← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ونلتقى فى زمن المماليك بابن المنير (١) الإسكندرى المتوفى سنة ٦٨٣ المتولى قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين، ويقول صاحب فوات الوفيات: «له ديوان خطب». وكان يعاصره أخطب الخطباء قاطبة أيام المماليك ابن دقيق (٢) العيد المتوفى سنة ٧٠٢ علم الأعلام وشيخ الإسلام وقاضى القضاة فى جميع ديار مصر منذ سنة ٦٩٥ إلى وفاته. ويشيد مترجموه بورعه وتقواه، ويقول السبكى: «له ديوان خطب مفرد معروف». وكان شاعرا، ويطيل مترجموه فى ذكر أشعاره، ولا يعرضون شيئا من خطبه ومواعظه إلا موعظة ذكر السيوطى أنه كتب بها إلى قاضى إخميم بالصعيد، وفيها يقول (٣): «نحمد الله الذى (يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور)، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، ونذكّره بأيام الله (وإن يوما عند ربّك كألف سنة مما تعّدون) ونحذره صفقة من باع الآخرة بالدنيا فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التذكار. وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار، والمقتضى لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم مما يجب للرب على المربوب، . . . وو الله إن الأمر عظيم، والخطب جسيم، ولا أرى. . إلا رجلا نبذ الآخرة وراه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همّه وهمته على حظّ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حب الجاه. . فاتق الله الذى يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فإن المحروم من فضله غير مرحوم. . واجعل أكثر همومك الاستعداد ليوم المعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد فإنه يقول: (فو ربّك لنسألنّهم أجمعين عما كانوا يعملون). ولعل فى هذه القطعة ما يصور وعظ ابن دقيق العيد فى خطبه وأنه كان يتدفق فيه كالنيل العذب. مما جعل معاصريه يشيدون طويلا برقائق وعظه وكلمه التى كان يخلب بها وبما يضمنها من آى الذكر الحكيم عقول مستمعيه، فيملأ نفوسهم بالإنابة إلى الله. وكان دائما يرفع أمام أعينهم أهوال يوم المحشر يوم تجزى كل نفس بما كسبت وعملت وقدمت، فاذا هم يرتجفون ويبكون بدموع غزار، وقد خشعت قلوبهم وذابت نفوسهم وهلعوا إلى دعاء الله يستغفرونه ويتوبون إليه توبة نصوحا.

стр. 3607

وما يزال السيوطى فى حسن المحاضرة يسوق إلينا أسماء كبار الوعاظ وخاصة بين الصوفية، ومرّ بنا فى الفصل الأول حديث مفصل عن التصوف بمصر وكيف أخذ يزدهر بها منذ عنيت به الدولة فى عهد صلاح الدين، وإنشائه لخانقاه سعيد السعداء. واتسع بناء الخانقاهات بعده فى أيام المماليك، وكانت دورا كبيرة للنسك ودراسة العلوم الدينية على نحو ما يذكرون عن خانقاه سرياقوس التى أنشأها الناصر محمد بن قلاوون، ومرّ حديث مفصل عنها وعن غيرها من الخانقاهات المملوكية. وبنوا بجانبها للصوفية اثنى عشر رباطا. كل ذلك عمل على ازدهار التصوف بمصر منذ القرن السادس الهجرى. وكان كثير من الصوفية يتبعون الطريقتين العراقيتين: القادرية الجيلانية والرفاعية. ولم تشع طريقة فى العالم الإسلامى إلا كان لها فروع وأتباع فى مصر، وأخذت تؤسّس بها طرق مشهورة فى مقدمتها الطريقة الشاذلية المنسوبة إلى مؤسسها أبى الحسن الشاذلى المتوفى سنة ٦٥٦ وسنخصه بترجمة قصيرة. وتلتها سريعا الطريقة البرهامية نسبة إلى إبراهيم (١) الدسوقى المتوفى سنة ٦٧٢ بدسوق بالقرب من رشيد، وهو من ذرية على بن أبى طالب، والطريقة الأحمدية نسبة إلى أحمد (٢) البدوى المتوفى سنة ٦٧٥ بطنطا وهو أيضا سليل على بن أبى طالب. وكان لكل طريقة ورد خاص تردده، كله ابتهالات إلى الله ومناجيات وأدعية، وكثرت على ألسنة المتصوفة هذه الأدعية والمناجيات والابتهالات والأوراد، وسنعرض لهذا الحانب عند أبى الحسن الشاذلى فى ترجمته. ونسوق قطعة من ورد أو حزب إبراهيم الدسوقى، يقول مناجيا ربه: «بأسمائك يا رب العالمين. بالسموات القائمات، فهن بالقدرة واقفات، بالسّبع المتطابقات، بالحجب المترادفات، بمواقف الأملاك (الملائكة) فى مجارى الأفلاك. بالكرسى البسيط، بالعرش المحيط. . اللهم احرسنى من كيد الفاسق، ومن سطوة المارق، ومن لدغة المنافق». وكان يعاصر الدسوقى والبدوى أبو العباس (٣) المرسى المتوفى سنة ٦٨٦ تلميذ أبى الحسن

стр. 3608

الشاذلى، وهو أندلسى من مرسية، ولد بها سنة ٦١٦ للهجرة، وفى الرابعة والعشرين من سنّه خرج إلى الحج، وفى طريقه توقف بتونس، وفيها تعرف على الصوفى الكبير أبى الحسن الشاذلى، وأصبح أقرب أتباعه ومريديه إليه، حتى إذا رحل إلى الاسكندرية سنة ٦٤٢ رحل معه. وكان لا يبرح مجلسه، وزوّجه ابنته، وأعلن إلى أتباعه فى جامع العطارين بالإسكندرية أنه خليفته، وكان يتقن العلوم الشرعية، ويدرّسها هى وبعض كتب الصوفية، وأقبل على دروسه الطلاب. واستأذن شيخه فى السفر إلى القاهرة للتدريس بمساجدها ونشر طريقته بها، فأذن له، وكان يلقى دروسه فى الجامع العتيق: جامع عمرو بن العاص وجامع المقس ويسمى الآن جامع أولاد عنان بالقرب من محطة باب الحديد. وكانت حلقته فى الجامعين تزدحم بالطلاب والعلماء. وتوفى أستاذه سنة ٦٥٦ فخلفه على الطريقة، وكان أكثر مقامه بالإسكندرية، ومن حين إلى حين ينزل القاهرة، ناشرا هنا وهناك الطريقة الشاذلية، ولتلميذه ابن عطاء الله كتاب قصره عليه وعلى أستاذه الشاذلى سماه «لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وشيخه أبى الحسن» ويعد جامعه اليوم أكبر جوامع الإسكندرية، ويورد ابن عطاء الله كثيرا من أقواله، كما يورد له وردا أو حزبا نقتطف من ابتهالاته وأدعيته قوله (١): «اللهم إنا نسألك الخوف منك والرجاء فيك، والمحبة لك، والشوق إليك، والأنس بك، والرضا منك، والطاعة لأمرك، على بساط مشاهدتك، ناظرين منك إليك، وناطقين بك عنك. . اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية والإخلاص والخشوع والهيبة والحياء والمراقبة ونور اليقين والعلم والمعرفة والحفظ والعصمة والنشاط والقوة والستر والمغفرة والفصاحة والبيان والفهم فى القرآن وخصّنا منك بالمحبة. . وآتنا العلم اللدنىّ والعمل الصالح والرزق الهنىّ على بساط علم التوحيد والشرع. . وسخّر لى الرزق واعصمنى من تعلق الهمة به ومن الذل للخلق بسببه. . وهب لى لسانا لا يفترعن ذكرك وقلبا يسمع بالحق منك. . وبغّض لنا الدنيا وحبّب لنا الآخرة. . اللهم لا تعذبنا بإراداتنا وحب شهواتنا فنشتغل أو نحجب أو نفرح بوجود مرادنا أو نحزن أو نسخط. . وأنت أعلم بقلوبنا فارحمنا بالنعيم الأكبر والمزيد الأفضل والنور الأكمل».

стр. 3609

والورد طويل ويتخلله كثير من الآيات القرآنية، وهو مناجاة روحية صافية للذات العلية. ويتضح فيه كيف تجمع الطريقة الشاذلية بين علم الشريعة وعلم الحقيقة الصوفية، ولعل ذلك ما جعلها تشدّد على أتباعها فى أن لا يلبسوا المرقّعات وأن لا يسألوا الناس شيئا مما فى أيديهم من مال أو غذاء مع الاعتماد على النفس فى كسب القوت عن طريق التجارة والزراعة وغيرهما. وبذلك وصلت بين أتباعها والحياة والشريعة، وسنخص ابن عطاء الله تلميذ أبى العباس المرسى بترجمة قصيرة. ومن متصوفة مصر المعاصرين لأبى العباس عبد العزيز (١) الدّميرىّ الدّيرينىّ، ولد بقرية دميرة بالقرب من دمياط سنة ٦١٢ وتوفى بديرين فى الصعيد سنة ٦٩٤ وكان يتجول فى ريف مصر شمالا وجنوبا، وكان فقيها شافعيا، ونظم كتاب التنبيه لأبى إسحاق الشيرازى، ونظم سيرة نبويّة، وكان له تفسير فى مجلدين. وكان متقشّفا مخشوشنا، وله فى التصوف كتاب «طهارة القلوب فى ذكر علام الغيوب» وهو يمتلئ بمناجيات إلهية بديعة من مثل قوله: «إلهى، عرّفتنا بربوبيّتك، وغرّقتنا فى بحار نعمتك، ودعوتنا إلى دار قدسك، ونعّمتنا بذكرك وأنسك. إلهى، إن ظلمة ظلمنا لأنفسنا قد عمّت، وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمّت، فالعجز شامل، والحصر (٢) حاصل، والتسليم أسلم، وأنت بالحال أعلم. إلهى، ما عصيناك جهلا بعقابك، ولا تعرّضا لعذابك، ولكن سوّلت (٣) لنا نفوسنا، وأعانتنا شقوتنا، وغرّنا سترك علينا، وأطمعنا فى عفوك برّك بنا، فالآن من عذابك من يستقذنا؟ وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنا؟ واخجلتنا من الوقوف غدا بين يديك، وافضيحتنا إذا عرضت أعمالنا القبيحة عليك. اللهم اغفر ما علمت، ولا تهتك ما سترت. إلهى، إن كنا عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل، حيث علمنا أن لنا ربّا يغفر الذنوب ولا يبالى». وهى مناجاة لله بديعة صافية كل الصفاء نقية كل النقاء، مناجاة تنبئ عن قصور العبد وتعلقه

стр. 3610

بربه وطمعه فى غفرانه وعفوه إذ يرى كل صلاته ونسكه وعبادته وكل ما قدم يقصر عن حق إلهه. ويروى السبكى مناجاة لصوفى شاذلى من صوفية القرن الثامن هو شمس (١) الدين بن اللبان محمد ابن أحمد المتوفى سنة ٧٤٩ وقد أخذ الطريقة الشاذلية عن ختنه (والد زوجته) ياقوت العرشى تلميذ أبى العباس المرسى، ويقول السبكى إنه نقل مناجاته عن كتابه «المتشابه فى الربانيات» وهى تطرد على هذا النمط. «الهى! جلّت عظمتك أن يعصيك عاص، أو ينساك ناس، ولكن أوحيت روح أوامرك فى أسرار الكائنات، فذكرك الناسى بنسيانه، وأطاعك العاصى بعصيانه، وإن من شئ إلا يسبّح بحمدك، إن عصى داعى إيمانه فقد أطاع داعى سلطانك، ولكن قامت عليه حجّتك، ولله الحجّة البالغة: (لا يسال عما يفعل وهم يسألون). ويبدو أن كتاب المتشابه فى الربانيات كان شطحات كثيرة على نحو ما نرى الآن من قوله: إن العاصى يطيع الله بعصيانه وإنه إن عصى داعى إيمانه فقد أطاع داعى سلطانه، فكيف يعد العاصى لله مطيعا له؟ وإذن لا يكون فى الدنيا عاص ومطيع. ولذلك يقول السبكى إن هذه المناجاة مما أخذ عليه. ويقول ابن حجر: ضبطت عليه كلمات على طريق الاتحادية القائلين بالحلول، كما يقول إن له كتابا على لسان الصوفية، فيه من إشارات الصوفية القائلين بالوحدة، وهو فى غاية الحلاوة لفظا وفى المعنى سم قاتل. وكان يعاصره يوسف (٢) بن عبد الله العجمى الكردىّ المصرى الدار المتوفى سنة ٧٦٨ وقد دفن بزاويته بقرافة مصر. ويقول ابن حجر: «له زوايا فى عدة بلاد». ويصفه ابن تغرى بردى بقوله: «الإمام العالم المسلّك الصوفى العارف بالله تعالى المعتقد. . وقبره يقصد للزيارة، كان شيخا حقيقة ومقتدى طريقة، كان إمام المسلّكين (آخذى العهود على المريدين) فى عصره وله رسالة فى التصوف سماها «ريحان القلوب والتوصل إلى المحبوب». ومن هذه الرسالة مخطوطتان بدار الكتب المصرية وقد ذكر فيها شرائط التوبة ولبس الخرقة أو المرقعة الصوفية وتلقين الذكر. . ويقول ابن تغرى بردى: انتفع بصحبته جماعة من العلماء والصلحاء والفقهاء، وكان

стр. 3611

على قدم هائل، كان غالب علماء عصره يقتدون به، وكان له أوراد وأذكار هائلة» وهذه الأذكار والأوراد سقطت من يد الزمن. وهو وأوراده رمز لمن جاء بعده من المتصوفة فى أيام المماليك وما كان لهم من أوراد وأحزاب سقطت من يد الزمن. ونمضى إلى أيام العثمانيين ونلتقى فى مطلعها بأبى السعود (١) الجارحى المتصوف المتوفى سنة ٩٣٠ ويشيد به الشعرانى، وأهم منه الشعرانى (٢) نفسه المتوفى سنة ٩٧٣ وقد ألممنا به فى حديثنا عن الزهد والتصوف فى الفصل الأول، وفى كتابه «لطائف المنن والأخلاق» بيان بالمؤلفات التى قرأها وبأساتذته ومراحل حياته الصوفية والأخلاق التى التزمها فى حياته. ومع أنه صوفى سنى نراه يدافع عن أستاذه الروحى: ابن عربى، محاولا تأويل عباراته على نحو ما يصور ذلك فى كتابه «الكبريت الأحمر فى علوم الشيخ الأكبر». وتظل الطرق التى عرضنا لها فى غير هذا الموضع ناشطة بمصر. ويعلو شأن الطريقة الخلوتية المنسوبة الى الشيخ محمد الخلوتى منذ نزل القاهرة الشيخ مصطفى (٣) بن كمال الدين البكرى الناشئ ببيت المقدس، وقد طوّف فى بلدان الشام والعراق وتركيا وحج مرارا وسكن بأخرة القاهرة وتوفى بها سنة ١١٦٢ ويعرّف به الجبرتى قائلا: شيخ الطريقة والحقيقة، قدوة السالكين، ومربى المريدين الإمام المسلّك، تآليفه تقارب المائتين، وأوراده أكثر من ستين وردا. وأجلها ورد السحر، ونقتطف من مناجياته لربه فيه وابتهالاته قوله (٤): «إلهى، أنت المدعوّ بكل لسان، والمقصود فى كل آن. إلهى، أنت قلت: (ادعونى أستجب لكم) فها نحن متجهون إليك بكليتنا فلا تردّنا، واستجب لنا كما وعدتنا. إلهى، اين المفر منك وأنت المحيط بالأكوان؟ وكيف البراح عنك وأنت الذى قيّدتنا بلطائف الإحسان.

стр. 3612

إلهى، بحق جمالك الذى فتتّ به أكباد المحبين، وبجلالك الذى تحيرت فى عظمته ألباب العارفين. إلهى، بالنور المحمدى الذى رفعت على كل رفيع مقامه، وضربت فوق خزانة أسرار ألوهيّتك أعلامه، افتح لنا فتحا صمدانيا وعلما ربانيّا، وتجلّيا رحمانيا، وفيضا إحسانيا». وعن هذا الشيخ أخذ الطريقة الخلوتية جمع من العلماء المصريين الأعلام فى مقدمتهم الشيخ الحفنى شيخ الجامع الأزهر وهو ملتقى أسانيد الطريقة بعده، وممن أخذها عنه الشيخ أحمد الدردير. وسنخصه بترجمة قصيرة بعد أبى الحسن الشاذلى وابن عطاء الله السكندرى. أبو الحسن (١) الشاذلى هو على بن عبد الله بن عبد الجبار، من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب، ولد سنة ٥٩٣ للهجرة بقرية تسمى غمارة بالقرب من سبتة فى المغرب الأقصى، وعلى عادة لداته فى النشأة بدأ حياته بحفظ القرآن الكريم وأكبّ على العلوم الاسلامية واللغوية حتى أتقنها. ولم يكد يبلغ نحو العشرين من عمره حتى أحسّ برغبة شديدة للنهل من معين الصوفية، فرحل إلى المشرق ليلقى العلماء النساك، ونزل تونس، ولقى فيها وفى المدن المغربية قبلها حملة طريقة الصوفى المغربى أبى مدين. ولم يلبث أن عزم على أداء فريضة الحج فزار مصر ودخل الحجاز، ثم زار فلسطين والشام والعراق، وتعرف فى بغداد على صوفى رفاعى هو أبو الفتح الواسطى، وكأنما كان باب سلوكه الصوفى. وعاد إلى المغرب، فكان من محاسن الصدف أن تعرف فى فاس على صوفى هو عبد السلام بن مشيش، فلزمه، واتخذه إماما وشيخا، وقد دفعه دفعا إلى أن يعيش للتصوف ومحبة الله، إذ كان يكرر عليه قوله: «أدمن على الشرب والمحبة وكأسهما مع السكر والصحو، كلما أفقت أو تيقظت شربت، حتى يكون سكرك به، وحتى تغيب بجماله عن المحبة وعن الشرب والشراب والكأس، بما يبدو لك من نور جماله، وقدس كما له وجلاله». ولم يلبث شيخه أن أمره

стр. 3613

بالهجرة إلى شاذلة بالقرب من تونس فى إفريقية الوسطى، فهاجر إليها، وهناك أخذ ينشر فى الناس الدعوة إلى التصوف، ولصقت البلدة باسمه حتى اشتهر باسم الشاذلى وكان يتركها أحيانا إلى تونس وفيها تعرّف بتلميذه أبى العباس المرسى وتوثقت الصلة بينهما فى الله ومحبته حتى قال له الشاذلى يوما: «ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا» وهاجر الشاذلى وتلميذه أبو العباس وجمع من مريديه إلى الاسكندرية فى سنة ٦٤٢ وبها ألقى عصا تسياره، وذاع صيته لا فى الإسكندرية وحدها، بل أيضا فى القاهرة، إذ كان يتردد عليها لنشر طريقته الصوفية، وكان يحضر مجالسه فى مدرسة الحديث الكاملية شيوخ الإسلام حينئذ وأكابر العلماء من الفقهاء والمحدثين والمفسرين. . وكان يلقى دروسه ومواعظه فى الاسكندرية بجامع العطارين. وطار صيته فيها وفى القاهرة والمدن المصرية، فانهال المصريون عليه، يطلبون القرب من الله على يديه، وفى هذه الأثناء أصاب عينيه رمد أفقده بصره. وكان يعجب بأبى العباس المرسى منذ لقائه به فأعلن فى أتباعه-كما مر بنا-أنه خليفته على طريقته، وهى تقوم على التمسك بالكتاب والسنة والشريعة المحمدية بجانب النسك والعبادة وصدق القلب. والشعور الباطنى الصوفى. وهاجم الشاذلى بقوة حياة الخانقاهات والتسول التى كان يعيشها الدراويش الرحّل، فعنده أن الصوفى الحقيقى لا يكون سائلا ولا طفيليا يمد يده للغير، بل لا بد أن يعتمد على نفسه فى كسب قوته، فتصوّفه أو طريقته الصوفية كانت طريقة سنية. وكان يدعو مريديه لحمل السلاح ضد أعداء الإسلام الصليبيين، وكان يرحل معهم إلى ميادين الحرب كما حدث فى موقعة المنصورة المشهورة لعهد السلطان نجم الدين أيوب وابنه توران شاه حين اقتحم لويس التاسع ملك فرنسا دمياط وتقدم منها سنة ٦٤٧ بجيشه نحو المنصورة إذ نجده مع مريديه هناك، ونجد معه شيوخ الدين وعلماءه الكبار من مثل العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد ومحيى الدين بن سراقة وغيرهم من جلّة الشيوخ. وحدث أن تكلموا يوما واعظين، وجاء الدور فى الكلام والخطابة على أبى الحسن، فتكلم-كما يقول الرواة-بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة، وانبهر الشيخ العز بن عبد السلام، فقام هاتفا منبهرا قائلا: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله». وأنزل الجيش المصرى بالصليبيين هزيمة ساحقة، واستسلم ملكهم لويس التاسع ذليلا كسيرا، وارتحلوا عن دمياط خاسئين مدحورين إلى البحر المتوسط وماوراءه.

стр. 3614

وعاد أبو الحسن الشاذلى إلى الاسكندرية والعلماء والناس يكبّون عليه للاستزادة من علمه وطريقته وتعاليمه. حتى إذا كانت سنة ٦٥٦ خرج إلى الحج عن طريق القصير ومعه أبو العباس وبعض مريديه، وفى صحراء عيذاب بين قنا والقصير أحسّ بدنو أجله فأعلن إلى أتباعه استخلافه عليهم أبا العباس المرسى، ولم يلبث أن أسلم روحه إلى بارئه. وتدل أقواله وأدعيته وابتهالاته ومناجياته لربه فى أوراده على أنه كان يملك ناصية العربية مصرّفا أزمتها كيف شاء، وله أوراد كثيرة، وقد ساق ابن عطاء الله منها فى كتابه لطائف المنن أربعة أوراد له أو أحزاب، لعل أهمها الحزب المسمى بالحزب الكبير وهو يستهله ويتخلّله بآيات قرآنية كثيرة، ويناجى ربه فيه بمثل قوله: «أللهم إنك تعلم أنى بالجهالة معروف، وأنت بالعلم موصوف، وقد وسعت كل شئ من جهالتى بعلمك فسع ذلك برحمتك كما وسعته بعلمك واغفرلى إنك على كل شئ قدير. يا رزاق يا قوى يا عزيز! لك مقاليد السموات والأرض تبسط الرزق لمن تشاء وتقدر فابسط لنا من الرزق ما توصّلنا به إلى رحمتك، ومن رحمتك ما تحول به بيينا وبين نقمتك، ومن حلمك ما يسعنا به عفوك، واختم لنا بالسعادة التى ختمت بها لأوليائك، واجعل خير أيامنا وأسعدها يوم لقائك، وزحزحنا عن حب الدنيا وعن نار الشهوة وأدخلنا بفضلك فى ميادين الرحمة، واكسنا من نورك جلابيب العصمة، واجعل لنا ظهيرا من عقولنا، ومهيمنا من أرواحنا، ومسخرا من أنفسنا (كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا)». اللهم إنا نسألك إيمانا دائما، ونسألك قلبا خاشعا، ونسألك علما نافعا، ونسألك يقينا صادقا، ونسألك دينا قيّما، ونسألك العافية من كل بليّة، ونسألك الشكر على العافية، ونسألك الغنى عن الناس». والمناجاة طويلة، وهو يلم فيها-كما نرى-بطلب المغفرة والرحمة من ربه وأن يكون خير أيامه وأسعدها يوم لقائه وأن ينفّره من حب الدنيا ويعصمه من شهواتها وأن يجعل حياته نسكا وعبادة له. وما يزال فى الورد يتمنى أن يهبه الله رضاه وحبّه وأن يدفع عه كل ضر وأذى وأن يغنيه عن السؤال وأن ينعم عليه بعزّ الدنيا من الإيمان والمعرفة وبعز الآخرة من اللقاء والمشاهدة. ولم يكن يطلب إلى أصحابه أن يشقوا على أنفسهم فى العبادة والنسك وأن يلبسوا الخرق والمرقّعات بل كان يطلب إليهم الرفق بأنفسهم فى التقوى والعبادة، وأن يشتركوا فى الحياة مع مجتمعهم تجارا وزراعا وأصحاب حرف، فإن العمل نفسه يعد عبادة. وبذلك كان يدعو أتباعه أن لا يكونوا عالة على

стр. 3615

المجتمع بل يعملوا ويجدوا مع صفاء النفس وسمو الروح، ومع التقوى والعمل الصالح. وشاعت طريقته فى الديار المصرية وفى شمال أفريقيا وخاصة فى الشمال الغربى، وتفرعت منها أكثر من عشرة طرق من أهمها الطريقتان الوفائية والخلوتية. ابن عطاء (١) الله السكندرى هو تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندرى، ولد بالإسكندرية فى أواخر العقد السادس من القرن السابع، واستهل حياته بحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ يعكف على دراسة. العلوم الدينية واللغوية حتى برع فيها، يقول السيوطى: «كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه على مذهب مالك». ويبدو أنه جمع إلى مذهب مالك دراسة مذهب الشافعى مما جعل السبكى يترجم له فى طبقات الشافعية، وله فى مذهب مالك مختصر تهذيب المدونة للبرادعى. وكان فى أول أمره منصرفا عن التصوف والصوفية. بل كان ينكر عليهم طريقتهم، حتى تصادف أن استمع إلى أبى العباس المرسى تلميذ أبى الحسن الشاذلى، فأعجب به، وأخذ يقتنع بطريقة القوم، حتى أصبح أكبر مريد لأبى العباس وآثر تلاميذه عنده، ولما توفى سنة ٦٨٥ خلفه على رياسة الطريقة الشاذلية. وله فضل كبير فى نشرها، فقد كان فقيها كبيرا، كما كان صوفيا شاذليا لسنا، فجلس مجلس أستاذه يدرّس للناس الفقه والتفسير ويعظهم، فيبلغ كل ما يريد من التأثير فيهم. واستوطن ابن عطاء الله القاهرة، واتخذ له حلقة فى الجامع الأزهر تارة وفى المدرسة المنصورية تارة أخرى يعظ الناس ويرشدهم، وأكبّ عليه الفقهاء وفى مقدمتهم تقى الدين السبكى، وأكبّت عليه العامة، ودخل كثيرون فى طريقته لروعة وعظه وحسن بيانه، وخاصة أنه كان يمزج مواعظه بالقرآن الكريم والحديث النبوى وأقوال السلف. فكثر أتباعه، وأصبح لطريقته الشاذلية شأن عظيم، وكان يكرر ويردد دائما مبدأها الأساسى وهو أن الصوفى الحقيقى من يجمع بين علوم الشريعة وعلوم الصوفية، وأنه لا تصوف بدون أداء الفرائض والنوافل، وأن على المتصوف أن يكتسب قوته وما يقيم به أوده، وأما من يسألون الناس ويتضرعون إليهم طالبين ما يسدّون به رمقهم

стр. 3616

فليسوا من التصوف فى شئ. فالصوفى يعمل ويحنى ثمرة عمله ولا يسأل سوى ربه راضيا برزقه ونصيبه من دنياه، ويقول ابن حجر: «كان المتكلم على لسان الصوفية فى زمانه» والّف فى مناقب شيخه أبى العباس المرسى وأبى الحسن الشاذلى كتابه «لطائف المنن» فأرسى به الطريقة وتعاليمها وكتب لها الذيوع. ويقول الذهبى: «كانت له جلالة عجيبة ووقع فى النفوس ومشاركة فى الفضائل» ويقول السبكى: «كان إماما عارفا صاحب إشارات وكرامات وقدم راسخ فى التصوف» ويقول صاحب النجوم الزاهرة فى التعريف به «الشيخ القدوة العارف بالله تعالى الصوفى الواعظ المذكّر المسلّك، وكان يحضر حلقة وعظه خلق كثير، وكان لوعظه تأثير فى القلوب وكان له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق». وصنّف ابن عطاء الله «لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وشيخه أبى الحسن والتنوير فى إسقاط التدبير، والمرقى إلى القدس الأبقى، وتاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس، ومفتاح (١) الفلاح ومصباح الأرواح». وواضح من عنوانات هذه المصنفات أنها كتب صوفية. وله أقوال وكلمات بليغة دوّنها أصحابه فى كتاب باسم «حكم ابن عطاء الله السكندرى» وهى منشورة. وله أشعار على طريقة الصوفية. أنشدنا منها مقطوعة فى غير هذا الموضع. وتوفى بالمدرسة المنصورية كهلا سنة ٧٠٩ ودفن بجبانة (٢) آل أبى الوفا شرقى جبانة الإمام الليث، وكانت جنازته-كما يقول مترجموه- حفلة لكثرة أتباعه من الفقهاء والعلماء والعامة. وكان ابن عطاء الله إذا وعظ استرسل فى وعظه، وقد يذكر آية قرآنية أو حديثا نبويّا فتتوالى سيول القول، من ذلك ما جاء فى وصفه للرسول ﷺ فى كتابه «لطائف المنن» إذ يقول: «مشرق الأنوار ومعدن الأسرار، من له الفتح والختام، والحائز للمقامات العلية بالتمام، رسول رب العالمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. فهو نور الأنوار وسر الأسرار، إليه تنزل الأسرار الربانية، وعنه تؤخذ المعارف الإلهية. أخذ أهل الظاهر عنه ظاهرهم، وأخذ أهل الباطن (الصوفية) منه باطنهم، وقال ﷺ : العلماء ورثة الأنبياء، وكل على قدر إرثه، وإرثه على قدر نوره، ونوره على قدر فتحه، وفتحه على قدر صفاء قلبه، وصفاء قلبه على قدر معرفته بربه، ومعرفته بربه على حسب ما سبق له من حبه».

стр. 3617

وتكثر عنده مثل هذه التفريعات والتوليدات فى الكلام، وكأنما يستمد من معين ذهنى وروحى لا ينضب، مع التنويع الدائم فى الأفكار وتشعيبها شعبا وفروعا لا تكاد تقف عند حد، وكأنما يريد أن يشيد منها طبقات، بعضها فوق بعض، أو كأنما يريد أن يرفع منها صروحا شاهقة. وقد يستعين بالتكرار مع تلوين الأسلوب ألوانا مختلفة على شاكلة قوله واعظا: «كيف يتصوّر أن يحجب الله شئ وهو الذى أظهر كل شئ؟ كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الذى ظهر بكل شئ؟ كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الذى ظهر فى كل شئ؟ كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الذى ظهر لكل شئ؟ كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الظاهر قبل وجود كل شئ؟ كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الواحد الذى ليس معه شئ؟ كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو أقرب إليك من كل شئ؟ يا عجبا كيف يظهر الوجود فى العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟ » والعظة تدور على أن لا حجاب بين العبد ومولاه إذ هو مظهر الكائنات جميعا وموجدها، وجميعها تشهد بوجوده، وإنه ليتجلى فيها جميعا. وقد ظهر لها وعرفته وسبّحته، وإن وجوده لأبدى أزلىّ، وإنه لواجب الوجود وحده دون سواه، وإنه لأقرب إلى الإنسان من كل شئ، أقرب إليه من حبل الوريد. ويا عجبا كيف يحجبه الفانى الحادث، وهو القديم الأزلى. وهو يسر فى العرض وروعة بيان وبلاغة. ويروى أن السلطان لاجين طلبه ليعظه، وسأله فى أثناء وعظه عن الشكر، فأجابه توا: «الشكر على ثلاثة أقسام: «شكر باللسان، وشكر بالأركان، وشكر بالجنان. فشكر اللسان: التحدث بالنعمة، قال تعالى: ﴿(وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)﴾. وشكر الأركان: العمل بطاعة الله قال تعالى: ﴿(اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً)﴾. وشكر الجنان: الاعتراف بأن الله وحده هو المنعم قال تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ)﴾. وسأله لاجين: ما الذى يصير به الشاكر شاكرا؟ فقال: إذا كان ذا علم فبالتبيين والإرشاد، وإذا كان ذا غنى فبالبذل والإيثار للعباد، وإذا كان ذا جاه فبإظهار العدل فيهم ودفع الأضرار والأنكاد». وبحق ما قاله الشعرانى من أن لكلامه حلاوة وجلالة.

стр. 3618

أحمد (١) الدردير هو أحمد بن محمد العدوى المالكى الأزهرى الشهير بالدردير، ولد ببنى عدى سنة ١١٢٧ للهجرة وحفظ القرآن الكريم وجوّده وشغف بطلب العلم، فورد القاهرة، وأكبّ على حلقات العلماء يأخذ كل ما عندهم من حديث وفقه وتفسير وعلم كلام ولغة ونحو وبلاغة. وشغف بدروس الشيخ الحفنى شيخ الجامع الأزهر حينذاك، وكان قد انتظم فى سلك الخلوتية-كما مرّ بنا-عن طريق الشيخ الخلوتى الكبير مصطفى بن كمال الدين البكرى، فأخذ الدردير عنه الطريقة فيمن أخذوها عنه من العلماء والأجلاء وكان زاهدا عفيفا تقيا ورعاسليم الباطن مهذبا كريم الخلق، فقربه منه الشيخ الحفنى وشيوخه بعامة. وسرعان ما أذنوا له بالإفتاء فى حضرتهم، وأجازوا له التدريس، فكان يدرس للطلاب المذهب المالكى، وله فيه شرح «مختصر خليل» اقتصر فيه على الراجح من أقوال أئمة المذهب المالكى. ولما توفى شيخ المالكية: الشيخ الصعيدى شغل مكانه فى المشيخة والإفتاء، وعيّن ناظرا على وقف الصعايدة وشيخا لطائفته الخلوتية الصوفية. وعدّد الجبرتى فى تاريخه مؤلفات الدردير فى الفقه المالكى وفى علم التوحيد وفى متشابهات القرآن وفى علوم البلاغة. وذكر له بجانب ذلك مؤلفات فى التصوف منها تحفة الإخوان فى آداب أهل العرفان، وشرح على ورد الشيخ كريم الدين الخلوتى، وشرح على صلوات السيد أحمد البدوى وهى صلوات نبوية. ومازال الدردير يتولى مشيخة المالكية بالجامع الأزهر ومشيخة الطائفة الخلوتية الصوفية حتى توفى سنة ١٢٠١ للهجرة، وصلّى عليه بالأزهر فى مشهد عظيم، ودفن بزاويته التى بناها بحى الكعكيين. وله ورد أو حزب مشهور باسم المسبعات (٢) والصلوات، والمسبعات أدعية وابتهالات عشر، وتليها صلوات عطرة على الرسول ﷺ ، وله معها منظومة لأسماء الله الحسنى، تشتمل فى نهايتها على صلوات وتسليمات على الرسول ﷺ وأدعية له ولشيوخه فى الطريقة الخلوتية، ومما يقول فى مسبعاته داعيا ربه متبتلا إليه. «اللهم إنى أعوذ بك من الفقر إلا إليك ومن الذل إلا لك ومن الخوف إلا منك، وأعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا. وأعوذ بك من شماتة الأعداء،

стр. 3619

وعضال الداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجاءة النقمة. اللهم إنى أعوذ بك من شر الخلق وهمّ الرّزق، وسوء الخلق. اللهم إنى أعوذ بك من الزّيغ والجزع، وأعوذ بك من الطمع فى غير مطمع». ويظل يستعيذ من الهم والحزن ومن شر ما خلق الله ومن أن يظلم أو يظلم أو يبغى على إنسان أو يبغى عليه ذو سلطان أو يطغى أو يطغى عليه. ويستعيذ من الشرك الظاهر والخفى، ويتوسل إلى الله أن يكون دائما فى حرز منيع من جميع خلقه، وأن يظل معافى فى بدنه ودينه ودنياه. وننتقل معه إلى الصلوات على الرسول، وتتضح فيها نظرية الحقيقة المحمدية التى مر بنا حديث عنها عند البوصيرى، إذ يقول: «اللهم اجعل أفضل صلواتك أبدا، وأنمى بركتك سرمدا، وأزكى تحيّاتك فضلا وعددا، على أشرف الخلائق الإنسانية، ومجمع الحقائق الإيمانية. . شاهد أسرار الأزل، وترجمان لسان القدم. . وإنسان عين الوجود العلوى والسّفلى، روح جسد الكونين، وعين حياة الدارين. اللهم صلّ على من منه انشقّت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، ونزلت علوم آدم فأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه مناسابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة. اللهم صلّ على الذات المحمدية، اللطيفة الأحدية، شمس سماء الأسرار، ومظهر الأنوار. ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجمال». ونظرية الحقيقة المحمدية وما يطوى فيها من قدم الوجود المحمدى وأن وجود الكائنات مستعار منه واضحة فى قول الدردير عن الرسول ﵇ إنه ترجمان لسان القدم، وإنسان عين الوجود العلوى والسفلى وروح جسد الكونين وأن الأنوار منه انشقت، فنوره هو المرئىّ فى كل نور، ووجوده هو المشاهد فى كل وجود. وكل ذلك يعنى أزلية النور المحمدى أو قل أزلية الحقيقة المحمدية. ويوزع الدردير صلواته على الحروف الهجائية فلكل حرف سجعاته الخاصة، ومع الصلوات أدعية وابتهالات شتى من مثل قوله فى الصلوات على حرف الدال: «اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد واسلك بنا طريق الرشاد. وصلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد واخلع علينا خلع الرّضوان والوداد، وصلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وتوّجنا بتاج القبول بين العباد.

стр. 3620

وصلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وارأف بنا رأفة الحبيب بحبيبه يوم التّناد (١)» وتتوالى مثل هذه الأدعية مع الصلوات على الرسول ﷺ وكأن الدردير يستمد من معين لا ينضب، وهو معين يسيل دائما سلاسة وعذوبة. ٥ - كتب النوادر والسير والقصص الشعبية (ا) كتب النوادر تطلق كلمة النوادر إطلاقين، فهى تارة يراد بها الأقاصيص القصيرة التى تروّح عن النفس أو التى يقصد بها إلى غرض خلقى نبيل، وتارة يراد بها أقاصيص فكهة قصيرة سخرية بحاكم أو معلم أو قاض أو بخيل. وكتب الأدب العربى تمتلئ بهذين النوعين من كتب النوادر، وهى كثيرة فى مصر على مدار هذا العصر، ونكتفى بالحديث عن كتاب من المجموعة الأولى وكتابين من المجموعة الثانية. كتاب المكافأة مؤلف هذا الكتاب أحمد (٢) بن يوسف المعروف باسم ابن الداية كانت أم أبيه يوسف بن إبراهيم داية لإبراهيم بن المهدى عم المأمون فنسب إليها. وظل يوسف فى خدمته حتى توفى، ويبدو أنه كان مثقفا ثقافة متنوعة، مما جعل بعض ولاة العباسيين بمصر يستكتبه فى ديوانها، واستقر مقامه بها هو وأسرته منذ سنة ٢٢٦ للهجرة. ويروى أنه صنف كتابا فى أخبار أصحاب الطب، مما يؤكد أنه كان على صلة بعلوم الأوائل. ورزق بابنه أحمد، وعنى بتثقيفه، مما أهله ليعمل كاتبا فى دواوين الدولة الطولونية وليكتب سيرة أحمد بن طولون وابنه خمارويه وليس ذلك فحسب، فإنه وصله بعلوم الأوائل وبرع فيها وخاصة فى الطب والرياضة والفلك وأيضا فى الفلسفة. ويسوق له مترجموه كتابا فى أخبار الأطباء وكتابا فى النسبة والتناسب وكتابا فى الأقواس

стр. 3621

المتمائلة، كما يسوقون له كتاب مختصر المنطق وكتاب السياسة لأفلاطون، وشرح كتاب الثمرة فى الفلك لبطليموس. وقد توفى سنة ٣٤٠. وتؤكد سيرة أحمد بن يوسف وسيرة أبيه أنهما كانا من أصحاب المروءات، وكانا يحسنان تثمير أموالها فى التجارة والزراعة، فأغدقا كثيرا على كل من رأياه تلم به كارثة أو ينزل به خطب من الخطوب. ولعل هذا الجانب فى أحمد بن يوسف هو الذى جعله يؤلف كتابه «المكافأة». وهو فى ثلاثة أقسام: قسم يضم إحدى وثلاثين نادرة أو حكاية قصيرة تدور حول مكافأة الجميل بالجميل ليرغّب فى عون المنكوب ومد يد المساعدة إليه، وحتى يكافئ الإنسان جميلا بجميل يماثله. ويعرض ذلك فى النوادر عرضا جذابا بما يذكر من نوادر وقعت فى أيامه وغير أيامه فى مصر وغير مصر. ويتلو هذا القسم بقسم ثان يضم إحدى وعشرين نادرة أو حكاية قصيرة تصور كيف أن مكافأة القبيح تستتبع قبيحا مثله، حتى يرتدع أهل الشر والسوء، ويكفوا عن سوئهم وشرهم لما يجرّان من أوخم العواقب. والقسم الثالث يضم تسع عشرة نادرة أو حكاية قصيرة وهى تصور حسن العقبى وكيف أن أناسا تورطوا فى شر أو بلاء ونجوا منه. والكتاب بذلك دعوة حارة إلى عمل الخير بضرب أمثلة بديعة من النوادر والحكايات القصيرة. وهو مكتوب بفصحى جزلة ناصعة، إذ كان أحمد بن يوسف من كتّاب زمنه البارعين. ويبدو أنه قصد به إلى أن يشيع فى الشعب، ولعل ذلك هو السبب فى أننا نراه يقترب من لغته اليومية، إذ تدور فيه صيغ وتعابير لا تزال تجرى على ألسنتنا فى الحياة اليومية من مثل: كاد والله يموت فرحا-كثّر الله فى الناس مثله-حصّلنى على الباب أى لحقنى-اعتذرت إليه من تقصيرى فى حقه-امرأة تطلق (أى أصابها المخاض) -ست (أى سيدة) -امرأة مقربة (أى قربت ولادتها). واستخدم قليلا مدّ تاء المخاطبة بحيث تتولد من الكسرة ياء فقال على لسان تاجر يكافئ سيدة على جميل: «هذا جزاء ما قد متيه» كما نقول فى عاميتنا المصرية. واستخدم أيضا مطابقتنا فى العامية بين الفعل والفاعل فى الجمع فقال: «اشتهوا علىّ صبيانى حلواء فى العيد» والفصيح أن يقال «اشتهى علىّ صبيانى». ويكثر من الاستفهام فى الجمل دون ذكر أداة من أدوات الاستفهام كما نصنع أيضا فى عاميتنا. وكثير من نوادر الكتاب واسع الدلالة التاريخية على زمن المؤلف وجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بجانب دلالته القيمة على الأسلوب الأدبى فى مصر حينئذ، وما كان يستخدم فيه من عبارات لا تزال حية إلى اليوم.

стр. 3622

أخبار سيبويه المصرى ألف هذا الكتاب ابن (١) زولاق الحسن بن إبراهيم المولود سنة ٣٠٦ والمتوفى سنة ٣٨٧ وقد جمع فيه نوادر رفيق له فى الدراسة هو محمد (٢) بن موسى الكندى المعروف باسم سيبويه المصرى، ولم يكن عالما بالنحو فحسب بل كان عالما أيضا بالقراءات والفقه وعلوم الحديث ورواية الشعر، وكان عفيفا متنسكا اجتمعت فيه أدوات الأدباء والفقهاء والعبّاد، وبلغ فى ذلك-كما يقول ياقوت-مبلغا جالس به حكام مصر، وكان ينقدهم نقدا يحمّله كثيرا من السموم، ولم يكن يخفيه بل كان يعلنه فى الأسواق وعلى رءوس الأشهاد، وكان الناس يتبعونه يكتبون نقده، ويروونه فى المجالس العامة والمساجد والمتنزهات. ومازال هذا دأبه حتى توفى سنة ٣٥٨ مع نهاية الدولة الإخشيدية. وكان ابن زولاق مؤرخا كبيرا، ويقول ابن خلكان له كتاب فى خطط مصر استقصى فيه، وله كتاب أخبار قضاة مصر جعله ذيلا على كتاب الكندى: أخبار قضاة مصر، وكان قد انتهى فيه إلى سنة ٢٤٦، فكمله ابن زولاق إلى سنة ٣٨٦، وله كتاب فى سيرة الإخشيد اعتمد عليه ابن سعيد فى قسم الفسطاط من كتابه «المغرب». ويسوق ابن زولاق فى كتابه أخبار سيبويه مشاهد مختلفة لنقد سيبويه للحكام وللناس فى عصره ممزوجا بشئ من التباله، ولم يكن ينقد أو يذم بلفظ قبيح، إنما كان يزجر وينهر بألفاظ غير قبيحة ولكنها تخز وخز الإبر، من ذلك أن الإخشيد كان يركب فى موكب لصلاة الجمعة، فتصدى له يوما فى أثناء ركوبه إلى الصلاة والناس محتشدون لرؤيته فقال بأعلى صوته: «ما هذه الأشباح الواقفة، والتماثيل العاكفة؟ سلّطت عليهم قاصفة (يوم ترجف الرّاجفة تتبعها الرّادفة) قلوبهم (يومئذ واجفة)» فقال له رجل: «إنه الإخشيد يمر إلى الصلاة، فلم يفزع ولم يسكت بل قال توا: «هذا الأصلع البطين»، المسمّن البدين، قطع الله منه الوتين (٣)، ولا سلك به ذات اليمين، أما كان يكفيه صاحب ولا صاحبان، ولا حاجب ولا حاجبان، ولا تابع ولا تابعان؟ لا قبل الله له صلاة ولا قبل له زكاة، وعمر بجثته الفلاة».

стр. 3623

وكان سيبويه المصرى يستخدم السجع دائما فى نقده أوقل فى هجائه للحكام، ويوشّيه بآية أو آيات قرآنية على نحو ما مرّ بنا آنفا أو بحديث نبوى. وكان يسوق مثل هذا الهجاء فى أثناء وعظه للناس، إذ كان واعظا كبيرا. والناس يضحكون لتنفيسه عنهم ما كان يقع عليهم من ظلم الحكام لزمنه فيضحكون ويغرقون فى الضحك. وكان بعض الحكام والوزراء يقرّبه ويجالسه أملا فى أن لا يكويهم أمام الشعب بسياطه. ورأى أبا الفضل جعفر بن الفرات يسير فى موكب كبير وكان قد تولى الوزارة، فقال: «ما بال أبى الفضل قد جمع كتّابه، ولفّق أصحابه، وحشد بين يديه حجّابه، وشمّر أنفه، وساق العساكر خلفه؟ أبلغه أن الإسلام طرق فخرج ينصره، او أن ركن الكعبة سرق فخرج لهذا الأمر ينكره»؟ . ومع أن سيبويه كان يصوغ نوادره فى هذه الفصحى المسجوعة نجد عنده بعض ظواهر من عاميتنا أو لغتنا المتداولة، من ذلك أنه كان يعيد الضمير لغير العاقل مع الفعل مجموعا فى مثل: «فجاءت فراريج فلقطوا ما بين يديه» والفصيح فلقطت ما بين يديه. وكأن أسلافنا سبقونا إلى ذلك فى لغتهم اليومية منذ مثات السنين. كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش ألف هذا الكتاب ابن مماتى الذى مرت ترجمته، وقد قصّ فيه طائفة من النوادر نسبها إلى قراقوش (١) التركى أحد قواد صلاح الدين الأيوبى. وكان قد أنابه عنه مدة بالديار المصرية وفوّض أمورها إليه، وهو الذى بنى السور الذى كان يحيط بالقاهرة، وبنى قلعة الجبل والقناطر فى طريق الأهرام. وكانت فيه شدة وقسوة، كما كانت فيه غفلة وغير قليل من الحمق، فانتهز ابن مماتى ذلك فيه، وألصق به طائفة من النوادر فى أحكامه جمعها فى كتابه «القاشوش (٢) فى حكم قراقوش». ويدافع عنه ابن خلكان قائلا: فى الكتاب أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنها موضوعة فإن صلاح الدين كان معتمدا فى أحوال المملكة عليه، ولولا وثوفه بمعرفته وكفايته ما فوّضها إليه». ويبدو أن قراقوش قسا فى تسخير المصريين فى بناء السور والقلعة والقناطر المذكورة، فانتقم لهم ابن مماتى منه بهذا الكتاب الذى وضعه عليه. وهو يستهلّه بقوله: «إننى لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش حزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم كل غمّة، لا يقتدى بعالم،

стр. 3624

ولا يعرف المظلوم من الظالم والشكية عنده لمن سبق، ولا يهتدى لمن صدق، ولا يقدر أحد من عظم منزلته أن يردّ كلمه ويشتط اشتطاط الشيطان، ويحكم حكما ما أنزل الله به من سلطان، صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح منه المسلمين». ويأخذ ابن مماتى فى سرد أحكام قراقوش المضحكة. من ذلك أن سيدة سوداء شكت لقراقوش جارية مملوكة لها، فعجب أن تكون امرأة بيضاء خادمة لسيدة سوداء، فردّ شكواها مؤمنا بأنها ليست السيدة بل هى الجارية، والجارية البيضاء هى السيدة، وهمّ بحبسها لولا أن شفعت فيها جاريتها فعفا عنها. ومن ذلك أن رجلين من أصحاب اللحى الطويلة جاءاه يشكوان إليه رجلا أجرد كان يعبث بلحيتيهما، ونظر قراقوش إلى الرجل فلم يجد له لحية حينئذ صرخ فى الرجلين قائلا: إنهما اللذان اعتديا عليه بنتف لحيته، وصاح فى غلمانه أن يزجّوا بالرجلين فى غياهب السجون حتى ينبت الشعر فى ذقن الرجل وتطول لحيته. ومن ذلك أن الشرطة جاءته بحدّاد له قتل نفسا محرمة بغير حق، فأمر بشنقه فقيل له إنه حدادك الذى ينعل لك الفرس، فنظر أمام بابه فرأى رجلا قفّاصا فقال: «اشنقوا القفّاص وسيّبوا (اتركوا) الحداد. وعلى هذا النحو يصور ابن مماتى قراقوش متصرفا فى القضايا بحمق ما بعده حمق، ونضحك للتضاد بين المقدمات والنتائج، تباينا يضيع فيه المنطق، فسيدة تدخل شاكية لخادمتها، فتخرج خادمة والخادمة تصبح سيدتها، ورجل يدخل بدون لحية، فيخرج وله لحية نتفت، أو قل يدخل جانيا ويخرج مجنيا عليه، وقاتل يبرّأ وبرئ يقتل. وما نظن أحدا فى مصر قديما بلغ من التشهير بحاكم ما بلغه ابن مماتى من التشهير بقراقوش وأحكامه بين الناس عن طريق هذه النوادر الشعبية التى اختار لها لغة المصريين الدارجة لزمنه قاصدا بذلك أن تشيع بين العامة، وهى فعلا شاعت أكبر شيوع وأوسعه فى مدن مصر وريفها، فكلما اشتكوا من حاكم وظلمه قالوا: «حكم ولا حكم قراقوش». وأضافت الحقب التالية إلى شخصية قراقوش نوادر مضحكة بجانب ما فى كتاب الفاشوش من نوادر كثيرة، مما جعل السيوطى يؤلف كتابا يستعير له اسم كتاب ابن مماتى، مضيفا فيه إلى قراقوش نوادر جديدة. وكأنما أصبحت شخصية قراقوش فى الأزمنة التالية شخصية خيالية لكل حاكم أحمق يخلط حمقه بظلمه. وأكبر الظن أن كلمة قراقوز التى تطلق فى تركيا والشام على خيال الظل وتصويره للحكام الظالمين الحمقى ترجع فى اشتقاقها إلى اسم قراقوش لا إلى ما يقال من أنها مؤلفة من لفظتين تركيّتين هما «قره» أى أسود و «قوز» أى عين وبذلك يكون معناها العين

стр. 3625

السوداء لأن من كانوا يعرضون هذه اللعبة بتركيا كانوا من الغجر الجوالين، غير أنا نرجح الرأى الأول. وقد دخلت الكلمة ثانية إلى مصر باسم «أراجوز». هز (١) القحوف نمضى إلى زمن العثمانيين بمصر فنجد عالما واعظا يسمى يوسف الشربينى يصف حال سكان الريف المصرى وما نزل بهم لعهد العثمانيين من البؤس والفقر والضنك والجهل فى قصيدة يسميها «قصيدة أبى شادوف» وشرح لها يسميه «هز القحوف» وقد ملأ الشرح بنوادر فكاهية عما كان يعانيه أهل الريف حينئذ من الأمية والجهل وبطش الكاشف أو حاكم الإقليم وظلمه وما كان يصليهم من السخرة وما كانوا يرزحون فيه من المسغبة فإن طعموا لم يطعموا إلا العدس وطعاما يتّخذ من الفول يسمى البيسار والمشّ العتيق، ومعاذ الله أن يطعموا شيئا وراء ذلك من لحم وغير لحم. ويقول عن أبى شادوف الثرىّ الريفى صاحب القصيدة إنه لم يكن يملك سوى حمار أعرج وعنزتين وحصة فى ثور الساقية ونصف بقرة وعشر دجاجات وديك وأربع كيلات من نخال الشعير. ويفيض الكتاب بنوادر لاذعة تحمل فى أطوائها كثيرا من الطعنات لحكم العثمانيين الغاشم وسوآته. (ب) كتب السير والقصص الشعبية كثرت فى مصر منذ أيام الفاطميين كتب قصص الأنبياء مجموعة أو مفردة: قصة لموسى وقصة ليوسف ﵉ أو لغيرهما من الأنبياء وخاصة إبراهيم الخليل. ومرّ بنا فى الحديث عن كتابة التاريخ فى الفصل الثانى بيان لبعض ما كتب فى السيرة النبوية، ومنذ الحروب الصليبية كثرت الكتابة فى ميلاد الرسول ﷺ وما اقترن به من خوارق وحياته وما رافقها من معجزات، وكان ذلك يكتب نثرا وتتخلله أشعار باسم «المولد النبوى». وعادة كان هذا المولد يلقى فى الاحتفال بذكرى ميلاد الرسول، وكانت تلقى معه «قصة الإسراء والمعراج» الإسراء برسول الله ﷺ إلى المسجد الأقصى والعروج به إلى السماء. وقد أصبح من الثابت أن دانتى تأثر تأثرا واضحا بهذه القصة الأخيرة فى الكوميديا الإلهية (٢) ويجانب هذا القصص الدينى الذى لا يزال كثير منه مخطوطا

стр. 3626

ومحفوظا برفوف دار الكتب المصرية قصص كثير محفوظ بتلك الرفوف عن العشاق العذريين. ونعرض الآن طائفة من السير والقصص الشعبية التى ألفت فى مصر-أو أخذت بها شكلها النهائى-وهى سيرة عنترة والسيرة الهلالية والظاهر بيبرس وسيف بن ذى يزن وألف ليلة وليلة. سيرة (١) عنترة أساس هذه السيرة أخبار عنترة فى الجاهلية وما جاء فيها من أنه كان ابن أمة ومن أنباء فروسيته وحبه لعبلة ابنة عمه. ويتحول عنترة فى السيرة بطلا عظيما لملحمة عربية تمتد فيها بطولاته من العصر الجاهلى حتى نهاية القرون الخمسة الأولى للإسلام. ويقال-طبقا لرواية فى أول كتاب منية النفس فى أشعار عنترة عبس-إن أول كتابة لهذه السيرة كانت فى أيام العزيز الخليفة الفاطمى (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) إذ حدثت ريبة فى قصره جعلت أهل القاهرة يلهجون بالحديث عنها، فأشار على شخص يسمى يوسف بن إسماعيل أن يشغل الناس بسيرة تلهيهم عن الكلام فيها، فألّف لهم سيرة عنترة وشغفوا بها. غير أن هذه الرواية-إن صحت-إنما تشير إلى أول ما كان من وضع السيرة إذ أخذت الأجيال تزيد فيها حتى أوائل القرن السادس الهجرى، وحتى أصبحت فى اثنين وثلاثين جزءا، وهى منشورة فى أربع مجلدات. ولا تمتد فيها سيرة عنترة فى الزمان فحسب، بل تمتد أيضا فى المكان، إذ تشمل ساحات بطولات عنترة العالم القديم: الهند وفارس ومصر والشام وجنوب أوربا وشمال إفريقيا والحبشة والسودان. وهى موزعة بين نثر وأشعار، مما أتاح لرواتها من قديم أن ينشدوها الناس على الربابة فى حفلات كانت تعقد لها. وقد كتبت بلغة تدنو دنوا شديدا من اللغة اليومية، وصيغت صياغة قصصية جذابة بحيث يقتطع الكلام فى كل جزء من أجزائها عند حادث مهم. وبذلك يشغف القارئ والسامع بمعرفة الجزء الذى يليه. وهكذا حتى نهايتها. وتتسع السيرة فى عرض أخبار الجاهلية حتى نصل إلى زمن زهير ملك بنى عبس قبيلة البطل، وتعرض السيرة مولد عنترة وبطولته فى صباه وشبابه وحبه لابنة عمه وحمايته لقبيلته ضد القبائل المنافسة لها وما فرضه عليه عمه لقاء زواجه بعبلة من أعمال شديدة الخطر جشّمته الرحلة إلى العراق وملازمة

стр. 3627

ملوك الحيرة ووفوده على إيران وتعرفه بملوكها وفى مقدمتهم كسرى وما كان من طلبهم منه العون فى منازلة بطل إغريقى. ويصبح عنترة حاكما للشام ويفد على القسطنطينية ويقود مع إمبراطورها حروبا ضد الفرنجة ويبلغ إسبانيا ويخترق شمال إفريقيا إلى مصر ويستعين به ملك روما ضد بوهمند ويقتله، وهو أحد أمراء الحروب الصليبية الأولى وكان نورمانديّا إيطاليا، وكأن المؤلف الأخير للسيرة كان يعرف أصله وموطنه. ومعروف أن الحملة المذكورة نزلت آسية الصغرى سنة ٤٩٠ للهجرة ولذلك نقول إن ميادين السيرة وساحاتها البطولية تمتد حتى نهاية القرن الخامس الهجرى، وليس بوهمند فقط الوحيد من أمراء الحملة الصليبية الذى يلقانا فى السيرة، إذ يلقانا فيها أيضا زواج عنترة من أميرة إفرنجية وإنجابه منها الجوفران وربما كان تحريفا لجود فرى صاحب بويون دوق اللورين الأدنى الذى استولى على بيت المقدس سنة ٤٩٢ ولم يلبث أن توفى وخلفه أخوه بلدوين. وبطولات عنترة فى السيرة تتسع لا لتشمل ميادين الحروب الصليبية والبلاد الأوربية فحسب، بل أيضا لتشمل الهند والسودان وبلاد النجاشى، وعرف عنترة أنه جد أمه زبيبة. وكل من يقرأ السيرة يرى أن أجيال المؤلفين التى تداولتها كانت أجيالا بصيرة بتاريخ العرب فى الجاهلية وما اتصل بها من قصة إبراهيم الخليل وتاريخ العرب فى الإسلام وفتوحاتهم العظيمة وتاريخ الفرس وملوكهم وبلاطهم وآدابهم وتاريخ الحروب الصليبية وطقوس النصارى وشعائرهم وأعيادهم. والسيرة ملحمة رائعة للبطولة العربية التى مثّلها عنترة أروع تمثيل فى أكثر من خمسمائة عام ومثّل معها فضائلها النبيلة التى نقلها الصليبيون إلى ديارهم. وقد تخللت السيرة أحلام وروّى وأساطير وخوارق عجيبة. السيرة (١) الهلالية قوام هذه السيرة حروب مستمرة بين بنى هلال ومن دخل معهم من قبائل زغبة وسليم ورياح وعدى وربيعة والأثبج إلى إقليمى طرابلس وتونس وشمالى إفريقيا ومن كان بهذه الاقاليم من الصنهاجيين وزناتة وغيرهم من القبائل المغربية المستوطنة. وكانت القبائل العربية المذكورة قد

стр. 3628

حاربت مصر لعهد المعز أول الخلفاء الفاطميين سنة ٣٦٠ تحت لواء الأعصم القرمطى. وكان قد استولى على دمشق والرملة ودخل مصر والتقى بالجيش الفاطمى فى عين شمس بالقرب من القاهرة وكاد يكتب له النصر لولا خروج بعض قواده عليه وانضمام القبائل سالفة الذكر إلى الجيش المصرى. وبذلك دارت عليه الدوائر فعاد إلى الشام ومنها إلى البحرين موطنه. وأسكن المعز تلك القبائل القيسية الصعيد، لعله يمكن الانتفاع بها فى المستقبل. وحانت الفرصة لذلك فى عهد الخليفة الفاطمى المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) إذ خرج عليه المعز بن باديس الصنهاجى صاحب تونس والقيروان سنة ٤٤٣ وأعلن العودة إلى المذهب المالكى السنى وتبعيته للخليفة العباسى القائم بأمر الله، وانفصل بذلك الجناح الغربى للدولة الفاطمية ولم تقم للمذهب الشيعى الفاطمى قائمة فى تلك الأنحاء منذ هذا التاريخ. واستشاط المستنصر غضبا، وأشار عليه وزيره اليازورى أن يسلط عليه القبائل القيسية النازلة بالصعيد منذ أيام جده المعز، فاتصل بشيوخهم ووعدهم أن تكون ديار طرابلس وتونس وكل ما تحت يد المعز إقطاعا لهم وأيضا كل ما يمتلكونه من بلاد المغرب وسرعان ما لبّته جموعهم، وخرجت إلى المغرب: إلى تونس وإفريقية، واستولت فى سنة ٤٤٣ على برقة بزعامة يحيى الرياحى وتملك بنوزغبة فى سنة ٤٤٦ طرابلس، واتجهت هلال ورياح والأثبج وعدى إلى إفريقيا وأضرموها نارا بقيادة زعيمهم مؤنس بن يحيى الرياحى وحاول المعز بن باديس أن يقربه منه مجزلا له العطايا ولم يغن ذلك عنه شيئا. ونازل تلك الجموع ودحرته وأنزلت به هزائم متوالية، مما اضطره أن يخلى لهم القيروان وأن يكتفى بالمهدية وبلدان صغيرة حولها. واكتفى بها من بعده ابنه تميم الذى حكم بعده إلى نهاية القرن الخامس. وأخذت تتضعضع الإمارة بينما تحول إقليم تونس والجزائر إلى إقطاعيات صغيرة يحكمها هلاليون أو زناتيون إلى أن أعادت دولة الموحدين إلى شطر كبير من المغرب وحدته. ويبدو أنه حين ارتضت هذه القبائل القيسية هجرتها إلى المغرب أرسلت إلى عشائرها فى الجزيرة العربية أن تقدم عليها لتشاركها فى هذه الهجرة الكبيرة وأن عشائر فعلا لبّت دعوتها، يدل على ذلك أننا نجد القاصّ للسيرة أو قصاصها استغلّوا فيها قصة فتاة جميلة من بنى هلال هى الجازية بنت الحسن بن سرحان عشقها فتى من عشيرتها وأراد الزواج منها وتصادف أن أمير مكة شكر بن أبى الفتوح (٤٣٠ - ٤٥٣ هـ) رآها وأعجب بها، وطلب يدها من أبيها فآثره على عشيقها، وزوّجها منه. ثم حدث أن أغضب شكر عشيرتها، ورأوا الانتقام منه فاحتالوا عليه لأخذ الجازية وحرمانه منها، فادعوا أنهم يريدونها لزيارة أبويها فى نجد، حتى إذا قدمت معهم

стр. 3629

مضوا مع أبيها فى الرحلة إلى إفريقيا، وهناك زوّجوها من ابن عمها ولكن قلبها ظل معلقا بزوجها الأول حتى ماتت من شدة هيامها وحبها له. وهى قصة صحيحة فى أصلها المتصل بشكر أمير مكة وزوجته الجازية، مما يدل على أن عشائر هلالية من الجزيرة قدمت على بنى هلال بالصعيد أو بعد تركهم له مباشرة وواصلت بدورها الهجرة إلى المغرب. والأساس فى السيرة تاريخى صحيح وهو هجرة بنى هلال ومن معهم من القبائل القيسية إلى المغرب واستيلاؤهم على بعض مدنه، غير أن الأحداث بعد ذلك تمضى وكأنها أضغاث أحلام لتلك الهجرة الكبيرة إذ سمّى القصاص بطلها أبازيد الهلالى وسموا خصمه فى قبيلة زناتة: الزناتى خليفة. وبذلك غابت عن السيرة قبيلة صنهاجة وأميرها المعز بن باديس الصنهاجى، كما غاب زعيم القبائل يحيى الرياحى وابنه مؤنس. وقد يرجع ذلك إلى أن القاص أو القصاص الذين وضعوها كانوا بمصر بعيدين عن ساحة الأحداث أو ساحاتها فبدت وقائعها وكأنها أخلاط أحلام، بما فى ذلك اسم بطليها العربيين الخياليين: أبى زيد الهلالى ودياب بن غانم الزغبى. وأغلب الظن أن ذلك يرجع إلى أنها تأخرت فى وضعها طويلا عن زمن أحداثها ولذلك كنا نظن أنها ألفت فى القرن السابع الهجرى أو بعده فى القرن الثامن وهى مكتوبة باللغة اليومية: شعرا ونثرا، وقد تعلق بها الشعب المصرى فى ريفه وحضره، وعادة كان يلقيها على الناس منشد على ربابة فى المقاهى والحفلات، يسمونه الشاعر. وللسيرة ثلاث مراحل: مرحلة الريادة إلى بلاد المغرب، وفيها يرود الطريق بطلها الخيالى أبو زيد الهلالى وأبناء أخته يحيى ومرعى ويونس وفى تونس يلقى بهم فى غياهب السجون، ويستطيع أبو زيد الفرار من السجن ويستنفر القبيلة لتخليص أبنائها الثلاثة. والمرحلة الثانية تسمى التغريبة وفيها تهاجر القبيلة إلى تونس وتمكنها سعدى ابنة ملكها الزناتى خليفة من دخولها وتفك القبيلة الأسرى الثلاثة. ويأخذ الحسن بن سرحان القيروان ودياب تونس وأبو زيد الأندلس ويستولون على قلاع كثيرة حتى يصلوا إلى أقصى المغرب. والمرحلة الثالثة خاصة بأبناء الأبطال ويسمون الأيتام، وفيها يجمع زيدان بن أبى زيد الهلالى العرب من الشام والحجاز ويلتقى بهم فى صعيد مصر ويرحل معهم إلى تونس ويشدد الحصار عليها وعلى أميرها دياب بن غانم الزغبى ويوافيه الهلالية من الأندلس ويفتحون جميعا المدينة ويقتلون دياب بن غانم. ويتنازل الهلالية عنها لابن الزناتى خليفة ويتأمّر على الهلالية ابن الحسن بن سرحان، ويعود زيدان الهلالى إلى صعيد مصر، كما يعود الهلالية الذين قدموا من الأندلس إليها. وبذلك تنتهى السيرة، وهى تمتلئ بانطباعات مصرية كثيرة.

стр. 3630

سيرة الظاهر بيبرس (١) كان طبيعيا أن يضع المصريون سيرة شعبية طويلة للظاهر بيبرس بطل موقعة عين جالوت التى لم تقم بعدها للتتار قائمة. بل لقد ولوا الأدبار إلى الشمال فى الشام وبيبرس يلاحقهم حتى اتجهوا شرقا إلى شمالى العراق. وبمجرد استيلائه على الحكم فى مصر سنة ٦٥٨ أخذ يثّبت حكمه باستقدامه أحد سلالة العباسيين، وكان من أبناء الخليفة العباسى الظاهر ونجا من مذبحة المغول ببغداد ونزل دمشق، فاستدعاه بيبرس إلى القاهرة، وبايعه بالخلافة، وبذلك أصبح بيبرس حاميا لها. وتبعه فى حمايته سلاطين المماليك إلى أن أخذ السلطان سليم العثمانى فاتح مصر الخليفة العباسى معه إلى القسطنطينية. وكان بيبرس سيوسا حازما وقائدا ماهرا فاتسع بدولته فى الجنوب ببلاد النوبة ودانت له القبائل فى ليبيا، وهزم التتار على الفرات فى غير معركة وأوقع بالأرمن خسائر فادحة، وكال للصليبيين ضربات قاصمة، واستولى على كثير من قلاعهم وحصونهم، ودان له الحشاشون الفدائيون داخل الشام بالطاعة. وتعدّ أيامه أزهى أيام مصر زمن المماليك وأعظمها ازدهارا، لذلك كان من الطبيعى أن تؤلّف عنه سيرة شعبية، وهو فيها بطل عربى يسمى «محمود بيبرس» وقد مثلوا فيه الفروسية العربية ومظاهرها الباسلة وخاصة فى حروبه مع الصليبيين. ولغة السيرة عامية والنثر يغلب فيها بالقياس إلى الشعر، ولذلك لم تكن تنشد، بل كانت تروى، وتنسب إلى أربعة رواة أصليين هم ابن الدينارى وكاتم السر أى كاتب السر وناظر الجيش والصاحب والدويدارى (تحريف للدوادار) وهو الأمين الخاص للسلطان. وتتداخل فى السيرة قصص طويلة كقصة إبراهيم الحورانى ورحلته إلى روما. وتتحدث السيرة عن نشأة محمود بيبرس وعلاقته بالسلطان الأيوبى نجم الدين الملقب بالملك الصالح وما عهد إليه من الأعمال، وصلته بشجرة الدر وأبيك وقطز. وتصف جلوسه على عرش مصر وامتداد حروبه وساحات بطولته إلى أوروبا، وتعرض أعماله وإخضاعه الفدائيين الحشاشين المشهورين بكثرة اغتيالاتهم منذ زعيمهم الحسن الصبّاح، وتذكر من زعمائهم جمال الدين شيحه، ولعله صاحب القبر المعروف باسمه فى دمياط. ومن أبطال السيرة معروف زوج مريم الزنارية النصرانية وقد أنجبت منه ابنا حاربه قبل أن

стр. 3631

يعرفه. ويبدو أن هذه السيرة لم تكتب فى عهد قريب من الظاهر، لأن الأحداث التاريخية وأسماء الأبطال سوى الظاهر يشوبها كثير من الخيال وتحفل بأساطير وأعمال خارقة للعادة، وترجح كتابتها بعد القرن السابع وقد تكون كتابتها تأخرت إلى القرن التاسع الهجرى. سيرة (١) سيف بن ذى يزن قصة شعبية مصرية طويلة، تعرض بطولة سيف بن ذى يزن سليل ملوك حمير، وهى تصور الصراع بين العرب والأحباش فى أواخر العصر الجاهلى. وكيف طردهم سيف بن ذى يزن من الجزيرة العربية بعد أن كانوا قد سيطروا على اليمن. وهى فى ١٧ جزءا وتحمل كثيرا من الأساطير والعجائب ومغامرات سيف بن ذى يزن فى سبيل استقلال بلاده، وبذلك تأخذ السيرة مكانة فى التاريخ القومى العربى، إذ موضوعها حرب بين العرب وأمة الأحباش الأجنبية. وتجعل ال سيرة سيف بن ذى يزن حنيفا يقتحم معاقل الشرك وهو يقول انما لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله، ويغلب أن تكون قد ألفت بمصر فى القرن الثامن أو التاسع للهجرة. ألف (٢) ليلة وليلة ذكر ابن النديم فى كتابه «الفهرست»: من كتب الأسمار والخرافات التى نقلت عن الفرس كتاب هزار أفسانه أى ألف خرافة. والمعروف أنه يرجع إلى أصل هندى. ويغلب أن يكون قد نقل إلى العربية فى القرن الثالث الهجرى، ولا يعرف بالضبط متى أضيفت إلى اسمه وهو ألف ليلة كلمة ليلة الثانية، ويغلب أن يكون قد أريد بها أن يحوى ليالى كثيرة تزيد عن الألف. وأخذت تضاف إلى الكتاب فى بغداد أقاصيص كثيرة، وبالمثل أضافت إليه مصر بدورها أقاصيص متنوعة. ويمكن أن تميز الأقاصيص الهندية الأصل فيه بتداخلها كحكاية الصعاليك الثلاثة. وتميّز الحكايات الفارسية فيه بحكايات الظرفاء وبعض الحكايات المفردة. وبه حكايات عربية خالصة كحكاية حاتم الطائى وإبراهيم المهدى. ويشيع فى الحكايات البغدادية ذكر هرون الرشيد وتنكره وتدينه البالغ وحبه لمباهج الحياة وللرعية وحب الرعية له ووصف بلاطه وقصوره. وتكثر

стр. 3632

القصص المصرية فى الكتاب وحكايات الشطار بها وما تطبع به من المروءة والفكاهة كما فى حكايات علاء الدين أبى الشامات وأحمد الدنف ودليلة المحتالة وزينب النصابة ومعروف الإسكافى وعلى الزبيق، ويشيع السحر فى هذه الحكايات كما تشيع عادات المصريين، وتصوّر حياتهم فى الأسواق والحمامات وما يغلب عليهم من الإيمان بالطلاسم والرقى والتعاويذ. ونلتقى بجوانب من هذا كله فى حكايات مصرية أخرى كحكاية أبى قير وحكاية أبى صير ومثلهما حكاية المصباح العجيب وأيضا حكاية مريم الزنارية وحكاية الصعيدى وزوجته الإفرنجية وهما تعكسان الصراع بين المسلمين وحملة الصليب. وأهم من كل ما سبق لمصر فى الكتاب أنها هى التى صاغته بلغتها العامية وانتشر بها فى العالم العربى منذ القرن الثامن الهجرى، وبالمثل انتشرت فيه بتلك العامية السّير الشعبية: سير عنترة والهلالية والظاهر بيبرس وسيف بن ذى يزن. وكان لذلك أثر واسع فى تعرف تلك البلدان على العامية المصرية من قديم. وكثيرون يظنون أن تعرف تلك البلدان على عاميتنا أو لغتنا اليومية حديث، وأن الإذاعة والسينما أتاحتا لها هذا التعرّف فى عصرنا، وهو-كما قلنا-تعرّف قديم.

стр. 3633

خاتمة تحدثت فى هذا الجزء عن تاريخ الأدب العربى بمصر فى عصر الدول والإمارات، ورأيت أن أضم إلى العصر ما سبقه بها منذ الفتح العربى من مختلف شئونها التاريخية والأدبية والعلمية على مر الأزمنة الإسلامية، وأوضحت كيف أن قبط مصر رحّبوا بالعرب لما كفلوا لهم من معتقداتهم الدينية وما رفعوا عنهم من ظلم الروم وضرائبهم الفادحة. وتولى أمرها فاتحها العظيم عمرو بن العاص، وتعاقب الولاة عليها فى زمن الأمويين وأخذوا يفرضون على أهلها ضرائب استثنائية، وأمر الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز برفعها عن كواهلهم. وتتحول الخلافة إلى العباسيين ويرسلون إلى مصر بولاتهم حتى إذا انتصف القرن الثالث وليها أحمد بن طولون وأسس بها الدولة الطولونية، واستشعرت مصر فى عهدها استقلالها، وبالمثل فى عهد الدولة الإخشيدية. وما يكاد ينتصف القرن الرابع حتى تتولاها الدولة الفاطمية الإسماعيلية، ويظل المصريون منصرفين عنها وعن مبادئها الشيعية المتطرفة، وتضعف دولتهم وينزل الصليبيون الشام، ويؤسسون دولة لهم فى بيت المقدس. ويدور الزمن دورات وتسقط الدولة الفاطمية، ويتولى مصر صلاح الدين الأيوبى، وينازل حملة الصليب ويسحق جموعهم سحقا فى حطّين وغير حطين، ويسير سيرته خلفاؤه من حكام الدولة الأيوبية فى ضربهم الضربات الماحقة، ويخلفهم المماليك فيسحقون جموع المغول فى عين جالوت سحقا ذريعا، ويطردون حملة الصليب نهائيا من الشام إلى البحر المتوسط وما وراءه. ويستولى العثمانيون على مصر لمدة ثلاثة قرون وتصبح بعد أن كانت دولة عظيمة ولاية تابعة للدولة العثمانية. وقد أتاحت الزروع والبساتين على ضفاف النيل رخاء واسعا لسكّان مصر من قديم. وأعطى هذا الرخاء لحكامها منذ ابن طولون الفرصة واسعة لبناء البيمارستانات والجوامع الكبيرة والقصور الفخمة. وأتاح ثراؤها الضخم للدولة الفاطمية حياة مترفة بالغة الترف كما أتاح لصلاح الدين أن يعدّ جيشه بل جيوشه لضرب حملة الصليب ضربات قاصمة، وأيضا فإنه بنى بالقاهرة قلعته المشهورة ومارستانا كبيرا سوى ما شيّد من المدارس. وتزدهر الحياة

стр. 3634

بمصر لعهد المماليك وتتكاثر الأعياد بها تكاثرا واسعا وتتسع موجات الغناء وفنون اللهو والتسلية، وارتقى حينئذ خيال الظل وأصبح مسرحا شعبيا عاما. وألممت بعد عرض المجتمع فى مصر للدعوة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية وانصراف المصريين عنها، كما ألممت بالزهد وما كان بمصر من جماعات النساك وكيف أسس ذو النون المصرى التصوف الإسلامى ومبادءه الروحية وما يتصل به من الأحوال والمقامات، ويزدهر التصوف منذ زمن الدولة الأيوبية، ويتضح فيه اتجاهان: اتجاه فلسفى يمثله ابن الفارض واتجاه سنّى شعبى تمثله الطرق الصوفية، ومن أهمها الطريقة الشاذلية التى أسسها أبو الحسن الشاذلى، وقد تعددت فروعها لعهد المماليك تعددا واسعا، حتى بلغت أحد عشر فرعا، ومن أهمها الطريقتان: الوفائية والخلوتية. ومعروف أن مصر أدّت دورا عالميا عظيما فى تاريخ الحضارة الإنسانية، ولا تزال أهراماتها الشامخة تمثل هذا الدور تمثيلا باهرا، ويدين لها العلم بمعناه العالمى دينا كبيرا بما أدت له فى الهندسة والمعمار والطب والرياضة، وتظل جذوتها العلمية متقدة مهما اقتحم أسوارها من الجيوش المغيرة، على نحو ما هو معروف عنها فى عهد البطالمة إذ لم تلبث فى أيامهم أن استعادت نشاطها وأخذت ترسل أضواءها فى الفلسفة وغير الفلسفة. وما إن يمضى على دخولها فى الإسلام نحو قرن ونصف حتى تعود روحها العلمية إلى النشاط وإرسال أضوائها وشررها إلى العالم العربى، على نحو ما هو معروف عن ابنها ورش وحمل المغاربة والأندلسيين قراءته إلى أوطانهم، ولا تزال القراءة الشائعة فى المغرب إلى اليوم، وما يلبث الأندلسيون والمغاربة أن يتتلمذوا لعبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك، ويحملون عنه المذهب المالكى فى الفقه. وينزل مصر الإمام الشافعى ويعنى تلامذته المصريون بمذهبه الفقهى والمحاضرة فيه، ويأخذه عنهم تلامذة من الشام والعراق وإيران وينشرونه فى بلدانهم. ويكتب مؤرخها ابن عبد الحكم-لأول مرة-تاريخ الفتوح بمصر والمغرب، ويحمله عنه المغاربة وأهل الأندلس كما يكتب مؤرخها ابن هشام السيرة النبوية العطرة، ويحملها. المؤرخون لها فى العالم العربى جميعه مغربا وغير مغرب. ويعنى حكام مصر-منذ عهد ابن طولون-بالحركة العلمية وإنمائها ويؤسس فيها الفاطميون جامعة كبرى تسمى: «دار العلم» كما يبنون الجامع الأزهر ويظل جامعة إسلامية

стр. 3635

كبرى إلى اليوم، وينشئ بها صلاح الدين الأيوبى خمس مدارس، ويتبارى خلفاؤه الأيوبيون والمماليك فى إنشاء المدارس بها والإكثار منها حتى ليقول ابن بطوطة الذى زار مصر سنة ٧٢٦ إن أحدا لا يستطيع أن يحيط بحصرها لكثرتها، وكانت المساجد والجوامع -وخاصة الجامع الأزهر-تنافس المدارس فى هذه الحركة العلمية، وكانت مصر قد ظلت ملاذا لعلماء العالم العربى غربا وشرقا، وخاصة بعد استيلاء النورمان على صقلية والإسبان على مدن الأندلس وبعد غزو المغول لمدن إيران والعراق، وأيضا فإنها أصبحت الحامية للثقافة الإسلامية والعربية. وفى كل مجال يلقانا علماؤها فى الفلسفة وعلوم الأوائل من الرياضيات والطبيعيات والطب والجغرافيا، وينهض فيها العلماء باللغة والنحو منذ أوائل القرن الرابع الهجرى وتصبح لها مدرسة نحوية يلمع فيها غير نحوى كبير منذ الدولة الأيوبية، ويكثر فيها علماء البلاغة والنقد منذ ابن وكيع التنيسى فى القرن الرابع الهجرى، ويتكاثر بها علماء القراءات والتفسير والحديث النبوى والفقه بمختلف مذاهبه الكبرى وعلم الكلام، ويؤرّخ لكل علمائها الأعلام فى العلوم جميعا تأريخا دقيقا. وتنشط الكتابات التاريخية نشاطا واسعا فى السيرة النبوية العطرة والتاريخ العام وتاريخ مصر ودولها وتاريخ المدن وخاصة القاهرة والإسكندرية وتاريخ الرجال والعلماء من كل صنف وتاريخ الشعراء والأدباء. وتأخذ مصر فى التعرب منذ الفتح الإسلامى، ويدخل كثير من أبنائها فى الدين الحنيف، وحتى القبط أو-بعبارة أدق-جميع من بقى منهم على دينه المسيحى يأخذون فى التعرب ويتم تعربهم فى القرن الثالث الهجرى. ويتصل نشاط الشعر فى مصر، ويظل محدودا زمن بنى أمية، وزارها فى أيامهم بعض الشعراء من نجد والحجاز والعراق، ويتسع نشاط الشعر بمصر فى زمن ولاة العباسيين أو يأخذ فى النشاط، ويصبح لها شعراء نابهون مثل المعلّى الطائى، وينزلها أبو نواس لمديح الخصيب والى الخراج فيها، كما ينزلها أبو تمام لمديح ولاتها ويظل بها فترة. ومن شعرائها فى النصف الأول من القرن الثالث ذو النون المصرى الإخميمى مؤسس التصوف، ويشتهر بها فى بواكير أيام الدولة الطولونية الجمل الأكبر الحسين بن عبد السلام. ويبدو أن الشعراء تكاثروا فى عهد هذه الدولة، يدل على ذلك أنها حين انتهت فى أواخر القرن الثالث بكاها منهم كثيرون حتى ليقول المقريزى إنه رأى كتابا به اثنتا عشرة كراسة بأسماء الشعراء الذين بكوها، ويعلق على ذلك قائلا: إذا كانت أسماء الشعراء فى اثنتى عشرة كراسة فما مقدار شعرهم؟ ثم يقول إنه لا يوجد لأحدهم الآن ديوان واحد،

стр. 3636

ومما يؤكد بوضوح ما كان بمصر من حركة شعرية خصبة أن نجد الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ للهجرة يؤلف كتابا فى أخبار شعراء مصر. وينزلها قبيل منتصف القرن الرابع المتنبى ويحدث نزوله بها حركة أدبية واسعة، ويظل الشعر بها نشيطا فى عهد الفاطميين، ويدل على ذلك من بعض الوجوه ما يروى من أنه لما توفى ابن كلّس وزير المعز وابنه العزيز رثاه مائة شاعر. وينثر الخلفاء الفاطميون ووزراؤهم العطايا والأموال على الشعراء، مما جعلهم يلهجون بالثناء عليهم، ويؤلف بأخرة من العصر الفاطمى الرشيد بن الزبير كتابا فى شعراء مصر سماه: «جنان الجنان ورياض الأذهان» سقط من يد الزمن، ويخص شعراءها فى القرن السادس الهجرى العماد الأصبهانى وزير صلاح الدين الأيوبى بمجلدين فى كتابه الخريدة، ترجم فيهما لنحو مائة وأربعين شاعرا، ويفد عليها فى أواخر أيام الدولة الأيوبية على بن سعيد الأندلسى صاحب كتاب المغرب ويخصها هى وشعراءها وكتّابها وحكّامها ووزراءها وقضاتها بستة مجلدات من كتابه ضاع أكثرها، وبقى منها القسمان الخاصان بالفسطاط والقاهرة، وحقّقا ونشرا. وتظل كتب التراجم فى عصر المماليك تترجم لكثيرين من الشعراء النابهين بمصر. وتألّقت حينئذ أسماء كثيرين منهم ونشرت دواوينهم كما نشرت طائفة من دواوين الشعراء فى العهدين الفاطمى والأيوبى. وبقيت من هذا النشاط بقية أيام العثمانيين مما جعل شهاب الدين الخفاجى فى القرن الحادى عشر الهجرى يؤلف كتابا فى شعراء زمانه سماه: «ريحانة الألبا» خص مصر بالقسم الثالث منه، ونلتقى بتراجم كثيرين منهم بعد الخفاجى فى كتب التراجم والتاريخ وخاصة تاريخ الجبرتى. ويكثر الشعر الدورى بمصر وتكثر مزدوجاته ومسمّطاته ورباعياته. وتكثر الموشحات وكان شعراء مصر قد أخذوا يتعرفون عليها فى أواخر أيام الدولة الفاطمية، ويتصدى لها الشاعر ابن سناء الملك فى أيام صلاح الدين والدولة الأيوبية فيضع لها عروضها كما وضع الخليل بن أحمد قديما عروض الشعر العربى على نحو ما يوضح ذلك كتابه النفيس: «دار الطراز». وقد ألحق بدراسته له فى الكتاب أربعا وثلاثين موشحة بديعة لكبار الوشاحين الأندلسيين، وأتبعها بخمس وثلاثين موشحة له، وبذلك أعدّ هذا الفن الأندلسى للذيوع والانتشار، فأقبل عليه شعراء مصريون وغير مصريين ينظمون فيه موشحات لهم رائعة،

стр. 3637

ونفس ابن سناء الملك مضى ينظم فيه عشرات جديدة من الموشحات حتى لنجد السخاوى فى كتابه «سجح الورق المنتحبة فى جمع الموشحات المنتخبة» ينشد له أربعا وثمانين موشحة. وترجمت لوشّاحين مصريين كبيرين هما العزازى وابن الوكيل. وشاعت الموشحات بمصر على ألسنة المتصوفة فى أذكارهم، ولعلى بن وفا شيخ الطريقة الوفائية فى أواخر القرن الثامن الهجرى وأوائل التاسع ديوان جميعه موشحات صوفية. ويكثر القاضى الفاضل وزير صلاح الدين فى شعره من المحسنات البديعية، ويصبح له فى طريقة استخدامه لها وفى إكثاره من التورية مدرسة يتكاثر أتباعها فى أيام الدولتين الأيوبية والمملوكية بمصر والشام. ويكثر شعر المديح، ويظل يجرى على الألسنة زمن الولاة أيام الدولتين الأموية والعباسية، حتى إذا أظل مصر عهد الدولة الطولونية تبارى الشعراء فى مديح أحمد بن طولون وفى مقدمتهم الجمل الأكبر الحسين بن عبد السلام الذى مر ذكره آنفا، ومن شعراء تلك الدولة المريمى القاسم بن يحيى شاعر خمارويه. ويشتهر بعده فى زمن الإخشيد سعيد بن فاخر شاعره، ويترجم الثعالبى فى اليتيمة لكثيرين من شعراء الدولة الإخشيدية، وخاصة من التفوا حول المتنبى حين مقامه فى القاهرة مادحا لكافور، ويكثر المديح كثرة مفرطة منذ القرن السادس الهجرى ويكثر شعراؤه النابهون، وقد ترجمت لخمسة منهم عارضا روائع مدائحهم، وهم المهذب بن الزهير شاعر طلائع بن رزيك الوزير بأخرة من الدولة الفاطمية، وقد نوه طويلا ببعض انتصاراته على حملة الصليب، وابن قلاقس الشاعر الاسكندرى المادح لشاور الوزير الفاطمى والمهاجر بشعره إلى صقلية واليمن مادحا رجالاتهما مدحا رائعا، والشاعر المبدع ابن سناء الملك شاعر صلاح الدين ووزيره القاضى الفاضل، وهو أهم شعراء مصر قبل العصر الحديث ويتميز بفرائد بديعة من التصاوير الطريفة والألفاظ الحلوة العذبة، وابن نباتة شاعر المؤيد صاحب حماة والسلطان المملوكى حسن، ويتميز بلغة سهلة رشيقة مع كثرة التوريات، والشيخ عبد الله الشبراوى شيخ الأزهر فى أيام العثمانيين وله مدائح كثيرة فى ولاتهم. وينشط الرثاء فى مصر للحكام وكبار الكتاب وأصحاب المناصب العليا فى الدول المتعاقبة، وتكثر الشكوى من الزمن وتقلباته ونوائبه، على نحو ما نجد عند على بن النضر الشاعر الفاطمى ومراثيه وشكواه من الزمن، وعند على بن عرام شاعر أسوان، وله مرثية

стр. 3638

بديعة بل مناحة كان ينوح بها أهل أسوان على المقابر نادبين موتاهم، وابن النقيب الحسن بن شاور وله شكوى مرة من الظلم والخسف ومن العوز والبؤس، وعبد الله الإدكاوى أيام العثمانيين، وله مرثية يرثى فيها نفسه ويبكيها وقد حمله النّعش إلى مثواه. وكان للدعوة الفاطمية الإسماعيلية شعراء غلوا فى مديح خلفائهم غلوا مقيتا، إذ جعلوهم فوق البشر والبشرية مسبغين عليهم بعض صفات الذات العلية، وأهم شعرائهم ابن هانئ الأندلسى، وتموج أشعاره فى المعز الفاطمى بضلال ما بعده ضلال، وكان شاعرا فذا غير أنه سخّر ملكته الشعرية فى مديح المعز بصفات إلهية قدسية، بهتان ما بعده بهتان. وعلى شاكلته المؤيد فى الدين الشيرازى إذ يجعل الخلفاء الفاطميين فى مديحه فوق الطبيعة البشرية ويسبغ عليهم الصفات الربانية. وثالث هؤلاء الشعراء ظافر الحداد وهو مصرى من الإسكندرية، ويلتقط من ابن هانئ-الذى صرّح فى بعض مديحه للآمر بأنه يحاول محاكاته-بعض معانيه مثل فكرة طاعة الخليفة الفاطمى وأنها فرض واجب، كما أخذ عنه فكرة أن الخليفة نور خالص، غير أنه ظل لا يسرف إسراف ابن هانئ والمؤيد الشيرازى فى إضفاء الصفات الإلهية على الخليفة، ومع ذلك يعد شذوذا على المصريين فى أيام الفاطميين، إذ انصرفوا انصرافا تاما عن العقيدة الفاطمية الإسماعيلية المنحرفة، وظلوا مثل آبائهم سنّيين. ويكثر الغزل مصورا عاطفة الحب الإنسانية عند الشعراء المصريين وقد بثوا فيه حبا متقدا لا تخبو ناره أبدا بما يصور من اللوعات والصبابة والهيام والوله، ويموج شعر كثيرين بوجد لا حدود له على نحو ما يلاحظ فى غزل ابن سناء الملك، ويعم الغزل الوجدانى بعض أشعار الغزلين، وكأنما يتأثرون فيه الغزل الصوفى الملتاع المعاصر لهم، ومن أهم شعرائه وأروعهم ابن النبيه، وغزله يتسامى إلى مستوى وجدانى رفيع، مما دفع المغنين إلى التغنى به لا فى مصر وحدها بل أيضا فى كثير من ديار العرب، وتغنت السيدة أم كلثوم ببعض غزله الوجدانى المكتظ باللهفة واللوعة والرقة واللطف. ولا يقل عنه فى الغزل الوجدانى روعة البهاء زهير، وكأنما انطبع الوجد الصوفى وأشواقه فى أعماق نفسه مما جعل بعض غزلياته تلتبس عند الأسلاف بغزليات ابن الفارض وما تحمل من مواجد صوفية. ولا بن مطروح صديقه حظ من هذا الغزل المملوء بحرارة الوجد ولوعاته والذى يقطر رقة ودماثة وظرفا. ولبرهان الدين القيراطى غزل وجدانى كثير يتمثل فيه هذه الطريقة الغرامية التى يذوب

стр. 3639

فيها المحب لوعة وهياما، ونلتقى فى أيام العثمانيين بالعسيلى وما يتميز به غزله من رهافة الحسّ ودقته. ويتكاثر الفخر بدوره: الفخر بالأخلاق النبيلة وبالبأس والشجاعة، ولابن سناء الملك فيه منظومة رائعة جسّد فيها روحا قوية عاتية: روح بطولة صلاح الدين وجيشه المصرى الباسل وما أذاقا حملة الصليب من دمار وتنكيل لا يماثله تنكيل. ومن قديم يسيل الهجاء فى ألسنة الشعراء المصريين، وكثيرا ما سلطوا سهامه على الفاطميين ووزرائهم وقد ينحون به أحيانا نحو الدعابة. ونلتقى فى الفخر بتميم بن المعز الفاطمى المفاخر بأسرته الفاطمية العلوية فخرا مضطرما بشرر كثير وجهه إلى ابن المعتز الشاعر العباسى وأسرته العباسية، ولطلائع بن رزّيك وزير الفاطميين بأخرة من أيامهم فخر كثير بانتصاراته على حملة الصليب. وكان ابن الذروى من كبار الهجائين، وله أهجية فى أحدب مليئة بالسخرية الموجعة، ومثله أحمد بن عبد الدائم الشرمساحى، وكان يكثر من هجائه للناس حتى القضاة وعلماء الدين، وعلى شاكلته حسن البدرى الحجازى إذ لم يسلم من هجائه أحد حتى المتصوفة. ويتعمق الشعور بجمال الطبيعة على ضفاف النيل وفى وديانه ورياضه وحدائقه نفوس الشعراء منذ المريمى شاعر خمارويه، وتكثر مجالس الأنس واللهو والغناء والطرب، ويمثل ذلك كله ابن وكيع المشغوف فى أشعاره بالطبيعة والخمر، والشريف العقيلى شاعر الطبيعة المصرية غير مدافع، وابن قادوس وكان يشغف بوصف الخمر، ومثله عبد الباقى الإسحاقى أيام العثمانيين. وعرفت مصر بالزهد والنسك من قديم، ويظل شعر الزهد فيها مزدهرا على مر الأزمنة، وكان ذو النون المصرى-كما مرّ بنا-قد وضع أسس التصوف الإسلامى فى القرن الثالث الهجرى، غير أنه لم يزدهر بمصر إلا منذ عصر صلاح الدين الأيوبى، وأخذ يتضح فيه-كما مر بنا-اتجاهان: اتجاه فلسفى مثّله خير تمثيل ابن الفارض واتجاه سنى مثله أصحاب الطرق الصوفية وأتباعهم من مثل الطريقة الشاذلية، ومن أتباعها الشعراء أبو العباس المرسى، وقد ترجمت قبله لابن الكيزانى الصوفى المعاصر لصلاح الدين وله أشعار صوفية بديعة، وفصلت القول فى ابن الفارض ومجاهداته الروحية وعشقه الربانى، وفنائه وانمحائه فى الذات الإلهية إنمحاء كليا.

стр. 3640

وكان الشعراء المصريون يتغنون بمديح الرسول ﷺ من قديم، وأخذ هذا المديح يزدهر فى زمن الحروب الصليبية وأكبر مادح مصرى للرسول البوصيرى ويشتهر بمدحته النبوية المسماة بالهمزية، وربما فاقتها روعة ميميته المسماة بالبردة، وظلت القصيدتان تنشدان-إلى اليوم-فى حفلات الموالد وحلقات الذكر الصوفى. ونلتقى فى العصر العثمانى بمحمد بن أبى الحسن البكرى، وله أشعار يصور فيها بعض مواجده الصوفية، وسؤاله الرسول الشفاعة له يوم القيامة. وألممت بشعراء الفكاهة وعرضت فى ترجمات ابن مكنسة والجزار والسراج الوراق طرائف من فكاهاتهم كما عرضت عند ابن دانيال مسرحياته الفكهة وخاصة مسرحية «طيف الخيال» وهى عمل تمثيلى بديع. وألممت بعامر الأنبوطى فى أيام العثمانيين ومعارضته الفكهة لألفية ابن مالك وغيرها. وعرضت جوانب من الشعر الشعبى وثلاثة من أعلامه هم: إبراهيم المعمار وتورياته المستملحة، والغبارى وأزجاله المتنوعة وابن سودون وفكاهاته المضحكة سواء فى وصفه لزوجته ليلة الدخلة أو فى رثائه لأمه أو فى حديثه عن عجائب الطبيعة، وفيها جميعا يعتمد على المنطق اعتداء يجعل قارئه يستغرق فى الضحك. وينهض النثر وتزدهر الرسائل الديوانية فيه منذ أيام ابن عبدكان كاتب أحمد بن طولون، ومن أعلام الكتاب الديوانيين فى عهد الفاطميين ابن الصيرفى، وتتميز لغة كتابته بالسجع والسهولة والتوشيح لها بالألفاظ القرآنية والمحسنات البديعة. ونلتقى بالقاضى الفاضل أهم كتاب مصر، وهو رأس مدرسة ظلت حية فى أيام الأيوبيين والمماليك، وهى تلتزم السجع مع صفاء التعبير ومع الإكثار من المحسنات البديعية والعناية بالتورية. ومن كبار الكتاب فى أيام المماليك محيى الدين بن عبد الظاهر وابن فضل الله العمرى، وتطبع كتابتهما الديوانية بطوابع كتابة القاضى الفاضل. وتكثر الرسائل الشخصية من تهنئة وشكر وعتاب وتعزية واعتذار منذ أيام الفاطميين وتعمها خصائص الكتابة الديوانية لأن أكثر كتابها كانوا من كتّاب الدواوين، ومن أهمهم ابن أبى الشخباء فى زمن الفاطميين، وسجعاته خفيفة رشيقة مع صفاء اللفظ ورصانته. ولابن مماتى كاتب الدواوين فى عهد صلاح الدين رسائل شخصية يعنى فيها بالسجع ومحسنات البديع ومراعاة النظير وحسن التعليل. ويتميز ابن مكانس فى أيام المماليك بالسجع الرشيق والاستعارات والتوريات والجناسات البديعة مع خفة الروح والعذوبة والسلاسة. .

стр. 3641

ويعنى غير كاتب بصنع مقامات منذ أواخر الدولة الفاطمية، ولا تدور على الشحاذة الأدبية المعروفة فى مقامات الهمذانى والحريرى، بل تدور على المحاورات أو على عرض بعض مسائل علمية أو على المفاخرات أو على حديث قصصى أو على وعظ، وممن نلتقى بهم فيها ابن أبى حجلة المغربى، وله مقامة بديعة فى وصف فيضان النيل، والقلقشندى وله مقامة فى وصف صناعة الإنشاء وتقريظ صاحب ديوانها، وأخرى فى المفاضلة بين العلوم، والسيوطى وله مقامات كثيرة، وأغلبها مفاخرات تدور بين الأزهار أو بين الفواكه أو بين البقول أو بين العطور، والشهاب الخفاجى أيام العثمانيين وله مقامات مختلفة، منها مقامة رومية فى وصف القسطنطينية، وفيها يهاجم متصوفتها وعلماءها ومفتيها، ويختمها بمديح السلطان العثمانى. وتتكاثر المواعظ والابتهالات وقد ترجمت فى عرضها لأبى الحسن الشاذلى إمام الطريقة الشاذلية، وذكرت قطعة من حزبه الكبير، كما ترجمت لابن عطاء الله السكندرى وذكرت بعض مواعظه، وبالمثل لأحمد الدردير أيام العثمانيين وذكرت قطعة من ورده أو حزبه المشهور. وعرضت كتب النوادر والسير الشعبية بادئا بكتاب المكافأة لابن الداية، وتلوته بأخبار سيبويه المصرى، وكان ينقد الحكام نقدا به كثير من السموم. وتحدثت عن كتاب الفاشوس فى حكم قراقوش لابن مماتى، وكتاب هز القحوف ليوسف الشربينى وما يحملان فى نوادرهما من سخرية لاذعة بالحكام، كما تحدثت عن كتب السير والقصص الشعبية: سيرة عنترة والسيرة الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس وسيرة سيف بن ذى يزن وعن ألف ليلة وليلة.

стр. 3642

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة هذا الجزء من تاريخ الأدب العربى خاص بالأندلس فى عصر الدول والإمارات ويشتمل على خمسة فصول، أولها يتناول تاريخها السياسى منذ فتح العرب لديارها سنة ٩٢ هـ/٧١١ م إلى خروجهم منها سنة ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م مع عرض لتكوين مجتمعها وظواهره وما تسرّب إليه من تشيع وسرى فيه من زهد وتصوف. ويوضح الفصل كيف أن أسس الحضارة الأندلسية تكاملت منذ عهد الأمير الأموى عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ هـ/٨٢٢ م-٢٣٨ هـ/٨٥٢ م) وكانت قد استقرت منها ثلاثة أسس قبله، هى أسس الدين الحنيف والعربية والعلوم بشعبها اللغوية والدينية، وضمّ عبد الرحمن الأوسط إلى هذه الشعب شعبة علوم الأوائل من الرياضيات وغير الرياضيات، وأرسى فى تلك الحضارة قواعدها المادية عن طريقين: طريق زاوله بنفسه، إذ شغف باقتناء أدوات الترف والتحف المشرقية، وجاراه الأندلسيون فى هذا الشغف، وطريق زاوله مغنيه زرياب تلميذ إسحق الموصلى الوافد على قرطبة فى أول عهد عبد الرحمن إذ سنّ للمجتمع الأندلسى سننّا ظلت راسخة فيه، سننّا عمت المأكل والملبس وما يتصل بهما من هيئة الأندلسيين رجالا ونساء وما يتخذون من صور التزين. وأرسى عبد الرحمن قواعد الحكم متخذا له مجلس وزراء يدير شئون الدولة ومصالح الرعية على نحو ما نعرف الآن من مجالس الوزراء فى الأمم المتحضرة. وقد استطاع زرياب إرساء أسس فنية قويمة لنهضة موسيقية رائعة كان لها-فيما بعد-تأثير واسع فى الموسيقى الإسبانية والأوربية. وحظيت المرأة فى هذا المجتمع الأندلسى بمكانة رفيعة لم تحظ بها أختها المشرقية. ويوضح الفصل الثانى كيف أن إيبيريا-قبل الفتح العربى-لم يكن لها دور حضارى بارز فى الحضارة العالمية، والعرب هم الذين أتاحوا لها-حين استوطنوها-أن تنهض بدور عظيم فى هذا المضمار، ويعرض الفصل نشوء الحركة العلمية الأندلسية

стр. 3643

وتطورها على مر العصور العربية هناك وإسهام المرأة الأندلسية فيها وما أضافه علماء الأندلس فى مختلف العلوم الرياضية وغير الرياضية من مثل البطروجى وهو- لاكبلر (kepler) الألمانى-الأب الحقيقى لعلم الفلك الحديث، ومثله الزهراوى فى الجراحة العالمية وعبد الملك بن زهر فى الطب الإكلينيكى وابن البيطار فى الصيدلة. وناهيك بازدهار الفلسفة فى الأندلس وتلمذة الغربيين لفلاسفتها وخاصة ابن رشد الذى ظل يدرس قرونا متعاقبة فى جامعاتهم منذ القرن الرابع عشر الميلادى، وكان أثره العميق فى الفكر الأوربى حاسما، وخاصة فى حركة التحرر والإصلاح الدينى. وأوضح الحديث عن النشاط اللغوى بالأندلس اكتشاف ابن حزم وابن سيده لعلم فقه اللغة المقارن بين اللغات السامية قبل اكتشاف الغربيين لهذا العلم بقرون عديدة. وتبيّن فى الفصل ما لعلماء مصر من أستاذية لغير عالم أندلسى فى اللغة والنحو والتاريخ والقراءات وحمل الأندلسيين فيها لقراءة ورش المصرى، وحملهم لفتاوى عبد الرحمن بن القاسم ونظرائه المصريين فى الفقه. وأشار الحديث فى الفصل إلى التقاء المبدأين الأساسيين فى فلسفة ديكارت بأفكار المعتزلة والمتكلمين، وهما مبدأ الشك فى حقائق الأشياء حتى يتضح وجه اليقين، ومبدأ أنا أفكر فأنا موجود، مما يقتضى وجود الخالق رب العالمين. والفصل الثالث يعرض نشاط الشعر والشعراء، ويستهل بالحديث عن تعرب سكان الأندلس جميعا: من أسلم منهم وأبنائهم المولدين ومن ظل على دينه المسيحى ولم يدخل فى الإسلام. وتدل على تعرب المسيحيين هناك أقوى دلالة صرخة القس ألبر والمشهورة التى يتحسّر فيها على إهمال الشبان المسيحيين فى إيبيريا للغة آبائهم اللاتينية الدارجة وازدرائهم لما ألّف فيها من كتابات مسيحية، بينما يقبلون فى شغف على تعلم العربية واتخاذها أداة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم نثرا وشعرا. ويؤكد بالنثيا فى كتابه تاريخ الفكر الأندلسى تلك الصيحة ويدعم دلالتها بوثائق كنسية لاتينية تحمل قصائد عربية وأيضا بكتابات لاتينية لنصارى الإسبان-حتى بعد خروج العرب من الجزيرة-على هوامشها شروح وتعليقات باللغة العربية. وفى ذلك ما يؤكد-بوضوح-خطأ نظرية المستشرق الإسبانى ريبيرا المفضية إلى أن عرب الأندلس كانوا يستخدمون اللاتينية الدارجة لغة خطاب فى حياتهم اليومية، وهم إنما كانوا يستخدمون فى تلك الحياة عامية عربية أندلسية، وزعم ريبيرا-خطأ-أن الأزجال الأندلسية نظمت باللاتينية الدارجة

стр. 3644

وهى إنما نظمت بعامية عربية أندلسية أتاحت لها أن تروى فى المشرق وتتداول به وتحاكى فيه، وقد كتب فيها علماء اللغة الأندلسيون-مثل الزبيدى-كتبا مختلفة. وامتازت الأندلس بكثرة الشعراء فيها كثرة مفرطة، ويدل على ذلك وفرة ما وضع فيهم هناك من كتب، وخاصة كتاب الذخيرة لابن بسام بمجلداته المقصورة على عصر أمراء الطوائف، وقد ترجم لأكثر من مائة شاعر أندلسى فى هذا العصر القصير الذى لا يكاد يتجاوز ثمانين عاما، فما بالنا بمن وراءهم من الشعراء فى قرون الأندلس الثمانية. ومن يرجع إلى كتاب نفح الطيب يجد المقرى يترجم فيه لعشرين شاعرة كن مشهورات، ووراءهن كثيرات لم تكن لهن شهرتهن. ونفذت الأندلس فى أثناء هذا النشاط الشعرىّ الجمّ إلى ابتكار فن شعرى جديد هو فن الموشحات، وذهب غير مستشرق إسبانى إلى أن هذا الفن نشأ فى الأندلس من المزج بين الشعر العربى وبعض الأغانى الرومانثية فى اللاتينية الإسبانية الدارجة، وليس فى أيديهم أغنية رومانثية واحدة يستطيعون أن يثبتوا بها دعواهم فى هذا المزج المزعوم. والصحيح أن الموشحات صورة أندلسية حديثة تطورت عن المسمّطات المشرقية المعروفة فى الشعر العربى، وهى تتألف من أدوار، وكل دور فيها يختم بشطر تغاير قافيته قوافى الشطور السابقة له فى الدور بينما تتحد مع قوافى جميع الشطور الأخيرة فى الأدوار المختلفة، وكل ما بين المسمطات والموشحات من خلاف أن الشطر الأخير المتحد القافية فى أدوار المسمطات تعدّد فى الموشحات مما يقطع-دون أدنى ريب-بأنها تطورت تطورّا طبيعيّا عن المسمطات. ويؤكد ذلك أن من أنشأوها وطوّروها فى الأندلس كانوا من أصول عربية خالصة فقد أنشأها عربى فى أواخر القرن الثالث الهجرى هو مقدم بن معافى، وطوّرها فى القرن الرابع الهجرى وأوائل الخامس عربيان هما يوسف بن هرون الرمادى الكندى وعبادة بن ماء السماء الخزرجى الأنصارى. وألمّ هذا الفصل الثالث بكبار الوشاحين وترجم لنفر منهم، كما ألمّ بالأزجال التى نظمت بالعامية على غرار الموشحات مع الترجمة لناظمها الأندلسى المشهور: ابن قزمان. واستعرض الفصل-بعد ذلك-روائع شعراء المديح فى الأندلس على مر العصور مع الترجمة لسبعة من أعلامهم، وبالمثل استعرض روائع شعر الفخر مع الترجمة لثلاثة منهم وروائع شعراء الهجاء مع الترجمة لأربعة من كبار الهجائين، كما استعرض روائع أصحاب الشعر التعليمى مع الترجمة لعلمين من أعلامهم. وعرض الفصل الرابع روائع الأغراض فى بقية الشعر الأندلسى مع الترجمة لبعض شعراء الأندلس المبدعين، وأول غرض عرضه الغزل، وفيه تتفوق الأندلس-فى رأينا-

стр. 3645

على جميع البلدان العربية بما بثّت فيه من لوعات وجد لحب عذرى عفيف ظلت جذوتها تتقد وتتوهج فى أشعار الغزلين الأندلسيين قرونا متوالية، وبلغ من توهج تلك اللوعات أن امتد شررها الساطع إلى الأدبين الإسبانى والفرنسى وبالتالى إلى الآداب الأوربية، ويتضح هذا الشرر-بقوة-عند الإسبان فى قصة دون كيشوت لسرفانتس (١٥٤٧ - ١٦١٦ م) وكأنها قصة محب عذرى عربى فتن بمحبوبته حتى جنّ أو كاد يجنّ، وسرفانتس فى سطورها الأولى ينسبها إلى عربى حدّثه بها، مما يؤكد أنه استلهم فيها أقاصيص الحب العذرى عند الأندلسيين، ونمضى معه فى القصة فنرى الحب العنيف يخرجه دائما عن طوره إذ يعيش هائما على وجهه والجنون يصيبه أحيانا وكلما أفاق منه تغنى بحبه مفتونا بصاحبته مثله الأعلى فى الجمال البارع. ويعم شرر هذا الحب عند شعراء التروبادور الفرنسيين فى القرن الثانى عشر الميلادى. إذ نراهم مفتونين بمحبوباتهم فتنة تدفعهم إلى التذلل لها وتمجيدها لما تستشعره من عفة وجمال مثل قرينتها الأندلسية. ومما أثّر به الغزل الأندلسى العفيف فى هؤلاء الشعراء ترداد ذكرهم للوشاة والرقباء، وأيضا ظهور القافية فى أشعارهم لأول مرة فى الشعر الأوربى. وللمرأة الأندلسية فى هذا الغزل العفيف الملتاع مشاركة واضحة، وتغزلت أحيانا فى أختها الأندلسية الفاتنة، وكانت لبعضهن ندوات يؤمها بعض الشعراء ورجال الأدب والفكر. وعكس غير شاعر عواطفه فى عناصر الطبيعة من حوله، مدوّنا فى شعره بدقة مشاعره وروعة تصاويره. وتحوّل الفصل من الغزل إلى الطبيعة والخمر، وينوّه البحث دائما بتفوق الأندلس على البلدان العربية فى شعر الطبيعة، لما كان يتملّى به الشاعر من جمال هذا الفردوس بجناته ورياضه وأزهاره ورياحينه وأنهاره وما يجرى فيها أو يتهادى من زوارق تزدان بالشموع ليلا، وكأن أهل الأندلس كانوا فى عرس دائم ليلا ونهارا. وقد تغنى الشعراء الأندلسيون بجمال هذا الفردوس الأرضى وما يسكب فى النفوس من سحر يروع القلوب والألباب على نحو ما هو معروف عن ابن خفاجة، وتفجؤنا عنده وعند أضرابه من شعراء الطبيعة-بل عند جميع شعراء الأندلس فى كل الأغراض الشعرية-صور فى منتهى الروعة. وعرض الفصل-بعد ذلك-رثاء الأفراد وما لشعراء الأندلس من فرائد فى التفجع على الأبناء والزوجات والأصدقاء، ويبلغ التأثر بالقارئ منتهاه فى مراثيهم للشهداء الأبرار فى حروب أعدائهم من حملة الصليب الشماليين، ومن أروعها مرثية لابن الزقاق بكى فيها شابّا استشهد فى عنفوان شبابه بعد أن أبلى فى حرب أعداء دينه بلاء عظيما،
следующие страницы →