سلام». وما تزال المؤلفات فى الأمثال تتوالى، حتى يؤلف أبو هلال العسكرى كتابه «جمهرة الأمثال». ويخلفه الميدانى، فيؤلف كتابه «مجمع الأمثال» وهو يقول فى مقدمته إنه رجع فيه إلى ما يربو على خمسين كتابا.
ومن يرجع إلى هذه الكتب يجدهم يسوقون الكلمة السائرة التى تسمى مثلا، ولا يكتفون بذلك، بل يقفون غالبا لسرد القصة أو الأسطورة التى تمخض عنها المثل، وقد تتمخض عن أمثال أخرى تروى فى تضاعيفها. وموقفنا من هذه الأقاصيص والأساطير لا يختلف عن موقفنا من القصص الجاهلى بعامة، فنحن لا نتخذ منها صورة للنثر الجاهلى وإن اختلجت بروحه وطبيعته وحيويته، لنفس السبب الذى ذكرناه، وهو تأخر تدوينها. أما الأمثال نفسها فمن المحقق أن طائفة كبيرة مما روته الكتب السالفة يتحتم أن يكون جاهليا، وخاصة أكثر ما رواه عبيد ابن شريّة، ولو أن كتابه لم يسقط من يد الزمن ووصلنا لاطمأننا إلى ما يرويه
стр. 401
من هذه الأمثال، غير أنه فقد. ولم يحاول من جاءوا بعده أن يفردوا الأمثال الجاهلية من الإسلامية، إذ درج أكثرهم على ترتيب الأمثال حسب الحروف الأولى على نحو ما ترتّب المعاجم ألفاظها، فهم يرتبونها أو يؤلفونها فى تسعة وعشرين بابا بعدد أبواب الحروف الهجائية. وبذلك أصبح من الصعب تمييز جاهليها من إسلاميها فى كثير من الأحيان، ومع ذلك قد يورد أصحاب هذه الكتب مع ما يروونه من الأمثال إشارات تدل على جاهليتها وقدمها. وهى تتخذ عندهم طريقين:
الطريق الأول أن يسوقوا مع المثل قصة جاهلية تفسره، أو أن يساق هو فى أثناء قصة جاهلية، كتلك الأمثال التى نقرؤها فى قصة الزبّاء من مثل: «لا يطاع لقصير أمر» و «لأمر ما جدع قصير أنفه» و «بيدى لا بيد عمرو». وقد بلغت أمثال هذه القصة عند الميدانى ثمانية عشر مثلا. ومن هذا الطريق ما يتصل بأحداث أو أساطير جاهلية كالذى زعموا أن النعمان بن امرئ القيس اللخمى ابتنى قصرا له يسمى الخورنق، بناه له رومى يسمى سنمّار، فلما أتمه قال له سنمار: إنى أعرف موضع آجرّة لو زالت لسقط القصر كله، فقال له النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ فقال: لا، فقال: لا جرم لأدعنّها وما يعرفها أحد، ثم أمر به فرمى من أعلى القصر إلى أسفله فتقطّع، فضرب به الجاهليون المثل فقالوا: جزاء سنمّاز.
وأما الطريق الثانى فهو أن ينسبوا المثل إلى جاهليين، فحينئذ يتعين زمنه وتاريخه، وهناك كثيرون اشتهروا فيهم بالحكمة والأمثال السائرة، ومنهم من يغرق فى القدم مثل لقمان عاد، تلك القبيلة اليمنية التى كانت تنزل فى الأحقاف، والتى بادت ولم تبق منها باقية فى الجاهلية. وقد ظل اسم لقمان يدور على ألسنة شعرائهم (١) وظلوا يذكرونه بالحكمة والبيان والحلم. يقول الجاحظ: «من القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنّكراء لقمان عاد» وينص على أنه غير لقمان الحكيم المذكور فى القرآن الكريم (٢) كما ينص على ذلك المفسرون (٣). ولقدم لقمان حفت الأسطورة به وبحياته وكل ما يتصل بصلاته مع الناس والنساء. فقال الأخباريون إنه كان عملاقا كبير الرأس قويا قوة
стр. 402
خارقة حكيما حكمة بالغة. وقالوا إنه عاش عمر سبعة نسور وأن كل نسر منها عاش ثمانين سنة وكان لبد آخرها، وبه ضربوا المثل فى طول العمر فقالوا «طال الأبد على لبد (١)». ونسبت إلى لقمان فى عصور متأخرة طائفة من الأقاصيص أريد بها إلى العظة والاعتبار، سميت أمثال لقمان، وهى مكتوبة بأسلوب ركيك ضعيف.
وقد زعم هلر «Heller» كاتب مادة لقمان فى دائرة المعارف الإسلامية أن شخصية لقمان مرت بثلاث مراحل: (ا) مرحلة جاهلية وفيها يتراءى لقمان عاد الأسطورى الذى يقال إنه عاش عمر سبعة نسور وكلما هلك منها نسر خلفه نسر آخر، حتى كان لبد الذى ذكره شعراؤهم كثيرا (ب) مرحلة قرآنية، وفيها نجد للقمان سورة خاصة به فى الذكر الحكيم وقد ربط بعض المفسرين بين لقمان هذا وبين بلعام حكيم بنى إسرائيل فسردوا له نفس نسبه إذ قالوا إنه لقمان بن باعور (٢) بن ناحور ابن تارخ. (ج) مرحلة متأخرة، وهى مرحلة نسج فيها ولفّق قصص كثير حول لقمان كما يصور ذلك كتاب «أمثال لقمان».
ومن المحقق أن «هلو» مخطئ فيما ذهب إليه من هذا التطور لشخصية لقمان، لسبب بسيط، وهو ما قلناه من أن قدماءنا فرّقوا بين لقمان عاد ولقمان القرآن الكريم، فهما ليسا شخصا واحدا بل هما شخصان. وبينما تعنى بالأول كتب الأمثال نجد الثانى تعنى به وبوصاياه كتب الفقه والتفسير مثل موطأ مالك وتفسير أبى حيان، وقد روى الجاحظ طرفا من تعاليمه، وهى تطبع بطابع دينى (٣).
واشتهر فى الجاهلية بينهم كثيرون بهذا اللون من الأمثال وما يتصل بها من حكم، يقول الجاحظ: «ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفى وربيعة ابن حذار وهرم بن قطبة وعامر بن الظّرب ولبيد بن ربيعة (٤)» وأحكمهم أكثم بن صيفى التميمى وعامر بن الظّرب العدوانى. فأما أكثم فكان من المعمرين (٥)،
стр. 403
ويقال إنه لحق الإسلام وحاول أن يعلن إسلامه فركب متوجها إلى الرسول ﷺ ، غير أنه مات فى الطريق. وتدور على لسانه حكم وأمثال كثيرة، وقد ساق السيوطى فى المزهر طائفة منها نقلا عن ابن دريد فى أماليه، وهى تجرى على هذا النسق (١):
«ربّ عجلة تهب ريثا (٢). ادّرعوا الليل فإن الليل أخفى للويل. المرء يعجز لا محالة. لا جماعة لمن اختلف. لكل امرئ سلطان على أخيه حتى يأخذ السلاح، فإنه كفى بالمشرفية واعظا. أسرع العقوبات عقوبة البغى. شر النّصرة التعدّى. آلم الأخلاق أضيقها. أسوء الآداب سرعة العقاب. ربّ قول أنفذ من صول (٣). الحرّ حرّ وإن مسّه الضر. العبد عبد وإن ساعده الجدّ (٤). إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد. ربّ كلام ليس فيه اكتتام. حافظ على الصديق ولو فى الحريق. ليس من العدل سرعة العذل. ليس بيسير تقويم العسير. إذا بالغت فى النصيحة هجمت بك على الفضيحة. لو أنصف المظلوم لم يبق فينا ملوم. قد يبلغ الخضم بالقضم (٥). استأن أخاك فإن مع اليوم غدا. كل ذات بعل ستئيم (٦).
الحرّ عزوف. لا تطمع فى كل ما تسمع».
وعامر مثل أكثم يدخل فى المعمرين (٧)، ويقال إنه «لما أسنّ واعتراه النسيان أمر ابنته أن تقرع بالعصا إذا هوفّه (٨) عن الحكم وجار عن القصد. وكانت من حكيمات العرب حتى جاوزت فى ذلك مقدار صحر بنت لقمان وهند بنت الخسّ وجمعة بنت حابس. . وقال المتلمس فى ذلك:
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما (٩)»
وكان مثل أكثم حكما للعرب تحتكم إليه، وافتخر بذلك ذو الإصبع العدوانى فى بعض شعره فقال (١٠):
стр. 404
ومنا حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى
وتنسب إليه حكم ووصايا كثيرة لقومه (١).
على أن أكثر حكمهم وأمثالهم لا يعيّنون قائلها، وهذا طبيعى لأنها تنبعث غالبا من أناس مجهولين من عامة القبائل، ممن لا يمجّدون ولا يحفل بهم الناس، وهم أيضا لا يحفلون بأنفسهم لأنهم من العامة، والعامة عادة لا يهتمون بنسبة فضل إليهم. ولا بد أن نلاحظ أن بعض أمثالهم يخفى المعنى المراد منه، ومن أجل ذلك كان لا يفهم إلا بالرجوع إلى كتب الأمثال، كقولهم: «بعين ما أرينّك» فإن معناه: أسرع، وهو معنى لا يتبادر إلى السامع من ظاهر اللفظ، ومن ثم علّق عليه أبو هلال العسكرى بقوله: «هو من الكلام الذى قد عرف معناه سماعا من غير أن يدل عليه لفظه (٢)». ولا بد أن نلاحظ أيضا أن الأمثال لا تتغير، فتقول: «الصيف ضيّعت اللبن (٣)» بكسر التاء إذا خاطبت الواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجماعة. ومن ثم كانوا يستجيزون فى المثل مخالفة النحو وقواعد التصريف والجمع، ففى أمثالهم: «أعط القوس باريها (٤)» بتسكين الياء فى باريها والقياس فتحها، وفيها أيضا: «أجناؤها أبناؤها» جمع جان وبان، والقياس.
«جناتها بنانها» لأن فاعلا لا يجمع على أفعال.
وإذا كانت بعض الأمثال تخالف نظام التصريف والنحو فإن الكثرة الكثيرة لا تشذ على هذا النظام، بل إن طائفة منها تدخل فيه الصياغة الجاهلية البليغة إذ نطق بها بعض بلغائهم وفصحائهم من أمثال أكثم بن صيفى وعامر بن الظرب، وكان خطباؤهم المفوّهون كثيرا ما يعمدون إلى حشدها فى خطابتهم، يقول الجاحظ:
«كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا ليتمثّلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع (٥)». وتبع شعراؤهم خطباءهم يودعونها أشعارهم. ومن ثمّ كنا نجد كثيرا منها يتم له لحنه الموسيقى، فإذا هو شطر
стр. 405
أو بيت. وكثيرا ما نلاحظ فى بعض عباراتها احتفالا بتوازن الكلمات توازنا ينتهى بها إلى السجع كما نلاحظ فى بعض جوانبها اهتماما بالتصوير، ومن أجل ذلك يقول النّظّام إنها «نهاية البلاغة لما تشتمل عليه من حسن التشبيه وجودة الكناية (١)»
واقرأ هذه الأمثال:
تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها (٢) -المقدرة تذهب الحفيظة-مقتل الرجل بين فكّيه (٣) -إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه-من استرعى الذئب ظلم-فى الجريرة تشترك العشيرة (٤) -ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد (٥) -كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع (٦) -استنوق الجمل (٧) -كالمستجير من الرّمضاء بالنار (٨) حلب الدّهر أشطره (٩) -يخبط خبط عشواء (١٠) -المنيّة ولا الدنيّة (١١) تحت الرّغوة اللبن الصّريح (١٢) -هدنة على دخن (١٣) -رمتنى بدائها وانسلّت.
فإنك تحس جمال الصياغة وأن صاحب المثل قد يعمد إلى ضرب من التنغيم الموسيقى للفظه، فإذا هو يسجع فيه أو إذا هو ينظمه شطرا من بيت. وقد يعمد إلى ضرب من الأخيلة، ليجسّم المعنى ويزيده حدة وقوة. والحق أن كل شئ يؤكد أن العرب فى الجاهلية عنوا بمنطقهم واستظهار ضروب من الجمال فيه، سواء ضربوا أمثالهم أو تحدثوا أو خطبوا، وقد وصفهم جلّ وعز أو وصف فريقا منهم بقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ»﴾ وقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»﴾. وكأنما أصبحت المقدرة البيانية عندهم سليقة من سلائقهم، ولذلك لم يكن عجبا أن تكون آية الرسول ﷺ على صدق رسالته معجزة بلاغية لا يستطيعون أن يجاروها هى القرآن الكريم ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»﴾.
стр. 406
٣ - الخطابة
ليس بين أيدينا نصوص وثيقة من الخطابة الجاهلية، لما قلناه من بعد المسافة بين العصر الذى قيلت فيه وعصور تدوينها، ولذلك كان ينبغى أن نحترس مما رواه منها صاحب الأمالى وصاحب العقد الفريد، فأكثره أو جمهوره منحول. على أن اتهامنا لنصوصها لا ينتهى بنا إلى إنكارها على الجاهليين، بل إنه لا ينتهى بنا إلى إنكار ازدهارها كما حاول بعض الباحثين (١)، فقد كان كل شئ عندهم يؤهل لهذا الازدهار، إذ لم يكن ينقصهم شئ من الحرية، وكثرت المنازعات والخصومات بينهم والدعوة إلى الحرب مرة وإلى السلم مرة أخرى. وقد اتخذوا من مجالسهم فى مضارب خيامهم ومن أسواقهم ومن ساحات الأمراء ووفاداتهم عليهم ميادين لإظهار براعتهم وتفننهم فى المقال وحوك الكلام. وأمعفتهم فى ذلك ملكاتهم البيانية وما فطروا عليه من خلابة ولسن وبيان وفصاحة وحضور بديهة، حتى ليقول الجاحظ: «وكل شئ للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام. . عند المقارعة أو المناقلة أو عند صراع أو فى حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذى إليه يقصد، فتأتيه المعانى أرسالا (أفواجا) وتنثال عليه الألفاظ انثيالا. . وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد فى نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر. . من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب (٢)».
وكل ذلك عمل على ازدهار الخطابة فى الجاهلية، وأن تتناول أغراضا مختلفة، فقد استخدموها فى منافراتهم ومفاخراتهم بالأحساب والأنساب والمآثر والمناقب، كمنافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل إلى هرم بن قطبة الفزارى (٣) ومنافرة
стр. 407
القعقاع بن معبد التميمى وخالد بن مالك النهشلى إلى ربيعة بن حذار الأسدى (١) واستخدموها فى الحض على القتال وبعث الموجدة فى نفوس قبائلهم ودفعها إلى نيران الحرب وتراميهم فى أوارها كأنهم الفراش، يقول أبو زبيد الطائى (٢):
وخطيب إذا تمعّرت الأو ... جه يوما فى مأقط مشهود (٣)
ويقول عامر المحاربى فى مديح قومه (٤):
وهم يدعمون القول فى كل موطن ... بكل خطيب يترك القوم كظّما (٥)
يقوم فلا يعيا الكلام خطيبنا ... إذا الكرب أنسى الجبس أن يتكلما (٦)
وكما كان يدعو خطباؤهم إلى الحرب وسفك الدماء كانوا يدعون إلى الصلح وإصلاح ذات البين وأن تضع الحرب أوزارها، يقول ربيعة بن مقروم الضبى (٧):
ومتى تقم عند اجتماع عشيرة ... خطباؤنا بين العشيرة يفصل
وكانوا كثيرا ما يخطبون فى وفادتهم على الأمراء، إذ يقف رئيس الوفد بين يدى الأمير من الغساسنة أو المناذرة، فيحييه، متحدثا بلسان قومه. وفى السيرة النبوية ما يصور جانبا من هذه الوفود، إذ وفد كثير منها على الرسول منذ السنة الثامنة، وكان يقوم خطيب الوفد بين يديه متحدثا، ويرد عليه خطيب الرسول على نحو ما هو معروف عن وفد تميم وخطبة عطارد بن حاجب بن زرارة بين يديه (٨). وكان ذلك سنة شائعة بينهم فى الجاهلية حين يفدون على الأمراء أو على من له رياسة وسيادة، يقول أوس بن حجر فى رثاء فضالة بن كلدة (٩):
أباد ليجة من يكفى العشيرة إذ ... أمسوا من الخطب فى نار وبلبال
أم من يكون خطيب القوم إذ حفلوا ... لدى الملوك ذوى أيد وأفضال (١٠)
стр. 408
وقد ينبرون فى الأسواق العظام ينصحون قومهم ويرشدونهم، على نحو ما هو معروف عن قسّ وخطبته بسوق عكاظ. وربما نصح الخطيب عشيرته وقومه الأقربين، كبعض ما يروى عن عامر بن الظّرب وأكثم بن صيفى. وكان من عادتهم فى الزواج، وخاصة زواج أشرافهم وأبنائهم أن يتقدم عن الخاطب سيد من عشيرته، يخطب باسمه الفتاة التى يريد الاقتران بها، وخطبة أبى طالب للسيدة خديجة للرسول ﷺ مشهورة. ويقول الجاحظ: «كانت خطبة قريش فى الجاهلية-يعنى خطبة النساء-: باسمك اللهم ذكرت فلانة، وفلان بها مشغوف، باسمك اللهم، لك ما سألت، ولنا ما أعطيت» (١). ويقول كان من عادة العرب فى هذه الخطبة أن يطيل الخاطب ويقصّر المجيب (٢). ويتحدث عن خطابتهم عامة فيقول: «اعلم أن جميع خطب العرب من أهل المدر والوبر والبدو والحضر على ضربين منها الطوال، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويا فى الجودة ومتشاكلا فى استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان والنّتف الجياد. . ووجدنا عدد القصار أكثر ورواة العلم إلى حفظها أسرع (٣)».
وليس كل ما يدل على ازدهار الخطابة فى الجاهلية ما رأيناه آنفا من تعدد أنواعها وخوضها فى أغراض مختلفة من المصاهرة أو الوفادة على الأمراء أو النصح والإرشاد أو الدعوة إلى الحرب أو الكفّ عن القتال أو فى المنافرات والمفاخرات، فقد استقر فى نفوس العباسيين وعلى رأسهم الجاحظ أنهم كانوا يكثرون من الخطب وأن قبيلة من القبائل بل عشيرة من العشائر لم تكن تخلو من خطيب، وهو يسوق فى البيان والتبيين أثباتا طويلة بأسمائهم ومواقفهم موردا من حين إلى حين فقرا وشظايا من أقوالهم. ولعل من الخير أن نعرض أطرافا من ذلك، حتى تتضح لنا هذه النهضة الخطابية عندهم من بعض وجوهها، وخاصة أننا لا نطمئن إلى ما يروى لهم فى كتب الأدب والتاريخ من خطب، ومن ثم سنعمد عمدا إلى سرد أسماء خطبائهم من جهة وإنشاد بعض الأشعار التى تصور بيانهم وبراعتهم فى هذا اللون من ألوان نثرهم، لما هو معروف من أن الشعر يمكن أن ينقل عن طريق الرواية آمادا من الأزمنة بفضل ما فيه من موسيقى تحفظه من الاضطراب على ألسنة الرواة
стр. 409
وتحول بينه وبين دخول خلل واسع فى صوره الأصلية.
وإذا رجعنا نستعرض أسماء خطبائهم وجدنا البيان والتبيين يموج بهم، من مثل قيس بن شمّاس فى يثرب، وابنه ثابت وهو خطيب النبى ﷺ .
ومن خطباء الأنصار أيضا سعد بن الربيع، وهو الذى اعترضت ابنته النبىّ ﷺ ، فقال لها: من أنت؟ قالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد سعد ابن الربيع (١). أما مكة فمن قدماء خطبائها هاشم وأمية ونفيل بن عبد العزّى جد عمر بن الخطاب، وإليه تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية (٢)، ويظهر أنه كان بها خطباء كثيرون، وربما كان مما هيأ لكثرتهم وجود دار الندوة بها، وهى تشبه مجلس شيوخ مصغر، كانوا يجتمعون فيها ويخطبون ويتحاورون (٣)، وممن عرف فيها بالخطابة عتبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو الأعلم، وهو الذى قال فيه عمر للرسول ﷺ : «يا رسول الله! انزع ثنيّتينه (٤) السّفليين حتى يدلع (٥) لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا» فقال الرسول ﵇: «لا أمثّل فيمثل الله بى، وإن كنت نبيّا، دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقاما تحمده (٦)»
وممن اشتهروا بالخطابة فى القبائل عامر بن الظّرب فى عدوان وربيعة (٧) بن حذار فى أسد وحنظلة بن ضرار فى ضبّة وقد طال عمره حتى أدرك يوم الجمل (٨)، وعمرو ابن كلثوم فى تغلب (٩) وهانئ بن قبيصة فى شيبان، وهو خطيب يوم ذى قار (١٠)، وزهير بن جناب فى كلب وقضاعة (١١)، وابن عمار فى طيئ، وهو خطيب مذحج كلها (١٢). ومن خطبائهم لبيد بن ربيعة العامرى، ومن قوله (١٣):
وأخلف قسّا ليتنى ولو أننى ... وأعيى على لقمان حكم التدبّر
وهيذان بن شيخ الذى قال فيه الرسول صلوات الله عليه: ربّ خطيب من عبس (١٤)، وخويلد بن عمرو والعشراء بن جابر الغطفانيان (١٥)، ومن خطباء غطفان أيضا قيس بن خارجة بن سنان الذى خطب فى حرب داحس والغبراء
стр. 410
يوما إلى الليل (١) وهرم بن قطبة الفزارى (٢) الذى احتكم إليه علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل، فقال لهما-كما مر بنا-: «أنتما كركبتى البعير الأدرم (الفحل) تقعان على الأرض معا (٣)».
ومن خطباء تميم المفوّهين أكثم بن صيفىّ وضمرة بن ضمرة، ويروى أنه لما دخل على النعمان بن المنذر زرى عليه للذى رأى من دمامته وقصره وقلّته، فقال للنعمان: «تسمع بالمعيدى لا أن تراه» فقال: أبيت اللّعن! «إن الرجال لا تكال بالقفزان (٤) ولا توزن بالميزان، وليست بمسوك (٥) يستقى بها، وإنما المرء بأصغريه:
بقلبه ولسانه، إن صال صال بجنان، وإن قال قال ببيان (٦)». ومن خطباء تميم أيضا عطارد بن حاجب بن زرارة وهو خطيب وفدها، كما مرّ بنا، بين يدى الرسول ﷺ ، ومنهم عمرو بن الأهتم المنقرىّ، ولم يكن فى بادية العرب فى زمانه أخطب منه (٧)، ويروى أن الرسول سأله عن الزّبرقان بن بدر فقال «مانع لحوزته، مطاع فى أدنيه» فقال الزّبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدنى شرفى» فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال، فو الله ما علمته إلا ضيّق الصدر، زمر (٨) المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى. فلما رأى أنه قد خالف قوله الآخر قوله الأول ورأى الإنكار فى عينى رسول الله قال: «يا رسول الله! رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت فى الأولى، ولقد صدقت فى الآخرة» فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «إن من البيان لسحرا (٩)». ومن خطباء بنى منقر التميميين أيضا قيس بن عاصم الذى قال فيه الرسول صلوات الله عليه جين رآه: هذا سيد أهل الوبر (١٠)، وهو الذى قال فيه عبدة بن الطبيب حين مات (١١):
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
стр. 411
ومن خطباء إياد قسّ بن ساعدة، وهو الذى قال فيه النبى ﷺ : رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت (١). ويقول الجاحظ: «ولإياد خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله ﷺ هو الذى روى كلام قسّ بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذى رواه لقريش وللعرب، وهو الذى عجّب من حسنه وأظهر من تصويبه.
وهذا إسناد تعجز عنه الأمانى وتنقطع دونه الآمال (٢)». على أن ابن حجراتهم هذا الإسناد (٣)، وخاصة بعد توسّع الرواة فى خطبة قس وتحميلهم لها إشارات بقرب مبعث الرسول ﵇. ومما لا ريب فيه أن لها أصلا صحيحا تزيد فيه الرواة.
وواضح أن هذه كثرة من الخطباء الجاهليين، إن لم يصح ما أثر عنهم من خطب فإن من المحقق أنهم خطبوا كثيرا فى أقوامهم وقبائلهم وإلا ما اشتهروا بالبراعة فى هذا اللون من ألوان اللّسن والبيان. وكان مما بعثهم على إحسانه حاجتهم إليه فى مواطن ومواقف عدة، وكان قلما يرتفع نجم سيد من سادتهم إلا والخطابة صفة من صفاته وسجية من سجاياه، حتى تساق له القلوب بأزمتها وتجمع له النفوس المختلفة من أقطارها. وكل شئ يؤكد أن منزلة الخطيب عندهم كانت فوق منزلة الشاعر، فهى قرين السؤدد والشرف والرياسة، يقول أبو عمرو بن العلاء: «كان الشاعر فى الجاهلية يقدّم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذى يقيّد عليهم مآثرهم، ويفخّم شأنهم، ويهوّل على عدوّهم ومن غزاهم، ويهيّب من فرسانهم، ويخوّف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم، فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر (٤)». وعلى هدى هذا القول مضى الجاحظ يقول: «كان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر (٥)».
стр. 412
وربما كان من أسباب ذلك أن الشاعر-إذ استثنينا زهيرا-كان هو الذى يهيج النفوس للحرب بما يدعو للأخذ بالثأر، أما الخطيب فكان غالبا يدعو إلى السلم وان تضع الحرب بين القبائل المتخاصمة أوزارها، وكثيرا ما يقف من قومه موقف الناصح الأمين يهديهم ويرشدهم، أما الشاعر فأكثر مواقفه هجاء وتنابذ بالألقاب والأحساب والمآثر والمعايب.
وقد تعارف خطباؤهم على جملة من السنن والتقاليد فى خطابتهم، فكانوا يخطبون على رواحلهم فى الأسواق العظام والمجامع الكبار (١)، وقد لاثوا العمائم على رءوسهم. وفى أثناء خطابتهم كانوا يمسكون بالعصىّ والمخاصر والقضبان والقنا والقسىّ راكبين أو واقفين على مرتفع من الأرض، وأشار إلى ذلك لبيد إذ يقول (٢):
ما إن أهاب إذا السّرادق عمّه ... قرع القسىّ وأرعش الرّعديد
ووقفت الشعوبية طويلا عند عادة خطباء العرب من اتخاذ العصى والمخاصر وردّ عليهم الجاحظ فى بيانه مبينا فوائد العصا، ومن قوله فى تلك العادة: «إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة والتهيؤ للإطناب والإطالة، وذلك شئ خاص فى خطباء العرب ومقصور عليهم ومنسوب إليهم، حتى إنهم ليذهبون فى حوائجهم، والمخاصر بأيديهم إلفا لها وتوقعا لبعض ما يوجب حملها والإشارة بها (٣)»
وكانوا يمدحون فى الخطيب ثبات الجنان وحضور البديهة وقلة التلفت وكثرة الريق وجهارة الصوت وقوته، وكانوا يعيبون فيه التنحنح والارتعاش والحصر والتعثر فى الكلام، يقول النّمر بن تولب (٤):
أعذنى ربّ من حصر وعىّ ... ومن نفس أعالجها علاجا
ويقول أبو العيال الهذلى:
ولا حصر بخطبته ... إذا ما عزّت الخطب
وذموا فى الخطيب أن يكثر من مسّه لذقنه وشوار به ولحيته، وكأنما رأوا فى ذلك
стр. 413
ضربا من الخرق فى استخدام الجوارح، يقول معن بن أوس المزنى فى بعض هجائه (١):
إذا اجتمع القبائل جئت ردفا ... وراء الماسحين لك السّبالا (٢)
فلا تعطى عصا الخطباء فيهم ... وقد تكفى المقادة والمقالا
وكثيرا ما كانوا يتزيدون فى جهارة الصوت وينتحلون سعة الأشداق وهدل الشفاه، ومن أجل ذلك قال الرسول صلوات الله عليه: إياى والتشادق، وقال:
أبغضكم إلىّ الثرثارون المتفيهقون (٣).
وإذا ذهبنا نستنطق النصوص عن أساليب خطابتهم، وهل كانوا يعمدون فيها إلى الأسلوب المرسل أو إلى الأسلوب المسجّع وجدنا أنفسنا بإزاء تراث متهم لا يمكن الاعتماد عليه فى الاستنتاج، لما قلنا مرارا من أن حقبا متطاولة تفصل بين العصر الذى دوّنت فيه تلك الخطب والآخر الذى قيلت فيه. ومع أن الكثرة الكثيرة من هذه الخطب منتحلة نلاحظ أن من نحلوها الجاهليين إنما قاسوها على أمثلة رويت لهم، فإذا لا حظنا أن أكثر مفاخراتهم ومنافراتهم روى مسجوعا كان معنى ذلك انه ثبت عند من نحلوا الجاهليين هذه المفاخرات والمنافرات أنهم كانوا يسجعون فيها. وتستطيع أن ترجع إلى منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية وتحكيمهما لنفيل بن عبد العزّى فى تاريخ الطبرى (٤) فستجدها مسجوعة، ومثلها منافرة جرير بن عبد الله البجلى وخالد بن أرطاة الكلبى إلى الأقرع بن حابس، فقد رويت فى شرح نقائض جرير والفرزدق لأبى عبيدة، وهى مسجوعة (٥)، ومثلهما منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطّفيل المروية فى كتاب الأغانى، فهى الأخرى مبنية على السجع (٦). ويجعل الجاحظ ذلك قاعدة عامة أو كالقاعدة العامة، فيقول: «إن ضمرة بن ضمرة وهرم بن قطبة والأقرع بن حابس ونفيل بن عبد العزّى كانوا يحكمون وينفرون بالأسجاع، وكذلك ربيعة بن حذار (٧)»
стр. 414
كما يقول فى موضع آخر إنهم كانوا يستخدمون الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة، بينما كانوا يستعملون المنثور المرسل فى خطب الصلح وسلّ السخيمة وعند المعاقدة والمعاهدة. وكأنهم عرفوا فى الجاهلية لونين من الخطابة لونا مسجوعا ولونا مرسلا.
ولا تظن أنهم فى خطابتهم المرسلة لم يكونوا يروّون فقد كانوا يعمدون إلى ما يثير السامعين من كلم بليغ، حتى يؤثروا فيهم ويبلغوا ما يريدون من استمالتهم، يقول الجاحظ: «لم نرهم يستعملون مثل تدبيرهم فى طوال القصائد وفى صنعة طوال الخطب، وكانوا إذا احتاجوا إلى الرأى فى معاظم التدبير ومهمّات الأمور ميّثوه (١) فى صدورهم وقيدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثّقاف، وأدخل الكير، وقام على الخلاص أبرزوه محكّكا منقحا ومصفّى من الأدناس مهذبا (٢)».
ومن يقرأ الفقر القصار والمحاورات المختصرة التى بقيت من تراثهم، تلك التى يرويها الجاحظ، يشعر حقّا أنهم كانوا يبتغون التجويد فى كلامهم، تارة بما يصوغونه فيه من سجع، وتارة أخرى بما يخرجونه فيه من استعارات وأخيلة.
ودائما يعنون ببهاء اللفظ وقوته ونصاعته، كما يعنون بوضوح الحجة. وتصوّر أشعارهم جوانب من ذلك كقول لبيد لهرم بن قطبة حين احتكم إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة (٣):
إنك قد أوتيت حكما معجبا ... فطبّق المفصل واغنم طيّبا
وواضح أنه يقول له: إنك قد أوتيت حكما فاصلا قاطعا يفصل بين الحق والباطل كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين. ومن ذلك قولهم فلان يفلّ المحزّ ويصيب المفصل ويضع الهناء مواضع النّقب (٤). والعبارة الأخيرة مستعارة من صنيع الحاذق حين يلم الجرب بإبله فيضع دواءه فى مواضعه الدقيقة. يمثلون بذلك للمصيب الموجز فى خطابته وبيانه، كما مثلوه فى التعبيرين الأولين بالجزار الحاذق الذى يصيب عين الموضع من جزوره سواء فى العظم أو فى اللحم. وقد يشبهون كلامهم بالسهام المصمية، ومن ثم استخدموا كلمة مدره للشجاع والخطيب المفلق فى الوقت نفسه، وأصل معناها المرامى، فاستعيرت من رامى السهام لرامى الكلام
стр. 415
الذى يبلغ به ما يريد من إصابة خصمه والنكاية به، يقول زهير بن أبى سلمى (١):
ومدره حرب حميها يتّقى به ... شديد الرّجام باللسان وباليد
ونراهم يصفون خطباءهم بأنهم مصاقع ولسن، وافتخروا بذلك طويلا على نحو ما نجد عند قيس بن عاصم المنقرىّ يصف ما فيه وفى عشيرته بنى منقر من الخطابة والفصاحة (٢):
إنى امرؤ لا يعترى خلقى ... دنس يفنّده ولا أفن (٣)
من «منقر» فى بيت مكرمة ... والأصل ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن
وقد حذروا طويلا من شدة وقع اللسان، وقالوا إن جرح اللسان كجرح اليد وإنه عضب وقاطع كالسيف، يقول طرفة (٤):
بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم
ولعل مما يدل دلالة قاطعة على أنهم أحسوا بجمال ما يلفظ به خطباؤهم أننا نراهم يشبهون كلامهم بالثياب الموشّاة وبالحلل والدّيباج وأشباه ذلك، يقول أبو قردودة الطائى فى رثاء ابن عمّار خطيب مذحج وقد مات مقتولا (٥):
ومنطق خرّق بالعواسل ... لذّكوشى اليمنة المراحل (٦)
ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل دلالة واضحة على أن الخطابة كانت مزدهرة فى الجاهلية، فقد كانوا على حظ كبير من الحرية، وكانوا يخطبون فى كل موقف:
فى المفاخرات وفى الدعوة إلى السلم أو الحرب وفى النصح والإرشاد وفى الصهر والزواج. وابتغوا دائما فى كلامهم أن يؤثر فى نفوس سامعيهم بما حققوا له من ضروب بيان وبلاغة.
стр. 416
٤ - سجع الكهان
كانت فى الجاهلية طائفة تزعم أنها تطلع على الغيب وتعرف ما يأتى به الغد بما يلقى إليها توابعها من الجن، وكان واحدها يسمّى كاهنا كما يسمى تابعه الذى يوحى إليه باسم «الرّئىّ». وأكثرهم كان يخدم بيوت أصنامهم وأوثانهم، فكانت لهم قداسة دينية، وكانوا يلجأون إليهم فى كل شئونهم، وقد يتخذونهم حكاما فى خصوماتهم ومنافراتهم على نحو ما كان من منافرة هاشم ابن عبد مناف وأمية بن عبد شمس واحتكامهما إلى الكاهن الخزاعى، وقد نفّر هاشما على أمية (١). وكانوا يستشيرونهم ويصدرون عن آرائهم فى كثير من شئونهم كوفاء زوجة أو قتل رجل أو نحر ناقة (٢)، أو قعود عن نصرة أحلاف (٣)، أو نهوض لحرب، ففى أخبار بنى أسد أن حجرا أبا امرئ القيس رقّ لهم، فبعث فى إثرهم فأقبلوا حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكّهن كاهنهم، وهو عوف بن ربيعة، فقال لبنى أسد: «يا عبادى! قالوا لبيك ربّنا، قال: من الملك الأصهب، الغلاّب غير المغلّب، فى الإبل كأنها الرّبرب (٤)، لا يعلق رأسه الصّخب، هذا دمه ينثعب (٥)، وهذا غدا أول من يسلب، قالوا: من هو يا ربّنا؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية، لأخبرتكم أنه حجر ضاحية.
فركبوا كل صعب وذلول فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبّته» وقتلوه (٦). وكثيرا ما كانوا ينذرون قبائلهم بوقوع غزو غير منتظر (٧)، كما كانوا كثيرا ما يفسرون رؤاهم وأحلامهم (٨).
فمنزلة كهّانهم فى الجاهلية كانت كبيرة، إذ كانوا يعتقدون أنه يوحى إليهم، ولعل ذلك ما جعل نفوذ الكاهن يتجاوز قبيلته إلى كثير من القبائل التى تجاورها،
стр. 417
ومن ثم كان العرب يقصدون كثيرين منهم من مناطق بعيدة. ومما يلاحظ أنهم كانوا يكثرون فى اليمن وفى بيوت عبادتها الوثنية، وخاصة من يتعمقون فى القدم، ولعل فى ذلك ما يدل على الصلة القديمة بين وثنية عرب الجنوب وعرب الشمال.
وتلقانا فى كتب التاريخ والأدب أسماء كثيرين منهم وقد يبالغ القصّاص، فيرسمون لبعضهم صورا خيالية، فمن ذلك أن شقّ بن الصّعب كان شق إنسان أو شطره فله عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، وأن سطيح بن ربيعة الذئبى لم يكن فيه عظم سوى جمجمته وأن وجهه كان فى صدره ولم يكن له عنق (١)، وربما كان أحدب. ومن كهانهم فى أواخر العصر الجاهلى سواد بن قارب الدّوسىّ وقد أدرك الإسلام ودخل فيه (٢)، ومنهم المأمور الحارثى، كاهن بنى الحارث بن كعب (٣)، وخنافر الحميرى، وكان يقول إنه أسلم بمشورة تابعه «شصار (٤)». وأكهنهم عزّى سلمة، يقول الجاحظ: «أكهن العرب وأسجعهم سلمة بن أبى حيّة وهو الذى يقال له عزّى سلمة (٥)». ومن قوله (٦): «والأرض والسماء، والعقاب والصّقعاء، واقعة ببقعاء، لقد نفّر المجد بنى العشراء للمجد والسناء (٧)». ونجد بجانب هؤلاء الكهان جماعة من الكاهنات، وربما كنّ فى الأصل من النساء اللائى يهبن أنفسهن للآلهة ومعابدها، ومن أشهرهن الشّعثاء (٨) وكاهنة ذى الخلحة (٩) والكاهنة السّعدية (١٠) والزرقاء (١١) بنت زهير والغيطلة القرشية (١٢) وزبراء كاهنة بنى رئام، ويروى أنها أنذرتهم غارة عليهم فقالت: «واللوح الخافق والليل الغاسق والصباح الشارق والنّجم الطارق والمزن الوادق، إن شجر الوادى ليأدو ختلا، ويحرق أنيابا عصلا، وإن صخر الطّود لينذر ثكلا، لا تجدون عنه معلا (١٣)».
стр. 418
ونحن لا نطمئن إلى ما يروى فى كتب التاريخ والأدب من أقوال جرت على ألسنة هؤلاء الكهان والكاهنات، فإن بعد المسافة بين عصور التدوين والعصر الجاهلى يجعلنا نتهم مثل هذه الأقوال، إذ من الصعب أن تروى بنصّها وقد مضى عليها نحو قرنين من الزمان. وإنما استشهدنا ببعض منها لندل على أنه ثبت فى أذهان من تحدثوا عن الكهّان والكاهنات فى الجاهلية أنهم كانوا يعتمدون على السجع فى كلامهم، ولذلك حين أجرو ألسنتهم بالكلام جعلوه مسجوعا على شاكلة ما رويناه من أقوالهم. ومعنى ذلك أنه وجد فى العصر الجاهلى سجع كان يقوله الكهان، وقد اختلط الأمر على بعض قريش فى أول نزول الذكر الحكيم، فقرنوه بسجع كهنتهم وردّ عليهم القرآن الكريم بمثل قوله جلّ وعز: ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ»﴾ وقال : ﴿فَذَكِّرْ، فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ»﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ»﴾.
ومما يدلّ على أن كهنتهم كانوا يسجعون، بل كانوا لا يتكلمون إلا بالسجع، الحديث المروىّ عن أبى هريرة، فقد حدّث أنه «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما فى بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله أن دية جنينها غرّة: عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها (١). . . فقال حمل بن النابغة الهذلى: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهلّ (٢)، فمثل ذلك يطلّ (٣)، فقال رسول الله ﷺ : «إنما هذا من إخوان الكهّان، من أجل سجعه الذى سجع (٤)». ويقول الجاحظ: «كان حازى (كاهن) جهينة وشقّ وسطيح وعزّى سلمة وأشباههم يتكهنون ويحكمون بالأسجاع (٥)»
وإذا صح أن ما يروى فى كتب التاريخ والأدب من سجع الكهان تقليد دقيق لما كانوا يأتون به من هذا السجع لا حظنا أنهم لم يكونوا يسجعون فحسب،
стр. 419
بل كانوا يعمدون أيضا إلى ألفاظ غامضة مبهمة، حتى يتركوا فسحة لدى السامعين كى يؤوّل كل منهم ما يسمعه حسب فهمه وظروفه. ومن ثم دخل الرمز فى كثير من أقوالهم، إذ يومنون إلى ما يريدون إيماء، وقلما صرحوا أو وضّحوا، بل دائما يأتون المعانى من بعيد، بل قل إنهم كانوا لا يحبون أن يصوروا فى وضوح معنى، ويتخذوا له أشباحا واضحة من اللفظ تدل عليه، لأن ذلك يتعارض مع تنبئهم الذى يقوم على الإبهام والوهم واختيار الألفاظ التى تخدع السامع وجوها من الخدع، ومن ثم كان من أهم ما يميز أسجاعهم عدم وضوح الدلالة وأن يكثر فيها الاختلاف والتأويل.
وليس هذا كل ما يلاحظ على السجع الذى يضاف إليهم، فإنه يلاحظ عليه أيضا كثرة الأقسام والأيمان بالكواكب والنجوم والرياح والسحب والليل الداجى والصبح المنير والأشجار والبحار وكثير من الطير. وفى ذلك ما يدل على اعتقادهم فى هذه الأشياء وأن بها قوى وأرواحا خفية، ومن أجل ذلك يحلفون بها، ليؤكدوا كلامهم وليبلغوا ما يريدون من التأثير فى نفوس هؤلاء الوثنيين.
وهذا السجع الدينى كان يقابله، كما قدمنا، سجع آخر فى خطابتهم، بل فى كلامهم وأمثالهم التى دارت بينهم. ولعل فى ذلك كله ما يدل على أن الجاهليين عنوا بنثرهم كما عنوا بشعرهم، فقد ذهبوا يحاولون تحقيق قيم صوتية وتصويرية مختلفة فيه، تكفل له جمال الصياغة وروعة الأداء.
стр. 420
خاتمة
١ - خلاصة
حاولت فى الصحف السابقة أن أؤرخ للأدب العربى فى العصر الجاهلى، فتحدثت عن صفة الجزيرة العربية وتاريخها القديم، وكيف أنها كانت مهد الساميين، إذ خرجوا منها موجة فى إثر موجة، وكانت موجة العرب الجنوبيين الذين يمّموا حوض المحيط الهندى آخر موجاتهم، وكانت تفصلهم من عرب الشمال صحراوات واسعة جعلتهم يستقلون عنهم فى لغتهم وخصائصها النحوية، كما جعلتهم يستقلون عنهم فى حضارتهم. ومع ذلك فقد ظلت قائمة بين الجنوبيين والشماليين أو القحطانيين والعدنانيين صلات اقتصادية ودينية وسياسية أتاحت لهم ضروبا من التداخل والتشابك. واستطاع الشماليون أن ينفذوا فى آخر الأمر إلى صورة خطّهم العربى المعروف.
ومضيت أتحدث عن العصر الجاهلى وحدّدته بنحو قرن ونصف قبل الإسلام، أما ما قبل ذلك فهو الجاهلية الأولى، وكل ما بأيدينا من شعر قديم إنما يرجع إلى العصر الجاهلى أو الجاهلية الثانية. ونحن نفاجأ فى أول هذا العصر باكتمال الخط العربى، كما نفاجأ بهذا الشعر الناضج الذى يضاف إلى الجاهليين. وأخبارهم واضحة تمام الوضوح، فقد كانت تقوم فى الشمال إمارات الغساسنة والمناذرة وكندة، بينما كانت تتجمع قلوب العرب حول مكة، فهى بيت كعبتهم وعبادتهم الوثنية، وهى مركز تجارتهم وقوافلهم التى تربط بين حوضى المحيط الهندى والبحر المتوسط، ووراءها قبائلهم البدوية، وكانت تنتظم قسمين كبيرين من عرب الشمال العدنانيين وعرب الجنوب القحطانيين الذين هاجروا من ديارهم إلى ديار الشماليين منذ أزمان بعيدة. وكانت كل قبيلة وحدة قائمة بنفسها، وهى وحدة دعمتها وشائج متينة من العصبية. وكان لكل قبيلة سيد ومجلس يضم شيوخ عشائرها، وواجبات السيد دائما أكبر من حقوقه، ومن ورائه أفراد قبيلته متضامنين أوثق ما يكون التضامن،
стр. 421
وخاصة حين يطلب ثأر أو تنشب حرب. وقد تحولوا بجزيرتهم إلى ما يشبه ميدانا حربيا كبيرا، ففى كل مكان عراك وقتال وفى كل مكان دماء تسيل. ولهم حروب مشهورة سجّلها علماء اللغة والأدب فى العصر العباسى كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء.
وانتقلت من ذلك أبحث فى حياتهم وأحوالهم الاجتماعية ولا حظت أن مجتمع القبيلة كان يتألف من ثلاث طبقات، هى أبناؤها ومواليها وعبيدها. وكان أهم شئ يشدّ من بنيان هذا المجتمع حرصهم على الشرف وما سموه المروءة، إذ كان كل منهم يحرص على البذل والشجاعة والوفاء وحماية الجار وإباء الضيم. وتخلّلت ذلك آفات، أهمها: الخمر والقمار واستباحة النساء. وقد تأخذ هذه الآفات عند بعض الشباب أمثال طرفة شكل فتوة جامحة. ومن المؤكد أنه كان للمرأة الحرة عندهم منزلة كريمة. ولم تكن معيشتهم واحدة، فقد كانت الزراعة منتشرة فى الجنوب والشرق وواحات الحجاز، وكان أهل مكة يعيشون على التجارة، على حين كان البدو يعيشون على رعى الأغنام والأنعام وصيد الحيوان. وكان بينهم سادة يملكون مئات الإبل وصعاليك لا يملكون شيئا. ومع أنهم كانوا على صلة بالحضارات المجاورة كانوا لا يزالون أقرب إلى طور البداوة، وكان علم الأنساب أهم علومهم، ولم يكن لهم وراءه إلا معارف محدودة تقوم على التجربة الناقصة كبعض معارفهم الطبية والفلكية. وكانت كثرتهم وثنية تتعبّد لآلهة وأصنام وأوثان كثيرة، وكانت الكعبة فى مكة أكبر معابدهم، وكانوا يحجون إليها فى أشهر معلومات. على أن نفرا منهم شكّوا فى أواخر هذا العصر فى دينهم الوثنى والتمسوا دين إبراهيم ويسمّون المتحنّفة والحنفاء وكأنما كانوا إرهاصا لظهور الإسلام والدعوة المحمدية. وكانت النصرانية فى أثناء ذلك تنتشر فى القبائل المحاذية للشام والعراق بينما كان كثير من اليهود ينزلون فى واحات الحجاز وفى اليمن، وتعربت كثرتهم إلا أن العرب ظلوا يزدرونهم وينفرون من دينهم.
ولما تمّ لى بيان هذه الجوانب أخذت أبحث فى اللغة العربية وعناصرها السامية القديمة، ووقفت عند أقدم لهجاتها المشتة فى النقوش، وهى الثمودية واللّحيانية والصّفوية، تلك التى كتبت نقوشها بالخط المسند الجنوبى، ثم اللهجة النبطية،
стр. 422
وكانت نقوشها تكتب بالخط الآرامى، ومنه نشأ تطور الخط العربى فى الحجاز.
وتختلف هذه اللهجات الأربع اختلافات كثيرة عن لغة الجاهليين، وإن كان من المؤكد أن اللهجة النبطية أقربها جميعا إليها، وقد أخذت فى الدثور منذ القرن الثالث للميلاد، بينما أخذت تحل محلها مقدمات الفصحى بحيث لا نصل إلى نهاية القرن الخامس وأوائل السادس الميلادى، حتى تتكامل تكاملا تامّا وتعم بين القبائل النجدية وفى الحيرة وبين الغساسنة، وتصبح هى اللغة العامة المتداولة بين الشعراء. وكانت هناك لهجات قبلية كثيرة ولكن الفصحى ظفرت بها جميعا فى المجال الأدبى، بحيث كان الشعراء فى كل قبيلة ينظمون بها مرتفعين عن لهجاتهم القبلية أو المحلية، وقد حار المستشرقون طويلا فى معرفة اللهجة التى سادت بين القبائل فى الشمال وأصبحت اللهجة الأدبية الشائعة على كل لسان، وأثبتّ أنها لهجة قريش، إذ تآزرت بواعث دينية واقتصادية وسياسية على أن تتم لها هذه السيادة منذ أوائل العصر الجاهلى.
وبحثت عقب ذلك فى رواية الشعر الجاهلى وتدوينه، مبينا كيف تضافرت جهود القبائل العربية ورجالاتها وشعراؤها على حمله جيلا بعد جيل، حتى تسلّمه منهم طبقة من الرواة المحترفين فى البصرة والكوفة، وكان بينهم الثقة الذى لا يرتفع شك إلى روايته مثل المفضل الضبى والأصمعى والمتهم الذى يجمع العلماء على إبطال روايته مثل حماد وخلف الأحمر. وفى تضاعيف ذلك كان الشعر الجاهلى يدوّن، بحيث لا نصل إلى أوائل القرن الثالث للهجرة حتى يتكامل تدوينه. والذى لا شك فيه أنه دخله انتحال كثير، ولم يكن القدماء غائبين عن ذلك، فقد نصّوا على كل ما شكوا فيه من رواة ومن شعر، حتى يحيطوه بسياج من التوثيق، أو بعبارة أدق حتى يحيطوا الصحيح منه. ومنذ أواسط القرن الماضى يلم المستشرقون بالمشكلة، واندفع منهم مرجليوث فى هذا القرن يزعم أن الشعر الجاهلى جميعه منحول على أهله، وهب كثير من المستشرقين يردّون عليه، وممن ذهب مذهبه فى تعميم الحكم على الشعر الجاهلى بالانتحال والوضع طه حسين، وإن لم يتسع بحكمه اتساع مرجليوث. وعلى هدى من آراء طه حسين ومرجليوث جميعا تناول القضية بلاشير فى الجزء الأول من كتابه «تاريخ الأدب العربى». وقد ناقشت آراءه وآراء غيره من الباحثين، وانتهيت إلى أن هناك شعرا منتحلا كثيرا لا سبيل
стр. 423
إلى الثقة به. ولكن بجانبه شعر صحيح رواه الثقات وعلى رأسهم المفضل الضبى والأصمعى، وهو الذى نستند عليه فى دراسة الأدب الجاهلى، دراسة نخضعه فيها لبحث داخلى دقيق. ومن أجل ذلك وقفت عند مصادره لأدل على قيمتها ومدى توثقها.
ومضيت أبحث فى خصائص الشعر الجاهلى، فتحدثت عن نشأته وأنها انطمرت فى ثنايا الجاهلية الأولى، بحيث لا نجد منذ أوائل العصر الجاهلى أو الجاهلية الثانية شيئا نستبين منه طفولته، إنما نجد هذه الصورة النموذجية المعروفة للقصيدة الجاهلية، وهى صورة شاعت بين القبائل جميعا، وكان للقبائل المضرية منها بالذات الحظ الأوفر. ووقفت عند موضوعاته، ولا حظت فيها بقايا من الصلة القديمة بين شعرهم والأناشيد الدينية التى كانوا يرتلونها لآلهتهم، كما وقفت عند معانيه ولا حظت أنها حسية تغلب عليها السطحية والتقريرية والسرعة السريعة، أما ألفاظه فكاملة الصياغة حافلة بالصقل والتجويد، زاخرة بقيم موسيقية وتصويرية كثيرة.
وأفردت بعد ذلك فصولا لأربعة من الشعراء، يعدهم النقاد السابقين المجلّين فى العصر الجاهلى، وهم امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى. واعتمدت فى دراسة الثلاثة الأولين على رواية الأصمعى لدواوينهم، وبدأت بامرئ القيس، فتحدثت عن حياته وكيف دخلتها الأسطورة، ثم تحدثت عن ديوانه، وبحثته بحثا داخليّا، فإذا أكثر ما يضاف إليه تشوبه الريبة بشهادة الأصمعى، واستظهرت أن تكون المعلقة وتاليتها فى ديوانه صحيحتين فى جملتهما ومثلهما القصيدتان الحادية عشرة والسابعة والعشرون لأنهما من رواية أبى عمرو بن العلاء، الثقة الصدوق.
ولا يبقى له بعد ذلك إلا مقطوعات قصيرة تعرض فيها لمن أجاروه ومن رفضوا جواره. واستطعت من خلال هذه النصوص القليلة أن أوزع شعره على دورتين فى حياته، دورة غلب عليه فيها اللهو والعبث، ودورة ثانية غلب عليه فيها الحزن والإحساس بسوء المصير. وأخيرا صوّرت خصائصه الفنية مبينا منزلته فى الشعر الحاهلى وكيف عدّ أياه غير منازع ولا مدافع.
وبحثت بعده النابغة الذبيانى، فتحدثت عن حياته، وكيف أمضاها فى بلاط
стр. 424
المناذرة والغساسنة سفيرا لقومه الذبيانيين، وكيف كان يحتل بين الشعراء مكانة مرموقة فى داخل الجزيرة وفى مكة وسوق عكاظ. وبحثت فى ديوانه على ضوء رواية الأصمعى، وأنكرت منها خمس قصائد على رأسها قصيدته فى المتجردة. وشعره من هذه الناحية أوثق من شعر امرئ القيس لأنه أقرب منه عهدا، ولم تدخل الأسطورة فى حياته ولا فى شعره. ووقفت عندما اشتهر به من مديح واعتذار، مبينا قدرته على الوصف ورصف الموضوعات وتنسيق المعانى وابتكار الصور والأخيلة، يهديه فى ذلك كله ذوق مهذب، هذبته الحضارة التى نعم بها فى الحيرة وعند الغساسنة، فإذا هو صاحب حسّ دقيق وشعور رقيق.
وكان يعاصره زهير بن أبى سلمى المزنى، وقد نشأ فى بنى مرة الذبيانيين بحيث عدّ فيهم، وتصادف أن كان خاله شاعرا وأن كان زوج أمه أوس بن حجر من كبار الشعراء الجاهليين، فحمل عنهما جميعا الشعر، وعاش له يتعلمه ويعلمه شعراء من بيته ومن غير بيته، بحيث أصبح أستاذا لمدرسة عرفت به.
وقد وقفت عند ديوانه وأسقطت منه ما أسقطه الأصمعى. ولا حظت أن الشعر عنده انتهى إلى صورة مثالية من التنقيح والتحبير فى قوالبه وصيغه تحبيرا لا حظه القدماء إزاء بعض مطولاته، فقالوا إنه يصنع القصيدة فى حول كامل وإن له سبع حوليّات.
وهو يضم إلى هذا التحبير عناية بعيدة بالتشبيهات والاستعارات، بحيث يعدّ حقّا شاعر التصوير فى العصر الجاهلى وكان يكثر من الحكم ومن الدعوة إلى الخير والسلام، فلا نغلو إذا قلنا إن شعره يعد صورة رفيعة للخير والحق والجمال.
وانتقلت إلى الأعشى، فتحدثت عن حياته التى كان ينفقها متنقلا فى أنحاء الجزيرة، ثم عرضت لديوانه، واضطررت لبحثه من خلال رواية يكثر فيها الانتحال، وتصادف أن كان راوية شعره مسيحيّا، فنحله كثيرا من الأفكار المسيحية، وتداول شعره القصّاص والوعّاظ المسلمون، فأضافوا إليه أشعارا كثيرة، لغرض العظة والاعتبار. كما أضاف إليه الرواة غير قصيدة، كقصيدته رقم ٢٤ التى تحكى قصة وفاء السموأل. وجعلنا هذا كلّه نشك فى كثير من قصائده وأشعاره، وإذا بنا نرفض أكثرها، ولا نبقى له إلا على نحو عشرين قصيدة.
وقد لا حظت عليه غلوّا فى المديح وتأثرا دقيقا بالحضارة التى عاصرته فى الحيرة، حتى
стр. 425
ليقترب شعره من شعر العباسيين لا فى معانيه فحسب، بل أيضا فى سهولة ألفاظه وخفة أوزانه. ونفس الموضوعين الأساسيين اللذين يدور فيهما شعره لا يختلفان فى شئ عما نقرؤه للعباسيين ونقصد وصفه للخمر وغزله وتدلهه فيه وما قد يلاحظ عنده من المبالغة المسرفة وكثرة التضمين.
وخرجت من هؤلاء الشعراء المبرزين إلى دراسة طوائف من الشعراء اتفقوا فى اتجاه من اتجاهات الحياة الجاهلية، فدرست أولا الفرسان وما يصوّرون فى أشعارهم من بطولتهم ومثاليتهم الخلقية الرفيعة. ثم درست الصعاليك وما يصورونه فى أشعارهم من غاراتهم وما نحسّه عند نفر منهم من تسام وعون للفقراء والمعوزين. ثم بحثت فى شعراء اليهود مبيّنا كثرة ما نحل عليهم. ووقفت عند النصارى من الشعراء أمثال عدىّ بن زيد العبادى، ولا حظت أن شعرا كثيرا زيّف عليه.
ولا نبالغ إذا قلنا إن أكثر ما يضاف إلى أمية بن أبى الصّلت، إن لم يكن كله، موضوع منتحل. وتدور الأشعار المضافة إليه فى موضوعين أساسيين، هما نشأة الكون وما يتصل بها من خلق السموات والأرض، والموت أو الفناء وما يعقبه من العذاب والثواب.
ولما فرغت من بحث الشعر الجاهلى وشعرائه انتقلت أبحث فى النثر الجاهلى، فلاحظت أن الجاهليين لم يعرفوا الرسائل الأدبية المحبرة، ولكنهم عرفوا القصص والأمثال والخطابة وسجع الكهّان. ومن الحق أنهم لم يدوّنوا شيئا من قصصهم، غير أن ما أضافه العباسيون إليهم يصوّر غير قليل من روحه وطبيعته وعرضت لأمثالهم وما كان من ازدهار الخطابة بينهم واصطلاحهم فيها على طائفة من السّنن والتقاليد. وكان كهّانهم يحاولون التأثير البالغ فى نفوس سامعيهم بما يسوقون إليهم من أسجاع وألفاظ غريبة وأقسام وأيمان موهمة. وكل ذلك يؤكد أن الجاهليين حاولوا فى نثرهم ما حاولوه فى شعرهم من روعة الأداء، حتى يستأثروا بقلوب سامعيهم ويخلبوا عقولهم وألبابهم.