ويعنى غير كاتب بصنع مقامات منذ أواخر الدولة الفاطمية، ولا تدور على الشحاذة الأدبية المعروفة فى مقامات الهمذانى والحريرى، بل تدور على المحاورات أو على عرض بعض مسائل علمية أو على المفاخرات أو على حديث قصصى أو على وعظ، وممن نلتقى بهم فيها ابن أبى حجلة المغربى، وله مقامة بديعة فى وصف فيضان النيل، والقلقشندى وله مقامة فى وصف صناعة الإنشاء وتقريظ صاحب ديوانها، وأخرى فى المفاضلة بين العلوم، والسيوطى وله مقامات كثيرة، وأغلبها مفاخرات تدور بين الأزهار أو بين الفواكه أو بين البقول أو بين العطور، والشهاب الخفاجى أيام العثمانيين وله مقامات مختلفة، منها مقامة رومية فى وصف القسطنطينية، وفيها يهاجم متصوفتها وعلماءها ومفتيها، ويختمها بمديح السلطان العثمانى.
وتتكاثر المواعظ والابتهالات وقد ترجمت فى عرضها لأبى الحسن الشاذلى إمام الطريقة الشاذلية، وذكرت قطعة من حزبه الكبير، كما ترجمت لابن عطاء الله السكندرى وذكرت بعض مواعظه، وبالمثل لأحمد الدردير أيام العثمانيين وذكرت قطعة من ورده أو حزبه المشهور. وعرضت كتب النوادر والسير الشعبية بادئا بكتاب المكافأة لابن الداية، وتلوته بأخبار سيبويه المصرى، وكان ينقد الحكام نقدا به كثير من السموم. وتحدثت عن كتاب الفاشوس فى حكم قراقوش لابن مماتى، وكتاب هز القحوف ليوسف الشربينى وما يحملان فى نوادرهما من سخرية لاذعة بالحكام، كما تحدثت عن كتب السير والقصص الشعبية: سيرة عنترة والسيرة الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس وسيرة سيف بن ذى يزن وعن ألف ليلة وليلة.
стр. 3642
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
هذا الجزء من تاريخ الأدب العربى خاص بالأندلس فى عصر الدول والإمارات ويشتمل على خمسة فصول، أولها يتناول تاريخها السياسى منذ فتح العرب لديارها سنة ٩٢ هـ/٧١١ م إلى خروجهم منها سنة ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م مع عرض لتكوين مجتمعها وظواهره وما تسرّب إليه من تشيع وسرى فيه من زهد وتصوف. ويوضح الفصل كيف أن أسس الحضارة الأندلسية تكاملت منذ عهد الأمير الأموى عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ هـ/٨٢٢ م-٢٣٨ هـ/٨٥٢ م) وكانت قد استقرت منها ثلاثة أسس قبله، هى أسس الدين الحنيف والعربية والعلوم بشعبها اللغوية والدينية، وضمّ عبد الرحمن الأوسط إلى هذه الشعب شعبة علوم الأوائل من الرياضيات وغير الرياضيات، وأرسى فى تلك الحضارة قواعدها المادية عن طريقين: طريق زاوله بنفسه، إذ شغف باقتناء أدوات الترف والتحف المشرقية، وجاراه الأندلسيون فى هذا الشغف، وطريق زاوله مغنيه زرياب تلميذ إسحق الموصلى الوافد على قرطبة فى أول عهد عبد الرحمن إذ سنّ للمجتمع الأندلسى سننّا ظلت راسخة فيه، سننّا عمت المأكل والملبس وما يتصل بهما من هيئة الأندلسيين رجالا ونساء وما يتخذون من صور التزين. وأرسى عبد الرحمن قواعد الحكم متخذا له مجلس وزراء يدير شئون الدولة ومصالح الرعية على نحو ما نعرف الآن من مجالس الوزراء فى الأمم المتحضرة. وقد استطاع زرياب إرساء أسس فنية قويمة لنهضة موسيقية رائعة كان لها-فيما بعد-تأثير واسع فى الموسيقى الإسبانية والأوربية.
وحظيت المرأة فى هذا المجتمع الأندلسى بمكانة رفيعة لم تحظ بها أختها المشرقية.
ويوضح الفصل الثانى كيف أن إيبيريا-قبل الفتح العربى-لم يكن لها دور حضارى بارز فى الحضارة العالمية، والعرب هم الذين أتاحوا لها-حين استوطنوها-أن تنهض بدور عظيم فى هذا المضمار، ويعرض الفصل نشوء الحركة العلمية الأندلسية
стр. 3643
وتطورها على مر العصور العربية هناك وإسهام المرأة الأندلسية فيها وما أضافه علماء الأندلس فى مختلف العلوم الرياضية وغير الرياضية من مثل البطروجى وهو- لاكبلر (kepler) الألمانى-الأب الحقيقى لعلم الفلك الحديث، ومثله الزهراوى فى الجراحة العالمية وعبد الملك بن زهر فى الطب الإكلينيكى وابن البيطار فى الصيدلة.
وناهيك بازدهار الفلسفة فى الأندلس وتلمذة الغربيين لفلاسفتها وخاصة ابن رشد الذى ظل يدرس قرونا متعاقبة فى جامعاتهم منذ القرن الرابع عشر الميلادى، وكان أثره العميق فى الفكر الأوربى حاسما، وخاصة فى حركة التحرر والإصلاح الدينى.
وأوضح الحديث عن النشاط اللغوى بالأندلس اكتشاف ابن حزم وابن سيده لعلم فقه اللغة المقارن بين اللغات السامية قبل اكتشاف الغربيين لهذا العلم بقرون عديدة.
وتبيّن فى الفصل ما لعلماء مصر من أستاذية لغير عالم أندلسى فى اللغة والنحو والتاريخ والقراءات وحمل الأندلسيين فيها لقراءة ورش المصرى، وحملهم لفتاوى عبد الرحمن بن القاسم ونظرائه المصريين فى الفقه. وأشار الحديث فى الفصل إلى التقاء المبدأين الأساسيين فى فلسفة ديكارت بأفكار المعتزلة والمتكلمين، وهما مبدأ الشك فى حقائق الأشياء حتى يتضح وجه اليقين، ومبدأ أنا أفكر فأنا موجود، مما يقتضى وجود الخالق رب العالمين.
والفصل الثالث يعرض نشاط الشعر والشعراء، ويستهل بالحديث عن تعرب سكان الأندلس جميعا: من أسلم منهم وأبنائهم المولدين ومن ظل على دينه المسيحى ولم يدخل فى الإسلام. وتدل على تعرب المسيحيين هناك أقوى دلالة صرخة القس ألبر والمشهورة التى يتحسّر فيها على إهمال الشبان المسيحيين فى إيبيريا للغة آبائهم اللاتينية الدارجة وازدرائهم لما ألّف فيها من كتابات مسيحية، بينما يقبلون فى شغف على تعلم العربية واتخاذها أداة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم نثرا وشعرا. ويؤكد بالنثيا فى كتابه تاريخ الفكر الأندلسى تلك الصيحة ويدعم دلالتها بوثائق كنسية لاتينية تحمل قصائد عربية وأيضا بكتابات لاتينية لنصارى الإسبان-حتى بعد خروج العرب من الجزيرة-على هوامشها شروح وتعليقات باللغة العربية. وفى ذلك ما يؤكد-بوضوح-خطأ نظرية المستشرق الإسبانى ريبيرا المفضية إلى أن عرب الأندلس كانوا يستخدمون اللاتينية الدارجة لغة خطاب فى حياتهم اليومية، وهم إنما كانوا يستخدمون فى تلك الحياة عامية عربية أندلسية، وزعم ريبيرا-خطأ-أن الأزجال الأندلسية نظمت باللاتينية الدارجة
стр. 3644
وهى إنما نظمت بعامية عربية أندلسية أتاحت لها أن تروى فى المشرق وتتداول به وتحاكى فيه، وقد كتب فيها علماء اللغة الأندلسيون-مثل الزبيدى-كتبا مختلفة. وامتازت الأندلس بكثرة الشعراء فيها كثرة مفرطة، ويدل على ذلك وفرة ما وضع فيهم هناك من كتب، وخاصة كتاب الذخيرة لابن بسام بمجلداته المقصورة على عصر أمراء الطوائف، وقد ترجم لأكثر من مائة شاعر أندلسى فى هذا العصر القصير الذى لا يكاد يتجاوز ثمانين عاما، فما بالنا بمن وراءهم من الشعراء فى قرون الأندلس الثمانية. ومن يرجع إلى كتاب نفح الطيب يجد المقرى يترجم فيه لعشرين شاعرة كن مشهورات، ووراءهن كثيرات لم تكن لهن شهرتهن. ونفذت الأندلس فى أثناء هذا النشاط الشعرىّ الجمّ إلى ابتكار فن شعرى جديد هو فن الموشحات، وذهب غير مستشرق إسبانى إلى أن هذا الفن نشأ فى الأندلس من المزج بين الشعر العربى وبعض الأغانى الرومانثية فى اللاتينية الإسبانية الدارجة، وليس فى أيديهم أغنية رومانثية واحدة يستطيعون أن يثبتوا بها دعواهم فى هذا المزج المزعوم. والصحيح أن الموشحات صورة أندلسية حديثة تطورت عن المسمّطات المشرقية المعروفة فى الشعر العربى، وهى تتألف من أدوار، وكل دور فيها يختم بشطر تغاير قافيته قوافى الشطور السابقة له فى الدور بينما تتحد مع قوافى جميع الشطور الأخيرة فى الأدوار المختلفة، وكل ما بين المسمطات والموشحات من خلاف أن الشطر الأخير المتحد القافية فى أدوار المسمطات تعدّد فى الموشحات مما يقطع-دون أدنى ريب-بأنها تطورت تطورّا طبيعيّا عن المسمطات. ويؤكد ذلك أن من أنشأوها وطوّروها فى الأندلس كانوا من أصول عربية خالصة فقد أنشأها عربى فى أواخر القرن الثالث الهجرى هو مقدم بن معافى، وطوّرها فى القرن الرابع الهجرى وأوائل الخامس عربيان هما يوسف بن هرون الرمادى الكندى وعبادة بن ماء السماء الخزرجى الأنصارى. وألمّ هذا الفصل الثالث بكبار الوشاحين وترجم لنفر منهم، كما ألمّ بالأزجال التى نظمت بالعامية على غرار الموشحات مع الترجمة لناظمها الأندلسى المشهور: ابن قزمان.
واستعرض الفصل-بعد ذلك-روائع شعراء المديح فى الأندلس على مر العصور مع الترجمة لسبعة من أعلامهم، وبالمثل استعرض روائع شعر الفخر مع الترجمة لثلاثة منهم وروائع شعراء الهجاء مع الترجمة لأربعة من كبار الهجائين، كما استعرض روائع أصحاب الشعر التعليمى مع الترجمة لعلمين من أعلامهم.
وعرض الفصل الرابع روائع الأغراض فى بقية الشعر الأندلسى مع الترجمة لبعض شعراء الأندلس المبدعين، وأول غرض عرضه الغزل، وفيه تتفوق الأندلس-فى رأينا-
стр. 3645
على جميع البلدان العربية بما بثّت فيه من لوعات وجد لحب عذرى عفيف ظلت جذوتها تتقد وتتوهج فى أشعار الغزلين الأندلسيين قرونا متوالية، وبلغ من توهج تلك اللوعات أن امتد شررها الساطع إلى الأدبين الإسبانى والفرنسى وبالتالى إلى الآداب الأوربية، ويتضح هذا الشرر-بقوة-عند الإسبان فى قصة دون كيشوت لسرفانتس (١٥٤٧ - ١٦١٦ م) وكأنها قصة محب عذرى عربى فتن بمحبوبته حتى جنّ أو كاد يجنّ، وسرفانتس فى سطورها الأولى ينسبها إلى عربى حدّثه بها، مما يؤكد أنه استلهم فيها أقاصيص الحب العذرى عند الأندلسيين، ونمضى معه فى القصة فنرى الحب العنيف يخرجه دائما عن طوره إذ يعيش هائما على وجهه والجنون يصيبه أحيانا وكلما أفاق منه تغنى بحبه مفتونا بصاحبته مثله الأعلى فى الجمال البارع. ويعم شرر هذا الحب عند شعراء التروبادور الفرنسيين فى القرن الثانى عشر الميلادى. إذ نراهم مفتونين بمحبوباتهم فتنة تدفعهم إلى التذلل لها وتمجيدها لما تستشعره من عفة وجمال مثل قرينتها الأندلسية.
ومما أثّر به الغزل الأندلسى العفيف فى هؤلاء الشعراء ترداد ذكرهم للوشاة والرقباء، وأيضا ظهور القافية فى أشعارهم لأول مرة فى الشعر الأوربى. وللمرأة الأندلسية فى هذا الغزل العفيف الملتاع مشاركة واضحة، وتغزلت أحيانا فى أختها الأندلسية الفاتنة، وكانت لبعضهن ندوات يؤمها بعض الشعراء ورجال الأدب والفكر. وعكس غير شاعر عواطفه فى عناصر الطبيعة من حوله، مدوّنا فى شعره بدقة مشاعره وروعة تصاويره.
وتحوّل الفصل من الغزل إلى الطبيعة والخمر، وينوّه البحث دائما بتفوق الأندلس على البلدان العربية فى شعر الطبيعة، لما كان يتملّى به الشاعر من جمال هذا الفردوس بجناته ورياضه وأزهاره ورياحينه وأنهاره وما يجرى فيها أو يتهادى من زوارق تزدان بالشموع ليلا، وكأن أهل الأندلس كانوا فى عرس دائم ليلا ونهارا. وقد تغنى الشعراء الأندلسيون بجمال هذا الفردوس الأرضى وما يسكب فى النفوس من سحر يروع القلوب والألباب على نحو ما هو معروف عن ابن خفاجة، وتفجؤنا عنده وعند أضرابه من شعراء الطبيعة-بل عند جميع شعراء الأندلس فى كل الأغراض الشعرية-صور فى منتهى الروعة.
وعرض الفصل-بعد ذلك-رثاء الأفراد وما لشعراء الأندلس من فرائد فى التفجع على الأبناء والزوجات والأصدقاء، ويبلغ التأثر بالقارئ منتهاه فى مراثيهم للشهداء الأبرار فى حروب أعدائهم من حملة الصليب الشماليين، ومن أروعها مرثية لابن الزقاق بكى فيها شابّا استشهد فى عنفوان شبابه بعد أن أبلى فى حرب أعداء دينه بلاء عظيما،
стр. 3646
ولا تقل عنها روعة موشحة على بن حزمون فى بكاء بطل بلنسية أبى الحملات قائد الأعنة حين استشهد فى معركة ضارية مع حملة الصليب بعد أن مزّق كثيرين منهم تمزيقا.
ويتميز ابن وهبون فى مراثيه بتأملات عميقة فى حقائق الموت والحياة. وبجانب مراثى الأفراد مراث للدول الأندلسية حين تغرب شمسها وتدور عليها الدوائر مثل مراثى ابن اللبانة لدولة المعتمد بن عباد حين استولى يوسف بن تاشفين على إمارته بإشبيلية ونفاه إلى أغمات بالمغرب، ولابن عبدون مرثية طويلة لدولة المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس حين فتك به المرابطون على أبواب مدينته، وفيها يسوق ابن عبدون الأمثال من الملوك الغابرة والدول الداثرة وكل ما على الأرض من حيوان كاسر وطير جارح فإن كل ذلك إلى فناء. وأنشد الفصل خواطر شتى فى الزهد وخاصة لأبى إسحق الإلبيرى كما أنشد خوالج وجدانية متنوعة فى التصوف الفلسفى الإسلامى عند ابن عربى وغيره.
وتكاثرت المدائح النبوية على لسان كثيرين مثل ابن جابر الأندلسى. ومنذ سقوط طليطلة فى حجر حملة الصليب يستصرخ أهل الأندلس المغاربة والعرب لرد عدوانهم، ويكثر هذا الاستصراخ منذ القرن السابع الهجرى حين أخذت تسقط المدن الكبرى:
قرطبة وأخواتها فى حجور النصارى الشماليين على نحو ما هو معروف من استصراخ ابن الأبار وأبى البقاء الرّندى.
والفصل الخامس خاص بالنثر وكتّابه، ويبتدئ بعرض روائع الأندلسيين فى الرسائل الديوانية مع الترجمة لأهم كتابها الرسميين، وجعلهم جهادهم الدائب للنصارى الشماليين ونزالهم الضّارى لهم يكثرون فى تلك الرسائل من تصوير مواقعهم معهم والتحول بتلك الرسائل أحيانا إلى ما يشبه منشورات حربية تستثير حمية أهل الأندلس والمغرب لسحق أعداء الدين الحنيف سحقا لا يبقى منهم ولا يذر، ومن أروع تلك الرسائل المنشور الذى وجهه أبو محمد بن عبد البر إلى أهل الأندلس لحمل السلاح والأخذ بثأر مدينة «بربشتر» حين نكّل بها النورمانديون ونصارى الشمال على حين غفلة من أهلها سنة ٤٥٦ هـ وتوالت مثل هذه الصيحات، ومزّق المغيرون شر ممزق. ولابن القصيرة رسالة ديوانية بديعة يصور فيها انتصار ابن تاشفين والأندلسيين فى موقعة الزلاقة وقد بلغ من كثرة قتلى النصارى فيها أن كان الناس يصنعون من رءوسهم صوامع يؤذنون عليها.
ولابن أبى الخصال منشور حربى ملتهب للحض على خوض معركة حامية الوطيس، ولابن الخطيب تصوير حماسى لمنازلة أمير غرناطة الغنى بالله النصارى فى جيّان. وحرىّ بالعرب فى كل عصر أن يرفعوا هذه الرسائل الديوانية الأندلسية وما يماثلها شعارات
стр. 3647
لمجدهم الحربى على توالى العصور. وتلى الرسائل الديوانية فى الفصل الرسائل الشخصية مع الترجمة لأهم كتابها النابهين وقد استطاعوا أن يتحولوا بها من باب المناسبات وما يتصل به من مثل التهنئة والعتاب والاعتذار والاستعطاف والاستمناح إلى لوحات أدبية لوصف البطولة الحربية فى جهاد النصارى. وأكثروا من وصف الطبيعة على نحو ما نجد عند ابن خفاجة فى وصف نزهة، وأبى القاسم بن الجد فى وصف مطر بعد جدب شديد، واين أبى الخصال فى وصف ليلة قاسية البرد. وعقدوا فى بعض رسائلهم مناظرات رائعة بين الأزهار والرياحين، عقدها ابن برد وحبيب وأبو عمر الباجى وابن حسداى وحوّل الفقيه ابن سراج رسالة له فى الشفاعة لشخص يسمى الزّريزير إلى دعابة مرحة أودعها كل ما يميز طائر الزّرزور مما يتصل بريشه وأجنحته وهيئته وأفراخه وأعشاشه، وطارت الرسالة فى الأندلس وحاكاها كثير من الكتاب أمثال أبى القاسم بن الجد وأبى بكر عبد العزيز بن القبطورنه. وبذلك كله استحالت الرسائل الشخصية فى الأندلس على أيدى كتابها المجلّين-فى بعض جوانبها-إلى لوحات أدبية بارعة.
وتتميز الأندلس بكثرة الرسائل الأدبية الخالصة، ويعرض الفصل طائفة طريفة منها فى مقدمتها رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، مع إثبات أن لا علاقة لها برسالة الغفران لأبى العلاء وأن ابن شهيد استوحاها من إحدى مقامات بديع الزمان، ومع بيان أن ابن شهيد استطاع بها أن يبتكر قصة رائعة يدور الحوار بها فيما وراء الطبيعة فى عالم الجن وأن يضمنها نظرات نقدية وغير قليل من الفكاهة المستملحة. ويلمّ الفصل برسائل ابن برد الأدبية فى المناظرة بين السيف والقلم وفى وصف بخيل صاحب نخلة شحيح منتهى الشح، وتصوير صديق له يدافع بحرارة عن تفضيله لأهب الشاء-أو بعبارة أخرى جلود المعز-على البسط صيفا وشتاء، وقد استوحاها من رسالة سهل بن هرون فى فاتحة كتاب البخلاء للجاحظ وبيانه لفضل البخل وشحّ النفس على الجود والكرم. وتحدّث الفصل عن رسالتى ابن زيدون الهزلية والجدية، وأولاهما فى السخرية-على لسان ولادة مهوى فؤاده-بغريمه فى حبها: ابن عبدوس، وثانيتهما فى استعطاف أبى الحزم جهور حين زجّ به فى غياهب السجون، وهما أثران أدبيان بارعان. ويلمّ الفصل برسالة ابن غرسية الذميمة فى الشعوبية والردود المفحمة عليها، كما يلمّ بالرسائل النبوية التى ضمّنها كبار الكتاب من أمثال ابن الجنّان شوقا حارّا إلى زيارة الرسول ﷺ وطلب الشفاعة. وتكاثرت المواعظ على نحو ما هو معروف عن منذر بن سعيد وأبى بكر الطرطوشى.
ويعرض الفصل أعمالا نثرية متنوعة لكتاب الأندلس المبدعين، وفى مقدمتهم ابن حزم
стр. 3648
وكتابه «طوق الحمامة» والكتاب دراسة تحليلية نفسية بديعة للحب العذرى العفيف وتجارب ابن حزم فيه وتجارب معاصريه فى غير مواربة بل فى صراحة مستحبّة، صراحة تسمو فيها العاطفة الإنسانية الخالدة، عاطفة الحب، وترتفع عن صغائر الغريزة النوعية.
والكتاب ترجم من قديم إلى اللاتينية وتأثر به دانتى فى كتابه «الحياة المتجددة» وبالمثل تأثر به بعض شعراء الإسبان.
ومن الأعمال النثرية الأندلسية الرائعة كتاب المقتبس لابن حيان فى تاريخ الدولة الأموية بالأندلس، وهو نموذج فريد فى كتابة التاريخ كتابة تحليلية بصيرة لا مثيل لها عند العرب قبله ولا بعده، وعلى شاكلته كتاب الذخيرة لابن بسام فى كتابة التراجم الأدبية لعصره كتابة تاريخية تحليلية نقدية بارعة. ومن الطّرف النثرية الأندلسية مذكرات الأمير عبد الله ابن بلقّين آخر أمراء غرناطة من بنى زيرى، وفيها يتحدث عن إمارة أسرته بتلك المدينة، وكذلك عن إمارته قبل نفى يوسف بن تاشفين له إلى المغرب، وهو حديث صريح كل الصراحة حتى لتصبح تلك المذكرات شبيهة بكتب الاعترافات عند الغربيين.
ومن أروع الأعمال النثرية الأندلسية، بل العربية عامة، قصة حى بن يقظان لابن طفيل الوادى آشى القيسى وهى قصة رمزية، أراد بها ابن طفيل التوفيق بين الفلسفة والدين، وقد أدارها على طفل نشأ فى جزيرة مهجورة نما فيها وحده ونما معه عقله، حتى أدرك حقائق الأشياء على نحو ما يدركها الفلاسفة، واستنبط أن للكون خالقا وشعر بحاجته إلى الاتحاد به، وما زال يحاول ذلك حتى تحقق له هذا الاتحاد. وابن طفيل بذلك يثبت أن التأمل الفكرى المحض، كالإيمان الحقيقى الصادق عن طريق الأنبياء، يؤدى مثله إلى الاتصال بالله والاتحاد به، وإذن فلا تعارض ولا تنافر بين الفلسفة والدين.
وتصادف أن عثر غرسية غوميس فى مخطوطة موريسكيه بمكتبة الإسكوريال فى مدريد كتبت فى القرن السادس عشر على قصة تسمى قصة الصنم والملك وابنته تتشابه فى إطارها الخارجى مع قصة ابن طفيل التى كتبها فى القرن الثانى عشر، وبدلا من أن يستنتج أن مؤلف هذه القصة الموريسكية اطلع على قصة حى بن يقطان أو استلهمها إما فى أصلها العربى وإما فى ترجمة لاتينية أو قشتالية قديمة زعم العكس وأن ابن طفيل هو الذى استلهم هذه القصة أو أصلها القديم الذى كان شائعا فى زمنه، وهكذا بنى زعمه على مقدمات وهمية. وتنبه جوتييه فى مقدمة ترجمته الثانية لقصة حى بن يقظان لما وقع فيه غرسية من خطأ. وبالمثل أخطأ بالنثيا فى توهمه تأثر ابن طفيل بالمسيحية فى القصة وأن يقظان فيها رمز الله وبالتالى «حىّ» رمز المسيح ابن الله، والقصة تكتظ بالآيات
стр. 3649
والتعبيرات القرآنية والروح الصوفية الإسلامية. وهى بحق عمل فريد أصيل لابن طفيل لا سابقة له فى الآداب العالمية، وقد تأثر به الأدب الإسبانى كما يتضح فى قصة الصنم والملك وابنته الموريسكية التى ذكرها غرسية وأيضا فى قصة الناقد (الكريتيكون) الإسبانية لجراثيان المنشورة فى منتصف القرن السابع عشر والتى يقول منندث بيلايو عنها إنها تتطابق مع قصة حى بن يقظان تطابقا واضحا. وقد كتب على هداها فى سنة ١٧٠٩ الكاتب الإنجليزى دانييل ديفو قصته المعروفة: «روبنسن كروزو».
وتحدث الفصل بعد ذلك عن فن المقامات بالأندلس والتحامه بمقامات الحريرى المعتمدة على الكدية أو الشحاذة، مع عرض المقامات اللزومية للسرقسطى وخصائصها فى الأسلوب والمضمون، ومع بيان تأثير هذا الفن فى الأدب الاسبانى خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر للميلاد، إذ نشأ عند الاسبان-على هداه-ما سمّى بالقصص البيكارسية أو قصص الشطارة والشطار، وبطلها «البيكارو» يعيش-كبطل المقامات- على التسول والشحاذة مستخدما لذلك حيلا وخدعا شتى.
وألمّ الفصل برحلات الأندلسيين مبينا أنها تعددت عندهم بسبب أدائهم لفريضة الحج سنويا، وللإمام بمراكز الثقافة فى المشرق، وللسفارة الخارجية إلى ممالك النصارى الشمالية، وللسفارة الداخلية إلى الإمارات الأندلسية، ولزيارة ماوراء البلدان العربية فى آسيا وشرقى أوربا، ولمرافقة أمراء غرناطة فى عهد الأندلس الأخير فى رحلاتهم وكذلك فى مرافقة بعض سلاطين المغرب فى رحلاتهم. ومن أطرف رحلات الأندلسيين رحلة ابن جبير المتميزة بحسن العرض وجمال الأسلوب المرسل العذب.
وهذه الدراسة المستفيضة لتاريخ الأدب العربى فى الأندلس أثناء ثمانية قرون طوال جعلتنى أرجع إلى كل ما استطعت الاطلاع عليه من المصادر والمراجع الأندلسية المتصلة بكتب التاريخ والتراجم وكتب علوم الأوائل والعلوم اللغوية والدينية وكتب الشعر ودواوينه وكتب النثر وأعمال كتّابه، كما رجعت إلى طائفة من كتب المستشرقين والباحثين محاولا-بقدر ما أستطيع-أن أرسم هذه الصورة المستوعبة لأدب الأندلس مع تصحيح الأحكام المخطئة التى من شأنها الغضّ من مكانته الرفيعة ومن المدى الخطير الذى أثّر به فى الأدب الإسبانى والآداب الأوربية. والله-وحده-ولى الهدى والتوفيق.
القاهرة فى أول مايو سنة ١٩٨٩ م.
شوقى ضيف
стр. 3650
الفصل الأوّل
السياسة والمجتمع
١ - التكوين الجغرافى والبشرى (١)
تقع شبه جزيرة إيبيريا فى الجنوب الغربى من القارة الأوربية، وتتصل بالقارة عن طريق جبال شاهقة وعرة، هى جبال البرينيه التى تكوّن حاجزا منيعا بينها وبين أوربا، ولا يمكن لأحد اجتيازها إلا من ممرين يخترقانها فى الشرق والغرب، وبينهما ممرات متعرجة ملتوية ضيقة سماها العرب باسم الأبواب مما جعلهم يسمون تلك الجبال جبال الأبواب. وفى وسط الجزيرة هضبة كبرى تنحدر نحو الشرق مطلّة على البحر المتوسط مهد الحضارات القديمة الكبرى: المصرية والفينيقية واليونانية والرومانية، كما تنحدر نحو الغرب مطلة على المحيط الأطلسى، وهو يطوّق شماليها الغربى فى خليج بسكاى ويتصل فى جنوبيها بالبحر المتوسط عن طريق مضيق الزقاق الذى سمّى بعد الفتح العربى إلى اليوم باسم مضيق جبل طارق. وتمتد فى هضبة إيبيريا الوسطى سلاسل جبال من الشرق إلى الغرب تصعّب التواصل بين أجزائها فى الداخل. وبها أنهار كثيرة وخاصة فى الغرب حيث تصب فى المحيط، وهى من الشمال إلى الجنوب نهر المنيو ثم نهر دويرة، وهو كثير الفروع غزير المياه خصب التربة، ويليه نهر تاجه وتقع عليه مدريد وطليطلة ويصب عند أشبونة، ثم نهر آنه وتقع عليه بطليوس، فنهر الوادى الكبير وتقع عليه قرطبة وإشبيلية ومنه يتفرّع نهر شنّيل مادّا ذراعا له إلى غرناطة، وجنوبيه نهير لكّه ويصب فى المحيط بالقرب من قادس. وتصب فى البحر المتوسط أنهار أقل أهمية ما عدا نهر إبرو فى
стр. 3651
الشمال وهو متعدد الفروع غزير المياه، وينبع من شرقى إقليم قشتالة ويمر بإقليم أراجون فإقليم سرقسطة فى الثغر الأعلى فإقليم فطالونية ويصب عند طرطوشة جنوبى برشلونة.
ويليه جنوبا نهير الوادى الأبيض ويصب عند بلنسية، فنهير شقر بأوديته وفروعه الخصبة ويصب شمالى دانية، ثم نهير شقورة وعليه تقع مرسية، ويليه نهير أندرش ويصب عند المرية، فنهير البشرّات ويصب عند شلوبينيه.
والمناخ فى إيبيريا متباين لاختلاف أقاليمها، فهو فى الجبال وشمالى البلاد بارد، وهو دافئ فى الوديان بالوسط وفى الجنوب. ومناخ الأقاليم فى الشرق مناخ البحر المتوسط وتخضع له تلك الأقاليم فى نباتاتها وحيواناتها، بينما تخضع الأقاليم فى الغرب لمناخ المحيط الأطلسى ونباتاته وحيواناته وغاباته. وإيبيريا لا تساع مساحتها وقيام الجبال والهضاب فيها متعددة المناخ، فمناطق جبلية بها غابات وأحيانا معادن وبسفوحها مراع، ووديان وسهول بها زروع وبساتين، وهضاب بها قفار ومراع، وأحواض أنهار بها حبوب وبقول وحدائق ذات بهجة. ومن يعيشون فى تلك الأحواض وما بها من زرع وضرع تجرى حياتهم سهلة هيّنة، ومن يعيشون فى الجبال يتأثرون بوعورتها ومن يعيشون فى سفوحها والقفار ومراعيها يتأثرون بما يتأثر به أهل البوادى. وعلى هذه الشاكلة بينما نجد فى إيبيريا أهل مدن متحضرين نجد أهل جبال بائسين كما نجد رعاة متبدين، مما حال من قديم بين أهل إيبيريا وبين قيام وحدة جغرافية تؤلف بينهم وتجمع أشتاتهم.
وهذا الاختلاف فى أقاليم إيبيريا رافقه-منذ أقدم الأزمنة-اختلاف فى العناصر والأجناس البشرية التى كوّنت سكانها، وأول من سكنها الإيبيريون وهم قبائل من غالة والبسك، وسرعان ما أخذت أجناس وأمم تفد عليها، وكان أول الوافدين الفينيقيين، وفدوا عليها فى القرن العاشر قبل الميلاد للتجارة، وأقاموا بشواطئها الجنوبية مؤسسين على البحر المتوسط مدينة مالقة وعلى المحيط مدينة قادس، ووفد عليها بعدهم الإغريق فى القرن الخامس قبل الميلاد وأقاموا بشواطئها الشرقية الشمالية وهم الذين سموها إيبيريا وقد أسسوا بها مدينة برشلونة على البحر المتوسط، ووفد عليها بعدهم بنحو قرنين القرطاجنيون وأسسوا فى شرقيها مدينة قرطاجنة. واستولت عليها روما فى أواسط القرن الثانى قبل الميلاد، وكان جيشهم الفاتح لها خليطا من شعوب أوربية مختلفة إيطالية وغير إيطالية واستوطنتها بعض أسر رومانية، وأطلقت عليها روما اسم إسبانيا، وأشاعت فيها حضارتها ولغتها حتى إذا تنصرت أدخلتها معها فى النصرانية. وظلت خاضعة لها، حتى
стр. 3652
إذا أقبل القرن الخامس الميلادى وأقبلت معه غارات المتبربرين من الألمان وغيرهم على الدولة الرومانية الغربية وقضت عليها كان من سابقيهم إلى إسبانيا قبائل، الوندال وزحزحتهم إلى الجنوب قبائل ضخمة من القوط وسمّى باسمهم: «قاندالوسيا» وعرّب الفاتحون من العرب هذا الاسم إلى الأندلس وسموا به جميع إيبيريا من الجنوب إلى أقصى الشمال. وظل القوط يحكمون البلاد متخذين طليطلة-كما اتخذها الرومان- عاصمة لهم، ونزلها فى عهد القوط يهود كثيرون، وازداد عددهم بها حتى كانت لهم مدن خاصة بهم مثل أليسانة قرب قرطبة وكثروا فى إلبيرة وغرناطة.
وأضاف الفتح العربى إلى هذه العناصر البشرية الكثيرة فى المجتمع الإيبيرى عناصر جديدة آسيوية من العرب وإفريقية من البربر. وكان عدد العرب فى الفتح لا يتجاوز ثمانية عشر ألفا، وسموا باسم البلديين تمييزا لهم من فوج عربى نزل الأندلس سنة ١٢٣ للهجرة مع واليها بلج بن بشر القشيرى، وكان تعداده عشرة آلاف وسموا باسم الشاميين تمييزا لهم من البلديين، ونزلها فى سنة ١٢٥ للهجرة مع واليها أبى الخطار حسام بن ضرار الكلبى فوج عربى ثان، وسمع العرب بخيراتها فارتحل إليها كثيرون منهم.
وكانت كثرة الفاتحين من البربر حتى إذا تم الفتح أخذت بعض القبائل والعشائر البربرية تهاجر إلى الأرض الجديدة واتخذوها سكنا ومقاما لهم. وبجانب البربر والعرب نجد عنصرا ثالثا فسح له حكام الدولة الأموية فى الأندلس والمقام بها منذ أفضى زمام تلك الدولة إلى الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) إذ استكثر من شراء الصقالبة، وهم رقيق أوربى كان يخصى ويباع، وأصل نشأته فى بلغاريا شرقى أوربا، ولذلك قيل له صقلبى، وعم الاسم فى الأندلس الرقيق الأوربى جميعه من ألمانيا وغير ألمانيا. وكان حكام الدولة الأموية يشترون هؤلاء الصقالبة شبانا ويدخلونهم فى الإسلام ويعلمونهم العربية وآداب المجتمع الأندلسى ويدربونهم على الفروسية واتخذوهم حرسا وخدما فى قصورهم، وألحقوا نفرا منهم بجيوشهم وازدادوا حتى بلغوا أكثر من ثلاثة عشر ألفا فى عهد عبد الرحمن الناصر، وسنراهم يستقلون ببلنسية ودانية والمرية فى عهد ملوك الطوائف.
وواضح أنه شاركت فى التكوين البشرى لإيبيريا أجناس كثيرة منها الآسيوى والإفريقى والأوربى، وبذلك أصبحت فى دمائها القارات القديمة الثلاث، مما حال دون قيام وحدة سياسية فيها، إذ أخذ كل إقليم من أقاليمها يشعر أن له وجودا ذاتيا وأن من حقه التمتع بالاستقلال، ومن ينظر إلى خريطتها اليوم يرى فيها أمتين مستقلتين تمام الاستقلال: الأمة الإسبانية والأمة البرتغالية، ولكل منهما نظامها السياسى الخاص.
стр. 3653
٢ - الفتح-عصر الولاة
(أ) الفتح (١)
أتمّ موسى بن نصير والى المغرب منذ سنة ٨٦ هـ/٧٠٦ م فتح بلاد المغرب حتى المحيط الأطلسى غربا وجبال السوس الأقصى جنوبا، واتبع موسى سياسة حميدة: أن يرسل مع الجيوش الغازية طائفة من الفقهاء ليدخلوا البربر فى الدين الحنيف ويلقّنوهم تعاليمه، مما عمل على تعريبهم سريعا، وأسس فى بلاد المغرب الأوسط ولاية جعل حاضرتها تلمسان، وأسس فى بلاد المغرب الأقصى ولاية ثانية جعل حاضرتها طنجة المطلة على مضيق الزقاق، وولّى عليها أحد قواده من البربر هو طارق بن زياد. وأبقى موسى على سبتة شرقيها على الزقاق لواليها الرومى البيزنطى يوليان، وكان قد سارع إلى موسى حين وصوله إلى إقليم طنجة سنة ٨٩ هـ/٧٠٩ م فأعلن له ولاءه وطاعته. ويظن أنه أغراه حينئذ بغزو إيبيريا، وكان ملكها غيطشة Witiza قد توفى سنة ٧٠٨ م وأبى الأشراف أن يخلفه على العرش أحد أبنائه، وأجلسوا عليه لذريق Roderic حاكم قرطبة، ونشبت حروب بينه وبين أبناء غيطشة، وانتصر عليهم، ويبدو أنهم استغاثوا بيوليان حاكم سبتة البيزنطى حليف أبيهم، ورأى أنه لا قبل له بلذريق وفكّر أن يستعين عليه بالعرب، فأغرى موسى بن نصير-حين لقيه فى طنجة-بغزوها. أما ما يقال من أن دافع يوليان إلى حثّ موسى على هذا الغزو مسألة شخصية هى عدوان الملك الجديد لذريق على ابنته فى قصره وأنه أراد أن يثأر لانتهاك عرضه بحضّ العرب على غزو إيبيريا ففى رأينا أن ذلك من باب الأساطير، والمعقول أن يكون الباعث الحقيقى لموسى بن نصير على غزوها
стр. 3654
أو بعبارة أدق على فتحها أنه سأل عنها وعرف كثيرا من أحوالها الجغرافية والسياسية وأن ليس بها جيش حقيقى يحميها، فتطلع للاستيلاء عليها ونشر الإسلام بها، وشاور فى ذلك الخليفة، وكان الوليد بن عبد الملك، وكان مثله شديد الطموح للفتوح وكانت جيوشه تتغلغل فى أقصى الشرق: فى أواسط آسيا وفى الهند، فشجع موسى، غير أنه أمره بالتمهل حتى يرسل حملات استكشافية، يتبين بها أين ينزل الجيش الفاتح وكيف يتحرك.
وندب موسى لهذه المهمة قائدا من قواده هو طريف فعبر-مع أربعمائة من الجند ومائة فارس-إلى الشاطئ الإيبيرى فى سنة ٩١ هـ/٧١٠ م ونزل فى موضع أقيمت به بلدة سميت باسمه، ولا تزال قائمة إلى اليوم، وقام طريف بعدة غارات تبين له منها أنه لا توجد بجنوبى إيبيريا وسائل دفاع تحميها. واستدار العام فرأى موسى أن يرسل حملة أكثر عددا بقيادة طارق بن زياد والى طنجة، فعبر فى سنة ٩٢ هـ/٧١١ م مضيق الزقاق بجيش عداده سبعة آلاف، وتجمعوا عند جبل سمّى فيما بعد إلى اليوم جبل طارق. ويقال إن عبور هذه الحملة للمضيق-مثل عبور سابقتها-إنما كان بسفن أعدّها يوليان، ويدحض ذلك أنه كان لموسى بن نصير والعرب حينئذ أسطول يحمى شواطئ إفريقيا من الأسطول البيزنطى وأقيمت له دار صناعة كبيرة بتونس، وما دام موسى قد عزم على فتح إيبيريا فلا بد أنه أمر أسطوله بالتوجه غربا ليعبر-بحملة طريف ثم بحملة طارق-مضيق الزقاق، أما قصة عبور الحملتين على سفن يوليان فلا يؤيدها منطق الأحداث، وهى-فى رأينا-تكملة لما نسجه الخيال الشعبى من سخط يوليان على لذريق بسبب اعتدائه المزعوم على ابنته. ومما يتصل بهذا القصص الأسطورى عن فتح الأندلس الخطبة البليغة التى أضيفت إلى طارق، وقيل إنه ألقاها على جنوده بعد عبورهم مباشرة مفتتحا لها بقوله: «أيها الناس! أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم فليس لكم والله إلا الصدق والصبر» والخطبة من روعة البيان بحيث يبعد أن ينشئها مغربى تعرّب حديثا مثل طارق، غير أنها شاعت بين الأندلسيين شيوعا أعدّ الخيال الشعبى ليضيف إليها أسطورة إحراق طارق للسفن التى جاز بها مع جنده إلى الشاطئ الإيبيرى، وهى لو صحت لكانت عملا طائشا، وهو عمل لا يمكن أن يقدم عليه أى قائد يقدر مسئولياته وتبعاته. ومما يؤكد أنها مختلقة ومن نسج الخيال الشعبى أنها لم ترو فى كتب التاريخ الأندلسى طوال خمسة قرون وأن أول من رواها الإدريسى الجغرافى المتوفى سنة ٥٦٠ للهجرة فى كتابه نزهة المشتاق.
стр. 3655
وانحدر طارق بجيشه غربا مارّا برأس بارز على الزقاق، أقيمت به-فيما بعد- مدينة الجزيرة الخضراء، وتابع مسيرته على المحيط، وعلم أن لذريق يعدّ جيشا للقائه، فأرسل إلى موسى بن نصير يستمدّه، فأمدّه بخمسة آلاف بقيادة طريف، جازوا المضيق فى سفن عربية، ولم يلبث طارق أن التقى مع لذريق فى السهول المنبسطة شرقى قادس وهزمه هزيمة ساحقة، جعلت كثيرا من مدن إيبريا تفتح أبوابها لطارق وجنده، بينما فرّ لذريق إلى الشرق، وقتل على نهر شقورة. وأرسل طارق أحد قواده إلى قرطبة فاستولى عليها. وتمادى طارق فى الفتح حتى طليطلة عاصمة لذريق والقوط، فألقت له عن يد، وفرّ منها الأسقف والقساوسة يحملون مذبح كنيستها، ولحقت بهم كتيبة عربية عند بلدة صغيرة واستولت منهم على المذبح وذخائر كثيرة، وقيل لهم إنه مائدة سليمان، فسميت البلدة بعد ذلك باسم المائدة. وأخذت تشيع-منذ فتح طليطلة-أسطورة شعبية، مؤداها أنه كان بها بيت مطلسم عليه أقفال كثيرة أمر بفتحه لذريق، فوجده فارغا إلا من تابوت مغلق وجد فيه لفائف مدرجة رسمت فيها صور عرب مدججين بالسلاح وفى أعلاها كتابات بالعجمية تشير إلى أن أمة الرجال المصورين ستغلب على الأندلس حين تكسر أقفال هذا البيت، وواضح أنها أسطورة مختلقة ولا أساس لها من حقيقة.
ولما بلغ طارق طليطلة فى وسط إيبيريا رأى موسى بن نصير أن يسير إليه فى قوة كبيرة ليشد أزره ويثبّت فتحه ويمكّن له، وحين نزل بجنده الجزيرة الخضراء بنى بها مسجدا، وظل كلما دخل بلدة كبيرة أسس بها بيتا من بيوت الله، وكان قد استقدم معه مهندسا معماريا لبناء تلك البيوت أو المساجد، واتبع فى إيبيريا ما اتبعه فى المغرب من تكليف بعض الفقهاء الداخلين معه تعليم أهل إيبريا القرآن الكريم وفرائض الإسلام.
ومضى بجيشه غربا يتمم فتوح طارق واستولى على شذونة وإشبيلية وقرمونة وماردة ولقنت وانتهى إلى طليطلة، ويقول بعض المؤرخين خطأ إنه كان قد امتلأ غيظا وحقدا على طارق لما فتح الله على يديه من البلاد، وزعموا أنه حين لقيه-بدلا من تهنئته بانتصاراته-شدّ وثاقه وهمّ بقتله، وكل ذلك يخالف الأحداث، ولم يكن موسى من الطيش والحمق بأن يصنع ذلك بطارق الجدير بكل شكر وثناء. ويدل أقوى الدلالة على صحة ما نقول أن طارقا ظل الساعد الأيمن فى استكمال الفتح.
وأقام موسى مع طارق فى طليطلة طوال الشتاء فى سنتى ٩٤، ٩٥ هـ/٧١٣ - ٧١٤ م.
وضرب للبلاد عملة جديدة تحمل على أحد وجهيها شهادة أن لا إله إلا الله، وبذلك كان أول عربى حكم قطرا أوربيا، وجاءه نبأ بانتقاض إشبيلية فأرسل إليها ابنه عبد العزيز
стр. 3656
فأخمد الانتقاضة، واستولى غربيها على لبلة وباجة. وكان مما كتب به موسى بن نصير إلى الخليفة يبشره بالفتوح قوله: «إنها ليست الفتوح ولكنه الحشر ولكنها الجنة». وخرج فى ربيع سنة ٩٥ هـ/٧١٤ م-ومعه طارق-بالجيش إلى الشمال لإيبيريا قاصدا سرقسطة مفتاح منطقة وادى نهر إبرو، واستولى عليها كما استولى على لاردة شرقيها، وجاءه حينئذ أمر من الخليفة الوليد بن عبد الملك بوفوده عليه مع طارق لتقديم تقرير مفصل إليه عن الفتوح، ورأى أن يؤخر الوفود عليه بضعة أشهر حتى يستكمل فتح إيبيريا، إذ رأى بلدانها ومعاقلها فى الشمال تستسلم له دون مقاومة تذكر. وللإسراع بالفتح أمر طارقا أن يتجه بجنده إلى الشمال الشرقى فاستولى على أراجون، واتجه موسى إلى الشمال الغربى، ولحق به طارق بعد استيلائه على أراجون، واستولى فى طريقه على ليون بمنطقة قشتالة، وتوغل موسى فى مسيرته وعبر جبال كنتبريه، واستولى على حصن أبيط فى أقصى الشمال، ووصل إلى خليج بسقاية (بسكاى) على المحيط. وأحس أنه أنهى فتح إيبيريا إذ استولى مع طارق على أقاليم قطالونيا فى الشرق وأراجون والبشكنس وقشتالة وجليقية فى الشمال إلى أقصى الغرب. فرأى أن يلبّى مع طارق أمر الخليفة بوفودهما عليه، وأناب عنه فى حكم البلاد ابنه عبد العزيز. ومن سوء حظهما أن الموت كان قد أسرع إلى الخليفة الوليد، وخلفه أخوه سليمان فلم يحسن لقاء الفاتحين العظيمين، ولم يعودا بعد ذلك إلى إيبيريا، ولا عرف مصيرهما، ويقال إن موسى حجّ مع سليمان سنة ٩٧ هـ وإنه توفى بالطريق فى المدينة أو فى وادى القرى، أما طارق فيبدو أنه عاد إلى موطنه مكتفيا بما أدى فى سبيل الله من جهاد وفتوح عظيمة.
وكان موسى وطارق قد استوليا على أهم البلدان فى إيبيريا، وبقيت فيها بلدان وجهات لم تخضع لهما، فأخضعها ابنه عبد العزيز فى ولايته القصيرة قبل؟ ؟ ؟ مقتله:
(٩٥ - ٩٧ هـ). وكان قد اتخذ إشبيلية عاصمة له، واتجه منها إلى الغرب فاستولى على باجة ويابرة وشنترين وقلمرية، وبذلك استكمل فتح غرب إيبيريا، وكانت لا تزال فى الجنوب الشرقى جهات وبلدان لم تخضع للعرب خضوعا تاما، فرأى عبد العزيز أن يخضعها، وبدأ بمالقة فاستولى عليها كما استولى على غرناطة، وولى وجهه؟ ؟ ؟ نحو إقليم مرسية، ولم تكن أنشئت فيه إنما أنشئت فيما بعد، وكانت أريولة عاصمة هذا الإقليم، وكان يحكمه قائد قوطى تسميه المصادر العربية تدمير، فامتنع فى مدينته وصمد لحصار المسلمين، حتى إذا لم يبق فى قوس صبره منزع لجأ إلى حيلة، هى نشر نساء مدينته لشعورهن ووقوفهن على سور المدينة وبأيديهن القضبان إيهاما للمسلمين بأنه لا يزال فى المدينة عدد
стр. 3657
ضخم من الرجال البواسل المتهيئين لمواصلة القتال، وخرج هو وطلب لقاء قائد المسلمين عبد العزيز، فاستأمنه، فأمّنه، وعقد له الصلح ولأهل بلده على إتاوة وجزية يؤدونهما. وفى رأينا أن هذه الحيلة للاستئمان تعدّ-بدورها-من أساطير الفتح الشعبية الكثيرة التى كانت تتداول فى إيبيريا. إذ يكفى أن يخرج هذا القائد بعد حصار طويل لقائد المسلمين المحاصرين لبلدته ويطلب الأمان له ولمدينته فيجاب إلى طلبه كما حدث كثيرا فى الفتوح الإسلامية.
(ب) عصر (١) الولاة (٩٥ هـ/٧١٤ - ١٣٨ هـ/٧٥٥ م)
عملت عوامل متعددة على كثرة الاضطرابات فى هذا العصر، منها كثرة العناصر التى تكوّن منها الشعب فى الأندلس، إذ كان منه أسبان مختلفو الجنسيات كما أسلفنا ويهود، وحلّ به بربر كثيرون وهم ينقسمون إلى قبيلتين كبيرتين: البتر والبرانس، كما حلّ به العرب وهم ينقسمون بدورهم إلى عدنانية أو مضرية ويمنية أو قحطانية، وكانت بينهما خصومات قديمة أشعلتها فى العصر الأموى حروب قيس المضرية وكلب اليمنية فى موقعة مرج راهط، واستعادت القبائل العربية فى الأندلس هذه الخصومات سريعا. وكان البربر البتر يأخذون صفّ العدنانية والقيسية، بينما البربر البرانس كانوا يأخذون صفّ القحطانية وكلب اليمنية، وكان الوالى على الأندلس إذا كان يمنيا أو كلبيا تعصب لقومه، وبالمثل إذا كان عدنانيا أوقيسيا مما هيأ لكثرة الاضطرابات والقلاقل فى تلك البلاد.
وعامل ثان هيّأ لها هو كثرة تعيين الولاة هناك حتى بلغوا فى نحو أربعين عاما اثنين وعشرين واليا، فلم يكن الوالى يشعر بشئ من الاستقرار. وعامل ثالث هيأ بدوره لكثرة الاضطرابات فى الأندلس هو بعدها عن السلطة المركزية فى دمشق، فكان الخلفاء الأمويون لا يعرفون شئونها معرفة واضحة، مما جعلهم يكلون تعيين ولاتها إلى ولاتهم على المغرب، مع أنها كانت أكثر من المغرب ثراء وخراجا، وكانت تنعم بغير قليل من الحضارة، بينما أهل المغرب كانوا-وخاصة فى الداخل بعيدا عن الشواطئ-بدوا غير متحضرين، وكان أهل الأندلس يأنفون من هذه التبعية، والخليفة الوحيد الذى تنبه إلى
стр. 3658
ذلك هو عمر بن عبد العزيز، إذ فصل ولاية الأندلس عن ولاية المغرب، وولّى عليها سنة مائة للهجرة السمح بن مالك، فطبق سياسة عمر فى إنصاف الإسبان المغلوبين والمساواة فى الحقوق بينهم وبين المسلمين من العرب والبربر، ودفع الناس بقوة إلى الجهاد فى سبيل الله وراء جبال البرينيه فى غالة (فرنسا) وتوالت انتصاراته حتى مدينة تولوز، وثبّت أقدام المسلمين فى ولاية سبتمانية جنوبى فرنسا وعاصمتها أربونة بحذاء البحر المتوسط، ولم يلبث ان استشهد فى آخر سنة ١٠٢ للهجرة.
وكان عمر بن عبد العزيز قد توفى قبل السمح فعادت الأندلس تابعة لوالى المغرب، فولى عليها عنبسة الكلبى، واقتدى بالسمح فى متابعة الجهاد وراء جبال البرينيه واستولى على قرقشونة فى داخل سبتمانية، وتوغل فى وادى نهر الرون حتى سانس على بعد ٧٠ كيلو مترا من باريس واستشهد سنة ١٠٧ وولّى عليها والى المغرب يحيى بن سلمة الكلبى وظل عليها حتى سنة ١١٠ وكان شديد العصبية-مثل عنبسة الوالى قبله- لقبيلته كلب اليمنية، ولقيت قيس المضرية منهما الأمرين، وولى بعدهما ولاة قيسيون كالوا لكلب الصاع صاعين أهمهم الهيثم الكلابى وله بلاء حسن فى الجهاد بأرض غالة، ويقال إنه توغل فيها حتى ماسون شمالى ليون. ووليها عبد الرحمن الغافقى فأعاد إلى الأندلس الهدوء والنظام وقاد جيشا كبيرا لغزو غالة، وواصل انتصاراته بين نهرى جرونة ودوردونى، ومضى فى اتجاه اللوار وكان شارل مارتل قد حشد له جيشا كثيفا من الفرنج والألمان وشعوب الشمال الأوربى، والتقى به لسنة ١١٤ هـ/٧٣٢ م بين تور وبواتييه على بعد مائتى كيلو مترا من باريس، وصمد المسلمون عشرة أيام ينازلون أعدادا ضخمة، وفجأهم استشهاد قائدهم عبد الرحمن فى المعركة فانسحبوا. وولى الأندلس عبد الملك بن قطن الفهرى لمدة سنتين وخلفه عليها سنة ١١٦ عقبة بن الحجاج القيسى وظل يليها خمس سنوات محمود السيرة، ورابط فى جليقية بأقصى الشمال الغربى من إيبيريا حتى لم يبق فيها قرية إلا فتحت ما عدا حصن بلاى بالقرب من خليج بسكاى لوعورة الطريق إليه، وتخطى جبال البرينيه إلى سبتمانية وعسكر بجيشه فى عاصمتها أربونة وتقدم على نهر الرون واستشهد فى قرقشونة. وباستشهاده يتوقف هذا المد العربى الإسلامى وراء جبال البرينيه فى غالة (فرنسا) بعد استمراره عشرين سنة أو تزيد، سجل فيها العرب صفحات انتصار مجيدة بجانب انتصاراتهم وفتوحاتهم العظيمة فى إيبيريا.
وإنما عاق العرب عن المضى فى هذه الفتوحات والانتصارات ما أفضوا إليه فى الأندلس-منذ أول العقد الثالث فى القرن الثانى-من عصبيات عنيفة أخذت تضطرم
стр. 3659
اضطراما شديدا لا بين العرب المضرية واليمنية فحسب، بل أيضا بين العرب أنفسهم والبربر وكانت قد اندلعت العصبية بينهما فى المغرب، واضطر هشام بن عبد الملك أن يرسل جيشا ضخما بقيادة كلثوم بن عياض القشيرى وابن أخيه بلج بن بشر لإخماد ثورة ضارية للبربر، فهزم الجيش مرارا، واضطرت قوات منه تبلغ عشرة آلاف كان يقودها بلج بن بشر أن تلجأ إلى مدينة سبتة، وحاصرها البربر وأصابها جوع قاتل فكاتب بلج بن بشر والى الأندلس أن يسمح له بدخولها مع جنده، فتردد، وكان قد تطاير شرر كثير من فتنة البربر بالمغرب إلى إخوانهم فى الأندلس لإبعاد العرب لهم عن أداة الحكم ولما ينزلونه بهم من عسف، فثاروا فى بلدان كثيرة هناك وخشى الوالى مغبة ذلك فسمح لبلج بن بشر أن يدخل الأندلس سنة ١٢٣ بآلافه العشرة. وتعاون مع الوالى فى القضاء على ثوراتهم، مما جعلهم يتنادون-وخاصة فى شمال البلاد-بالرجوع إلى موطنهم فى المغرب. وكانت من البربر كثرة فى جليقية وحوض نهر الدّويرة وفى الأراضى الواقعة شمالى نهر تاجه، فتركوا تلك الديار جميعا تنعى أهلها، وكان لهذه الهجرة البربرية الجماعية أسوأ الأثر على مستقبل الإسلام لا فى الأندلس وحدها بل أيضا فى ساحات الجهاد والفتوح خلف جبال البرينية فى غالة، فقد توقف هذا الجهاد، وليس ذلك فحسب، إذ ضاعت جليقية وأراضى حوض نهر الدويرة أو أشرفتا على الضياع، فقد تركها المغاربة لنصارى الشمال، وأوشك أن يكون ما تركوه وخسره الإسلام نحو ربع إيبيريا، تركوه للنصارى دون حرب أو ما يشبه الحرب، ليتجمع النصارى فيه ويعمروه ويغيروا على المسلمين منه طوال القرون التالية ويخرجوهم من ديارهم وفردوسهم الأرضى.
ولم يلبث بلج بن بشر أن اشتبك بعد ذلك مع جنوده الشاميين فى حروب مع والى الأندلس وجنوده من العرب الفاتحين، وسموا أنفسهم البلديين تمييزا لهم من هؤلاء الشاميين الطارئين. وانتصر بلج ولم يلبث أن توفى وعادت الحرب جذعة بين العرب الشاميين والعرب البلديين ومن انضم إليهم من البربر المستقرين فى الأندلس إذ كانوا يرون أنفسهم-مثل العرب البلديين-أحق بالأندلس وخيراتها. وهاجت الفتن والحروب بين الفئتين، وولى-من قبل والى المغرب-أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبى، وحاول أن يعيد إلى الأندلس الهدوء والنظام، غير أنه أفرط فى التعصب لقومه من كلب واليمنية ضد القبائل المضرية والقيسية ونشبت فتنة ضارية، فخلع سنة ١٢٨، ولم تهدأ البلاد، فقد احتدمت الفتنة بين اليمنية والمضرية وأيضا بين العرب الشاميين والبلديين، واستطاع الصميل بن حاتم زعيم المضرية أن يضم تحت لوائه قومه ومعهم
стр. 3660
العرب الشاميون بينما انضوى اليمنيون والعرب البلديون والبربر تحت لواء يوسف بن عبد الرحمن الفهرى، واتفق الطرفان سنة ١٢٩ أن تكون ولاية الأندلس ليوسف ويتخذ الصميل مستشارا له ووزيرا، وبذلك عاد الأمن والنظام إلى الأندلس حتى سنة ١٣٨ ولكنها لم تعد إلى الجهاد فى غالة (فرنسا) ولا إلى الحفاظ على ما أضاعته من الأندلس الهجرة البربرية الكبرى، مما أتاح الفرص لنصارى الشمال أن يقيموا لهم دولا ما زالت تناضل المسلمين قرونا متطاولة إلى أن سقطت غرناطة آخر معاقلهم بتلك الديار.
٣ - الدولة الأموية (١)
لا نصل إلى أواخر السنة الثانية والثلاثين بعد المائة حتى يقضى العباسيون على الدولة الأموية فى المشرق وقد مضوا يستأصلون الأمويين فى مذابح جماعية، وكأنهم لا يريدون أن يبقوا منهم على وجه الأرض باقية. فى هذه الأثناء فرّ شاب أموى فى التاسعة عشرة من عمره إلى إفريقيا هو عبد الرحمن بن معاوية ابن الخليفة هشام بن عبد الملك، واستطاع أن يدخل الأندلس-ولذلك سمّى عبد الرحمن الداخل-وأن يقبض على زمام الحكم بها ويجعله وراثيا فى أسرته لمدة ثلاثة قرون متوالية. وبذلك أثبت أن الدولة الأموية إذا كانت سقطت فى المشرق فقد قامت فى الأندلس وكل ما هناك أن العاصمة انتقلت من دمشق إلى قرطبة.
وأحيط فرار عبد الرحمن إلى إفريقيا ودخوله إلى الأندلس بكثير من المبالغات والأساطير، من ذلك أنه كان بإحدى قرى العراق مع أختين له وأخ صغير فى الثالثة عشرة من عمره حين كان العباسيون ينكّلون بأفراد أسرته، وحاصرت جنودهم القرية،
стр. 3661
فاصطحب عبد الرحمن أخاه وحمل ما استطاع من المال وأوصى أختيه أن يرسلا إليه بموضع عيّنه لهما فى الشام مولاه بدرا ومولاهما سالما. وحين كان يهم مع أخيه بعبور الفرات لحقتهما جنود العباسيين وعرضت عليهما الأمان، وكان التعب قد أخذ بخناق أخيه فاستجاب لهم. أما هو فألقى بنفسه فى الفرات، وبمجرد أن وصل إلى الشاطئ رأى سيوف الجند العباسى تنوش أخاه، فحمد الله أن نجا بنفسه، واتجه إلى الموضع الذى عيّنه لأختيه بالشام فوجد بدرا وسالما فى انتظاره ومعهما مال وجواهر. ومضى معهما مسرعا إلى إفريقيا وأخذ يتنقل فيها بين قبائل البربر، واستقرّ عند أخواله من قبيلة نفزة بالقرب من طنجة.
وكان سالم قد أعياه طول التنقل فعاد إلى الشام أما بدر فظل مع مولاه. وتساق مع هذه الأسطورة أسطورتان تزعم أولاهما أن والى المغرب أحسّ بخطر عبد الرحمن فأرسل فى طلبه، وكاد أن يقع فى يد طالبيه، لولا أن خبأته امرأة من قبيلة نفزة فى ثيابها، وتزعم الأسطورة الثانية أن عم أبيه مسلمة بن عبد الملك كان على علم بالنجوم وأنها أخبرته أن الأمير عبد الرحمن سيتحقق الأمر على يده. ولم يكن مسلمة على شئ من العلم بالنجوم، إنما هى أسطورة كالأسطورتين السابقتين وكأساطير أخرى تتصل برحلة عبد الرحمن وجميعها وضعها قصّاص شعبيون بعد أن عظم شأن عبد الرحمن وبيته فى الأندلس. وتساق أخبار كثيرة عن إرسال عبد الرحمن بمولاه بدر إلى موالى أسرته الأموية فى الأندلس واستجابتهم له واستجابة اليمنية التى طالما أيّدت أسرته فى صفّين وفى مرج راهط. ودخل عبد الرحمن الأندلس وكوّن سريعا جيشا للقاء الوالى يوسف الفهرى ومستشاره الصميل على مشارف قرطبة. واندحر جيشهما وأسر الصميل ومات فى السجن خنقا، أما يوسف ففرّ إلى طليطلة وفى إحدى قراها لقى حتفه.
وفى مساء هذا الانتصار فى اليوم العاشر من ذى الحجة سنة ١٣٨ للهجرة دخل عبد الرحمن القصر بقرطبة وصلّى بالناس وخطب فى الجند معلنا ميلاد الدولة الأموية فى الأندلس، وأخذ يحاول جادّا أن تكون دولته فى قرطبة امتدادا لدولة آبائه فى دمشق، وكان أول ما مهّد به لذلك قطعه الخطبة للعباسيين بعد عشرة أشهر من استيلائه فى الأندلس على صولجان الحكم، وحاول بعض دعاة العباسيين أن يثوروا به فى أول أمره، فقبض عليهم وحزّ رءوسهم، وقيل إنه وضعها فى جواليق (أوعية) وعلى رأس كل منهم بطاقة تحمل اسمه وأرسلها إلى والى العباسيين فى القيروان، وقيل: بل أرسلها إلى المنصور، فقال: الحمد لله الذى جعل بينى وبين عبد الرحمن صقر قريش بحرا. وأخذ عبد الرحمن يعمل على تثبيت الحكم بالأندلس فى بيته وأن يكون وراثيّا فى أبنائه وأحفاده، وبذلك حمى
стр. 3662
الأندلس لمدة ثلاثة قرون من الاضطرابات والحروب الأهلية وأن تتوزع إلى أندلسات كثيرة. كما حدث فى القرن الخامس الهجرى لعهد ملوك الطوائف.
وهذا الحكم الوراثى حاكى فيه عبد الرحمن وأبناؤه وأحفاده حكم أسلافهم الأمويين فى دمشق، وكانوا-مثلهم-حكاما مستبدين لا يشركون فى حكمهم أحدا، فكل أزمّة الحكم بأيديهم، وسنرى عوامل فى الأندلس تلطّف هذا الحكم الاستبدادى وتخفّفه، إذ كان علماء الدين والقضاة والعامة يأبون فى أحوال كثيرة إلا أن يسمع لهم ويؤخذ بوجهات نظرهم، ولا نصل إلى عهد عبد الرحمن بن الحكم حتى ينشئ فى الأندلس نظاما للوزارة يشبه نظمها الحديثة. وعلى نحو ما كان الخلفاء الأمويون فى دمشق يتخذون لأبنائهم المؤدبين والمعلمين كذلك اتخذ عبد الرحمن الداخل وأبناؤه المعلمين والمؤدبين لأبنائهم فى قرطبة، وكان لذلك أثره فى رعاية الأمويين فى الأندلس للأدب وأهله وأيضا للعلم وأصحابه على نحو ما كان أسلافهم فى دمشق يرعونهم. واستنّوا سنة أسلافهم فى بناء القصور بالبادية على نحو ما نعرف عن هشام جد الأسرة من بنائه لنفسه قصرا بعيدا عن دمشق فى البوادى سماه الرّصافة أو منية الرصافة، وحاكاه فى قرطبة حفيده عبد الرحمن الداخل فبنى لنفسه قصرا شمالى قرطبة سوى قصره المواجه لجامعها الكبير اتخذه للتنزه ولسكناه فى كثير من أوقاته، وتبعه أبناؤه يبنون لأنفسهم قصورا خارج قرطبة، وكانوا كذلك يبنون دورا لأبنائهم يعلّمون فيها ويؤدّبون. واقتدى عبد الرحمن بأسلافه فى بناء الجوامع والمساجد، وقد بدأ بناء جامع قرطبة الكبير وظل الأمراء بعده يزيدون فيه حتى أصبح يضارع الجامع الأموى الكبير فى دمشق، إن لم يتفوق عليه، وبنى مسجدا فى إشبيليه وفى بلدان أخرى متعددة. وعنى عبد الرحمن الداخل بالتنظيم الإدارى والشئون المالية على نحو ما كان يعنى أسلافه الأمويون فى دمشق. ومن تتمة هذه المحاكاة لأسلافه اتخاذه دارا للسكة وضرب العملة فيها باسمه، واتخاذه مذهب الأوزاعى فقيه الشام المتوفى سنة ١٥٧ للهجرة أساسا للفتوى والقضاء فى الأندلس، ومن تتمة ذلك أيضا أن نجده يسمى وزيره عبد الواحد بن مغيث الغسانى حاجبا بالضبط كما كان يسمى أسلافه فى دمشق وزراءهم، وظل ذلك بعده فترة.
وشغل عبد الرحمن الداخل-وأبناؤه بعده-بثورات داخلية كثيرة على نحو ما شغل أسلافهم فى دمشق بثورة ابن الأشعث فى العراق وثورات الخوارج والشيعة، وكانت ثورات الأندلس دائما حادة عنيفة بسبب ما كان بها من عصبيات-تحدثنا عنها-بين اليمنية والمضرية، وبين العرب البلديين والشاميين، وبين العرب والبربر، وأخذت تظهر
стр. 3663
عصبية جديدة هى عصبة المولّدين من أبناء وأحفاد من أسلموا من الإسبان وانضم إليهم المسالمة (المسلمون الجدد من الإسبان) وكذلك المسيحيون ممن استعربوا وغير المستعربين، وقد تنادوا بأن البلد بلدهم وهم أحق بها وأخذوا يثورون، وشبت بسبب ذلك كله ثورات فى الجزيرة الخضراء وباجة وإشبيلية وطليطلة وأخمدها عبد الرحمن جميعا.
وبجانب هذه الحروب الداخلية كانت هناك حروب فى الشمال مع الإمارات الإسبانية، وعلى نحو ما حوّل أسلافه فى دمشق الحرب بينهم وبين بيزنطة، إلى حرب صوائف، وهى حملات صيفية كانت توجّه إلى حدود بيزنطة كذلك صنع عبد الرحمن وخلفاؤه فى قرطبة.
وبذلك توقفت حركة الفتوح التى رأيناها فى عصر الولاة والتى كانت قد توغلت فى جنوبى فرنسا الغربى حتى بواتييه ونهر الرون، إذ أخلى عبد الرحمن كل ما كان بأيدى العرب من أرض شمالى جبال البرينيه بفرنسا واقتصر على ما بيده من الأندلس. وكان ينفس عليه سلطانه واليان عربيان هما واليا سرقسطة وبرشلونة عاصمة قطالونيا وبلغا من خيانتهما أن اتصلا بشارلمان ملك الفرنجة وإمبراطور الغرب وأغرياه بغزو الأندلس سنة ١٦١ هـ/٧٧٨ م واقتحم جبال البرينيه وحاصر سرقسطة طويلا واضطر إلى رفع الحصار عنها وعاد إلى بلاده، ولكن بعد أن أنشأ ولاية فى قطالونيا مهدت لاستقلال تلك المنطقة. وفى أثناء عودته أخذ الأندلسيون وحلفاؤهم من البشكنس ينقضّون على مؤخرته ومزقوها تمزيقا هى وقائدها رولان الذى تكونت حوله-فيما بعد-ملحمة شعبية باسم ملحمة رولان.
وتوفّى عبد الرحمن الداخل سنة ١٧٢ وخلفه ابنه هشام بعهد منه، وقد بايعته العامة بقرطبة، مما يدل على أن الحاكم الأموى هناك كان يضع فى اعتباره رضاها عنه، وليس ذلك فحسب. فقد اتخذ هشام مستشارين له من الفقهاء أو مشاورين يرجع إليهم فى تدبير الأمور، ويروى أن مصعب بن عمران قاضى قرطبة حكم على أحد رجال هشام بحكم فشكاه إليه، فقال له: والله لو أمرنى بالخروج عن مقعدى (إمارتى) لخرجت عنه.
وعلى هذا النحو كان يخفف من حدة استبداد الحاكم الأموى فى قرطبة الرعية التى كان يخشاها والقضاة والفقهاء أو علماء الدين، وظل ذلك مرعيا طوال أيام الأمويين فى الأندلس حرصا على طلب السمعة وحسن الأحدوثة بين الرعية. وظلت جيوش هشام تقضى على ثورات المسيحيين فى الشمال إلى أن توفى سنة ١٨٠ للهجرة.
وولى بعده ابنه وولى عهده الحكم، وكان فى السادسة والعشرين من عمره، وهو أول من استكثر من الصقالبة، إذ بلغوا فى عهده خمسة آلاف. ومع حزمه كان يأخذ بشئ من
стр. 3664
اللهو ويخرج للصيد، ولم تعجب سيرته الفقهاء والعامة، وكثر تعرض الناس له فى الطريق بالسّباب، فصلب فى سنة ١٩٠ نفرا من الفقهاء، مما جعل مراجل الغضب عليه تغلى فى قرطبة إلى أن انفجرت ثورة ضده فى جنوبيّها كان يقودها الفقهاء، واتسعت فشملت قرطبة، وتحركت جموع الشعب نحو قصره تطالب بعزله، فسلّط عليهم جنده من الصقالبة فسفكوا دماء كثيرين وتبعوهم فى دورهم بالهدم والإحراق وهدموا الربض الجنوبى منشأ الثورة ومركزها. وبعد ثلاثة أيام أعلن الحكم الأمان للثائرين على أن يخرجوا من قرطبة، فخرج منهم جمهور إلى طليطلة، وخرج جمهور ثان إلى دار الحرب فى الشمال وجمهور ثالث ركب البحر إلى الإسكندرية يبلغ نحو خمسة عشر ألفا، وأنزلهم عبد الله بن طاهر والى مصر للمأمون جزيرة كريت سنة ٢١٢ وأنشأ وا فيها دولة إسلامية ظلت بها إلى أن استعادها البيزنطيون سنة ٣٥٠ للهجرة. وكانت جيوش الحكم ماتنى غادية رائحة لحرب المسيحيين فى الشمال، واستطاع البشكنس بقيادة ونقة الاستيلاء على مدينة بنبلونة سنة ١٨٣ وأقاموا من حينئذ مملكتهم نبارّة وظلت وراثية فى أبناء ونقة. وحاصرت فى سنة ١٩٠ قوات فرنسية مدينة برشلونة، وسقطت بعد مقاومة عنيفة، وبذلك ضاع من أيدى العرب فى الشمال الشرقى إقليم قطالونية كما ضاع إقليم بنبلونة، وكان قد ضاع فى عهد عبد الرحمن الداخل إقليم جلّيقية وأشتوريش. ويقول ابن سعيد فى المغرب إن الحكم كان من أشد بنى أمية فى الأندلس إقداما إلى ما جمع من جودة الضبط وحسن السياسة وكان يشبه بالمنصور العباسى فى شد الملك وقهر الأعداء وتوطيد الدولة، وتوفى سنة ٢٠٦ للهجرة.
وولى بعده بعهد منه ابنه عبد الرحمن، ويسمى عبد الرحمن الأوسط لتوسطه بين جده عبد الرحمن الداخل وحفيده عبد الرحمن الناصر، وفى عهده تكاملت أسس الحضارة العربية فى الأندلس، وكانت ثلاثة أسس من أسسها أخذت فى الاستقرار هناك هى الدين الحنيف ولغته العربية ودعوته إلى العلم والتعلم وكانت الأندلس قد سارعت إلى العناية بالعلوم اللغوية والدينية، فدفعها عبد الرحمن الأوسط إلى العناية بعلوم الأوائل، وضم إلى ذلك أساسا رابعا هو الجانب المادى للحضارة الأندلسية، إذ شغف ببناء القصور وأثاثها ورياشها الفاخرة وحاكاه الأندلسيون مما جعل التجار يحملون إلى الأندلس نفائس المشرق وطرائفه، وانضم إلى ذلك أساس خامس فيما اكتمل للمجتمع من تكوين فنى وحضارى عن طريق وفود زرياب المغنى تلميذ إسحق الموصلى على قرطبة فى أول عهد الأمير عبد الرحمن وقيادته هنالك نهضة للغناء والموسيقى وبثه فى المجتمع الأندلسى
стр. 3665
جوانب حضارية جديدة فى الملبس والمأكل والهيئة.
وبنى عبد الرحمن بقرطبة دارا للسكة وضرب الدراهم باسمه، وهو الذى وضع أساس الحضارة الأندلسة من وجهة تنظيم الحكم وضبط قواعده إذ اتخذ مجلس وزراء جعل له رئيسا باسم الحاجب، وجعل له ولمرءوسيه من الوزراء بيتا فى قصره يجلسون فيه على فرش منضدة، وجعل الأمر شورى بينهم، واختص كل منهم بشأن من شئون الدولة فوزير للمال ويسمى الخازن ووزير للمظالم ووزير للثغور أو الحرب، وعدّ ابن حيان وزراءه وبلغ بهم ستة عشر طوال أيامه. وكان الوزراء يجتمعون مع رئيسهم يوميا، وكل منهم يعرض مسائله ويتشاورون فيها، وإذا قضوا بأمر عرضه الحاجب على الأمير، فإن قبله فبها وإلا ردّ إلى مجلس الوزراء لإعادة النظر فيه. وعلى نحو ما عنى عبد الرحمن بتنظيم الوزارة عنى بالخطط، وقد تكون للوزارة خطة واحدة كخطة المظالم وخطة الثغور، وكانت أهم الخطط خطط القضاء وأجلّها خطة قضاء الجماعة بقرطبة، ويليه خطة صاحب الرد فيما استرابه الحكام وردوه عن أنفسهم، وخطة الشرطة الوسطى (وقد تسمى الكبرى) وكان لصاحبها الضرب على أيدى أصحاب المناصب والجاه فى الظلامات، وخطة الشرطة الصغرى وكان صاحبها خاصا بالعامة، وخطة السوق لصاحب الحسبة المشرف على الأسواق. وبذلك كله أحكم عبد الرحمن النظام الإدارى للدولة، وظل هذا النظام بعده إلى نهاية أيامها. وكان لا يصدر فى أمر إلا بعد الرجوع إلى مجلس الوزراء، وكان له مستشارون من القضاة والفقهاء لا يحيد عن مشورتهم، وبذلك كله أرسيت قواعد الحكم الأموى فى قرطبة، إذ أصبح الحاكم يحكم عن طريق مجلس الوزراء والقضاة ورجال الدين، مما جعل الحكم هناك شوريا إلى حد كبير. وكان يقال لأيامه أيام العروس لما شمل الناس فيها من أمن ورخاء، وزاد فى جامع قرطبة رواقين فى الجنوب وبنى فى الأندلس جوامع كثيرة، وتولع مثله ببنائها جواريه.
وفى أيامه نشبت فتنة بين اليمنية والمضرية فى تدمير (مرسية) ظلت سبع سنوات إلى أن أخمدت، وكثيرا ما كانت جيوشه تغزو المسيحيين فى الشمال، وأحيانا كان يقود تلك الحملات بنفسه ويغنم غنائم كثيرة. وغزا النورمان (سكان إسكنديناوة) شواطئ الأندلس الغربية عند أشبونة وقادس فى آخر سنة ٢٢٩ وصعدوا من مصب الوادى الكبير إلى إشبيلية، ونكل بهم قواده وولت فلولهم إلى المحيط. وأرسل إليه إمبراطور بيزنطة بهدية، فأرسل إليه الشاعر القرطبى يحيى الغزال بهدية مماثلة، ويقال إنه قضى فى بيزنطة ثلاث سنوات، ولما عاد أرسله بهدية إلى ملك النورمان، ونجح فى السفارتين
стр. 3666
أو الوفادتين جميعا، وعنى عبد الرحمن الأوسط ببناء أسطول لحراسة الثغور على المحيط الأطلسى وعلى البحر المتوسط وفتح به سنة ٢٣٤ جزائر البليار ميورقه ومنورقة ومما يذكر له بنيانه ثغر مرسية على مقربة من ساحل البحر المتوسط. وفى أواخر أيامه أشعل المتعصبون من أحبار النصارى فتنة دينية ضد الإسلام والمسلمين، وأثاروا بعض القسس والشباب فكانوا يجاهرون بسبّ الدين الحنيف ومقدساته حتى إذا لم يبق فى قوس الصبر منزع طلب عبد الرحمن إلى رئيس الأساقفة عقد مجمع كنسى فى قرطبة للنظر فى هذه المحنة، وعقد المجمع وأصدر قرارا باستنكار هذه الفتنة الحمقاء وتحريم سب الإسلام. وهدأت الأمور، ولم يلبث عبد الرحمن أن لبّى نداء ربه فى سنة ٢٣٨ للهجرة.
وولى بعده ابنه محمد بعهد منه، وطالت إمارته فى الأندلس حتى وفاته سنة ٢٧٣ للهجرة، وكان محبا للعلوم مؤثرا لأهل الحديث حسن السيرة، وزاد فى ترتيب الأداة الحكومية مستكثرا من الوزراء حتى بلغوا ثلاثة وعشرين فى عهده. وكان مثل آبائه يعامل المسيحيين معاملة حسنة، وفسح للمستعربين منهم ممن اتخذوا العربية لسانا لهم فى مناصب الدولة، من ذلك تعيينه لقومس بن أنتنيان متولى جمع الضرائب من أهل الذمة للدولة كاتبا له سنة ٢٤٦ ولم يلبث أن أسلم وحسن إسلامه ويذكر أنه استعفى الأمير محمدا أثناء اعتناقه النصرانية من العمل يوم الأحد، فأعفاه وأعفى جميع الموظفين، وأصبح ذلك بعده-كما يقول ابن حيان-عامّا فى الأندلس. وفى سنة ٢٤٥ أغار النورمان غارتهم الثانية على شواطئ الأندلس الغربية على المحيط وشواطئها الشرقية على البحر المتوسط وصدّهم الأسطول ونكّل بهم، فلم يعودوا بعد ذلك للإغارة على الأندلس.
وكثرت الفتن والحروب فى عهد الأمير محمد كما كثرت الثورات، وفى مقدمتها ثورة عبد الرحمن بن مروان الجليقى فى بطليوس بالغرب سنة ٢٦٠ وثورة عمر بن حفصون فى مالقة سنة ٢٦٧ ودخل فى هذه الثورات عناصر جديدة من المسالمة (المسلمين الجدد) والمولدين (أبناء وأحفاد من أسلموا من الإسبان) وتحيزت النصارى إلى هؤلاء الثوار وصاروا إلبا على العرب يقولون نحن أولى بحكم الأندلس لأنها بلدنا ووطننا. وظلت الثورتان المذكورتان محتدمتين وظلت جيوش الأمير محمد تحاول القضاء على هذه الفتن مع خروجها من حين إلى حين لحرب المسيحيين فى الشمال. وكان مشغوفا بالبنيان فزاد قصور آبائه فخامة، وبنى لنفسه قصرا أنيقا فى الجنوب الغربى لقرطبة.
وخلف محمدا فى حكم الأندلس ابنه المنذر لمدة عامين شغل فيهما بحرب عمر بن حفصون فى قلعة ببشتر بين مدينتى رنده ومالقة، وحصره فيها، غير أن الأجل وافاه أثناء
стр. 3667
الحصار، فعاد به أخوه عبد الله إلى قرطبة فى صفر سنة ٢٧٥ وولى الامارة بعده. وكان عبد الله يكثر من تلاوة القرآن والتهجد وصلاة الجماعة مع العامة، وكان مجلسه يحفل بطبقات أهل الآداب والعلوم، وفتح للعامة بابا فى قصره لأخذ رقاعهم والنظر فى ظلاماتهم، وبذلك انتعشت الرعية فى عهده، غير أن الثورات والفتن تفاقمت تفاقما شديدا فى أيامه، حتى لقد كادت تعم كور الأندلس، إذ ماجت جميعها بالفتنة والثورة بين المولدين والمسالمة والنصارى من جهة وبين العرب من جهة ثانية أو بين البربر والعرب أو بين العرب بعضهم وبعض فبجانب ثورتى عبد الرحمن بن مروان الجليقى وابن حفصون كانت هناك ثورات عبد الملك بن أبى الجواد فى باجة وابن وضاح فى لورقة بكورة مرسية وغيرهما كثيرون، سوى من ثار من البربر أمثال بنى ذى النون فى شنتبرية. وفى أثناء هذه الفتن والثورات التى امتدت فى عهد الأمير محمد وطوال عهد ابنيه المنذر وعبد الله استطاع ألفونس الثالث ملك ليون والجلالقة أن يوسع رقعة مملكته حتى شملت الحوض الممتد بين نهرى الدويرة والتاجه وأنشأ به عددا كبيرا من الأديرة والكنائس، وأسكن هذه الأراضى الجديدة المستعربين من نصارى الإسبان الذين قدموا عليه من أرجاء الأندلس وتوفى عبد الله سنة ٣٠٠ للهجرة.
وكان لابد للأندلس من حاكم قوى حازم يعيد إليها وحدتها، ويبدو أن الأمير عبد الله شعر بذلك فى عمق مما جعله يعد للأمر عدته برعايته لحفيد له صنعه على يديه هو عبد الرحمن، اتخذه وليا لعهده، وكان يملك قلبه وقلوب الحاشية والرعية والجند، وكان شابّا له اثنتان وعشرون سنة، وهاله ما رأى فى الأندلس من كثرة الثورات، وفى مقدمتها ثورة عمر بن حفصون ومن قادهم من المولدين والمسالمة والعجم، فقاد إليه جيشا فى أول سنة من سنى حكمه، واستولى فى طريقه إلى مركز ثورته فى ببشتر بالقرب من مالقة على سبعين حصنا، وأعاد الكرة إليه فى السنة التالية وردّ إلى طاعته إشبيلية وشذونة ومالقة. ولم يجد ابن حفصون مفرا فى السنة الثالثة من إعلان طاعته والانقياد إليه، وتوفى سنة ٣٠٥ وتبين أنه كان قد تنصر إذ دفن فى كنيسة ببشتر، وثار أبناؤه على عبد الرحمن وقضى على ثوراتهم نهائيا سنة ٣١٤ وحوّل كنيسة البلدة إلى مسجد، واستخرج منها جثة ابن حفصون وصلبه بقرطبة، وعاد جنوب البلاد جميعه إلى طاعته. واتجه عبد الرحمن بعد ذلك إلى غربى الأندلس وعبد الرحمن بن مروان الجليقى، ولم تكد تدخل سنة ٣١٨ حتى كان الغرب كله قد استسلم، واستسلمت طليطلة وجميع البلدان فى إقليمها. وبذلك محا عبد الرحمن فكرة الثورة فى الأندلس وعاشت فى أمن ورخاء. وأخذ منذ السنوات الأولى من حكمه يفرض
стр. 3668
هيبته على من جاوره من المسيحيين الإسبان فى الشمال وأذعنت له بالولاء مملكتا الجلالقة والقشتاليين واتخذتا منه الحكم المطاع فيما ينشأ بينهما من خلاف، وفزع إلى سدّته ملوكهما وأمراؤهما يلتمسون رضاه، وطار صيته فى أوربا، فوفدت منها سفارات كثيرة محملة بالهدايا: من إمبراطور بيزنطة والبابا فى روما وإمبراطور المملكة الجرمانية وهيو ملك الفرنجة وكونت برشلونة وماركيز توسكانيا وماركيز بروفنسا: قلدو الذى أصبح-فيما بعد-ملكا على إيطاليا. وكانت تعقد لهذه السفارات فى قصره حفلات فخمة (١). وكانت الدولة الفاطمية قد قامت فى القيروان قبيل حكمه بقليل وقضت على الدولة الرستمية فى المغرب الأوسط فأخذ يرسل المال والسلاح للأدارسة فى المغرب الأقصى حتى يستطيعوا الوقوف فى وجه الفاطميين واستولى على طنجة وسبتة، ورأى بثاقب فكره وقد أعلن عبيد الله المهدى الخلافة الفاطمية فى القيروان ولم يعد للعباسيين وجود فى المغرب أن يبادر إلى إعلان نفسه خليفة للمسلمين فى أواخر سنة ٣١٦ وتلقب بلقب أمير المؤمنين الناصر. وبذلك فصل الأندلس عن العالم العربى بعد أن ظلت طويلا تخضع لسلطان العباسيين الروحى قبله، إذ رأى هذا السلطان يتقلص فى إفريقيا، وبذلك تكاملت للأندلس شخصيتها السياسية، وأصدر فى ذلك منشورا قرئ على الناس فى مساجد الأندلس، وفيه أعلن تمسكه بنصرة أهل السنة والجماعة، مع استنكاره الشديد لعقيدة ابن مسرة المتوفى سنة ٣١٩ أى بعد منشوره بنحو سنتين، وكان قد مزج فى عقيدته بين مبادئ المعتزلة والمتفلسفة والصوفية.
وبلغ من احتفاء الناصر بأبهة الملك أن بنى لنفسه وحواشيه وجنده مدينة الزهراء على سفح جبل العروس المطل على قرطبة. وتأنق غاية التأنق فى قصره بها وأبهائه، ولم ينشأ له ولد إلا بنى له فيها قصرا مقرونا ببستان واختار له بعض الكفاة للقيام بشئونه وبعض المعلمين لتربيته وتعليمه. وعنى بالمسجد الجامع فى قرطبة، فأضاف إليه فى اتجاه الجنوب زيادة ضاعفت حجمه. وعنى بعمده وزخرفته وأقواسه وأقام به محرابا بديعا. ومن إنشاءاته الضخمة بناؤه مدينة سالم فى الثغر الأوسط بمواجهة مملكتى نبارّة والجلالقة فى الشمال لتكون مركزا للجيوش المجاهدة هناك. وبنى أيضا مدينة المريّة على البحر المتوسط لتكون قاعدة لأسطوله. ويعدّ عهده أعظم عهد مرّ بالأندلس، بما أتاح لها من الاستقرار
стр. 3669
والوحدة والمنزلة العليا بين الدول الغربية والعربية، وأعانته على ذلك حنكته فى السياسة وتدبير الحكم وخبرته الدقيقة فى اصطفاء الرجال واختيار القواد، كما أعانه خلق إسلامى عربى كريم من التسامح والعفو عند المقدرة والوفاء بالعهد لكل من استسلم من الثوار مع حسن المعاملة. وطالت مدة حكمه إلى سنة ٣٥٠ إذ استغرقت خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام، ويقال إنه عدّد أيام السرور التى صفت له فى هذه المدة الطويلة من حكمه، فكانت أربعة عشر يوما.
وخلفه بعهد منه ابنه الحكم المستنصر وكان فى السابعة والأربعين من عمره، وظلت الأندلس فى عهده موحدة وظلت للخلافة الأموية هناك هيبتها فى الداخل والخارج، وأخذت سفارات (١) ممالك النصارى فى الشمال وممالك أوربا تفد على قرطبة. وحاول البشكنس فى بنبلونة والجلالقة فى ليون الإغارة على بلاده فأوغلت جيوشه سنة ٣٥٢ فى أراضيهما، وأرغمتهما على العودة إلى إعلان ولائهما لقرطبة. وتابع سياسة أبيه فى إمداد الأدارسة بالمغرب الأقصى بالمال والسلاح، وأمدهم بالجنود ضد الفاطميين. وفى عهده عاد النورمان إلى الإغارة على شواطئ الأندلس الغربية فى المحيط والشرقية فى البحر المتوسط ونكل بهم الأسطول غربا وشرقا. وكان قد تعهده العلماء فى شبابه فشغف بالعلوم على اختلاف ألوانها واستحال جامع قرطبة لعهده إلى جامعة كبرى، وعنى عناية واسعة بمكتبته ومكتبة القصر. وكان أبوه توفى قبل إتمامه للزيادة فى الجامع فأتمها. ووقع فى خطأ كبير إذ أوصى بالحكم من بعده لابنه هشام الملقب بالمؤيد وكان لا يزال طفلا صغيرا فى الثانية عشرة من عمره حين وفاته سنة ٣٦٦ وبذلك عرّض الدولة لحكم الحجّاب الأوصياء وبالتالى لزلزلة لا بد أن تنزل بها سريعا.
وقام بأمر المؤيد فى أول خلافته جعفر المصحفى حاجب أبيه، وأشركت معه فيها «صبح» أمه محمد بن أبى عامر المعافرى صاحب خطة الشرطة والسكة بقرطبة وكان قد ازدلف إليها فى عهد الحكم بحسن الخدمة والقيام بمواقع الإرادة، وأخذ يعدّ سريعا لتفرده بالحجابة، فأغرى المصحفى بالصقالبة وأخذ ما فى أيديهم من الأموال العظيمة، واستعان بالبطل غالب صاحب مدينة سالم على جعفر فسجنه حتى هلك فى سجنه، ثم بجعفر بن على الأندلسى أمير الزاب بالمغرب الأوسط على غالب ثم بعبد الرحمن بن هاشم التجيبى على جعفر، ثم فتك بعبد الرحمن، وخلصت له الحجابة، وكان المؤيد متخلّفا شديد
стр. 3670
التخلف إلى حد البله، فانفرد بالسلطان المطلق فى الحكم، ونقل الأموال المختزنة فى قصر الخلافة إلى داره. وذكر ابن حزم فى رسالته نقط العروس أنه فكر فى عزل الخليفة هشام وتنصيب نفسه خليفة، واستشار نفرا من الفقهاء فاختلفوا بين مؤيدين ومعارضين، فرجع عن ذلك واكتفى بلقبه المنصور. وكان له مجلس معروف فى أحد أيام الأسبوع يجتمع فيه إلى أهل العلم. ورأى أن يتخذ لنفسه جيشا من البربر، فاستقدم منهم آلافا أعانوه فى غزواته الكثيرة ضد البشكنس أصحاب نبارّه والجلالقة أصحاب ليون، ويقال إن غزواته أربت على عشرين غزوة وقيل بل على خمسين، واستولى فى إحداها سنة ٣٧٧ على برشلونة.
وقد أخطأ ابن أبى عامر فى تكوينه الجيش البربرى الذى أنزله فى قرطبة إذ سيكون له-فيما بعد-أثر سئ فى فتنتها التى طالت سنين متعاقبة انتهت بالقضاء على الدولة الأموية. ودامت دولة ابن أبى عامر ستا وعشرين سنة إذ توفى سنة ٣٩٢ بمدينة سالم فى الثغر الأوسط للبلاد. وتولى الحجابة بعده لهشام المؤيد ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر، ونوّه ابن حيان بحسن ضبطه للأندلس وأن الناس سكنوا منه إلى عفة ونزاهة فأخذوا فى المكاسب والرفاهية وارتفعت نفائس الأعلاق والتحف الثمينة، ورام صهره ابن القطاع الاستيلاء على أزمّة الدولة ففطن له وقتله. وسار بسيرة أبيه فى الجهاد وكثرة الغزو للجلالقة والبشكنس واحتل بنبلونة عاصمة الأخيرين سنة ٣٩٧ وتوفى فى غزوة كبيرة له سنة ٣٩٩. وخلفه فى الحجابة أخوه عبد الرحمن الملقب بالناصر وكان نحسا على نفسه وعلى المؤيد هشام وعلى أهل الأندلس، إذ انفتح منه-كما يقول ابن سعيد-باب الفتنة العظمى وفسد الناموس، لما انهمك فيه شربا وزندقة وطعنا فى الدين الحنيف قولا وفعلا، وطلب من هشام أن يوليه العهد بعده ففعل، وخرج لحرب المسيحيين فى الشمال، فثارت عليه الأسرة الأموية، وكان فى طليطلة، فرجع إلى قرطبة ليتدارك الأمر فتلقاه جند سفكوا دمه فى جمادى الأولى سنة ٣٩٩. وبذلك انتهت دولة بنى عامر.
واتفق بنو أمية على خلع هشام المؤيد ومبايعة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر وتلقيبه بالمهدى، وكان طائشا: فرأى-بغير رويّة-مناصبة جند العامريين من البربر العداء، فاجتمع بهم بظاهر قرطبة سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، فبايعوه فى ربيع الأول سنة ٤٠٠ للهجرة ولقبوه بالمستعين، ونهضوا به إلى طليطلة وهناك استنصر بالجلالقة فنصروه، وكان ذلك أول إسفين دقّ فى ضياع
стр. 3671
الأندلس، وحاصر البربر وجموع الجلالقة قرطبة وبرز إليهم المهدى فى كافة أهلها، وهزم مع أنصاره هزيمة ساحقة، فرّ على إثرها إلى طليطلة، فاستعان بالجلالقة-مثل المستعين- فأعانوه، ودخل قرطبة، غير أن أهل القصر قتلوه وأعادوا هشاما إلى خلافته، وحجبه واضح الصقلبى، وحاصر البربر مع المستعين قرطبة وأرسل إلى الجلالقة ليمدوه، وبعث إليهم هشام وحاجبه واضح بالتنازل لهم عن ثغور قشتالة التى استولى عليها المنصور بن أبى عامر، فلم يلبوا المستعين. واستطاع البربر اقتحام قرطبة سنة ٤٠٣ وفتكوا بهشام المؤيد، وعاد للمستعين صولجان الحكم.
وكان من قواد البربر على بن حمود واخوه القاسم وهما من أسرة الأدارسة العلوية، وعقد المستعين لعلى بن حمود على طنجة وعملها وللقاسم على الجزيرة الخضراء، وظل فى الحكم طوال خلافته ست سنوات وعشرة أشهر كانت كلها شدادا مشئومات، ويكفى دولته ذلا وذمّا أن أنشأها وثبّتها الجلالقة حتى سنة ٤٠٧ إذ يهاجم على بن حمود قرطبة ويستولى على أداة الحكم ويقتل المستعين. وكان واضح الصقلبى قد فر إلى شاطبة وفر كثير من الصقالبة بزعامة خيران إلى المريّة ومرسية ونزلت جماعة منهم دانية، ولم يلبث غلمان على بن حمود أن قتلوه سنة ٤٠٨ فخلفه أخوه القاسم وتلقب بالمأمون، ونازعه فى سنة ٤١٢ يحيى ابن أخيه على وكان واليا لسبتة واستولى على قرطبة وتلقب بالمعتلى وفرّ المأمون إلى إشبيلية وعاد ببعض البربر إلى قرطبة ولحق المعتلى بمالقة واستولى على الجزيرة الخضراء. وثار على المأمون أهل قرطبة وبايعوا عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار سنة ٤١٤ وقرّب البربر منه فوثب عليه العامة بعد ٤٧ يوما من حكمه، وبايعوا محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر وتلقب المستكفى بالله ويقال إنه لم يجلس على كرسى الخلافة أيام الفتنة أسقط منه ولا أنقص إذ كان أسير الشهوة عاهر الخلوة. وفى أيامه استؤصلت بقية قصور جده الناصر فى الزهراء، ولم يلبث يحيى بن على بن حمود أن تحرك سنة ٤١٦ للاستيلاء على قرطبة. فهرب المستكفى ومات ببعض الثغور واستولى يحيى على مقاليد الأمور، وثار عليه أهل قرطبة سنة ٤١٧ وبايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الجبار وظل يتردد فى الثغور ثلاثة أعوام، ثم سار إلى قرطبة وتلقب بالمعتدّ، وفى سنة ٤٢٢ خلعه أهلها، وبذلك انتهت الدولة الأموية فى الأندلس.
стр. 3672
٤ - أمراء الطوائف-المرابطون-الموحدون-بنو الأحمر فى غرناطة
(أ) أمراء الطوائف (١)
تقوّض الصرح الشامخ الذى شاده بالأندلس أمراء البيت الأموى وخلفاؤه، ونشأ عن ذلك تفكك الدولة واستقلال مدنها الكبرى بأعمالها وقيام النظام المسمى بنظام أمراء الطوائف أو ملوك الطوائف، وقد بدأ منذ زمن الفتنة (٣٩٩ - ٤٢٢ هـ) إذ أخذت العناصر المختلفة تقتسم تلك البلدان، فكان للصقالبة أكثر بلدان الشرق وللعرب والبربر بلدان الموسطة والغرب والجنوب. وتنافست هذه البلدان تنافسا أدى إلى طور حضارى راق كما أدى إلى نهضة واسعة فى الأدب والعلم. وفى الوقت نفسه أخذت تتحارب فيما بينها، بل أدهى من ذلك أن بعض أولئك الأمراء أدى الجزية صاغرا لمسيحيى الشمال مما قوّى فى نفوسهم فكرة استرداد الأندلس من العرب المسلمين. ونقف قليلا عند أهم المدن التى تكوّنت فيها هذه الإمارات.
وأول مدينة نقف عندها قرطبة وقد اجتمع الملأ فيها أو كبار رجالاتها ووقع اختيارهم على أبى الحزم جهور ليكون أمينا على حكمها، وبذلك تأسّس فيها نظام جمهورىّ ارستقراطى يرأس الحكم فيه أبو الحزم جهور، ويساعده مستشارون يأخذ بمشورتهم فى المسائل المهمة، وخلفه فى الحكم سنة ٤٣٥ ابنه أبو الوليد محمد باتفاق الملأ، وفوّض
стр. 3673
التدبير إلى ابنه عبد الملك، فأساء السيرة وحاصره المأمون بن ذى النون، فاستغاث بالمعتمد بن عباد أمير إشبيلية، فوجه إليه ابنه الظافر سنة ٤٦٢ فى عسكر كثيف ففك ابن ذى النون حصاره، وغدر الظافر بعبد الملك فخلع بنى جهور عن قرطبة ونفاه مع أبيه إلى شلطيش فى الجنوب الغربى للأندلس، واغتال حريز بن عكاشة الظافر ليلا، فأقبل المعتمد بجنوده وهرب ابن عكاشة ولحقته خيل فقتلته، ودخل المعتمد قرطبة وولى عليها ابنه المأمون فظل يدير شئونها إلى أن قتله المرابطون سنة ٤٨٤ للهجرة.
وتعدّ إمارة إشبيلية أهم إمارات الطوائف لما قادت من حركة أدبية وعلمية كبرى ولما صار إليها من بلدان كثيرة فى شرقى الأندلس وغربيها، وأول من جمع زمام الحكم بيده بها قاضيها محمد بن إسماعيل اللخمى منذ سنة ٤١٤ إلى أن توفى سنة ٤٣٣ وخلفه ابنه عباد الملقب بالمعتضد وكان جبارا سفاكا للدماء وأحاط نفسه بكوكبة كبيرة من الشعراء واتسع بسلطانه على حساب جيرانه من العرب والبربر بينما كان يرهب المسيحيين فى الشمال رهبة شديدة حتى ليدفع لهم الجزية صاغرا، وبذلك كان معولا كبيرا لهدم الإسلام والعروبة فى الأندلس. وتوفى سنة ٤٦١ فخلفه ابنه المعتمد وفى عهده بلغت الإمارة الذروة فى السلطان إذ دان له كثير من البلدان فى غربى الأندلس مثل قرمونة وشريش وشلب وفى شرقيها مثل مالقة ومرسية، وظل مثل أبيه يدفع الجزية صاغرا لملك ليون وقشتالة، وكان شاعرا واجتمع له من الشعراء ما لم يجتمع لأى حاكم أندلسى، وكان مولعا بالشراب ومجالس الغناء، وعزله يوسف بن تاشفين فى عبوره سنة ٤٨٤ ونفاه إلى أغمات فى المغرب، وبها توفى سنة ٤٨٨ للهجرة.
وقامت فى الجنوب إمارة ثالثة هى إمارة غرناطة تملكتها صنهاجة وأول أمرائهم بها زاوى بن زيرى الذى اشتهر بهزيمته لخيران أمير المرية حين بايع المرتضى المروانى بالخلافة وزحف به على غرناطة. وخاف الكرة عليه من أهل الأندلس فرحل بما حازه من الأموال والذخائر إلى موطنه فى المغرب، وخلفه بغرناطة ابن أخيه حبوس بن ماكسن (٤١٠ - ٤٢٩ هـ) وورثه ابنه باديس (٤٢٩ - ٤٦٥ هـ) وكان من أبطال الحروب وعظم سلطانه بهزيمته لزهير صاحب المرية وقتله سنة ٤٢٩ هـ وخلفه حفيده عبد الله بن بلقّين، وظل على غرناطة، إلى أن سلمها ليوسف بن تاشفين سنة ٤٨٤ للهجرة.
وقامت فى الثغر الأعلى إمارة سرقسطة، ثار بها منذر بن يحيى التجيبى ممدوح ابن درّاج، وتوفى سنة ٤١٤ فخلفه عليها ابنه المظفر يحيى وبعده ابنه منذر، وكان له ابن عم متهور كثير الحسد له فدخل عليه قصره وقتله، فانتهز الفرصة واليه على لاردة-وقيل
стр. 3674
على تطيلة-سليمان بن أحمد بن هود وانقضّ على سرقسطة سنة ٤٣١، فهرب القاتل وخلصت له ولعقبه، ووليها بعده ابنه المقتدر أحمد وهو عميد بنى هود وكان فارسا مغوارا وله غزوات مشهورة للمسيحيين فى الشمال، وكان شاعرا وممدّحا للشعراء. وجمع ألفونس السادس ملك ليون وقشتالة جيشا ضخما للاستيلاء على سرقسطة وباءت حملته بالإخفاق الذريع فأعاد الكرة سنة ٤٥٦ وفاجأ النورمانديون بلدة بربشتر على مسافة ٦٠ كيلو مترا فى الشمال الشرقى من سرقسطة واقتحموها وأنزلوا بأهلها مذبحة بشعة وسبوا منها خمسة آلاف من النساء والعذارى وباعوهن فى الأسواق بيع الإماء، وبارك البابا إسكندر هذا العمل الوحشى الفظيع. واستعاد المقتدر البلدة حين استدار العام ومزّق المعتدين شر ممزق، ودانت له وشقة فى الشمال الغربى من بربشتر وطرطوشة فى الجنوب الشرقى من سرقسطة، وأخرج إقبال الدولة بن مجاهد من دانية على البحر المتوسط وأدخلها فى إمارته، وتوفى سنة ٤٧٤ وخلفه ابنه المؤتمن يوسف وكان شجاعا باسلا وحاميا للعلماء والشعراء وتوفى سنة ٤٧٨ فولى بعده ابنه المستعين أحمد، وحين استولى يوسف بن تاشفين على ديار أمراء الطوائف رأى أن يتركه حاجزا بينه وبين المسيحين فى الشمال، وتوفى شهيدا فى حروبه معهم سنة ٥٠٣ وخلفه ابنه عماد الدولة عبد الملك، وحاول على بن يوسف بن ناشفين أخذ الإمارة منه، فاستعان بالنصارى وتملكها المرابطون حتى سنة ٥١٢ إذ حاصرها النصارى واستولوا عليها وأخذوا فى تملك بلاد الثغر الشمالى الأعلى إلى أن ملكوها جميعا.
ومن الإمارات المهمة فى موسطة الأندلس إمارة طليطلة ثار فيها زمن الفتنة فى أواخر الدولة الأموية قاضيها ابن يعيش، وتوفى سنة ٤١٩ فتملكها إسماعيل بن ذى النون وأسرته البربرية طوال حقبة أمراء الطوائف، وتوفى سنة ٤٢٩ فخلفه فيها ابنه المأمون يحيى، وهو أعظم أمرائها قدرا، اجتمع عنده جلّة من الشعراء والكتاب، وعنى ببناء قصر له تأنق فيه غاية التأنق مما جعل الأدباء والشعراء يطنبون فى وصفه، وتوفى سنة ٤٦٧ وخلفه حفيده القادر يحيى وكان قصير النظر سىّء التدبير، وفغر ألفونس السادس فاه على ثغوره وجعل يطويها-كما يقول ابن سعيد-طى السجل للكتاب، فثار عليه أهل طليطلة وهرب إلى بعض حصونه وتملكها المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس لمدة عشرة أشهر، واستردها القادر بمعونة ألفونس السادس، وأسلمها له سنة ٤٧٨ على أن يساعده فى أخذ بلنسية، فأخذها لمدة عامين إلى أن قتل سنة ٤٨١. وكان قد تملكها زمن الفتنة صقلبيّان هما مبارك ومظفر وصارت لحفيد للمنصور بن أبى عامر يسمى عبد العزيز
стр. 3675
سنة ٤١٧ وظل يدبر شئونها حتى سنة ٤٥٢ ووليها بعده ابنه المظفر عبد الملك، واستولى عليها القادر وثار عليه قاضيها ابن جحّاف، وأخذ فارس نصرانى يغير عليها هو السيد القنبيطور واستسلمت له سنة ٤٨٧ فنكل بأهلها وذبح الآلاف منهم وأحرق قاضيها حيّا، ومات سنة ٤٩٢ واستولى عليها المرابطون سنة ٤٩٥.
ومن إمارات الشرق المهمة-بجانب إمارة بلنسية-إمارة دانية تملكها أول الأمر فى مدة أمراء الطوائف مجاهد الصقلبى منذ سنة ٤٠٥ إلى سنة ٤٣٦ وكان محبا للعلماء مجزلا العطاء لهم وللشعراء، وكان قد تملك مع دانية جزر البليار، وخلفه ابنه على الملقب بإقبال الدولة ومنه تسلم دانية المقتدر صاحب سرقسطة سنة ٤٦٨ وخلفه على ميورقة مولاه أغلب وتولاها بعده مبشر الصقلبى وآلت إلى المرابطين.
ومن الإمارات المهمة فى الشرق مرسية، وهى-كما أسلفنا-من بنيان عبد الرحمن الأوسط، وثار بها فى زمن أمراء الطوائف المرتضى المروانى وبايعه الصقالبة الذين تغلبوا على الشرق وذهبوا به إلى غرناطة، فهزمهم زاوى بن زيرى وقتل المرتضى فى المعركة، وخلفه على مرسية أبو عبد الرحمن بن طاهر، وثار عليه أهلها وراسلوا المعتمد بن عباد فأرسل إليهم وزيره ابن عمار الشاعر فأخذها من يده وثار بها لنفسه، وثار عليه القائد عبد الرحمن بن رشيق، وتملكها أبو الحسن بن اليسع باسم المعتمد بن عباد ثم صارت للمرابطين. ومن إمارات الشرق أيضا المرية وهى من بنيان الناصر على البحر المتوسط وقد تملكها الصقالبة ثم معن بن صمادح إلى أن توفى سنة ٤٤٣ وورثها ابنه المعتصم، وكان شاعرا وكريما جزل العطاء للشعراء، توفى سنة ٤٨٤ وجيش المرابطين يحاصره.
ومن إمارات الغرب المهمة إمارة بطليوس، تملكها زمن أمراء الطوائف الأفطس عبد الله حتى سنة ٤٣٠ فورثها عنه ابنه المظفر وهو من أعلم أمراء الطوائف وآدبهم، وخلفه عليها ابنه المتوكل سنة ٤٦٠ ويؤثر له أنه انتدب أبا الوليد الباجى كبير فقهاء الأندلس فى زمنه ليدعو أمراء الطوائف إلى توحيد كلمتهم ضد نصارى الشمال، غير أن دعوته-بسبب أطماعهم-ذهبت أدراج الرياح، ومن يد المتوكل أخذ المرابطون هذه الإمارة وما كان يتبعها من المدن مثل أشبونة.
стр. 3676
(ب) المرابطون (١)
رأينا ألفونس السادس ملك ليون وقشتالة يغير على ثغور طليطلة وما يلبث أن يستولى عليها سنة ٤٧٨ وهى نتيجة طبيعية لتفتّت الأندلس وتوزعها بين أندلسات أو إمارات تتناحر وتتحارب بينما تؤدى الإتاوات لألفونس السادس وأمراء أراجون ونبارّة وبرشلونه، تؤديها إشبيلية وبطليوس وغيرهما. وأحسّ أمراء الأندلس وفى مقدمتهم المعتمد أمير إشبيلية والمتوكل أمير بطليوس أن ما أصاب طليطلة أصبح قاب قوسين أو أدنى إلى إصابة إماراتهم، فتقع فريسة لألفونس السادس ملك ليون وقشتالة أو لغيره من الأمراء المسيحيين فى الشمال، وأجمعوا أمرهم على أن يستغيثوا بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين فى المغرب، وأرسلوا إليه نفرا من قضاة مدنهم الكبرى يستنفرونه- واستنفره كثير من الفقهاء-للوقوف معهم فى وجه أعدائهم الشماليين من المسيحيين، وكان المرابطون قد نذروا أنفسهم للجهاد فى سبيل الله ونشر الإسلام بالصحراء الكبرى والسنغال. واستمع يوسف إلى القضاة، وهاله الأمر، فجهز سريعا جيشا جرارا وأعدّ له أسطولا عبر به فى سنة ٤٧٩ الزقاق، واتجه إلى إشبيلية، وانضم إليه المعتمد صاحبها توا، وبالمثل عبد الله بن بلقين أمير غرناطة والمتوكل أمير بطليوس، وعلم ألفونس بمقدمه فاستغاث بملوك النصارى فى إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وجاءته سيول من الفرسان، والتقى الجمعان فى الزلاقة بالقرب من بطليوس، ودارت معركة حامية الوطيس سحق فيها جيش ألفونس، وفرّ على وجهه مع الفارين. وتصادف أن توفى ابن ليوسف بن تاشفين فعاد إلى المغرب بعد هذا النصر المبين ولو تابع تقدمه لا ستردّ طليطلة، وكأنه اكتفى بتقليم أظافر العدو، وسرعان ما عاد ألفونس للإغارة على شرقى الأندلس، وعلم بذلك ابن تاشفين، فجاز إلى الأندلس جوازه الثانى سنة ٤٨١ وكاد ينزل بألفونس ما أنزله به فى الزلاقة،
стр. 3677
غير أن الشتاء دخل فعاد إلى المغرب بعد أن ترك فى الأندلس حامية. وسرعان ما دبّ الشقاق بين أمراء الطوائف فجاز يوسف إلى الأندلس مرة ثالثة سنة ٨٤٣ مصمما- بمشورة الفقهاء الأندلسيين-على إنهاء حكم هؤلاء الأمراء، واستسلم له سريعا أمير غرناطة، واضطر إلى العودة إلى المغرب وترك لصهره سير بن أبى بكر تنفيذ الخطة، فاستنزلهم جميعا ومن أبى أخذه أسيرا مثل المعتمد بن عباد الذى نفى إلى أغمات بالمغرب، أو قتله بعد حصاره مثل المتوكل صاحب بطليوس. وبذلك أظلّ حكم ابن تاشفين الأندلس ما عدا سرقسطة، فإنه تركها لبنى هود لتكون حاجزا بين الأندلس ونصارى الشمال، وعبر إلى الأندلس مرة رابعة سنة ٤٩٠ لأخذ البيعة لابنه على وتوفى سنة ٥٠٠ للهجرة.
وتولى على ابنه الحكم بعده فحاول الاقتداء بأبيه فى الجهاد فعبر إلى الأندلس سنة ٥٠١ ووجه أخاه تميما بجيش إلى أقليش شرقى طليطلة، والتقى بألفونس وأوقع به هزيمة ساحقة قتل فيها ولى عهده-وكان ابنه الوحيد-فتوفى متأثرا بفقده، واستولى تميم على أقليش وشنتبريّة. وفى سنة ٥٠٣ غزا جيش للمرابطين أراضى طليطلة واستولى على طلبيرة غربيها، واستعاد المرابطون جزائر البليار سنة ٥٠٩. وكان على بن يوسف قصير النظر فحاول أخذ سرقسطة من بنى هود، واستولى عليها كما مر بنا، وسرعان ما أخذها منه النصارى سنة ٥١٢. واشتبك المرابطون سنة ٥١٤ مع ألفونس الأول ملك أراجون فى معركة بكتندة ولم يكتب لهم النصر. وفى سنة ٥١٩ استدعى المعاهدون من نصارى غرناطة ألفونس الأول للاستيلاء على بلدهم فاندفع إلى الجنوب، وردّه المرابطون على أعقابه، وأجلوا عن غرناطة من كانوا سببا فى استدعائه من النصارى إلى سلا ومكناسة بمراكش. وفى سنة ٥٢٨ وجه على بن يوسف جيشا بقيادة يحيى بن غانية والى بلنسية ومرسية إلى إفراغة شرقى سرقسطة، ولقى جيشا لألفونس ملك أراجون فمزقه شر ممزّق. وتوفى على بن يوسف بن تاشفين أمير المرابطين سنة ٥٣٧ وخلفه ابنه تاشفين وكان ضعيفا مما آذن بنهاية تلك الدولة.
وقد حمل كثير من المستشرقين فى مقدمتهم دوزى وبروقنسال على تلك الدولة زاعمين أنها كانت دولة بدو جفاة لا عهد لهم بالحضارة، وفاتهم أن أهل المغرب اعتنقوا الدين الحنيف من قديم وأخذوا بقسط من حضارته الإسلامية وكل ما اتصل بها من علوم وآداب، فليس بصحيح أنهم كانوا بدوا جفاة وقد فتح سلاطينهم أبوابهم فى مراكش للعلماء والشعراء الأندلسيين واختاروا لرياسة دواوينهم فى حاضرتهم أبا بكر بن القصيرة كبير
стр. 3678
كتاب الإمارة العبّادية بإشبيلية، حتى إذا توفى سنة ٥٠٧ خلفه زميل له من كتاب تلك الدولة هو أبو القاسم بن الجد، وتوفى سنة ٥١٥ فخلفه الكاتب الأندلسى البارع ابن أبى الخصال، وكان يساعد الثلاثة جميعا كتاب من الأندلس. وقد ازدهرت فى عهد المرابطين العلوم اللغوية وعلوم الدراسات الإسلامية وكذلك الدراسات الفلسفية ولمع فيها فيلسوف كبير هو ابن باجة. وشجّع حكام المرابطين فى الأندلس الحركتين العلمية والأدبية وفتحوا أبوابهم على مصاريعها للشعراء، على نحو ما يوضح ذلك ديوان ابن خفاجة ومدائحه فيه لإبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذى ألف الفتح بن خاقان باسمه كتابه قلائد العقيان، وكذلك مدائحه لأخيه تميم حاكم غرناطة ثم إشبيلية والأندلس ولأخيهما سلطان المرابطين: على ولابن تيفلويت حاكم سرقسطة راعى ابن باجة والحركة الفلسفية ولأبى عبد الله محمد بن الحاج حاكم قرطبة وابنه أبى بكر. وتبرز من نسائهم راعيات للأدب مثل مريم زوجة تميم بن يوسف ممدوحة ابن خفاجة، وأهم منها السيدة حواء زوجة أهم قوادهم سير بن أبى بكر حاكم إشبيلية مددا متطاولة ممدوحة الأعمى التطيلى، وكانت لها ندوة فى قصر الإمارة يحضرها كبار الشعراء والمتفلسفة، وتحاورهم فى الشعر ونقده على نحو ما حدث فيما بعد بفرنسا فى القرنين السابع عشر والثامن عشر وظهور سيدات متأدبات فيها على غرارها، وكان لهن صالونات يتحاور فيها أدباء باريس النابهون.
وحقا كان لفقهاء المالكية سطوة كبيرة فى عصر المرابطين، وهى سطوة لا ترجع إلى المرابطين ذات أنفسهم، وإنما ترجع إلى أن هذا العصر أتى بعد عصر فساد فى الحكم انتشر فيه اللهو، وأصبحت الأندلس أندلسات وإمارات كثيرة بل شراذم، والجيران والإخوان يتحاربون، والعدو فاغر فاه، يكاد يلتهمهم جميعا، مما جعل الفقهاء يستغيثون بالمرابطين وابن تاشفين كى ينقذوا الأندلس مما تحولت إليه من دار لهو كبيرة ممزقة، واستنقذها المرابطون ومن ورائهم ومعهم الفقهاء يؤيدون ويساعدون، فكان طبيعيا أن يعظم شأنهم فى هذا العصر بالقياس إلى عصر أمراء الطوائف عصر اللهو والفساد. وكان من أخطاء بعضهم أن أفتوا بأن الغزالى مجدد الإسلام المصلح يعد من المبتدعة، مما أدى إلى ظهور حركة دينية إصلاحية جديدة هى حركة الموحدين التى عجلت بسقوط دولة المرابطين.
وفى هذه الأثناء انتهز نفر من رؤساء المدن فى الأندلس الفرصة فاستقلوا بها، وكان أولهم ابن حمدين قاضى قرطبة وتبعه فى بطليوس ابن قسى وفى المرية يوسف بن مخلوف ثم الرميمى وفى مرسية عبد الله بن عياض ثم صهره ابن مردنيش وتبعته بلنسية وطرطوشة
стр. 3679
وجيان وظلت الجزر الشرقية مع بنى غانية حتى سنة ٥٨٠ إذ صارت لدولة الموحدين.
(ج) الموحدون (١)
أنشأ هذه الدولة ابن تومرت، وهو مصلح دينى مغربى زار المشرق وتتلمذ على أساتذته من الأشعرية وغيرهم، وعاد إلى المغرب فنظم فيه ثورة واسعة ضد المرابطين وفقهائهم المالكية الذين كانوا يهتمون فى دراسة الفقه بالفروع دون الأصول، وتبعه خلق كثيرون وجعلهم طبقات: الطبقة الأولى سماها الجماعة، وسمى الطبقة الثانية باسم الموحدين وألف منهم جيشا ضخما واقع به المرابطين سنة ٥٢٤. وتوفى سريعا فخلفه عبد المؤمن بن على حتى وفاته سنة ٥٥٨ للهجرة، وهو يعد المؤسس الحقيقى للدولة، إذ استطاع القضاء نهائيا على دولة المرابطين، وتبعه المغرب من طرابلس إلى المحيط، وتمّ له ملك أكثر الأندلس منذ سنة ٥٤٠. وكان ابن الرّنك صاحب قلمرية شمالى نهر تاجه بالقرب من المحيط قد استولى على أشبونة وشنترين وقصر أبى دانس، وهو يعد أول ملوك البرتغال بينما استولى ابن مردنيش على شرقى الأندلس وولى صهره إبراهيم بن همشك على جيان، فنازلهما الموحدون وقضوا عليهما فى الستينيات، وكان النصارى قد استولوا على المرية من يد ابن الرميمى فاستعادوها. وتوفى عبد المؤمن فخلفه ابنه يوسف، وكان مثقفا ثقافة واسعة أتيحت له فى أثناء ولايته لأبيه على الأندلس واتخاذه إشبيلية عاصمة له، وكان مثل أبيه وإمامه ابن تومرت ثائرا على كتب المذاهب الفقهية وما بها من كثرة الفروع والعلل والأقيسة ومعتنقا لمذهب أهل الظاهر، وعبر إلى الأندلس فى سنة ٥٦٦ لجهاد النصارى، وأعاد عليهم الكرة فى سنة ٥٨٠ وهى سنة وفاته وخلفه ابنه يعقوب، وكان متعصبا للمذهب الظاهرى تعصبا شديدا، وفى السنة الثانية من حكمه توفى ابن الرنك ملك البرتغال واستولى ابنه شانجه على مدينة شلب، واستردها يعقوب فى السنة التالية ومعها قصر أبى دانس فى الجنوب الشرقى لأشبونة. وعبر إلى الأندلس سنة ٥٩١ فى جيش
стр. 3680
جرار، وعلم به ألفونس الثامن ملك قشتالة فجمع له جموعا كثيرة تزيد على مائتى ألف راجل وخمسة وعشرين ألف فارس، والتقيا عند حصن الأرك فى وسط الطريق بين قرطبة وطليطلة، ومنى ألفونس وجيشه بهزيمة ما حقة وتنادوا الفرار الفرار، وفر ألفونس ناجيا بنفسه. وعاد يعقوب إلى إشبيلية مبتهجا بكثرة الأسلاب والغنائم، وأصلح مسجدها وبنى مئذنته التى عرفت باسم الخير الدا، وكان حريّا أن يتبع ألفونس إلى طليطلة ويستولى عليها حتى يفيد الفائدة المرجوة من هذا النصر العظيم، غير أنه اكتفى بعقد معاهدة بينه وبين ألفونس بعدم الاعتداء لمدة عشر سنوات. وتوفى سنة ٥٩٥ وخلفه ابنه الناصر وكان ضعيفا وشغلته ثورات مختلفة فى المغرب كما شغله استيلاؤه على جزائر البليار من يد بنى غانية، بينما كان ألفونس يعد العدة لمعركة فاصلة بينه وبين الموحدين وأعان ملوك النصارى فى الشمال والبابا والأساقفة فى جنوبى فرنسا واعدين مساعديه بالغفران وجاءه عبّاد الصليب من كل فجّ، والتقى سنة ٦٠٩ بالناصر وجيش الموحدين فى حصن العقاب إلى الجنوب الشرقى من حصن الأرك، وهزم الناصر وجيشه هزيمة مرة، ولم تدر السنة حتى توفى وخلفه ابنه المستنصر حتى سنة ٦٢٠ وأخوه المأمون حتى سنة ٦٢٩ وفى أيامه أعلن استقلاله ابن أبى حفص واليه على تونس، وولى بعده ابنه الرشيد حتى سنة ٦٤٠ وفى عهده استقل بنو زيان بتلمسان (المغرب الأوسط) وخلفه ابنه السعيد وفى أيامه عظم شأن بنى مرين فى المغرب الأقصى واستولوا على فاس ومكناس وأيضا على وسلا والرباط على شاطئ المحيط ودخلوا مراكش سنة ٦٦٤ وبذلك انتهى عهد الموحدين.
ومنذ زمن المأمون الموحدى أخذ بعض الثائرين فى الأندلس يعلنون استقلالهم، وفى مقدمتهم ابن هود الملقب بالمتوكل الثائر بمرسيه سنة ٦٢٥ وملك قرطبة وإشبيلية وغرناطة فضلا عن مالقة والمرية، ولقيه النصارى فى ماردة شرقى بطليوس سنة ٦٢٦ فهزموه وأخذوها، واستولى صاحب برشلونة على جزائر البليار سنة ٦٢٧، ولم يلبث ملك قشتالة أن استولى على قرطبة جوهرة الأندلس الكبرى سنة ٦٣٣ وقتل ابن هود وزيره ابن الرميمى غيلة فى المرية، وثار زيان بن يوسف بن مردنيش ببلنسية سنة ٦٢٦ وأخذها منه ملك أراجون سنة ٦٣٥ وسقطت جزيرة شقر سنة ٦٣٩ ودانية سنة ٦٤١ وشاطبة سنة ٦٤٤ واستولى فرناند الثالث ملك قشتالة على إشبيلية عروس الأندلس سنة ٦٤٦.
وآلت مرسية لعم المتوكل بن هود بفريضة للنصارى وخدمة، وثار عليه عزيز بن خطاب سنة ٦٣٥ وهزم فى وقعة مع النصارى فاستدعى أهل مرسية زيان بن يوسف بن مردنيش فدخلها وقتله سنة ٦٣٦ وعاد أهل مرسية فثاروا على ابن مردنيش وأخرجوه من بلدتهم،