← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

ابن خلدون-التفاسير المأثورة كلها وتحرّى الأقرب إلى الصحة منها، وتداول تفسيره بعده أهل المغرب والأندلس (١). وينسب لمحيى الدين بن عربى المتوفى سنة ٦٣٨ تفسير مطبوع، وأكبر الظن أن نسبته له غير صحيحة، ونلتقى بعده بالقرطبى (٢) محمد بن أحمد نزيل مصر الذى اختار المنيا بالصعيد سكنا إلى أن توفى سنة ٦٧١ وله تفسيره المشهور المسمى: «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآى القرآن» وهو فى عشرين مجلدا، سار فيه على نهج ابن عطية فى تفسيره (٣). ويختتم نشاط الأندلسيين فى تفسير القرآن العظيم بكتاب البحر المحيط لأبى حيان الذى مرّ بنا ذكره بين النحاة وهو فى ثمانى مجلدات ضخام، ويذكر فى مقدمته مصادره فى اللغة والنحو والبلاغة والحديث النبوى وأصول الفقه وعلم الكلام وكتب القراءات والتفسير ويشيد بتفسير عبد الحق بن عطية مواطنه وتفسير الزمخشرى، ويذكر من روى عنهم هذين التفسيرين خاصة لأنه كثير النقل عنهما والمراجعة لهما فى تفسيره، ويعنى فيه عناية واسعة بوجوه الإعراب وببيان لغات العرب كما يعنى بالقراءات السبع وما وراءها مما يكمل القراءات الأربع عشرة والشاذة. ونشطت الأندلس فى علم الحديث نشاطا واسعا منذ محدثها وقاضيها معاوية (٤) بن صالح المتوفى سنة ١٧٨ سواء فى روايته أو فى التصنيف فيه وفى رجاله. ويتسع هذا النشاط منذ القرن الثالث الهجرى، ونلتقى فيه ببقى بن مخلد الذى مر ذكره بين المفسرين، وله فى الحديث النبوى مصنف يقول فيه ابن حزم: «له فى الحديث مصنفه الكبير الذى رتبه على أسماء الصحابة رضى الله عنهم، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صحابى ونيف، ثم رتب حديث كل صحابى على أسماء الفقه وأبوابه فهو مصنف ومسند» أى أنه مصنف فى الفقه وأحكامه ومسند على طريقة مسند ابن حنبل يراعى فيه الصحابى الراوى للحديث عن رسول الله ﷺ ومع كل حديث سنده، ويقول ابن حزم: «ما أعلم أحدا سبق بقى بن مخلد إلى مثل ذلك مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله وجودة شيوخه،

стр. 3747

فإنه روى أحاديثه فى المصنف عن مائتى رجل وأربعة وثمانين ليس فيهم عشرة ضعاف وسائرهم أعلام مشاهير» (١) ويقول ابن حيان فى المقتبس به انتشر الحديث بالأندلس ورسا أصله، ثم تلاه محمد (٢) بن وضّاح المتوفى سنة ٢٨٧ - وله رحلتان إلى المشرق-فى نشر الحديث وسعة الرواية، «فاستوسع أهل الأندلس فى الحديث من يومئذ وصارت دار حديث ومعدن؟ ؟ ؟ سنة» (٣) وهما لم يدفعا الأندلس إلى السعة فى الحديث وروايته فحسب، بل دفعاها أيضا إلى معرفة طرقه وعلله. ويلقانا بعد بقى وابن وضاح تلميذهما ثابت (٤) بن عبد العزيز السرقسطى المتوفى سنة ٣١٣ وابنه قاسم المتوفى قبله سنة ٣٠٣ وقد رحلا إلى المشرق فى طلب الحديث وعادا إلى قرطبة، فعنى قاسم بتأليف كتاب فى غريب الحديث سماه «الدلائل» وحال الموت بينه وبين تمامه فأتمه أبوه، ويقول ابن حزم إن كتاب الغريب المصنف المشهور فى غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلام لا يتميز عليه إلا بالتقدم فى زمن تأليفه فحسب. ومن أهم المحدثين فى القرن الرابع قاسم (٥) بن أصبغ تلميذ بقى بن مخلد وابن وضاح المتوفى سنة ٣٤٠ وله كتاب غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس فى الموطأ، وكتاب المجتبى ويشيد ابن حزم بعلو سنده، ويقول: له فى الحديث مصنف، وكذلك لمعاصره محمد (٦) بن عبد الملك بن أيمن (المتوفى سنة ٣٣٠) وهما مصنفان رفيعان احتويا من صحيح الحديث وغريبه ما ليس فى كثير من كتب المصنفات. ويلقانا فى آخر القرن الرابع ابن فطيس المتوفى سنة ٤٠١ وينوه ابن بشكوال فى كتابه الصلة بحفظه للحديث وعلله، ومعرفته بأسماء الرواة: المعدّلين منهم والمجرّحين (٧). ونلتقى فى القرن الخامس بكتاب الجمع بين الصحيحين للحميدى (٨) صاحب جذوة المقتبس التى نرجع إليها فى الهوامش المتوفى سنة ٤٨٨. ويتكاثر المصنفون لكتب الحديث النبوى فى القرن السادس الهجرى، ومنهم رزين (٩) السرقسطى المتوفى سنة ٥٢٤ وله كتاب التجريد فى الجمع بين الموطأ والصحاح الخمس: البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى، وقد

стр. 3748

دوت شهرته فى المغرب والمشرق وعليه اعتمد ابن الأثير فى كتابه «جامع الأصول». وجاء بعده الرشاطى (١) عبد الله بن على المتوفى سنة ٥٤٢ وله كتاب فى أنساب رواة الحديث على نهج كتاب الأنساب للسمعانى، وجاء بعده ابن قرقول (٢): إبراهيم بن يوسف المتوفى سنة ٥٦٩ وله كتاب مطالع الأنوار وضعه على مثال كتاب مشارق الأنوار للقاضى عياض فى غريب الحديث. وكان يعاصره عبد الحق (٣) الإشبيلى المعروف بابن الخراط المتوفى سنة ٥٨١ وله كتاب الجمع بين الصحيحين: البخارى ومسلم، وله أيضا كتاب فى الجمع بين الصحاح الستة وكتاب فى المعتل من الحديث وكتاب فى غريبى القرآن والحديث ضاهى به الغريبين للهروى وثلاث نسخ من كتاب له فى الأحكام: كبرى ووسطى وصغرى. ومن أهم المحدثين بالأندلس فى القرن السابع الهجرى ابن القطان (٤) على بن محمد المتوفى بفاس سنة ٦٢٨ وكان من أبصر العلماء بالحديث وعلله ورجاله ورأس طلبة الحديث بمراكش قاطبة، ويذكر ابن الأبار أن له تآليف مختلفة فى الحديث. وخاتمة المحدثين بالأندلس أحمد بن (٥) فرح الإشبيلى نزيل دمشق وبجامعها حدّث إلى أن توفى سنة ٦٩٩ وله قصيدة غزلية ضمّن أبياتها أكثر مصطلحات الحديث. وللأندلسيين معاجم مختلفة فى رجال الحديث ورواته، من أهمها كتاب أنساب الرواة للرشاطى المار ذكره، ومن أهمها أيضا كتاب طبقات المحدثين وطبقات أئمة الفقهاء لابن الدباغ (٦) يوسف بن عبد العزيز الأندى المتوفى سنة ٥٤٦ وكان من أعرف المحدثين بثقات الرواة وضعفائهم. وللأندلس نشاط خصب فى الفقه ودراساته، وكانت تعتمد فيه أولا على مذهب الإمام الأوزاعى فقيه الشام المشهور المتوفى سنة ١٥٧ للهجرة، إذ كان أكثر العرب الفاتحين للأندلس والقادمين إليها من الشام، فكان الفقهاء يفتون الناس به، وفى مقدمتهم صعصعة (٧) بن سلام تلميذه المتوفى سنة ١٩٢ وهو الذى أفتى الناس هناك-أخذا برأى

стр. 3749

أستاذه-بغرس الشجر فى صحن المسجد الجامع بقرطبة، وظل به العمل فى المساجد الجامعة بالأندلس (١) بعد انصرافها عن مذهب الأوزاعى إلى مذهب مالك (٢) بن أنس إمام المدينة، إذ كانوا يرحلون فى كل عام إلى الحجاز للحج، وكانت المدينة حتى وفاة مالك سنة ١٧٩ تعدّ دار الفقه ويؤمها ويؤم إمامها مالك التلاميذ من كل فجّ، فكان طبيعيا أن يكون بين هؤلاء التلاميذ أندلسيون، وخاصة أنه كان لمالك سمعة مدوّية فى العالم الإسلامى، وأيضا فإن عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) وابنه هشاما (١٧٢ - ١٨٠ هـ) دفعا الطلاب للرحلة إلى مالك لأنه كان مغاضبا للعباسيين منذ أفتى أهل المدينة بالتحلل من بيعة الخليفة المنصور ومبايعة النفس الزكية محمد بن عبد الله سليل الحسن بن على بن أبى طالب سنة ١٤٥ ولم يلبث واليها جعفر بن سليمان أن دعا بمالك سنة ١٤٦ بعد القضاء على ثورة النفس الزكية، وجرّده وضربه بالسياط عقابا له على فتواه (٣). وهو ما جعل-فى رأينا-عبد الرحمن الداخل وابنه هشاما يتشيعان لمالك ومذهبه الفقهى نصرة له ضد العباسيين وصاحبهم أبى حنيفة وتلاميذه، مما أشعل الحماسة فى نفوس طلاب العلم الأندلسيين للتلمذة على مالك وحمل كتابه الموطأ إلى الأندلس ودراسته للطلاب بقرطبة وغير قرطبة، ومن أوائل من أدخله إلى الأندلس-إن لم يكن أول من أدخله-الغازى بن قيس الذى مر بنا بين المؤدبين والقراء، يقول ابن القوطية: «فى أيام عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) دخل الغازى بن قيس الأندلس بالموطأ عن مالك وبقراءة نافع، وكان له مكرما ومتكررا عليه بالصلة فى منزله» (٤) ويقول الحميدى: كانت تدور الفتيا على الغازى بن قيس فى عهد هشام إذ كان مشاورا مع مصعب بن عمران (٥). ومن أوائل من أدخلوا الموطأ أيضا إلى الأندلس شبطون (٦): زياد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٢٠٤ وفى بعض الروايات أنه أول من أدخل الموطأ إلى

стр. 3750

الأندلس. وأول فقيه أندلسى مالكى يعدّ-بحق-بين أئمتها المالكيين عيسى (١) بن دينار المتوفى سنة ٢١٢ ويقول ابن حيان فى المقتبس: «رحل عيسى فأدرك أصحاب مالك، وسمع من عبد الرحمن بن القاسم رئيس المدرسة المالكية بمصر حتى وفاته سنة ١٩١ واقتصر عليه فاعتلت فى الفقه المالكى طبقته. . وكان محمد بن وضاح يقول: «هو الذى علّم أهل الأندلس الفقه» ويقول أيضا ابن حيان: «كان لا يعدّ فى الأندلس أفقه منه فى نظرائه» وله فى الفقه المالكى كتاب الهداية، وفيه يقول ابن حزم إنه من أرفع الكتب وأجمعها فى معناها على مذهب مالك وتلميذه عبد الرحمن بن القاسم (٢). وتألق فى الفقه المالكى بالأندلس بعد ابن دينار نجم يحيى (٣) الليثى المتوفى سنة ٢٣٤ وقد سمع الموطأ فى أول نشأته بالأندلس من شبطون ورحل فى الثامنة والعشرين من عمره إلى المشرق ولحق الليث بن سعد فقيه مصر، كما لحق مالكا وسمع الموطأ منه إلا بعض أبواب سمعها فى الفسطاط من عبد الرحمن بن القاسم. وكان أقرب الفقهاء إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم الربضى (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) وكان يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه ويقول ابن حزم: «إنه كان لا يولّى قاضيا إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه المالكى وبذلك انتشر مذهب مالك فى الأندلس». ولم يقبل تولى القضاء إذ فرّغ نفسه للدراسة ولقاء طلابه الكثيرين. وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنوضح-من بعض الوجوه-مدى ما كان للفقهاء المصريين من تأثير فى الفقه المالكى وفقهائه فى الأندلس فإن إمامهم عيسى بن دينار تخرّج فى الفقه المالكى على يد عبد (٤) الرحمن بن القاسم، وتخرّج مثله على يده سحنون

стр. 3751

فقيه القيروان الذى حمل عنه مدونته (١) وأذاعها بموطنه، فنسبت إليه، وهى من عمل ابن القاسم وإملاءاته (٢) على طلابه. وقد تتلمذ عليه من فقهاء قرطبة كثيرون ويدور اسم ابن القاسم تاليا لاسم مالك فى كتب الفقه المالكى الأندلسى، ونمثل لذلك بكتاب الوثائق والسجلات لابن العطار، فقد ذكر مالكا فى فتاويه وأحكامه نحو تسعين مرة وذكر ابن القاسم ٥٤ مرة. ويذكر أيضا فى تلك الكتب اسم كبار الفقهاء المالكيين بمصر ممن تتلمذ لهم الأندلسيون مثل أشهب بن عبد العزيز رئيس المدرسة المالكية بعد ابن القاسم إلى أن توفى سنة ٢٠٤ وأصبغ بن الفرج رئيس تلك المدرسة بعد أشهب إلى أن توفى سنة ٢٢٥. ويذكر أيضا فيها الإمام الليث المذكور آنفا الذى قال فيه الشافعى: «الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به» يقصد تلاميذه المصريين. ونرى يحيى الليثى عميد الفقهاء المالكيين فى الأندلس المذكور آنفا والذى كان لا يفتى إلا برأى مالك يترك رأيه فى القنوت فى الصبح لرأى الليث، كما يترك رأيه فى الأخذ باليمين مع الشاهد لرأى الليث فى إيجاب شاهدين والمسألة الأخيرة من المسائل الثلاث (٣) التى خالفت فيها مالكية الأندلس جميعا الإمام مالكا مؤثرة رأى الليث، والمسألة الثانية مسألة الخلطة وهى الشركة غير المميزة كأن يكون لرجل فى غنم مائة وعشر ولآخر فى نفس الغنم مائة وعشر فهل تؤخذ الصدقة على مجموعهما فيكون عليهما ثلاث شياه أو تؤخذ من كل منهما على حدة فيكون على كل واحد منهما شاة واحدة، والفقهاء يختلفون هل تؤخذ الصدقة على الجمع أو على التفريق. والمسألة الثالثة التى خالفت فيها مالكية الأندلس جميعا مالكا إلى رأى الليث هى مسألة كراء الأرض للفلاح بجزء مما يخرج منها بالنصف أو الثلث مثلا وهو نظام معروف فى مصر إلى اليوم، وكأن المصريين أخذوا بفتوى الليث على مر الأزمنة كما أخذ بها الأندلسيون. ومرّ بنا أنهم أخذوا بمذهب الأوزاعى فى غرس الشجر فى المساجد مخالفين فى ذلك رأى مالك. وخلف يحيى الليثى فى رياسة المدرسة المالكية بالأندلس عبد (٤) الملك بن حبيب المتوفى سنة ٢٣٨ للهجرة، وله كتاب

стр. 3752

الواضحة فى الفقه المالكى الذى اشتهر فى الأندلس وبلدان المغرب. ومن كبار الفقهاء بعده ابن عتبة (١) محمد بن أحمد المتوفى سنة ٢٥٤ وهو تلميذ يحيى الليثى وعبد الملك بن حبيب، رحل إلى المشرق ومصر وسمع بها أصبغ بن الفرج، وله كتاب المستخرجة وتسمى العتبية نسبة إليه، وطارت شهرتها فى الأندلس والمغرب. وكان يعاصره يحيى (٢) بن مزين المتوفى سنة ٢٥٩ وله كتاب فى تفسير الموطأ للإمام مالك أشاد ابن حزم به وباستقصائه لمعانى الموطأ، كما أشاد بكتاب ثان له فى رجال الموطأ. ومن الفقهاء المؤلفين بعده يحيى (٣) بن عبد الله حفيد يحيى الليثى المتوفى سنة ٣٦٧، وكان يملى على الطلاب بقرطبة الموطأ وكتاب سماع ابن القاسم وحديث الليث وعشرة (٤) جدّه يحيى الليثى. وفى ذلك ما يدل على أن كتابا فى الأندلس كان يروى عن ابن القاسم يسمى سماعه وهو يقابل كتاب المدونة رواية سحنون فى القيروان، كما كان يروى كتاب آخر عن الليث يسمى حديثه، فكان لكل من هذين الفقيهين المصريين كتاب متداول هناك. وجاء بعد ذلك ابن أبى زمنين (٥) المتوفى سنة ٣٩٩ وله المغرب فى اختصار مدونة سحنون وكتاب فى الشروط وشرح كبير على الموطأ. ونلتقى فى زمن أمراء الطوائف بالفقيه المالكى الأندلسى الكبير ابن عبد (٦) البر يوسف النمرى المتوفى سنة ٤٦٣ للهجرة وله «كتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمن الموطأ من معانى الرأى والآثار» شرح فيه الموطأ على نسق أبوابه وكلامه شرحا بديعا، وله «كتاب التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد» رتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم، قال ابن حزم: لا أعلم فى الكلام على فقه الحديث مثله أصلا، وله كتب لا مثيل لها، منها كتابه المسمى بالكافى فى الفقه على مذهب مالك وأصحابه خمسة عشر جزءا». واشتهر بعده فى القرن الخامس أبو الوليد (٧) الباجى

стр. 3753

سليمان بن خلف المتوفى سنة ٤٧٤ رحل وسمع منه خلق كثير غربا وشرقا وله كتاب الاستيفاء شرح الموطأ، والمنتقى مختصره، والإيماء مختصر المنتقى، وكتاب فى الأصول باسم إحكام الفصول فى أحكام الأصول، وأيضا كتاب المقتبس من علم مالك بن أنس والمهذب فى اختصار مدونة سحنون. ويلقانا فى القرن السادس ابن (١) رشد الجد أبو الوليد محمد بن أحمد أشهر فقهاء المالكية فى زمنه المتوفى سنة ٥٢٠ وله «البيان والتحصيل لما فى المستخرجة (العتبية) من التوجيه والتعليل» بسط فيه الأحكام الفقهية لمذهب مالك بحسب ما جاءت فى المستخرجة، وكتاب المقدمات لأوائل كتاب المدونة. وجاء بعده الفقيه المتبحر أبو (٢) بكر بن العربى محمد بن عبد الله المتوفى سنة ٥٤٣ وله كتاب القبس فى شرح موطأ مالك بن أنس، وشرح عليه ثان باسم ترتيب المسالك فى شرح موطأ مالك، سوى كتب أخرى كثيرة فى شرح كتب الصحاح فى الحديث وفى أحكام القرآن. ويختم القرن السادس بابن رشد المتفلسف حفيد ابن رشد الفقيه، وله فى الفقه كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد ويقول ابن الأبار: ذكر فيه أسباب الخلاف وعلّل ووجّه فأفاد وأمتع به، ولا يعلم فى فنه أنفع منه ولا أحسن مساقا (٣). ولا تكاد الأندلس بعد ذلك تخرج فقيها مالكيا كبيرا باستثناء ابن حرب محمد بن أحمد المتوفى سنة ٧٤١ وله كتاب الفوائد الفقهية فى المذاهب المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية فى ثلاثة مجلدات وجاء بعده ابن عاصم أبو بكر محمد بن محمد المتوفى سنة ٨٢٩ وله أرجوزة فى الفقه المالكى فى نحو ١٦٩٠ بيتا وهى منشورة فى باريس منذ القرن الماضى، وكان الطلاب يدرسونها فى جامعة فاس إلى عهد قريب. ولعل فيما سبق ما يدل على مدى ازدهار المذهب المالكى فى الأندلس، وكان من أهم الأسباب فى ذلك أن جمع له القضاء، فكان له غير قليل من السلطان والرياسة، والناس سراع إلى طلب الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به. ولذلك قل من اعتنق مذهب (٤) أبى حنيفة، إذ عدّ مذهب العباسيين خصوم الأمويين فى الأندلس، ومثله المذهب

стр. 3754

الحنبلى البغدادى، أما المذهب الشافعى فعنى به بعض الفقهاء ممن كانوا ينزلون مصر، وكثرتهم كانت تتلمذ لأصحاب مالك من مثل عبد الرحمن بن القاسم وأشهب وأصبغ ومن جاء بعدهم، وقلة منهم كانت تتلمذ لأصحاب الشافعى من مثل المزنى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وإبراهيم بن المنذر وأبى الطاهر أحمد بن عمرو ويونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين وإبراهيم بن محمد ابن عم الشافعى ومن جاء بعدهم. وأول فقيه شافعى يلقانا بقرطبة هو قاسم (١) بن محمد بن سيار المتوفى سنة ٢٧٦ تتلمذ لبعض من سميتهم من أصحاب الشافعى بالفسطاط ولزم منهم خاصة محمد بن عبد الله بن عبد الحكم للتفقه والمناظرة وصحبه وتحقق به، وعاد إلى الأندلس فعنى بنشر مذهب الشافعى عن طريق التأليف والتدريس، ومما ألف كتاب الإيضاح فى الرد على ابن عتبة وابن مزين الفقيهين المالكيين المار ذكرهما فى ترك التقليد والأخذ بالحجة والنظر، والتفّ حوله بعض الشباب من الفقهاء أمثال أحمد بن خالد ومحمد بن عمر بن لبابة وسعيد بن عثمان الأعناقى. وكان يعاصره بقى بن مخلد، ولم يكن يعيش لمذهب الشافعى مثله غير أنه كان يدعو إلى النظر فيه بجانب مذهب مالك والمذاهب الفقهية الأخرى، وكان قد رحل وتتلمذ لشافعيين مختلفين ولأحمد بن حنبل. ويذكر ابن الفرضى من فقهاء الشافعية يحيى بن عبد العزيز المعروف بابن الخراز (٢) المتوفى سنة ٢٩٥ تتلمذ بمصر للمزنى والربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم أصحاب الشافعى وليونس بن عبد الأعلى، ومما سمعه من ابن عبد الحكم مختصر المزنى ورسالة الشافعى. ومن شافعية الأندلس تلميذ لبقى وقاسم هو أبو الخيار هرون (٣) بن نصر القرطبى المتوفى سنة ٣٠٢ وكان قد تفقه بكتب الشافعى. ومن فقهاء الشافعية فى القرن الرابع الهجرى أسلم (٤) بن عبد العزيز المتوفى سنة ٣١٩ وقد رحل إلى المشرق وتتلمذ للمزنى والربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم أصحاب الشافعى، وعاد إلى قرطبة، وولى بها قضاء الجماعة مرتين فى أيام عبد الرحمن الناصر وكان يقضى بين الناس بما عليه الجماعة هناك من مذهب مالك. .

стр. 3755

وكان عبد الله بن عبد الرحمن الناصر شافعيا، وثبت لأبيه أنه يدبر مؤامرة ضده، فأمر بقتله سنة ٣٣٩ ولو قدرت له الحياة لأعان على انتشار المذهب الشافعى فى الأندلس. ووفد فى عصر المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) فقهاء يحملون المذهب الشافعى فأكرمهم وتوسع لهم فى العطاء والرواتب مثل عبيد (١) الله بن عمر المتوفى بقرطبة سنة ٣٦٠ وكان إماما فى الفقه على مذهب الشافعى كثير التصنيف فيه وفى القراءات والفرائض. ومن فقهاء الشافعية المهمين فى القرن الرابع الأصيلى (٢) عبد الله بن إبراهيم المتوفى سنة ٣٩٢ وله كتاب فى اختلاف مالك والشافعى وأبى حنيفة سماه كتاب الدلائل على أمهات المسائل. ومن كبار فقهاء الشافعية فى القرن الرابع ابن (٣) أمية الحجارى وله كتاب فى أحكام القرآن نوه به ابن حزم قائلا إنه كان بصيرا بالكلام، وقلما نسمع بعد عصر بنى أمية عن فقهاء شافعيين مهمين. وعرفت الأندلس مبكرا مذهب الظاهرية فى الفقه لصاحبه داود بن خلف الظاهرى المتوفى ببغداد سنة ٢٧٠ إذ تتلمذ له أندلسى هو عبد الله بن محمد بن قاسم المتوفى سنة ٢٧٢، وقد نسخ كتبه بخطه وأقبل بها إلى الأندلس واجتهد فى نشر المذهب، ولم يكتب له النجاح فيما ابتغى إذ لقى معارضة شديدة من فقهاء المذهب المالكى. ونمضى إلى القرن الرابع الهجرى، ونلتقى بمنذر (٤) بن سعيد المتوفى سنة ٣٥٥ وقد رحل إلى المشرق ودرس على شيوخه من الفقهاء واللغويين، وعاد إلى بلده يحمل معجم العين للخليل عن ابن ولاد المصرى واختلاف العلماء رواية عن ابن المنذر النيسابورى، كما يحمل مذهب داود الظاهرى، وكان خطيبا مفوها، وولاه عبد الرحمن الناصر الصلاة والخطابة فى المسجد الجامع بالزهراء ثم ولاه قضاء الجماعة وظل يليهما فى عهد ابنه الحكم وكان شديدا فى دينه لا تأخذه فى الله لومة لائم، وله مع الناصر عظات محمودة، وكان مذهبه الفقهى المذهب الظاهرى وكان يحتج له ويحامى عنه ويؤثره، حتى إذا جلس مجلس القضاء قضى بمذهب مالك الذى عليه العمل فى بلده ولم يعدل عنه، ويقول ابن حزم إنه كان قويّا على الانتصار للمذهب الظاهرى، وله كتاب فى أحكام القرآن غاية فى بابه. ويلقانا فى القرن

стр. 3756

الخامس إمام مذهب الظاهرية فى الأندلس على (١) بن أحمد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦، وكان من أسرة نابهة، إذ كان أبوه وزيرا للمنصور بن أبى عامر، ونشأ نشأة مترفة، ولم تلبث الفتنة أن هبت على قرطبة منذ سنة ٤٠٠ فخرج من قرطبة وعاد إليها مرارا وأقامه المستظهر وزيرا سنة ٤١٤ ولم يلبث المستظهر أن قتل فصمّم ابن حزم على اعتزال السياسة والتفرغ للعلم والأدب، وكان قد عكف على دراسة المذهب المالكى، ورأى العدول عنه إلى مذهب الشافعى ثم عدل عنه إلى دراسة المذهب الظاهرى على أبى الخيار مسعود بن مفلت المتوفى سنة ٤٢٦ واعتنقه مؤمنا به، وألف فيه كتاب الإبطال وفيه يبطل الأصول الخمسة التى أخذ بها الأحناف والشافعية، وهى القياس والرأى والاستحسان والتقليد والتعليل، فكل ذلك ينبغى إبطاله والاكتفاء بالكتاب والسنة. وله كتاب فى أصول المذهب المالكى القائمة على التقليد، وكتاب ثان يناقش فيه أصول المذهب الشافعى وفروعه. ومعروف أن المذهب الظاهرى ازدهر فى عصر دولة الموحدين إذ كانت تعتنقه مذهبا فقهيّا لها من دون المذاهب المشهورة: مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل واتخذ ذلك شكل ثورة عنيفة فى عهد يعقوب بن يوسف (٥٨٠ - ٥٩٥) حتى لنجده يأمر بحرق كتب تلك المذاهب، وكان طبيعيّا لذلك أن تصبح كثرة القضاة من فقهاء المذهب الظاهرى يتقدمهم قاضى القضاة ابن مضاء (٢) أحمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٥٩٢ وابن (٣) حوط الله عبد الله المتوفى سنة ٦١٢ وكان قد ولى القضاء ببلدان أندلسية كثيرة مثل إشبيلية وقرطبة ومثلهما ابن (٤) خطاب الإشبيلى على بن عبد الله قاضى إشبيلية المتوفى سنة ٦٢٩ وابن الرومية المار ذكره بين الصيادلة. ويعود المذهب المالكى بعد زوال دولة الموحدين-بقوة-إلى سلطانه القديم وقلما نسمع عن أتباع للمذهب الظاهرى، ويتحول عنه كثيرون على نحو ما تحول أبو حيان المار ذكره بين المفسرين فقد بدأ حياته ظاهريّا ثم تحول إلى المذهب الشافعى. ولم نعرض لفقهاء القضاء المالكيين فى الأندلس لأن لهم كتبا متعددة مطبوعة تعنى بهم مثل كتاب القضاة للخشنى ولابن عبد البر كتاب مماثل وكذلك للنباهى، وإنما يهمنا من دفعوا الحركة الفقهية المالكية فى الأندلس إلى الازدهار بدراستهم المذهب للطلاب

стр. 3757

ومؤلفاتهم النفيسة. على أنه ينبغى أن أشير إلى أن النظام القضائى بالأندلس رافقته ثلاث ظواهر لا يعرفها نظيره فى المشرق، أولاها أنه كان هناك-منذ أول الأمر-هيئة استشارية (١) من الفقهاء يرجع إليها القضاة للتشاور وإبداء الحكم السديد فى القضايا المشكلة، وهى تشبه ما نعرف فى قضائنا المعاصر من قيام هيئة استشارية بجانب محاكم مجلس الدولة للرجوع إليها فى القضايا الملتبسة ودراستها وإبداء الحكم فيها وقد نقلنا ذلك عن القضاء الفرنسى. والظاهرة الثانية ظاهرة هيئة المحامين من الفقهاء عن أصحاب الدعاوى والمتهمين على نحو ما نعرف فى قضائنا اليوم، وكان من يوكل عنه محاميا يثبت ذلك فى عقد بينه وبين المحامى (٢) وكان للمحامى الحق فى أن ينيب من يترافع عنه فى القضية أمام القاضى، ويثبت ذلك أيضا فى عقد بينهما (٣). والظاهرة الثالثة وضع كتب باسم الوثائق يضعها كبار الفقهاء تبيّن للناس كيفية العقود وصيغها القانونية، وهى كتب بالغة الأهمية فى بيان الأحوال الاجتماعية فى الأندلس إذ تعرض علينا عقود المعاملات فى المزارعات وغيرها من الاستئجارات، ومن الطريف أن نعرف أنه كانت هناك محلات لاستئجار الخيل والسلاح للحرب واستئجار الثياب والحلى والكتب (٤)، وكان لا بد لإسلام نصرانى أو يهودى من وثيقة يقدمها للقاضى وعليها شهادة شهود بأنه أسلم غير مكره ولا فارّ من شئ ولا متوقع لأمر، وأنه اختار الإسلام بعد أن وقف على شريعته وعلم أنه ناسخ لجميع الأديان وأنه الدين الذى لا يقبل الله سواه، وأنه أسلم على يد فلان القاضى أو صاحب الشرطة أو المدينة أو السوق (٥). ولم تعرف الأندلس الخلافات الكلامية الكثيرة التى عرفها المشرق، ولذلك لم تنشأ فيها فرق المرجئة والجبرية والقدرية أو المعتزلة أو بعبارة أدق لم تجد لها أنصارا فيها إلا ما كان من الاعتزال بسبب قراءة بعض الراحلين إلى المشرق لكتابات الجاحظ المعتزلى ونقلهم لها إلى الأندلس، فأخذ الناس يقرءون كتاباته وأخذوا يحاولون التعرف على الاعتزال منذ القرن الثالث الهجرى ومن المعتزلة القدامى حينذاك عبد الأعلى بن وهب

стр. 3758

القرطبى المتوفى سنة ٢٦٢ للهجرة وكان يقول بحرية الإرادة (١) للإنسان، وكان يعاصره معتزلى مثله هو خليل الغفلة، وكان يقول مثله بحرية الإنسان (٢) فى أفعاله، وتابعه فى اتجاهه الاعتزالى ابن السمينة (٣) يحيى المتوفى سنة ٣١٥ إذ يقول صاعد إنه كان معتزليّا. وأول معتزلى أندلسى دعا إلى الاعتزال بمعناه الكامل ابن مسرة الذى ألممنا به فى أول حديثنا عن الفلسفة ملاحظين من كتاب أمر الناصر فى سنة ٣٤٥ بتلاوته على الناس لبيان خروجه هو وتلاميذه عن العقيدة السنية للجماعة بترويجه لأفكار المعتزلة من مثل قولهم بخلق القرآن وبأن الانسان حر فى إرادته ووجوب إنفاذ الوعد والوعيد على الله. ومع ذلك ظل له تلاميذ يرددون آراءه الاعتزالية، واضطروا إلى الاختفاء-كما أسلفنا- فى عهد الناصر وعادوا إلى الظهور فى عصر ابنه الحكم لما نشر من التسامح إزاء الاعتزال وغيره من العقائد. ولم يلبث أن خلفه ابنه المؤيد (٣٦٦ - ٣٩٩ هـ) وحاجبه المنصور بن أبى عامر الذى أظهر التشدد فى كل ما يخالف آراء أهل الأندلس، ومع ذلك كان حكم بن منذر بن سعيد فى عهدهما رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم كما يقول (٤) ابن حزم، واضطرت شيعة ابن مسرة إلى الاختفاء ثانية فى عهد ابن أبى عامر وعادت إلى شئ من النشاط فى عصر أمراء الطوائف على نحو ما مرّ بنا-فى حديثنا عن ابن مسرة-وداعية تعاليمه إسماعيل الرعينى. ولا نسمع بعده عن نشاط اعتزالى أو كتب اعتزالية لأندلسيين. ويبدو أن كثيرا من كتابات المعتزلة والمتكلمين عامة تسرب إلى الغرب عن طريق ما حملته الأندلس من تلك الكتابات على نحو ما حملت إليه من علوم الطب والرياضيات والصيدلة مما هيأ لقيام التأليف العلمى فى أوروبا ولنهضتها العلمية، كما هيأ لقيام التفكير الفلسفى فيها. ومن أقوى الدلالات على تأثير المعتزلة فى التفكير الأوربى أن نجد ديكارت (١٥٩٧ - ١٦٥٠ م) أبا الفلسفة الغربية الحديثة يقيم فلسفته على مبدأين يلتقيان بأفكار المعتزلة والمتكلمين وهما مبدأ الشك فى حقائق الأشياء حتى نتبين فيها وجه اليقين ويردد الجاحظ هذا المبدأ عن أستاذه النظام فى كتابه الحيوان مستشهدا بقوله: «لم يكن يقين قط حتى كان قبله شك». وكان حريّا بالأستاذ الدكتور طه حسين حين نوه بهذا المبدأ فى أوائل كتابه «فى الأدب الجاهلى»

стр. 3759

وأضافه إلى ديكارت أن يضيفه إلى أصحابه الحقيقيين من المعتزلة. والمبدأ الاعتزالى أو الكلامى الثانى أشار إليه بيير دانييل هويه إذ قال إن ديكارت أخذ عن أهل الفكر والجدل الإسلاميين مبدأه الفلسفى: «أنا أفكر فأنا موجود» (١) مما يقتضى وجود الله، وحديث المتكلمين والمعتزلة عن وجود الإنسان الممكن ووجود الله الواجب علة وجوده معروف. وبذلك يكون المبدآن أو الأصلان الأساسيان للفلسفة الأوربية اجتلبهما ديكارت اجتلابا مما ترجم فى اللاتينية من كتابات الكلاميين الإسلاميين وخاصة المعتزلة. وقد ذكر المقرى فى (٢) النفح عن شخص يسمى محمد بن خلف أنه كان متكلما متحققا برأى الأشعرية، وأنشد له بيتين فى مديح إمام الحرمين الجوينى المتوفى سنة ٤٣٨ للهجرة، وإعلانه حبه له وإيمانه بعقيدته ومعروف أنه إمام كبير من أئمة الأشعرية. وإذا كانت الأندلس لم تنتج فى الاعتزال والدراسات الكلامية بحوثا خصبة، فإنها أنتجت عند ابن حزم أروع تاريخ ناقد للأديان والفرق والمذاهب الدينية من إلهية ووثنية بكتابه «الفصل فى الملل والأهواء والنحل» وهو عرض باهر لكل ما يتصل بعلم الكلام فى الإسلام، وفيه ينقض نقضا دقيقا مذاهب الزنادقة وعقائد المجوسية، كما ينقض عقيدة اليهود بمذاهبها الخمسة: السامرية والصدوقية والقراءية والربانية والعيسوية أتباع أبى عيسى الأصبهانى، وينكر صحة العقيدة المسيحية وقواعدها الأخلاقية قائلا إنها جميعا من صنع البشر. ويرى أن الكلمات فى التوراة وفى الإنجيل بعهديه-القديم والجديد- حرّفت عن مواضعها على أيدى أصحابهما من اليهود والنصارى. وينتهى من دراساته المتعمقة فى التوراة والإنجيل وعقائد الوثنيين والمجوس والزنادقة إلى أن الدين الصحيح المنزل من السماء هو الإسلام، ويدلل-ببراهين قاطعة-على صحته وصحة النبوة المحمدية والوحى الإلهى، وكيف أن الله نسخ بالإسلام ما أوحى به قبله إلى أنبياء بنى إسرائيل بما فيهم عيسى، إذ يعدّه-كما يعده المسلمون عامة-نبيا مرسلا.

стр. 3760

٥ - التاريخ نشطت الأندلس-منذ القرن الثالث الهجرى-فى الكتابة التاريخية سواء منها ما اتصل بالتاريخ العام للأندلس وغيرها من الدول العربية أو بالتاريخ الخاص لتلك الدول ومدنها وأعلامها أو بالسيرة النبوية العطرة أو بكتب التراجم من كل لون، ومع كثرة ما فقد فى هذه الجوانب لا تزال بقية كبيرة منها. ويتضح فى كتب التاريخ العام تأثر المؤرخين هناك بالمؤرخين المصريين من أمثال ابن عبد الحكم وكتابه فتوح مصر والمغرب. وأول ما يلقانا من هذه الكتب كتاب لعبد الملك بن حبيب رئيس المدرسة المالكية بعد يحيى الليثى الذى مر بنا ذكره بين فقهائها، وهو يتحدث فيه عن ابتداء خلق الدنيا وخلق آدم وحواء وقصة إبليس معهما وتاريخ الأنبياء وخاتمهم المصطفى ﷺ وألم بالخلفاء وبفتح الأندلس وولاتها وحكامها إلى زمنه فى عهد عبد الرحمن الأوسط، ومنه مخطوطة بمكتبة بودليانا فى أوكسفورد (١). ونلتقى بعده بعريب (٢) المتوفى سنة ٣٣١ وكتابه صلة تاريخ الطبرى وهو مثله على السنوات بادئا بسنة ٢٩١ حتى سنة ٣٢٠ وفيه أضاف أخبار إفريقيا والأندلس. ولابن حزم المار ذكره بين الفقهاء والمترجم له فى الفصل الأخير رسالة تدخل فى التاريخ العام سماها نقط العروس فى تواريخ الخلفاء ونوادر أخبارهم نشرتها فى مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة ١٩٥١. ولابن الخطيب المترجم له بين الكتّاب كتاب إعلام الأعلام فى تاريخ الأندلس والمغرب. وتكثر الكتب الخاصة بتاريخ الأندلس وفى مقدمتها أخبار ملوك الأندلس لأحمد (٣) بن محمد الرازى المتوفى سنة ٣٤٤ وكتاب الموعب لابنه عيسى، والكتابان مفقودان. ونلتقى بكتاب الأخبار المجموعة، لمؤلف مجهول، ويمتد التاريخ فيه من الفتح إلى زمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠) مما يؤكد أنه ألف فى أيامه، كما نلتقى بكتاب تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية المار ذكره بين اللغويين، وهو يعرض فى الكتاب تاريخ الأندلس من الفتح إلى نهاية أيام الأمير عبد الله

стр. 3761

(٣٧٥ - ٣٠٠ هـ). ونلتقى فى عصر أمراء الطوائف بابن حيان كبير مؤرخى الأندلس المتوفى سنة ٤٦٩ وموسوعتيه التاريخيتين الكبيرتين: المقتبس والمتين وسنلم بهما فى الفصل الأخير، وليحيى (١) بن الصيرفى المتوفى سنة ٥٥٧ كتاب فى تاريخ دولة لمتونة (المرابطين) وجاء بعده ابن صاحب (٢) الصلاة المتوفى سنة ٥٧٧ وله فى تاريخ الموحدين كتاب باسم «المن بالإمامة على المستضعفين بأن جعلهم الله أئمة وجعلهم الوارثين وظهور الإمام المهدى إمام الموحدين». ويلقانا عبد الواحد (٣) المراكشى المتوفى بعد سنة ٦٢١ ومع أنه مغربى درس فى الأندلس وعنى بكتابة تاريخها منذ الفتح إلى سنة ٦٢١. وجاء بعده أبو الحجاج البياسى (٤) يوسف بن محمد صاحب كتاب الحماسة المغربية المتوفى سنة ٦٥٣ وله تاريخ ذيّل به على تاريخ ابن حيان إلى عصره. ويلقانا بعده لسان الدين بن الخطيب، المترجم له فى الفصل الأخير وله كتاب اللمحة البدرية فى الدولة النصرية، وهو تاريخ لبنى الأحمر حكام غرناطة، ومثله كتاب نبذة العصر فى أخبار ملوك بنى نصر لمجهول. وتكثر الكتابة فى السيرة النبوية الزكية على هدى سيرة ابن هشام المصرى المتوفى سنة ٢١٨ للهجرة ولابن حزم فيها «جوامع السيرة النبوية» ولابن عبد البر الفقيه المار ذكره فيها كتاب الدرر فى اختصار المغازى والسير، وهما منشوران بدار المعارف. وللقاضى عياض كتاب الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى ﷺ وهو سبتى، وأولى لذلك أن نذكره فى الجزء الخاص بالمغرب، وللكلاعى (٥) سليمان بن موسى المتوفى سنة ٦٣٤ كتاب الاكتفاء، بما تضمنه من مغازى رسول الله ﷺ ومغازى الثلاثة الخلفاء وهو منشور بالقاهرة، ولابن (٦) سيد الناس الإشبيلى المتوفى بالقاهرة سنة ٧٣٤ فى السيرة النبوية «عيون الأثر فى فتون المغازى والشمائل والسير» وهو منشور بالقاهرة من قديم فى مجلدين. وتتكاثر كتب تراجم العلماء من كل صنف والأدباء من شعراء وكتاب، ومن الكتب

стр. 3762

العامة كتاب الاستيعاب لابن عبد البر فى تراجم الصحابة، وكتاب جمهرة أنساب العرب لابن حزم وهو مفيد فى تراجم الأندلسيين والكتابان منشوران. ومن كتب تراجم الأندلسيين العامة تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضى (١) عبد الله بن محمد المتوفى سنة ٤٠٣ وكتاب طبقات الأمم لصاعد (٢) المتوفى سنة ٤٦٢، وجذوة المقتبس للحميدى (٣) محمد بن فتوح المتوفى سنة ٤٨٨ وينتهى به عند المتوفين سنة ٤٤٩ وكتاب الصلة لابن بشكوال (٤) المتوفى سنة ٥٧٨، وكتاب بغية الملتمس للضبى أحمد بن عميرة المتوفى سنة ٥٩٩ وقد اعتمد على الحميدى فى جمهور تراجمه، وكتاب التكملة لابن الأبار المترجم له فى الفصل الرابع المتوفى سنة ٦٥٨ وهو تكملة لكتاب الصلة، وله كتاب الحلة السيراء فى تراجم العلماء والأدباء والأمراء الذين نظموا الشعر فى الأندلس والمغرب وله أيضا معجم الصدفى وشيوخه وأصحابه، وللملاحى (٥) محمد بن عبد الواحد المتوفى سنة ٦١٩ كتاب فى علماء إلبيرة وغرناطة، وكتاب صلة الصلة لابن الزبير (٦) أحمد بن إبراهيم الغرناطى المتوفى سنة ٧٠٨ وهو صلة وتتمة لكتاب ابن بشكوال. وأخيرا كتاب الإحاطة فى تاريخ غرناطة وعلمائها وأدبائها لابن الخطيب وهو فى أربعة مجلدات. ومن كتب تراجم الفقهاء والقضاة كتاب الفقهاء لابن عبد البر أحمد بن محمد وتاريخ قضاة قرطبة للخشنى (٧) المتوفى سنة ٣٦١ والمرقبة العليا للنباهى (٨) المتوفى سنة ٧٩٣. ومن كتب تراجم الأطباء طبقات الأطباء والحكماء حتى عصر المستنصر لابن جلجل المتوفى سنة ٣٧٧ ومرّ ذكره بين الصيادلة. ومن كتب تراجم اللغويين طبقات النحويين واللغويين للزبيدى المار ذكره، وألفت فى أخبار الشعراء بالقرن الرابع كتب مختلفة مفقودة منها كتاب لعبادة بن ماء السماء المترجم له بين الشعراء، ويلقانا كتاب المطرب من أشعار أهل المغرب

стр. 3763

(الأندلس) لابن دحية (١) المتوفى سنة ٦٣٣. وتكثر الكتب الخاصة بالأدباء من شعراء وكتاب، وفى مقدمتها قلائد العقيان والمطمح للفتح (٢) بن خاقان والذخيرة لابن بسام وهى فى ثمانية مجلدات وسنلم بها فى الفصل الأخير، ولابن الأبار غير كتاب ومن كتبه الحلة السيراء المذكورة آنفا وكتاب تحفة القادم فى تراجم الشعراء ونشر منتخب له بمجلة المشرق فى العددين الثالث والرابع من سنتها الحادية والأربعين، ولابن (٣) سعيد المتوفى سنة ٦٨٥ كتاب المغرب وقد نشرت القسم الخاص بتراجمه الأندلسية فى جزءين بدار المعارف، وله الغصون اليانعة فى محاسن شعراء المائة السابعة وهو منشور بالدار أيضا، ونشر له بالقاهرة اختصار كتابه القدح المعلى وبه طائفة كبيرة من شعراء الأندلس فى النصف الأول من القرن السابع. ولابن الخطيب كتاب الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، ولابن (٤) الأحمر إسماعيل بن يوسف المتوفى سنة ٨٠٧ نثير فرائد الجمان فى نظم فحول الزمان. وقبل أن نختم الحديث عن نشاط الأندلسيين فى كتابة التاريخ ينبغى أن نشير إلى أن لهم رسائل سجلوا فيها روائع علمائهم وأدبائهم مثل رسالة فضل الأندلس لابن حزم المدونة فى نفح الطيب، وأهم من ذلك كتب الفهرسة بأسماء الشيوخ وما حمل عنهم من الكتب مثل فهرسة (٥) ابن خير المتوفى سنة ٥٧٥.

стр. 3764

الفصل الثالث نشاط الشعر والشعراء ١ - تعرب الأندلس-كثرة الشعراء (أ) تعرب الأندلس مرّ بنا أنه كان بالأندلس قبل الفتح العربى الإسلامى عناصر جنسية مختلفة، منها الأوربى من الغالة والبسك والجلالقة والإغريق والرومان والقاندال والقوط، ومنها الآسيوى من الفينيقيين والقرطاجنيين واليهود، ونزلها مع الفتح عرب من آسيا: قحطانيون يمانيون وعدنانيون مضريون ونزلها معهم بربر كثيرون من أفريقيا وكانوا ينقسمون مثل العرب إلى قبيلين كبيرين: بتر وكانوا ينحازون إلى العرب العدنانيين، وبرانس وكانوا ينحازون إلى العرب القحطانيين، وجلب الحكام الأمويون إلى الأندلس كثيرين من الصقالبة، وبذلك كله كانت الأندلس مجمعا لعناصر جنسية شتى. وذكرنا- فيما أسلفنا من حديث-أن الرومان أدخلوا فيها المسيحية، وأن بعض أهلها شاركوا فى الأدب والفكر اللاتينيين ولكن لا فى موطنهم بالأندلس، وإنما فى روما نفسها حين نشأوا فيها أو هاجروا إليها. والأندلس بل جميع شبه جزيرة إيبيريا لم تستطع فى تاريخها القديم أن تضيف إلى تاريخ الحضارة الإنسانية شيئا ذا بال يذكر لها. ونزلتها منذ أوائل القرن الخامس للميلاد قبائل جرمانية متبربرة من القندال والقوط قضت-أو كادت-على ما كان بها من حضارة رومانية، وأنزلت بها ضروبا من العسف والظلم حتى كاد أهلها يستحيلون إلى ما يشبه الرقيق، سوى ما نشروا فى البلاد من الجهل، مما جعل الأندلس تلقى العرب والبربر الفاتحين بلهجة رومانسية عامية مجدبة من كل ما يتصل بالعلم والفكر والدين إلا ما كان من مجموعة القس إيزيدور الإشبيلى المتوفى سنة ٦٣٦ للميلاد وقد أشرنا إليها فى الفصل الماضى وقلنا إنها تعرض صورة ساذجة للتاريخ والعلوم ولبعض تفسيرات للكتاب المقدس، كما قلنا إنها تمتلئ بأخطاء كثيرة، وتدل-بوضوح- على ما كان يعم الأندلس وإيبيريا عامة من جهالة مطبقة وتخلف شامل فى مضمار الدين

стр. 3765

والفكر والعلوم مع ما كان يعمها من فقدان الحرية والعدل الذى لا تطيب حياة أى شعب بدونهما بل إنها تصبح نكرا وشرا خالصين مع ما كان يجثم عليها من الظلم والقهر البشع والبؤس التعس. وكأنما كتب للأندلس-حينئذ-أن تتخلص من كل هذه الخطوب المدلهمة بنزول العرب فيها حاملين إلى أهلها تعاليم دينهم السمح فى معاملة أهل الكتاب من النصارى واليهود بمنتهى الرفق، بحيث تكفل لهم حريتهم الدينية فى عباداتهم وما يتخذون لها من كنائس وبيوت وشعائر دون أى تدخل، وبحيث يرفع عنهم ثقل الضرائب الفادحة التى فرضها عليهم القوط وأحالوا بها حياتهم إلى صور بغيضة من البؤس والظلم والهوان. وكانت هذه المعاملة الإسلامية الكريمة التى حررت أهل الأندلس من جور القوط بعد أن كانوا مسترقين لهم استرقاقا قبيحا، والتى ملأت الأندلس بالعدل الذى يعطى لصاحب الحق حقه دون أى حيف، والذى يسوى بين الناس فى مواجهة الحياة بقسطاس مستقيم، سببا قويا فى أن يعتنق كثيرون من مسيحيىّ الأندلس الإسلام لما يرون فيه من مثل إنسانية رفيعة، ومن دين قويم لا تشوبه أى شائبة من فكرة التثليث المعقدة فى الدين المسيحى، مع ما يتيح لمعتنقه من سعادة فى دنياه وآخرته، وأيضا لأن من كان يعتنق الدين الحنيف منهم يصبح له جميع حقوق العربى الفاتح لدياره، فله كل ما للمسلمين الفاتحين من هذه الحقوق. وهيأ ذلك سريعا فى الأندلس لأن تدخل أفواج متلاحقة فى الإسلام وكانوا يسمون المسالمة، وسمّى أبناؤهم باسم المولدين. وينبغى أن نذكر أنه لم يحدث فى تاريخ العرب بالأندلس أن أكره أحد على الإسلام، فقد كانت الحرية الدينية مكفولة للنصارى واليهود إلى أقصى حد، وكان من أسلم من أهل الكتاب لا بد أن يعلن ذلك أمام قاض من قضاة المسلمين فى قرطبة وغيرها من البلدان، وأن يسجل إعلانه لذلك فى وثيقة يشهد عليها شاهدين، قائلا فيها إنه يعتنق الإسلام بعد أن وقف على شريعته «طائعا آمنا، غير فارّ من شئ ولا مكره، وأنه يحمد الله على أن هداه للإسلام شاكرا له نعمته على هدايته له» (١). وطبيعى أن يقبل من أسلم من أهل الأندلس على تعلم العربية حتى يحسنوا أداء شعائر الإسلام وتلاوة كتابه التى تعدّ جزء لا يتجزأ من اعتناقه، وبالمثل دفعوا أبناءهم إلى هذا التعلم، ومعنى ذلك أن شطرا كبيرا من أهل الأندلس تعربوا تعربا كاملا: دينا ولغة،

стр. 3766

وقد بقى وراءهم شطر ظل على مسيحيته، وكان يتخذ لهجة لاتينية عامية أو رومانثية لغة فى تخاطبه اليومى، غير أنه شعر سريعا بما ذكرناه آنفا من أنها لغة مجدبة فقيرة، وخاصة حين يقرنها إلى العربية، إذ ليس لها تراث أدبى كتراث العربية، وأيضا ليس لها مثلها تراث ثقافى ولا حضارى، تستطيع أن تثبت به أمامها، فضلا عما لأهل العربية فى البلاد من عزة وقوة وسلطان وغلبة، ومعروف أن المغلوب دائما يحاول أن يحاكى الغالب، فما بالنا إذا ظل هذا الغالب يستعلى على مسيحيىّ الأندلس ويهودها ثقافيا وأدبيا وحضاريا لا قرنا ولا قرنين بل قرونا متعاقبة من القرن الثامن الميلادى حتى نهاية القرن الخامس عشر، وهم طوال هذه الحقب كانوا يقفون مشدوهين أمام هذا الفكر العربى الباهر فى العلم والأدب والفلسفة، ويصور ذلك «ترند» فى مقاله بتراث الإسلام قائلا: «كانت قرطبة فى القرن العاشر الميلادى أكثر المدن الأوربية حضارة، وكانت فى ذلك الحين مثار إعجاب العالم، وبلغ من ارتفاع شأنها أن حكام ليون ونبارّه وبرشلونه كانوا يقصدون إليها كلما مسّتهم الحاجة إلى جراح أو مهندس معمارى أو مطرب كبير» (١). ومنذ أواسط القرن الحادى عشر تتحول طليطلة وبعض المدن الأندلسية التى استولت عليها الإمارات المسيحية الشمالية إلى مؤسسات (٢) ترجمة ضخمة لكل ما هو عربى من علم وفلسفة وأدب، ويؤمّ طليطلة طلاب العلم من مختلف البلاد الأوربية: الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية فضلا عن البلاد الإسبانية يحمل كل منهم بمقدار طاقته وجهده أقباسا عربية إلى مدنه وبلدانه، وظل ذلك حتى القرن الخامس عشر للميلاد، وكانت هذه الأقباس من أكبر العوامل فى نهضة أوربا وخروجها من ظلام العصور الوسطى إلى أضواء العصر الحديث. وإنما قلت ذلك كله لأتخذ منه الدليل الساطع على أن من بقى من المسيحيين فى الأندلس على دينه تعرب-مثل زميله الذى اعتنق الدين الحنيف-بحكم ما كان للعربية والعرب من تفوق حضارى وثقافى، وأيضا بحكم ما كان لهم من شعر وأدب رفيع قصص وغير قصص، بينما كانت اللهجة الرومانسية الدارجة فى التخاطب «اليومى» للمسيحيين فى الأندلس وفى شمال إيبيريا فقيرة فقرا شديدا، بحيث لا نستطيع أن نجد مبررا كافيا لما ذهب إليه المستشرق الإسبانى ريبيرا فى نظريته (٣) الجديدة المفضية إلى أن عرب الأندلس كانوا يستخدمون العربية الفصيحة لغة رسمية يتعلمونها فى

стр. 3767

المدارس ويكتبون بها الوثائق وما إليها، وكانوا فى شئونهم اليومية وأحاديثهم فيما بينهم يستخدمون لهجة من اللاتينية الدارجة أو الرومانثية، ويقول: إن هذا الازدواج فى اللغة كان الأصل فى نشوء طراز شعرى مختلط تمتزج فيه مؤثرات غربية وشرقية. واتخذ هذا الطراز الجديد من الأدب الشعبى صورتين هما الزجل والموشحة وهما فن شعرى واحد، غير أن الزجل سوقى دارج والموشحة عربية فصيحة. وفى رأينا أن ريبيرا بالغ فى كل ذلك مبالغة أدته إلى نظريته المخطئة. وقد يشهد لها أن يروى الخشنى عن بعض القضاة بقرطبة أنه كان يعرف اللاتينية الدارجة أو كما كانوا يسمونها العجمية، إذ ذكر عنه أن شخصا صاح عليه بالعجمية وهو منصرف من مجلس قضاء ليقف له، فقال لمن معه قولوا له بالعجمية إن القاضى قد أدركته الملالة والسآمة (١). وواضح أنه فهم مراده من صياحه بالعجمية، مما يدل على أنه كان يعرفها. وأوضح من ذلك فى الدلالة على معرفة بعض القضاة للاتينية الدارجة ما ذكره الخشنى من أن رجلا من شهود أحد القضاة يسمى ابن عمار كانت له بغلة هزيلة تلوك لجامها طوال النهار على باب المسجد، فتقدمت امرأة إلى هذا القاضى فى مجلسه بالمسجد، فقالت له بالعجمية: يا قاضى انظر لشقيّتك هذه (تقصد نفسها) فقال لها بالعجمية: - كما يقول الخشنى-لست أنت شقيتى إنما شقيتى بغلة ابن عمار التى تلوك لجامها على باب المسجد طوال النهار (٢). وكان بين القائمين على الشهادة عند القضاة بقرطبة شيخ أعجمى اللسان مقبول الشهادة عندهم (٣). وهذه الأخبار جميعا عند الخشنى لا تدل دلالة قاطعة على أنه كانت بقرطبة فضلا عن الأندلس لهجة لاتينية دارجة يستخدمها العرب فى لغة التخاطب لأنها أخبار فردية، وممكن أن يكون القاضيان السالفان رزقا لأمّين أعجميتين، فتلفّظ كل منهما الأعجمية عن أمه، أما اتخاذ القضاة لشاهد أعجمى اللسان فيدل على أنهم كانوا فى حاجة إليه وأنهم كانوا لا يعرفون اللاتينية الدارجة التى يلوكها بعض الأعاجم، فاحتاجوا إلى مترجم يترجم ما يقولون سواء أكانوا من أصحاب الدعاوى أو المتهمين، حتى يحكم القضاة فى قضاياهم عن حسن فقه بها ودقة فهم لها. وهو بذلك خبر ينقض ما يقال من أن لغة التخاطب فى قرطبة كانت لهجة لاتينية دارجة، إذ لم تكن كثرة القضاة بها تعرفها. ومما يدلل به أيضا أنصار نظرية ريبيرا أن بعض الألقاب

стр. 3768

اللاتينية ظلت تلاحق بعض أعلام الأسر الإسبانية التى دخلت فى الإسلام، وهو شئ طبيعى أن يظل اللقب اللاتينى القديم ملحقا ببعض الأعلام لأنه رمز الأسرة، وقد يقولون: إننا نجده يلحق بعض أبناء العرب أنفسهم من الشعراء وغيرهم، من ذلك أن الشاعر مؤمن بن سعيد المتوفى سنة ٢٦٧ لقّب زميله عبد الله بن بكر بن سابق الكلاعى الشاعر بلقب النّذل كما فى المقتبس لابن حيان (١)، وفى التكملة لابن الأبار أنه لقّبه بالقملة ولعلها تحريف لكلمة القنلة Canalla باللاتينية أى النذل (٢)، وكأنما شاع عليه اللقب بالعربية واللاتينية. ويلقانا بعده شاعر يسمى محمد بن يحيى بن زكريا المتوفى سنة ٣٠٢ وكان هجاء كبيرا قذر الثياب دائما، فلقبه بعض معاصريه انتقاما منه بلقب القلفاط، (٣) و Calafate باللاتينية الدارجة دهّان السفن بالقار، نبزوه بذلك-كما يرى الدكتور مكى-لقذارة ثيابه. وكان سعيد بن عثمان المروانى شاعر المنصور بن أبى عامر فى أواخر القرن الرابع ينبز بلقب البلّينه Ballena (٤) وهو باللاتينية الدارجة-كما قال ابن سعيد-الحوت لضخامته. ومثل هذا النبز بالألقاب العجمية لأبناء العرب فى قرطبة والأندلس كان محدودا إذ لا يتجاوز المعروف منه الواضح فى دلالته على النبز عدد أصابع اليدين إن لم يكن عدد أصابع اليد الواحدة، ولذلك لا نستطيع أن نتخذه دليلا على شيوع اللاتينية الدارجة فى تخاطب العرب بالأندلس. وقد يقول أصحاب نظرية ريبيرا إن فى أيدينا برهانا قويا على صحتها هو ما ذكره ابن حزم فى كتابه «جمهرة أنساب العرب» عن قبيلة بلىّ بالأندلس، إذ قال: «دارهم فى الموضع المعروف باسمهم بشمالى قرطبة، وهم هنالك إلى اليوم (فى القرن الخامس الهجرى) على أنسابهم لا يحسنون الكلام باللاطينية لكن بالعربية فقط: نساؤهم ورجالهم» (٥). ويقولون واضح من هذا النص لابن حزم أن قبيلة بلىّ وحدها فى الأندلس دون القبائل العربية الأخرى لم تكن تحسن الكلام باللاتينية الدارجة، بخلاف سواها من القبائل، إذ كانت تتكلم بها وتتخاطب فى لغتها اليومية. وابن حزم إنما تحدث عن بلىّ وحدها، دون أن ينسب بوضوح إلى غيرها من القبائل أنها كانت تحسن الأداء عما فى نفسها باللاتينية. ولعل مما يؤكد أنه كان وراءها قبائل بل مدن لا تتكلم إلا بالعربية على

стр. 3769

شاكلتها ما جاء عند ياقوت بالقرن السابع فى كتابه معجم البلدان عن أهل شلب إذ يقول: «قلّ أن ترى من أهلها من لا يقول شعرا ومن لا يعانى الأدب، ولو مررت بالفلاح فيها خلف محراثه، وسألته عن الشعر قرض من ساعته ما اقترحت عليه وأى معنى طلبت منه» (١). ويقول ابن الخطيب فى الإحاطة (٢) إن أهل غرناطة-فى زمنه بالقرن الثامن الهجرى-ألسنتهم فصيحة عربية، يتخللها إعراب كثير. وفى الروض المعطار للحميرى المتوفى سنة ٩٠٠: «مدينة شلب فى الجنوب الغربى للأندلس» ويقول: «إن سكانها وسكان قراها ظلوا يحافظون على اللغة العربية الفصيحة إلى عهود متأخرة» (٣). وكأنما ظل يعيش فى الأندلس ببعض مدنها وديارها عرب لم يفارقوا لغتهم الفصيحة حتى عصور متأخرة، فكيف يذهب باحث إلى أن العرب-أو كثيرا منهم-هناك زايلت العربية أماكنها من ألسنتهم وعقولهم وقلوبهم وحلت محلها اللاتينية الدارجة فى تخاطبهم اليومى، بينما كانت الفصحى لغة السياسة والسلطان والحكم ولغة الدين والثقافة والفكر والأدب؟ ! ومما يدل على خطأ نظرية ريبيرا أيضا-من بعض الوجوه-صيحة ألبرو القرطبى المشهورة سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م وفيها يأسى لولع نصارى الإسبان بالأدب العربى ولغته العربية، فما بالنا بولع المسلمين من العرب والإسبان بهذه اللغة وأدبها الرائع، يقول، والحسرة تقطّع نياط قلبه: «إن إخوانى فى الدين يجدون لذة كبرى فى قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلاسفة المسلمين، لا ليردّوا عليها وينقضوها، وإنما لكى يكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلا صحيحا، وأين تجد الآن واحدا-من غير رجال الدين-يقرأ الشروح اللاتينية التى كتبت على الأناجيل المقدسة؟ ! ومن-سوى رجال الدين-يعكف على دراسة كتابات الحواريين وآثار الأنبياء والرسل؟ ! يا للحسرة! إن الموهوبين من شبان النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها فى نهم، وهم ينفقون أموالا طائلة فى جمع كتبها، ويصرّحون فى كل مكان بأن هذه الآداب حقيقة بالإعجاب، فإذا حدثتهم عن الكتب النصرانية أجابوك فى ازدراء بأنها غير جديرة بأن يصرفوا إليها انتباههم. يا للألم! لقد أنسى النصارى حتى لغتهم، فلا تكاد تجد بين الألف منهم واحدا يستطيع أن يكتب إلى صاحب له كتابا سليما من الخطأ، فأما عن الكتابة بلغة العرب فإنك واجد فيهم عددا عظيما يجيدونها فى أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربى ما يفوق شعر العرب أنفسهم فنا وجمالا» (٤).

стр. 3770

وألبرو يصرخ-بأعلى صوته-إن شبان النصارى فى الأندلس لزمنه أصبحوا يشغفون شغفا شديدا بلغة العرب وآدابها الرائعة، حتى لقد نسوا لروعتها الباهرة لغتهم اللاتينية، فإذا هى تملك منهم الألسنة والقلوب وتسيطر على العقول والمشاعر والأحاسيس، وإذا هم يعكفون عليها قارئين متخذين منها أمثلتهم فى الكتابة المنمقة ونظم الأشعار البديعة. ويؤكد بالنثيا تلك الصيحة لألبرو قائلا: «إن كل ما ذكره حقيقى تؤيده تلك القصائد التى نجدها فى خاتمة مخطوط محفوظ فى المكتبة الأهلية بمدريد، وهو يضم مجموعة من القوانين الكنسية، وقراراتها مرتبة أبوابا على حسب موضوعاتها ومترجمة من اللاتينية إلى العربية بقلم قسّ يسمّى بنجنسيس، والكتاب مهدى إلى الأسقف عبد الملك، ونظمت عبارات الإهداء فى قصيدة شعرية عربية لا تفترق فى شئ عما ينظمه العرب المسلمون فى هذا المقام شكلا ومضمونا». ويسوق بالنثيا أربعة أبيات بديعة من تلك القصيدة، ثم يقول: «والكثير من الكتب اللاتينية التى كتبها المستعربون (من نصارى الإسبان) تحمل هوامشها شروحا وتعليقات عربية. . وقد ظلوا يستخدمون العربية زمنا طويلا بعد زوال سلطان الإسلام من الجزيرة (فى طليطلة وغيرها من المدن الأندلسية الوسطى والغربية والشرقية) وظلوا يكتبون بلغة العرب وقائعهم ويتسمّون بأسماء عربية حتى أوائل القرن الرابع عشر، كما يتضح من الوثائق التى خلّفها لنا مستعربو طليطلة» (١). ويشهد لبالنثيا وألبرو أن نجد بين الإسبان المسيحيين من بلغ من إتقانهم العربية أن عيّنوا كتابا فى دواوين الدولة الأموية منذ أواسط القرن الثالث الهجرى مثل قومس بن أنتنيان الذى مرّ ذكره فى الفصل الأول لعهد الأمير محمد بن عبد الرحمن. وإذا كان ألبرو يشهد بتعرب الإسبان المسيحيين بحيث أصبحوا يستحبّون العربية على لغتهم اللاتينية الدارجة فإن اليهود الذين كانوا يعيشون بإسبانيا منذ قرون طويلة تعرّبت-فى ظننا- كثرتهم حتى لنجد كتب التراجم الأدبية الأندلسية تترجم لنفر منهم بين كتاب الأندلس وشعرائها وموسيقييها ووشّاحيها، وقد ترجم ابن سعيد فى كتابه المغرب لسبعة منهم، هم: إسماعيل بن يوسف بن النغريلّة وزير باديس بن حبوس فى غرناطة وكان سيئ السيرة، وكذلك لابنه يوسف وكانا شاعرين، ولمعاصرهما حسداى بن يوسف بن حسداى كاتب بنى هود بسرقسطة، وقد أقاله الله من دينه، فأسلم وحسن إسلامه، وكان أديبا مجيدا شعرا ونثرا، وله ترجمة طويلة فى كتاب الذخيرة وكان أبوه كاتبا عند بنى هود قبله، وعيّن

стр. 3771

عبد الرحمن الناصر جده حسداى كاتبا فى دواوينه. وممن ترجم لهم ابن سعيد بين شعراء المائة السادسة إلياس بن صدّود الطبيب وإسحق بن شمعون وكان يحسن الغناء والضرب على الآلات الموسيقية الأندلسية. وترجم ابن سعيد لشاعر يهودى طليطلى مستعرب هو إبراهيم بن الفخار رسول ألفونس إلى الأئمة فى دولة الموحدين. وترجم ابن سعيد فى القرن السابع أيضا لإبراهيم بن سهل الإسرائيلى الإشبيلى الذى آثر الإسلام دينا وعقيدة، وكان شاعرا نابها ووشاحا مجيدا. ومما يدل على اتساع التعرب بين يهود الأندلس أن نجد بين نسائهم شاعرات مجيدات مثل قسمونة بنت إسماعيل اليهودى وكان أبوها-كما يقول المقّرى-شاعرا واعتنى بتأديبها، وكانت تطارحه الشعر، وكان ربما نظم قسما من موشحة، فأتمتها هى بقسم آخر. ومما يؤكد أن الكثرة من يهود الأندلس تعربت تعربا كاملا أنه حين أخذ الإسبان والغربيون يطلبون ترجمة الثقافة العربية إلى الإسبانية الدارجة واللاتينية كان لهم فى ذلك دور ضخم، سوى ما تمثلوه من تلك الثقافة فى لغتهم العبرية، حتى ليقول بالنثيا: «نبعت ثقافة يهود إسبانيا من موارد الثقافة الإسلامية الأندلسية بصفة مباشرة» (١). ولعل فى ذلك كله ما ينقض-بوضوح-نظرية ريبيرا المفضية إلى أن عرب الأندلس كانوا يستخدمون فى شئونهم اليومية وأحاديثهم فيما بينهم لهجة من اللاتينية الدارجة أو العجمية، لأن فى ذلك ما يخالف الحقائق الكبرى التى قدمناها. وأيضا فإنه لا يستطيع أحد أن يقول إن نصارى الإسبان فى الأندلس ويهودها لم يكونوا يستخدمون فى تخاطبهم اليومى العامية العربية الأندلسية، بينما سموا مستعربين وهو اسم لصق بهم طوال امتزاجهم بالعرب قرونا متوالية. وكل ما يستدل به ريبيرا على نظريته المخطئة ظهور طراز جديد من الأدب الشعبى فى الأندلس اتخذ صورتين هما الموشحة والزجل، ومعروف أن الموشحة سبقت فى نشأتها الزجل بأكثر من قرنين على الأقل وأنها كانت تنظم بالعربية الفصحى فى جمهورها، إلا ما قد يتظرف به ناظمها فى الحين بعد الحين من ذكر كلمات رومانسية فى نهايتها، على نحو ما سنوضح ذلك فيما بعد، ومعروف أيضا أن الزجل لا ينظم بلاتينية دارجة، إنما ينظم بعامية أندلسية تتراءى فيها أحيانا ألفاظ من اللغة اللاتينية الدارجة، وهى ليست عامية لاتينية، إنما هى عامية عربية، شأنها شأن العاميات التى نشأت فى جميع البلاد العربية من التقاء الفصحى فيها بلغات أهلها

стр. 3772

الوطنية، وقد دخلتها فى كل بلد عربى بعض خصائص تلك اللغات فى النبر والتصريف، كما دخلتها ألفاظ منها كثيرة. وهو ما حدث فى الأندلس على نحو ما يتضح فى أزجالها، فهى منظومة بعربية عامية تتخللها من حين إلى حين ألفاظ من اللهجة الرومانثية التى كانت مستقرة فى الأندلس قبل الفتح العربى وظلت حية فيما وراءها من الإمارات المسيحية فى الشمال، وبالمثل فى الأندلس على ألسنة بعض النصارى والجوارى الإسبانيات والمسترقين من الإسبان فى الحروب، وانزلقت منها بعض ألفاظ فى الأزجال. وبين أيدينا نصوص لا تكاد تحصى أو تستقصى من هذه الأزجال المنظومة بالعامية، وليس فيها أى نص مكتوب أو منظوم باللهجة الرومانثية الدارجة فى الأندلس، مما يؤكد أن نظرية ريبيرا المفضية إلى شيوع تلك اللهجة على ألسنة عرب الأندلس مخطئة وكل ما يمكن أن يقال أن بعض عرب الأندلس كانوا يعرفون تلك اللهجة أو يلمون بشئ منها بجانب الفصحى والعامية العربية الأندلسية المتداولة فى الألسنة. ولم يكتب الزجالون بتلك العامية أزجالهم وحدها، بل كتبوا معها أيضا قصائد نظموها على أوزان العروض العربى، على نحو ما يلقانا عند أبى عبد الله أحمد بن الحاج المعروف باسم مدغلّيس، وهو من شعراء القرن السادس الهجرى، إذ ذكر صفى الدين الحلى فى كتابه: «العاطل الحالى» أنه قرأ له فى ديوانه بجانب أزجاله ثلاث عشرة قصيدة عامية على أوزان الشعر العربى، وقد سمّى أوزان عشر قصائد منها، وهى أربع من وزن المديد، واثنتان من وزن الرمل، وأخريان من وزن الخفيف، وقصيدة من وزن المتقارب وأخرى من وزن مخلّع البسيط، وأنشد من كل قصيدة مجموعة غير قليلة من أبياتها العامية (١). ومن المؤكد أن الأزجال عند مدغليس وغيره كانت مثل هذه القصائد العامية تنظم على أوزان الشعر العربى كما سيتضح-فيما بعد-فى تعليقنا على ما ننشده من بعض الأزجال. والأندلس-بذلك كله-لم يتداول أهلها من العرب فى ألسنتهم لهجة لاتينية دارجة كما توهم ريبيرا، إنما تداولوا فيها عامية عربية، كان يتداولها العامة بالأندلس فى تخاطبهم اليومى بالأسواق وغير الأسواق، واشترك معهم فيها أوساط المثقفين مع تمسكهم بالفصحى وآدابها الرفيعة، يستوى فى ذلك المسلمون والمسالمة، كما يستوى المسيحيون المستعربون ممن تحدث عنهم ألبرو آنفا. والشعب الأندلسى-فى هذا الصنيع-يلتقى

стр. 3773

بجميع الشعوب الإسلامية فى البلدان العربية المختلفة، إذ كانت الأوساط الثقافية فيها جميعا تتمسك بالفصحى وتتمثل آدابها وتشارك فيها بما تنتج من شعر ونثر، وفى الوقت نفسه تتحدث هذه الأوساط بلغة عامية دارجة مثلها فى ذلك مثل العامة من حولها، وهى لغة أهمل فيها الإعراب، ودخلتها بعض خصائص وألفاظ من اللغات القديمة التى كانت سائدة فى تلك البلدان قبل أن ينزلها العرب ويستقروا فيها ويتخذوها أوطانا جديدة لهم. وكما أن العامة بمختلف البلدان العربية بدّلت فى بعض ألفاظ العربية تبديلات مختلفة فى حركاتها وانزلقت من كلماتها السوقية والعامية بعض ألفاظ إلى كتابات الكتّاب وقصائد الشعراء مما جعل بعض اللغويين فى المشرق يؤلف كتبا فى لحن العامة، حتى يجتنبه الأدباء وينحّوه عن كتاباتهم وأشعارهم على نحو ما نعرف عند الكسائى البغدادى المتوفى سنة ١٨٩ للهجرة كذلك ألّف الزبيدى القرطبى الذى مرّ ذكره بين اللغويين الأندلسيين فى القرن الرابع الهجرى كتابا فى لحن العوام حتى ينبّه الكتّاب والشعراء إلى ما أفسدته العامة من ألفاظ العربية ودخل أحيانا فى كتاباتهم وأشعارهم حتى يتبيّنوه ويجتنبوه (١). وإذن فقد كانت تشيع عامية عربية فى الأندلس على ألسنة العرب والمستعربين لا لاتينية دارجة أو رومانثية، كما ظن ريبيرا، وهى عامية كانت تهمل الإعراب وتفسد أحيانا النطق السليم لبعض ألفاظ العربية شأن العاميات التى نشأت فى البلدان العربية الأخرى، وقد كتب فيها-كما ذكرنا-العلماء اللغويون من أمثال الزبيدى كتبا، ونظم فيها زجالون أزجالا كثيرة، وأحيانا دواوين زجلية، وأضاف بعض الزجالين إلى أزجالهم قصائد عامية، وهو تراث عربى أندلسى عامى ضخم، وهو لا يقاس من حيث الضخامة إلى ما خلقت العربية هناك من تراث فصيح هائل ثقافى وأدبى وعلمى وفلسفى، بحيث نستطيع أن نقول بحق إن العرب أنشأوا فى الأندلس شعبا عربيا كبيرا ظل بها ثمانية قرون متعاقبة، وظل عربىّ اللغة فصيحة وعامية، وظل عربىّ الدين والحضارة كما ظل عربى الثقافة والعقل والفكر والشعور والوجدان.

стр. 3774

(ب) كثرة الشعراء كان طبيعيا أن يظل نشاط الشعر بالأندلس محدودا زمن الولاة (٩٢ - ١٣٨ هـ) وصدر الدولة الأموية هناك حتى عهد الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) لأن أكثر العرب الفاتحين للأندلس كانوا يمنية، والشعر إنما ينشط على ألسنة العدنانيين، وربما نظمت أشعار فى تلك الفترة لم يسجلها الرواة، ومع ذلك فقد حدثونا عن شاعر مضرى مبكر فى عصر الولاة لم يلحق زمن الدولة الأموية هو جعونة الكلابى كان مدّاحا للصّميل بن حاتم مستشار يوسف بن عبد الرحمن الفهرى والى الأندلس منذ سنة ١٢٩ للهجرة، وأنشدوا بعض شعره، كما أنشدوا أشعارا لعبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية وابنه الأمير هشام وحفيده الحكم الربضى. ويظل الرواة ينشدون أشعارا لأمراء البيت الأموى. وقد أخذ هذا البيت القرشى فى رعاية الشعر منذ أول ولايته فى الأندلس، ويذكرون من الشعراء فى عصر الداخل قاضيه معاوية بن صالح وابن عم جده بشر بن عبد الملك المروانى الداخل إلى الأندلس فى صدر أيامه وحبيب بن عبد الملك المروانى وكانت له عند الداخل مكانة عليّة. واشتهر من الشعراء فى عهد الأمير هشام أبو المخشىّ عاصم بن زيد المتوفى فى دولة ابنه الحكم الربضى، واشتهر لزمن الحكم غربيب بن عبد الله الثقفى الطّليطلى المتوفّى فى أول دولة عبد الرحمن الأوسط ابن الحكم (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) وعهده يعدّ-كما مر بنا-بدء الازدهار الحضارى والثقافى بالأندلس، وأيضا بدء الازدهار الأدبى، وحظى بنزول زرياب فى قرطبة لأول حكمه، ودفعه لنهضة غنائية وموسيقية تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع. ورافق ذلك نشاط واسع للشعر وإعزاز لمكانته ورعاية متصلة من عبد الرحمن الأوسط لشعرائه، ونعد من مشهوريهم عباس بن ناصح قاضى الحكم الربضى على شذونة والجزيرة، ومرّ بنا-فيما أسلفنا- أن عبد الرحمن الأوسط وجّه به إلى العراق فى التماس الكتب القديمة التى تحمل علوم الأوائل فجلب منها إلى الأندلس كنوزا كثيرة أكبّ عليها الأندلسيون، وبدءوا نهضتهم فى إساغة تلك العلوم ثم الإضافة إليها-فيما بعد-إضافات باهرة. ومن مشهورى الشعراء أيضا فى هذا العهد يحيى الغزال الذى بدأ ظهوره فى عهد الحكم الربضى وعاش طويلا حتى سنة ٢٥٠ للهجرة، ومثله عباس بن فرناس صاحب قصة الطيران المشهورة، وقد نجم فى عهد الحكم وعاش حتى سنة ٢٧٤. وكان يعاصرهما عبد الله بن الشّمر منجم الأمير عبد الرحمن الأوسط ونديمه وعثمان بن المثنى مؤدب أبنائه، ومثله

стр. 3775

عبد الله بن بكر الكلاعى الملقب بالنذل، ومثلهما أبو عثمان سعيد بن الفرج الملقب بالرشاش، وكان من آداب الناس فى زمانه وأقومهم على لسان العرب، يقال إنه كان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة. ومن مشهورى الشعراء لعهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) عبد الله بن حسين بن عاصم الثقفى جليسه، ووزيره عبد الملك بن أحمد بن شهيد وعامر بن عامر بن كليب، ومحمد بن عبد العزيز العتبى وله مدائح كثيرة فى الأمير وابنه القاسم ووزيره هاشم بن عبد العزيز، ومؤمن بن سعيد كبير شعراء قرطبة كما يقول ابن حيان، ولكل هؤلاء تراجم وأشعار فى المغرب والمقتبس. وممن تدور أسماؤهم من الشعراء فى المقتبس لعهد الأمير محمد طاهر بن حزم وتمام بن أحمد بن عامر وعبد الله بن محمد المورورى وأحمد بن محمد بن فرج البلوى. ومن الشعراء المشهورين لعهد الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) حسب تعداد ابن حيان لهم فى المقتبس ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، ويقول إنه زعيمهم وسابق حلبتهم وعبيد الله بن يحيى بن إدريس وسيحظى عبد الرحمن الناصر بمدائحهما له حتى وفاتهما لعهده، وعداد ابن عبد ربه فى بيوتات المولدين ومثله عداد ابن إدريس فى بيوتات المولّدين لعهد الدولة المروانية كما يقول ابن حيان. ومضى يعد من شعراء الأمير عبد الله مقدم بن معافى القبرى مخترع الموشحات وهو عربى صليبة كما سنعرف فيما بعد وقاسم بن عبد الواحد العجلى وأحمد بن قلزم وإسحاق المنادى وزيد بن ربيع وسعيد بن عبد ربه المطبّب ابن أخى الشاعر ابن عبد ربه وعبيديس بن محمود، وكان كاتبا فى القصر وله مدائح كثيرة فى الأمير عبد الله، ثم خرج إلى عبيد الله بن أمية المعروف باسم ابن الشاليه الثائر بجيّان فكتب له وامتدحه بشعر كثير، كما امتدح زميله الثائر مثله على الدولة ابن حفصون. ومن أهم الشعراء حينئذ القلفاط محمد بن يحيى المار ذكره وله مدائح فى الأمير عبد الله وأيضا فى كثيرين من الثوار على الدولة. ومر بنا فى الفصل الأول أن الفتن كانت قد تفاقمت لعهد الأمر عبد الله فى ديار كثيرة بالأندلس بين المستعربين والمسالمة والمولدين من جهة وبين العرب من جهة ثانية وكانت من الديار التى حدثت فيها هذه الفتنة إلبيرة ومعها غرناطة، ونشبت بين الطرفين فيهما حروب ووقائع كثيرة. والمهم أن ذلك أدى إلى ظهور شعراء ينتصر كل منهم لجماعته ويهجو متوعدا الجماعة المقابلة، واشتهر من هؤلاء الشعراء بين العرب سعيد بن سليمان بن جودى والى الأمير عبد الله على غرناطة، وشعره يفيض بحمية قوية للعرب وتوعد شديد لخصومهم، وأدار شاعران: عربى هو الأسدى محمد بن سعيد بن مخارق، ومولّد من أبناء المسالمة هو العبلى عبد الله مناقضات، يناضل فيها كل منهما عن قومه.

стр. 3776

ونفر غير قليل من شعراء الأمير عبد الله عاشوا فى عهد حفيده عبد الرحمن الناصر لذى امتد خمسين عاما حتى سنة ٣٥٠ للهجرة يقول ابن حيان: «اجتمعت له حلبة من فحول الشعراء أمراء الكلام افتنوّا فى تقريظه وتوسعوا فى ذكر عدالته وسماحة كفه وشجاعة قلبه وجزالة رأيه وثقوب فهمه وبصره بتدبير حروبه واتصال فتوحه. . فأبدعوا فيما تناولوه به من ذلك بفضل اقتدارهم ومكانهم من صناعتهم فزادوا دولته حسنا وبهاء وكان المقدمون لديه من طبقتهم عدة خناذيذ (١) مقدّمهم معلمه فى الصبا ابن عبد ربّه، ويليه من نمطه عبيد الله بن يحيى بن إدريس وعبد الملك بن سعيد المرادى وإسماعيل بن بدر وأغلب بن شعيب وحسن بن حسان السّناط وغيرهم من كبار الطارئين عليه من المشرق مثل طاهر بن محمد البغدادى ومحمد بن الحسين الطّبنى الإفريقى (٢). ويذكر ابن حيان فى الجزء الخامس الخاص بالناصر من المقتبس لهم مدائح كثيرة كانوا يهنئونه فيها بانتصاراته وخاصة لابن عبد ربه وابن إدريس ولشعراء آخرين مثل جعفر المصحفى ومحمد بن أضحى صاحب الحامّة وعبد الملك بن جهور وزيره وأحمد بن محمد الرازى الذى مر ذكره بين المؤرخين. وكثير من هؤلاء الشعراء باستثناء الأولين يدخلون فى عداد شعراء ابنه الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) وفى مقدمتهم جعفر المصحفى مولاه وحاجبه ومحمد بن الحسين الطّبنى ومن شعرائه المهمين وزيره أحمد بن عبد الملك بن شهيد ويحيى بن هذيل ومحمد بن شخيص وأحمد بن فرج الجيّانى صاحب كتاب الحدائق. وكان الحكم مثل أبيه الناصر-شاعرا، وأنشد له صاحب المغرب أشعارا بديعة، وكذلك أنشد لأخوته عبد الله ومحمد وعبد العزيز ولابن أخيهم محمد بن عبد الملك بن الناصر. ويخلفه ابنه المؤيد (٣٦٦ - ٣٩٩ هـ) ويحجب له المنصور بن أبى عامر ثم ابناه المظفر والناصر، وتصبح الدولة دولتهم، وليس للمؤيد حول ولا طول، وتنشب بقرطبة فتنة تظل نحو عشرين عاما، ويقضى فيها على الحكم الأموى قضاء مبرما. ومن مشهورى الشعراء فى الدولة العامرية والسنوات العجاف بعدها عبد الملك بن أحمد بن شهيد، وابنه أحمد صاحب رسالة التوابع والزوابع المشهور بجودة نثره وشعره، والبلّينه سعيد بن عثمان المروانى وهو من مداح المنصور بن أبى عامر، والقائد يعلى بن أحمد بن يعلى وعبد الملك بن إدريس الجزيرى كاتب المنصور وابن النظام عبد الرحمن بن محمد والمطرف بن عمر الهشيّمى وعبد الله بن أبى الحسن

стр. 3777

ومحمد بن شخيص شاعر المستنصر ويوسف بن هرون الرمادى المتوفى سنة ٤١٣ ومحمد بن الحسين الطّبنى وجعفر بن أبى على القالى، وعيسى بن الحسن، وعبادة بن ماء السماء المتوفى سنة ٤١٩ وابن الكتّانى محمد بن الحسن المذحجى المطبّب وابن دراج القسطلى وأمية (١) بن غالب المورورى. ومما يدل بوضوح على كثرة الشعراء فى زمن الدولة الأموية منذ القرن الثالث أن نجد كثيرين من الأندلسيين يعنون بالترجمة لشعرائهم منذ صدر القرن الرابع الهجرى، على نحو ما نجد عند عثمان بن ربيعة المتوفى سنة ٣١٠ واسم كتابه «طبقات الشعراء بالأندلس» وتتوالى بعده المصنفات التى تعنى بتاريخ الشعراء الأندلسيين وعرض أشعارهم مثل شعراء الأندلس لابن سعيد الكنانى المتوفى سنة ٣٢٠ وأخبار شعراء الأندلس لمحمد بن هشام الأموى فى زمن عبد الرحمن الناصر، والشعراء من فقهاء الأندلس لقاسم بن نصير المتوفى سنة ٣٣٨ وشعراء الأندلس لمحمد بن عبد الرءوف الأزدى المتوفى سنة ٣٤٣ وشعراء إلبيرة لمطرف بن عيسى الغسانى المتوفى سنة ٣٥٧ وكتاب الحدائق لأحمد بن فرج الجيانى، ومرّ بنا فى الفصل الماضى أنه ألفه للحكم المستنصر معارضا به كتاب الزهرة لابن داود البغدادى وكان ابن داود وزّع كتابه على مائه باب وأودع فى كل باب مائة بيت، فجعل ابن فرج كتابه-كما مر بنا-فى مائتى باب وفى كل باب مائتا بيت، افتخارا بذلك لأهل موطنه وبيانا لتفوقهم فى الشعر وبراعتهم فيه. وألف بعده ابن الفرضى المتوفى سنة ٤٠٣ كتابا فى أخبار شعراء الأندلس، وبنفس العنوان ألف عبادة بن ماء السماء كتابا مماثلا، وألف ابن الكتّانى «كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس» وهو نماذج من التشبيهات البديعة اختارها للشعراء الأندلسيين حتى زمنه، وقد ألممنا به فى حديثنا عن عناية الأندلسيين بالبلاغة العربية فى الفصل الماضى. وفى سرد تلك الكتب العشرة ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء الأندلسيين كثرة مفرطة زمن الدولة الأموية. ونمضى إلى عصر أمراء الطوائف، وقد أدّت المنافسة بينهم إلى أن يجمع كل منهم حوله كوكبة من الشعراء ولعل إمارة لم تعن بجذب الشعراء إليها كما عنيت إمارة بنى عباد بإشبيلية، فقد أكثروا من إغداقهم على الشعراء، وليس ذلك فحسب، فقد أحالوا إشبيلية

стр. 3778

إلى دار غناء ضخمة، وكانت مجالس المعتضد وابنه المعتمد ندوات كبيرة لالتقاء الشعراء وإنشادهم مدائحهم فى الأميرين، وكانا شاعرين، وخاصة المعتمد إذ كان شاعرا كبيرا وله ديوان شعر منشور. ويترجم ابن بسام فى الذخيرة وابن سعيد فى المغرب لشعراء إشبيلية والوافدين عليها فى عهد المعتضد والمعتمد، وهم يعدون بالعشرات، نذكر منهم لعهد المعتضد أبا عامر بن مسلمة صاحب كتاب الارتياح فى وصف حقيقة الراح ألفه للمعتضد وإسماعيل بن عامر الحميرى الملقب بحبيب صاحب كتاب البديع فى وصف الربيع وأبا جعفر أحمد بن الأبار وأبا حفص عمر بن الحسن الهوزنى وعلى بن غالب بن حصن ومحمد بن ديسم وأحمد بن محمد الإشبيلى وإبراهيم بن خيرة بن الصباغ وعبد الله بن حجاج وأبا القاسم محمد بن عبد الغفور وابن زيدون القرطبى الذى اتخذه وزيرا ومدبّرا لشئون دولته منذ نزوله بإشبيلية سنة ٤٤١. وكان ابنه المعتمد راعيا كبيرا للشعر والشعراء، ومن شعرائه أبو الوليد محمد بن عبد العزيز المعلم وزيره وكاتبه وأبو القاسم بن الجد وأبو القاسم بن مرزقان وابن المرعزّى النصرانى الإشبيلى. وكاد أن لا ينجم فى بلد من بلدان الأندلس شاعر كبير إلا ويفد عليه ويقدم مدائحه إليه من مثل ابن عمار الشلبى الذى وفد على أبيه، وانعقدت بينه وبين المعتمد صحبة حتى إذا أفضت الإمارة إليه جاءه فتلقاه بأعظم قبول، وظلت الصلة بينهما وطيدة إلى أن أفسدها ابن عمار. ومن كبار شعراء الأندلس الوافدين عليه من البشرات فى إلبيرة ابن القزاز محمد بن عبادة، ومن المريّة يوسف بن عبد الصمد، ومن مرسية عبد الجليل بن وهبون الذى تغنى طويلا بانتصاره مع يوسف بن تاشفين فى موقعة الزلاقة، ومن دانية ابن اللبانة الذى تفجع على دولته تفجعا مريرا حين نفاه ابن تاشفين إلى أغمات بمراكش. وممن وفد عليه أيضا ومدحه ابن حمديس شاعر صقلية المشهور. ولعل فى هذا العرض السريع للشعراء المستوطنين والوافدين على إمارة إشبيلية ما يصور-من بعض الوجوه-كثرة الشعراء فى عهد أمراء الطوائف وحقا لم تبلغ إمارة من إماراتهم ما بلغته إشبيلية من رعاية الشعراء حينئذ، غير أنه لم تكد تخلو إمارة من شعراء يحفّون بها وبأمرائها، ولنأخذ مثلا المريّة، فقد كان من أمرائها راع كبير للشعر هو المعتصم بن صمادح الذى ظل على إمارتها نحو أربعين سنة وكان شاعرا، وكذلك كان أبناؤه أبو يحيى وأبو جعفر أحمد وأبو محمد عبد الله وأختهم أم الكرم وكانت تنظم الشعر والموشحات، ومن مداحه يوسف بن عبد الصمد الوافد على المعتمد فى إشبيلية، وأبو حفص بن الشهيد، وابن الطراوة سليمان بن محمد، ومن كبار الشعراء الوافدين

стр. 3779

عليه من الأندلس وغيرها الأشكركى يوسف بن محمد وابن القزاز محمد بن عبادة الإلبيرى الذى كان يفد على المعتمد بإشبيلية وابن الحداد محمد بن أحمد الوادى آشى والأسعد بن بلّيطة الطّليطلى وابن شرف القيروانى. وتكتظ الذخيرة وكتاب المغرب بشعراء إمارات الطوائف المختلفة. وكان تعدد هذه الإمارات سببا فى أن تتعدد بالأندلس المراكز التى تغدق على الشعراء فيها الأموال والعطايا الجزيلة، مما لم يكن مألوفا زمن الدولة الأموية، إذ كانت قرطبة وحدها هى التى تنثر الدنانير، أما فى هذا العصر فقد أخذت منها هذه المكانة-أو قل بزّتها فيها-مدن كثيرة من مثل إشبيلية والمريّة ومرسية ودانية وبطليوس وطليطلة وسرقسطة وغرناطة، ودفع ذلك إلى ظاهرة مستجدة فى هذا العصر هى ظاهرة الشعراء الجوّالين الذين يرحلون من إمارة إلى إمارة أو من أمير إلى أمير فى طلب النوال والمال مثل أسعد بن بلّيطة الطليطلى وابن القزاز محمد بن عبادة وأبى عامر بن الأصيلى وكان جواب آفاق وعبد الرحمن بن مقانا الأشبونى المبدع، ورأى أن يرجع أخيرا إلى موطنه «القبذاق» ويشتغل فيها بالزراعة بعد أن كلّت قدماه وأضناه التطواف على الإمارات والأمراء (١). وأخذت تشيع حينئذ ظاهرة غريبة هى ظاهرة المداحين المتسوّلين من أهل الكدية الذين يسميهم ابن بسام فى الذخيرة باسم القوّالين، وهم لا ينظمون شعرا ولا مديحا، وإنما ينشدون غرر القصائد على الأبواب وفى الأسواق يستجدون بها الناس بما يسمعونهم من شعر رائع يمتعونهم به، ويذكر ابن بسام من ذلك الشعر قصيدة ابن مقانا: ألبرق لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالدمع المعين (٢) ويقول إن طائفة القوالين فى الأندلس كانوا يتداولون أكثر أبياتها لما تشتمل عليه من عذوبة فى اللفظ وسلاسة (٣). وينتهى عصر الطوائف وأمرائه، وتدخل الأندلس فى عصر المرابطين (٤٨٤ - ٥٤١ هـ) وكانوا مشغولين بحرب النصارى فى الشمال، ولم يكن لهم اهتمام بالشعر والأدب، غير أنهم لم يلبثوا-وخاصة ولاتهم فى الأندلس-أن أشربوا روح الأندلس وثقافتها وعنايتها بالشعر، وطبيعى أن ظلّ يعيش فى عصر المرابطين شعراء كثيرون ممن نشأوا فى عصر أمراء الطوائف، ومن الشعراء فى هذا العصر عبد الله بن سارة وابن أبى

стр. 3780

الخصال الكاتب وابن الزقاق وابن خفاجة وعبد العزيز بن القبطورنة وعلى بن الإمام ومحمد بن الجراوى الغرناطى وعبد الرحمن بن مالك ويحيى بن الصيرفى وله كتاب فى تاريخ الدولة اللمتونية أو دولة الملثمين أو المرابطين ومحمد بن أحمد بن حجاج وجعفر بن الحاج وأمية بن أبى الصلت والفتح بن خاقان صاحب القلائد والمطمح وابن بسام صاحب الذخيرة وأبو بكر المخزومى الأعمى وأبو العلاء بن الجنّان وابن عائشة الكاتب وأبو بكر بن العربى وابن العريف وأبو أمية بن عصام وعبد الحق بن عطية وعبد المجيد بن عبدون وجعفر بن محمد بن الأعلم ومحمد بن الروح وابن الفخار الأصولى المالقى، ومن كبار الشعراء الوشاحين فى العصر الأعمى التطيلى ويحيى بن بقى واليكّى يحيى بن سهل والأبيض أبو بكر محمد بن أحمد الأنصارى وأبو عبد الله بن أبى الفضل بن شرف وأبو الحسن بن نزار وابن باجة الفيلسوف. ولكل هؤلاء الوشاحين والشعراء تراجم وأشعار فى كتاب المغرب لابن سعيد، وأيضا فإنه ترجم لابن قزمان الواضع النهائى لفن الزجل الأندلسى وديوانه منشور منذ القرن الماضى وقد توفى سنة ٥٥٥ بعد عصر المرابطين بنحو خمسة عشر عاما، وهو لذلك حرى بأن يلحق بعصرهم. ونمضى إلى عصر الموحدين ونرى ابن سعيد فى كتابه المغرب يترجم فيه لأكثر من أربعين شاعرا نذكر منهم أحمد بن شطرية القرطبى وابن خروف على بن يوسف ومحمد بن الصفار الأعمى القرطبى والهيثم بن أحمد بن الهيثم ومحمد بن عياض اللبلى والخراز البسطى وابن طفيل الفيلسوف وأبا عامر محمد بن الحمارة تلميذ ابن باجة ومحمد بن عبد الواحد الملاحى مؤرخ غرناطة وعبد البر بن فرسان وعبد الله بن عذرة وأحمد بن عبد الملك بن سعيد وصفوان بن إدريس صاحب زاد المسافر والكتندى محمد بن عبد الرحمن وأحمد بن عتيق الفيلسوف المعروف بابن الذهبى والرصافى محمد بن غالب وأحمد بن طلحة ومرج الكحل وأبا عامر بن ينّق الشاطبى ويحيى الجزار السرقسطى. وترجم ابن سعيد بجانب هؤلاء الشعراء وأشعارهم لطائفة من الوشاحين مع إنشاده لبعض موشحاتهم، منهم أحمد بن حنون وأبو بكر بن زهر وابن حبيب القصرى الفيلسوف وعلى بن المرينى وابن هرودس وعلى بن الفضل وعلى بن حريق وعبد الرحيم بن الفرس وابن موهد الشاطبىّ. وبالمثل ترجم لطائفة من الزجالين مع إنشاده لبعض أزجالهم منهم أبو عمرو بن الزاهر الإشبيلى والبلارج القرمونى وابن الدباغ ومدغليس وابن ناجية اللورقى. ومما يدل بقوة على ازدهار نهضة الشعر فى الأندلس منذ القرن الثالث الهجرى كثرة ناظميه بين الفقهاء واللغويين والنحاة والأطباء

стр. 3781

والرياضيين والمتفلسفة وحتى بين العامة وأهل الريف على نحو ما مرّ بنا عن أهل شلب مما حكاه ياقوت. ومن أكبر الأدلة على هذا الازدهار أن المرأة الأندلسية أسهمت فيه إسهاما واسعا بزّت فيه أخواتها فى البلاد العربية الأخرى، مما جعل كتب التراجم الأدبية الأندلسية من مثل المغرب تترجم لغير شاعرة، وقد ترجم المقرى فى النفح لأكثر من عشرين شاعرة، منهن فى القرن الثالث حسانة التميمية بنت الشاعر أبى المخشىّ عاصم بن زيد، ومنهن فى القرن الرابع حفصة بنت حمدون الحجارية وعائشة بنت أحمد القرطبية والشاعرة الغسانية البجانية، ومنهن فى القرن الخامس ولادة بنت الخليفة المستكفى ومهجة بنت التيّانى القرطبية ومريم بنت أبى يعقوب الإشبيلية وأم العلاء بنت يوسف الحجارية والعبادية جارية المعتضد بن عباد واعتماد المعروفة باسم الرّميكية زوجة ابنه المعتمد وأم أبنائه وغاية المنى جارية المعتصم بن صمادح صاحب المرية وأم الكرم ابنته وحواء زوجة القائد المرابطى سير بن أبى بكر والى إشبيلية حتى وفاته، وكانت لها ندوة أدبية تجلس فيها للشعراء تحاضرهم فيها وتستمع إلى أحاديثهم وأشعارهم وتبدى بعض انتقادات على ما تسمع. وممن ترجم لهن المقرى فى القرن السادس نزهون بنت القليعى وحمدة بنت زياد وحفصة بنت الحاج الركونية الغرناطية وورقاء بنت ينتان القرطبية والشاعرة الشلبية وأسماء العامرية، وترجم المقرى فى أواخر عصر الموحدين بالنصف الأول من القرن السابع لأم السعد بنت عصام القرطبية وأختها مهجة. وهو عدد وفير من الشاعرات الأندلسيات لم يتح لأى إقليم عربى، مما يدل بوضوح على شغف الأندلسيين الشديد بفن الشعر شغفا أذكى فى نفوسهم نساء ورجالا جذوة الشعر مما جعل الأندلس تمتلئ شاعرات وشعراء. وما إن ينحسر لواء دولة الموحدين عن الأندلس حوالى سنة ٦٢٥ حتى يأخذ هذا الازدهار الذى رافق الشعر الأندلسى قرونا متعاقبة فى التقلص والنصول، إذ أخذ كثير من ينابيع الحياة التى كان يستمد منها فى الجفاف بسبب ضياع الشطر الأعظم من الأندلس فقد سقطت الحواضر الكبرى فى وسط الأندلس وشرقيها وغربيها فى حجور المسيحيين، ولولا أن أتيح للشطر المتبقى القائد العربى ابن الأحمر حفيد سعد بن عبادة الأنصارى الصحابى لضاعت الأندلس نهائيا من أيدى العرب، ولكنه استطاع أن يصمد للنصارى الشماليين وأن يكوّن دولة فى غرناطة والأجزاء الجنوبية من الأندلس ظل أبناؤه وأحفاده يقومون عليها حتى غلبوا على أمرهم لسنة ٨٩٧ للهجرة وخرجوا-وخرج معهم جمهور العرب-من الجزيرة. ومنذ واقعة العقاب سنة ٦٠٩ واندحار جيش

стр. 3782

الموحدين فيها أحسّ الأندلسيون أن الخطر تفاقم وأن ديارهم لن تثبت طويلا أمام ضربات العدو، وهو ما أخذ يتراءى لهم سريعا، وكان ذلك سببا فى أن يغادر الأندلس كثيرون من أهلها إلى البلاد المغربية والمشرقية فاستقروا بها حاملين معهم علومهم وآدابهم التى أثروا بها تأثيرا عميقا فى البلاد المغربية، خاصة فى مراكش وبجاية وتونس. ولابن سعيد صاحب كتاب المغرب المتوفى سنة ٦٨٥ كتاب نشر مجمل له باسم اختصار القدح المعلّى وهو يعرض فيه شعراء الأندلس فى المائة السابعة ممن جالسهم فى الأندلس وقيّد عنهم بعض أشعارهم أو جالسهم فى البلدان المغربية وخاصة تونس أو فى البلدان المشرقية فى الإسكندرية أو فى القاهرة أو فى دمشق، وقد بلغوا فى كتابه اثنين وسبعين شاعرا، وتراجمهم أكثر تفصيلا وأشعارا من ترجماته فى كتاب المغرب، وممن يذكره بينهم أبو الوليد الشّقندى صاحب الرسالة المشهورة فى فضل الأندلس وتفوقها الثقافى والأدبى، ويذكر إبراهيم بن محمد بن صناديد الجيانى ويقول إن أباه ممدوح مدغليس فى أزجاله. ويتوسع فى الحديث عن علماء اللغة والنحو: الشلوبين والدباج والأعلم البطليوسى منشدا بعض أشعارهم وكان قد أقام بتونس طويلا، ولذلك عنى بالحديث عمن نزل فيها من الأدباء والشعراء الكبار مثل ابن الأبار صاحب التكملة والحلة السيراء وتحفة القادم ومعجم الصدفى وبها توفى سنة ٦٥٨ ومثل أبى المطرف أحمد بن عميرة وأبى الحجاج يوسف البياسى وابن همشك محمد بن يحيى. وممن ذكر أنهم رحلوا إلى مصر أبو الحجاج يوسف الإشبيلى المطبّب وقد عيّنه المصريون فى مارستان القاهرة. وكانت مصر دائما ترحب بالمهاجرين إليها من الأندلس مثل ابن دحية الذى أسند إليه السلطان الكامل رياسة مدرسة الحديث ومثل ابن البيطار الذى جعله رئيسا للعشّابين أو الصيادلة فى القاهرة، وهاجر إلى دمشق ابن عربى المتصوف وتوفى بها سنة ٦٣٨ وهاجر تلميذه ابن سبعين إلى مكة وبها توفى سنة ٦٦٩. وكتاب اختصار القدح المعلى مهم لأنه يعرض علينا جمهرة كبيرة من شعراء الأندلس فى المائة السابعة. ونلتقى بعده بكتاب «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب وبه ترجمات لمائة شاعر وثلاثة، بدأهم بالوعاظ والمتصوفة من مثل ابن عباد النفزى المتوفى سنة ٧٩١ وتلاهم بالمقرئين والمدرسين من الشعراء مثل أبى حيان المهاجر إلى القاهرة، وذكر فى إثرهم طبقة القضاة ثم طبقة الكتاب والشعراء من أمثال ابن خاتمة وابن زمرك. ويكمل كتاب لسان الدين فى شعراء الأندلس فى المائة الثامنة كتاب نثير فرائد الجمان فى نظم فحول الزمان لابن الأحمر إسماعيل بن يوسف المتوفى سنة ٨٠٧ وقد

стр. 3783

عاش بعد لسان الدين المتوفى سنة ٧٧٦ ثلاثين عاما، وهو يلتقى معه فى طائفة من تراجمه غير أنه يضيف إليه بعض تراجم جديدة، بينها ترجمة للسان الدين بن الخطيب وترجمة لنفسه. ولعل فى كل ما قدمت ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء فى الأندلس منذ اكتمل تعربها فى القرن الثالث الهجرى كثرة مفرطة، وظل الشعر حيّا بل مزدهرا فى الأندلس حتى الأنفاس الأخيرة من حياة العرب هناك، وكأنه توأم روحهم، فكلما وجدوا تغنوا بالشعر وصدحوا به معبرين عن مشاعرهم ووجداناتهم، يشترك فى ذلك علماؤهم من كل صنف ورجالهم ونساؤهم وشيوخهم وشبانهم، ومثقفوهم وعامتهم، حتى الأميون منهم وأصحاب الحرف كالخراز والجزار اللذين مر ذكرهما ومثلهما مرج الكحل الشاعر البلنسى فقد نشأ ينادى فى الأسواق ويتعيّش من بيع السمك، وأخذت همته تترقّى قليلا قليلا فى حب الشعر إلى أن نظمه وأجاده. ومثله ابن جاخ الصباغ البطليوسى. ٢ - الموشحات والأزجال (أ) الموشحات الموشحات جمع موشحة، وهى مشتقة من الوشاح وهو-كما فى المعاجم-خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر. والتسمية دقيقة إذ الموشحة تتألف من قفل يسمى مركزا، وتتعدد أجزاؤه أو شطوره، ويليه غصن متعدد الأجزاء أو الشطور، وبينما تتحد أجزاء الأقفال التالية مع الأجزاء المقابلة لها فى القفل الأول سواء فى الوزن أو القافية تختلف أجزاء الأغصان التالية مع أجزاء الغصن الأول فى قافيته، فلكل غصن قافية تتحد فى أجزائه أو شطوره مع اتفاق أجزاء الأغصان جميعا فى الوزن. والموشحة-بذلك-تتألف من مجموعتين من الأجزاء أو الشطور، مجموعة تتحد أجزاؤها المتقابلة فى الأقفال المتعاقبة فى الوزن والقافية، ومجموعة تتحد أجزاؤها فى الوزن وحده دون القافية فإنها تتخالف فيها دائما، وهما-بهذه الصورة-يشبهان الوشاح المذكور آنفا أدق الشبه. واشتهرت الأندلس بأنها هى التى ابتكرت فن الموشحة، ويظنّ أنه كان لاتساع موجة الغناء والموسيقى منذ زرياب فى عهد عبد الرحمن الأوسط على نحو ما مرّ بنا فى الفصل

стр. 3784

الأول أثر كبير فى نشوء الموشحة بقصد الغناء بها مع العازفين، وكأنها تتألف من فقرتين: فقرة للمنشد وفقرة ترد بها الجوقة. وكان بدء ظهورها فى عهد الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) يقول ابن سعيد: «ذكر الحجارى فى كتاب المسهب فى غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبرى من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المروانى وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما» (١). ويسمى ابن بسام فى ترجمته لعبادة بن ماء السماء مخترعها خطأ باسم محمد بن حمود القبرى الضرير، ويقول: «كان يضعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة» (٢) وظن بعض الباحثين -وخاصة من المستشرقين الإسبان-أن ذلك يدل على أن الموشحة لم تكن تنظم فى نشأتها بالفصحى على أعاريض الشعر العربى وأوزانه إنما كانت تنظم على أعاريض المقاطع مثل الشعر الأوربى (٣)، وهو خطأ فى الفهم إذ أن كلمة «الأعاريض المهملة غير المستعملة عند ابن بسام لا تفيد ذلك، إنما تفيد ما ردده العروضيون المشارقة والمغاربة من أن الدوائر الخمس التى ضبط بها الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ للهجرة أعاريض الشعر العربى تفسح لأوزان مهملة لا تنحصر لم يستخدمها العرب فى أشعارها، واستخدمها فى عصره-كما يقول صاحب الأغانى-تلميذه عبد الله بن هرون بن السّميدع البصرى، وأخذ ذلك عنه وحاكاه فيه رزين العروضى وأتى فيه ببدائع جمة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس (٤) وقد أنشد ياقوت قصيدة له فى مديح الحسن بن سهل، وأشار إلى أنها خارجة على أوزان الشعر العربى وأنها إنما تجرى على وزن من أوزان الخليل المهملة، وهو-فى رأينا-عكس وزن المنسرح. ويعد أبو العتاهية أهم شاعر عباسى ثان نظم أشعارا له مختلفة على تلك الأوزان المهملة على نحو ما يصور ذلك كتابنا «العصر العباسى الأول». (٥) ومعنى ذلك كله أن كلمة الأعاريض المهملة غير المستعملة التى أشار ابن بسام إلى أن أشطار أكثر الموشحات نظمت عليها لا يقصد بها أنها أعاريض أعجمية، إنما يقصد بها

стр. 3785

أنها من أعاريض دوائر الخليل المهملة التى لم يستعملها العرب، وقد يقال إنك اقتطعت كلمة ابن بسام من بقية لها تدل على ما نقول، إذ يذكر ابن بسام عن منشئها-فى رأيه- محمد بن حمود القبرى الضرير أنه كان: «يأخذ اللفظ العامى والعجمى ويسميه المركز ويضع عليه الموشحة» وهو يقصد قفلها الأخير الذى يأتى فى الخاتمة. وربما كان ذلك ما دعا «ريبيرا» إلى القول بأن الموشحة طراز شعرى يمتزج فيه الشرق بالغرب. ويتسع المستشرق الإسبانى المعاصر غرسية غوميس بالفكرة ويقول مستدلا بكلمة ابن بسام إن الخرجات (الخواتيم) الرومانثية فى الموشحات الأولى كانت أجزاء مقتبسة من أغان شعبية إسبانية أعجب بها الوشاح الأول، واتخذها قاعدة بنى على شاكلتها موشحته مرصّعا لها بذلك الجزء كما يرصع الخاتم بفصّ من الجواهر الكريمة. وليس فى يد غرسية دليل على أن الخرجة عند الوشاح الأول كانت تقتطع من أغنية رومانثية، فهو مجرد ظن، وأقرب منه وأصحّ منطقيا أن يكون قد حدث أحيانا عند الوشاح الأول ومن حاكوه اقتباس صيغة عامية أو أعجمية فى نهاية الموشحة على سبيل التظرف، كما حدث ذلك مرارا عند بعض الشعراء العباسيين (١). وحتى بعد أن ازدهر هذا الفن فى القرن الخامس وما بعده لم يستطع باحث بين المستشرقين الإسبان أن يرد خرجة رومانثية إلى أغنية رومانثية كانت متداولة فى الأندلس أو تغنّى، فالقول بذلك إنما هو-فى رأينا-مجرد ظنّ لا دليل عليه. أما لماذا استمر الوشاحون يجنحون أحيانا فى بعض موشحاتهم إلى اختتامها بصيغة رومانثية أو أعجمية فقد ذكر ابن سناء الملك السبب الأهم فيه إذ قال: «الخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح، والشرط فيها أن تكون حجاجية (نسبة إلى ابن حجاج شاعر بغداد المفرط فى المجون) من قبل السخف، قزمانية (نسبة إلى ابن قزمان الزجال) من قبل اللّحن حارة محرقة من ألفاظ العامة. . ويجعل الخروج إليها وثبا واستطرادا وقولا مستعارا على بعض الألسنة وأكثر ما تجعل على ألسنة الصبيان والنسوان والسكرى والسكران، ولا بد فى البيت قبل الخرجة من قال أو قلت أو قالت أو غنى أو غنت» (٢). وواضح أن ما تحمله الخرجة أحيانا-أو ما يريد لها الوشاح أن تحمل-من مجون زائد
следующие страницы →