(٢٣٨ - ٢٧٣ هـ.)، ولم يبق حينئذ كتاب مهم فى علوم الأوائل ببغداد ودمشق والقاهرة والإسكندرية إلا جلب وأكبّ العلماء عليه يدرسونه. وطبيعى لذلك أن يظهر فى عهد المستنصر مسلمة (١) المجريطى المتوفى سنة ٣٩٨ وهو يفتتح سلسلة الرياضيين الأندلسيين العظام، وسرعان ما يصبح أستاذ مدرسة رياضية أندلسية، ومن أعماله شرحه لقبة الفلك لبطليموس وقد ترجم إلى اللاتينية فى بازل بسويسرا سنة ١٥٣٦ بعنوان: «سرعة أفلاك السماء ونجومها وطبيعتها وحركتها» وبالمثل ترجمت له إلى اللاتينية رسالة فى الأسطرلاب وزيج محمد بن موسى الخوارزمى أو جداوله الفلكية وقد حوّلها من التاريخ الفارسى إلى التاريخ العربى وزاد فيها جداول حسنة، وله ملخص لزيج البتّانى سماه تعديل الكواكب.
وخلفه فى الرياضيات كثير من التلاميذ مما يدل على أن أمر المنصور بن أبى عامر فى زمن حجابته باحراق كتب علوم الأوائل-كما مرّ بنا-كان حدثا عارضا، وظلّ لعلوم الأوائل رياضيات وغير رياضيات نشاطها فى بلدان الأندلس.
ومن أهم تلاميذ مسلمة الرياضيين أبو القاسم (٢) أصبغ بن محمد بن السمح الغرناطى المتوفى سنة ٤٢٥ وكان رياضيا بارعا فى الحساب والهندسة وهيئة الأفلاك وحركات النجوم وله «المدخل إلى الهندسة» فى تفسير كتاب إقليدس وكتب مختلفة فى الحساب، وكتابان فى الأسطرلاب أحدهما فى التعريف بصورة صنعته والآخر فى العمل به، وله أيضا زيج فلكى انتفع به وبكتاباته الفلكية ألفونس العاشر وعلماؤه. ومن تلاميذ مسلمة ابن الصفّار (٣) أحمد بن عبد الله الغافقى، وله زيج جيد ورسالة فى العمل بالأسطرلاب، وكان يعلّم فى قرطبة علوم العدد والهندسة والنجوم، وهاجر منها-زمن الفتنة فى أوائل القرن الخامس الهجرى-إلى دانية لعهد صاحبها مجاهد العامرى وظل بها إلى وفاته سنة ٤٢٤.
ومن تلاميذ مسلمة أيضا الكرمانى (٤) عمرو بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٤٥٨ عن تسعين
стр. 3712
عاما وقد رحل إلى المشرق وجلب معه-لأول مرة-إلى الأندلس-رسائل إخوان الصفا، واستقر بسرقسطة عند بنى هود فى رعاية المقتدر بالله بن هود أميرها (٤٣٨ - ٤٧٤ هـ) وكان يشغف بالرياضيات والفلك والفلسفة، وخلفه ابنه يوسف المؤتمن إلى أن توفى سنة ٤٧٨ وكان يكبّ على الرياضيات وله فيها كتاب المناظر، وله أيضا كتاب الاستهلال فى الفلك (١).
ولعل فى التلامذة السابقين لمسلمة المجريطى ما يدل من بعض الوجوه على أن أمراء الطوائف كانوا يأخذون أنفسهم بتشجيع العلماء، وكانت منافسة حميدة بينهم، ولا يلبث أن يظهر فى عصرهم علم الرياضيات الزّرقالى (٢) القرطبى المتوفى سنة ٤٧٢ وهو من أعاظم علماء الفلك العرب، وله زيج أو جداول فلكية وأسطرلاب واخترع له أجهزة دقيقة كالزرقالية والصفيحة. وابتكر فى الفلك نظرية جديدة مهمة عن الكواكب السيارة والحركات الدائرية للنجوم، واستخدم ألفونس العاشر وعلماؤه من مؤلفاته رسالة فى العمل بأسطرلاب الصفيحة، وكما ترجمت إلى الإسبانية القديمة أو القشتالية ترجمت إلى اللاتينية ومثلها كتابه «طريقة فى عمل أسطرلاب لرصد الكواكب السبعة وأفلاكها».
وينتهى عصر أمراء الطوائف وتدخل الأندلس فى حوزة المرابطين منذ سنة ٥٨٤ للهجرة ويكون للفقهاء سلطان كبير فى عهدهم ولكنه لا يعوق نشاط الرياضيين والفلكيين وغيرهم من أصحاب علوم الأوائل والفلسفة، ويظل المرابطون فى الأندلس حتى أواخر العقد الرابع من القرن السادس الهجرى ويلمع فى عصرهم اسم جابر (٣) بن أفلح الإشبيلى وله كتاب فى حساب المثلثات، عرضها فيه بطريقة مبتكرة، وأهم منه كتابه فى علم النجوم الذى سماه إصلاح المجسطى، وفيه عرض ملاحظات دقيقة عن منازل الشمس وحركات الكواكب، وهو أحد الكتب التى تعد بالعشرات مما ترجمه إلى اللاتينية جيرار دى كريمونا المتوفى بطليطلة سنة ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م. وتخلف دولة الموحدين دولة المرابطين فى الأندلس منذ العقد الخامس فى القرن السادس الهجرى، ويتألق فى عهدهم بالنصف الثانى من القرن اسم عالم رياضى إشبيلى عربى يعدّ فى طليعة الرياضيين
стр. 3713
العالميين، ونقصد البطروجى (١) أبا إسحق نور الدين (من أهل النصف الأول من القرن الثانى عشر الميلادى) وأصله من بطروج قرية كبيرة بقرب قرطبة، وترجع شهرته وأهميته إلى كتابه الفلكى فى علم الهيئة، إذ قوّض فيه نظرية بطليموس فى كتابه المجسطى عن الكواكب السيارة قائلا إنها تتحرك فى مدارات إهليليجية أو بيضاوية حول الشمس، وترجم هذا الكتاب الفلكى سريعا إلى اللاتينية ميشيل سكوت حين نزل طليطلة واطّلع عليه حوالى سنة ٦١٤ هـ/١٢١٧ م وبذلك أدخل نظرية البطروجى الفلكية مبكرا إلى العالم الغربى وترجمها إلى العبرية موسى بن طبّون سنة ٦٥٧ هـ/١٢٥٩ م ونقلها عن العبرية إلى اللاتينية قالينيموس بن داود سنة ٩٣٥ هـ/١٥٢٩ ونشرت ترجمته فى البندقية سنة ٩٣٧ هـ/١٥٣١ م. وبدون ريب اطلع كبلر (٢) الألمانى (١٥٧١ - ١٦٣٠ م) على تلك النظرية الفلكية وصاغ منها نظريته الفلكية التى استخرج منها نيوتن قانون الجاذبية، وبذلك عدّ كبلر أبا لعلم الفلك الحديث، وهو ليس أباه الشرعى، فأبوه الشرعى الحقيقى هو البطروجى الإشبيلى العربى. وتوقف هذا النشاط فى الدراسات الفلكية بإشبيلية منذ سقطت فى يد فرناند ملك القشتاليين سنة ٦٤٦ هـ/١٢٤٨ م.
ولم تسقط إشبيلية وحدها فى أيدى المسيحيين الشماليين من الإسبان بل سقطت قرطبة وغيرها من مدن كثيرة فى الأندلس، وأخذ النشاط فى علوم الأوائل ينحسر عن أكثر تلك المدن وينحاز إلى إمارة غرناطة التى ظلت للعرب فى الجنوب نحو قرنين ونصف وقد هاجر إليها من مدينة مرسية الرّقوطى (٣) محمد بن أحمد وتوفى بها سنة ٧٤٤ هـ/١٣٤٤ م وكان قد اشتهر بحذقه بالرياضيات فى مسقط رأسه وتوافد عليه الطلاب من كل ملة، وسمع به أمير غرناطة محمد بن يوسف بن الأحمر المعروف باسم الأمير محمد الفقيه فاستدعاه لتدريس الرياضيات للطلاب فى حاضرته، ولبّاه سريعا، ويختتم الرياضيين الأندلسيين فى نهاية القرن التاسع الهجرى القلصادى (٤) على بن محمد القرشى وقد بارح غرناطة قبيل سقوطها إلى بلاد المغرب وتوفى ببجاية سنة ٨٩١ هـ/١٤٨٦ م وظلت كتبه تتدارس فى المغرب طويلا وخاصة كتابه كشف الجلباب عن علم الحساب.
стр. 3714
وازدهر الطب فى الأندلس-مثل علوم الرياضة والفلك-ويقول ابن جلجل إنه لم يكن للنصارى الإسبان بصر بالطب ولا بالهندسة والفلسفة حتى عهد عبد الرحمن الأوسط (١) (٢٠٦ - ٢٣٨) ويمكن أن نعمم ذلك فى الأندلسيين بعامة، كما مرّ بنا آنفا، فإنهم انتظروا فى ذلك كله حتى جلب لهم هذا الأمير علوم الأوائل من بغداد والمشرق. وكان أول من اشتهر ببراعته فى الطب لعهد ابنه الأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) طبيب يسمى حمدين (٢) بن أبان وكان-كما يقول ابن جلجل-طبيبا حاذقا، ووفد على قرطبة حينئذ طبيب من المشرق يسمى الحرانى (٣) اشتهر بدواء لأوجاع الجوف سماه المغيث، ويذكر ابن جلجل فى عهد الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) طبيبا يسمى إسحق وآخر يسمى ابن ملوكة (٤). ثم أخذ علم الطب فى الازدهار لعهد عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) إذ كثر دخول الكتب الطبية من المشرق إلى الأندلس، ومن الأطباء الذين اشتهروا فى صدر دولته يحيى (٥) بن إسحق الطبيب السالف، وكان يعالج بنات الناصر وجواريه، وله فى الطب كتاب فى خمسة أسفار. ومن أطباء العيون حينئذ سليمان (٦) بن باج، وكان يعاصره سعيد (٧) بن عبد الرحمن ابن أخى عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، توفى سنة ٣٤٢ وكان حاذقا فى علاج الحميات، وله كتاب فى الصيدلة. ومن الأطباء لعصر المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) أحمد (٨) بن يونس وأخوه عمر وكانا قد رحلا إلى المشرق سنة ٣٤٠ وتتلمذا لثابت بن سنان بن قرة الطبيب المشهور ببغداد وقرآ عليه كتاب جالينوس، واختلفا إلى ابن وصيف الحرانى وأخذا عنه علاج أمراض العيون، وعادا إلى قرطبة سنة ٣٥١ فاستخلصهما المستنصر لنفسه، وتوفى عمر، وظل المستنصر حفيا بأحمد وأسكنه قصره بمدينة الزهراء وكان ماهرا فى علاج أمراض
стр. 3715
العيون كما كان صيدلانيا حاذقا، وكان يعاصره محمد (١) بن عبدون الجبلى وكان قد رحل إلى المشرق سنة ٣٤٧ وأقام بالفسطاط ودبّر مارستانها وعاد إلى قرطبة سنة ٣٦٠ وخدم المستنصر وابنه المؤيد (٣٦٦ - ٣٩٩ هـ). وحاجبه المنصور بن أبى عامر.
وتتوّج النهضة الطبية حينئذ بالزهراوى (٢) أبى القاسم خلف بن عباس، وهو منسوب إلى الزهراء مدينة الناصر التى بناها غربى قرطبة، وقد خدمه-فيما يبدو-وخدم ابنه المستنصر وحفيده المؤيد وتوفى سنة ٤٠٤ هـ/١٠١٣ م وقد ألف موسوعة طبية كبيرة فى ثلاثين جزءا، بعنوان كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، وجعلها أقساما ثلاثة: قسما فى الطب العام والأمراض وقسما فى الصيدلة وقسما فى الجراحة، وعنى جيراردى الكربمونى فى القرن الثانى عشر بترجمة قسم الجراحة من الكتاب إلى اللاتينية وترجم أجزاء أخرى منه. وعكف آخرون بعده على ترجمة بعض أجزائه. وتمت ترجمة قسم الصيدلة إلى اللاتينية سنة ١٢٢٨. وأخذت هذه الترجمات تنتشر فى البلدان الغربية، حتى إذا ظهرت المطبعة فى القرن الخامس عشر اتسع انتشار الكتاب فى الغرب، وظل يدرس فى الجامعات الأوربية من القرن الثانى عشر إلى القرن السابع عشر وخاصة قسم الجراحة منه، إذ ظل الجراحون الأوربيون يعدّون الزهراوى إمامهم فى الجراحة سواء فى جراحة العظام أو فى جراحة الحصاة فى المثانة والمهبل والشق عنها وتفتيتها وعمليات الفتق والدوالى وأمراض النساء والعيون وطب الأسنان وزرعها. وضمّن هذا القسم تصوير آلات الجراحة، وهى تتوالى عنده بالعشرات مع بيان كيفية استعمالها، وهو بكل ذلك يعد أبا للجراحة العالمية، كما يعد البطروجى السالف الذكر أبا لعلم الفلك العالمى.
ويظل علم الطب فى الأندلس مزدهرا فى عصر أمراء الطوائف وكذلك فى عصر المرابطين والموحدين، ويتوارث فى بعض البيوت مثل بيت بنى زهر بإشبيلية، وقد أنجب سلسلة من الأطباء المشهورين فى القرنين الخامس والسادس للهجرة يتقدمهم عبد الملك (٣) جدهم وكان ماهرا فى صناعة الطب، وطارت شهرته بها فى عصر أمراء
стр. 3716
الطوائف إلى أن توفى سنة ٤٦٧ للهجرة، وعنه تلقن الطب ابنه أبو العلاء (١) طبيب المعتمد بن عباد ثم يوسف بن تاشفين أمير المرابطين وابنه على إلى أن توفى سنة ٥٢٥ للهجرة، وله فى الطب تصانيف متعددة، ذكرها ابن أبى أصيبعة، وقال إن أمير المرابطين على بن يوسف بن تاشفين أمر بجمعها ونسخها فى السنة التالية لوفاته، ومن أهمها كتاب التذكرة (ويسمى أحيانا باسم كتاب النكت) وقد نشره جبرييل كولان بالعربية والفرنسية فى باريس سنة ١٩١١ وعليه تتلمذ ابنه عبد الملك (٢) طبيب المرابطين ثم الموحدين إلى أن توفى سنة ٥٥٧ للهجرة ولم يكن بزمانه من يماثله فى صناعة الطب واشتغل الأطباء بمصنفاته وقد بقى منها ثلاثة إلى اليوم، هى: كتاب الاقتصاد فى إصلاح الأنفس والأجساد وهو فى الطب الباطنى، وكتاب الأغذية والأدوية وهو فى الصيدلة والأدوية المفردة، وكتاب التيسير، وقد كتبه تلبية لطلب من ابن رشد، وهو فى الطب العملى، وترجم إلى اللاتينية، وطبعت الترجمة فى البندقية سنة ١٤٩٠ للميلاد، ويقول ألدومييلى: «يعد عبد الملك بن زهر أعظم طبيب عربى عملى (كلينيكى) بعد الرازى».
وأخذ عنه صناعة الطب ابنه أبو بكر بن زهر الوشاح والشاعر المشهور، الذى انفرد بالإمامة فى الطب لزمنه إلى أن توفى سنة ٥٩٥ ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن أخته -الملقبة باسم أم عمرو-كانت طبيبة ماهرة، وكانت تعالج نساء الموحدين. واتصل الاهتمام بصناعة الطب فى هذا البيت، فكان عبد الله (٣) بن أبى بكر بن زهر طبيبا حاذقا وخدم الناصر الموحدى (٥٩٥ - ٦١٠ هـ) إلى أن توفّى سنة ٦٠٢ وورث صناعة الطب عنه ابنه أبو العلاء. واشتهر لأبى الوليد بن رشد فيلسوف الأندلس المتوفى سنة ٥٩٥ كتاب الكليات فى الطب، ويعرض فيه التشريح ووظائف الأعضاء، كما يعرض الأمراض وأعراضها والأدوية والأغذية والعلاج وحفظ الصحة، وقد ترجم إلى اللاتينية فى منتصف القرن الثالث عشر وطبعت الترجمة سنة ١٤٨٢ وتكررت بعد ذلك طبعاته مع كتب أبى العلاء زهر، وتلقّن صناعة الطب عن ابن رشد ابنه أبو محمد (٤) عبد الله وخدم بها الناصر
стр. 3717
الموحدى. وتظل عناية الأندلسيين بالطب متصلة زمن بنى الأحمر بغرناطة، ويؤلف ابن خاتمة المتوفى سنة ٧٧٠ رسالة فى وصف وباء الطاعون الذى اجتاح مدينة المرية سنتى ٧٤٩، ٧٥٠ يصف فيها العدوى وأسبابها ومرض الطاعون وصفا طبيا. ويؤلف معاصره لسان الدين بن الخطيب فى الطب كتابا فى جزءين عن الأمراض والحميات والجراحة.
وكان طبيعيا أن ينشط علم الأدوية أو الصيدلة مع علم الطب إذ هما صنوان، غير أن نشاطه يتسع منذ ترجمة كتاب ديوسقوريدس فى الحشائش والأدوية لعهد عبد الرحمن الناصر، على نحو ما مرّ بنا، وكان له تأثير بعيد فى نهضة علم الصيدلة والأدوية بالأندلس. ومر بنا ذكر أحمد بن يونس طبيب العيون لعهد المستنصر، وكان حاذقا فى صناعة الأدوية والأشربة، ويقول ابن جلجل فى ترجمته إنه تولى خزانة الطب فى قصر المستنصر، ورتّب لها اثنى عشر صبيّا صقالية طبّاخين للأشربة صانعين للمعجونات. ونلتقى فى عصر المؤيد وحاجبه المنصور بن أبى عامر بصيدلى يسمى عبد الرحمن بن إسحق بن الهيثم، إذ ذكر له ابن أبى أصيبعة (١) كتابا يسمى كتاب الكمال والتمام فى الأدوية المسهلة والمقيّئة. وأعظم صيادلة القرن الرابع أبو داود سليمان بن حسان المعروف باسم ابن جلجل (٢) مؤلف طبقات الأطباء والحكماء الذى يتردد ذكره فى الهوامش، وأهم كتبه تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديوسقوريدس، وقد فسرها فى الكتاب وأفصح عن مضمونها، وله مقالة فى ذكر أدوية لم يذكرها ديوسقوريدس فى كتابه مما يستعمل فى صناعة الطب، ومقالة ثانية فى أدوية الترياق. وكان يعاصره حامد بن (٣) سمجون وله كتاب فى الأدوية المفردة والعقاقير حظى بغير قليل من الشهرة. واطرد نشاط الصيادلة فى عصر أمراء الطوائف، وأهم صيدلى فى عصرهم ابن (٤) وافد عبد الرحمن بن محمد المتوفى سنة ٤٦٦ للهجرة، وفيه يقول صاعد: «تمهّر فى علم الأدوية المفردة حتى ضبط منها ما لم يضبطه أحد فى عصره، وألف فيها كتابا جليلا لا نظير له، جمع فيه ما تضمنه كتاب ديوسقوريدس وكتاب جالينوس المؤلفان فى الأدوية المفردة ورتّبه أحسن ترتيب، وله
стр. 3718
نوادر محفوظة فى الإبراء من العلل الصعبة بأيسر العلاج وأقربه. وقد استوطن طليطلة، ووزر فيها-حتى وفاته-لأميرها المأمون بن ذى النون. وتسند كتب الصيدلة حينئذ كتب ألّفت فى الفلاحة والنباتات والأشجار، من أهمها كتاب المقنع فى الفلاحة لابن (١) حجاج الإشبيلى المؤلف سنة ٤٦٧ وقد نشره مجمع اللغة العربية الأردنى. وهو يفيض فى بيان الزراعة والغراسة لمختلف البقول والفواكه والثمار وخاصة الزيتون مع بيان معالجة الافات والامراض، وعلى شاكلة هذا الكتاب فى الفلاحة كتاب لأبى عبيد البكرى الجغرافى المتوفى سنة ٤٨٧ وهو فى نباتات الأندلس وأشجارها، وكتاب لابن بصال المتوفى سنة ٤٩٩ بعنوان: «القصد والبيان».
ونمضى إلى القرن السادس الهجرى، ونلتقى فيه بصيدلى كبير هو أحمد (٢) بن محمد الغافقى المتوفى سنة ٥٥٩ للهجرة صاحب كتاب الأدوية المفردة فى العقاقير والأعشاب، وسقط الكتاب من يد الزمن، غير أن ابن البيطار احتفظ فى كتبه بنحو مائتى نقل عنه، وأيضا فإن ابن العبرى المتوفى سنة ٦٨٤ كان قد وضع له مختصرا ونشره جورج صبحى وماكس مايرهوف بالقاهرة. ونلتقى بعده بابن (٣) العوام أبى زكريا يحيى بن محمد صاحب كتاب الفلاحة المنشور بمدريد، وهو موسوعة تاريخية نفيسة فى علم النبات، وقد عدّد منه ٥٨٥ نوعا منها أكثر من خمسين من الأشجار المثمرة. وممن تعمقوا فى دراسة النباتات فى الكتب الإغريقية والعربية أحمد بن محمد بن مفرج المعروف بلقبه ابن الرومية (٤) الإشبيلى المتوفى سنة ٦٣٧ وقد نزل مصر فى طريقه إلى الحج سنة ٦١٣ وتجوّل فى الشام والعراق وعاد إلى موطنه، وله تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديوسقوريدس، ومقالة فى تركيب الأدوية، وأعظم ما أهداه إلى الصيدلة تلميذه ابن البيطار (٥) أهم صيادلة العرب أندلسيين وغير أندلسيين، وهو ضياء الدين عبد الله بن أحمد، وقد تجول فى نواحى المغرب والشام وآسيا الصغرى وبلاد اليونان والروم، واستقر بالقاهرة وجعله السلطان الكامل
стр. 3719
رئيسا على العشّابين بمصر، وظل يرأسهم فى عهد ابنه السلطان الصالح نجم الدين أيوب إلى أن توفى بدمشق سنة ٦٤٦ ويقول ابن أبى أصيبعة عنه: أوحد زمنه فى معرفة النبات ومواضعه ونعته وماهيته. وأهم كتبه كتابان ألفهما باسم السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وهما: كتاب «الجامع لمفردات الأغذية والأدوية» المطبوع ببولاق فى أربعة مجلدات وهو معجم أبجدى للأدوية والأغذية يضم أكثر من ٢٣٣٠ مادة جمع منها كل ما ذكره السابقون من اليونان والعرب عن الأدوية وزاد عليهم ثلاثمائة دواء لم يذكرها أحد قبله، ويذكر أسماء الأدوية باليونانية، ويضيف كثيرا أسماءها بالفارسية والبربرية والإسبانية الدارجة. والكتاب الثانى المغنى فى الأدوية، وفيه يتحدث عن الأعشاب من حيث العلاج بها فقط لا من حيث التاريخ الطبيعى. وأخذت كتبه تدرس بعده فى العالم الإسلامى دراسة واسعة، وقد ترجم كتاب الجامع إلى الفرنسية والألمانية، وهو بحق خاتم صيادلة العرب العظام. وربما كان أهم صيدلى فى الأندلس بعده محمد بن (١) السراج الغرناطى المتوفى سنة ٧٢٩ للهجرة، وقد ترك موطنه إلى مراكش ووضع فى الأدوية والأعشاب كتبا كثيرة، سقطت جميعها من يد الزمن.
(ب) الفلسفة
لم نتحدث حتى الآن عن الفلسفة، وقد تأخرت العناية بها فى الأندلس، وأول شخص تضاف إليه محمد بن (٢) عبد الله بن مسرة المولود بقرطبة سنة ٢٦٩ للهجرة، ويبدو أنه اعتنق مبكرا بعض الآراء الفلسفية والاعتزالية مما جعل بعض الفقهاء يتهمه فى عقيدته، وكأنما خشى على نفسه، فرحل فى سنة ٢٩٩ إلى بيت الله الحرام، لأداء فريضة الحج، واختلف فى رحلته إلى حلقات المتكلمين ومجالس المتفلسفة والمتصوفة، وعاد إلى موطنه، فاعتزل فى ضيعة له بقرية من قرى قرطبة، واجتذب إليه كثيرين عاشوا معه فى عزلته، وآمنوا بما كان يردده من آراء تتصل بالاعتزال والفلسفة والتصوف، أما الاعتزال فقد كان يردد فيه فكرة أن القرآن مخلوق وفكرة استطاعة الإنسان وحريته فى إرادته ووجوب إنفاذ الوعيد على الله. وأما الفلسفة فكان يردد فيها بعض مبادئ المدرسة
стр. 3720
الأفلاطونية الحديثة المنسوبة خطأ إلى إنباذوقليس والقائلة بوجود مادة روحانية تشترك فيها جميع الكائنات ما عدا الذات الإلهية، وأنها أول صورة للعالم العقلى المؤلف من الجواهر الخمسة. وأما التصوف فكان يردد فيه أفكار أمثال ذى النون المصرى الذى كان يتحدث عن الأحوال والمقامات وعلم الصوفية الباطن، وألّف فى ذلك كله كتابين هما التبصرة والحروف. وكان يقدح فى أحاديث الشفاعة ويؤوّل آيات القرآن. وكان يستر دعوته بالتقشف والورع والنسك وكان تلامذته يتناقلون آراءه سرا، ويبدو أن أتباعه أخذوا يتكاثرون بعد وفاته سنة ٣١٩ ولا نصل إلى سنة ٣٤٥ حتى نجد عبد الرحمن الناصر يأمر بأن يتلى على الناس فى قرطبة والبلدان الأندلسية المختلفة كتاب توضّح فيه نحلتهم وأنهم خرجوا على الجماعة بمعتقداتهم وخاصة الاعتزالية وأنهم يستحلون دماء المسلمين مع تحريف التأويل لآى القرآن العظيم وأحاديث الرسول الأمين، وأمر من يتولون الأحكام بتتبعهم واستتابتهم. ويعودون إلى الظهور فى عهد ابنه المستنصر لما شاع لزمنه من التسامح الفكرى حتى إذا توفى وولى ابنه المؤيد وأصبح زمام الحكم بيد المنصور بن أبى عامر حاجبه-وكان يستشعر الحمية للدين-أمر قاضى قرطبة محمد بن يبقى بالقبض على كل من يؤمن بتعاليم ابن مسرة، فأخذ يتعقبهم وتاب على يده كثيرون منهم. وألّف ابن يبقى ضد هذه التعاليم كتابا ينقضها، وحاكاه فى ذلك الزبيدى اللغوى. ويظل لابن مسرة أتباع مستترون. ويذكر ابن حزم فى كتابه الفصل- كما مر بنا-داعيا كبيرا لتلك التعاليم كان يعاصره فى القرن الخامس الهجرى، وكان يرى أن البعث إنما يكون بالأرواح لا بالأجساد وبمجرد الموت تحاسب الروح فإما إلى الجنة وإما إلى النار، واسمه إسماعيل بن عبد الله الرعينى، وكان يقول إن العالم لا يفنى أبدا، إلى غير ذلك من آراء جعلت أتباع المذهب يبرءون منه (١). وظلت تعاليم ابن مسرة حية فى الأندلس طويلا، إذ هيأت-من بعض الوجوه-لاعتناق بعض الأفراد مذهب الاعتزال وعناية أفراد آخرين بالتصوف إلى أن انتهى-فيما بعد-إلى ابن عربى، وأيضا عناية كثيرين بالفلسفة، وإن كانوا لم يستمروا فى اتجاهه أو بعبارة أخرى فى اتجاه المدرسة الأفلاطونية الحديثة، فقد أخذوا يتجهون إلى المدرسة المشائية وفيلسوفها الكبير أرسططاليس.
وكثر هذا الاتجاه فى عهد أمراء الطوائف، وكان قد كثر دخول الكتب الفلسفية إلى
стр. 3721
الأندلس، وكثر معها الإقبال على الدراسات المنطقية، ويشير صاعد بن أحمد الطليطلى المتوفى سنة ٤٦٢ فى كتابه طبقات الأمم مرارا إلى من أكبوا على دراسة المنطق من مثل أبى الوليد الوقشى الطليطلى وابن الجلاب السرقسطى وابن سيده المرسى، وفيه يقول:
«عنى بعلوم المنطق عناية طويلة وألف فيه تأليفا كبيرا مبسوطا». وعلى الرغم مما يقال من أن عصر المرابطين كان عصر الفقهاء المحافظين نجد الدراسات المنطقية والفلسفية تنشط فيه ويشتهر بها غير منطقى ومتفلسف، ويلقانا ممن عكفوا على دراسة المنطق أبو الصلت أمية (١) بن عبد العزيز الدانى المتوفى سنة ٥٢٩ وله فى المنطق كتاب تقويم الذهن المنشور بمدريد مع ترجمة إسبانية. ويلقانا من المتفلسفة ابن (٢) السيد البطليوسى عبد الله بن محمد المتوفى سنة ٥٢١ وهو عالم لغوى وله فى الفلسفة رسالة مطبوعة فى القاهرة بعنوان: «كتاب الحدائق فى المطالب الفلسفية العويصة» وفيه يتحدث عن ترتيب الموجودات عن السبب الأول وأن صفات الله-جل شأنه-لا يصح أن يوصف بها إلا عن طريق السلب وأن نفس الإنسان الناطقة لا تفنى-بل تبقى-بعد موته. ويذكر ابن السيد فى الكتاب بعض أقوال لأرسطو وزينون وأفلاطون وغيرهم من فلاسفة اليونان، وقد أورد فيه لأفلاطون فقرا من محاورة تيماوس ونقل بالنثيا عن آسين بلاسيوس أنها لا تتفق مع النص اليونانى المعروف لتلك المحاورة.
وأهم من ابن السيد معاصره ابن (٣) باجة المتوفى سنة ٥٣٣ للهجرة، وهو أول فيلسوف أندلسى بالمعنى الدقيق لكلمة فيلسوف، وقد انحدر من أسرة فى سرقسطة شمالى الأندلس كانت تحترف الصياغة، ولا تذكر المصادر التى عنيت بالترجمة له شيئا عن نشأته ودراسته، ويبدو أنه أكبّ مبكرا على دراسة الفلسفة وعلوم الأوائل، كما أكبّ على علم الألحان والغناء، وبلغ فيه كما بلغ فى الفلسفة وعلم الأوائل مبلغا عظيما. وكان شاعرا مبدعا كما كان ناثرا بليغا، مما جعل أبا بكر (٤) بن تيفلويت حين حكم سرقسطة من قبل
стр. 3722
المرابطين لأواخر سنة ٥٠٣ للهجرة يتخذه كاتبا له ووزيرا، حتى إذا توفى هذا الحاكم سنة ٥١٠ أكثر من مراثيه وتغنى بها فى ألحان مبكية كما يقول ابن سعيد، ولم يطب له فيها المقام بعده، فهاجر منها إلى المرية ثم إلى غرناطة، وظل بها فترة ثم رحل عنها إلى فاس عاصمة المرابطين فى المغرب، وقيل بل إلى جيان وانقطع للدرس والتأليف حتى وفاته سنة ٥٣٣. وكان من أهم ما انقطع له الفلسفة المشائية وأستاذها أرسطو وتعمقها أدق تعمق حتى ليقول ابن أبى أصيبعة: إذا قارنت أقاويله فيها باقاويل ابن سينا بان لك الرجحان فى أقاويله، وقد عنى عناية واسعة بشرح كثير من أعمال أرسطو، فشرح كتابه السماع الطبيعى أو سمع الكيان، وجزءا من كتابه الكون والفساد، والمقالات الأخيرة من كتابه عن الحيوان، وجزءا من كتابه عن النبات. وشرح المنطق للفارابى والأدوية المفردة لجالينوس وأيضا لابن وافد. وله تصانيف فى الرياضيات والهندسة والفلك فاق فيها المتقدمين. وله فى الفلسفة كتاب فى البرهان وكتاب فى النفس وكتاب فى العقل الفعال إلى غير ذلك من كتب لم يبق منها إلا بعض رسائل وإلا كتابه تدبير المتوحد المنشور بمدريد وفيه يتخيل مدينة فاضلة مثالية لا يحتاج أهلها إلى طوائف الأطباء الثلاث: لا أطباء البدن لأن أهلها لا يرتكبون أى رذيلة تسبب لهم المرض، ولا أطباء العدالة لأن أهلها متحابون لا يقع بينهم ما يحتاجون معه إلى قضاة وقضاء، ولا أطباء النفوس لأن أهلها كاملون. ويفيض فى بيان الصور الروحية والعقلية وأن غاية المتدبر اتحاد عقله بالعقل العلوى الفعال حتى يبلغ مرتبة المعرفة العقلية الحقيقية، وبذلك وصل بين التأمل العقلى وبين عون علوى، محاولا الوصل بذلك بين الفلسفة والدين، وخلفه ابن طفيل وابن رشد (١)، فبلغا بالفلسفة الإسلامية فى موطنهما الغاية التى ليس وراءها غاية.
وابن طفيل (٢) هو أبو بكر محمد بن عبد الملك-وقيل ابن عبد الله-القيسى، ولد سنة ٥٠٦ للهجرة فى برشانة من أعمال المريّة، وقيل فى وادى آش من أعمال غرناطة، وقيل بل فى تاجلة من أعمال جيّان، وقد أكبّ على كتب الفلسفة والطب مبكرا، وخاصة كتب ابن باجة أكبر فيلسوف فى زمنه، وتبعه يشرح بعض كتب أرسطو مثل كتابه الآثار العلوية، كما تبعه يؤلف فى الفلسفة مثل كتاب له فى النفس، واشتغل بالطب فى غرناطة
стр. 3723
وببعض الأعمال الإدارية فيها وفى سبتة وطنجة، ثم صار طبيبا لسلطان الموحدين يوسف بن عبد المؤمن، واتخذه مستشارا، فجلب إليه العلماء من جميع الأقطار، وممن جلبه إليه صديقه ابن رشد، وما زال يوسف حفيّا به إلى أن توفى قبله بقليل فى مراكش سنة ٥٨٠، بينما توفى ابن طفيل سنة ٥٨١ وكانت له فى الطب والفلك مؤلفات سقطت فى يد الزمن، ويقول البطروحى أكبر علماء الفلك الأندلسيين إنه أخذ عنه قوله فى الدوائر الخارجية والدوائر الداخلية. وقد اشتهر فى عصره إلى اليوم بقصته: حى بن طفيل، وسنخصها بحديث مفرد فى الفصل الأخير.
وابن رشد (١) هو أبو الوليد محمد بن أحمد سليل أسرة فقهية قرطبية، ولد لها فى العقد الثانى من القرن السادس الهجرى، وتولى مثل أبيه وجده القضاء فكان قاضيا فى إشبيلية سنة ٥٦٥ وفى قرطبة سنة ٥٦٧، مما يدل على أنه أكبّ على دراسة الفقه فى بواكير حياته، وله فيه كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد وهو منشور بالقاهرة. وكان-ولا يزال- مرجعا مهما فى الفقه وفتاويه. واهتم بعلوم الأوائل، فدرس الفلك وله فيه رسالة عن حركته وأخرى عن النجوم الثابتة، ودرس الطب وله فيه كتاب الكليات المنشور بتطوان، وترجم فى منتصف القرن الثالث عشر الميلادى إلى اللاتينية وطبع فى البندقية سنة ١٤٨٢ وترجم له أيضا إلى اللاتينية شرح على أرجوزة لابن سينا فى الطب طبع أيضا فى البندقية بعد كتابه الكليات بسنتين. وله تلخيصات لكتب جالينوس الطبية مثل: كتاب المزاج وكتاب القوى الطبيعية وكتاب العلل والأعراض وكتاب الحميات وكتاب الأدوية المفردة.
وشغف بالفلسفة وعرف فيه ذلك صديقه ابن طفيل، وكانت له حظوة عند السلطان يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٧ - ٥٨٠ هـ) فشكا إليه قلق عبارات أرسطو فى كتبه وحاجتها إلى الشرح والتلخيص، وسأله أن يقوم بذلك، فاعتذر بعلو سنّه، وأشار عليه أن يطلب ذلك من ابن رشد-وكان قاضى إشبيلية حينذاك-فاستدعاه وطلب إليه أن
стр. 3724
ينهض بهذا العمل فنهض به على خير وجه، وظل حاسدون يسعون ضده عند السلطان يعقوب بن يوسف (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) حتى إذا انتصر فى موقعة الأرك المشهورة ضد نصارى الإسبان سنة ٥٩١ أخذته الحميّة للدين فكلف طائفة من الفقهاء ببحث كتبه وهل فيها ما يخالف الدين، ورأوه يقول بقدم العالم بالقوة موفقا بين الفلسفة والدين وأن البعث سيكون بالأجسام كما قال الدين ولكن لا بعينها ولكن بأجسام تشبهها أكثر كمالا، فاتهموه لذلك بالزندقة. وعرف السلطان خطأه فى سنة ٥٩٥، فاستدعاه إلى مراكش لإعلان رضاه عنه، واسترضاه ولم يلبث كل منهما أن لبىّ نداء ربه.
وقد وضع ابن رشد شروحا مطولة ومتوسطة وموجزة لكثير من مؤلفات أرسطو، ويقول صاحب المعجب: «رأيت له تلخيص كتب أرسطو فى جزء واحد فى نحو مائة وخمسين ورقة لخّص فيه كتبه: سمع الكيان، والسماء والعالم، والكون والفساد، والآثار العلوية، والحس والمحسوس، ثم لخّصها وشرح أغراضها فى كتاب مبسوط فى أربعة أجزاء» ويقول بالنثيا إنه وضع شروحا مطولة لكتاب البرهان وكتاب السماع الطبيعى وكتاب السماء والعالم، وكتاب النفس وكتاب ما وراء الطبيعة، ووضع شروحا متوسطة لهذه الكتب، وللمنطق وللكون والفساد والآثار العلوية، وللأخلاق وللحس والمحسوس أو الطبيعيات الصغرى، وللأجزاء التسعة الأخيرة من كتاب الحيوان. وكل هذه الشروح ترجمت إلى اللاتينية والعبرية وترجمت إليها أيضا مؤلفاته الأصيلة فى الفلسفة وفى مقدمتها تهافت التهافت الذى يرد فيه على الغزالى فى كتابه تهافت الفلاسفة مدافعا بحرارة عن الفلسفة وأرسططاليس. وله شروح على كتابى الشعر والخطابة لأرسطو، وترجم إلى اللاتينية أيضا كتاباه: «الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة» و «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» ومن قوله فيه: «الحكمة (أى الفلسفة) صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة وهما مصطحبتان بالطبع ومتحابتّان بالجوهر والغريزة، ويقرر ما قاله صديقه ابن طفيل فى قصة حى بن يقظان من أن الفلسفة تخاطب الخاصة والدين يخاطب العامة.
وكان يذهب إلى أن عقول الأفلاك تصدر عن الله، وكل فلك أو كل عقل يحدث الحركة فيما دونه إلى أن نصل إلى العقل الفعال، وفى كل إنسان قبس منه، وإذا ازداد اتصاله به سما إلى حالة الكشف الصوفى. وأدّته محاولته فى التوفيق بين الدين والفلسفة إلى التأويل فى النصوص الدينية حتى يتاح للإنسان فهم الحقائق العليا. وحاول أن يوفق بين
стр. 3725
رأى أرسطو والفلاسفة المشائين بأن العالم قديم ورأى الغزالى وعامة المتكلمين بأنه محدث، فقال إن قدمه إنما هو بالقوة لا بالفعل، ثم وجد وتشكّل فهو قديم ومحدث، وكذلك المادة قديمة ومحدثة. وقال إن الله يعقل الأشياء فى ذاته لا كما نعقلها نحن على وجه كلى أو جزئى، إذ هو علة الموجودات جميعا والمحرك لها من القوة إلى الفعل.
ومنذ أخذ مترجمو ابن رشد إلى اللاتينية: جيرار الكريمونى (١١٨٧ م) وميشيل سكوت الإنجليزى (١٢٣٥ م) وهرمان الألمانى (١٢٧٢ م) يذيعون أعماله أخذت تدرس فى الجامعات الأوربية بإيطاليا وفرنسا وإسبانيا بينما كانت الكنيسة تقاومها وخاصة رهبان الدومينيكان، وصبّت الكنيسة لعناتها على سيجر البرابانتى الأستاذ بجامعة باريس وطردته من رحابها فى سنة ١٢٦٦ إذ عدته زنديقا رشديّا، وعلى الرغم من أن الراهب الدومينيكانى الألمانى ألبرت الكبير وتلميذه الراهب توماس الأكوينى هاجما بعض الآراء والتعاليم المنسوبة إليه خطأ فقد انتفعا أكبر انتفاع بأدلته وبراهينه فى التوفيق بين الفلسفة أو العقل وبين الدين، حتى ليسيران معه فى طريق واحدة متبعين خطاه فيما قرر من وحدانية الله لوحدة العالم وتنزيهه عن كل نقيصة. وظلت فلسفة ابن رشد وتعاليمه وأفكاره تدرس فى الغرب منذ القرن الرابع عشر، وعلى الرغم من أن مجمع لاتران البابوى قرّر سنة ١٥٠٢ لعن كل من ينظر فى فلسفة ابن رشد ظل له أنصار كثيرون وظل يدرس فى الجامعات الغربية حتى العصر الحديث. ومما لا ريب فيه أنه كان لفلسفته وأفكاره أثر بعيد فى قيام حركة التحرر والإصلاح الدينى فى النهضة الأوربية، ويقول بالنثيا إن تأثير ابن رشد فى تاريخ الفكر الأوربى كان حاسما، وهو تأثير يحتاج بيانه إلى مجلدات طوال وهو يعدّ-بحق-خاتمة الفلاسفة والمفكرين العظام فى الأندلس.
(ج) علم الجغرافيا
تابع الأندلسيون المشارقة فى الاهتمام بعلم الجغرافيا لمعرفة مسالك العالم وممالكه مما أتاح لهم جغرافيون يصفون جزيرتهم، وقد يصفون معها المغرب والعالم العربى والإسلامى، وقد يصفون أنحاء من أوربا الغربية والشرقية، وأضافوا إلى ذلك وصف رحلات لهم كثيرة. والعرب بطبيعتهم رحالة، وبدأوا ذلك فى جاهليتهم حين كانوا يكثرون من الرحلة وراء الكلأ ومساقط الغيث ولغرض الحج، وجعل الإسلام الحج جزءا لا يتجزأ من عبادتهم ومنسكهم، ثم كانت فتوحهم الإسلامية وهجراتهم الطويلة شرقا
стр. 3726
إلى أواسط آسيا وغربا إلى الأندلس والمحيط الأطلسى، فكان طبيعيا أن يولعوا بالرحلات والأسفار والتعرف على البلدان القريبة والبعيدة والمسالك المؤدية إليها.
وطبيعى لذلك أن يكون لكل بلد عربى جغرافيوّه ورحّالته، وأن تشارك الأندلس فى ذلك بحظ أو حظوظ، وأول جغرافى مهم نلتقى به فيها أحمد (١) بن محمد الرازى المتوفى سنة ٣٤٤ للهجرة، وهو مؤرخ وجغرافى ولم يبق من أعماله؟ ؟ ؟ سوى قطعة فى جغرافية الأندلس احتفظت بها ترجمات إسبانية وبرتغالية، ويظن أنها كانت مقدمة لكتابه: «أخبار ملوك الأندلس» وهو فيها يتحدث عن موقع الأندلس وهيئتها ومناخها فى قسميها الغربى والشرقى وأنهارها وجبالها وكورها ومذنها وإنشائها وحدودها وحصونها. وقد استشهد ابن حيان فى كتابه-وكذلك ابن سعيد فى كتاب المغرب-بفقرات من هذه المقدمة الجغرافية. ويبرز من الجغرافيين بعده أبو (٢) عبد الله محمد بن يوسف التاريخى القيروانى نزيل الأندلس فى عصر المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) المتوفى سنة ٣٦٣ وله كتاب عن مسالك إفريقية وممالكها انتفع به أبو عبيد البكرى فى كتابه المسالك والممالك. ويلقانا فى عصر أمراء الطوائف أحمد (٣) بن عمر بن أنس العذرى الدلائى المريّى المتوفى سنة ٤٧٦ وله كتاب نظام المرجان فى المسالك والممالك وفيه يعرض كور الأندلس وأجزاءها والطرق السالكة إليها، وبه انتفع أيضا أبو عبيد البكرى (٤)، وهو عبد الله بن عبد العزيز المتوفى سنة ٤٨٧ للهجرة، كان آباؤه أمراء ولبة وشلطيش بعد سقوط الخلافة، وأخذهما منهم المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، ونشأ أبو عبيد بقرطبة وتتلمذ على ابن حيان المؤرخ المشهور، وبعد وفاته سنة ٤٦٩ نزل المريّة، وأرسله ابن صمادح صاحبها فى رسالة إلى المعتمد بإشبيلية، فآثر المقام عنده، حتى إذا خلعه يوسف بن تاشفين سنة ٤٨٤ هاجر إلى قرطبة وبها توفى. وله فى الجغرافية كتابان: المسالك والممالك، والقسم الخاص بالمغرب منه
стр. 3727
مطبوع، والكتاب الثانى معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع فى جزيرة العرب، طبعه وستنفلد قديما، ثم طبعه الأستاذ مصطفى السقا طبعة علمية محققة فى أربع مجلدات ضخمة بالقاهرة، ويقول أبو عبيد فى مقدمته: «هذا كتاب ذكرت فيه جملة ما ورد فى الحديث والأخبار والتواريخ والأشعار من المنازل والديار والقرى والأمصار والجبال والآثار والمياه والآبار والدارات والحرار منسوبة محدّدة ومبوّبة على حروف المعجم مقيدة» واستهلّه بوصف الجزيرة العربية وحدودها الجغرافية وأقسامها: الحجاز وتهامة ونجد واليمن مع بيان مفصل عن قبائلها وما يتصل بها من التنقلات والوقائع والأيام.
ونلتقى فى النصف الأول من القرن السادس الهجرى بجغرافى يسمى محمد (١) بن أبى بكر الزهرى عاش فى المرية أو غرناطة، وله كتاب جغرافى فى وصف ما سماه «الخارطة المأمونية للعالم» وفيه يتحدث عن أقاليم الأرض السبعة وطبيعتها وسكانها ويعنى بالأندلس ووصف مدنها. وقد نشرت منه مقتطفات عن الأندلس ومراكش وصقلية، ويكتظ بالعجائب والغرائب حتى ليمكن أن يوصف بأنه جغرافيا شعبية.
وتلقانا فى الأندلس كتابات جغرافية عند بعض المؤرخين يضعونها فى مقدمات كتبهم عن تاريخ الأندلس أو عن رجالها مثل مقدمة كتاب فرحة الأنفس فى تاريخ الأندلس لابن غالب (٢) من مؤرخى القرن السادس الهجرى وهى تعرض كور الأندلس وما تضمه من مدن وحصون وقرى ومسالك وما تشتهر به من صناعة وزراعة مع تفصيل القول عن قرطبة ومسجدها الجامع ومقصورته ومحرابه ومنبره ومع بيان الجبال فى الأندلس والأنهار.
ولابن سعيد المتوفى سنة ٦٨٢ مقدمة جغرافية نفيسة للقسم الأندلسى من كتابه المغرب، سقطت أوراقها منه، غير أن المقرى احتفظ بها فى النفح، وله فى الجغرافيا كتاب مجمل سماه «كتاب بسط الأرض فى الطول والعرض»، ويقول الدكتور حسين مؤنس: «يمكن وصفه بأنه جدول بالمدن والجبال والأنهار والبحار وغيرها من الأعلام الجغرافية موقعة على أطوالها وعروضها فى دقة (٣)» والأرض عنده تسعة أقاليم مقسمة إلى عشرة أجزاء تبتدئ من جزائر الخالدات فى المحيط الأطلسى، وتنتهى بجزائر السّيلى أى اليابان.
стр. 3728
وللسان الدين بن الخطيب مقدمات جغرافية فى وصف غرناطة لكتابيه: الإحاطة فى تاريخ غرناطة واللمحة البدرية فى الدولة النصرية. وحرىّ بنا أن نذكر محمد (١) بن عبد المنعم الحميرى المتوفى سنة ٩٠٠ للهجرة وكتابه الروض المعطار فى خبر الأقطار، وهو معجم جغرافى نشر منه بالقاهرة المادة الخاصة بالأندلس.
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد
كان طبيعيا أن تعنى الأندلس مبكرة بقيام مؤدبين على تعليم الناشئة الفصحى وقواعدها وتحفيظها القرآن الكريم أو سورا منه وبعض الأحاديث النبوية، وبالمثل تعليم من دخلوا فى الدين الحنيف من الإسبان وأبنائهم حتى يستطيعوا جميعا النطق بالفصحى وببعض آيات القرآن الكريم فى صلاتهم. ونلتقى فى القرنين الثانى والثالث للهجرة بكثير من هؤلاء المؤدبين، وهم يعدون بالعشرات فى كتاب طبقات النحويين واللغويين للزبيدى، ومن أوائلهم الغازى (٢) بن قيس المؤدب بقرطبة حين دخلها عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية هناك سنة ١٣٨ للهجرة وتوفى الغازى سنة ١٩٩ ونراه يرحل إلى المشرق، ويلتقى بالأصمعى ونظرائه فى اللغة بالبصرة ويأخذ عن مالك الموطأ فى الفقه، وهو إشارة واضحة إلى أن المؤدبين بالأندلس فى القرن الثانى والثالث للهجرة كانوا يأخذون أنفسهم بثقافة لغوية ودينية واسعة، وكانوا يرحلون للقاء أئمة اللغة والدين فى القراءات والفقه والحديث النبوى. وعلى شاكلته فى الرحلة والأخذ عن الأصمعى ومالك وغيرهما من الأئمة معاصره أبو موسى (٣) الهوارى، وله كتاب فى القراءات وكتاب ثان فى التفسير. ومن معاصريهما جودى الراحل إلى المشرق المتوفى سنة ١٩٨ وهو تلميذ الكسائى إمام النحو الكوفى وأول من أدخل كتابه إلى قرطبة، وله تأليف فى النحو، وكان يعاصره محمد (٤) بن عبد الله مؤدب أبناء الحكم الربضى الراحل بدوره إلى المشرق.
стр. 3729
ويذكر الزبيدى فى طبقاته عشرات من لغويى الأندلس فى القرن الثالث الهجرى، منهم عثمان (١) بن المثنى القيسى تلميذ ابن الأعرابى، لقى أبا تمام وأخذ عنه ديوانه وأقرأه بقرطبة، ومنهم الرشاش سعيد (٢) بن الفرج وكان من أقوم العلماء فى زمانه على لسان العرب وأحفظهم للغة وأعلمهم بالشعر وكان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة، ومنهم محمد بن عبد الله حفيد الغازى السالف ذكره، تتلمذ للغويى العراق من أمثال الرياشى وأبى حاتم وجلب إلى الأندلس علما كثيرا من اللغة والعربية، وعنه روى الأندلسيون الأشعار المشروحات كلها، ومنهم ثابت (٣) بن عبد العزيز وابنه قاسم وهما أول من أدخل معجم العين المنسوب إلى الخليل بالأندلس، وأدخله بعدهما القاضى منذر بن سعيد بسماعه من أبى العباس بن ولاد المصرى المتوفى سنة ٣٣٢ ويبدو أنه كانت قد وصلت إلى الأندلس نسخ مختلفة من هذا المعجم مما جعل الحكم المستنصر يكلف أربعة من العلماء اللغويين بمقارنة هذه النسخ من العين بعضها على بعض لاستخلاص نسخة دقيقة الضبط (٤).
وينزل قرطبة أبو على (٥) القالى اللغوى الكبير سنة ٣٣٠ لعهد عبد الرحمن الناصر، فيكون نزوله فيها فاتحة عهد لغوى عظيم، ويستقبله الناصر استقبالا كريما، ويوالى هو وابنه الحكم رعايته وإغداق المال عليه، ونشط فى التأليف والتدريس بقرطبة وضاحيتها الزهراء حتى وفاته سنة ٣٥٦ وكان مما أملاه على الطلاب من مؤلفاته كتابه «الأمالى» وهو مجلدان من مختارات شعرية ونثرية مع شرح ما جاء فيها من الغريب، وأتبع هذا الكتاب بكتاب على شاكلته سماه «ذيل الأمالى والنوادر» وأملى أيضا من تأليفه كتابه المقصور والممدود والمهموز وكتابا فى الأمثال سوى مؤلفات أخرى، وأهم من ذلك شروحه للمعلقات وروايته هناك للمفضليات والنقائض وشعر الهذليين وإدخاله دواوين النابغة الذبيانى وعلقمة والأعشى والحطيئة والشماخ والنابغة الجعدى وأوس بن حجر والقطامى
стр. 3730
والأخطل وذى الرمة إلى غير ذلك من دواوين الجاهليين والإسلاميين سوى معجمه «البارع» وإن لم يتمه. وهو بذلك كله دفع الأندلس إلى حركة لغوية خصبة، وكانت قد بدأت هذه الحركة وأخذت فى النمو أثناء القرن الرابع الهجرى على نحو ما يشهد بذلك ابن القوطية محمد بن عمر المتوفى سنة ٣٦٧ وقد امتدحه القالى فى اللغة، ومن مؤلفاته فيها كتاب تصاريف الأفعال طبعه؟ ؟ ؟ جويدى فى ليدن باسم كتاب الأفعال وتصاريفها ويقول ابن خلكان هو الذى فتح للعلماء الكتابة فى هذا الموضوع، وله كتاب فى المقصور والممدود يقول ابن خلكان جمع فيه ما لا يحد ولا يوصف، وفاق من تقدمه. وأهم من ابن القوطية فى القرن الرابع الزبيدى (١) محمد بن الحسن تلميذ القالى المتوفى سنة ٣٧٩ وفيه يقول ابن خلكان: «كان واحد عصره فى حفظ اللغة وعلم النحو وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعانى والنوادر ولم يكن بالأندلس فى فنه مثله فى زمانه» واختاره الحكم المستنصر لتأديب ابنه وولى عهده المؤيد، وولاه القضاء، وولاه المؤيد الشرطة، ونال فى عهدهما دنيا عريضة، وفى مقدمة كتبه اللغوية مختصر معجم العين للخليل ويشهد له القدماء بأنه يفضل أصله لحذفه منه الأبنية المصحفة والمختلة وزيادته فيه كثيرا من المواد التى يفتقر إليها المعجم مع استدراكه الأخطاء الواقعة فيه، وقد ذهب إلى أن هذا المعجم ليس من صنع الخليل، لما فيه من رواية عن أناس متأخرين عن الخليل بحيث لا يمكن أن يروى عنهم، ولأن جميع ما فيه من مسائل النحو إنما هو على مذهب الكوفيين والخليل نحوى بصرى، بل هو إمام المدرسة النحوية البصرية. وله فى لحن العوام من أهل الأندلس مصنف طريف نشره الدكتور رمضان عبد التواب، وهو لا يقصد بالعوام الدهماء من الناس وإنما عوام المثقفين، وما يجرى فى ألسنتهم من أخطاء. ومن لغويى القرن الرابع السرقسطى (٢) سعيد المعافرى المتوفى بعد سنة ٤٠٠ للهجرة، وهو تلميذ أبى بكر ابن القوطية، وقد روى عنه كتابه الأفعال، ورأى أن يبسطه فى كتاب مطول ويزيد فيه بنفس اسمه وقد نشره مجمع اللغة العربية فى أربعة مجلدات. ومن تلاميذ الزبيدى ابن الإفليلى (٣) إبراهيم بن محمد المتوفى سنة ٤٤١ روى عن أستاذه كتاب الأمالى للقالى، وله
стр. 3731
شرح جيد على ديوان المتنبى. ومن لغويى القرن الخامس ابن سيده (١) على بن إسماعيل الضرير المتوفى سنة ٤٥٨ وفى المغرب لابن سعيد: «لا يعلم بالأندلس أشد اعتناء من هذا الرجل باللغة ولا أعظم تأليفا، تفخر مدينة مرسية به أعظم فخر» وله معجمان ضخمان:
المحكم وهو على شاكلة كتاب العين مرتب حسب مخارج الحروف، والمعجم الثانى المخصص وهو موزع على الموضوعات والمعانى فى سبعة عشر مجلدا، ويذكر فى مقدمته مصادره، وهى تتوالى بالعشرات، حتى ليخيل إلى الإنسان أنه لم يبق فى اللغة كتاب لعالم لغوى قبله إلا اطلع عليه، وقد تنبه ابن سيده فى هذا المعجم بوضوح إلى القرابة اللغوية بين بعض اللغات السامية وبين العربية، إذ يقول: «كنعان بن سام بن نوح، إليه ينسب الكنعانيون، وكانوا أمة يتكلمون بلغة تضارع (تشابه) العربية». (٢) وهو ما قرره علماء اللغات السامية حديثا من أن الكنعانية تعد إحدى اللغات السامية المتفرعة-مثل العربية-من أم واحدة. ونجد ابن حزم معاصره يتنبه بقوة إلى أن السريانية والعبرية والعربية بينها جميعا لحمة قرابة وثيقة كقرابة اللهجات فى لغة واحدة، يقول فى كتابه الإحكام فى أصول الأحكام: «إن الذى وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التى هى لغة مضر وربيعة-لا لغة حمير-هى لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جرس كالذى يحدث من الأندلسى إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيروانى إزا رام نغمة الأندلسى. . وهكذا فى كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدّل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله. . فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة فى الأصل (٣)». وواضح أن ابن حزم يرى أن العربية والعبرانية والسريانية كانت جميعا لغة واحدة، وبتفرق أهلها وهجرتهم من الجزيرة شمالا وغربا أخذت تحدث عند كل قوم تغيرات أعدت لحدوث لغاتهم، وهو نفس ما يقرره علماء اللغات السامية حديثا، وكأن ابن حزم وابن سيده وأمثالهما من الأندلسيين هم الذين نبهوا الأوربيين-بذلك-إلى علم فقه اللغات السامية وما يطوى فيه من مناهج لغوية علمية مقارنة. وبذلك كانوا المكتشفين لفقه
стр. 3732
اللغات المقارن بين اللغات السامية التى ترجع إلى أم أو لغة واحدة. وقد مضى الأوربيون يطبقونه على مجموعات اللغات اللاتينية والسكسونية وغيرها من الأسر اللغوية، شأنهم فى ذلك نفس شأنهم الذى مر بنا فى قيام علومهم وفلسفاتهم الحديثة على أساس الفلسفات والعلوم الأندلسية. وكان يعاصر العلمين الأندلسيين السابقين: ابن حزم وابن سيده الأعلم الشنتمرى (١) يوسف بن سليمان المتوفى سنة ٤٧٦ شارح الدواوين؟ ؟ ؟ لأعلام الشعر الجاهلى: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة بن عبدة، وهو يحتفظ فى شرحه لتلك الدواوين برواية الأصمعى، وبعد أن ينتهى منها فى كل شاعر يضيف إليها بعض الزيادات من روايات أخرى. وعلى هداه كتب أبو بكر عاصم (٢) بن أيوب البطليوسى المتوفى سنة ٤٩٤ شرحا لنفس الشعراء الستة المذكورين، وكان يعاصره أبو عبيد البكرى المذكور بين الجغرافيين، وله كتاب اللآلى فى شرح أمالى القالى نشره عبد العزيز اليمنى بالقاهرة، وكتاب فصل المقال فى شرح كتاب الأمثال لأبى عبيد القاسم بن سلام نشره إحسان عباس وعبد المجيد عابدين بالخرطوم. ومن لغويى الأندلس المهمين ابن السيد (٣) البطليوسى عبد الله بن محمد المتوفى سنة ٥٢١ وله الاقتضاب فى شرح أدب الكتاب لابن قتيبة وشرح سقط الزند لأبى العلاء وهو منشور مع مجموعة شروح السقط طبع دار الكتب المصرية وأيضا شرح على مختارات من لزوم ما لا يلزم لأبى العلاء نشره بالقاهرة الدكتور حامد عبد المجيد، وكان يعاصره الأشتركونى أبو الطاهر محمد بن يوسف المتوفى سنة ٥٣٨ وله كتاب المسلسل فى الألفاظ العربية وهو منشور بالقاهرة، ويلقانا فى أوائل القرن السابع الشريشى أحمد بن عبد المؤمن المتوفى سنة ٦١٩ وشرحه لمقامات الحريرى منشور بمصر.
ونشاط الأندلس فى النحو لا يقل عن نشاطها فى اللغة إن لم يتفوق عليه إذ كان المؤدبون فى القرنين الثانى والثالث للهجرة كما يعلمون الناشئة اللغة كانوا يعلمونها العربية أو النحو، ومرّ بنا أن جوديا المتوفى سنة ١٩٨ أدخل إلى الأندلس كتاب الكسائى، وله تأليف فى النحو، ويروى أن للفقيه عبد الملك بن حبيب السلمى المتوفى سنة ٢٣٨ كتابا فى إعراب القرآن، ونلتقى فى أواخر القرن الثالث الهجرى بالأقشتين (٤)
стр. 3733
محمد بن موسى المتوفى سنة ٣٠٧ وله رحلة إلى المشرق أخذ فيها بالفسطاط عن أبى جعفر الدينورى كتاب سيبويه، وكان يدرس فى قرطبة لطلابه. ونلتقى بعده بمحمد (١) بن يحيى الرباحى المتوفى سنة ٣٥٨ تلميذ أبى جعفر النحاس بالفسطاط، وعليه درس كتاب سيبويه، وحذق مسائله ومشاكله وعاد إلى قرطبة يدرسه لطلابه، وهو يفتتح فى الأندلس دراسة كتاب سيبويه والنحو دراسة تستوفى دقائق العربية وغوامضها والتعليل لمسائلها كما يقول الزبيدى، وهو أستاذه فى النحو وعليه درسه وتمثله وألف فيه كتابه الواضح الذى نشره بالأردن الدكتور عبد الكريم خليفة. وكان ابن الإفليلى المار ذكره بين اللغويين يقرئ تلاميذه-مع ما يهتم به من شرح الشعر-كتاب سيبويه رواية عن العاصمى عن الرباحى. ولابن سيده الذى تحدثنا عنه آنفا بين اللغويين شرح مشكل أبيات المتنبى، وينوه فى مقدمة معجميه: المخصص والمحكم بأنه أودع فيهما مواد نحوية كثيرة من كتابات النحاة، ويذكر من بينهم خاصة أبا على الفارسى وابن جنى، مما يدل على أن نحاة الأندلس أخذوا يتعمقون-بجانب تعمقهم فى نحو المدرستين البصرية والكوفية-فى نحو المدرسة البغدادية وينهجون نهجها من المزج بين آراء المدارس النحوية المختلفة.
ومن النحاة الشنتمرى الذى عرضنا له بين اللغويين ويقول ابن مضاء إنه كان شغوفا بعلل النحو المعقدة، وقد روى كتاب سيبويه عن ابن الإفليلى وأقرأه لطلابه مذللا لهم صعابه ومشاكله، وتوفّر الأندلسيون-بفضل نسخة الرباحى من كتاب سيبويه التى ذكرناها آنفا-على الكتاب يدرسونه ويفسرون غوامضه واشتهروا بذلك شهرة جعلت الزمخشرى يرحل فى شبابه من خوارزم إلى مكة لقراءة الكتاب على نحوى أندلسى كان مجاورا بها هو عبد الله (٢) بن طلحة المتوفى سنة ٥١٨. ونلتقى بابن السيد البطليوسى المار ذكره بين اللغويين، وكان يعنى بشرح كتاب الجمل للزجاجى، وله كتاب فى النحو سماه المسائل والأجوبة، وهو فى آرائه النحوية بغدادى الاتجاه، يختارها أحيانا من المدارس النحوية السابقة وأحيانا ينفذ إلى آراء جديدة، ومثله فى ذلك معاصره ابن (٣) الباذش
стр. 3734
على بن أحمد المتوفى سنة ٥٢٨ وله شروح على كتاب سيبويه والمقتضب للمبرد والأصول لابن السراج والإيضاح لأبى على الفارسى، وعلى شاكلته وشاكلة صاحبه ابن الطراوة (١) سليمان بن محمد معاصرهما المتوفى سنة ٥٢٨.
ويسود هذا الاتجاه فى النحو الأندلسى من انتخاب أفذاد النحاة لآرائهم من آراء نحاة المدارس المختلفة مع النفوذ إلى بعض الآراء المبتكرة على نحو ما نرى عند السهيلى (٢) عبد الرحمن بن عبد الله المتوفى سنة ٥٨١ فى كتابه «نتائج الفكر» وكان يشغف بمحاولة الإكثار من العلل النحوية كما يقول ابن مضاء، وعلى شاكلته عيسى (٣) الجزولى المتوفى سنة ٦٠٧ وله مقدمة فى النحو وحواش على كتاب الجمل للزجاجى، ومثله ابن خروف (٤) على بن يوسف المتوفى سنة ٦١٠ ويشتهر بشرح له على سيبويه وشرح ثان على كتاب الجمل للزجاجى، وحرى بنا أن نذكر ابن مضاء أحمد (٥) بن عبد الرحمن القرطبى قاضى قضاة دولة الموحدين المتوفى سنة ٥٩٢ وهو صاحب كتاب الرد على النحاة الذى نشرته مع تحليل لآرائه التى هاجم فيها نظرية العامل عند النحاة وما انطوى فيها من تعليلات وتقديرات، ومع محاولة لوضع أسس فى تيسير النحو وتبسيطه للناشئة على هدى آرائه. ومن أهم نحاة القرن السابع الأندلسيين الشلوبين (٦) عمر بن محمد المتوفى سنة ٦٤٥ وله شرح على مقدمة الجزولى المسماة بالجزولية وكتاب فى النحو سماه التوطئة، وكان يعاصره ابن عصفور (٧) على بن مؤمن المتوفّى سنة ٦٦٣ حامل لواء العربية فى زمنه بالأندلس، وله الممتع فى التصريف والمقرب فى النحو وهما منشوران،
стр. 3735
وكانت له ثلاثة شروح على كتاب الجمل للزجاجى. ونلتقى بعده بابن (١) مالك محمد بن عبد الله إمام النحاة المتوفى بدمشق سنة ٦٧٢ وهو صاحب الألفية المشهورة فى النحو وله مصنفات نحوية كثيرة منها التسهيل وشرحه وشرح الكافية لابن الحاجب المصرى وشرح الجزولية وإعراب مشكل صحيح البخارى سوى مصنفات أخرى فى النحو تبلغ نحو الثلاثين، وكان يعاصره ابن الضائع (٢) على بن محمد المتوفى سنة ٦٨٠ وله شروح مختلفة على كتاب سيبويه والإيضاح لأبى على الفارسى والجمل للزجاجى، وخاتمة أئمة النحو فى الأندلس أبو حيان (٣) محمد بن يوسف تلميذ ابن الضائع المتوفى بالقاهرة سنة ٧٤٥ وعلى يديه تخرج جيل من النحاة المصريين وله شروح على كتاب سيبويه وكتابى ابن عصفور: المقرب والممتع وألفية ابن مالك وكتابه التسهيل، وله أيضا فى النحو كتاب ارتشاف الضّرب أى عسل النحل فى ستة مجلدات، وصنع له مختصرا فى مجلدين، ويقول السيوطى فى البغية: «لم يؤلف فى العربية أعظم من هذين الكتابين ولا أجمع ولا أحصى للخلاف بين النحاة».
وبجانب علوم النحو واللغة عنيت الأندلس بالبلاغة العربية، وظلت حتى نهاية القرن الرابع الهجرى تعتمد فى ذلك على رواية النصوص الأدبية للناشئة والتعرف على كتابات المشارقة فى البيان العربى، واستطاع المؤدبون فى أثناء ذلك أن يدفعوا الناشئة للإكباب على الأدب الجاهلى والإسلامى والعباسى بفرعيه من الشعر والنثر حتى استقامت لهم ألسنتهم وحتى تمثّل كثيرون خصائص البيان العربى، وأصبحوا شعراء وكتابا نابهين.
ويبدو-بوضوح-أنهم ظلوا يكتفون بكتابات الجاحظ والمبرد وابن قتيبة وابن المعتز وأضرابهم من أصحاب الاتجاه العربى فى البلاغة وبذلك ظلوا-آمادا-بعيدين عن مناحى الاتجاه البلاغى المجدد الغالى فى التجديد (٤) والذى كان يتخذ من البلاغة اليونانية-كما يمثلها كتابا الخطابة والشعر لأرسطو-معايير للبلاغة العربية.
стр. 3736
ويلقانا فى مطالع القرن الخامس الهجرى كتابان عن التشبيه أحدهما سقط من يد الزمن واسمه «الفوائد فى التشبيه من الأشعار الأندلسية» لعلى (١) بن محمد بن أبى الحسين المتوفى قريبا من سنة ٤٣٠ ويدل اسمه على أنه كان مختارات من التشبيهات لشعراء الأندلس، والثانى على شاكلته، واسمه «كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس» لابن الكتانى (٢) أبى عبد الله محمد المتطبب المتوفى سنة ٤٢٠ وكان من أهل المنطق والفلسفة، ومع ذلك لم يعن بدراسة تلك التشبيهات دراسة علمية على نحو ما صنع ابن طباطبا المشرقى المتوفى سنة ٣٣٢ فى كتاب «عيار (٣) الشعر» وتقسيمه للتشبيه فيه من حيث المادى الحسى والمعنوى الذهنى ومن حيث الصورة واللون والهيئة والتركيب، إنما عنى بعرض أبيات مختارة للشعراء الأندلسيين حتى زمنه، وهى موزعة على أكثر من ستين بابا، استهلها بأبواب فى وصف الطبيعة من سماء ونجوم وكواكب ورياح وأمطار ورياض، وأتبع تلك الأبواب بأبواب فى وصف الخمر والغناء والمغنين وآلاتهم فأبواب للجمال الإنسانى والحب ومشاعره، ثم أبواب تتضمن صور الصراع بين الإنسان والطبيعة من مثل قطع المفاوز والبحار وصيد الحيوان وكذلك الصراع بين الإنسان والإنسان فى الحرب وما يتصل به من آلات الحضارة ومن الأخلاق الفردية والاجتماعية مع العبرة بالشيخوخة والفناء.
وتعرض فى كل ذلك التشيبيهات الطريفة فى رأى ابن الكتانى لشعراء الأندلس. وعلى شاكلة هذا الكتاب كتاب البديع فى وصف الربيع لأبى الوليد إسماعيل بن حبيب الحميرى الملقب بحبيب (٤) المتوفى بعد ابن الكتانى بنحو عشرين عاما قريبا من سنة ٤٤٠ للهجرة، وكلمة البديع فى العنوان لا تعنى البديع بمعناه البلاغى الاصطلاحى، وإنما تعنى المستطرف المستحسن من الشعر والنثر للأندلسيين من أهل عصره مما يتصل بالربيع ويتفوق به الأندلسيون على أهل المشرق، كما يقول فى مقدمة الكتاب «لما لهم فيه من الاختراع الفائق والابتداع الرائق وحسن التمثيل والتشبيه ما لا يقوم أهل المشرق مقامهم فيه». وحقا للأندلسيين أشعار بديعة فى وصف الربيع والطبيعة، أما أنهم يتفوقون
стр. 3737
فيهما على المشارقة فقول يحتاج إلى نظر، ويكفى المشارقة أن يكون من بينهم ابن الرومى أكبر مبدع فى وصف الطبيعة والربيع. ويورد الحميرى فى كتابه مختاراته الشعرية والنثرية فى ثلاثة أبواب: باب جعله فى وصف الربيع ورياحينه وباب ثان فى وصف أزهاره، وباب ثالث فى وصف كل زهرة منفردة على حدة، ويشفع ذكره لبعض القطع بمثل قوله مقدما لها: «ومن غريب الرصف فى عجيب الوصف» وقوله: «ومن جيد التشبيه وحسن التمثيل» وقوله: «ومن السحر المنتحل والكلام المنتخل». وتلى مثل هذه التعبيرات المقطوعات الشعرية. والكتاب بذلك-مثل سابقه-كتاب مختارات من النثر والشعر الأندلسيين وليس كتاب بلاغة. وكأن الأندلس حتى عصر أمراء الطوائف لم تكن تعنى بالكتابة فى البلاغة، إنما كانت تعنى بعرض المختارات الشعرية، وقد أكبّت كما مر بنا على دواوين الجاهليين والإسلاميين والعباسيين وأخذت فى أواخر العصر تعنى بمختارات للأندلسيين أنفسهم، مكتفية بما نقل إليها من كتابات المشارقة فى البلاغة، وكان مما نقل إليهم كتاب العمدة فى صناعة الشعر ونقده لابن رشيق القيروانى سنة ٤٦٣ وفيه دراسة مفصلة عن فنون البديع ومحسناته وهى تضم عنده الصور البيانية من تشبيه واستعارة ومجاز وكناية، ويبدو أنهم عكفوا عليه بالدرس، يدل على ذلك من بعض الوجوه أن نجد محمد (١) بن عبد الملك الشنترينى المتوفى سنة ٥٤٥ للهجرة يصنع تلخيصا له مع بيان أغلاط فيه.
وربما كان أول كتاب للأندلسيين عنى بمباحث أساليب الكتابة البلاغية وفصّل القول فيها كتاب إحكام صنعة الكلام للكلاعى (٢) أبى القاسم محمد بن عبد الغفور المتوفى حوالى منتصف القرن السادس الهجرى، وقد جعل كتابه فى مقدمة تحدث فى فصولها عن صور من محاكاته لأبى العلاء ومضى يعلى النثر على الشعر ثم أفاض القول فى بابين: باب خصه بالكتابة وآدابها، وباب خصه بضروب الكلام قدم له بحديث مفصل عن الإيجاز والإطناب والمساواة، وهو باب كبير من أبواب علم المعانى، ومن الطريف أنه نفذ إلى مصطلح المساواة المتوسطة بين الإيجاز والإطناب على نحو ما شاع ذلك بعده عند المشارقة منذ بدر (٣) الدين بن مالك المتوفى سنة ٦٨٦ كما نفذ إلى تقسيم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف، ويبدو أنه رأى أن يعدل عن الحديث فى الصور البيانية والمحسنات البديعية لأنها
стр. 3738
قتلت بحثا عند المشارقة وأيضا عند ابن رشيق، فأفرد فصولا لأنواع الأسلوب فى الكتابة وهى عنده سبعة: الأسلوب العاطل وهو الخالى من الأسجاع، والحالى وهو المحلى بالسجع والصور البيانية، والمصنوع وهو المسجوع الموشح بمحسنات البديع، والمرصع وهو ما حلّى بالأخبار والأمثال والأشعار والآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمغصّن وهو ما تتضمن فيه السجعتان المتقابلتان سجعات داخلية تتقابل فى كل سجعة طويلة مع قرينتها فى السجعة الطويلة التالية، وكأنما أصبح للسجعتين الأساسيتين فى الأسلوب أغصان وفروع مثل: «ومن السلام سلام وإن لاح جوهرا، ومن الكلام كلام وان فاح عنبرا» والمفصّل وهو ما تعقب فيه الأبيات الشعرية الجمل النثرية على شاكلة كتاب ملقى السبيل لأبى العلاء ولبديع الزمان الهمذانى رسالة مشهورة من هذا النوع، والأسلوب السابع المبتدع وهو ما تقرأ فيه سطور الكلمات والكلمات نفسها من جهتين أو أكثر، وهى صورة من التعقيد ليس فيها فن ولا جمال. وبعد فراغه من كل ذلك يتحدث عن فنون الكتابة من التوقيعات والخطب والحكم والأمثال والمقامات والحكايات والتوثيقات والمؤلفات، وهى أول مرة يتحدث فيها ناقد بإفاضة عن فنون النثر المختلفة.
وكان يعاصره المواعينى محمد (١) بن إبراهيم بن خيرة المتوفى سنة ٥٦٤ وله كتاب ريحان الألباب وريعان الشباب، جمع فيه ما يحتاج إليه الشاعر والكاتب من فنون وجعلها فى سبعة مراتب وتهمنا فى حديثنا عن مباحث البلاغة بالأندلس المرتبة الرابعة من هذه المراتب إذ جعلها للفصاحة والبلاغة وإنشاء الصناعة، وفيها أسهب فى بيان شروط الفصاحة مستمدا من كتابات المشارقة فيها وخاصة ابن سنان الخفاجى فى كتابه «سر الفصاحة» واستمد منه ومن الجاحظ فى حديثه عن عيوب الكلام من المعاظلة وغيرها، ويتحدث عن أنواع البديع متأثرا فيها بقدامة فى كتابه نقد الشعر والحاتمى فى كتابيه:
حلية المحاضرة وسر الصناعة.
ونمضى فى النصف الثانى من القرن السادس الهجرى فنرى البلاغة تلتحم فى الأندلس بالفلسفة عند ابن رشد إذ يتصدّى لكتابى الخطابة والشعر لأرسطو، فيلخصهما ويشرحهما بفكره العبقرى الناصع، وكان ابن سينا قد وضع لكتاب الخطابة تلخيصا، وتحول ابن رشد بهذا التلخيص إلى شرح موسع للكتاب ونصوصه موردا لكل مبدأ بلاغى فيه أمثلة من الشعر العربى على نحو ما يتضح فى قسمه الثالث الخاص بالعبارة
стр. 3739
وهو فيه يفصل الحديث فى أبواب علم البيان المعروفة: التشبيه والاستعارة والكناية، أما التشبيه (١) فيتحدث فيه عن أدواته وأن لكل أمة تشبيهاتها المستمدة من بيئتها، ويحذّر من التشبيهات النابية ملاحظا أن التشبيه ينبغى أن ينعقد بين أشياء متجانسة، ويلم بالتشبيهات التمثيلية المركبة، ويتحدث عن الاستعارة ويلاحظ-متأثرا بأرسطو-أن الاستعارة المكنية لا تقوم-مثل التصريحية-على التشبيه، ويعرض صورا مختلفة من الكناية. ويلاحظ أن الصور البيانية تتفاوت حسنا وقبحا كقول القائل فى وصف امرأة مخضوبة اليد بالحناء إنها وردية اليد وقول آخر إنها دموية اليد، فشتان-فى رأيه-بين الوصفين، ويلاحظ أيضا تفاوت البيان فى التعبيرات الحقيقية، وأن صور البيان البارعة تعرض مشاهد تامة، بل حية نابضة. وكل ذلك لم يفد منه البلاغيون بعد ابن رشد، ويتحدث عن الايجاز والإطناب والطباق والمقابلة وعن المبالغة ويقول إنها تقبل فى الشعر ولا تقبل فى النثر خطابة ورسائل، ومثلها الألفاظ الغريبة. وكان ابن سينا قد صنع قبل ابن رشد تلخيصا لكتاب الشعر، فعمد ابن رشد إلى إعادة تلخيصه وشرحه، بحيث أصبح عمله فى هذا الكتاب أشبه بتعريب له، ووقف فيه عند التشبيه وأنه قد يكون تشبيه محسوس بمحسوس أو تشبيه معنوى بمحسوس ملاحظا أنه ينبغى أن لا يكون بالأشياء الخسيسة، ويعرض أمثلة للاستعارة المكنية عند أبى تمام، ويهاجمها متأثرا بالآمدى فى كتابه الموازنة بين الطائيين أبى تمام والبحترى. ويعود إلى فكرة الصورة أو الصور المتكاملة فى بيتين أو ثلاث مما يصور مشاهد حية حافلة بالحركة والحياة، وعرض للكناية وللجناس التام والناقص وللطباق ولمراعاة النظير، وهاجم المبالغة فى الشعر التى تخرج إلى حد الاستحالة، بخلاف المبالغة المحمودة التى تعتمد على أصل من الواقع والحقيقة. ولم ينتفع البلاغيون بعده بملاحظاته الدقيقة.
ويجئ بعد ابن رشد بنحو قرن أبو البقاء (٢) صالح بن شريف الرندى المتوفى سنة ٦٨٤ للهجرة، وله كتاب مخطوط فى المكتبة التيمورية، يسمى: «الوافى فى نظم القوافى» وهو فى أربعة أجزاء أولها فى فضل الشعر، والشعراء وطبقاتهم، وعمل الشعر وأغراضه
стр. 3740
وآدابه، وهو يتأثر فيه بابن رشيق فى كتابه العمدة، والجزء الثانى فى محاسن الشعر وبديعه ومعانيه، والثالث فى سرقات الشعراء، والرابع فى حد الشعر والعروض. والجزء الثانى فى الكتاب يلتقى فى وضوح بمباحث البلاغة المعروفة عند المشارقة، إذ يتناول فيه الصور البيانية من تشبيه واستعارة وغيرهما، كما يتناول المحسنات البديعية، وقد أضاف اليها نحو ثلاثين محسنا. ومن أهم ما تحدث عنه من المحسنات الطباق والمقابلة والتجنيس والتصدير والتضمين والتتميم والتسهيم والترصيع والمبالغة، وفى كل ذلك يتأثر بابن رشيق وكتابه العمدة. وقلما نلتقى بعد الرندى فى الأندلس بكتب مستقلة فى علوم البلاغة، وكأنها ارتضت أن تعيش فيها على ما يكتبه المشارقة.
وأخذت الكتابات النقدية تنشط فى الأندلس منذ القرن الخامس الهجرى على نحو ما يتضح فى رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد المتوفى بقرطبة سنة ٤٢٦ للهجرة وسنفصل القول فى هذه الرسالة (١) فى الفصل الأخير وبها كثير من الآراء النقدية، ونحن نسوقها مرتبة بترتيب ابن بسام لها، فمن ذلك ذهابه إلى أن اللغويين والنحاة القائمين على تعليم الناشئة البيان لا يصلحون للقيام على هذا التعليم ويهاجم فى رسالته شيخهم ابن الإفليلى، لأنهم يفقدون فى رأيه الملكة الأدبية أو كما يقول الطبع والذوق الأدبى، وينوه بروعة الكلام وجمال نسقه قائلا: «إن للحروف أنسابا وقرابات تبدو فى الكلمات فإذا جاور النسيب النسيب ومازج القريب القريب طابت الألفة وحسنت الصحبة».
ويلاحظ على أبى تمام كثرة الجناسات ويرى من الخير للشاعر أن لا يغرق فيها، بل ينحو منحى الاعتدال، ويشيد بالطبع وحسن البديهة والجمع بين المعانى الخفية الدقيقة والأساليب الناصعة البيّنة. ويعرض لسرقات الشعراء للمعانى بعضهم من بعض، وينصح الشاعر إذا أخذ معنى سبقه إليه غيره أن يحسن صياغته، ونحس دائما عنده رهافة الذوق الأدبى ودقة الإحساس بالجمال الفنى. ويعرض ابن حزم بعده لمراتب البلاغة، وينوه بالبلاغة المكونة من الألفاظ المألوفة عند عامة المثقفين كبلاغة الجاحظ كما ينوه بالبراعة فى الشعر ويقصد بها إيراد المعانى الدقيقة البعيدة ويقول إن الشعر مبنى على الإغراق والمبالغة.
ونمضى إلى القرن السادس الهجرى ونلتقى بابن خفاجة ومقدمته لديوانه، وفيها ينوّه
стр. 3741
بالتخييل فى الشعر ويعيب على نقاد عصره تمسكهم بالجزالة حتى فى الغزل مع أن الرقة مستحسنة فيه على نحو ما يلاحظ فى شعر عبد المحسن الصورى والشريف الرضى ومهيار. وكان يعاصره الأشتركونى الذى مر ذكره بين اللغويين وله مقامات سنعرض لها فى غير هذا الموضع ونراه فى مقامتين من مقاماته يصدر أحكاما سريعة على أعلام الشعر المشرقى حتى زمن مهيار، وهى أحكام منثورة فى كتب النقد عند المشارقة وليس فيها نظرات جديدة. ويلقانا ابن بسام بكتابه الضخم: «الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة» من الشعراء والكتاب، وصفحات مجلداته الثمانية تكتظ تراجم الشعراء فيها ببيان كثرة ما أخذوا من المعانى المبثوثة فى أشعار المشارقة، وبذلك يفتح دراسة واسعة لتحويرات شعراء الأندلس لمعانى الشعر المشرقى وصوره وأخيلته، ونراه يحمل (١) على من يضمن شعره بعض ألفاظ فلسفية مثل المتنبى أو بعض معان إلحادية مما نسب إلى أبى العلاء، كما يحمل على الاستعارات البعيدة مما يؤكد نزعته المحافظة. ويلقانا عند الكلاعى الذى تحدثنا عنه بين البلاغيين كتاب له باسم الانتصار لأبى الطيب غير أنه مفقود. ويخرج المواعينى فى كتابه ريحان الألباب شعر المواعظ والحكم من الشعر بمعناه الدقيق.
وكل ما قدمنا من نشاط نقدى كان يرتكز على نقد المشارقة، وقلما التحم منه شئ بالنقد المشوب بالفلسفة اليونانية وما نقل عن اليونان فى كتابى الشعر والخطابة لأرسطو، وكأنما احتفظ النقد الأندلسى بذلك لناقد متأخر هو حازم (٢) القرطاجنى المتوفى بتونس سنة ٦٨٤ وسنترجم له بين أصحاب الشعر التعليمى وهو فى النقد الأندلسى يقابل ابن رشد فى البلاغة الأندلسية الذى سبقه بنحو قرن، وقد ولد حازم-ونشأ-بقرطاجنة شرقى الأندلس، وهاجر منها-حين سقطت فى حجر الروم-إلى المغرب وعاش فى ظل الدولة الحفصية. وله فى النقد كتاب يسمى «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، سقط منه قسمه الأول وكان يتناول-كما ذكر محققة-القول وأجزاءه والأداء وطرقه وأثر الكلام فى السامعين، وسلمت منه ثلاثة أقسام تتناول صناعة الشعر وطريقة نظمه وتتعمق فى بحث المعانى والمبانى والأسلوب، وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة موزع على أربعة أبواب، ويسمى حازم كلا منها باسم منهج وكل باب أو منهج يتألف من فصول اختار لكل منها
стр. 3742
اسم معلم أو معرف، ويعنى المعلم بالتفريعات المنطقية غالبا بينما يعنى المعرف بالدلالات النفسية، وكل فصل يختم بملاحظات سماها مأمّا أى مقصدا، وكل فصل تتناثر فيه كلمات إضاءة وتنوير، والإضاءة بسط لفكرة فرعية، والتنوير بسط لفكرة جزئية. وقد حقق الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة الأقسام الثلاثة الباقية من الكتاب تحقيقا علميا سديدا وقدم لها بمدخل علمى قيم تناول فيه مصادر حياة حازم وحياته ومصنفاته وتحليل كتابه ومميزاته ومنزلته بين كتب النقد العربية.
وحازم فى كتابه يمزج بين قواعد النقد والبلاغة عند العرب وقواعدهما عند اليونان، وقد ذكر من أصحاب البلاغة والنقد العربى الجاحظ صاحب البيان والتبيين أربع مرات، وذكر ابن سنان الخفاجى صاحب سر الصناعة مرارا وأكثر من ذكر قدامة صاحب نقد الشعر. وأما اليونان فعوّل فيهم على أرسطو من خلال تلخيص ابن سينا لكتابه عن الشعر فى الفن التاسع من كتاب الشفاء وقد أشار إليه فى الكتاب أربع عشرة مرة كما أشار إلى تلخيص الفارابى للكتاب مرتين، ويصرح بأنه ذكر من تفاصيل صنعة الشعر ما جاء عند ابن سينا خاصة عنه. وهو فى أكثر كتابه يعد شارحا لما جاء عنده من أقاويل أرسطو، وقد سيطرت عليه فكرة أرسطو المشهورة؛ أن الشعر محاكاة لأعمال الناس، وغاب عنه أنه كان يتحدث عن الشعر اليونانى والمأساة فيه وأنها تمثل أعمالا وأفعالا للناس. وجعله ذلك يظن أن المحاكاة هى تشبيه الأشياء. ومع سيطرة هذه الفكرة فى الكتاب نفذ حازم إلى كثير من الآراء البصيرة الدقيقة عن الشعر. وهو فى القسم الثانى أول الأقسام المنشورة من كتابه يبحث فى الشعر وقيامه على التخييل فى المعانى والتصرف فيها وطرق اجتلابها وتأثيرها فى النفوس دافعا عن معانى الشعر ما لا يلائمها من المعانى العلمية مع بيان طريقة انتقاء الشعراء لمعانيهم ووجوه تأليفها وبيان ما ينبغى لكل عمل فنى من مهيآت وأدوات وبواعث، وألم بما رآه فى البلاغة والنقد العربيين من الحديث عن المطابقة والمقابلة والتقسيم والتفسير والتفريع، ويقول إنه لا بد فى الشعر من إثارة الإغراب والتعجب، ونفى عن الشعر ما يقال بسبب المبالغة فيه من انطوائه على الكذب، ويقول إنه أكثر صدقا من الخطابة القائمة على إيقاع الظن إيقاع اليقين، وينبه على أهمية الاستعارة والتشبيه، وينوّه بآراء علماء البلاغة والنقد من العرب. وفى القسم التالى يبحث فى الملكة الشعرية ومقوماتها وفى أوزان الشعر واستخدامها وأعاريضها ويحاول أن يصور مدى تناسبها مع الأغراض الشعرية، ويقول إنه لا بد فى القصيدة من ترابط أجزائها ويشيد بالمتنبى وصنيعه المحكم فى قصائده. وفى القسم الأخير قسّم الشعر
стр. 3743
إلى جدى وهزلى وتحدث عن موضوعات الشعر العربى ونوه بالشريف الرضى ومهيار وابن خفاجة، كما تحدث عن الأساليب الشعرية ونوه بابن المعتز والبحترى والمتنبى وأبى تمام وابن الضحاك وأبى سعيد المخزومى ويقول إن وظيفة الناقد صعبة وإنه تصعب المفاضلة بين الشعراء إلا إذا كانوا ممتازين ولكل منهم امتيازه وتفرده الواضح. وحازم يختتم النشاط النقدى فى الأندلس، فلم يظهر فيها بعده ناقد كبير.
٤ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام
أخذ المؤدبون فى الأندلس يحفّظون الناشئة سورا من القرآن الكريم منذ استقر المسلمون هناك، ومرّ بنا أنه كان من أوائل هؤلاء المؤدبين الغازى بن قيس الذى كان يؤدب الناشئة قبل دخول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس سنة ١٣٨ للهجرة وذكرنا أنه رحل إلى المشرق طلبا للعلم وقد أخذ عن نافع مقرئ أهل المدينة وأحد القراء السبعة المشهورين قراءته، وهو أول من أدخلها-كما يقول الزبيدى-إلى الأندلس، وكان ابنه عبد الله يقرئ بها-بعده-الناشئة والناس، وكان يعاصر عبد الله بن الغازى أبو عبد الله محمد بن عبد الله مؤدب أبناء الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) ويقول الزبيدى إن له رحلة إلى المشرق أخذ فيها عن ورش عثمان بن سعيد القبطى الأصل المصرى تلميذ نافع قراءته، وأخذت تشيع هذه القراءة فى الأندلس كما أخذت تشيع فى المغرب عن طريق تلاميذ آخرين لورش، ولا تزال شائعة فيه إلى اليوم. ومن حين إلى آخر طوال العصر يلقانا من اشتهروا بهذه القراءة مثل عبد الله (١) بن محمد القضاعى الذى كان يقرئ الناس بقراءة ورش فى عهد الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) حتى توفى سنة ٣٧٨. وما نكاد نصل إلى نهاية القرن الرابع وأوائل الخامس حتى نجد نفرا من الأندلسيين يأخذون القراءات-وخاصة القراءات السبع-عن المشارقة ويحاولون التأليف فيها مقتدين بهم فى ذلك إذ نجد بقرطبة مؤلفا كبيرا فى القراءات هو أبو عمر (٢) الطلمنكى المولود سنة ٣٤٠ وقد رحل إلى المشرق فأخذ القراءات عن أئمتها فى الشام
стр. 3744
ومصر، وخاصة عن عبد المنعم بن غلبون المتوفى سنة ٣٨٩ صاحب كتاب الإرشاد فى القراءات السبع وشيخ المقرئين بالقاهرة، وعاد إلى قرطبة يعنى بدراستها حتى توفى سنة ٤٢٩ وله فيها كتاب الروضة. وكان يقرئ الناس معه بقرطبة مكى (١) بن أبى طالب المعروف بحموش القيروانى منذ نزلها سنة ٣٩٣ إلى أن توفى سنة ٤٣٧ وهو تلميذ عبد المنعم بن غلبون مثل الطلمنكى، وعدّ له ابن خلكان فى القراءات واختلاف القراء تصانيف كثيرة منها كتاب التبصرة فى خمسة أجزاء، وكتاب فى أصول قراءة نافع وذكر الاختلاف عنه فى جزءين وكتاب فى تصحيح المدّ لورش فى ثلاثة أجزاء. ومن القراء المهمين حينئذ أبو عمر وعثمان بن سعيد الدانى (٢) المولود بقرطبة سنة ٣٧١ وقد رحل إلى مصر سنة ٣٩٧ وأخذ القراءات عن شيوخها وعاد إلى قرطبة يقرئ بها القرآن إلى سنة ٤٠٣ إذ تركها سبعة أعوام إلى سرقسطة فى الشمال وعاد إلى قرطبة وتركها سريعا إلى المرية ورحل عنها إلى جزيرة ميورقة فأقام بها ثمانية أعوام، ثم غادرها إلى دانية سنة ٤١٧ واتخذها سكنا ودار إقامة إلى أن توفى سنة ٤٤٤ للهجرة، وهو أحد الأئمة فى قراءات القرآن وتفسيره وعلومه، وله فيها مصنفات حسان يطول تعدادها، منها كتاب التيسير فى القراءات السبع وعليه عوّل الأندلسيون وهو منشور، وله كتاب إيجاز البيان فى قراءة ورش عن نافع، ونشر له فى دمشق كتاب المحكم فى نقط المصاحف. ويلقانا بعده محمد (٣) بن شريح الإشبيلى المتوفى سنة ٤٧٦ وكتابه الكافى فى القراءات. وأهم قراء الأندلس بعد الدانى الإمام الشاطبى (٤) الضرير القاسم بن فيرّه نزيل القاهرة المتوفى بها سنة ٥٩٠ نزلها سنة ٥٧٢ ورتبه القاضى الفاضل وزير صلاح الدين بمدرسته متصدرا لإقراء القرآن الكريم وقراءاته، وله قصيدة «حرز الأمانى ووجه التهانى فى القراءات» وعدّتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، وعليها عوّل القراء فى زمنه وبعد زمنه حفظا وقراءة وتفسيرا، ولها شروح كثيرة، يقول ابن خلدون: «استوعب الشاطبى ما دوّنه
стр. 3745
الدانى فى القراءات بقصيدته وعنى الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين وجرى العمل على ذلك فى أمصار المغرب والأندلس (١)». وخاتمة قراء الأندلس أبو حيان الغرناطى الذى مر ذكره بين النحاة، ويقول فى مقدمة تفسيره إن له فى القراءات منظومة فى ألف بيت وأربعة وأربعين ويذكر من ترجموا له أن له كتابا فى كل قارئ من القراء السبعة وأيضا كتابا فى قراءة زيد بن على إمام الزيدية.
ومعروف أنه تكونت حول القرآن علوم كثيرة تتناول نقطه ورسمه والإملاءات فيه والإدغام والوقف والابتداء كما تتناول مشكل معانيه وناسخه ومنسوخه وأحكامه، وللقارئين: الدانى ومكى فى ذلك كتب مختلفة. وظلت الأندلس تعنى بتلك العلوم وظل الأندلسيون يؤلفون فيها مثل المشارقة، ويطول بنا الحديث لو تعقبنا ما كتبوا فيها.
وحسبنا أن نتحدث عن نشاطهم فى تفسير الكتاب العزيز، ومن أقدم ما ألّف فيه هناك كتاب بقى (٢) بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ للهجرة، وفيه يقول ابن حزم: «هو الكتاب الذى أقطع قطعا لا أستثنى فيه أنه لم يؤلف فى الإسلام تفسير مثله: لا تفسير محمد بن جرير الطبرى ولا غيره» وابن حزم يضعه فوق تفسير الطبرى أهم التفاسير المشرقية للذكر الحكيم حتى زمنه فى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى. ونلتقى بعد بقى بمحمد (٣) بن عبد الله بن أبى زمنين المتوفى سنة ٣٩٩ وله مختصر فى التفسير منه مخطوطة بمكتبة القرويين، ولمكى المذكور آنفا تفسير ضخم سماه: «الهداية إلى بلوغ النهاية فى معانى القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه» وكان فى سبعين جزءا، وسقط من يد الزمن. وأهم تفسير أنتجته الأندلس بعد تفسير بقى التفسير الكبير لابن عطية (٤) أبى محمد عبد الحق بن غالب بن عطية قاضى المريّة المتوفى سنة ٥٤٢، وولى أبوه قبله قضاء غرناطة، فهو من بيت علم وفضل، وكان فقيها نابها عارفا بالأحكام والحديث، وكتابه المحرر الوجيز فى التفسير من أحسن التآليف فيه وأبدع التصانيف على مر الأزمنة، وسماه الوجيز تواضعا، وهو فى مجلدات ضخمة، وفيه لخّص-كما يقول
стр. 3746
ابن خلدون-التفاسير المأثورة كلها وتحرّى الأقرب إلى الصحة منها، وتداول تفسيره بعده أهل المغرب والأندلس (١). وينسب لمحيى الدين بن عربى المتوفى سنة ٦٣٨ تفسير مطبوع، وأكبر الظن أن نسبته له غير صحيحة، ونلتقى بعده بالقرطبى (٢) محمد بن أحمد نزيل مصر الذى اختار المنيا بالصعيد سكنا إلى أن توفى سنة ٦٧١ وله تفسيره المشهور المسمى: «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآى القرآن» وهو فى عشرين مجلدا، سار فيه على نهج ابن عطية فى تفسيره (٣). ويختتم نشاط الأندلسيين فى تفسير القرآن العظيم بكتاب البحر المحيط لأبى حيان الذى مرّ بنا ذكره بين النحاة وهو فى ثمانى مجلدات ضخام، ويذكر فى مقدمته مصادره فى اللغة والنحو والبلاغة والحديث النبوى وأصول الفقه وعلم الكلام وكتب القراءات والتفسير ويشيد بتفسير عبد الحق بن عطية مواطنه وتفسير الزمخشرى، ويذكر من روى عنهم هذين التفسيرين خاصة لأنه كثير النقل عنهما والمراجعة لهما فى تفسيره، ويعنى فيه عناية واسعة بوجوه الإعراب وببيان لغات العرب كما يعنى بالقراءات السبع وما وراءها مما يكمل القراءات الأربع عشرة والشاذة.
ونشطت الأندلس فى علم الحديث نشاطا واسعا منذ محدثها وقاضيها معاوية (٤) بن صالح المتوفى سنة ١٧٨ سواء فى روايته أو فى التصنيف فيه وفى رجاله. ويتسع هذا النشاط منذ القرن الثالث الهجرى، ونلتقى فيه ببقى بن مخلد الذى مر ذكره بين المفسرين، وله فى الحديث النبوى مصنف يقول فيه ابن حزم: «له فى الحديث مصنفه الكبير الذى رتبه على أسماء الصحابة رضى الله عنهم، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صحابى ونيف، ثم رتب حديث كل صحابى على أسماء الفقه وأبوابه فهو مصنف ومسند» أى أنه مصنف فى الفقه وأحكامه ومسند على طريقة مسند ابن حنبل يراعى فيه الصحابى الراوى للحديث عن رسول الله ﷺ ومع كل حديث سنده، ويقول ابن حزم: «ما أعلم أحدا سبق بقى بن مخلد إلى مثل ذلك مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله وجودة شيوخه،
стр. 3747
فإنه روى أحاديثه فى المصنف عن مائتى رجل وأربعة وثمانين ليس فيهم عشرة ضعاف وسائرهم أعلام مشاهير» (١) ويقول ابن حيان فى المقتبس به انتشر الحديث بالأندلس ورسا أصله، ثم تلاه محمد (٢) بن وضّاح المتوفى سنة ٢٨٧ - وله رحلتان إلى المشرق-فى نشر الحديث وسعة الرواية، «فاستوسع أهل الأندلس فى الحديث من يومئذ وصارت دار حديث ومعدن؟ ؟ ؟ سنة» (٣) وهما لم يدفعا الأندلس إلى السعة فى الحديث وروايته فحسب، بل دفعاها أيضا إلى معرفة طرقه وعلله. ويلقانا بعد بقى وابن وضاح تلميذهما ثابت (٤) بن عبد العزيز السرقسطى المتوفى سنة ٣١٣ وابنه قاسم المتوفى قبله سنة ٣٠٣ وقد رحلا إلى المشرق فى طلب الحديث وعادا إلى قرطبة، فعنى قاسم بتأليف كتاب فى غريب الحديث سماه «الدلائل» وحال الموت بينه وبين تمامه فأتمه أبوه، ويقول ابن حزم إن كتاب الغريب المصنف المشهور فى غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلام لا يتميز عليه إلا بالتقدم فى زمن تأليفه فحسب. ومن أهم المحدثين فى القرن الرابع قاسم (٥) بن أصبغ تلميذ بقى بن مخلد وابن وضاح المتوفى سنة ٣٤٠ وله كتاب غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس فى الموطأ، وكتاب المجتبى ويشيد ابن حزم بعلو سنده، ويقول: له فى الحديث مصنف، وكذلك لمعاصره محمد (٦) بن عبد الملك بن أيمن (المتوفى سنة ٣٣٠) وهما مصنفان رفيعان احتويا من صحيح الحديث وغريبه ما ليس فى كثير من كتب المصنفات. ويلقانا فى آخر القرن الرابع ابن فطيس المتوفى سنة ٤٠١ وينوه ابن بشكوال فى كتابه الصلة بحفظه للحديث وعلله، ومعرفته بأسماء الرواة: المعدّلين منهم والمجرّحين (٧). ونلتقى فى القرن الخامس بكتاب الجمع بين الصحيحين للحميدى (٨) صاحب جذوة المقتبس التى نرجع إليها فى الهوامش المتوفى سنة ٤٨٨. ويتكاثر المصنفون لكتب الحديث النبوى فى القرن السادس الهجرى، ومنهم رزين (٩) السرقسطى المتوفى سنة ٥٢٤ وله كتاب التجريد فى الجمع بين الموطأ والصحاح الخمس: البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى، وقد
стр. 3748
دوت شهرته فى المغرب والمشرق وعليه اعتمد ابن الأثير فى كتابه «جامع الأصول».
وجاء بعده الرشاطى (١) عبد الله بن على المتوفى سنة ٥٤٢ وله كتاب فى أنساب رواة الحديث على نهج كتاب الأنساب للسمعانى،
وجاء بعده ابن قرقول (٢): إبراهيم بن يوسف المتوفى سنة ٥٦٩ وله كتاب مطالع الأنوار وضعه على مثال كتاب مشارق الأنوار للقاضى عياض فى غريب الحديث. وكان يعاصره عبد الحق (٣) الإشبيلى المعروف بابن الخراط المتوفى سنة ٥٨١ وله كتاب الجمع بين الصحيحين: البخارى ومسلم، وله أيضا كتاب فى الجمع بين الصحاح الستة وكتاب فى المعتل من الحديث وكتاب فى غريبى القرآن والحديث ضاهى به الغريبين للهروى وثلاث نسخ من كتاب له فى الأحكام: كبرى ووسطى وصغرى. ومن أهم المحدثين بالأندلس فى القرن السابع الهجرى ابن القطان (٤) على بن محمد المتوفى بفاس سنة ٦٢٨ وكان من أبصر العلماء بالحديث وعلله ورجاله ورأس طلبة الحديث بمراكش قاطبة، ويذكر ابن الأبار أن له تآليف مختلفة فى الحديث. وخاتمة المحدثين بالأندلس أحمد بن (٥) فرح الإشبيلى نزيل دمشق وبجامعها حدّث إلى أن توفى سنة ٦٩٩ وله قصيدة غزلية ضمّن أبياتها أكثر مصطلحات الحديث. وللأندلسيين معاجم مختلفة فى رجال الحديث ورواته، من أهمها كتاب أنساب الرواة للرشاطى المار ذكره، ومن أهمها أيضا كتاب طبقات المحدثين وطبقات أئمة الفقهاء لابن الدباغ (٦) يوسف بن عبد العزيز الأندى المتوفى سنة ٥٤٦ وكان من أعرف المحدثين بثقات الرواة وضعفائهم.
وللأندلس نشاط خصب فى الفقه ودراساته، وكانت تعتمد فيه أولا على مذهب الإمام الأوزاعى فقيه الشام المشهور المتوفى سنة ١٥٧ للهجرة، إذ كان أكثر العرب الفاتحين للأندلس والقادمين إليها من الشام، فكان الفقهاء يفتون الناس به، وفى مقدمتهم صعصعة (٧) بن سلام تلميذه المتوفى سنة ١٩٢ وهو الذى أفتى الناس هناك-أخذا برأى
стр. 3749
أستاذه-بغرس الشجر فى صحن المسجد الجامع بقرطبة، وظل به العمل فى المساجد الجامعة بالأندلس (١) بعد انصرافها عن مذهب الأوزاعى إلى مذهب مالك (٢) بن أنس إمام المدينة، إذ كانوا يرحلون فى كل عام إلى الحجاز للحج، وكانت المدينة حتى وفاة مالك سنة ١٧٩ تعدّ دار الفقه ويؤمها ويؤم إمامها مالك التلاميذ من كل فجّ، فكان طبيعيا أن يكون بين هؤلاء التلاميذ أندلسيون، وخاصة أنه كان لمالك سمعة مدوّية فى العالم الإسلامى، وأيضا فإن عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) وابنه هشاما (١٧٢ - ١٨٠ هـ) دفعا الطلاب للرحلة إلى مالك لأنه كان مغاضبا للعباسيين منذ أفتى أهل المدينة بالتحلل من بيعة الخليفة المنصور ومبايعة النفس الزكية محمد بن عبد الله سليل الحسن بن على بن أبى طالب سنة ١٤٥ ولم يلبث واليها جعفر بن سليمان أن دعا بمالك سنة ١٤٦ بعد القضاء على ثورة النفس الزكية، وجرّده وضربه بالسياط عقابا له على فتواه (٣). وهو ما جعل-فى رأينا-عبد الرحمن الداخل وابنه هشاما يتشيعان لمالك ومذهبه الفقهى نصرة له ضد العباسيين وصاحبهم أبى حنيفة وتلاميذه، مما أشعل الحماسة فى نفوس طلاب العلم الأندلسيين للتلمذة على مالك وحمل كتابه الموطأ إلى الأندلس ودراسته للطلاب بقرطبة وغير قرطبة، ومن أوائل من أدخله إلى الأندلس-إن لم يكن أول من أدخله-الغازى بن قيس الذى مر بنا بين المؤدبين والقراء، يقول ابن القوطية:
«فى أيام عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) دخل الغازى بن قيس الأندلس بالموطأ عن مالك وبقراءة نافع، وكان له مكرما ومتكررا عليه بالصلة فى منزله» (٤) ويقول الحميدى:
كانت تدور الفتيا على الغازى بن قيس فى عهد هشام إذ كان مشاورا مع مصعب بن عمران (٥). ومن أوائل من أدخلوا الموطأ أيضا إلى الأندلس شبطون (٦): زياد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٢٠٤ وفى بعض الروايات أنه أول من أدخل الموطأ إلى
стр. 3750
الأندلس. وأول فقيه أندلسى مالكى يعدّ-بحق-بين أئمتها المالكيين عيسى (١) بن دينار المتوفى سنة ٢١٢ ويقول ابن حيان فى المقتبس: «رحل عيسى فأدرك أصحاب مالك، وسمع من عبد الرحمن بن القاسم رئيس المدرسة المالكية بمصر حتى وفاته سنة ١٩١ واقتصر عليه فاعتلت فى الفقه المالكى طبقته. . وكان محمد بن وضاح يقول:
«هو الذى علّم أهل الأندلس الفقه» ويقول أيضا ابن حيان: «كان لا يعدّ فى الأندلس أفقه منه فى نظرائه» وله فى الفقه المالكى كتاب الهداية، وفيه يقول ابن حزم إنه من أرفع الكتب وأجمعها فى معناها على مذهب مالك وتلميذه عبد الرحمن بن القاسم (٢). وتألق فى الفقه المالكى بالأندلس بعد ابن دينار نجم يحيى (٣) الليثى المتوفى سنة ٢٣٤ وقد سمع الموطأ فى أول نشأته بالأندلس من شبطون ورحل فى الثامنة والعشرين من عمره إلى المشرق ولحق الليث بن سعد فقيه مصر، كما لحق مالكا وسمع الموطأ منه إلا بعض أبواب سمعها فى الفسطاط من عبد الرحمن بن القاسم. وكان أقرب الفقهاء إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم الربضى (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) وكان يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه ويقول ابن حزم: «إنه كان لا يولّى قاضيا إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه المالكى وبذلك انتشر مذهب مالك فى الأندلس». ولم يقبل تولى القضاء إذ فرّغ نفسه للدراسة ولقاء طلابه الكثيرين.
وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنوضح-من بعض الوجوه-مدى ما كان للفقهاء المصريين من تأثير فى الفقه المالكى وفقهائه فى الأندلس فإن إمامهم عيسى بن دينار تخرّج فى الفقه المالكى على يد عبد (٤) الرحمن بن القاسم، وتخرّج مثله على يده سحنون