← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

(ب) المرابطون (١) رأينا ألفونس السادس ملك ليون وقشتالة يغير على ثغور طليطلة وما يلبث أن يستولى عليها سنة ٤٧٨ وهى نتيجة طبيعية لتفتّت الأندلس وتوزعها بين أندلسات أو إمارات تتناحر وتتحارب بينما تؤدى الإتاوات لألفونس السادس وأمراء أراجون ونبارّة وبرشلونه، تؤديها إشبيلية وبطليوس وغيرهما. وأحسّ أمراء الأندلس وفى مقدمتهم المعتمد أمير إشبيلية والمتوكل أمير بطليوس أن ما أصاب طليطلة أصبح قاب قوسين أو أدنى إلى إصابة إماراتهم، فتقع فريسة لألفونس السادس ملك ليون وقشتالة أو لغيره من الأمراء المسيحيين فى الشمال، وأجمعوا أمرهم على أن يستغيثوا بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين فى المغرب، وأرسلوا إليه نفرا من قضاة مدنهم الكبرى يستنفرونه- واستنفره كثير من الفقهاء-للوقوف معهم فى وجه أعدائهم الشماليين من المسيحيين، وكان المرابطون قد نذروا أنفسهم للجهاد فى سبيل الله ونشر الإسلام بالصحراء الكبرى والسنغال. واستمع يوسف إلى القضاة، وهاله الأمر، فجهز سريعا جيشا جرارا وأعدّ له أسطولا عبر به فى سنة ٤٧٩ الزقاق، واتجه إلى إشبيلية، وانضم إليه المعتمد صاحبها توا، وبالمثل عبد الله بن بلقين أمير غرناطة والمتوكل أمير بطليوس، وعلم ألفونس بمقدمه فاستغاث بملوك النصارى فى إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وجاءته سيول من الفرسان، والتقى الجمعان فى الزلاقة بالقرب من بطليوس، ودارت معركة حامية الوطيس سحق فيها جيش ألفونس، وفرّ على وجهه مع الفارين. وتصادف أن توفى ابن ليوسف بن تاشفين فعاد إلى المغرب بعد هذا النصر المبين ولو تابع تقدمه لا ستردّ طليطلة، وكأنه اكتفى بتقليم أظافر العدو، وسرعان ما عاد ألفونس للإغارة على شرقى الأندلس، وعلم بذلك ابن تاشفين، فجاز إلى الأندلس جوازه الثانى سنة ٤٨١ وكاد ينزل بألفونس ما أنزله به فى الزلاقة،

стр. 3677

غير أن الشتاء دخل فعاد إلى المغرب بعد أن ترك فى الأندلس حامية. وسرعان ما دبّ الشقاق بين أمراء الطوائف فجاز يوسف إلى الأندلس مرة ثالثة سنة ٨٤٣ مصمما- بمشورة الفقهاء الأندلسيين-على إنهاء حكم هؤلاء الأمراء، واستسلم له سريعا أمير غرناطة، واضطر إلى العودة إلى المغرب وترك لصهره سير بن أبى بكر تنفيذ الخطة، فاستنزلهم جميعا ومن أبى أخذه أسيرا مثل المعتمد بن عباد الذى نفى إلى أغمات بالمغرب، أو قتله بعد حصاره مثل المتوكل صاحب بطليوس. وبذلك أظلّ حكم ابن تاشفين الأندلس ما عدا سرقسطة، فإنه تركها لبنى هود لتكون حاجزا بين الأندلس ونصارى الشمال، وعبر إلى الأندلس مرة رابعة سنة ٤٩٠ لأخذ البيعة لابنه على وتوفى سنة ٥٠٠ للهجرة. وتولى على ابنه الحكم بعده فحاول الاقتداء بأبيه فى الجهاد فعبر إلى الأندلس سنة ٥٠١ ووجه أخاه تميما بجيش إلى أقليش شرقى طليطلة، والتقى بألفونس وأوقع به هزيمة ساحقة قتل فيها ولى عهده-وكان ابنه الوحيد-فتوفى متأثرا بفقده، واستولى تميم على أقليش وشنتبريّة. وفى سنة ٥٠٣ غزا جيش للمرابطين أراضى طليطلة واستولى على طلبيرة غربيها، واستعاد المرابطون جزائر البليار سنة ٥٠٩. وكان على بن يوسف قصير النظر فحاول أخذ سرقسطة من بنى هود، واستولى عليها كما مر بنا، وسرعان ما أخذها منه النصارى سنة ٥١٢. واشتبك المرابطون سنة ٥١٤ مع ألفونس الأول ملك أراجون فى معركة بكتندة ولم يكتب لهم النصر. وفى سنة ٥١٩ استدعى المعاهدون من نصارى غرناطة ألفونس الأول للاستيلاء على بلدهم فاندفع إلى الجنوب، وردّه المرابطون على أعقابه، وأجلوا عن غرناطة من كانوا سببا فى استدعائه من النصارى إلى سلا ومكناسة بمراكش. وفى سنة ٥٢٨ وجه على بن يوسف جيشا بقيادة يحيى بن غانية والى بلنسية ومرسية إلى إفراغة شرقى سرقسطة، ولقى جيشا لألفونس ملك أراجون فمزقه شر ممزّق. وتوفى على بن يوسف بن تاشفين أمير المرابطين سنة ٥٣٧ وخلفه ابنه تاشفين وكان ضعيفا مما آذن بنهاية تلك الدولة. وقد حمل كثير من المستشرقين فى مقدمتهم دوزى وبروقنسال على تلك الدولة زاعمين أنها كانت دولة بدو جفاة لا عهد لهم بالحضارة، وفاتهم أن أهل المغرب اعتنقوا الدين الحنيف من قديم وأخذوا بقسط من حضارته الإسلامية وكل ما اتصل بها من علوم وآداب، فليس بصحيح أنهم كانوا بدوا جفاة وقد فتح سلاطينهم أبوابهم فى مراكش للعلماء والشعراء الأندلسيين واختاروا لرياسة دواوينهم فى حاضرتهم أبا بكر بن القصيرة كبير

стр. 3678

كتاب الإمارة العبّادية بإشبيلية، حتى إذا توفى سنة ٥٠٧ خلفه زميل له من كتاب تلك الدولة هو أبو القاسم بن الجد، وتوفى سنة ٥١٥ فخلفه الكاتب الأندلسى البارع ابن أبى الخصال، وكان يساعد الثلاثة جميعا كتاب من الأندلس. وقد ازدهرت فى عهد المرابطين العلوم اللغوية وعلوم الدراسات الإسلامية وكذلك الدراسات الفلسفية ولمع فيها فيلسوف كبير هو ابن باجة. وشجّع حكام المرابطين فى الأندلس الحركتين العلمية والأدبية وفتحوا أبوابهم على مصاريعها للشعراء، على نحو ما يوضح ذلك ديوان ابن خفاجة ومدائحه فيه لإبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذى ألف الفتح بن خاقان باسمه كتابه قلائد العقيان، وكذلك مدائحه لأخيه تميم حاكم غرناطة ثم إشبيلية والأندلس ولأخيهما سلطان المرابطين: على ولابن تيفلويت حاكم سرقسطة راعى ابن باجة والحركة الفلسفية ولأبى عبد الله محمد بن الحاج حاكم قرطبة وابنه أبى بكر. وتبرز من نسائهم راعيات للأدب مثل مريم زوجة تميم بن يوسف ممدوحة ابن خفاجة، وأهم منها السيدة حواء زوجة أهم قوادهم سير بن أبى بكر حاكم إشبيلية مددا متطاولة ممدوحة الأعمى التطيلى، وكانت لها ندوة فى قصر الإمارة يحضرها كبار الشعراء والمتفلسفة، وتحاورهم فى الشعر ونقده على نحو ما حدث فيما بعد بفرنسا فى القرنين السابع عشر والثامن عشر وظهور سيدات متأدبات فيها على غرارها، وكان لهن صالونات يتحاور فيها أدباء باريس النابهون. وحقا كان لفقهاء المالكية سطوة كبيرة فى عصر المرابطين، وهى سطوة لا ترجع إلى المرابطين ذات أنفسهم، وإنما ترجع إلى أن هذا العصر أتى بعد عصر فساد فى الحكم انتشر فيه اللهو، وأصبحت الأندلس أندلسات وإمارات كثيرة بل شراذم، والجيران والإخوان يتحاربون، والعدو فاغر فاه، يكاد يلتهمهم جميعا، مما جعل الفقهاء يستغيثون بالمرابطين وابن تاشفين كى ينقذوا الأندلس مما تحولت إليه من دار لهو كبيرة ممزقة، واستنقذها المرابطون ومن ورائهم ومعهم الفقهاء يؤيدون ويساعدون، فكان طبيعيا أن يعظم شأنهم فى هذا العصر بالقياس إلى عصر أمراء الطوائف عصر اللهو والفساد. وكان من أخطاء بعضهم أن أفتوا بأن الغزالى مجدد الإسلام المصلح يعد من المبتدعة، مما أدى إلى ظهور حركة دينية إصلاحية جديدة هى حركة الموحدين التى عجلت بسقوط دولة المرابطين. وفى هذه الأثناء انتهز نفر من رؤساء المدن فى الأندلس الفرصة فاستقلوا بها، وكان أولهم ابن حمدين قاضى قرطبة وتبعه فى بطليوس ابن قسى وفى المرية يوسف بن مخلوف ثم الرميمى وفى مرسية عبد الله بن عياض ثم صهره ابن مردنيش وتبعته بلنسية وطرطوشة

стр. 3679

وجيان وظلت الجزر الشرقية مع بنى غانية حتى سنة ٥٨٠ إذ صارت لدولة الموحدين. (ج) الموحدون (١) أنشأ هذه الدولة ابن تومرت، وهو مصلح دينى مغربى زار المشرق وتتلمذ على أساتذته من الأشعرية وغيرهم، وعاد إلى المغرب فنظم فيه ثورة واسعة ضد المرابطين وفقهائهم المالكية الذين كانوا يهتمون فى دراسة الفقه بالفروع دون الأصول، وتبعه خلق كثيرون وجعلهم طبقات: الطبقة الأولى سماها الجماعة، وسمى الطبقة الثانية باسم الموحدين وألف منهم جيشا ضخما واقع به المرابطين سنة ٥٢٤. وتوفى سريعا فخلفه عبد المؤمن بن على حتى وفاته سنة ٥٥٨ للهجرة، وهو يعد المؤسس الحقيقى للدولة، إذ استطاع القضاء نهائيا على دولة المرابطين، وتبعه المغرب من طرابلس إلى المحيط، وتمّ له ملك أكثر الأندلس منذ سنة ٥٤٠. وكان ابن الرّنك صاحب قلمرية شمالى نهر تاجه بالقرب من المحيط قد استولى على أشبونة وشنترين وقصر أبى دانس، وهو يعد أول ملوك البرتغال بينما استولى ابن مردنيش على شرقى الأندلس وولى صهره إبراهيم بن همشك على جيان، فنازلهما الموحدون وقضوا عليهما فى الستينيات، وكان النصارى قد استولوا على المرية من يد ابن الرميمى فاستعادوها. وتوفى عبد المؤمن فخلفه ابنه يوسف، وكان مثقفا ثقافة واسعة أتيحت له فى أثناء ولايته لأبيه على الأندلس واتخاذه إشبيلية عاصمة له، وكان مثل أبيه وإمامه ابن تومرت ثائرا على كتب المذاهب الفقهية وما بها من كثرة الفروع والعلل والأقيسة ومعتنقا لمذهب أهل الظاهر، وعبر إلى الأندلس فى سنة ٥٦٦ لجهاد النصارى، وأعاد عليهم الكرة فى سنة ٥٨٠ وهى سنة وفاته وخلفه ابنه يعقوب، وكان متعصبا للمذهب الظاهرى تعصبا شديدا، وفى السنة الثانية من حكمه توفى ابن الرنك ملك البرتغال واستولى ابنه شانجه على مدينة شلب، واستردها يعقوب فى السنة التالية ومعها قصر أبى دانس فى الجنوب الشرقى لأشبونة. وعبر إلى الأندلس سنة ٥٩١ فى جيش

стр. 3680

جرار، وعلم به ألفونس الثامن ملك قشتالة فجمع له جموعا كثيرة تزيد على مائتى ألف راجل وخمسة وعشرين ألف فارس، والتقيا عند حصن الأرك فى وسط الطريق بين قرطبة وطليطلة، ومنى ألفونس وجيشه بهزيمة ما حقة وتنادوا الفرار الفرار، وفر ألفونس ناجيا بنفسه. وعاد يعقوب إلى إشبيلية مبتهجا بكثرة الأسلاب والغنائم، وأصلح مسجدها وبنى مئذنته التى عرفت باسم الخير الدا، وكان حريّا أن يتبع ألفونس إلى طليطلة ويستولى عليها حتى يفيد الفائدة المرجوة من هذا النصر العظيم، غير أنه اكتفى بعقد معاهدة بينه وبين ألفونس بعدم الاعتداء لمدة عشر سنوات. وتوفى سنة ٥٩٥ وخلفه ابنه الناصر وكان ضعيفا وشغلته ثورات مختلفة فى المغرب كما شغله استيلاؤه على جزائر البليار من يد بنى غانية، بينما كان ألفونس يعد العدة لمعركة فاصلة بينه وبين الموحدين وأعان ملوك النصارى فى الشمال والبابا والأساقفة فى جنوبى فرنسا واعدين مساعديه بالغفران وجاءه عبّاد الصليب من كل فجّ، والتقى سنة ٦٠٩ بالناصر وجيش الموحدين فى حصن العقاب إلى الجنوب الشرقى من حصن الأرك، وهزم الناصر وجيشه هزيمة مرة، ولم تدر السنة حتى توفى وخلفه ابنه المستنصر حتى سنة ٦٢٠ وأخوه المأمون حتى سنة ٦٢٩ وفى أيامه أعلن استقلاله ابن أبى حفص واليه على تونس، وولى بعده ابنه الرشيد حتى سنة ٦٤٠ وفى عهده استقل بنو زيان بتلمسان (المغرب الأوسط) وخلفه ابنه السعيد وفى أيامه عظم شأن بنى مرين فى المغرب الأقصى واستولوا على فاس ومكناس وأيضا على وسلا والرباط على شاطئ المحيط ودخلوا مراكش سنة ٦٦٤ وبذلك انتهى عهد الموحدين. ومنذ زمن المأمون الموحدى أخذ بعض الثائرين فى الأندلس يعلنون استقلالهم، وفى مقدمتهم ابن هود الملقب بالمتوكل الثائر بمرسيه سنة ٦٢٥ وملك قرطبة وإشبيلية وغرناطة فضلا عن مالقة والمرية، ولقيه النصارى فى ماردة شرقى بطليوس سنة ٦٢٦ فهزموه وأخذوها، واستولى صاحب برشلونة على جزائر البليار سنة ٦٢٧، ولم يلبث ملك قشتالة أن استولى على قرطبة جوهرة الأندلس الكبرى سنة ٦٣٣ وقتل ابن هود وزيره ابن الرميمى غيلة فى المرية، وثار زيان بن يوسف بن مردنيش ببلنسية سنة ٦٢٦ وأخذها منه ملك أراجون سنة ٦٣٥ وسقطت جزيرة شقر سنة ٦٣٩ ودانية سنة ٦٤١ وشاطبة سنة ٦٤٤ واستولى فرناند الثالث ملك قشتالة على إشبيلية عروس الأندلس سنة ٦٤٦. وآلت مرسية لعم المتوكل بن هود بفريضة للنصارى وخدمة، وثار عليه عزيز بن خطاب سنة ٦٣٥ وهزم فى وقعة مع النصارى فاستدعى أهل مرسية زيان بن يوسف بن مردنيش فدخلها وقتله سنة ٦٣٦ وعاد أهل مرسية فثاروا على ابن مردنيش وأخرجوه من بلدتهم،

стр. 3681

فعادت لبنى هود، وما زال فرناند الثالث ملك قشتالة يغاورها ويحاصرها حتى استولى عليها سنة ٦٦٤ للهجرة. (د) بنو الأحمر (١) فى غرناطة تنتمى هذه الأسرة إلى حفيد الصحابى الجليل سعد بن عبادة سيد الخزرج لعهد الرسول ﷺ وهو محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر والملقب بلقب الغالب بالله، وكان فارسا مقداما، رأس فى قريته أرجونة شمالى جيّان واستولى على جيّان سنة ٦٢٩ من ابن هود ثم على بسطة ووادى آش شمالى غرناطة، ثم على غرناطة نفسها سنة ٦٣٥ واتخذها عاصمة وامتدّ سلطانه فى الشرق إلى مالقة والمرية، غير أنه اضطر إلى التخلى عن جيان سنة ٦٤٣ لملك قشتالة، وعقد معه معاهدة التزم فيها بتقديم عون له فى استيلائه على إشبيلية سنة ٦٤٦ واتسع بسلطانه شمالى مالقة والمرية حتى لورقة وجنوبيا حتى جبل طارق والجزيرة الخضراء وحتى لبلة وشريش وشذونة فى الجنوب الغربى لغرناطة، ومكّن له من تثبيت ملكه حنكته السياسية وطول مدة حكمه حتى سنة ٦٧١. وخلفه ابنه محمد الملقب بالفقيه، وسرعان ما هاجمه ألفونس العاشر ملك ليون فاستنجد بالمنصور عبد الحق سلطان المرينيين بالمغرب فأرسل إليه قوة كبيرة، والتقى الجمعان عند إستجة جنوبى قرطبة سنة ٦٧٤ وانتصر المسلمون انتصارا عظيما. واتفق محمد الفقيه سلطان غرناطة وسلطان بنى مرين على أن تقيم فى مملكة غرناطة قوة مرينية يرأسها قائد مرينى يسمى شيخ الغزاة يدخل فى عداد كبار الشخصيات بغرناطة، واتّفق على أن تكون مالقة قاعدة للقوات المرينية، وعبر المنصور المرينى مرارا وظل يشتبك مع القشتاليين حتى أذعنوا لمسالمة محمد الفقيه، وتوفى سنة ٧٠١ وخلفه ابنه محمد المخلوع سنة ٧٠٨ وولى بعده أخوه نصر حتى سنة ٧١٣ إذ تنازل لابن عمه إسماعيل، والتقى بالقشتاليين سنة ٧١٨ ودارت عليهم الدوائر، وله فضل فى إقامة بعض منشئات قصر الحمراء واغتيل سنة

стр. 3682

٧٢٥ وخلفه ابنه أبو الحجاج يوسف الأول، وفى أيامه استولى القشتاليون على طريف المشرفة على جبل طارق، وحدث وباء كبير سنة ٧٤٩ ولابن خاتمة الشاعر رسالة فى وصفه. واغتيل أبو الحجاج يوسف الأول سنة ٧٥٥ وخلفه ابنه محمد الخامس الغنى بالله وله القسط الأوفر من منشئات قصور الحمراء، وتوفى سنة ٧٩٣ وكانت علاقته حسنة بملك القشتاليين وبالمثل علاقات ابنه يوسف وحفيديه محمد ويوسف المتوفى سنة ٨٢٠ وتلا يوسف أمراء ضعاف دب الخلاف بينهم وبين أبناء عمومتهم، ولم يلبث القشتاليون أن استولوا على جبل طارق سنة ٨٦٧ وبذلك أصبحت إمارة غرناطة محاصرة بالقوات النصرانية، بالإضافة إلى ما نشب من حروب بين أبناء الأسرة الحاكمة كانوا يستعينون فيها بملوك قشتالة. وأخذ ذلك ينذر بنهاية إمارة غرناطة وعجّل بها زواج فرناند ملك أراجون من إيزابيلا ملكة قشتالة، فتعاونا على القضاء على الإمارة، وقدما بقوات ضخمة استوليا بها على بعض المدن الصغرى، ثم حاصرا غرناطة آخر معقل للإسلام فى الأندلس، واستسلم أبو عبد الله الصغير وسلم مفاتيح الحمراء لفرناند سنة ٨٩٧ للهجرة ونصت معاهدة التسليم على أن يحتفظ المسلمون فى غرناطة والأندلس بكامل حقوقهم وبمساجدهم وإقامة شعائرهم الدينية، ولكن الاسبان ضربوا بكل ذلك عرض الحائط ومضوا يضطهدون المسلمين المتبقين أسوأ اضطهاد وسموهم المدجنين، بينما سموا من تنصر منهم ظاهرا الموريسكيين وعقدوا لهم محاكم التفتيش المشهورة إلى أن أصدر الملك فيليب الرابع سنة ١١١٧ هـ/١٦٠٩ م أمرا بخروجهم من إسبانيا. ومن الغريب أن هذا التعصب الدينى المقيت الذى أخرج المسلمين من الأندلس هو الذى أتاح لأوربا استكشاف أمريكا وطريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند فإن فردناند الذى ساعد أرستوف كولمب على اكتشاف أمريكا كان متأثرا-بعد استيلائه على غرناطة-بفكرة حصر الإسلام والمسلمين بين نارين، وتأثر بنفس الفكرة البرتغاليون فى اكتشافهم لطريق الهند.

стр. 3683

٥ - المجتمع (١) رأينا-فيما مر بنا-كيف كان التكوين البشرى لسكان إيبيريا مزيجا معقدا من عناصر جنسية كثيرة إذ نزلها قديما قبائل من بلاد الغال فى الشمال، ثم نزلتها عناصر فينيقية ويونانية وقرطاجنية ورومانية وجرمانية، ونزلها كثيرون من اليهود ثم نزلها مع الفتح العرب والبربر. وجلب إليها حكام الدولة الأموية كثيرين من الصقالبة المنتمين إلى شرقى أوربا وفرنسا وألمانيا. ومن كل هذه العناصر تألف المجتمع الأندلسى مشتركة فى تكوينه القارات القديمة الثلاث: أوربا وإفريقيا وآسيا. ودخل كثير من أهل إيبيريا فى الإسلام وكانوا يسمّون: «مسالمة» وسمّى أبناؤهم باسم المولدين، وظل كثيرون على مسيحيتهم مع اصطناعهم لحياة المسلمين وعاداتهم وتعلم العربية والتكلم بها وسمّوا باسم المستعربين. وأخذت تعمل عوامل فى المزج السريع بين المسلمين والمسيحيين، منها كثرة المصاهرة فقد تزوج كثيرون فى الجيش الفاتح من الإسبانيات. وظل ذلك فيما بعد، إذ كان كثيرون من العرب والبربر يؤثرون الإسبانيات الشقراوات، وكان البيت الأموى يكتظ بهن. ومن تلك العوامل أيضا روح التسامح الدينى الذى بثّه الإسلام فى أتباعه فكان أهل الذمة من النصارى واليهود يعاملون بالحسنى معاملة كريمة. ومرت بنا فى غير هذا الموضع فتنة دينية لعهد عبد الرحمن الأوسط أثارها بعض قساوسة النصارى ورهبانهم، وسرعان

стр. 3684

ما انتهت وحل محلها تعصب وطنى استشعره المسالمة والمولدون والمسيحيون إذ داخلهم عصبية التعصب لوطنهم والشعور بأن العرب والبربر الأندلسيين غرباء أجانب، مما هيأ لثورات عبد الرحمن بن الجليقى فى بطليوس وعمر بن حفصون فى ببشتر وكثيرين غيرهما، واستطاع عبد الرحمن الناصر القضاء على هذه الثورات واستعادة وحدة الأندلس. ونتوقف قليلا بإزاء الحضارة والغناء والمرأة فى الأندلس. الحضارة كانت حياة أهل إيبيريا قبل الفتح العربى أقرب إلى حياة البداوة، وظل المسيحيون فى القسم الجبلى بالشمال يعيشون هذه الحياة لوعورة موطنهم، ولما تقوم عليه حياتهم من شظف وخشونة، وظل العرب والبربر وأهل الأندلس جميعا يعيشون نفس هذه المعيشة المتبدية زمن الولاة، غير أنهم أخذوا فى التحضر زمن الدولة الأموية لما ساد حياتهم من أمن واستقرار، وأخذوا يخطون فى ذلك خطوات قوية منذ عهد عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ). بسبب شغفه بحضارة العرب المادية فى المشرق مما دفع تجار قرطبة إلى استيراد أدواتها ونفائسها، وفى ذلك يقول ابن سعيد فى ترجمته بكتاب المغرب: «فى أيامه دخل الأندلس نفيس الجهاز من ضروب الجلائب لكون ذلك نفق عليه وأحسن لجالبيه، ووافق زمنه انتهاب الذخائر التى كانت فى قصور بغداد عند خلع الأمين فجلبت إليه». وحاكاه أهل قرطبة والأندلس فى العناية بالفرش والرّياش وأدوات الزينة، ولم يلبث أن أنشأ بقرطبة دار طراز لصنع المنسوجات والملابس الأنيقة، وأخذت تنشأ هناك صناعة الحلى والحقاق والتحف والأوانى والأثاث. وسرعان ما أخذ المجتمع القرطبى يتحضر فى المعاش والحياة الاجتماعية وآدابها فى المأكل والملبس والتزين وكان من أهم العوامل فى ذلك وفود زرياب غلام إسحق الموصلى فى أول عهد عبد الرحمن الأوسط الذى احتفل به احتفالا عظيما وقد علّم الأندلسيين الأكل على الموائد بالملاعق والسكاكين بدلا من الأصابع مع تفضيل آنية الزجاج، وأضاف إلى أطعمتهم ألوانا جديدة من أطعمة بغداد، وعلم المرأة الأندلسية كيف تتزين وما تتخذ من عطور ومن ضروب الثياب وكيف تتفنن فى تصفيفات شعرها وكيف تسدله على جبهتها وجوانب وجهها، وعلم الرجال آدابا مختلفة فى اتخاذ الثياب وتقصيرها وتضييق الأكمام وإرسال شعرهم وراء آذانهم، وأيضا كيف يتأنقون فى فرشهم وتأثيث بيوتهم. (١)

стр. 3685

وأخذت الأندلس تخطو خطوات واسعة فى الحضارة المادية، وساعدها على ذلك ثراؤها لوفرة الأنهار فيها والثمار والضّرع والزرع والبساتين وكثرة المعادن، ولا حظ ذلك كل من زاروها من رحالة المشرق فقالوا إن خيراتها كثيرة وليس بها شحاذ ولا متسول، وهيأ هذا الثراء فيها وما كان يجنيه حكامها من الضرائب للتفنن فى بناء القصور منذ عهد عبد الرحمن الأوسط وابنه محمد حتى إذا كنا فى عهد عبد الرحمن الناصر وجدناه لا يبنى قصرا أو قصورا متعددة فحسب، بل يبنى مدينة الزهراء بجوار قرطبة على سفح جبل العروس وقد ظل عشرة آلاف عامل ينهضون ببنائها لمدة خمسة وعشرين عاما، وكانت الطبقة الدنيا فيها بساتين وحدائق، وفى الطبقة الوسطى دور الموظفين، وفى الطبقة العليا قصره وقاعته الكبيرة المزدانة بأعمدة الرخام وحليّها الذهبية وجوهرة كبيرة تتلألأ فى وسطها سوى ما كان بالمجلس المعروف بمجلس المؤنس من تماثيل لحيوانات من الذهب الخالص. وكان القصر يمتد طولا فى نحو ثلاثة آلاف ذراع وعرضا فى نحو ألف وخمسمائة، وكان به نحو أربعة آلاف عمود من الرخام. ويتضح ثراء الحكم الأموى وأبهته فى بناء المسجد الجامع بقرطبة. ولا تزال روعته ماثلة إلى اليوم على الرغم مما اقتطع منه لكاتدرائية وكنيسة، وقد استغرق وصف روعة المعمار فيه نحو عشرين صحيفة فى كتاب الفن العربى فى إسبانيا وصقلية لفون (١) شاك. وبنى المنصور بن أبى عامر حاجب الخليفة هشام المؤيد بدوره مدينة الزاهرة. ولا يتضح ثراء الحكم الأموى فى بناء الجامع الكبير الذى ظل يعنى الحكام الأمويون حتى عهد المنصور بزخرفته والاتساع به ولا فى بناء القصور وبناء المدن فحسب، فمن أهم صوره الهدايا الفاخرة التى ذكر ابن حيان أن عبد الرحمن الناصر (٢) كان يرسل بها إلى أمراء المغرب مثل هديته إلى موسى بن أبى العافية سنة ٣٢٢ وما كان بها من قطع البزّ العجيب الصنعة والطرف الأنيقة من ثياب وغير ثياب وطيب وغير طيب. وذكر ابن خلدون فى ترجمته للناصر هدية (٣) وزيره أحمد بن عبد الملك بن شهيد وما حمل إليه فيها من الذهب، وقد بلغ خمسمائة ألف مثقال وحمل من التبر مثله، سوى كميات كبيرة من سبائك الفضة والعود الهندى والمسك الذكى والعنبر والكافور والثياب الحريرية المرقومة بالذهب والفراء الثمين والملاحف المذهبة للخيل والأبسطة، وأيضا سوى عشرين جارية بكسوتهن وزينتهن وأربعين وصيفا، وسوى ما لا يكاد يحصى من السلاح وعتاق الخيل الكريمة.

стр. 3686

وظل كثير من صور هذا الثراء الواسع ماثلا فى عهد أمراء الطوائف، وهو يتضح فى تنافسهم فى بناء القصور والتفنن فى كل ما يتصل بها من أناقة وتنميق على نحو ما يصور ابن بسام ذلك فى وصفه لقصر المكرم للمأمون بن إسماعيل بن ذى النون حين احتفل فيه بإعذار لحفيده يحيى، ونشعر كأننا انتقلنا إلى قصر مسحور من قصور ألف ليلة وليلة لكثرة ما فيه من ضروب الديباج والطنافس والستائر المزركشة وأزر الحيطان المرمرية وما عليها من تماثيل وصور لحيوانات وأطيار وأشجار وثمار، سوى بحيرتين فى القصر صفّت عليهما تماثيل أسود من الذهب والمياه تنساب من أفواهها. ونعجب أن ينفق أمير طليطلة-وهو أقرب أمراء الأندلس إلى ملوك قشتالة والنصارى عامة-هذه القناطير المقنطرة من الذهب على قصره المكرم، ولا يكاد يبقى فى خزائنه ما لا يشترى به سلاحا للقاء أعدائه، وما هى إلا سنوات حتى سقطت طليطلة من يد حفيده يحيى فى حجر ألفونس السادس ملك قشتالة. ولم يكن المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية يقل عن المأمون فى طليطلة إسرافا فى بناء قصوره والإنفاق على حظاياه ومجالس أنسه الكثيرة وكان مشغوفا بزوجته اعتماد الرميكية وفى نفح الطيب أنها رأت يوما بإشبيلية نساء البادية حولها يبعن اللبن فى القرب، وهن رافعات-فى الطين-ثيابهن عن سوقهن، فقالت له: أشتهى أن أفعل مثلهن أنا وجوارىّ فأمر بعنبر ومسك وكافور وماء ورد، وصيّر كل ذلك طينا فى القصر ومعه قرب وحبال من حرير، وخرجت-هى وجواريها-يخضن فى ذلك الطين. ويحكى عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة أنه حين تنازل عن أمواله ليوسف بن تاشفين كان بينها سفط ذهب فيه عشرة عقود من أنفس الجواهر، وتنازلت أمه عن خمسة عشر عقدا نفيسا. وعلى هذا النحو ظل أمراء الطوائف ينعمون بهذا الترف على حساب الشعب، وحقا كانت هناك طبقة وسطى من التجار والصناع ممن كانوا يقدمون أدوات الترف والنعيم للطبقة الحاكمة وحواشيها من الوزراء والولاة والقواد وكبار رجال الدولة، غير أنه كان وراءها طبقة من العامة تكدح وتنصب لطائفة استأثرت لنفسها بزينة الحياة. على أنه ينبغى أن لا نبالغ فى صور ما كانت تعيش فيه الطبقة العامة من شظف فى الحياة أو بؤس لكثرة ما كان فى الأندلس من طيّبات الرزق، وقد ظلت تنعم بما فيها من ثراء لعهدى المرابطين الموحدين ونرى آثاره فى بناء السلطان يعقوب الموحدى لجامع إشبيلية ومئذنته «الخير الدا» التى لا تزال قائمة إلى اليوم، أما الجامع فأحاله المسيحيون إلى كنيسة، وما كان أحراهم أن يبقوه متحفا-على مر الزمن-يعرض مهارة الفنان الأندلسى فى المعمار والزخرفة. وحرى بنا أن نذكر أنه كان بالأندلس غابات كثيرة هيأت

стр. 3687

لصناعة الأساطيل وازدهار صناعة الأثاث، واشتهرت طرطوشة بصنوبر أحمر صافى البشرة، ومن عيدانه اتّخذ خشب المسجد الجامع بقرطبة. وكانت المعادن كثيرة، ومن أهمها معدن الزئبق فى شمالى قرطبة، ويقول الإدريسى فى القرن السادس الهجرى إنه كان يعمل فيه ما يزيد على ألف عامل، وازدهرت صناعات الحلى والأوانى والحقاق والطرف المعدنية والبرونزية والفضية والملابس والثياب الحريرية، ويقول الإدريسى إنه رأى فى المرّية ثمانمائة دار طراز للحرير تصنع فيها الحلل والثياب والستائر والبسط. ويقول ابن خلدون فى مقدمته عن الأندلس وصناعاتها وقد نزلها فى أواخر القرن الثامن الهجرى: «إنا نجد فيها رسوم الصنائع قائمة وأحوالها مستحكمة راسخة فى جميع ما تدعو إليه عوائد أمصارها كالمبانى والطبخ وأصناف الغناء واللهو من الآلات والأوتار والرقص وتنضيد الفرش والرياش وحسن الترتيب والأوضاع فى بناء القصور وصوغ الآنية من المعادن والخزف وجميع المواعين وسائر الصنائع التى يدعو إليها الترف وعوائده فنجدهم أقوم عليها وأبصر بها، ونجد صنائعها مستحكمة لديهم، وهم على حصة موفورة من ذلك وحظ متميز بين جميع الأمصار لما قدمناه من رسوخ الحضارة أيام الدولة الأموية ودول الطوائف» (١). ومن أكبر الأدلة على استمرار ازدهار الصناعات ومظاهر الحضارة المادية فى الأندلس قصر الحمراء الذى شاده بغرناطة أمراؤها فى الحقب العربية الأخيرة بها، وليس قصرا فحسب بل معرضا خلابا لما وصلت إليه الحضارة الأندلسية من ازدهار، وبه يحيط سور يعلوه شرف للحراسة، وتلقاك بداخله جنة العريف، وهى حديقة كأنها اقتطعت من الفردوس بنافوراتها ومياهها المتدفقة وأشجار البرتقال والريحان بها والأزهار الأرجة، ومن ورائها القصر الفخم وقد فرشت أرضه بالرخام وازدانت حيطان قاعاته وردهاته وغرفه بالآيات القرآنية والأشعار وآلاف الزخارف، وتلقاك أسود فى قاعة حاملة حوضا من الماء ينسكب من أفواهها، وقد استغرق وصف هذا القصر وجنته فى كتاب «الفن العربى فى إسبانيا وصقلية» لفون شاك أكثر من خمسين صفحة، وإنه ليقول وقد أخذت روعته بلبه: «سعيد من يستطيع زيارة الحمراء إذ سوف تستيقظ فى روحه الأحلام المكبوتة وتحيا الآمال الضائعة (٢)».

стр. 3688

الغناء وكان الغناء يشيع فى الأندلس منذ وفود زرياب غلام إسحق الموصلى على الأمير عبد الرحمن الأوسط واحتفاله به احتفالا عظيما، إذ جعل له راتبا مائتى دينار فى الشهر وأقطعه من الدور والضياع ما يقدر بأربعين ألف دينار غير صلات سنية. وأقام زرياب فى قرطبة معهدا يتدرب فيه الفتيان والفتيات على الغناء، واشتهر بأنه أضاف إلى أوتار العود وترا خامسا اخترع له مضرابا من قوادم النسر (١)، وجعل للغناء تقاليد انفردت بها الأندلس فكان يبدأ بالنشيد ويخرج منه إلى البسيط ويختم بالمحركات والأهازيج (٢)، وينقل التيفاشى عن ابن سعيد أنه لم يكن بالأندلس قبله سوى طريقة حداة العرب وترانيم الكنائس دون قانون (٣) فيها أى دون رقم (نوت) موسيقية. وزرياب بذلك يفتتح حركة الغناء والموسيقى فى الأندلس. وخرّج زرياب كثيرين من الشباب والجوارى منهن منفعة أهداها إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط ومنهن بنانة وقلم وعلم وشفاء. وأخذ الغناء فى الأندلس يزدهر بعده وممن أتقنوه عباس بن فرناس المتوفى سنة ٢٧٤ واتسع التعلق به، حتى أصبح الشغل الشاغل لكثير من المدن، ويحكى التجيبى شارح أشعار كتاب المختار من شعر بشار للخالديين فى مقدمة شرحه أنه بات ليلة فى سنة ٤٠٦ بمالقة ساهرا لما كان يخفق حوله من أوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل ناحية. وكل بلاد الأندلس كانت مثل مالقة عزفا وغناء، واتسعت الموجة زمن أمراء الطوائف وخاصة فى إشبيلية وطليطلة. وممن اشتهر بعد زمنهم بجودة التلحين أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، وهو الذى أخذ أهل إفريقية الألحان الأندلسية عنه، وكان يعاصره الفيلسوف ابن باجة وكان إمام الأندلس الأعظم فى الموسيقى والألحان، وخلفه عليها تلميذه أبو عامر بن الحمارة وكان يصنع عود الغناء بيده وينظم الشعر ويلحّنه عليه ويغنى (٤) به، شأن المغنين الأوربيين المعاصرين الذين ينظمون الشعر ويلحنونه ويغنونه. ويبدو أنه كان يقترن الرقص بالغناء منذ زرياب، وقد رقى بدوره فنونا من الرقى حتى لنجد ابن كسرى المالقى المتوفى سنة ٦٠٣ للهجرة يصف حركات راقصة تسمى نزهة على هذا النمط (٥):

стр. 3689

إذا رقصت أبصرت كلّ بديعة ... ترى ألفا حينا، وحينا هى النون فهى تتحرك فى رقصها حركات شتى، تارة ترى معتدلة، وتارة تتثنى وتبالغ فى الثنى حتى لتصبح مثل القوس أو مثل النون. ويرسم لنا على بن يوسف بن خروف القرطبى نفس الصورة فيقول فى راقص ولعلها راقصة (١): ومنوّع الحركات يلعب بالنّهى ... لبس المحاسن عند خلع لباسه متأوّدا كالغصن وسط رياضه ... متلاعبا كالظبى عند كناسه (٢) بالعقل يلعب مقبلا أو مدبرا ... كالدّهر يلعب كيف شاء بناسه ويضمّ للقدمين منه رأسه ... كالسيف ضمّ ذبابه لرآسه (٣) واشتهر فى القرن السابع أبو الحسن المرسى وكل تلحين بالأندلس والمغرب فى شعر متأخر فهو من صنعته. وقد أخذ ملوك قشتالة منذ القرن الخامس الهجرى يجذبون إليهم بعض المغنين والمغنيات الأندلسيات ويقيمون لهم الحفلات وكان لذلك أثره البعيد فى نشأة الموسيقى عند الاسبان، إذ لم يكن يعرفون قبل الغناء العربى وما صحبه من موسيقى سوى ترانيم الكنائس كما يقول ابن سعيد، فعرفوا آلات الموسيقى العربية الكثيرة ورقمها الموسيقية، تدل على ذلك أكبر الدلالة أسماء تلك الآلات فى اللغة الإسبانية، فقد انتقلت إليها بأنغامها وألحانها العربية وهو دين كبير للموسيقى الأندلسية العربية على الموسيقى الأوربية فقد أخرجتها من عالم الترانيم الكنسية إلى عالم الموسيقى المؤلفة فى رقم (نوت) موسيقية بتقديرات لحنية زمنية دقيقة. المرأة ولم نتحدث حتى الآن عن المرأة فى المجتمع الأندلسى، وكانت تحظى فيه بشئ من الحرية قلما كانت تحظى به أختها فى المشرق، يدل على ذلك من بعض الوجوه أن نجدها تركب مع الأمير فى موكبه إذ نرى ابن حيان يروى أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قال لحاجبه عيسى بن شهيد يوما وكان قد طال عليه المرض والمكث فى قصره دون خروج:

стр. 3690

«إن بعض كرائمنا سألننا تجديد العهد لديهن بالركوب معهن للنزهة على مقتضى العادة، فاخرج من فورك فانظر فى إقامة ما يحتاج إليه للنزهة على مقتضى العادة واعجل بذلك فإنا متحركون صبيحة (١) غد» ويبدو أن الأميرات كن يبرزن للشعب سافرات يدل على ذلك ما ذكره ابن حزم فى رسالته: «نقط العروس» من أن رسيس كانت سيدة مهيبة اتصلت بعبد الرحمن الناصر ونالت عنده مكانة رفيعة مما جعله يركبها فى موكب له ذات يوم على بغل خلفه سافرة بقلنسوة وشقّ بها الربض الغربى كله بقرطبة إلى مدينته الزهراء (٢). ومما يدل على ما كان للمرأة الأندلسية من منزلة أن نجد بينهن كاتبات أو كما نقول الآن سكرتيرات للأمراء والخلفاء مثل مزنة كاتبة عبد الرحمن الناصر كما يقول صاحب (٣) الصلة، وأيضا كاتبته كتمان (٤) كما يقول صاحب الذيل والتكملة، ومثل لبنى (٥) كاتبة ابنه الحكم المستنصر كما فى الصلة. واشتهرت فى الأندلس غير شاعرة حتى ليترجم المقرى لعشرين منهن، وسنلم بذلك فى الفصل التالى. ويبدو أن كثيرات من النساء وخاصة فى البيت الأموى كن يتقن أرقى الآداب الاجتماعية مع حيازتهن للثقافة ونظمهن للشعر مما أعدّ لظهور ولاّدة بنت الخليفة المستكفى واتخاذها فى قصرها ندوة أدبية كان يحضرها ابن زيدون وغيره من الشعراء والأدباء. وظل ذلك فى الأندلس، فكانت هناك سيدات من البيوت الرفيعة تحذو حذو ولاّدة فى اتخاذ ندوة أدبية لها، حتى فى عهد المرابطين الذين يقال عنهم إنهم كانوا محافظين، إذ نجد سيدة شريفة من بيتهم هى السيدة حواء زوجة سير بن أبى بكر-الذى مهّد بحسن قيادته ليوسف بن تاشفين حكم الأندلس وظل حاكما على إشبيلية اثنين وعشرين عاما-تتخذ لنفسها ندوة مماثلة لندوة ولاّدة، وسنعرض لها فى ترجمتنا للأعمى التطيلى ومدحه لها بقصيدة بديعة. وعلى شاكلتها وشاكلة ولاّدة تلقانا حفصة الركونية وندوتها الأدبية فى عصر الموحدين وسنترجم لها مع أبى جعفر بن سعيد فى حديثنا عن الغزل.

стр. 3691

٦ - التشيع-الزهد والتصوف (أ) التشيع (١) من الخطأ أن نظن أن ثورة أحد أحفاد من ناصروا عليا فى صفين كانت ثورة شيعية كما حدث فى عهد عبد الرحمن الداخل وبالمثل ثورة حفيد لعمار بن ياسر عليه، ويقال إن عمر بن حفصون اتصل-فى أثناء ثورته بالفاطميين-وكانوا لا يزالون فى القيروان ولم يكن اتصال ولاء إنما كان اتصالا سياسيّا كيديا للأمير عبد الله بن محمد. ودعا ثائر أموى لنفسه سنة ٢٨٨ للهجرة هو أحمد بن معاوية وتلقب بالمهدى، فظنّ خطأ-لهذا اللقب- أن لثورته علاقة بالتشيع وكل ما هناك أنه استعار هذا اللقب من دعاة الشيعة. ونجد ابن عبد ربه المتوفى سنة ٣٢٨ يتحدث فى كتابه «العقد الفريد» عن الشيعة وفرقهم وليس معنى ذلك أنه كان شيعيا، فقد كان متشيعا للأمويين متعصبا لهم. وحاول آسين بلاسيوس أن يرد بعض آراء ابن مسرة المتوفى سنة ٣١٩ إلى آراء الإسماعيلية من الشيعة لمقامه فترة فى القيروان عاصمة الفاطميين قبل انتقالهم إلى مصر. غير أنها ترد-كما سنرى فى غير هذا الموضع-إلى الاعتزال والتصوف والفلسفة، فلا علاقة بينه وبين التشيع، وبالمثل لا علاقة بين منذر بن سعيد خطيب عبد الرحمن الناصر وبينه. وحقا أرسل الفاطميون بعض جواسيسهم للتعرف على الأندلس والدعوة لهم مثل ابن حوقل، غير أن ذلك لم يأت بطائل، إذا استثنينا تشيع ابن هانئ الشاعر الأندلسى وإيمانه بالعقيدة الإسماعيلية، وربما كان أبوه من دعاتهم السرّيين فى الأندلس. ووجدت فى الأندلس زمن الفتنة الأموية فرصة للشيعة كى ينشطوا للدعوة إلى أنفسهم هناك حين استولى على بن حمود-من أسرة الأدارسة فى المغرب-على مقاليد الخلافة الأموية سنة ٤٠٧ غير أن غلمانه قتلوه-كما أسلفنا-فى السنة التالية، وولى

стр. 3692

بعده أخوه القاسم، ونازعه ابن أخيه المعتلى-كما مر بنا-ولم يلبث أن لحق بمالقة، وبها قتل سنة ٤٢٧. ولم يأخذ هؤلاء الحموديون الفرصة كى ينشروا فى الأندلس دعوة شيعية، وهم أنفسهم لم ينظّموا هذه الدعوة هناك. وتنشأ صلة فى عهد أمراء الطوائف بين أمير دانية على بن مجاهد والفاطميين غير أنها لا تتعدى تبادل بعض الرسائل. ويربط بعض الباحثين بين ما حظى به اليهود-لعهد الطوائف-من مكانة فى غرناطة وبين ما كان فى أمرائها بنى زيرى من نزعة شيعية، وكأنما للتشيع صلة باليهودية، وهو ربط بعيد، والصحيح أن اليهود حظوا بهذه المكانة عند بنى زيرى لقدرتهم الاقتصادية مما جعل بنى زيرى يولون أحدهم-وهو ابن النغريلة-الوزارة ونستطيع أن نزعم أن الأندلس كانت محصنة ضد التشيع ودعاته، حتى ليقول المقدسى فى أواخر القرن الرابع الهجرى إن الأندلسيين إذا عثروا على متشيع ربما قتلوه. وحتى بعد انتهاء الدولة الأموية نجد كبار المؤرخين فى الأندلس مثل ابن حيان وكبار المفكرين هناك مثل ابن حزم يتعصبون للأمويين ضد الشيعة تعصبا شديدا. وكل ما يمكن أن يكون للتشيع فى الأندلس إنما هو بعض الأصداء فى مدائح الشعراء للحموديين فى قرطبة ومالقة لمدة ربع قرن، وهى أصداء ضعيفة جدا إذا قلما صدر الشعراء فى شعرهم عن تشيع حقيقى لآل البيت. وسنرى فى حديثنا عن الرثاء أن الأندلسيين أخذوا منذ عصر المرابطين يستوحون مأساة الحسين فى نظم بعض مراث له، بل لقد أقاموا له أحيانا مآتم يندبونه فيها، وكأنما كانوا يندبون مأساتهم ومأساة رجالهم فى الأندلس. ونخلص من كل ما قدمنا إلى أنه لم تظهر فى الأندلس موجة حادّة للتشيع، وكل ما حدث أن أفرادا قد يتشيعون، وهو تشيع لا يعدو-غالبا-حب آل البيت. (ب) الزهد (١) والتصوف أخذت تنمو فى الأندلس نزعة مبكرة إلى الزهد فى متاع الحياة الدنيا والإقبال على العبادة، وكان مما يزكيها فى نفوس الأندلسيين الوعاظ فى المساجد الذين كانوا يعظونهم

стр. 3693

دائما ويذكرونهم بالله واليوم والآخر وأنهم معروضون على ربهم يوم القيامة فإما إلى الجنة والنعيم، وإما إلى النار والجحيم. وزكاها أيضا أن الحكام الأمويين كانوا يلتزمون الصلاة فى المسجد الجامع وكانوا يأخذون أبناءهم ونساءهم بآداب الإسلام والقيام بفزائضه وواجباته، ومنذ عبد الرحمن الأوسط كانت تعنى زوجاتهم ببناء المساجد على نحو ما كانوا يعنون هم أنفسهم وكنّ يقفن بعض أموالهن للجهاد فى سبيل الله، واشتهرت طروب زوجة عبد الرحمن الأوسط ببنائها مسجدا فى الربض الغربى من قرطبة، واشتهرت ابنته البهاء بزهدها ونسكها وكتابتها لمصاحف وقفتها فى مسجد لها بين مساجد الربض الغربى. ومن أوائل من يلقانا من زهاد الأندلس وعبّادها أيوب البلّوطى، ويروى أن السماء شحّت بمطرها لأول عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) وفزع الناس إلى قاضيه مسرور بن محمد كى يصلى بهم صلاة الاستسقاء لما يعرفون من صلاحه، فلباهم حتى إذا وقف ليخطب خطبة الاستسقاء نادى: يا أيوب البلوطى! عزمت عليك حيث كنت لتقومنّ، فلم يقم إلا بعد أن أقسم عليه فى الثالثة، وقال حين قام: يا هذا أشهرتنى أما كنت أدعو حيث أنا؟ ثم رفع القاضى رأسه فقال: اللهم إنا نستشفع إليك بوليّك هذا، وألحّ بالدعاء، وكثر الضجيج والبكاء، فلم ينصرفوا إلا وأحذيتهم فى أيديهم من كثرة المطر. وطلب أيوب بعد ذلك فلم يوقف له على أثر. ويدل هذا الخبر على أنه كان لأهل الأندلس اعتقاد حسن فى النسّاك الزهاد. ومن كان يفرط فى زهده ونسكه كانوا يظنون أنه من أولياء الله وأنه مجاب الدعوة. وكان يعاصر أيوب إمام فى المذهب المالكى هو عيسى بن دينار المتوفى سنة ٢١٢ وكان فى الذروة من العبادة والزهد، ويقال إنه صلّى أربعين سنة الصبح بصلاة العتمة أو العشاء. واشتهر بالزهد من قضاة عبد الرحمن الأوسط معاذ بن عثمان المتوفى سنة ٢٣٤ وقيل إنه كان مجاب الدعوة. ومن الزهاد أيام عبد الرحمن الناصر أبو وهب عبد الرحمن العباسى المتوفى سنة ٣٤٤ وسنعرض له بين شعراء الزهد. ويلقانا فى زمن الفتنة الزاهد عبد الرحمن بن مروان القنازعى المتوفى سنة ٤١٣ نسب إلى ما كان يكتفى به لسد رمقه من صنع القنازع التى كان يتخذها الأندلسيون لغطاء رءوسهم مما يشبه القلنسوة، وكان صوّام النهار قوّام الليل راضيا بالقليل من كسبه، ولم ينحطّ يوما إلى مسألة أحد. ومن الزهاد فى عصر أمراء الطوائف الفقيه المحدّث ابن الطلاع، واشتهر بأنه لقى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، فوعظه ووبّخه على حياته الماجنة اللاهية. ويؤلف ابن بشكوال المتوفى سنة ٥٧٨ كتابا فى زهاد الأندلس وأئمتها، وتظل نزعة الزهد حية مطردة فيها حتى خروج الإسلام والمسلمين

стр. 3694

منها فى نهاية القرن التاسع الهجرى وأخذت موجة من التصوف ترافق هذا الزهد منذ أيام عبد الرحمن الناصر، وكان أول من بعثها ودفعها دفعا قويا فى الأندلس محمد بن عبد الله بن مسرة المتوفى سنة ٣١٩ للهجرة، وكان قد حج وطوّف ببلدان المغرب ومصر والشام والحجاز ولا بد أن سمع بمحنة الحلاج وصلبه سنة ٣٠٩ ببغداد وعاد إلى موطنه، واعتزل مع تلاميذه فى منزله بجبل قرطبة، وأخذ يلقنهم تعاليمه، وكانت مزيجا من آراء الصوفية والمعتزلة ومر بنا استنكار عبد الرحمن الناصر لعقيدته، وذكر ابن حيان فى الجزء الخاص بالناصر إرساله سنة ٣٤٠ إلى البلدان المختلفة فى الأندلس منشورا يندّد فيه بعقيدة ابن مسرة ويتوعد أتباعه، مما يدل على أنها كانت قد أخذت تشيع وتتألف حولها فرقة. وتمادى الطلب لأفرادها بقيّة عهد الناصر وفى عهد ابنه الحكم المستنصر، مما جعلهم يضطرون للاختفاء حتى إذا أظلهم عهد هشام المؤيد عادوا إلى الظهور والنشاط فى الدعوة لعقيدتهم مما اضطر القاضى محمد ابن يبقى بن زرب المتوفى سنة ٣٨١ للهجرة إلى الكشف عنهم واستتابتهم، وتابت على يديه منهم جماعة. غير أن هذه العقيدة الصوفية استمرت، ويذكر ابن حزم فى كتابه «الفصل» من معتنقيها فى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى إسماعيل بن عبد الله الرّعينى، ويقول إنه أدخل على عقيدة ابن مسرة بعض التعديل، من ذلك أنه ذهب إلى أن العالم لا يفنى وأنه مستمر إلى ما لا نهاية. ولم تضمحل هذه العقيدة الصوفية فى الأندلس لعهد أمراء الطوائف بل ظل لها أتباع فى قرطبة وإشبيلية والمرية وغيرها من المدن الأندلسية، وأخذ التصوف ينشط فى عهد دولة المرابطين، ومن أهم المتصوفة لعهدها أبو العباس ابن العريف المتوفى بمراكش سنة ٥٣٦ وهو من أهل المرية وله فى التصوف كتاب محاسن المجالس نشره آسين بلاسيوس مع ترجمة فرنسية، وكانت تقوم طريقته على الزهد فى منازل الصوفية والعطايا والمواهب الإلهية والكرامات وما يتصل بها من المنن التى يمنّ الله بها على النفس الإنسانية. ويقول إن طريقته هى طريقة الخواص التى تقف عند الفناء فى محبة الذات الإلهية، وكأنه لا يقول بوحدة الوجود إنما يقول بالفناء فى المحبة الإلهية، وهو بذلك يعد من أصحاب التصوف السنى، وكأنه يبتعد عن مراتب التصوف الفلسفى القائل بوحدة الوجود خطوة أو خطوات. ومن معاصريه فى الأندلس ابن برّجان الإشبيلى عبد السلام بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٥٣٦، وأيضا ابن قسّى أبو القاسم أحمد بن الحسين المتوفى سنة ٥٤٦ والذى قاد ثورة بغرب الأندلس ضد المرابطين حين ساءت

стр. 3695

أحوالهم وأوشكت على نهايتها، وكان يتزعم فى ثورته طائفة كبيرة من المريدين أى المتصوفة. ويلقانا فى عصر الموحدين غير متصوف أندلسى ينزع بقوة نحو التصوف الفلسفى مثل أبى عبد الله الشوذى وتلميذه ابن دهاق المالقى المتوفى سنة ٦١١ للهجرة وينشأ فى النصف الثانى من القرن السادس الهجرى محيى الدين بن عربى (٥٦٠ - ٦٣٨ هـ) بإشبيلية، ويأخذ فيها تصوفه الفلسفى المعروف عن شيوخ متعددين يذكرهم من ترجموا له كما يأخذه عن عجوز تسمى نونّة فاطمة بنت ابن المثنى القرطبية لزمها سنتين خادما ومريدا. وأشهر من جاءوا بعده فى التصوف الفلسفى أبو الحسن الششترى المتوفى سنة ٦٦٨ وابن سبعين المتوفى سنة ٦٦٩. ويلقانا فى القرن الثامن ابن عباد الرّندى المتوفى سنة ٧٣٣ وقد طاف ببلدان المغرب، وكأنما وجد فى العقيدة الشاذلية السنية مأربه فانضم إلى أتباعها، وعنى بشرح كتاب الحكم لابن عطاء الله السكندرى ووصف فى شرحه رياضاته ومجاهداته النفسية.

стр. 3696

الفصل الثّانى الثقافة ١ - الحركة العلمية لم يكن لإيبريا دور حضارى فى العالم القديم، إذ ظل سكانها قرونا متطاولة يستقبلون الحضارات ولا ينفذون من خلالها إلى حضارة لهم متميزة، وكان أول ما استقبلوا من الحضارات الحضارة الفينيقية إذ غزاها الفينيقيون فى القرن العاشر قبل الميلاد وأسسوا بها مالقة على البحر المتوسط وقادس على المحيط الأطلسى، وبعد نحو خمسة قرون استقبلوا الحضارة اليونانية إذ غزاها اليونانيون وأسسوا فيها مدينة برشلونة على البحر المتوسط وسموها إيبيريا، وحدثت حروب بينهم وبين الفينيقيين واستعان الفينيقيون ضدهم بأبناء عمومتهم من القرطاجنيين، فأعانوهم. واستقبلت إيبيريا حضارتهم وأسسوا بها مدينة قرطاجنة على البحر المتوسط نفس اسم مدينتهم فى إفريقيا، ونشبت الحرب بينهم بقيادة هانيبال وبين الرومان فى أوائل القرن الثانى قبل الميلاد وانتصر الرومان واستولوا سريعا على إيبيريا، ونشروا فيها-بواسطة جنودهم ومن سمع بخيراتها فى إيطاليا ورحل إليها-لغتهم اللاتينية، وحين اعتنقت روما المسيحية نشرتها فيها، وهى التى سمتها بإسم إسبانيا. وأخذت إسبانيا تشارك روما بعض المشاركة فى حياتها السياسية بفضل من نشأوا فيها أو ولدوا بها لأسر إيطالية وخاصة من القياصرة مثل تراجان وابن أخيه هدريان. وكانت الخطابة مزدهرة فى روما بسبب ما كان لديها من مجلس شيوخ أعدّ بقوة لهذا الازدهار، كما أعدّ لكثرة الأساتذة الذين كانوا يعلّمون الشباب فنون البلاغة الخطابية، وشاركت إسبانيا فى هذا النشاط الخطابى باثنين من أبنائها القرطبيين هما سنيكا الأب الذى نشأ فى قرطبة وانتقل إلى روما وعلم فيها فن الخطابة، وسنيكا الابن الذى ولد بقرطبة فى العام الرابع قبل الميلاد، وجئ به إلى روما وتلقى تعليمه على أبيه ومن بها من الفلاسفة

стр. 3697

الرواقيين، وأصبح فيلسوفا رواقيا ومعلما كبيرا للخطابة، وعلّمها نيرون، وله مسرحيات اتخذها كورنىّ وراسين مثلهما المسرحى الأعلى، وحكم عليه نيرون بالموت لاتهامه باشتراكه فى مؤامرة ضده. ورحل إلى روما شاب إسبانى هو كونتليان ليتعلم فن الخطابة، وبرع فيها هناك وأنشأ مدرسة لتعليمها، وألف فيها كتابا كان-ولا يزال-المرجع الأساسى للأوربيين فى التعرف على الخطابة الرومانية. واشتهر بروما حفيد لسنيكا، هو «لو كان» الشاعر، وكان قد ولد بقرطبة سنة ٣٩ للميلاد ونشأ بروما وأصبح شاعرا متألقا بما نظم من ملحمة قصصية من طراز ملحمة الإنيادة لفرجيل، وقد وصف فيها الحرب الأهلية بين قيصر وبومبى، واتهمه نيرون باشتراكه مع عمه فى مؤامرة ضده وحكم عليه بالموت وعمره لا يتجاوز السادسة والعشرين (١). وواضح أن من شاركوا من إسبانيا قديما فى الأدب اللاتينى أفنوا شخصياتهم فيه، وهم لم ينتجوه فى إسبانيا، بل أنتجوه فى روما، وهو لذلك أدب لاتينى رومانى خالص. وإسبانيا-بذلك-لا تزال فى العهد الرومانى كما كانت فى العهود الفينيقية واليونانية والقرطاجنية لا تستطيع أن تضيف إلى الحضارة الإنسانية أعمالا إسبانية متميزة القسمات، بل ظلت روما ترعاها وتتعهدها فى الحضارة كما تعهدها ورعاها من قبل القرطاجنيون واليونان والفينيقيون، حتى إذا دخلت فى القرن الخامس للميلاد أغارت عليها القبائل الجرمانية المتبربرة التى قضت على الدولة الرومانية الغربية ونزلها منهم الفندال ثم القوط الذين حكموها إلى أن تسلّمها العرب منهم. ولم يكن للقوط حضارة، وقد قضوا على ما كان بإسبانيا من حضارة رومانية، ولا يحفظ التاريخ كتابا من أيامهم سوى مجموعة القس إيزيدور الإشبيلى المتوفى سنة ٦٣٦ للميلاد، وهو يعرض فيها تصوره الساذج للتاريخ والعلوم الطبيعية مع تفسيرات مجازية للكتاب المقدس، ويقول ديورانت فى قصة الحضارة إنها تكتظ بأخطاء فى الحقائق، وتدل على ما كان فاشيا فى عهد القوط بإسبانيا من الجهالة (٢)، وليس لهذه المجموعة أى ذكر فى كتابات الأندلسيين. ومعنى ذلك أن العرب حين فتحوا إسبانيا كان ظلام الجهل يطبق عليها ولم يكن بها علم ولا علماء، وبحق ما يقوله صاعد فى كتابه طبقات الأمم من أن هذا القطر لم يعرف فى

стр. 3698

العصر القديم بالعلم ولا كان به شخص اشتهر بحبه للعلم، وظل مغلقا فى وجه الحكمة إلى أن فتحه العرب (١). وكان فيه-كما مر فى الفصل الماضى-يهود ولكن لم يكن لهم أى كتاب علمى، وأيضا لم يكن لهم دور فى الحركة العلمية لأيام العرب، إنما دورهم يقوم فقط على تمثل العلم العربى ثم على المساهمة فى ترجمته إلى اللاتينية فيما بعد حين جدّ الغرب فى طلب العلم الأندلسى والوقوف عليه. ومثل اليهود-فى ذلك-الصقالبة الذين مرّ ذكرهم فى غير هذا الموضع والذين جلبهم الحكام الأمويون إلى الأندلس منذ عهد الحكم الرّبضى، وكانوا يتعلمون العربية ويتثقفون ثقافة عربية إسلامية، ولم يكن لهم أى دور فى الحركة العلمية بالأندلس إلا أن يصبح أحدهم حاكما لإحدى المدن فى عصر أمراء الطوائف، ويجزل العطاء للعلماء. أما أهل إسبانيا فإنهم-كما قلنا-لم يحملوا إلى الحركة العلمية فى الأندلس تراثا لاتينيا، وكل ما لهم أن من أسلموا منهم وسلالاتهم من المولّدين أسهموا فى تلك الحركة العلمية العربية، وعروبتها لا ترجع إلى اللسان الذى استخدمته فحسب، بل ترجع-أيضا-إلى أنها أسست-ونهضت كما سنرى-على أصول عربية مشرقية. ومعروف أن الإسلام دفع أمته فى كل قطر وبلد إلى العلم والتعلم، ومرّ بنا أن موسى ابن نصير فاتح الأندلس ومكمل فتح المغرب كان يرسل دائما مع الجيوش فقهاء يعلّمون أهل الديار المفتوحة الإسلام ويحفّظونهم بعض القرآن ويبصّرونهم بالدين الحنيف وتعاليمه. ولما كان تعليم الناشئة المسلمة القرآن شعارا من شعائر الدين أخذ به المسلمون فى جميع بلدانهم فإن الأندلس-بدورها-أخذت بهذا التعليم، وافتتحت له الكتاتيب منذ عصرها الأول عصر الولاة (٢)، واطرد ذلك طوال الحقب التالية، ويؤثر عن الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) أنه أنشأ بقرطبة سبعة وعشرين كتّابا فى عهده، جعل ثلاثة منها بجوار المسجد الجامع والباقى فى أماكن مختلفة من أحياء قرطبة. (٣) وكانت قرطبة تكتظ بكتاتيب أخرى قبل كتاتيبه. وكان معلّم الكتاتيب يسمى مؤدّبا، وكان يأخذ أجرا على تعليمه الناشئة (٤)، ولم يكن تعليمه لها يقتصر على تحفيظها القرآن الكريم وبعض نصوص الحديث النبوى بل كان يتسع ليشمل تعليمها النحو وإحسان الكتابة والخط مع

стр. 3699

تحفيظها بعض النصوص من الأشعار والرسائل البارعة، وينوّه ابن خلدون بتعليم الناشئة فى الأندلس قائلا: «وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن فى التعليم وكثرة رواية الشعر والرسائل ومدارسة العربية (النحو) من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف فى اللسان العربى» (١). وابن خلدون يثنى-بذلك-على مؤدبى الأندلس وأنهم استطاعوا أن يغرسوا فى الناشئة-فضلا عن حفظ القرآن الكريم-الملكة العربية بما مرنوهم عليه من قواعد النحو وما حفظوهم من منتخبات الشعر والنثر، مما أعدّهم ليصبحوا أهل أدب بارع. ومنهم من كان يؤدّب أبناء الخاصة من الحكام الأمويين والأشراف من الأسرة الأموية والوزراء وغيرهم، ومنهم من كان يؤدب أبناء العامة فى المساجد أو فى دور ملحقة بها أو فى دور مستقلة بهم أو فى دورهم الخاصة. وكان الناشئ حين ينهى هذا التعليم الأول على أيدى المؤدبين يتحول إلى حلقات الشيوخ فى المساجد ليتسع فى دروس العربية إن شاء أو ليتزود من هذا العلم أو ذاك من العلوم الدينية إما الفقه وإما التفسير وإما الحديث النبوى، وقد يجمع بين هذا كله. ومنذ عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية يقود حكامها الحركة العلمية. واستقر منذ أول هذه الدولة أن العالم فى أى علم من علوم العربية أو الدين لا يتم له علمه على الوجه الأكمل إلا إذا رحل إلى ينابيعه الأساسية فى المشرق، وحتى مؤدبو الكتاتيب تذكر لهم رحلات إلى البصرة والكوفة وبغداد على نحو ما نقرأ عن جودى (٢) النحوى المتوفى سنة ١٩٨ والغازى (٣) بن قيس المتوفى سنة ١٩٩. وكانت الرحلة فى طلب الفقه والعلوم الدينية أوسع، واشتهر الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل (١٧٢ - ١٨٠ هـ) بتحبيبها إلى الشباب القرطبى وتشجيعهم عليها، ورحل فى عهده كثيرون إلى المدينة لحمل فقه الإمام مالك وموطّئه. وتصبح الرحلة فى طلب العلم إلى المشرق تقليدا متبعا منذ هذا التاريخ، ويكثر الراحلون إليه من شباب العلماء الأندلسيين، ويفرد المقرى لمشاهيرهم فصولا طويلة فى نفحه، وهى تدل على أنها ظلت تقليدا متبعا قرونا متوالية. ونحن لا نصل إلى عصر الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) حتى يكثر الفقهاء لعهده كثرة مفرطة، كما تدل على ذلك ثورة أهل الربض القبلى عليه بقرطبة، فقد ألّبهم كثيرون من الفقهاء عليه، حتى إذا أخفقت الثورة أمر بأن يرحل الثائرون ومؤلبوهم عن قرطبة،

стр. 3700

فرحل فريق إلى دار الحرب وفريق إلى طليطلة ورحل إلى الاسكندرية ١٥ ألفا وأنزلهم أميرها عبد الله بن طاهر جزيرة كريت على نحو ما مر بنا فى الفصل الماضى. ويلى الإمارة بعد الحكم ابنه عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) ويقول عنه ابن سعيد فى المغرب، كما مر بنا: «عنى أبوه بتعليمه وتخريجه فى العلوم الحديثة والقديمة، وكان من أهل التلاوة للقرآن والاستظهار للحديث، وكان يداخل كل ذى علم فى فنه» (١) ويقول ابن خلدون: «كان عالما متبحرا فى علوم الدين والفلسفة» (٢) ويقول ابن القوطية: «التزم إكرام أهل العلم وأهل الأدب والشعر فى دولته وإسعافهم فى مطالبهم كلها» (٣) وسنرى فى غير هذا الموضع أنه هو الذى دفع الأندلس إلى الاهتمام بعلوم الأوائل. وأقبل الطلاب لعهده على حلقات العلماء-وكانوا يعدون بالمئات-فى المسجد الجامع بقرطبة، وكانت حلقة عبد الملك بن حبيب كبير الفقهاء لزمنه بعد يحيى الليثى تضم ثلاثمائة طالب (٤). وخلف عبد الرحمن الأوسط ابنه الأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٢ هـ) ويقول ابن حيان نقلا عن الرازى: «كان مكرما لأعلام الناس مقدّما على طبقاتهم ذوى الفقه والعلم منهم يرفع مجالسهم ويزلف وسائلهم ويسعف فى رعايتهم ويستشعر مع ذلك الحذر من تحاسدهم» (٥) ويذكر ابن حيان موقفين عظيمين له (٦)، هما موقفه من بقى بن مخلد وموقفه من محمد بن عبد السلام الخشنى فقد رحلا إلى المشرق وجلب أولهما كتاب مصنف ابن أبى شيبة فى الحديث فأنكر جماعة من الفقهاء ذلك عليه وسلطوا عليه العامة ليمنعوه من قراءته، وعلم بذلك الأمير فحماه منهم ونهاهم أن يتعرضوا له. وجاء الثانى أيضا من المشرق حاملا كتاب الناسخ والمنسوخ لأبى عبيد، فأنكر الفقهاء عليه إملاءه الكتاب على الطلاب فى المسجد الجامع، فنهاهم الأمير محمد عن تعرضهم له. ويقول ابن حيان عن ابنه الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) إنه «كان كثير التلاوة للقرآن مثابرا على درسه متصرفا فى فنون العلم متحققا بلسان العرب بصيرا بلغاتهم وأيامهم حافظا للغريب والأخبار آخذا من الشعر بحظ وافر، وكان مجلسه أعمر مجالس الملوك بالفضائل وأجمعها لطبقات أهل الآداب والتعاليم، وكان لا يقدم أمرا ولا يؤخره إلا بمشورة أهل

стр. 3701

العلم والفقه باسط اليد على الفقراء وأهل الحاجة وذوى الزمانة (١)» وفى ذلك ما يؤكد بسطة يده على العلماء من كل صنف وإغداقه عليهم الأموال الجزيلة. وتولّى بعده حفيده عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ). وتبلغ الأندلس فى عهده الذروة المنتظرة فى قوة السلطان، وتزدهر الحركة العلمية فى أيامه، وكان قد انتدب لرعايتها ابنه وولى عهده الحكم المستنصر، واستنّ له الإغداق على العلماء، ويكفى أن نعرف أنه أرسل إلى محمد بن القاسم بن شعبان الفقيه المالكى بالفسطاط-وهو أندلسى الأصل-عشرة آلاف دينار (٢) ليفرّقها على شيوخ المالكية بمصر لنتصور مدى ما كان ينثر حينئذ من الأموال على فقهاء الأندلس وعلمائها من كل صنف، واستنّ لابنه الحكم أيضا إكرام العلماء القادمين من المشرق لينشروا فى الأندلس علمهم، ووفد عليه من بغداد أبو على القالى (٣) سنة ٣٣٠ فبالغ فى الحفاوة به، وقاد أبو على فى الأندلس-كما هو معروف-حركة لغوية ضخمة بمؤلفاته اللغوية وبمن تخرج على يديه هناك من تلاميذه اللغويين الكثيرين. وكما عنى الناصر بعلماء الدين واللغة عنى بمن يدرسون علوم الأوائل، ونرى إمبراطور بيزنطة قسطنطين السابع يرسل إليه بهدية بينها كتاب ديوسقوريدس فى الصيدلة باليونانية، ولم يكن فى قرطبة حينئذ من يعرف تلك اللغة، فطلب الناصر من الإمبراطور أن يرسل إليه أحد العارفين بها، فأرسل إليه الراهب نيقولا سنة ٣٤٠ وكان يعرف اليونانية واللاتينية جميعا، وألف الناصر لجنة لمساعدته فى ترجمة الكتاب إلى العربية (٤). واقتدى الحكم بأبيه منذ كان وليا لعهده وأسند إليه الإشراف على الحركة العلمية، فنهض بها فى أيامه، حتى إذا خلفه فى الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) عنى بتلك الحركة إلى الذروة، وقد طرّز القالى باسم أبيه واسمه كتابه الأمالى ونوّه بهما طويلا فى مقدمته للكتاب، ونرى مؤلفين كثيرين فى الأندلس وفى المشرق يقدمون إليه مؤلفاتهم، من ذلك كتاب الاستيعاب (٥) فى فقه مالك لأحمد بن عبد الملك ومحمد بن عبيد الله القرشى،

стр. 3702

ووصلهما بجائزة كبيرة، ومن ذلك كتاب الحدائق لأحمد بن فرج الجيانى الذى ألفه له، وقد عارض به كتاب الزهرة لابن داود الأصبهانى، وكان ابن داود ذكر فى كتابه مائة باب فى كل باب مائة بيت فجعل الجيانى كتابه مائتى باب فى كل باب مائتا بيت ولم يورد فيه لغير شعراء الأندلس شيئا (١)، وسمع الحكم بكتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى فأرسل إليه ألف دينار ذهبا ليبعث إليه بنسخة من الكتاب، فأرسل إليه نسخة منه منقّحة، وأرفقه بكتاب فى أنساب أسرته الأموية موشّحا بمناقبهم، فجدّد له الحكم الصلة الجزيلة، وصنع نفس الصنيع مع القاضى الأبهرى المالكى حين طلب إليه شرحه لمختصر ابن عبد الحكم فى الفقه المالكى (٢). ويقول ابن الأبّار: «لم يسمع فى الإسلام بخليفة بلغ مبلغ الحكم فى اقتناء الكتب والدواوين وإيثارها والاهتمام بها (٣)» ويقول ابن خلدون: «اجتمعت بالأندلس لعهده خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده (٤)». وكان له ورّاقون أو بعبارة أخرى جلاّب كتب بأقطار البلاد وعواصمها مثل الإسكندرية والقاهرة ودمشق وبغداد ينتخبون له نفائس الكتب، ويقال إن عدد الفهارس بمكتبته فى القصر كانت أربعا وأربعين فهرسا فى كل فهرس عشرون (٥) ورقة-وفى رواية خمسون ورقة-وكانت الدار التى اتخذها لمكتبته أشبه بمجمع علمى، وكانت تزخر بالحذاق فى صناعة النسخ والتجليد (٦) وبالعلماء الدارسين من كل صنف وبالمحققين الذين يقابلون مخطوطات الكتب المهمة بعضها على بعض مستخلصين منها للمكتبة نسخا منقحة غاية التنقيح. ويذكر الحميدى فى الجذوة أن الحكم مرّ يوما بأبى على القالى ومجموعة من العلماء يقابلون نسخ معجم العين وبينها نسخة القاضى منذر بن سعيد التى أخذها بالفسطاط عن عالم مصر اللغوى ابن ولاد، ومكث معهم قليلا يسألهم عن نسخ الكتاب (٧). ويقول ابن الأبار منوها بثقافة الحكم ومعرفته بالكتب ومؤلفيها: «كان كثير الاهتمام بكتبه والتصحيح لها والمطالعة

стр. 3703

لفوائدها، وقلما تجد له كتابا كان فى خزانته إلا وله فيه قراءة ونظر من أى فن كان من فنون العلم، يقرؤه ويكتب فيه بخطه-إما فى أوله أو فى آخره أو فى تضاعيفه-نسب المؤلف ومولده ووفاته والتعريف به وأنساب الرواة له، ويأتى من ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لكثرة مطالعته. . وصار كل ما كتبه حجة عند شيوخ الأندلسيين وأئمتهم، ينقلونه من خطه ويحاضرون به (١)». وطبيعى أن تبلغ الحركة العلمية بالأندلس فى عهده كل ما كان يؤمل لها من ازدهار لا بفضل ما وضعه تحت أعين العلماء من أمهات الكتب فى العلوم اللغوية والدينية وعلوم الأوائل من طب وغير طب فحسب، بل أيضا بفضل ما أغدق عليهم من الرواتب الجزيلة. ولم يكن الحكم يقصر الرواتب على العلماء المتخصصين الذين يحاضرون الطلاب فى المساجد، بل كان يعممها فى المؤدبين الذين يعلمون أولاد الفقراء والمساكين فى الكتاتيب (٢) ومرّ بنا أنه أنشأ فى قرطبة سبعة وعشرين كتّابا، سوى ما كان بها قبله من الكتاتيب، ويقول ابن الأبار إنه أفاء على العلم بما بسط عليه من المال، ونوّه بأهله ورفع ذكرهم، ورغّب الناس فى طلبه، ووصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء البلدان النائية عن بلده (٣). وولى بعد الحكم المستنصر ابنه هشام المؤيد، وكان فى الحادية عشرة من عمره، واستبد بالسلطان وتدبير الدولة حاجبه أو رئيس وزرائه المنصور بن أبى عامر، لا ينازعه فى ذلك منازع طوال حياته، وله وقائع كثيرة مع النصارى فى الشمال انتصر فيها دائما واستولى منهم على برشلونة وحصونا وبلدانا أخرى كثيرة، مما حبّب الناس فيه. وأعلى مراتب العلماء وجعل لهم فى كل أسبوع يوما يجلس لهم فيه ويتناظرون بين يديه (٤)، وكان يجزل الرواتب والعطايا لهم، ووفد عليه بعض علماء المشرق فأكرم وفادتهم عليه، على نحو ما هو معروف من وفادة صاعد بن الحسن البغدادى اللغوى، وألف له فى اللغة كتبا مختلفة نال بها منه أموالا جمة، منها كتابه الفصوص ألفه على شاكلة كتاب الأمالى لأبى على القالى، وحين قدمه إليه أمر له توا بخمسة آلاف دينار (٥). وكان يعنى بالفقهاء

стр. 3704

والمحدثين عنايته بصاعد اللغوى واللغويين. وكان شديد الطموح فأمر أن يحيىّ بتحية الملوك، وقعد على سرير الملك. وطمح-كما مرّ بنا فى الفصل الماضى-إلى تنصيب نفسه خليفة، ورأى-تقربا للعامة-أن ينكّل بتلامذة ابن مسرة الصوفى المتفلسف المعتزلى (١)، ودفعه هذا التقرب إلى أن يأمر بإحراق كل ما كان فى مكتبة الحكم المستنصر بالقصر من كتب الفلسفة والفلك والتنجيم (٢) حتى يرضى العامة، غير أن ذلك لم يقف الحركة العلمية التى ازدهرت فى عصر عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم فقد ظلت فى مدّها، إذ كانت أقوى من أن يعصف بها هذا الحادث. وسرعان ما تنشب بعد ابن أبى عامر الفتنة أو الفتن التى ظلت أكثر من عشرين عاما وانتهت بالقضاء على الدولة الأموية فى الأندلس سنة ٤٢٢ للهجرة، وكان من آثار هذه الفتن أن هاجر من قرطبة إلى مدن الأندلس المختلفة كثير من علمائها. وهاجر معهم إلى تلك المدن كثير من الكتب العلمية التى كانت مختزنة فى مكتبة الحكم وغيرها من مكتبات المساجد والمكتبات الخاصة. وأعدّ ذلك من بعض الوجوه لأن تنشط الحركة العلمية فى المدن الكبرى التى تأسست فيها إمارات أمراء الطوائف أو ملوك الطوائف كما كانوا يسمونهم، إذ انتثر عقد الأندلس وأصبحت أندلسات أو قل إمارات كثيرة، ففى كل مدينة كبيرة فرد أو أسرة تحكمها، وتنافست هذه المدن، فكل مدينة تريد أن تتفوق على أخواتها فى العلم والفلسفة والأدب، وكل أمير لمدينة يريد أن يظفر بقصب السبق على نظرائه فى السلطان والشئون المادية والثقافية والفنية، وكأنما أعيدت فى هذه الحقبة سيرة المدن اليونانية القديمة: أثينا وإسبرطة وأخواتهما وما كان بينها من تنافس هيّأ لعصر من أزهى العصور اليونانية فى الفلسفة والفن والعلم والأدب، مما جعل حقبة أمراء الطوائف من أزهى الحقب فى تاريخ الأندلس، ومن يرجع إلى إشبيلية سيجد حاكميها المعتضد عباد وابنه المعتمد يتحولان بها إلى ما يشبه سوقا كبرى للشعر والشعراء، بينما يجد بنى الأفطس فى بطليوس بغربى الأندلس وقد صعدوا بالتأليف فى الثقافة والآداب إلى الأوج على نحو ما يصور ذلك المظفر بن الأفطس فى موسوعته التى سماها كتاب المظفرى فى الأدب والتاريخ، وكانت

стр. 3705

نحو مائة مجلد (١). وبثّ بنو ذى النون فى طليطلة حركة علمية وأدبية واسعة وخاصة فى عهد أميرهم المأمون يحيى بن إسماعيل، ويقول ابن سعيد: «لم يجتمع عند ملك من ملوك الأندلس ما اجتمع عنده من الوزراء والكتاب الأجلاء (٢)». ونهضت سرقسطة فى أقصى الشمال بحركة علمية نشطة فى الرياضيات والفلك وبالمثل نشطت فى دراسة الفلسفة، وخاصة على عهد أميرها المؤتمن من بنى هود وله فى العلوم الرياضية تآليف مثل الاستهلال والمناظر (٣) وكان مألفا للعلماء والأدباء والشعراء. وازدهرت فى المرية شرقى الأندلس نهضة علمية وأدبية واسعة قادها أحمد بن عباس الوزير لزهير الصقلبى أول أمرائها، وكان كاتبا مبدعا وشغف بجمع الكتب واقتنائها حتى قالوا إنه اقتنى منها أربعمائة ألف مجلد (٤)، وصارت الإمارة سريعا إلى بنى صمادح فانتعش بهم العلم والشعر وخاصة فى عهد أميرها المعتصم وكان شاعرا مجيدا كما كان ممدّحا أكثر الشعراء من مديحه (٥). وتكاثر العلماء والشعراء المبدعون فى مرسيه وبلنسية فى شرقى الأندلس وقاد مجاهد صاحب دانية هناك حركة علمية وأدبية، وكان عالما بالعربية وعلوم القرآن، وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه، ووفد عليه العلماء الأجلاء والشعراء الأفذاد، وشاع العلم فى حضرته حتى فشا فى جواريه وغلمانه (٦). وكان لغرناطة فى جنوبى الأندلس ما لأخواتها الأندلسيات من النشاط العلمى والأدبى، وظلت قرطبة تفوح بشذاها العطر فى الفلسفة والعلوم والآداب. واستولى ألفونس السادس على طليطلة سنة ٤٧٨ للهجرة، واستقر فى نفوس أمراء الطوائف أن لا حول لهم ولا قوة إزاءه وإزاء المسيحيين بالشمال فاستغاثوا بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين فى المغرب فلباهم، وأوقع بألفونس وجيوشه هزيمة ساحقة فى وقعة الزلاقة المشهورة، ورأى من الخير أن يضم شتات الأندلس ودويلاته المتنازعة تحت لوائه، لما ثبت له من فساد حكمهم وعجزهم عن مقاومة المسيحيين فى الشمال وبذلك أظل الأندلس حكم دولة المرابطين إلى أواخر العقد الرابع من القرن الخامس، وعظم شأن

стр. 3706

الفقهاء فى هذه الدولة منذ ابن تاشفين وأجرى الرواتب على كثيرين منهم طوال أيام حكمه (١)، واحتذاه فى ذلك ابنه على خليفته فى الحكم. ولا تلبث دولة الموحدين أن تحل فى المغرب والأندلس محل دولة المرابطين، وتدين الأندلس لمؤسسها عبد المؤمن وكان فقيها عالما مشاركا فى كثير من العلوم الدينية والدنيوية (٢) وكان مؤثرا لأهل العلم ويجرى عليهم الرواتب الواسعة (٣) وخلفه ابنه يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ.) وكان قد درس فى إشبيلية على فقهائها وعلمائها اللغويين، وقيل إنه كان حفظة حتى ليقولون إنه حفظ البخارى بأسانيده، وشغف بالفلسفة وأمر بجمع كتبها فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر (٤)، وولى بعده ابنه يعقوب وكان مثقفا مثله ثقافة واسعة وكان يعقد المناظرات بين يديه للعلماء والفلاسفة. (٥) وكل ذلك يشهد بأن الحركة العلمية والفلسفية ظلت مطردة النمو فى الأندلس طوال عصر دولتى المرابطين والموحدين. وأخذت المدن الأندلسية الكبرى تسقط فى أيدى المسيحيين الشماليين منذ العقد الثالث فى القرن السابع الهجرى، واستطاع محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر أن يؤسس فى غرناطة سنة ٦٣٥ إمارة ظلت حتى سنة ٨٩٧ للهجرة وقد استطاعت بعلمائها وأدبائها ومن آوى إليها من أدباء المدن الأندلسية الساقطة فى حجر النصارى أن تستتم نهضة العلوم والآداب الأندلسية، وهاجر كثير من الأدباء والعلماء الأندلسيين إلى مراكش والمشرق ونشروا بهما آدابهم وعلومهم وذاع صيتهم. وكان لغرناطة والمدن التابعة لها مثل مالقة الحظ الأوفر فى الحركتين العلمية والأدبية ونرى أمراءها منذ الأمير محمد الفقيه (٦٧١ - ٧٠١) يرعون العلماء والشعراء، وعرف باسم الفقية لدراسته الفقة أيام أبيه وشغفه به، ويبدو أنه كان شغوفا بكل فروع العلم حتى علوم الأوائل، يدل على ذلك استقدامه من مرسية لمحمد بن إبراهيم الأوسى ومحمد بن أحمد الرقوطى كى يدرسا للطلاب فى غرناطة العلوم الطبية والفلسفية (٦) ولعل أكبر أمير من بنى الأحمر نشطت دراسة العلوم فى عهده هو أبو الحجاج يوسف الأول

стр. 3707

(٧٣٣ - ٧٥٥) الذى أنشأ لأول مرة فى غرناطة-بل ربما أيضا فى الأندلس-مدرسة سماها المدرسة (١) النصرية. ومعروف أنه لم يكن لأهل الأندلس مدارس لتعليم فروع العلم، بل كانوا يدرسونها جميعا فى المساجد أو فى دور العلماء أنفسهم، إذ كان كثيرون منهم يعلمون الطلاب فى منازلهم، ولم يكن ذلك قاصرا على أصحاب علوم الأوائل بل كان عاما عند أصحاب العلوم اللغوية والدينية وأيضا عند بعض معلمى الكتاتيب. ومع أن الأندلس لم تعرف المدارس قبل القرن الثامن الهجرى فإن الحركة العلمية ازدهرت بها ازدهارا عظيما كما رأينا سواء فى المساجد أو فى منازل العلماء التى كانت تتحول إلى ما يشبه المدارس منذ القرنين الثانى والثالث الهجريين. وحظيت المرأة فى هذه الحركة العلمية بغير قليل من العلم والتعليم، ومعروف أن الإسلام يلزم أتباعه رجالا ونساء بأخذ قسط من التعليم فكان طبيعيا أن تقبل المرأة الأندلسية عليه حتى تتعرف على فروض دينها وخاصة من العبادات وحتى تحفظ أجزاء من القرآن وقد تحفظه جميعه. وكانت تتعلم بداخل الدور، وكان الأمراء يختارون المؤدبين لبناتهم ولجواريهم وكانت قصورهم تكتظ بهن، ومثلهم الوزراء وأصحاب الثراء. وتذكر كتب التراجم بجانب المؤدبين مؤدبات كن يتفرغن لتأديب الصبيان فى الصغر مثل ابنة حزم التى كانت تشترك مع أبيها وأخيها فى تأديب الناشئة بدار واحدة (٢) وكان قيام المؤدبين بهذه المهمة أوسع، ولم يكن هناك عالم فى أى فرع من فروع العلم إلا ويأخذ بناته بالتعليم المبكر. وكثيرات كن لا يكتفين بتعلم القراءة والكتابة وشئ من الحساب مع حفظ بعض المختارات من الشعر، بل كنّ يحاولن استيعاب العلوم ويتفرغن لإتقانها، واشتهرت البهاء بنت الأمير عبد الرحمن بن الحكم الربضى (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) بأنها كانت زاهدة عابدة متبتلة وكانت كما مر بنا تكتب المصاحف وتقفها على القراء بالمساجد (٣) وكانت تعاصرها أم الحسن بنت سليمان بن وانسوس وزير الأمير محمد والمنذر وعبد الله وقد تتلمذت للمحدث بقى بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ وروت عنه سماها منه وقراءة عليه، وصحبته، وكان لها يوم فى الجمعة تنفرد فيه به لأخذ العلم عنه بداره،

стр. 3708

وحجت وسمعت هنالك الحديث والفقه وعادت إلى الأندلس (١). ومن لداتها ورفيقاتها رقية بنت تمام بن عامر وزير الأمير محمد وكان أديبا شاعرا وأحسنت ابنته رقية الكتابة حتى اتخذتها ابنة الأمير المنذر بن محمد (٢٧٣ - ٢٧٥ هـ) كاتبة لها (٢). ومر بنا فى الفصل الماضى ثلاث من جوارى القصر الأموى كانت اثنتان منهن: مزنة وكتمان تكتبان للناصر، وكانت الثالثة لبنى تكتب للمستنصر، وكانت نظام كاتبة بقصر الخلافة أيام هشام المؤيد (٣٦٦ - ٣٩٩ هـ) وكانت أديبة بليغة تحسن تحبير الرسائل ومن إنشائها الرسالة التى عزّى فيها هشام المؤيد حاجبه المظفر بن المنصور بن أبى عامر عن أبيه وجدّد له العهد بالحجابة (٣) سنة ٣٩٢. ويدل على ما كان للجوارى فى قصور الخلفاء والوزراء وعلية القوم من ثقافة أنهن اللائى كن يقمن على تربية النّشء فى تلك القصور وهو ما يشهد به ابن حزم أحد أبناء الوزراء فى العهد الأموى إذ يقول عن نشأته فى أواخر القرن الرابع الهجرى بكتابه طوق الحمامة: «إننى ربّيت فى حجور الجوارى ونشأت بين أيديهن ولم أعرف غيرهن ولا جالست الرجال إلا وأنا فى حد الشباب وحين بقل (٤) وجهى وهن علمننى القرآن وروّيننى كثيرا من الأشعار» (٥). وتلقانا فى كتب التراجم من حين لآخر عالمات متعمقات فى العلم مثل ابنة فائز زوجة أبى عبد الله بن عتاب، وقد أخذت عن أبيها التفسير واللغة والعربية والشعر وعن زوجها الفقه ورحلت إلى دانية لأخذ القراءات السبع عن أبى عمرو الدانى المقرئ وكان قد سبقها إليه الموت فأخذت تلك القراءات عن تلميذه أبى داود بن نجاح فى آخر سنة ٤٤٤ للهجرة (٦). وكانت تعاصرها إشراق السويداء وقد برعت فى العربية واللغة والآداب واشتهرت بتقدمها فى علم العروض وعنها أخذه أبو داود المقرئ وقرأ عليها كامل المبرد وأمالى القالى (٧) واشتهرت فى تلك الحقبة جارية الطبيب ابن الكتانى بحسن الغناء وبإحسانها لعلم الطب وتشريح الأعضاء مما يقصر عنه كثيرون من أصحاب الصناعة. (٨) وتلقانا فى القرن السادس أم العز (٩) راوية قراءة ورش عن أم معفر إحدى زوجات محمد بن سعد بن مردنيش

стр. 3709

أمير شرقى الأندلس (٥٤٢ - ٥٦٨ هـ) كما تلقانا أم عمرو بنت عبد الملك بن زهر الطبيب وأخت أبى بكر وكانت تحذق الطب مثل أبيها وأخيها وكثيرين من أسرتها، وكانت الطبيبة لنساء الأمراء من بنى عبد المؤمن بإشبيلية وأطفالهم وجواريهم، وكانت تستفتى فى الطب لرجالهم فتزيد حظوة (١) عندهم، وتوفيت بعد سنة ٥٨٠ وتعد بحق- جدّة الطبيبات العربيات المعاصرات. وكثيرات هن العابدات المتبتلات اللائى كن يعظن النساء هناك مثل ناسكة تسمى رشيدة كانت تتجول فى بلدان الأندلس مذكرة للنساء وواعظة. (٢) ويذكرون عن محيى الدين بن عربى الصوفى المشهور أن من أهم من دفعوه إلى اعتناق التصوف زوجته مريم بنت محمد بن عبدون بما كان يسمعه من مواعظها ويشاهده من ورعها، وأهم منها فى دفعه إلى التصوف نونّة فاطمة بنت ابن المثنى القرطبية، وقد لزمها سنتين خادما ومريدا، مأخوذا بما كانت تذكره من تنبؤات غريبة. وسنلم فى موضع آخر بإقبال المرأة الأندلسية على التثقف بالشعر، مما هيأ لظهور شاعرات أندلسيات كثيرات. ٢ - علوم الأوائل-الفلسفة-علم الجغرافيا (أ) علوم الأوائل لم يكن فى إسبانيا قبل فتح العرب لها شئ واضح من علوم الأوائل فى الرياضيات وغير الرياضيات، ويبدو أن العرب أخذوا يجلبون أطرافا منها منذ أواخر القرن الثانى الهجرى مما ترجم فى بغداد عن اليونانية وغيرها، إذ يقول ابن سعيد فى ترجمة الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) إن أباه الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) عنى بتعليمه وتخريجه فى العلوم الحديثة والقديمة، حتى إذا استولى على صولجان الحكم بعد أبيه رأى أن يحدث فى الأندلس نهضة علمية بالتعرف الدقيق على علوم الأوائل مع رعاية الدولة لها، إذ يمضى ابن سعيد فى ترجمته قائلا إنه: وجّه عباس بن ناصح إلى العراق فى

стр. 3710

التماس الكتب القديمة، فأتاه بكتاب السند هند وغيره منها، وهو أول من أدخلها الأندلس وعرّف أهلها بها، ونظر هو فيها» (١). وعبد الرحمن الأوسط-بذلك-لم يدخل الكتب الخاصة بعلوم الأوائل من مثل كتاب السند هند المترجم عن السنسكريتية الهندية والخاص بعلم الحساب والهيئة والجداول الفلكية فحسب، بل إنه دفع الأندلسيين إلى تعلمها والتثقف بها. وكان ذلك فاتحة عصر جديد فى الأندلس: عصر دراسة علوم الأوائل، وسرعان ما نجد أندلسيا فى زمنه يقبل على دراسة علم الفلك والهيئة ويصبح منجما له هو عبد الله بن الشّمر، وكان شاعرا فكان الأمير عبد الرحمن الأوسط يجرى عليه راتبا للشعر وراتب للتنجيم، وكان رئيس المنجمين لعهده، وله معه فى التنجيم أخبار طريفة (٢). وابن الشمر رمز لاهتمام الأندلسيين فى القرن الثالث الهجرى منذ فواتحه بالفلك والتنجيم وما يتصل بهما من الرياضيات، وأخذوا سريعا يهتمون بالكيمياء والفلسفة، واشتهر بذلك كله عباس (٣) بن فرناس المتوفى سنة ٢٧٤ للهجرة فى أوائل أيام الأمير المنذر بن محمد (٢٧٣ - ٢٧٥ هـ.)، وفيه يقول ابن سعيد: «كان فيلسوفا حاذقا وشاعرا مفلقا مع علم التنجيم، وهو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة. . وكان كثير الاختراع والتوليد واسع الحيل حتى نسب إليه السحر وعمل الكيمياء» ويقول ابن حيان فى المقتبس: «أبدع عباس بن فرناس عندنا فى فنون التعاليم القديمة والحديثة وتفلسف وأغرب فى غير مذهب من الحكمة وخدمة الموسيقى وضرب العود وصوغ اللحون». وبلغ من علمه بالفلك أن صنع فى بيته قبة على هيئة السماء تتراءى للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود، ويقول ابن سعيد إنه احتال فى تطيير جثمانه، فكسا نفسه الريش على سرق (شقق) الحرير فتهيأ له أن طار فى الجو من ناحية الرصافة بقرطبة واستقل فى الهواء فحلّق فيه حتى وقع على مسافة بعيدة. وتأخذ علوم الأوائل وما يتصل بها من الفلسفة فى النمو منذ عصر الأمير محمد

стр. 3711

(٢٣٨ - ٢٧٣ هـ.)، ولم يبق حينئذ كتاب مهم فى علوم الأوائل ببغداد ودمشق والقاهرة والإسكندرية إلا جلب وأكبّ العلماء عليه يدرسونه. وطبيعى لذلك أن يظهر فى عهد المستنصر مسلمة (١) المجريطى المتوفى سنة ٣٩٨ وهو يفتتح سلسلة الرياضيين الأندلسيين العظام، وسرعان ما يصبح أستاذ مدرسة رياضية أندلسية، ومن أعماله شرحه لقبة الفلك لبطليموس وقد ترجم إلى اللاتينية فى بازل بسويسرا سنة ١٥٣٦ بعنوان: «سرعة أفلاك السماء ونجومها وطبيعتها وحركتها» وبالمثل ترجمت له إلى اللاتينية رسالة فى الأسطرلاب وزيج محمد بن موسى الخوارزمى أو جداوله الفلكية وقد حوّلها من التاريخ الفارسى إلى التاريخ العربى وزاد فيها جداول حسنة، وله ملخص لزيج البتّانى سماه تعديل الكواكب. وخلفه فى الرياضيات كثير من التلاميذ مما يدل على أن أمر المنصور بن أبى عامر فى زمن حجابته باحراق كتب علوم الأوائل-كما مرّ بنا-كان حدثا عارضا، وظلّ لعلوم الأوائل رياضيات وغير رياضيات نشاطها فى بلدان الأندلس. ومن أهم تلاميذ مسلمة الرياضيين أبو القاسم (٢) أصبغ بن محمد بن السمح الغرناطى المتوفى سنة ٤٢٥ وكان رياضيا بارعا فى الحساب والهندسة وهيئة الأفلاك وحركات النجوم وله «المدخل إلى الهندسة» فى تفسير كتاب إقليدس وكتب مختلفة فى الحساب، وكتابان فى الأسطرلاب أحدهما فى التعريف بصورة صنعته والآخر فى العمل به، وله أيضا زيج فلكى انتفع به وبكتاباته الفلكية ألفونس العاشر وعلماؤه. ومن تلاميذ مسلمة ابن الصفّار (٣) أحمد بن عبد الله الغافقى، وله زيج جيد ورسالة فى العمل بالأسطرلاب، وكان يعلّم فى قرطبة علوم العدد والهندسة والنجوم، وهاجر منها-زمن الفتنة فى أوائل القرن الخامس الهجرى-إلى دانية لعهد صاحبها مجاهد العامرى وظل بها إلى وفاته سنة ٤٢٤. ومن تلاميذ مسلمة أيضا الكرمانى (٤) عمرو بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٤٥٨ عن تسعين

стр. 3712

عاما وقد رحل إلى المشرق وجلب معه-لأول مرة-إلى الأندلس-رسائل إخوان الصفا، واستقر بسرقسطة عند بنى هود فى رعاية المقتدر بالله بن هود أميرها (٤٣٨ - ٤٧٤ هـ) وكان يشغف بالرياضيات والفلك والفلسفة، وخلفه ابنه يوسف المؤتمن إلى أن توفى سنة ٤٧٨ وكان يكبّ على الرياضيات وله فيها كتاب المناظر، وله أيضا كتاب الاستهلال فى الفلك (١). ولعل فى التلامذة السابقين لمسلمة المجريطى ما يدل من بعض الوجوه على أن أمراء الطوائف كانوا يأخذون أنفسهم بتشجيع العلماء، وكانت منافسة حميدة بينهم، ولا يلبث أن يظهر فى عصرهم علم الرياضيات الزّرقالى (٢) القرطبى المتوفى سنة ٤٧٢ وهو من أعاظم علماء الفلك العرب، وله زيج أو جداول فلكية وأسطرلاب واخترع له أجهزة دقيقة كالزرقالية والصفيحة. وابتكر فى الفلك نظرية جديدة مهمة عن الكواكب السيارة والحركات الدائرية للنجوم، واستخدم ألفونس العاشر وعلماؤه من مؤلفاته رسالة فى العمل بأسطرلاب الصفيحة، وكما ترجمت إلى الإسبانية القديمة أو القشتالية ترجمت إلى اللاتينية ومثلها كتابه «طريقة فى عمل أسطرلاب لرصد الكواكب السبعة وأفلاكها». وينتهى عصر أمراء الطوائف وتدخل الأندلس فى حوزة المرابطين منذ سنة ٥٨٤ للهجرة ويكون للفقهاء سلطان كبير فى عهدهم ولكنه لا يعوق نشاط الرياضيين والفلكيين وغيرهم من أصحاب علوم الأوائل والفلسفة، ويظل المرابطون فى الأندلس حتى أواخر العقد الرابع من القرن السادس الهجرى ويلمع فى عصرهم اسم جابر (٣) بن أفلح الإشبيلى وله كتاب فى حساب المثلثات، عرضها فيه بطريقة مبتكرة، وأهم منه كتابه فى علم النجوم الذى سماه إصلاح المجسطى، وفيه عرض ملاحظات دقيقة عن منازل الشمس وحركات الكواكب، وهو أحد الكتب التى تعد بالعشرات مما ترجمه إلى اللاتينية جيرار دى كريمونا المتوفى بطليطلة سنة ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م. وتخلف دولة الموحدين دولة المرابطين فى الأندلس منذ العقد الخامس فى القرن السادس الهجرى، ويتألق فى عهدهم بالنصف الثانى من القرن اسم عالم رياضى إشبيلى عربى يعدّ فى طليعة الرياضيين

стр. 3713

العالميين، ونقصد البطروجى (١) أبا إسحق نور الدين (من أهل النصف الأول من القرن الثانى عشر الميلادى) وأصله من بطروج قرية كبيرة بقرب قرطبة، وترجع شهرته وأهميته إلى كتابه الفلكى فى علم الهيئة، إذ قوّض فيه نظرية بطليموس فى كتابه المجسطى عن الكواكب السيارة قائلا إنها تتحرك فى مدارات إهليليجية أو بيضاوية حول الشمس، وترجم هذا الكتاب الفلكى سريعا إلى اللاتينية ميشيل سكوت حين نزل طليطلة واطّلع عليه حوالى سنة ٦١٤ هـ/١٢١٧ م وبذلك أدخل نظرية البطروجى الفلكية مبكرا إلى العالم الغربى وترجمها إلى العبرية موسى بن طبّون سنة ٦٥٧ هـ/١٢٥٩ م ونقلها عن العبرية إلى اللاتينية قالينيموس بن داود سنة ٩٣٥ هـ/١٥٢٩ ونشرت ترجمته فى البندقية سنة ٩٣٧ هـ/١٥٣١ م. وبدون ريب اطلع كبلر (٢) الألمانى (١٥٧١ - ١٦٣٠ م) على تلك النظرية الفلكية وصاغ منها نظريته الفلكية التى استخرج منها نيوتن قانون الجاذبية، وبذلك عدّ كبلر أبا لعلم الفلك الحديث، وهو ليس أباه الشرعى، فأبوه الشرعى الحقيقى هو البطروجى الإشبيلى العربى. وتوقف هذا النشاط فى الدراسات الفلكية بإشبيلية منذ سقطت فى يد فرناند ملك القشتاليين سنة ٦٤٦ هـ/١٢٤٨ م. ولم تسقط إشبيلية وحدها فى أيدى المسيحيين الشماليين من الإسبان بل سقطت قرطبة وغيرها من مدن كثيرة فى الأندلس، وأخذ النشاط فى علوم الأوائل ينحسر عن أكثر تلك المدن وينحاز إلى إمارة غرناطة التى ظلت للعرب فى الجنوب نحو قرنين ونصف وقد هاجر إليها من مدينة مرسية الرّقوطى (٣) محمد بن أحمد وتوفى بها سنة ٧٤٤ هـ/١٣٤٤ م وكان قد اشتهر بحذقه بالرياضيات فى مسقط رأسه وتوافد عليه الطلاب من كل ملة، وسمع به أمير غرناطة محمد بن يوسف بن الأحمر المعروف باسم الأمير محمد الفقيه فاستدعاه لتدريس الرياضيات للطلاب فى حاضرته، ولبّاه سريعا، ويختتم الرياضيين الأندلسيين فى نهاية القرن التاسع الهجرى القلصادى (٤) على بن محمد القرشى وقد بارح غرناطة قبيل سقوطها إلى بلاد المغرب وتوفى ببجاية سنة ٨٩١ هـ/١٤٨٦ م وظلت كتبه تتدارس فى المغرب طويلا وخاصة كتابه كشف الجلباب عن علم الحساب.

стр. 3714

وازدهر الطب فى الأندلس-مثل علوم الرياضة والفلك-ويقول ابن جلجل إنه لم يكن للنصارى الإسبان بصر بالطب ولا بالهندسة والفلسفة حتى عهد عبد الرحمن الأوسط (١) (٢٠٦ - ٢٣٨) ويمكن أن نعمم ذلك فى الأندلسيين بعامة، كما مرّ بنا آنفا، فإنهم انتظروا فى ذلك كله حتى جلب لهم هذا الأمير علوم الأوائل من بغداد والمشرق. وكان أول من اشتهر ببراعته فى الطب لعهد ابنه الأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) طبيب يسمى حمدين (٢) بن أبان وكان-كما يقول ابن جلجل-طبيبا حاذقا، ووفد على قرطبة حينئذ طبيب من المشرق يسمى الحرانى (٣) اشتهر بدواء لأوجاع الجوف سماه المغيث، ويذكر ابن جلجل فى عهد الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) طبيبا يسمى إسحق وآخر يسمى ابن ملوكة (٤). ثم أخذ علم الطب فى الازدهار لعهد عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) إذ كثر دخول الكتب الطبية من المشرق إلى الأندلس، ومن الأطباء الذين اشتهروا فى صدر دولته يحيى (٥) بن إسحق الطبيب السالف، وكان يعالج بنات الناصر وجواريه، وله فى الطب كتاب فى خمسة أسفار. ومن أطباء العيون حينئذ سليمان (٦) بن باج، وكان يعاصره سعيد (٧) بن عبد الرحمن ابن أخى عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، توفى سنة ٣٤٢ وكان حاذقا فى علاج الحميات، وله كتاب فى الصيدلة. ومن الأطباء لعصر المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) أحمد (٨) بن يونس وأخوه عمر وكانا قد رحلا إلى المشرق سنة ٣٤٠ وتتلمذا لثابت بن سنان بن قرة الطبيب المشهور ببغداد وقرآ عليه كتاب جالينوس، واختلفا إلى ابن وصيف الحرانى وأخذا عنه علاج أمراض العيون، وعادا إلى قرطبة سنة ٣٥١ فاستخلصهما المستنصر لنفسه، وتوفى عمر، وظل المستنصر حفيا بأحمد وأسكنه قصره بمدينة الزهراء وكان ماهرا فى علاج أمراض

стр. 3715

العيون كما كان صيدلانيا حاذقا، وكان يعاصره محمد (١) بن عبدون الجبلى وكان قد رحل إلى المشرق سنة ٣٤٧ وأقام بالفسطاط ودبّر مارستانها وعاد إلى قرطبة سنة ٣٦٠ وخدم المستنصر وابنه المؤيد (٣٦٦ - ٣٩٩ هـ). وحاجبه المنصور بن أبى عامر. وتتوّج النهضة الطبية حينئذ بالزهراوى (٢) أبى القاسم خلف بن عباس، وهو منسوب إلى الزهراء مدينة الناصر التى بناها غربى قرطبة، وقد خدمه-فيما يبدو-وخدم ابنه المستنصر وحفيده المؤيد وتوفى سنة ٤٠٤ هـ/١٠١٣ م وقد ألف موسوعة طبية كبيرة فى ثلاثين جزءا، بعنوان كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، وجعلها أقساما ثلاثة: قسما فى الطب العام والأمراض وقسما فى الصيدلة وقسما فى الجراحة، وعنى جيراردى الكربمونى فى القرن الثانى عشر بترجمة قسم الجراحة من الكتاب إلى اللاتينية وترجم أجزاء أخرى منه. وعكف آخرون بعده على ترجمة بعض أجزائه. وتمت ترجمة قسم الصيدلة إلى اللاتينية سنة ١٢٢٨. وأخذت هذه الترجمات تنتشر فى البلدان الغربية، حتى إذا ظهرت المطبعة فى القرن الخامس عشر اتسع انتشار الكتاب فى الغرب، وظل يدرس فى الجامعات الأوربية من القرن الثانى عشر إلى القرن السابع عشر وخاصة قسم الجراحة منه، إذ ظل الجراحون الأوربيون يعدّون الزهراوى إمامهم فى الجراحة سواء فى جراحة العظام أو فى جراحة الحصاة فى المثانة والمهبل والشق عنها وتفتيتها وعمليات الفتق والدوالى وأمراض النساء والعيون وطب الأسنان وزرعها. وضمّن هذا القسم تصوير آلات الجراحة، وهى تتوالى عنده بالعشرات مع بيان كيفية استعمالها، وهو بكل ذلك يعد أبا للجراحة العالمية، كما يعد البطروجى السالف الذكر أبا لعلم الفلك العالمى. ويظل علم الطب فى الأندلس مزدهرا فى عصر أمراء الطوائف وكذلك فى عصر المرابطين والموحدين، ويتوارث فى بعض البيوت مثل بيت بنى زهر بإشبيلية، وقد أنجب سلسلة من الأطباء المشهورين فى القرنين الخامس والسادس للهجرة يتقدمهم عبد الملك (٣) جدهم وكان ماهرا فى صناعة الطب، وطارت شهرته بها فى عصر أمراء
следующие страницы →