← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

والرياضيين والمتفلسفة وحتى بين العامة وأهل الريف على نحو ما مرّ بنا عن أهل شلب مما حكاه ياقوت. ومن أكبر الأدلة على هذا الازدهار أن المرأة الأندلسية أسهمت فيه إسهاما واسعا بزّت فيه أخواتها فى البلاد العربية الأخرى، مما جعل كتب التراجم الأدبية الأندلسية من مثل المغرب تترجم لغير شاعرة، وقد ترجم المقرى فى النفح لأكثر من عشرين شاعرة، منهن فى القرن الثالث حسانة التميمية بنت الشاعر أبى المخشىّ عاصم بن زيد، ومنهن فى القرن الرابع حفصة بنت حمدون الحجارية وعائشة بنت أحمد القرطبية والشاعرة الغسانية البجانية، ومنهن فى القرن الخامس ولادة بنت الخليفة المستكفى ومهجة بنت التيّانى القرطبية ومريم بنت أبى يعقوب الإشبيلية وأم العلاء بنت يوسف الحجارية والعبادية جارية المعتضد بن عباد واعتماد المعروفة باسم الرّميكية زوجة ابنه المعتمد وأم أبنائه وغاية المنى جارية المعتصم بن صمادح صاحب المرية وأم الكرم ابنته وحواء زوجة القائد المرابطى سير بن أبى بكر والى إشبيلية حتى وفاته، وكانت لها ندوة أدبية تجلس فيها للشعراء تحاضرهم فيها وتستمع إلى أحاديثهم وأشعارهم وتبدى بعض انتقادات على ما تسمع. وممن ترجم لهن المقرى فى القرن السادس نزهون بنت القليعى وحمدة بنت زياد وحفصة بنت الحاج الركونية الغرناطية وورقاء بنت ينتان القرطبية والشاعرة الشلبية وأسماء العامرية، وترجم المقرى فى أواخر عصر الموحدين بالنصف الأول من القرن السابع لأم السعد بنت عصام القرطبية وأختها مهجة. وهو عدد وفير من الشاعرات الأندلسيات لم يتح لأى إقليم عربى، مما يدل بوضوح على شغف الأندلسيين الشديد بفن الشعر شغفا أذكى فى نفوسهم نساء ورجالا جذوة الشعر مما جعل الأندلس تمتلئ شاعرات وشعراء. وما إن ينحسر لواء دولة الموحدين عن الأندلس حوالى سنة ٦٢٥ حتى يأخذ هذا الازدهار الذى رافق الشعر الأندلسى قرونا متعاقبة فى التقلص والنصول، إذ أخذ كثير من ينابيع الحياة التى كان يستمد منها فى الجفاف بسبب ضياع الشطر الأعظم من الأندلس فقد سقطت الحواضر الكبرى فى وسط الأندلس وشرقيها وغربيها فى حجور المسيحيين، ولولا أن أتيح للشطر المتبقى القائد العربى ابن الأحمر حفيد سعد بن عبادة الأنصارى الصحابى لضاعت الأندلس نهائيا من أيدى العرب، ولكنه استطاع أن يصمد للنصارى الشماليين وأن يكوّن دولة فى غرناطة والأجزاء الجنوبية من الأندلس ظل أبناؤه وأحفاده يقومون عليها حتى غلبوا على أمرهم لسنة ٨٩٧ للهجرة وخرجوا-وخرج معهم جمهور العرب-من الجزيرة. ومنذ واقعة العقاب سنة ٦٠٩ واندحار جيش

стр. 3782

الموحدين فيها أحسّ الأندلسيون أن الخطر تفاقم وأن ديارهم لن تثبت طويلا أمام ضربات العدو، وهو ما أخذ يتراءى لهم سريعا، وكان ذلك سببا فى أن يغادر الأندلس كثيرون من أهلها إلى البلاد المغربية والمشرقية فاستقروا بها حاملين معهم علومهم وآدابهم التى أثروا بها تأثيرا عميقا فى البلاد المغربية، خاصة فى مراكش وبجاية وتونس. ولابن سعيد صاحب كتاب المغرب المتوفى سنة ٦٨٥ كتاب نشر مجمل له باسم اختصار القدح المعلّى وهو يعرض فيه شعراء الأندلس فى المائة السابعة ممن جالسهم فى الأندلس وقيّد عنهم بعض أشعارهم أو جالسهم فى البلدان المغربية وخاصة تونس أو فى البلدان المشرقية فى الإسكندرية أو فى القاهرة أو فى دمشق، وقد بلغوا فى كتابه اثنين وسبعين شاعرا، وتراجمهم أكثر تفصيلا وأشعارا من ترجماته فى كتاب المغرب، وممن يذكره بينهم أبو الوليد الشّقندى صاحب الرسالة المشهورة فى فضل الأندلس وتفوقها الثقافى والأدبى، ويذكر إبراهيم بن محمد بن صناديد الجيانى ويقول إن أباه ممدوح مدغليس فى أزجاله. ويتوسع فى الحديث عن علماء اللغة والنحو: الشلوبين والدباج والأعلم البطليوسى منشدا بعض أشعارهم وكان قد أقام بتونس طويلا، ولذلك عنى بالحديث عمن نزل فيها من الأدباء والشعراء الكبار مثل ابن الأبار صاحب التكملة والحلة السيراء وتحفة القادم ومعجم الصدفى وبها توفى سنة ٦٥٨ ومثل أبى المطرف أحمد بن عميرة وأبى الحجاج يوسف البياسى وابن همشك محمد بن يحيى. وممن ذكر أنهم رحلوا إلى مصر أبو الحجاج يوسف الإشبيلى المطبّب وقد عيّنه المصريون فى مارستان القاهرة. وكانت مصر دائما ترحب بالمهاجرين إليها من الأندلس مثل ابن دحية الذى أسند إليه السلطان الكامل رياسة مدرسة الحديث ومثل ابن البيطار الذى جعله رئيسا للعشّابين أو الصيادلة فى القاهرة، وهاجر إلى دمشق ابن عربى المتصوف وتوفى بها سنة ٦٣٨ وهاجر تلميذه ابن سبعين إلى مكة وبها توفى سنة ٦٦٩. وكتاب اختصار القدح المعلى مهم لأنه يعرض علينا جمهرة كبيرة من شعراء الأندلس فى المائة السابعة. ونلتقى بعده بكتاب «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» للسان الدين بن الخطيب وبه ترجمات لمائة شاعر وثلاثة، بدأهم بالوعاظ والمتصوفة من مثل ابن عباد النفزى المتوفى سنة ٧٩١ وتلاهم بالمقرئين والمدرسين من الشعراء مثل أبى حيان المهاجر إلى القاهرة، وذكر فى إثرهم طبقة القضاة ثم طبقة الكتاب والشعراء من أمثال ابن خاتمة وابن زمرك. ويكمل كتاب لسان الدين فى شعراء الأندلس فى المائة الثامنة كتاب نثير فرائد الجمان فى نظم فحول الزمان لابن الأحمر إسماعيل بن يوسف المتوفى سنة ٨٠٧ وقد

стр. 3783

عاش بعد لسان الدين المتوفى سنة ٧٧٦ ثلاثين عاما، وهو يلتقى معه فى طائفة من تراجمه غير أنه يضيف إليه بعض تراجم جديدة، بينها ترجمة للسان الدين بن الخطيب وترجمة لنفسه. ولعل فى كل ما قدمت ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء فى الأندلس منذ اكتمل تعربها فى القرن الثالث الهجرى كثرة مفرطة، وظل الشعر حيّا بل مزدهرا فى الأندلس حتى الأنفاس الأخيرة من حياة العرب هناك، وكأنه توأم روحهم، فكلما وجدوا تغنوا بالشعر وصدحوا به معبرين عن مشاعرهم ووجداناتهم، يشترك فى ذلك علماؤهم من كل صنف ورجالهم ونساؤهم وشيوخهم وشبانهم، ومثقفوهم وعامتهم، حتى الأميون منهم وأصحاب الحرف كالخراز والجزار اللذين مر ذكرهما ومثلهما مرج الكحل الشاعر البلنسى فقد نشأ ينادى فى الأسواق ويتعيّش من بيع السمك، وأخذت همته تترقّى قليلا قليلا فى حب الشعر إلى أن نظمه وأجاده. ومثله ابن جاخ الصباغ البطليوسى. ٢ - الموشحات والأزجال (أ) الموشحات الموشحات جمع موشحة، وهى مشتقة من الوشاح وهو-كما فى المعاجم-خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر. والتسمية دقيقة إذ الموشحة تتألف من قفل يسمى مركزا، وتتعدد أجزاؤه أو شطوره، ويليه غصن متعدد الأجزاء أو الشطور، وبينما تتحد أجزاء الأقفال التالية مع الأجزاء المقابلة لها فى القفل الأول سواء فى الوزن أو القافية تختلف أجزاء الأغصان التالية مع أجزاء الغصن الأول فى قافيته، فلكل غصن قافية تتحد فى أجزائه أو شطوره مع اتفاق أجزاء الأغصان جميعا فى الوزن. والموشحة-بذلك-تتألف من مجموعتين من الأجزاء أو الشطور، مجموعة تتحد أجزاؤها المتقابلة فى الأقفال المتعاقبة فى الوزن والقافية، ومجموعة تتحد أجزاؤها فى الوزن وحده دون القافية فإنها تتخالف فيها دائما، وهما-بهذه الصورة-يشبهان الوشاح المذكور آنفا أدق الشبه. واشتهرت الأندلس بأنها هى التى ابتكرت فن الموشحة، ويظنّ أنه كان لاتساع موجة الغناء والموسيقى منذ زرياب فى عهد عبد الرحمن الأوسط على نحو ما مرّ بنا فى الفصل

стр. 3784

الأول أثر كبير فى نشوء الموشحة بقصد الغناء بها مع العازفين، وكأنها تتألف من فقرتين: فقرة للمنشد وفقرة ترد بها الجوقة. وكان بدء ظهورها فى عهد الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) يقول ابن سعيد: «ذكر الحجارى فى كتاب المسهب فى غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبرى من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المروانى وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما» (١). ويسمى ابن بسام فى ترجمته لعبادة بن ماء السماء مخترعها خطأ باسم محمد بن حمود القبرى الضرير، ويقول: «كان يضعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة» (٢) وظن بعض الباحثين -وخاصة من المستشرقين الإسبان-أن ذلك يدل على أن الموشحة لم تكن تنظم فى نشأتها بالفصحى على أعاريض الشعر العربى وأوزانه إنما كانت تنظم على أعاريض المقاطع مثل الشعر الأوربى (٣)، وهو خطأ فى الفهم إذ أن كلمة «الأعاريض المهملة غير المستعملة عند ابن بسام لا تفيد ذلك، إنما تفيد ما ردده العروضيون المشارقة والمغاربة من أن الدوائر الخمس التى ضبط بها الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ للهجرة أعاريض الشعر العربى تفسح لأوزان مهملة لا تنحصر لم يستخدمها العرب فى أشعارها، واستخدمها فى عصره-كما يقول صاحب الأغانى-تلميذه عبد الله بن هرون بن السّميدع البصرى، وأخذ ذلك عنه وحاكاه فيه رزين العروضى وأتى فيه ببدائع جمة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس (٤) وقد أنشد ياقوت قصيدة له فى مديح الحسن بن سهل، وأشار إلى أنها خارجة على أوزان الشعر العربى وأنها إنما تجرى على وزن من أوزان الخليل المهملة، وهو-فى رأينا-عكس وزن المنسرح. ويعد أبو العتاهية أهم شاعر عباسى ثان نظم أشعارا له مختلفة على تلك الأوزان المهملة على نحو ما يصور ذلك كتابنا «العصر العباسى الأول». (٥) ومعنى ذلك كله أن كلمة الأعاريض المهملة غير المستعملة التى أشار ابن بسام إلى أن أشطار أكثر الموشحات نظمت عليها لا يقصد بها أنها أعاريض أعجمية، إنما يقصد بها

стр. 3785

أنها من أعاريض دوائر الخليل المهملة التى لم يستعملها العرب، وقد يقال إنك اقتطعت كلمة ابن بسام من بقية لها تدل على ما نقول، إذ يذكر ابن بسام عن منشئها-فى رأيه- محمد بن حمود القبرى الضرير أنه كان: «يأخذ اللفظ العامى والعجمى ويسميه المركز ويضع عليه الموشحة» وهو يقصد قفلها الأخير الذى يأتى فى الخاتمة. وربما كان ذلك ما دعا «ريبيرا» إلى القول بأن الموشحة طراز شعرى يمتزج فيه الشرق بالغرب. ويتسع المستشرق الإسبانى المعاصر غرسية غوميس بالفكرة ويقول مستدلا بكلمة ابن بسام إن الخرجات (الخواتيم) الرومانثية فى الموشحات الأولى كانت أجزاء مقتبسة من أغان شعبية إسبانية أعجب بها الوشاح الأول، واتخذها قاعدة بنى على شاكلتها موشحته مرصّعا لها بذلك الجزء كما يرصع الخاتم بفصّ من الجواهر الكريمة. وليس فى يد غرسية دليل على أن الخرجة عند الوشاح الأول كانت تقتطع من أغنية رومانثية، فهو مجرد ظن، وأقرب منه وأصحّ منطقيا أن يكون قد حدث أحيانا عند الوشاح الأول ومن حاكوه اقتباس صيغة عامية أو أعجمية فى نهاية الموشحة على سبيل التظرف، كما حدث ذلك مرارا عند بعض الشعراء العباسيين (١). وحتى بعد أن ازدهر هذا الفن فى القرن الخامس وما بعده لم يستطع باحث بين المستشرقين الإسبان أن يرد خرجة رومانثية إلى أغنية رومانثية كانت متداولة فى الأندلس أو تغنّى، فالقول بذلك إنما هو-فى رأينا-مجرد ظنّ لا دليل عليه. أما لماذا استمر الوشاحون يجنحون أحيانا فى بعض موشحاتهم إلى اختتامها بصيغة رومانثية أو أعجمية فقد ذكر ابن سناء الملك السبب الأهم فيه إذ قال: «الخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح، والشرط فيها أن تكون حجاجية (نسبة إلى ابن حجاج شاعر بغداد المفرط فى المجون) من قبل السخف، قزمانية (نسبة إلى ابن قزمان الزجال) من قبل اللّحن حارة محرقة من ألفاظ العامة. . ويجعل الخروج إليها وثبا واستطرادا وقولا مستعارا على بعض الألسنة وأكثر ما تجعل على ألسنة الصبيان والنسوان والسكرى والسكران، ولا بد فى البيت قبل الخرجة من قال أو قلت أو قالت أو غنى أو غنت» (٢). وواضح أن ما تحمله الخرجة أحيانا-أو ما يريد لها الوشاح أن تحمل-من مجون زائد

стр. 3786

عن الحد وأنها قد تقال على لسان المرأة كان السبب فى استخدام الوشاح الأندلسى أحيانا للخرجات الرومانثية فرارا من التصريح بألفاظ مفحشة نابية. ومن يرجع إلى ما ذكره الدكتور عبد العزيز الأهوانى من خرجات الموشحات فى كتابه-الزجل الأندلسى-يلاحظ أن كثيرا من الخرجات العجمية التى ذكرها تشكو فيها الفتاة لأمها تباريح حبها لمن سلبها روحها وفؤادها متذللة لعاشقها تذللا شديدا، وقد يصاغ ذلك فى خرجات عامية ولكن فى تلميح غالبا دون أن يخدش حياء الفتاة، أما ما كان يظن الوشاح أنه يخدش حياءها فكان يصوغه فى عبارة لاتينية دارجة أو رومانثية وهذا-فى رأينا-هو الباعث على وجود الخرجات الأعجمية فى بعض الموشحات لا أنها نشأت على أساس بعض الأغانى الرومانثية الأعجمية. ومما يؤكد-بل يقطع-بأن الموشحات عربية خالصة أن من يقرنها إلى المسمطات العباسية التى ظهرت منذ القرن الثانى الهجرى على لسان أبى نواس وأضرابه يلاحظ توا أن المسمطات قصائد تتألف من أدوار تقابل الأغصان فى الموشحة وكل دور-مثل الغصن-يتألف من أربعة شطور أو أكثر تتفق فى قافية واحدة ما عدا الشطر الأخير فإنه يستقل بقافية مغايرة، وهو يتحد فيها مع الشطور الأخيرة فى كل دور من أدوار المسمط، ويسمى-من أجل ذلك-عمود المسمط فهو القطب الذى يدور عليه. وهو يقابل بوضوح المركز أو القفل فى الموشحة، وكل ما بينهما من فروق أن الشطر فى نهاية أدوار المسمط واحد بينما هو فى مراكز الموشحة متعدد، وسنرى عما قليل أنه كان فى الموشحات الأولى شطرا واحدا. وقد أحس الأندلسيون من قديم بالمشاكلة الشديدة بين الموشحة والمسمط كما يتبين من الاسم الذى اختاروه لها اشتقاقا من الوشاح كما أسلفنا إذ وجدوا العباسيين يشتقون لفظ المسمط من السمط، وهو القلادة تنتظم فيها عدة سلوك تلتقى جميعا عند جوهرة كبيرة، على شاكلة التقاء كل دور فى المسمط مع الأدوار الأخرى فى قافية الشطر الأخير. لذلك-رأوا- أى الأندلسيين-بدورهم أن يشتقوا الموشحة من وشاح المرأة الذى يمتد فيه خيط مرصع باللؤلؤ وخيط مرصع بجواهر متنوعة يخالف بينهما ويعطف أحدهما على صاحبه. وهى تسمية بارعة للموشحة وما تحمل من لآلئ الأقفال وجواهر الأغصان. ومن أكبر الأدلة على أن الموشحة بدأت محاكاة للمسمط أن القبرى وشاحها الأول كان-كما يقول ابن بسام-يجعل اللفظ العامى أو العجمى مركزا أو كما سمّى فيما بعد قفلا ويضع عليه أشطارا، والمركز بذلك كان عند الوشاح الأول شطرا واحدا بالضبط كما كان فى المسمط. ويقول ابن بسام إنه كان يبنى على هذا المركز أو الشطر أشطار الأشعار،

стр. 3787

وكان أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، وهى الأعاريض التى أشار إليها الخليل بن أحمد فى دوائره العروضية الخمس وما أخضعها له من فكرة التباديل والتوافيق الرياضية (١) بحيث يمكن أن يستخرج منها ما لا يحصى من أوزان مهملة لم يستخدمها العرب، وكأن الوشاح الأول فى الأندلس كان يقوم من تلك الأوزان أو الأعاريض مقام ابن السميدع ورزين العروضى وأبى العتاهية فى بغداد، ممن عنوا-كما أسلفنا-بالنظم على الأعاريض المهملة. ومضت الموشحة على هذه الصورة عند الوشاح الأول الذى ابتكرها ومن خلفوه عليها، حتى ظهر يوسف بن هرون الرمادى الكندى المتوفى سنة ٤٠٣ فأحدث فيها تطورا مهما يقول ابن بسام فى نفس النص السابق: «فكان أول من أكثر فى الموشحة من التضمين فى المراكز» يريد أنه أول من أحدث فى الموشحة تعدد الأجزاء أو الشطور فى المراكز، ولم تحتفظ كتب الأدب له بموشحة تصور لنا بدقة صنيعه. ثم يقول ابن بسام إنه نشأ بعده عبادة بن ماء السماء الخزرجى، الأنصارى المتوفى سنة ٤١٩ فأضاف إلى الموشحة تطورا جديدا هو تضمينه مواقع الوقف فى الأغصان أو بعبارة أخرى دقة التجزئة فى أشكال الأغصان، وبذلك تمت للموشحة صورتها التى حملتها العصور التالية، وصور ذلك ابن بسام قائلا: «كانت صنعة التوشيح التى نهج أهل الأندلس طريقها ووضعوا حقيقتها غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة بن ماء السماء منآدها، وقوّم ميلها وسنادها فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه ولا أخذت إلا عنه». وإذا كانت الكتب الأدبية لم تحتفظ للرمادى بإحدى موشحاته فإن فوات الوفيات لابن شاكر الكتبى احتفظ لعبادة بن ماء السماء بموشحتين تتقابل فيهما أجزاء المراكز أو الأقفال، وبالمثل تتقابل الأجزاء فى كل غصن تقابلا دقيقا على نحو ما نرى صنيعه فى هذا الغصن متغزلا (٢) ليليّة الذوائب ... ووجهها نهار (٣) مصقولة التّرائب ... ورشفها عقار (٤) أصداغها عقارب ... والخد جلّنار (٥) وتتوالى الأغصان على هذه الصورة مجزأة إلى ستة شطور، تتحد الثلاثة الأولى منها فى القافية، وبالمثل الثانية. وأصبح ذلك تقليدا ثابتا فى الموشحات بعده. والوزن فى هذا

стр. 3788

الغصن والأغصان بعده مستفعلن فعولن، وكأنه تجزئة من وزن الرجز، وموشحته الأخرى التى أنشدها ابن شاكر من وزن الرمل أقفالها وغصونها، ومطلعها: من ولى فى أمة أمرا ... ولم يعدل يعزل إلا لحاظ الرّشا الأكحل وظلت الموشحات بعد ابن ماء السماء تنظم إما على أعاريض الشعر العربى المستعملة وإما على أعاريضه المهملة، وموشحتاه تتألف من ستة أقفال وخمسة أغصان، ويغلب فى الموشحات بعده أن تتخذ هذه الصورة وقد تطول أكثر أو تنقص فيزيد فيها عدد الأقفال والأغصان إلى ثمان أو تنقص إلى أربع، وقد يبدأ الموشح بغصن ويسمى-حينئذ- أقرع، وقد يتألف القفل من جزءين أو ثلاثة وقد يطول إلى ثمانية أجزاء وبالمثل الغصن. ويسمى القفل الأخير باسم الخرجة وقد تكون ألفاظه أعجمية أو عامية كما مر بنا، ويكثر أن تكون عربية بلغة سهلة مألوفة تقرب قربا شديدا من اللغة الدارجة. ويقبل على نظم الموشحة غير شاعر من شعراء أمراء الطوائف، نذكر منهم القزّاز محمد بن عبادة وسنخصه بكلمة مستقلة، ومنهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذى النون أمير طليطلة، ووزيره أبو عيسى بن لبّون، وابن اللبانة محمد بن عيسى، وكان هو والقزاز فرسى رهان فى العصر، وسنترجم له بين الشعراء لأنه كان يجيد الشعر كما كان يجيد الموشحات، وأغلب موشحاته مدائح فى المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وأبنائه، وهو يستهلها دائما بغزل رقيق من مثل قوله فى موشحة مدح (١) بها المعتمد: يفترّ عن لؤلؤ فى نسق ... من الأقاح بنسيمه العبق هل من سبيل لرشف القبل ... هيهات من نيل ذاك الأمل كم دونه من سيوف المقل ... سلّت بلحظ وقاح خجل والقفل يتكون من أربعة أجزاء أولها على زنة: مستفعلن فعلن مستعلن. والثانى على زنة: متفعلات والثالث على زنة: متفاعلن. والرابع على زنة فعلن. واجتماع هذه التفاعيل تخرج القفل عن أعاريض العرب المستعملة وتجعله من أعاريضهم المهملة، أما الغصن

стр. 3789

فيطرد على زنة: مستفعلن فاعلن مستفعلن، وهو وزن عربى مستعمل بكثرة ونقصد وزن البسيط، واستخدمه ابن اللبانة فى موشحاته مرارا لعذوبته. وتتسع موجة الوشاحين فى عصر المرابطين، ومن أهمهم فى عهدهم، بل من أهم الوشاحين الأندلسيين عامة الأعمى التطيلى المتوفى حول سنة ٥٢٥ ويحيى بن بقىّ المتوفى سنة ٥٤٠ وسنخصه بكلمة ولم يكن الأعمى التطيلى يقل عنه براعة، غير أن له ديوانا كبيرا مما جعلنا نخصه بترجمة بين الشعراء، ويكفى لبيان مهارته فى صنع الموشحات ما يروى من أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا لإنشاد موشحات لهم فى مجلس بإشبيلية بينهم يحيى بن بقى والأعمى التطيلى، وقدموا الأعمى للإنشاد، فلما افتتح موشحته بقوله: ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر ضاق عنه الزمان ... وحواه صدرى مزّق ابن بقى موشحته وتبعه الباقون (١) لما فجأهم به التطيلى فى موشحته من عذوبة فى اللفظ وروعة فى التصوير، والقفل السالف مكون من أربعة أجزاء، والجزآن: الأول والثالث المتقابلان على زنة: فاعلاتن فعول، والجزآن الثانى والرابع المتقابلان على زنة: فاعلاتن فعلن، وتمضى جميع الأقفال بهذه الزنة بينما تمضى الأغصان على زنة: فاعلن فاعلن أو بعبارة أخرى على وزن المتدارك على شاكلة قوله فى الغصن الأول: آه مما أجد ... شفّنى ما أجد قام بى وقعد ... باطن متّئد وكأن التطيلى تعمّد أن يكون القفل من أعاريض العرب المهملة، إذ مزج فيه بين تفاعيل من أوزان أو بحور مختلفة، بينما نظم الغصن من وزن المتدارك، وقد ينظم الوشاح موشحته جميعها أقفالا وأغصانا من وزن عربى مستعمل واحد كالرجز أو البسيط أو السريع أو المجتث، وكل ذلك نجد له أمثلة فى موشحات التطيلى الملحقة بديوانه كقوله فى موشحة نظمها من الوزن الأخير: حثّ الكئوس رويّه ... على رواء البساتين من قهوة بابليّه أرقّ من دمع محزون ... خلعت عزّى ودينى فى أهيف القدّ لدنه

стр. 3790

يسطو بسيف المنون ... ما جفنه غير جفنه يا قسوة الحبّ لينى ... ولو برمّان غصنه وأجزاء الأقفال والأغصان تطرد هكذا على وزن المجتث: مستفعلن فاعلاتن. وعاصر التطيلى من الوشاحين النابهين أبو بكر بن باجة الفيلسوف المار ذكره فى الفصل الماضى وهو أحد من طوروا الموسيقى الأندلسية، وكانت له تلاحين مشهورة، ويحكى أنه صنع موشحا فى مديح ابن تيفلويت المرابطى الوالى على شرقى الأندلس وسرقسطة ليوسف بن تاشفين، ولحنه وألقاه على قينة، فلما غنت ابن تيفلويت به صاح: واطرباه، وحلف بأيمان مغلظة أن لا يمشى ابن باجة فى طريقه إلى داره إلا على الذهب، وتلطف ابن باجة فاحتال بأن جعل ذهبا فى نعله ومشى عليه. ومن الشعراء الوشاحين البارعين فى عصر المرابطين الأبيض أبو بكر محمد بن أحمد الأنصارى وأبو بكر بن رحيم ويحيى بن الصيرفى المؤرخ وأبو الحسن بن نزار وله موشح بناه من مخلع البسيط مستخرجا دائما الجزء الثانى من أغصانه وأقفاله من آخر كلمة فى الجزء الأول على هذا النمط (١): يا ربّة المنظر الجميل ميلى ... رأيت فى وجهك السعيد عيدى وتظل الموشحات مزدهرة فى عصر الموحدين (٥٤٠ - ٦٣٤ هـ) بل تبلغ غاية ازدهارها على لسان ابن هرودس كاتب عثمان بن عبد المؤمن والى غرناطة كما يتضح فى موشح له بديع (٢) مستخرجا الجزء الثانى من أقفاله-على شاكلة ابن نزار-بعد نهاية الجزء الأول كقوله فى مطلعه: يا ليلة الوصل والسّعود ... بالله عودى والجزء الأول من القفل-مثل سابقه عند ابن نزار-على زنة مخلع البسيط، وزنة الجزء الثانى مستفعلان، والأغصان جميعها من مخلع البسيط: مستفعلن فاعلن فعولن، ومن كبار الوشاحين على بن المرينى وفى المغرب له موشحة (٣) بارعة. وسابق الحلبة- كما يقول ابن سعيد-أبو بكر بن زهر، وسنخصه بكلمة، ومن المشهور أنه لما سمع قول عبد الرحيم بن الفرس فى إحدى موشحاته:

стр. 3791

ورداء الأصيل ... تطويه كفّ الظلام قال لمن حوله: أين كنا نحن عن هذا الرداء (١)؟ وهى صورة رائعة، ودخل عليه أبو الحسن سهل بن مالك، ولم يكن يعرفه، حتى إذا أنشده موشحة من مجزوء البسيط يقول فيها: كحل الدّجى يجرى من مقلة الفجر ... على الصّباح ومعصم النّهر فى حلل خضر من البطاح طرب لهذا القفل منها طربا شديدا (٢) لعذوبة ألفاظه وحسن صوره. ومن كبار الوشاحين حينئذ على بن حزمون الهجّاء، وله موشحة (٣) بديعة يرثى بها أبا الحملات قائد الأعنة ببلنسية، وقد استشهد فى الدفاع عنها فى إحدى معاركه المحتدمة مع النصارى وسننشد منها قطعة فى الحديث عن شعراء الرثاء. وكان يعاصر ابن حزمون على بن الفضل الإشبيلى المتوفى سنة ٦٢٧، وله فى إحدى موشحاته (٤): وأفردت بالرّغم لا بالرّضا ... وبتّ على جمرات الغضا أعانق بالفكر تلك الطّلول ... وألثم بالوهم تلك الرسوم وأغصان الموشحة وأقفالها من بحر المتقارب، وزنته: فعولن أربع مرات. وتفضى الأندلس بعد الموحدين إلى التفكك وسقوط مدنها الكبرى فى حجر النصارى، وقلما يظهر وشاح مبدع إلا من نشأوا فى عصرهم من تلاميذ من سميناهم فيه من مثل إبراهيم بن سهل الإسرائيلى، وأشهر موشحاته (٥): هل درى ظبى الحمى أن قد حمى ... قلب صبّ حلّه عن مكنس فهو فى حرّ وخفق مثلما ... لعبت ريح الصّبا بالقبس وقد صاغه أقفالا وأغصانا من بحر الرمل وزنته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن. ويقبل المتصوفة على صنع الموشحات ويهاجر كثيرون بها إلى المشرق مثل ابن عربى والششترى. ونلتقى فى غرناطة بابن زمرك ولسان الدين بن الخطيب، وله موشحة

стр. 3792

مشهورة عارض بها موشحة ابن سهل المارة مفتتحا لها بقوله (١): جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس لم يكن وصلك إلا حلما ... فى الكرى أو خلسة المختلس وكأنها كانت مسك الختام لفن الموشحات بالأندلس. وحرى بنا أن نفى بما وعدنا من كلمات مجملة عن ثلاثة من كبار الوشاحين بالأندلس، هم ابن عبادة القزاز وابن بقى وابن زهر. ابن عبادة (٢) القزّاز هو أبو عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز، ترجم له ابن سعيد فى المغرب وقال إنه من حصن بلّور من إقليم غرناطة وظنّه ابن خاتمة من أهل مالقة، واشتهر بأنه شاعر المعتصم بن صمادح أمير المرية، وله فيه مدائح شعرية وموشحات، وفيه يقول: ولو لم أكن عبدا لآل صمادح ... وفى أرضهم أصلى وعيشى ومولدى لما كان لى إلاّ إليهم ترحّل ... وفى ظلّهم أمسى وأضحى وأغتدى وكان يلم بالمعتمد بن عباد وله أيضا فيه موشحات ومدائح، ويصفه ابن بسام بقوله عنه: «من مشاهير الأدباء الشعراء وأكثر ما ذكر اسمه وحفظ نظمه فى أوزان الموشحات التى كثر استعمالها عند أهل الأندلس وهو ممن نسج على منوال ذلك الطراز، ورقم ديباجه، ورصّع تاجه، وكلامه نازل فى المديح، أما ألفاظه فى التوشيح فشاهدة له بالتبريز والشفوف». وربما قسا ابن بسام عليه فى حكمه على مديحه لروعة موشحاته روعة فاق بها كل أقرانه فى زمنه حتى قالوا إنه لم يشق غباره واحد من معاصريه، وهو أحد خمسة أدار عليهم ابن سناء الملك حديثه واختياراته من الموشحات فى كتابه: دار الطراز، هو ومعاصره ابن اللبانة ثم التطيلى ويحيى بن بقى من عصر المرابطين وأبو بكر بن زهر من عصر الموحدين، ومن أروع موشحاته موشح غزلى يتكون قفله من ستة أجزاء بينما يتكون غصنه من أربعة أجزاء، ونكتفى منه بغصن بهر أبا بكر بن زهر، حتى أثر عنه أنه

стр. 3793

قال: كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله: بدرتمّ شمس ضحى غصن نقا مسك شمّ ... ما أتمّ ما أوضحا ما أورقا ما أنمّ لا جرم من لمحا قد عشقا قد حرم والألفاظ رشيقة رشاقة لا تحدّ، رشاقة كأنما تطير بها فى خفة فتحدث عبقا، وهو عبق مصدره الدقة فى انتخاب الألفاظ وانتخاب الوزن، إذ هى مشتقة من بحر البسيط الرقيق العذب، إذ تتوالى الأجزاء فى كل سطر على: فاعلن، مستعلن مستعلن فاعلن. وليس هذا بالضبط عروض البسيط فعروض الأجزاء الأربعة المتوالية فيه مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، وقدم القزاز فى الجزءين الأولين فاعلن على مستفعلن. وبمثل ذلك وبما قدمنا من تكوين الوشاح لعروض بعض موشحاته من تفعيلتين إحداهما من بحر والثانية من بحر آخر على نحو ما مرّ بنا فى قفل موشحتين للتطيلى وابن اللبانة قال ابن بسام إن أكثرها يجرى على الأعاريض المهملة غير المستعملة فظن «ريبيرا» ومن تبعه خطأ بأنه يقصد أعاريض أعجمية لا يعرفها العرب، وهو إنما كان يقصد الأعاريض المهملة غير المستعملة عند العرب التى نص عليها الخليل بن أحمد، بما وضع فى دوائر العروض الخمس من تفاعيل أدارها فيها مقدّما ومؤخرا فى أسبابها وأوتادها ومستخدما إشارات من النقط والحركات تصور ما يحدث فى التفعيلات من زحافات بحيث تجمع الأعاريض أو الأوزان العروضية عند العرب وما يمكن عقلا أن يستخدم من أوزان جديدة أهملها العرب ولم يودعوا فيها من أشعارهم شيئا. وكانت هذه الدوائر وما يداخلها من أعاريض مهملة وكيفية استحداث تلك الأعاريض معروفة للأندلسيين منذ بدأوا فى نظم الموشحات بدليل أن ابن عبد ربه المعاصر للقبرى الوشاح الأول أثبتها مفصلة فى كتابه العقد الفريد. ولابن عبادة بجانب الموشحة التى أنشدناها والتى أعجب ابن زهر بأحد أغصانها إعجابا شديدا أربع موشحات إحداها غزلية، والثانية فى وصف عرض لأسطول المعتصم فى البحر المتوسط يوم المهرجان، وفيها نفس العذوبة والرشاقة التى رأيناها فى الموشحة السابقة كقوله يصف سفن الأسطول فى أحد الأغصان: وجاريات تجول ... مثل الجياد السابقه إنشاء من فى المحول ... ينشى السحاب الوادقه (١)

стр. 3794

سمت على النجم طول ... منها فروع باسقه (١) والموشحة تردّ إلى بحر الرجز وزحافاته. والموشحة الثالثة جمع فيها بنفس السلاسة والانسياب بين مديح المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد، وفى أحد أقفالها يقول فيهما: بحرا نعم لمن ورد ظمآن ... سيفا نقم لمن مرد (٢) أو خان ولعل فيما قدمنا ما يوضح نهج ابن عبادة القزاز وأنه كان يعنى بتقصير أجزاء القفل والغصن حتى يتيح لموشحته كل ما يمكن من عذوبة النغم وحلاوته، وعادة لا يكتفى بذلك بل يعنى عناية شديدة بانتخاب ألفاظه، بحيث تعبق الموشحة بأريج عطر من النغم البديع. يحيى (٣) بن بقى هو أبو بكر يحيى بن محمد بن عبد الرحمن القرطبى القيسى المشهور باسم ابن بقى نسبة إلى جد أبيه، وقد ترجم له الفتح فى القلائد، فقال عنه: «هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعة، وأظهر روائعه، وصار عصيّه طائعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، ضفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه، فصار قعيد صهوات، وقاطع فلوات، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلّب دهر كواهى الجمان» وهو أحد من حكمت عليه حرفة الأدب بإقلاله وحرمانه، فامتطى غارب الاغتراب إلى بلاد المغرب، ويبدو أن كثيرا من الأبواب أغلقت دونه مما جعله ينشد: وغلت فى المغرب الأقصى فأعجزنى ... نيل الرغائب حتى أبت بالنّدم ولم يلبث أن فتح له باب كبير هو باب بنى عشرة قضاة سلا بالقرب من الرباط

стр. 3795

الحالية عاصمة المملكة المغربية، وكانوا بحارا فياضة فى الجود فغمروه بجودهم وخاصة يحيى بن على بن القاسم وأخاه أحمد قاضى سلا، فمكث فى رحابهما طويلا، وأضفى عليهما من شعره وموشحاته دررا كثيرة، وأول ما نقف عنده من موشحاته فيهم الموشحة التى مدح بها القاضى أحمد، والتى قال فى خرجتها أو خاتمتها أبو بكر بن زهر: ما حسدت وشاحا على قول إلا ابن بقى حين وقع له: أما ترى أحمد فى مجده العالى لا يلحق ... أطلعه المغرب فأرنا مثله يا مشرق وهو لم يحسده فى رأينا على جمال صياغته فحسب، بل حسده أيضا على روعة تصويره فى الفقرة الثانية إذ جعل القاضى أحمد كوكبا يبزغ فى المغرب ولا مثيل له فى المشرق. ويتضح إبداعه فى تصويره إذ يقول فى أحد أغصان هذا الموشح متغزلا بصاحبته: عطا بليتيه ومرّ كالظّبى لبيده (١) ... فدلّ عليه تكسّر الحلى بجيده ... تفتير عينيه يسرع فى برى عميده وهو يجعلها كأنها ظبية حقيقية تمد عنقها لتناول الأوراق فى الشجر مصورا بذلك جمال جيدها، ويقول إنه إنما رآها لمحا أو كاللمح إذ مرّت سريعا إلى منزلها، ويصوره كأنه بيداء فلن يعود يراها. ويعود إلى نفسه فليست من الظباء بل هى من النساء إذ سمع صوت الحلى بجيدها. ويقول إن تفتير عينيها الجميلتين يسرع فى ضنا محبوبها، ولا يزال يأمل من البيد والفلوات ردّها. والموشحة من مجزوء البسيط. وواضح أن نسبتها إلى ابن بقى لا يشوبها شك فقد نسبها إليه أبو بكر بن زهر وكذلك ابن سعيد فى كتابه «رايات المبرزين» والمقرى فى أزهار الرياض ومع ذلك نجدها فى ديوان التطيلى خطأ (٢) كما نجد أختا لها فى ديوانه أيضا وهى فى مديح يحيى بن القاسم ممدوح ابن بقى الذى تفيّأ ظلاله،

стр. 3796

وينص ابن سناء الملك فى مقدمته لدار الطراز على نسبتها إليه (١) وينشدها كاملة بين ما اختاره من الموشحات الأندلسية، وفيها يقول: صبرت والصّبر شيمة العانى ... ولم أقل للمطيل هجرانى معذّبى كفانى لما جنى الورد ملء كفّيه ... تشوّفت وردتان إليه فحلّتا فى رياض خدّيه ويقول ابن سناء الملك إن هذه الموشحة من وزن المنسرح، ما عدا نهاية القفل: «معذبى كفانى» لأن وزنه مستفعلن فعولن، والأولى تفعيلة الرجز والثانية تفعيلة المتقارب. وألفاظ القفل بعذوبتها كأنها اقتطعت من اللغة الأندلسية الدارجة لتخفف عن قارئها متاعبه. وصورة الورد فى خدود صاحبته تنقلنا إلى عالم شعرى حالم مكتظ برؤى بديعة. ويلاحظ ابن سناء الملك أن موشحته: يا ويح صبّ إلى البرق له نظر ... وفى البكاء مع الورق له وطر من وزن البسيط أقفالا وأغصانا، وهو يضم فى الوزن الجزءين الأولين والتاليين بعضهما إلى بعض، ويقول من موشحة: إن لم يكن إليك سبيل ... فالصّبر بالجميل جميل والوزن فى أقفالها وأغصانها مستفعلن فعولن فعولن، فهو مكون من تفعيلة الرجز وتفعيلة المتقارب ويكثر هذا الوزن بين الوشاحين. وتكثر هذه السهولة المفرطة فى كثير من أغصان ابن بقى وخرجاته كقوله فى موشحة من وزن الرجز: ليل طويل ولا معين ... يا قلب بعض الناس أما تلين وقوله فى خرجة موشحة ثانية مستخدما لغة عامية كأنما تفصل من قلوب سامعيه فتؤثر فيهم تأثيرا بعيدا:

стр. 3797

سافر حبيبى سحر وما ودّعتو ... يا وحش قلبى فى الليل إذا افتكرتو وكلمة وحش حذفت منها التاء لضرورة تفعيلة الرجز: مستفعلن مع زيادة سبب فيها أحيانا إذ تصبح مستفعلاتن. وبهذه الألفاظ الغزلة المفرطة فى السهولة وبما كانت تتضمنه موشحات ابن بقى من صور بديعة طارت شهرته فى عصره وبعد عصره، وقد لبّى نداء ربه سنة ٥٤٠ للهجرة. أبو بكر (١) بن زهر هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن أبى العلاء زهر بن عبد الملك، وهو سليل أسرة طبية ألممنا بها بين الأطباء فى الفصل الماضى، ولد سنة ٥٠٧ بإشبيلية، وأخذ علم الطب عن أبيه وجده، وانفرد بالإمامة فى عصره، ويقول ابن الأبار إنه كان يحفظ صحيح البخارى أسانيد ومتونا، وكان له حظ وافر من الآداب واللغة والحفظ لأشعار الجاهلية والمولدين، وحدّث بمقامات الحريرى عن أبيه، ويقول صاحب المطرب. كان بمكان من اللغة مكين، كان يحفظ شعر ذى الرمة وهو ثلث لغة العرب مع معرفة جميع أقوال أهل الطب. وكان له منزلة عليا عند الموحدين وخاصة عند الأمير يعقوب بن يوسف سلطان الموحدين (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) وتوفى فى آخر سنة ٥٩٥ وصلى عليه السلطان الناصر بن يعقوب ودفن بروضة الأمراء فى مراكش. ويقول صاحب المطرب إن الذى انفرد به وانقادت إليه طباعه وأصارت النبهاء أتباعه الموشحات، وقد طار فى المغرب والمشرق موشحه: أيّها السّاقى إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع ونديم همت فى غرّته ... وسقانى الرّاح من راحته كلما استيقظ من سكرته جذب الزّقّ إليه واتّكى ... وسقانى أربعا فى أربع

стр. 3798

والموشحة من وزن الرمل، وهى تسيل خفة ورقة وعذوبة ورشاقة فى نسق من بديع الألفاظ المختارة، وكأنها لا تتلاقى فحسب، بل تتعانق آخذا بعضها بتلابيب بعض. وله من موشحة هذا الغصن وقفله: هل تستعاد أيامنا بالخليج أو ليالينا ... إذ يستفاد من النسيم الأريج مسك دارينا (١) وإذ يكاد حسن المكان البهيج أن يحيّينا ... نهر أظلّه دوح عليه أنيق مورق فينان (٢) والماء يجرى وعائم وغريق من جنا الرّيحان والغصن والقفل جميعا يزخران بشجىّ يثير فى القلب حنينا بل جذوة متقدة من الحنين لأيام سعيدة هنيئة مرت وكأنها حلم من الأحلام لن يعود. لن تعود تلك الأيام والليالى ولا ما كان فى حدائقها البهيجة من النسيم العطر حتى لكأنما كل شئ فيها كان يلقاهم بالتحيات والبسمات، وماء نهر إشبيلية يجرى من تحتهم وفروع الأشجار وأغصانها المورقة تظلله، والرياحين والزهر بين سابح وغريق. كل ذلك سقط من يد ابن زهر وهو مولّه مشوق أعظم شوق، حتى لكأنما انتزع منه انتزاعا. وزنة الجزء الأول فى القفل والغصن مستفعلاتن، وزنة الجزء الثانى مستفعلن فاعلان، وزنة الجزء الثالث فى القفل فاعلان وفى الغصن فعلن، وبذلك يردّ وزن الموشحة إما إلى البسيط وإما إلى السريع مع زيادة سبب إلى التفعيلة الأولى دائما وكذلك إلى التفعيلة الأخيرة، وهذه التغيرات فى تفاعيل هذه الموشحة وما ماثلها مما أشرنا إليه هو ما جعل ابن بسام يقول إن الموشحات تجرى أحيانا على أعاريض مهملة أى من أعاريض الشعر العربى كما أسلفنا مرارا لا من أعاريض الشعر الأعجمى الوهمية، كما ظن «ريبيرا» وتلاميذه. ولابن زهر موشحة صاغها على طريقة ابن نزار هكذا: قلبى من الحبّ غير صاح صاح ... وإن لحانى على الملاح لاح وإن درى قصّتى وشانى شانى والجزء الأول فى الغصن والقفل من مخلع البسيط، والجزء الثانى على زنة فعلن تفعيلة

стр. 3799

المتدارك وصاح الأولى: مستيقظ، والثانية: ترخيم صاحب، واللاحى: العاذل اللائم، وشانى الأولى: مخففة من شأنى والثانية: المبغض. واستمر ابن زهر فى هذه الموشحة يستخرج الجزء الثانى من الجزء السابق له أو يكرره بمعنى جديد، مما يفجأ به قارئه ويدخل عليه غير قليل من المتاع الشعرى. وكان كثيرا ما يفجأ قارئه بصور طريفة كفوله فى الموشحة التى أنشدها له ياقوت فى معجم الأدباء: طرقت والليل ممدود الجناح ... مرحبا بالشمس من غير صباح فجناح الليل ممدود على الكون من حوله، وزارته صاحبته فأضاءت فى هذا الليل كأنها شمس تطلع دون صباح مما يلقى فى نفسه غير قليل من العجب، والموشحة جميعها أقفالا وغصونا من وزن الرمل، وأنشد له ابن دحية فى المطرب موشحة من وزن المتقارب افتتحها على هذه الصورة: سدلن ظلام الشعور ... على أوجه كالبدور سفرن فلاح الصّباح ... ضحكن ابتسام الأقاح كأن الذى فى النّحور ... تخيّرن منه الثّغور والصور طريفة إذ يجمع فى غزله والإعجاب بجمال صواحبه ظلام الشعور وبدور أو أقمار الوجوه ويضيف أنهن سفرن ونحين النقاب عن وجوههن فأضاء الصباح، وضحكن وابتسمت ثغورهن ابتسام زهر الأقاح الذى طالما شبه به الشعراء الثغور لنصاعة بياضه. ويفجؤنا ابن زهر بما ملأ نفسه حيرة، إذ يتنقل بصره بين ثغورهن وعقود اللآلئ التى تزدان بها نحورهن فيخال كأنهن تخيّرن ثغورهن من تلك اللآلئ البهيجة. وواضح من كل ما قدمت أن موشحات ابن زهر وابن بقى وابن عبادة القزاز وغيرهم من الوشاحين الأندلسيين تموج بالنغم، وحقا خالفوا بين قوافى الأقفال وقوافى الأغصان، ولكن الأقفال تتحد قوافيها فى كل موشحة كما تتحد قوافى الأجزاء فى كل غصن. فالقافية لم تهمل فى الموشحة إنما تنوعت فى الأغصان، وظلت موحدة فى أجزاء الأقفال، وكان حريا أن يسقط بذلك شئ من وفرة الأنغام المعروفة فى القصيدة العربية غير أنهم تلافوا ذلك باختيارهم لموشحاتهم أرشق الألفاظ العربية وأكثرها عذوبة وسلاسة وصفاء، وليس ذلك فحسب، فقد قصّروا الشطور فى أجزاء الأقفال والأغصان، حتى أصبحت أنغام أى موشحة لا تقل عن أنغام القصائد وفرة، بل إنها لتتفوق عليها فى

стр. 3800

كثير من الأحيان بسرعة التدفق والانسياب، حتى لتصبح روائعها وكأنها يمّ من الأنغام تغرق الأذن فى خضمّه. وليس بصحيح ما زعمه بعض المستشرقين الإسبان من أنها وضعت فى نشأتها-وظلت توضع أحيانا-على أسس إيقاع لأنغام أغنيات باللغة الإسبانية أو الرومانثية الدارجة، ليس ذلك بصحيح، إذ هو وهم تبادر إليهم-كما أسلفنا-من كلمة ابن بسام: إن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، وهو إنما يقصد أعاريض الشعر العربى المهملة التى حاول بعض العباسيين أن ينظم فيها أشعاره أو بعض أشعاره، ثم جاء الأندلسيون من أصحاب الموشحات بعدهم فنظروا فى دوائر الخليل وتحريكه فيها للتفاعيل بالزيادة والنقص، فاستغلوا ذلك فى موشحاتهم أحيانا بزيادة سبب فى بعض التفاعيل أو نقصه مع اطراد ذلك فى الموشحة، بحيث تدخل بدقة فى أعاريض الشعر العربى وإيقاعه، فضلا عن أن كثيرا منها-إن لم تكن كثرتها- صيغت كما رأينا عند كبار الوشاحين من نفس أعاريض الشعر العربى وأوزانه المستعملة من قديم. (ب) الأزجال الأزجال جمع زجل (١)، وهو فى اللغة التطريب، وقد سمى به الأندلسيون الفن الشعرى العامى المقابل للموشحة. وفى اسمه الذى اختاره الأندلسيون ما يدل على أنه نشأ للتغنى به فى الطرقات والأسواق والمحافل العامة، وظل ذلك شأنهم على توالى الزمن، ونرى ابن قزمان يصرح بذلك فى بعض أزجاله (٢)، ونلتقى بعده بابن عبد الرءوف ورسالته فى الحسبة، ونراه يقول إنه ينبغى أن يمنع الذين يمشون فى الأسواق بالأزجال إلا أن تكون نفيرا للجهاد أو تهليلا لحج بيت الله الحرام والسفر إلى الحجاز (٣). وحين رأى المستشرق الإسبانى «ريبيرا» أن صورتها لا تختلف فى شئ عن صورة الموشحة من حيث الأقفال والأغصان قرنها بها فى نشأتها منذ أواخر القرن الثالث الهجرى قائلا إنه نشأ حينئذ طراز شعرى شعبى تمتزج فيه مؤثرات غربية وشرقية متخذا صورتين هما

стр. 3801

الموشحة الفصيحة والزجل السوقى الدارج (١)، ويبسط غرسية غوميس فكرته قائلا إنه «قدّم براهين جلية على وجود لغة رومانثية كان يتكلمها أهل الأندلس وهى اللغة التى كتب بها ابن قزمان شاعر القرن الثانى عشر الميلادى أزجاله. . وكانت اللغة الدارجة الجارية على الألسن فى قرطبة» (٢). والشعبتان جميعا كما يراهما ريبيرا تحتاجان إلى مراجعة، إذ ينقصهما البرهان اليقينى، أما أنه كانت تشيع فى الأندلس لغة دارجة رومانثية كتبت بها الأزجال فإن الأزجال نفسها تنقضها لأنها كانت مكتوبة بلغة عامية عربية لا رومانثية بدليل أن أبواب البلدان العربية جميعا فتحت لها وتناشدها الناس فيها، وأكبّوا على روايتها ودراستها، حتى ليقول ابن سعيد إنه رأى أزجال ابن قزمان إمام الزجل الأندلسى مدونة ببغداد أكثر مما رآها مدونة بحواضر المغرب (٣). ومن الطريف أن نعرف أن الأندلسيين لم يكتبوا فيها بحثا ولا دراسة، وأن أول من بحثها ودرسها وحاول أن يعرض شيئا من تاريخها وخصائصها العروضية واللغوية بغدادى هو صفى الدين الحلى المتوفى سنة ٧٥٠ فى كتابه «العاطل الحالى والمرخّص الغالى» ولو أنها كانت منظومة بلغة رومانثية أو لاتينية كانت دارجة فى الأندلس ما استطاع فهمها ولا درسها دراسة علمية قيمة على نحو ما نقرأ فى كتابه السالف، الذى لا أبالغ إذا قلت إن أحدا لا يستطيع أن يدرس الأزجال الأندلسية دراسة علمية بصيرة دون الاعتماد عليه. ولم يبن دراسته للزجل على دراسة ديوان ابن قزمان وحده بل لقد استعرض معه طائفة من دواوين الزجالين الذين جاءوا بعده حتى القرن السابع مما يدل-بوضوح-على أنها كانت متداولة جميعا فى المشرق وأنها كانت منظومة بعامية عربية لا لاتينية دارجة أو رومانثية، ولا ننكر أنه تتخلل بعض الأزجال وخاصة عند ابن قزمان بعض ألفاظ رومانثية بحكم أنها دخلت العامية الأندلسية، بالضبط كما حدث لمثيلات لها فى لغات الشعوب التى فتحها العرب والتى استحدثت فيها عاميات مختلفة، ولكن ذلك لا يخرجها جميعا-كما لا يخرج العامية الأندلسية-من عالم العاميات العربية. وبالمثل الشعبة الثانية من رأى «ريبيرا»، وهى أن الزجل نشأ مع الموشحة منذ أواخر القرن الثالث الهجرى فى حاجة أيضا إلى مراجعة، إذ لا تذكر المراجع الأندلسية أى شئ عن زجل أو أحد الزجالين قبل القرن السادس الهجرى، مما يمنعنا علميا أن ننسب نشأة الزجل إلى القرن الخامس فضلا عن القرن الرابع وما قبله. ونفس ابن قزمان

стр. 3802

المتوفى فى منتصف القرن السادس يحدثنا فى مقدمة ديوانه بأن الزجالين الذين عاشوا فى زمنه أو قبله بقليل لم تستقر عندهم القاعدة الأساسية للزجل، وهى أن يكون بلغة عامية تخلو من الإعراب ومن التفاصح بالألفاظ العربية الجزلة، ويقول إن أول من اتخذ هذه القاعدة أساسا للزجل أخطل بن نماره وحده دون غيره ممن سبقوه فإن ألفاظ أزجاله ملحونة وسلسة. ويدل على أن أصول الزجل وقواعده لم تكن قد وضعت نهائيا قبل ابن قزمان، أنه عاد يأخذ على ابن نمارة تفاصحه ببعض الألفاظ التى لا تجرى فى العامية الأندلسية، وحمل بسبب ذلك على زجال يسمى يخلف بن راشد حملة عنيفة. وهذا يؤكد أن نشأة الزجل متأخرة وأنه لم يأخذ مقوماته وخصائصه الكاملة إلا على يد ابن قزمان، ويشهد بذلك ابن سعيد إذ يقول إن الأزجال قيلت بالأندلس قبل ابن قزمان ولكن لم تظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها، ولا اشتهرت رشاقتها إلا فى زمانه (١)». ويجزم ابن خلدون بأنها ظهرت متأخرة محاكاة للموشحة، يقول: «لما شاع فن التوشيح فى أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا فى طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابا، واستحدثوا فنا سموه بالزجل» (٢). ومعنى ذلك أن تصور «ريبيرا» ومن تابعه مثل غرسيه غوميس أن الزجل نشأ مبكرا مع الموشحة وأنه نظم بلغة رومانثية دارجة كانت تشيع على ألسنة أهل الأندلس تصور مخطئ أشد الخطأ، فقد نظم بلغة عامية عربية لا لاتينية دارجة، أو رومانثية، ونظم محاكاة للموشحة بعد أن شاعت وذاعت وازدهرت فى عصر الطوائف وما بعده كما يقول ابن خلدون. وسنخص ابن قزمان بكلمة. وينبغى أن نعرف أن الزجل مثل الموشحة يكثر فيه الغزل ووصف المتاع بالخمر ووصف الطبيعة والإعجاب بجمالها الفاتن والمديح والهجاء والرثاء وجميع أغراض الشعر العربى، وكان كثير منه ينشد فى الحثّ على جهاد النصارى وفى المناسبات الدينية. وأكبر زجّال فى الجيل التالى لابن قزمان هو أحمد بن الحاج المشهور باسم مدغلّيس (٣)، وهو من أهل المريّة، وله أزجال كثيرة فى مديح الأمراء والقواد، ويقول ابن سعيد إن أزجاله مطبوعة إلى نهاية، ويقول المقرى فى نفح

стр. 3803

الطيب: كان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان فى الزجالين بمنزلة المتنبى فى الشعراء ومدغليس بمنزلة أبى تمام بالنظر إلى الانطباع والصناعة، فابن قزمان ملتفت للمعنى ومدغليس ملتفت للفظ، وكان أديبا معربا لكلامه مثل ابن قزمان (يريد أنهما كانا ينظمان الشعر الفصيح) ولكنه لما رأى نفسه فى الزجل أنجب اقتصر عليه» (١) وكان ديوانه يروى فى المشرق وحصل صفى الدين الحلى على مخطوطة منه، وأدار عليه وعلى ابن قزمان أكثر ملاحظاته على عروض الزجل الأندلسى وخصائصه اللغوية، وذكر له كما أسلفنا-ثلاث عشرة قصيدة عامية على أوزان الشعر العربى، وذكر له قطعا من أزجاله وأروعها الزجل الذى أنشده له ابن سعيد، وفيه يقول: (٢) ثلاث آشيا فالبساتين ... لس تجد فى كلّ موضع النّسيم والخضره والطّير ... شم واتنزّه وإسمع ورذاذا دقّ ينزل ... وشعاع الشمس يضرب فترى الواحد يفضّض ... وترى الآخر يذهّب والنبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب ويشيد فى نهاية الزجل بغناء أم الحسن. والزجل مفعم بالسلاسة والعذوبة والتصاوير الرائعة الملحنة على أنغام وزن الرمل المرقص المطرب، وكأنما تحمل إلينا الألفاظ أنفاس البستان وأريج رياحينه. ومع أن مدغليس لم يوحّد القوافى بين الأجزاء الأولى المتقابلة فى قوافل هذا الزجل وأغصانه واكتفى باتحادها فى الأجزاء الثانية أسوة بابن قزمان فى بعض أزجاله يموج زجله بجرس يلذ الأذن ويمتع النفس لدقته فى اصطفاء ألفاظه وحسن ذوقه فى انتخابها حتى لكأننا نستمع فيها إلى لحن موسيقى. وربما كان هو أول من ابتكر صياغة القصائد بالعامية التى أسلفنا الحديث عنها، وكأنما رأى أن يقيس القصيدة على الموشحة، فكما صاغوا الزجل قياسا على الموشحة صاغ القصائد العامية قياسا على قصائد الفصحى بنفس أعاريضها المستعملة عند العرب-كما مرّ بنا-من مديد وخفيف وغير ذلك. ومن كبار الزجالين بعده أبو الحسن على بن محمد الشاطبى، وقد أنشد له صاحب العاطل الحالى قطعة من زجل يبدو أنه كان من أزجال الاستنفار للجهاد وأنه قاله عقب انتصار، يقول فيه واصفا حال العدو (٣):

стр. 3804

كلما را السيوف إليه تنجرد ... صاح ويشكو وثمّ لم يرتفد (١) ينبح الكلب إذ يرى الأسد ... والأسد لس يهزّو ذاك النّباح ورجاعت عليه جنود ووبال ... ومال النّحس ما عو كف ما مال لم تنجيّه وصيّة الكردنال ... ول فادت نصيحة النّصّاح وواضح أن الزجل من وزن الخفيف. ويذكر ابن سعيد فى المغرب طائفة من الزجالين وطرائفهم الزجلية، وقد نقل كثيرين منهم عن كتاب ملح الزجالين لابن الدباغ المالقى، ومنهم زجّالو إشبيلية: أبو عمرو الزاهر وأبو بكر الحصار وأبو عبد الله بن خاطب وأبو بكر بن صارم ومنهم ابن (٢) ناجية اللورقى. وقد أضاف ابن سعيد إليهم طائفة من زجالى القرن السابع أمثال البلاّرج القرمونى ويحيى بن عبد الله بن البحبضة. وترجم لابن الدباغ (٣) المذكور آنفا وقال إنه لقيه بمالقة وإنه إمام فى الهجو على طريقة الزجل، وذكر له بعض أزجاله. ونشعر أن الزجل-مثل الموشحة-انتهى عصر ازدهاره بانتهاء عصر الموحدين لولا ما أتيح له من حيوية وروحانية بعد ذلك على لسان المتصوفة من أمثال الششترى المتوفى بدمياط سنة ٦٦٨ للهجرة. ومن الزجالين المهمين ابن عمير، وقد أنشد له صاحب العاطل من زجل قوله (٤): يا حبيب قلبى تعطّف ... بعض هذا الهجر يكفا فدموع عينى ما ترقا ... ولهيب قلبى ما يطفا والزجل من وزن الرمل، ويقول ابن خلدون إنه نزل بمدينة فاس فى المغرب ونظم لهم نوعا من الشعر الملحون فى أعاريض مزدوجة فأولعوا بالنظم فيه وسموه عروض (٥) البلد. ويذكر ابن خلدون من الزجالين فى عصره ابن الخطيب (المتوفى سنة ٧٧٦ للهجرة) وكان يعاصره إمام فى الزجل هو محمد بن عبد العظيم من أهل وادى آش، وينشد له ابن خلدون قطعة من زجل عارض به زجلا لمدغليس استهله بقوله: حلّ المجون يا أهل الشطارا ... مذ حلّت الشمس بالحمل وجدير بنا أن نقف قليلا عند ابن قزمان إمام الزجل الأندلسى ونتحدث عن بعض أزجاله.

стр. 3805

ابن قزمان (١) هو أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان، ولد حول سنة ٤٨٠ وعاش فى عصر المرابطين إلى أن توفى بعده سنة ٥٥٥ للهجرة فى صدر دولة الموحدين (٥٤٠ - ٦٤٠ هـ) وفى المغرب أنه من بيت عريق بقرطبة وأن أفراد أسرته لم يزالوا بين عالم ووزير ورئيس. وقد نشأ مثل أترابه فى قرطبة نشأة علمية أدبية، وهى نشأة أهلته ليكون أديبا وكاتب وثائق كما يكون شاعرا ووشاحا (٢)، أما شعره فروى له منه ابن الأبار بعض مقطوعات فى كتابه تحفة القادم، وروى له ابن سعيد مقطوعة من قصيدة فى مديح يحيى بن غانية والى غربى الأندلس من قبل على بن يوسف بن تاشفين ومقطوعة ثانية نظمها وقد رقص فى مجلس شراب، فأطفأ فيه السراج بأكمامه. ولعل فى ذلك ما يدل على أنه اتجه مبكرا للمتاع بالخمر واللهو. وأما التوشيح فقد روى له صاحب العاطل الحالى موشحة غزلية غزلا ماديّا صريحا (٣). وفى المغرب أنه «كان فى أول شأنه مشتغلا بالنظم المعرب (شعرا وتوشيحا) فرأى نفسه تقصر عن أفراد عصره كابن خفاجة وغيره، فعمد إلى طريقة لا يمازجه فيها أحد منهم، فصار إمام أهل الزجل المنظوم بكلام عامة الأندلس». وقد طارت شهرته فى الزجل لا بقرطبة وحدها، بل فى كل مدن الأندلس، وأيضا فى المغرب والمشرق، حتى لتحتفظ العصور بمخطوطة من ديوانه كتبها نسّاخ بمدينة صفد فى فلسطين قبل سنة ٦٨٣ هـ/١٢٣٤ م وقد نشرها المستشرق جنزبرج سنة ١٨٩٦ مصوّرة فى لوحات، وعنى فى سنة ١٩٣٣ المستشرق التشيكى «نيكل» بنشره بحروف لاتينية مع دراسة عن ابن قزمان، وصدرت هذه النشرة فى مدرسة الدراسات العربية بمدريد وغرناطة، وانتقد المستشرق كولان هذه النشرة وقال إنها مليئة بأخطاء كثيرة، ونشر الديوان من جديد المستشرق غرسية غوميس بحروف لاتينية مع ترجمة إلى الإسبانية، غير أنه أخطأ فى رأينا خطأ كبيرا حين حاول أن يطيق على أزجاله أعاريض الشعر الغربى القائمة على النبر والمقاطع كأوزان الشعر الإسبانى بحجة أن الزجل نظم على تلك الأوزان لا على الأوزان العربية، وهى حجة لا دليل

стр. 3806

عليها أى دليل، بل كل شئ ينقضها نقضا فقد صيغت الأزجال محاكاة للموشحات كما لا حظ ابن خلدون، وهى لذلك تلتقى بها فى أوزانها العربية وتفاعيلها المعروفة على نحو ما أوضحنا فى تحليلنا العروضى لطائفة من الموشحات، بل لقد أوضحنا ذلك فى الأزجال المارة إذ ذكرنا معها أعاريضها وأوزانها العربية. ولو أن غرسية غوميس درس أعاريض الشعر العربى ودوائر الخليل التى أثبتها ابن عبد ربه فى العقد الفريد وتأنّى فى قراءة أزجال ابن قزمان لعرف أنها جميعا لا تخرج عن الأعاريض العربية، وكيف كان يمكن لناسخها فى صفد قديما أن ينسخها، وكيف كان يمكن لصفى الدين الحلى أن يدرسها فى كتابه العاطل الحالى، وهى على أعاريض الأشعار الأوربية أو الأندلسية: أعاريض النبر والمقاطع. ونفس صفى الدين يشهد فى كتابه بأنها جمعت بين أصول الطرب وصحة أوزان العرب (١). ونضيف كيف كان يمكن للبلدان العربية أن تحاكيها وأن تزدهر فيها إلى اليوم لو أنها كانت على أعاريض الشعر الأوربى؟ إن كل ذلك يقطع بأن الزجل نظم-مثل الموشحة على الأعاريض العربية، سواء عند ابن قزمان أو عند غيره من الزجالين. والديوان-بدون ريب-كنز نفيس لأن الزمن لم يحتفظ لنا من دواوين الأزجال الأندلسية إلا به، وفيه غنية عن سواه لأنه ديوان إمام الزجالين فى الأندلس غير مدافع، ويتراءى لنا فيه ابن قزمان ماجنا عاكفا على اللذات من الخمر والنساء والغلمان لا يرعوى ولا يزدجر، وهو يعلن ذلك مرارا مجاهرا به فى غير حياء، ويبدو أنه كان يهبط أحيانا إلى صور من العبث والمجون جعلت ابن المناصف القاضى يأمر بسجنه، ويستغيث بالقائد المرابطى محمد بن سير فيرد إليه حريته. وطبيعى لمن يعيش هذه المعيشة الماجنة المسرفة فى المجون أن يتلف كل ما ورثه من مال وأن لا يبقى على مال يصل إلى يده، مما جعله فى أزجاله مداحا كبيرا للأمراء والولاة وسلاطين المرابطين والقضاة ووجهاء قرطبة وغير قرطبة إذ كانت له رحلات إلى إشبيلية وغير إشبيلية، يستجدى العطاء فى إلحاح. وهو يهبط فى هذا الاستجداء حتى ليطلب الثياب والدقيق والفحم والزيت وأجرة البيت الذى يسكنه مصورا فى تضاعيف ذلك بؤسه وحرمانه وما هو فيه من تعاسة وضنك ومسغبة حتى ليدنو من صورة أصحاب الكدية والتسول. وهو جانب ننكره عنده كما ننكر إسرافه فى اللهو وما ملأ به أزجاله من مجون وإثم. غير أننا إذا نحينا ذلك كله عن ابن قزمان يظل عندنا الزجّال الفنان الكبير الذى أعطى للزجل صورته العامية

стр. 3807

التامة وسلاسته وعذوبته المكتملة بحيث أصبح يخلب الألباب بخفته ورشاقته من مثل هذه الفقرة الأخيرة من الزجل رقم ٥٨ فى الديوان: لا نسيت إذ زارنى حبّى ... وانجلى همى وزاد كربى قلت له وقتا أخذ قلبى قال متى تجين قل غدا ... وغدا للناظرين قريب والزجل من وزن الرمل مع تعديل طفيف فى جزئى القفل. والجزء الثانى فى الغصن: «وانجلى همى وزاد كربى» يدل على عمق شاعرية ابن قزمان وأحاسيسه، فحين زال همه زاد كربه، وهى صيغة لا يقولها إلا من شفّه العشق. ويقتطف صفى الدين الحلى هذا المطلع من أحد أزجاله (١): قالوا عنّى بأنّى فيك عاشق ... إيش تقل يصدقوا يا حبيبى لقيت كثير فى الناس ... بالصواب ينطقوا هذا شى والنّبى يا نور عينى ... ما تحّدثت بيه ول بالله خطر على بالى ... لا ولا خضت فيه والزجل من وزن المقتضب: مفعولات مستفعلن فعلن. والفقرة رقيقة رقة شديدة، مع غير قليل من الرفق والعطف والحب الذى يكظمه فى نفسه ويشيع-دون إرادته-من حوله وحول محبوبته. وأنشد له ابن سعيد فى المغرب طائفة من أزجاله الماجنة، وتتخللها أحيانا قطع أو فقر بديعة فى وصف الربيع والطبيعة مثل قوله: الرّبيع ينشر علام ... مثل سلطانا مؤيّد والثمار تنثر حليّه ... بثياب بحل زبرجد والرياض تلبس غلالا ... من نبات فحل زمرّد والبهار مع البنفسج ... يا جمال ابيض فى أزرق واستمر يذكر الندى يترقرق على الغصون وأزهار الخيرى والآس، والماء يجرى، والظل يمتد يمينا ويسارا. ويستطرد إلى الحديث عن الخمر وإلى غزل يصور فيه غريزته النوعية. وواضح أنه صاغ هذا الزجل من وزن الرمل المرقص المطرب. وإذا كانت تشوب أزجاله أحيانا كلمات أو صيغ رومانثية فإنها جاءته من العامية الأندلسية، وهى أشياء محدودة لا تخرج صياغة أزجاله إلى صياغة لاتينية أو رومانثية كما ظنّ «ريبيرا»

стр. 3808

وغرسية غوميس، فالصياغة المطردة فى أزجاله صياغة عامية عربية هى عامية الأندلس على نحو ما يلاحظ فيما أنشدناه من أزجاله. وبحق لا حظ صفى الدين الحلى أنه على الرغم من أنه دعا إلى أن تكون ألفاظ الزجل ملحونة وأن لا تكون من الألفاظ العربية الجزلة الرصينة فإن بأزجاله كثيرا من الألفاظ والصيغ العربية الرصينة المصقولة وأيضا من الألفاظ المعربة بالحركات والحروف، واستشهد صفى الدين لذلك كله وما يماثله بشواهد كثيرة من أزجاله. (١) ولا نبالغ إذا قلنا إن أحدا لا يستطيع أن يدرس أزجال ابن قزمان ولا الأزجال الأندلسية دراسة لغوية وعروضية دون الرجوع-كما أسلفنا-إلى دراسة صفى الدين لها فى كتاب العاطل الحالى، إذ لم يتصدّ أحد لدراستها دراسة علمية خصبة قبله، وسيظل كتابه منجما لا ينفد للدارسين لها والباحثين. وحرى بنا أن نشير إلى أنه أصبح من الثابت بين علماء الاستشراق أن صيغة الزجل ونظامه وما اقترن به من الموسيقى الأندلسية، كل ذلك أثر تأثيرا واسعا فى الغرب، إذ على هديه ظهرت الطّرز الشعرية المقفاة عند أوائل التروبادور البروفانسيين. ويتحدث بالنثيا حديثا مفصلا عن مدى تأثيره فى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال بدليل ما نشأ عندهم من أغان مقفاة على شاكلة القوالب الزجلية، وليس ذلك فحسب فإنها تأثرت بمضامين الزجل الغزلية وما فيها من تصور للعشق، وأيضا بما كان يرافقها من موسيقى. ويمضى بالنثيا فى الحديث عن تأثير الزجل فى الأغانى الإسبانية بطرازه الشعرى وموسيقاه، ويذكر أن دواوين نظمت أكثر أغانيها وأناشيدها فى قالب الزجل، منها ديوان ألفونس العاشر فى القرن الثالث عشر (١٢٢١ - ١٢٨٤ م) الذى سماه أناشيد لمريم العذراء المقدسة وهو يتضمن أربعمائة وعشرين أنشودة منها نحو ثلاثمائة على نسق الأزجال الأندلسية وقوالبها المعروفة، ومثل هذا الديوان ديوان القس هيتا فى القرن الرابع عشر الميلادى الذى سماه: «الحب الطيب» ويقول بالنثيا إن التشابه بين مقطوعاته وبين الأزجال لا يرقى إليه شك، ويمثّل ببعض مقطوعاته.

стр. 3809

٣ - شعراء المديح طبيعى أن يأخذ شعراء المديح فى الظهور منذ تأسيس عبد الرحمن الداخل للدولة الأموية بقرطبة، وهم يأخذون فى التكاثر منذ عهد عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ.) كما مرّ بنا، ويخلفه ابنه محمد ويظل من عاش فى عصره من الشعراء يدبج القصائد فى مديحه مثل مؤمن بن سعيد وطاهر بن حزم، وربما كان أهم مداحه عباس (١) بن فرناس ويقال إنه مدح أباه عبد الرحمن وجده الحكم، وينوه ابن حيان بإبداعه فى التفلسف وفنون التعاليم القديمة والحديثة وحذقه للموسيقى والضرب على العود وصوغه للألحان، وله فى تهنئة الأمير محمد عند قفوله مظفرا سنة ٢٥٩ من غزوته الكبرى لأهل بنبلونة فى نبارّة بأقصى الشمال قصيدة بديعة، وكان صادف اقتران قفوله منها بعيد الفطر مما جعله يقول (٢): إنّ القفول الذى أوفى بعيدين ... مكرّمين على الدنيا عزيزين قدوم أكرم من فى الأرض قاطبة ... قدوم فطر فكانا خير عيدين طابا كتفّاحتى خدّى منعّمة ... تورّدا فى بياض بين صدغين (٣) أو مقلتى رشأ فى طرفه حور ... مكحولتين بسحر البابليّين (٤) ونلتقى بعده بشعراء ابنه الأمير عبد الله وفى مقدمتهم ابن عبد ربه، وعبيد (٥) الله بن يحيى بن إدريس وهو من بيوتات الشرف فى المولدين. وللشعراء فيه مدائح كثيرة سجلها ابن حيان فى قسم المقتبس الخاص به، من ذلك قول عبيد الله بن يحيى بن إدريس يهنئه بفتح حصن لكّ:

стр. 3810

قد جاءك الفتح فى العيد الكبير فما ... رأيت مثلهما فى اليوم عيدين يا فرحة من رأى فى الغزو طالعها ... وشاهد الفتح لم يأسف على البين ألذّ فى السمع من بشرى الحميم إذا ... وافى ومن منظر المعشوق فى العين وممدّح البيت الأموى الجدير بكل مديح وثناء عبد الرحمن الناصر الذى أعلن نفسه خليفة سنة ٣١٦ وقد ظل صولجان الحكم بيده خمسين سنة، كانت قرطبة فيها عاصمة الحضارة والثقافة فى أوربا، وعادت إلى الأندلس وحدتها التى تفككت فى عهد جده عبد الله، ودان حكام نبارّة وقشتالة وبرشلونة وليون له بالولاء، ومرّ بنا حديث ابن حيان عن كثرة الشعراء فى زمنه. وكانت غزواته طوال حكمه متصلة فاتصل مديح شعرائه جميعا بها وفى مقدمتهم ابن عبد ربه وسنفرده بكلمة، وبالمثل اتصل بها مديح عبيد الله بن يحيى بن إدريس وله يقول فى مدحة ميمية: (١) يهنا الخلافة سعى خير إمام ... لله مسعاه وللإسلام ليعزّ دين الله فى كنف العلا ... ويذبّ عن حرم الهدى ويحامى مستنجزا وعد الإله بنصره ... فى شيعة الإشراك والإجرام وكان الناصر قد غزا نصارى الشمال فى شهر رمضان وأدركه عيد الفطر فى بلاد العدو فلم ينكل ولم يتراجع بل صمد-كما يقول ابن حيان-للقاء العدو ومزّق جموعه تمزيقا. ولابن إدريس يذكر زيادته فى جامع قرطبة وبناءه لمدينة الزهراء بجوارها (٢): سيشهد ما شيّدت أنك لم تكن ... مضيعا وقد مكّنت للدين والدّنيا فبالجامع المعمور للعلم والتّقى ... وبالزّهرة الزّهراء للملك والعليا وقد استحال جامع قرطبة فى عهده إلى جامعة كبرى للعلوم والآداب، وإلى ذلك يشير ابن إدريس. ودائما يرفع شعراء الأندلس فى مدائحهم لأمراء البيت الأموى الدين الحنيف شعارا لهم فى غزواتهم للمسيحيين فى الشمال، فهم يحامون ويصولون تحت لوائه دفاعا عنه وانتصارا له زلفى لربهم. ويخلف الناصر ابنه الحكم المستنصر أكبر راع للعلوم والآداب فى الأندلس، بل فى جميع العالم العربى، لعصره، غير أنه لم يكن داهية فى السياسة، فقد رأى أباه الناصر يشعر بخطر نشوء الدولة الفاطمية فى تونس فيستولى على سبتة وطنجة ويرسل إعانات مالية كبيرة لزعيم الأدارسة يحيى بن إدريس ويمده بالسلاح

стр. 3811

والعتاد لمقاومة الخطر الفاطمى، ويستطيع يحيى التغلب على نصير الفاطميين موسى بن أبى العافية ويعلن ولاءه للناصر. ولا يسلك الحكم المستنصر مسلك أبيه فى تلك السياسة إذ ألقى بخيرة قواده وجنوده فى الصراع مع المغرب، ولم يظفر من ذلك بطائل سوى إضعاف جبهته الشمالية فى حروبه مع نصارى الإسبان. وفى هذه الأثناء وفد عليه جعفر بن على أمير الزاب وأخوه يحيى معلنين الانفصال عن معدّ الفاطمى ودعوته وولاءهما له، وهلّل شعراؤه بوفادتهما طويلا، من ذلك قول شاعره محمد بن شخيص (١): بأيمن إقبال وإسعاد طائر ... تباشير محتوم من الأمر واقع توافت بملك من معدّ مقوّض ... لملك إلى مهدىّ مروان راجع فيالك من بشرى سرور تضمّنت ... بلوغ الأمانى عن سعود الطوالع فجعفر يغنى عن جنود برأيه ... ويحيى يلاقى حاسرا ألف دارع وهو يقول إن وفودهما بشرى بأن ملك معد الفاطمى تقوض من أساسه للملك المروانى: الحكم، ويصفه بأنه مهدى منتظر على نحو ما كان معد يصف نفسه. ويتغنى بذلك شاعر الحكم محمد بن حسين الطّبنى وغيره من الشعراء. ويخلفه على العرش ابنه المؤيد وهو غلام فى الثانية عشرة من عمره ويحجب له المنصور بن أبى عامر وابناه المظفر والناصر، ويظل صولجان الحكم بيد المنصور نحو ربع قرن ويخلفه عليه ابناه نحو سبع سنوات وكان المنصور شجاعا فأكثر من غزوات النصارى فى الشمال حتى بلغت-فيما يقال-نيفا وخمسين غزوة، ومن أهمها غزوة جربيرة فى صيف سنة ٣٩٠ وفيها هزم نصارى الشمال هزيمة ساحقة تغنى بها شعراؤه طويلا من مثل قول صاعد (٢): اليوم عاش الدّين وابتدأ الهدى ... غضّا وعاد الملك عذب المورد من فاته بدر وأدرك عمره ... جربير فهو من الرّعيل الأسعد وهو يجعل غزوة جربيرة أختا لغزوة بدر التى أعز الله بها الإسلام ورسوله والمؤمنين

стр. 3812

مبالغة فى تمجيده لانتصار ابن أبى عامر فيها. وشاعره الفذ هو ابن درّاج القسطلى وسنخصه بكلمة. ويقول فيه وفى حجابته عبادة بن ماء السماء (١): لنا حاجب حاز المعالى بأسرها ... فأصبح فى أخلاقه واحد الخلق فلا يغترر منه الجهول ببشره ... فمعظم هول الرّعد فى أثر البرق وعاصر عبادة زمن الفتنة بقرطبة (٣٩٩ - ٤٢٢ هـ) حتى إذا استولى على مقاليد الخلافة على بن حمود العلوى من أدارسة المغرب سنة ٤٠٧ نجد عبادة يقدم له مدائحه متحزبا له متشيعا بمثل قوله (٢): أطاعتك القلوب ومن عصىّ ... وحزب الله حزبك يا علىّ وإن قال الفخور أبى فلان ... فحسبك أن تقول أبى النبىّ ويتوفى على سنة ٤٠٨ ويخلفه أخوه القاسم فيقدم مدائحه إليه وينازعه الخلافة يحيى ابن أخيه، ويستولى على صولجان الحكم فترة سنة ٤١٢ ويفر عمه إلى إشبيلية، ويعود بجنود من البربر إلى قرطبة ويستردّ الحكم من يحيى سريعا، ويغادر قرطبة إلى الجزيرة الخضراء ويستولى عليها، وله يقول عبادة: فها أنا ذا يابن النبوّة نافث ... من القول أريا غير ما ينفث الصّلّ (٣) وعندى صريح فى ولائك معرق ... تشيّعه محض وبيعته بتل (٤) وهو يقول إن ولاءه لآل البيت عريق ويمضى فيذكر أن جده كان مواليا لعلى مما جعل معاوية يبغضه بغضا شديدا. وكان ابن الحناط الكفيف القرطبى يتشيع مثله للحموديين وله مدائح متعددة فيهم وخاصة فى على بن حمود وفيه يقول: (٥) إمام أقام الدّين حدّ حسامه ... طريرا ومنه فى يد الله قائم (٦) وكأنما كان الصوتان المتشيعان نشازا على أسماع الحموديين فى الأندلس، إذ لم يكونوا

стр. 3813

هم ولا آباؤهم الأدارسة فى المغرب دعاة نحلة أو عقيدة شيعية، لذلك ذهب هذان الصوتان أدراج الرياح. وإذا مضينا فى عصر أمراء الطوائف وجدنا عواصم هؤلاء الأمراء تتحول إلى ساحات كبرى للمديح، فليس هناك أمير ولا وزير إلا وتدبّج فيه المدائح، إذ تكاثر الحبّ فى تلك الساحات وتكاثر الشعراء الذين يلتقطونه من داخل الإمارة ومن الوافدين على أمرائها، وقد استحالت قصورهم إلى ندوات واحتفالات لإنشاد الشعراء مع ما يتخلل ذلك من مجالس الأنس والطرب والغناء، مما أحدث فى الأندلس نهضة شعرية بأدق ما تؤديه كلمة نهضة من معان، وقد كتب ابن بسام فيها كتابه الذخيرة بمجلداته الثمانية الضخام متحدثا عن الشعراء البارعين بكل حاضرة فى هذا العصر وقد بلغوا أكثر من مائة شاعر فذ، ولكل منهم مدائح بديعة، من ذلك مدحة أبى زيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبونى لإدريس بن يحيى الحمودى أمير مالقة جعل مقدمتها طبيعة وغزلا وخمرا وسنعرض لذلك فى ترجمته بين شعراء الطبيعة والخمر، وخرج إلى المديح، منشدا (١): وكأنّ الشمس لما أشرقت ... فانثنت عنها عيون الناظرين وجه إدريس بن يحيى بن ... علىّ بن حمّود أمير المؤمنين كتب الجود على أبوابه ... ادخلوها بسلام آمنين انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين وكان ابن مقانا بدأ إنشاد إدريس هذه القصيدة وهو محتجب على عادته، فلما سمع البيتين الأخيرين أمر برفع الحجاب حتى نظر إليه، وأضفى سابغ نواله عليه. وتغنى ابن زيدون مرارا بأمراء قرطبة بنى جهور، ولما ظنوا أنه مشترك فى مؤامرة ضدهم وزجّوا به فى غياهب السجن أخذ يعتذر إليهم بمثل قوله (٢): بنى جهور أحرقتم بجفائكم ... جنانى فما بال المدائح تعبق تظنوننى كالعنبر الورد إنما ... تطيب لكم أنفاسه وهو يحرق وردّت إليه حريته، فالتحق بالمعتضد بن عباد أمير إشبيلية، فاتخذه وزيرا له وأجزل له فى الراتب والعطاء، وفيه يقول ابن زيدون فى إحدى مدائحه (٣):

стр. 3814

همام يزين الدهر منه وأهله ... مليك فقيه كاتب متفلسف يتيه بمرقاه سرير ومنبر ... ويحمد مسعاه حسام ومصحف جحيم لعاصيه يشبّ وقوده ... وجنّة عدن للمطيعين تزلف (١) ومرّ بنا أنه اجتمع للمعتضد وابنه المعتمد كثيرون من الشعراء الأفذاذ، والذخيرة تكتظ بما قدموه لهما من مدائح بديعة، وسنخص ابن عمار من بينهم بكلمة، ومنهم الشاعر ابن اللبانة، وسنترجم له فى الفصل التالى، ومن قصيدة له فى مديح المعتمد (٢): ملك إذا عقد المغافر للوغى ... حلّ الملوك معاقد التيجان (٣) وإذا غدت راياته منشورة ... فالخافقان لهنّ فى خفقان (٤) يا منشئ العلياء بعد مماتها ... تفنى النجوم وما ثناؤك فان الأرض حاجتها إليك بطبعها ... كالعين حاجتها إلى الإنسان وكانت سوق الشعر نافقة بالمرية فى عهد أميرها المعتصم بن معن بن صمادح وطالت إمارته إلى إحدى وأربعين سنة وكان شاعرا، فهتفت باسمه الشعراء فى إمارته ووفدوا عليه من بلدان الأندلس، وهو يغدق عليهم من أمواله، ولمواطنه أبى حفص بن الشهيد أمداح فيه كثيرة من مثل قوله (٥): وأحسن من روض تحلّى بنوره ... محيّا ابن معن فى حلىّ الفضائل جواد كأن الأرض جمعاء راحة ... له وبحور الأرض خمس أنامل جللت فجلّ القول فيك وإنما ... يقدّ لقدر السيف قدر الحمائل وشاعر المعتصم المبدع ابن الحداد، وسنفرد له كلمة، ولم يكن يقلّ عن المعتصم والمعتمد جودا وشعرا ولسنا وفصاحة المتوكل بن المظفر بن الأفطس أمير بطليوس، ولأبيه كتاب المظفرى فى الأدب والتاريخ نحو مائة مجلد، واستحالت بطليوس فى عهده إلى كعبة للشعراء تطوف بها آمالهم وتتلى فيها مدائحهم، وتغنى بمدح المتوكل الشاعر الفذ

стр. 3815

عبد المجيد بن عبدون مواطنه وقصر مدائحه عليه، وسنخصه بترجمة فى الفصل التالى، وفيه يقول (١): طبّقت آفاق الكلام فلم أدع ... زهرا يرفّ ولا جمانا ينظم لله درّك هل لمجدك غاية ... إلا وأنت بها معنّى مغرم هزّتك أرواح السماحة بانة ... ومن الرّجاحة فى حماك يلملم وتعلّمت منك الغمامة شيمة ... تهمى وفيها للبروق تبسّم وجعل ابن عبدون المتوكل كالبانة التى يشبه بها الشعراء محبوباتهم فى الحسن سماحة وجودا، ومثل جبل يلملم فى رجاحة العقل وحلمه ورزانته، والصورة الأخيرة بديعة إذ جعله يغدق أمواله على الشعراء والمجتدين وهو يبتسم وكأنه غمامة تهطل والبروق فيها ماتنى تلمع كبسماته التى ترتسم دائما على وجهه. وحرى بنا أن نقف قليلا عند موقعة الزلاقة فى أواسط سنة ٤٧٩ وكانت الأندلس أصبحت أندلسات كثيرة، كما مر بنا فى الفصل الأول، إذ توزعت إلى عديد من الإمارات والعواصم لأمراء عاشوا للترف واللهو، وإن سدّدوا سيوفهم فإلى صدور جيرانهم فى الإمارات وإخوانهم فى الدين، بينما يدفعون الإتاوات للمسيحيين فى الشمال، وسقطت طليطلة فى حجر ألفونس السادس سنة ٤٧٨. ويتأهب للاستيلاء على عواصم هؤلاء الأمراء المترفين المفكّكين المتطاحنين، مما جعلهم يجمعون وفى مقدمتهم المعتمد بن عباد أمير إشبيلية-وأجمع الشعب معهم وفى مقدمته الفقهاء-على استصراخ أمير المسلمين فى المغرب يوسف بن تاشفين ليدفع عنهم الكوارث الخطيرة الموشكة الوقوع، فعبر الزقاق، وانضمت إليه الجموع الأندلسية فى غرناطة وإشبيلية يتقدمها المعتمد بن عباد، والتقى يوسف بجموع ألفونس السادس فى الزلاقة بالقرب من بطليوس فى اليوم الثانى من رجب سنة ٤٧٩ وصدق-ومعه المعتمد وجموع المسلمين-فى وطيس القتال، وسحقوا أعداء الله سحقا ذريعا، وكأنما استؤصل جيشهم استئصالا، إذ لم ينج منه إلا من سارع منهم إلى الفرار مخذولا مقهورا، وفرّ على وجهه ألفونس يتسنّم الجبال الشاهقة ويسلك الطرق الوعرة حتى دخل طليطلة، وهنأ الشعراء المعتمد بهذا النصر الحاسم من مثل قول ابن القزاز محمد بن عبادة الوشاح فى تهنئة له (٢):

стр. 3816

ثناؤك ليس تسبقه الرّياح ... يطير ومن نداك له جناح تطيب بذكرك الأفواه حتى ... كأن رضابها مسك وراح (١) جلبت إلى الأعادى أسد غاب ... براثنها الأسنّة والصّفاح (٢) وكان يوسف بن تاشفين والمرابطون ينسبون أنفسهم إلى العرب فى حمير وكان بنو عباد من قبيلة لخم اليمنية، وذكر ذلك عبد الجليل بن وهبون فى قصيدة يهنئ فيها يوسف بن تاشفين والمعتمد بهذا النصر المبين منشدا (٣): نمى فى حمير ونمتك لخم ... وتلك وشائج فيها التحام فيوسف يوسف إذ أنت منه ... كيامن، لا وهى لكما نظام فإن ينج الّلعين فلا كحرّ ... ولكن مثلما ينجو اللئام وصاروا فوق ظهر الأرض أرضا ... كأن وهادها منهم إكام وهو يجعل يوسف نفس سميه الصديق ويجعل المعتمد أخا له يشد أزره مثل يا من أخى الصديق وهو بنيامين. ويقول إن وهاد الأرض استحالت من جثث الأعداء إكاما أو أكمات وتلالا. وللشاعر يوسف بن عبد الصمد شاعر المرية تهنئة بديعة (٤) للمعتمد بهذا النصر غير أنه خصه بها وحده. وعاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب بعد أن نصح أمراء الطوائف بالوحدة، ولقّب بعد تلك الموقعة المظفّرة بأمير المسلمين، وبنى ألفونس حصنا ضخما بالقرب من مرسية فى موضع يسمى لييط، ليجدد إغاراته على أمراء الطوائف، فاستنجدوا بابن تاشفين، وعبر ثانيا الزقاق سنة ٤٨١ ووجّه قواته إلى حصن لييط، واضطر ألفونس إلى هدم الحصن وإخلائه. وسرعان ما عاد أمراء الطوائف إلى سابق العهد بهم من الانغمار فى الخلافات وفى الترف واللهو، فاستصرخ فقهاء الأندلس ابن تاشفين ليزيل-إلى غير رجعة-حكم هؤلاء الأمراء الذين يخربون بيوتهم وبيوت المسلمين فى الأندلس بأيديهم. وعبر يوسف الزقاق فى رجب سنة ٤٨٣ وتقدم قائده ابن أخيه سير بن أبى بكر، فاستسلم طواعية عبد الله بن بلقّين أمير غرناطة، واستسلم المعتمد بن عباد فى إشبيلية كرها واستسلمت المرية ومرسية وشاطبة وبطليوس، وهلّل

стр. 3817

فقهاء الأندلس لزوال حكم هؤلاء الأمراء، ويصور ذلك أبو الحسن بن الجد فى مدحة لابن تاشفين متشفيا فيهم قائلا (١): ناموا وأسرى لهم تحت الدّجى قدر ... هوى بأنجمهم خسفا وما شعروا وكيف يشعر من فى كفّه قدح ... تحدو به مذهلات النّاى والوتر (٢) فقل لمن نام أصبحت انتبه فلقد ... مضى لك الليل صرفا وانقضى السّحر وانظر إلى الصبح سيفا فى يدى ملك ... فى الله من جنده التأييد والظّفر يرعى الرعايا بطرف ساهر يقظ ... كما رعاها بطرف ساهر عمر (٣) ويظلّ الأندلس عهد المرابطين الذين أبلوا فى قتال النصارى ما أخّر استردادهم للأندلس جميعها قرونا بفضل جيوشهم وجيوش دولة الموحدين المغربية من بعدهم. ويموج ديوان الأعمى التطيلى بمديح على بن يوسف بن تاشفين خليفة أبيه على المغرب والأندلس: وسنفرده بكلمة، وبالمثل يموج ديوان ابن خفاجة بمديح أخويه إبراهيم وتميم، وكان إبراهيم واليا له على شرقى الأندلس حتى وفاته سنة ٥١٥ وكان تميم واليا له على غرناطة منذ سنة ٥٠٠ وولى مرسية شرقى الأندلس فترة، ولعل ذلك ما وصل ابن خفاجة به، وديوانه مفتتح بمدحة بديعة فيه استهلها بوصف الطبيعة والغزل، وفيها يقول (٤): وأبلج منصور الّلواء إذا سرى ... أظلّت عقاب النّصر أجنحة النّسر له فتكة لو زاحم الدهر تحتها ... لعدّت به دهم الليالى من الشّقر وعزم يردّ الطّود هدّا ونجدة ... تهزّ قدود السّمر فى الحلل الحمر تقسّمه جود يفيض وهمّة ... فمن منهل غمر ومن جبل وعر والمدحة على هذا النحو تلوينات وتوليدات فى معانى الشجاعة والكرم، ففتكته تحيل الليالى شقراء بما تلطخها من الدماء وبالمثل تحيل الرماح حلل الأعداء حمرا مما تلطخها به من الدم المسفوك، وجوده يفيض كمنهل عذب، وهمته لا تبارى كجبل وعر لا يساميه جبل فى وعورته. ولابن خفاجة قصيدة بديعة فى مديح زوجة تميم مريم، وكانت سيدة أديبة

стр. 3818

فاضلة تحفظ جملة وافرة من الشعر، وكانت لها ندوة تحاضر به فيها وتستمع إلى الشعراء وتثيبهم على أشعارهم، وفيها يقول ابن خفاجة (١): مشهورة فى الفضل قدما والنّهى ... والجود شهرة غرّة فى أدهم تولى الأيادى عن يد نزل النّدى ... منها بمنزلة المحبّ المكرم حمل الثناء بها القريض وإنما ... حمل الحديث رواية عن مسلم وابن خفاجة يجعل ما يحمله الشعر من الثناء على هذه السيدة عطرا عطر الحديث المروىّ عن مسلم فى صحيحه مبالغة منه فى بيان تقواها وما يحف بها من تجلة تغنى بها ابن خفاجة وغيره مادحين مطرين، وسنفرد لابن خفاجة ترجمة فى الفصل الثانى. وفى ابن تيفلويت والمرابطين يقول ابن باجة معللا لاسمهم «الملثمين» إذ كانوا يضعون لثاما على وجوههم (٢): قوم إذا انتقبوا رأيت أهلّة ... وإذا هم سفروا رأيت بدورا لا يسألون عن النّوال عفاتهم ... شكرا ولا يحمون منه نقيرا (٣) لو أنهم مسحوا على جدب الرّبى ... بأكفّهم نبت الأقاح نضيرا وهو يجعل وجوههم أهلة حين ينتقبون ويخفون جزءا من وجوههم فإذا سفروا ورفعوا النقاب رأيتهم بدورا. ويمدحهم بالكرم الفياض وأنهم لا يسألون طلاب النوال والحاجات شكرا على ما يبذلون لهم، وهم يجودون بكل ما يملكون ولا يبقون منه لأنفسهم أى شئ. ولا يلبث ابن باجة بخياله الخصب أن يقول إنهم لو مسحوا على أرض مجدبة بأكفهم لا هتزّت وربت وأنبتت أزهارا وأقاحا ناضرا. ولمحمد بن إبراهيم بن المواعينى المار ذكره بين البلاغيين فى الفصل الماضى مدحة فى الزبير بن عمر الملثم والى قرطبة يقول فى تضاعيفها مخاطبا الملثمين أو المرابطين (٤): جولوا وصولوا فالمناسب حمير ... أهل المفاخر والنّدى والنادى للقوم فى كل البلاد رياسة ... تحكى بنى العباس فى بغداد أضحت مجالسهم سروج جيادهم ... إن السروج مجالس الأمجاد

стр. 3819

والصورة فى البيت الأخير بديعة، ولليكّى يحيى بن سهل هجّاء الأندلس فى المرابطين معللا لتسميتهم بالملثمين بالغا بهم الغاية من المديح (١): قوم لهم شرف العلا فى حمير ... وإذا انتموا صنهاجة فهم هم لما حووا إحراز كلّ فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثّموا واشتهرت أسرة مغربية زمن المرابطين بأنها حامية للآداب وراعية للشعر والشعراء، وهى أسرة بنى عشرة أصحاب خطة القضاء فى مدينة «سلا» على شاطئ المحيط، وأول من رحل إليه شعراء الأندلس لمديحه أو أرسلوا إليه بمدائحهم القاضى على بن القاسم بن عشرة المتوفى سنة ٥٠٢ وهو ممدوح يحيى بن بقى وعيسى بن وكيل الغرناطى ومحمد بن سوار الأشبونى المترجم له بين شعراء الرثاء، وكان قد خلصه من أسره عند النصارى بفدية كبيرة فأكثر من مديحه بمثل قوله (٢): لو أن رفقك فى القلوب مركّب ... لم يلتقم فى البحر يونس حوت ولقد حملت من الوقار سكينة ... لم يحتملها قبلك التابوت وهو يشير إلى الآية الكريمة عن الرسول يونس ﵇: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ وإلى آية سورة البقرة عن طالوت: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وخلف عليا فى القضاء ابنه أحمد وأنشد ابن بسام فى ترجمته بالذخيرة مدحه لابن سوار فيه، وكان هو وأخوه يحيى موئلا لشعراء الأندلس، وبنى أحمد قصرا، هنأته به الشعراء، وكان المتفلسف الشاعر أبو عامر محمد بن الحمارة حاضرا ولم يكن أعدّ شيئا ففكر قليلا، ثم أنشد (٣): يا أوحد الناس قد شيّدت واحدة ... فحلّ فيها حلول الشمس فى الحمل (٤) فما كدارك فى الدنيا لذى أمل ... ولا كدارك فى الأخرى لذى عمل ومرّ بنا فى ترجمة يحيى بن بقى بين الوشاحين أنه خصّ القاضى أحمد وأخاه يحيى بدرر كثيرة من موشحاته وأشعاره بينما كانا يواليان إغداق نوالهما عليه، مما جعل لسانه

стр. 3820

يلهج بمديحهما والثناء عليهما طويلا، من مثل قوله فى يحيى من مدحة طويلة (١): ندب عليه من الوقار سكينة ... فيها حفيظة كلّ ليث مخدر (٢) مثل الحسام إذا انطوى فى غمده ... ألقى المهابة فى نفوس الحضّر أزرى على البحر الخضمّ لأنه ... فى كل كفّ منه خمسة أبحر أقبلت مرتادا لجودك إنه ... صوب الغمامة بل زلال الكوثر (٣) وانتهت دولة المرابطين وخلفتها دولة الموحدين منذ سنة ٥٤١ وأخذت المدن الأندلسية تستظلّ بلوائهم من مثل الجزيرة الخضراء ورندة ثم إشبيلية وقرطبة وغرناطة، وظل شرقى الأندلس: مرسية وجيّان وبلنسية بيد محمد بن سعد المشهور باسم ابن مردنيش حتى توفى سنة ٥٦٧ فدخل كل ما بيده فى حوزة الموحدين. وأمر عبد المؤمن ببناء مدينة على جبل طارق، حتى إذا تم بناؤها عبر الزقاق إلى هذا الجبل بجموع غفيرة سنة ٥٥٦ وسماه جبل الفتح، وأقام به شهرا يستقبل وفود الأندلس للبيعة من أهل مالقة وغرناطة وقرطبة وإشبيلية. واتخذ يوما لاستقبال الشعراء، وكانوا قد جاءوه من كل مدينة لاستقباله ومديحه، وكان يوما مشهودا، أنشده كثيرون منهم قصائدهم فيه، وفى مقدمتهم الأصم المروانى القرطبى الشاعر حفيد الشريف الطليق والرصافى البلنسى محمد بن غالب، وسنفرد له ترجمة عما قليل وأحمد بن سيد الإشبيلى وأخيل الرندى وأبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد الغرناطى، وأنشده مدحة يقول فى تضاعيفها (٤): دعانا نحو وجهك طيب ذكر ... ويدعو للرياض شذا الرياح وكنت كساهر ليلا طويلا ... ترنّح حين بشّر بالصباح ورتّب عبد المؤمن أمور الأندلس، واتخذ ولاة لمدنها الموالية له، وولّى مدينة إشبيلية وأعمالها ابنه يوسف ولى عهده، وبذلك كانت حاضرة الموحدين فى الأندلس، وولّى ابنه عثمان غرناطة وأعمالها، وكان محبّا للأدب والشعر، فاجتمع حوله شعراء أندلسيون كثيرون. وخلف يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) أباه وكان ممدحا، ومن مدّاحه أبو محمد المالقى وهو يستهل مدحة قدّمها له بأنه سيملك العالم بأقاليمه السبعة المعروفة لزمنه تسنده سور الحواميم القرآنية السبع التى يرددها هى وغيرها من سور القرآن الكريم آناء الليل
следующие страницы →