وخاصة حين يطلب ثأر أو تنشب حرب. وقد تحولوا بجزيرتهم إلى ما يشبه ميدانا حربيا كبيرا، ففى كل مكان عراك وقتال وفى كل مكان دماء تسيل. ولهم حروب مشهورة سجّلها علماء اللغة والأدب فى العصر العباسى كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء.
وانتقلت من ذلك أبحث فى حياتهم وأحوالهم الاجتماعية ولا حظت أن مجتمع القبيلة كان يتألف من ثلاث طبقات، هى أبناؤها ومواليها وعبيدها. وكان أهم شئ يشدّ من بنيان هذا المجتمع حرصهم على الشرف وما سموه المروءة، إذ كان كل منهم يحرص على البذل والشجاعة والوفاء وحماية الجار وإباء الضيم. وتخلّلت ذلك آفات، أهمها: الخمر والقمار واستباحة النساء. وقد تأخذ هذه الآفات عند بعض الشباب أمثال طرفة شكل فتوة جامحة. ومن المؤكد أنه كان للمرأة الحرة عندهم منزلة كريمة. ولم تكن معيشتهم واحدة، فقد كانت الزراعة منتشرة فى الجنوب والشرق وواحات الحجاز، وكان أهل مكة يعيشون على التجارة، على حين كان البدو يعيشون على رعى الأغنام والأنعام وصيد الحيوان. وكان بينهم سادة يملكون مئات الإبل وصعاليك لا يملكون شيئا. ومع أنهم كانوا على صلة بالحضارات المجاورة كانوا لا يزالون أقرب إلى طور البداوة، وكان علم الأنساب أهم علومهم، ولم يكن لهم وراءه إلا معارف محدودة تقوم على التجربة الناقصة كبعض معارفهم الطبية والفلكية. وكانت كثرتهم وثنية تتعبّد لآلهة وأصنام وأوثان كثيرة، وكانت الكعبة فى مكة أكبر معابدهم، وكانوا يحجون إليها فى أشهر معلومات. على أن نفرا منهم شكّوا فى أواخر هذا العصر فى دينهم الوثنى والتمسوا دين إبراهيم ويسمّون المتحنّفة والحنفاء وكأنما كانوا إرهاصا لظهور الإسلام والدعوة المحمدية. وكانت النصرانية فى أثناء ذلك تنتشر فى القبائل المحاذية للشام والعراق بينما كان كثير من اليهود ينزلون فى واحات الحجاز وفى اليمن، وتعربت كثرتهم إلا أن العرب ظلوا يزدرونهم وينفرون من دينهم.
ولما تمّ لى بيان هذه الجوانب أخذت أبحث فى اللغة العربية وعناصرها السامية القديمة، ووقفت عند أقدم لهجاتها المشتة فى النقوش، وهى الثمودية واللّحيانية والصّفوية، تلك التى كتبت نقوشها بالخط المسند الجنوبى، ثم اللهجة النبطية،
стр. 422
وكانت نقوشها تكتب بالخط الآرامى، ومنه نشأ تطور الخط العربى فى الحجاز.
وتختلف هذه اللهجات الأربع اختلافات كثيرة عن لغة الجاهليين، وإن كان من المؤكد أن اللهجة النبطية أقربها جميعا إليها، وقد أخذت فى الدثور منذ القرن الثالث للميلاد، بينما أخذت تحل محلها مقدمات الفصحى بحيث لا نصل إلى نهاية القرن الخامس وأوائل السادس الميلادى، حتى تتكامل تكاملا تامّا وتعم بين القبائل النجدية وفى الحيرة وبين الغساسنة، وتصبح هى اللغة العامة المتداولة بين الشعراء. وكانت هناك لهجات قبلية كثيرة ولكن الفصحى ظفرت بها جميعا فى المجال الأدبى، بحيث كان الشعراء فى كل قبيلة ينظمون بها مرتفعين عن لهجاتهم القبلية أو المحلية، وقد حار المستشرقون طويلا فى معرفة اللهجة التى سادت بين القبائل فى الشمال وأصبحت اللهجة الأدبية الشائعة على كل لسان، وأثبتّ أنها لهجة قريش، إذ تآزرت بواعث دينية واقتصادية وسياسية على أن تتم لها هذه السيادة منذ أوائل العصر الجاهلى.
وبحثت عقب ذلك فى رواية الشعر الجاهلى وتدوينه، مبينا كيف تضافرت جهود القبائل العربية ورجالاتها وشعراؤها على حمله جيلا بعد جيل، حتى تسلّمه منهم طبقة من الرواة المحترفين فى البصرة والكوفة، وكان بينهم الثقة الذى لا يرتفع شك إلى روايته مثل المفضل الضبى والأصمعى والمتهم الذى يجمع العلماء على إبطال روايته مثل حماد وخلف الأحمر. وفى تضاعيف ذلك كان الشعر الجاهلى يدوّن، بحيث لا نصل إلى أوائل القرن الثالث للهجرة حتى يتكامل تدوينه. والذى لا شك فيه أنه دخله انتحال كثير، ولم يكن القدماء غائبين عن ذلك، فقد نصّوا على كل ما شكوا فيه من رواة ومن شعر، حتى يحيطوه بسياج من التوثيق، أو بعبارة أدق حتى يحيطوا الصحيح منه. ومنذ أواسط القرن الماضى يلم المستشرقون بالمشكلة، واندفع منهم مرجليوث فى هذا القرن يزعم أن الشعر الجاهلى جميعه منحول على أهله، وهب كثير من المستشرقين يردّون عليه، وممن ذهب مذهبه فى تعميم الحكم على الشعر الجاهلى بالانتحال والوضع طه حسين، وإن لم يتسع بحكمه اتساع مرجليوث. وعلى هدى من آراء طه حسين ومرجليوث جميعا تناول القضية بلاشير فى الجزء الأول من كتابه «تاريخ الأدب العربى». وقد ناقشت آراءه وآراء غيره من الباحثين، وانتهيت إلى أن هناك شعرا منتحلا كثيرا لا سبيل
стр. 423
إلى الثقة به. ولكن بجانبه شعر صحيح رواه الثقات وعلى رأسهم المفضل الضبى والأصمعى، وهو الذى نستند عليه فى دراسة الأدب الجاهلى، دراسة نخضعه فيها لبحث داخلى دقيق. ومن أجل ذلك وقفت عند مصادره لأدل على قيمتها ومدى توثقها.
ومضيت أبحث فى خصائص الشعر الجاهلى، فتحدثت عن نشأته وأنها انطمرت فى ثنايا الجاهلية الأولى، بحيث لا نجد منذ أوائل العصر الجاهلى أو الجاهلية الثانية شيئا نستبين منه طفولته، إنما نجد هذه الصورة النموذجية المعروفة للقصيدة الجاهلية، وهى صورة شاعت بين القبائل جميعا، وكان للقبائل المضرية منها بالذات الحظ الأوفر. ووقفت عند موضوعاته، ولا حظت فيها بقايا من الصلة القديمة بين شعرهم والأناشيد الدينية التى كانوا يرتلونها لآلهتهم، كما وقفت عند معانيه ولا حظت أنها حسية تغلب عليها السطحية والتقريرية والسرعة السريعة، أما ألفاظه فكاملة الصياغة حافلة بالصقل والتجويد، زاخرة بقيم موسيقية وتصويرية كثيرة.
وأفردت بعد ذلك فصولا لأربعة من الشعراء، يعدهم النقاد السابقين المجلّين فى العصر الجاهلى، وهم امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى. واعتمدت فى دراسة الثلاثة الأولين على رواية الأصمعى لدواوينهم، وبدأت بامرئ القيس، فتحدثت عن حياته وكيف دخلتها الأسطورة، ثم تحدثت عن ديوانه، وبحثته بحثا داخليّا، فإذا أكثر ما يضاف إليه تشوبه الريبة بشهادة الأصمعى، واستظهرت أن تكون المعلقة وتاليتها فى ديوانه صحيحتين فى جملتهما ومثلهما القصيدتان الحادية عشرة والسابعة والعشرون لأنهما من رواية أبى عمرو بن العلاء، الثقة الصدوق.
ولا يبقى له بعد ذلك إلا مقطوعات قصيرة تعرض فيها لمن أجاروه ومن رفضوا جواره. واستطعت من خلال هذه النصوص القليلة أن أوزع شعره على دورتين فى حياته، دورة غلب عليه فيها اللهو والعبث، ودورة ثانية غلب عليه فيها الحزن والإحساس بسوء المصير. وأخيرا صوّرت خصائصه الفنية مبينا منزلته فى الشعر الحاهلى وكيف عدّ أياه غير منازع ولا مدافع.
وبحثت بعده النابغة الذبيانى، فتحدثت عن حياته، وكيف أمضاها فى بلاط
стр. 424
المناذرة والغساسنة سفيرا لقومه الذبيانيين، وكيف كان يحتل بين الشعراء مكانة مرموقة فى داخل الجزيرة وفى مكة وسوق عكاظ. وبحثت فى ديوانه على ضوء رواية الأصمعى، وأنكرت منها خمس قصائد على رأسها قصيدته فى المتجردة. وشعره من هذه الناحية أوثق من شعر امرئ القيس لأنه أقرب منه عهدا، ولم تدخل الأسطورة فى حياته ولا فى شعره. ووقفت عندما اشتهر به من مديح واعتذار، مبينا قدرته على الوصف ورصف الموضوعات وتنسيق المعانى وابتكار الصور والأخيلة، يهديه فى ذلك كله ذوق مهذب، هذبته الحضارة التى نعم بها فى الحيرة وعند الغساسنة، فإذا هو صاحب حسّ دقيق وشعور رقيق.
وكان يعاصره زهير بن أبى سلمى المزنى، وقد نشأ فى بنى مرة الذبيانيين بحيث عدّ فيهم، وتصادف أن كان خاله شاعرا وأن كان زوج أمه أوس بن حجر من كبار الشعراء الجاهليين، فحمل عنهما جميعا الشعر، وعاش له يتعلمه ويعلمه شعراء من بيته ومن غير بيته، بحيث أصبح أستاذا لمدرسة عرفت به.
وقد وقفت عند ديوانه وأسقطت منه ما أسقطه الأصمعى. ولا حظت أن الشعر عنده انتهى إلى صورة مثالية من التنقيح والتحبير فى قوالبه وصيغه تحبيرا لا حظه القدماء إزاء بعض مطولاته، فقالوا إنه يصنع القصيدة فى حول كامل وإن له سبع حوليّات.
وهو يضم إلى هذا التحبير عناية بعيدة بالتشبيهات والاستعارات، بحيث يعدّ حقّا شاعر التصوير فى العصر الجاهلى وكان يكثر من الحكم ومن الدعوة إلى الخير والسلام، فلا نغلو إذا قلنا إن شعره يعد صورة رفيعة للخير والحق والجمال.
وانتقلت إلى الأعشى، فتحدثت عن حياته التى كان ينفقها متنقلا فى أنحاء الجزيرة، ثم عرضت لديوانه، واضطررت لبحثه من خلال رواية يكثر فيها الانتحال، وتصادف أن كان راوية شعره مسيحيّا، فنحله كثيرا من الأفكار المسيحية، وتداول شعره القصّاص والوعّاظ المسلمون، فأضافوا إليه أشعارا كثيرة، لغرض العظة والاعتبار. كما أضاف إليه الرواة غير قصيدة، كقصيدته رقم ٢٤ التى تحكى قصة وفاء السموأل. وجعلنا هذا كلّه نشك فى كثير من قصائده وأشعاره، وإذا بنا نرفض أكثرها، ولا نبقى له إلا على نحو عشرين قصيدة.
وقد لا حظت عليه غلوّا فى المديح وتأثرا دقيقا بالحضارة التى عاصرته فى الحيرة، حتى
стр. 425
ليقترب شعره من شعر العباسيين لا فى معانيه فحسب، بل أيضا فى سهولة ألفاظه وخفة أوزانه. ونفس الموضوعين الأساسيين اللذين يدور فيهما شعره لا يختلفان فى شئ عما نقرؤه للعباسيين ونقصد وصفه للخمر وغزله وتدلهه فيه وما قد يلاحظ عنده من المبالغة المسرفة وكثرة التضمين.
وخرجت من هؤلاء الشعراء المبرزين إلى دراسة طوائف من الشعراء اتفقوا فى اتجاه من اتجاهات الحياة الجاهلية، فدرست أولا الفرسان وما يصوّرون فى أشعارهم من بطولتهم ومثاليتهم الخلقية الرفيعة. ثم درست الصعاليك وما يصورونه فى أشعارهم من غاراتهم وما نحسّه عند نفر منهم من تسام وعون للفقراء والمعوزين. ثم بحثت فى شعراء اليهود مبيّنا كثرة ما نحل عليهم. ووقفت عند النصارى من الشعراء أمثال عدىّ بن زيد العبادى، ولا حظت أن شعرا كثيرا زيّف عليه.
ولا نبالغ إذا قلنا إن أكثر ما يضاف إلى أمية بن أبى الصّلت، إن لم يكن كله، موضوع منتحل. وتدور الأشعار المضافة إليه فى موضوعين أساسيين، هما نشأة الكون وما يتصل بها من خلق السموات والأرض، والموت أو الفناء وما يعقبه من العذاب والثواب.
ولما فرغت من بحث الشعر الجاهلى وشعرائه انتقلت أبحث فى النثر الجاهلى، فلاحظت أن الجاهليين لم يعرفوا الرسائل الأدبية المحبرة، ولكنهم عرفوا القصص والأمثال والخطابة وسجع الكهّان. ومن الحق أنهم لم يدوّنوا شيئا من قصصهم، غير أن ما أضافه العباسيون إليهم يصوّر غير قليل من روحه وطبيعته وعرضت لأمثالهم وما كان من ازدهار الخطابة بينهم واصطلاحهم فيها على طائفة من السّنن والتقاليد. وكان كهّانهم يحاولون التأثير البالغ فى نفوس سامعيهم بما يسوقون إليهم من أسجاع وألفاظ غريبة وأقسام وأيمان موهمة. وكل ذلك يؤكد أن الجاهليين حاولوا فى نثرهم ما حاولوه فى شعرهم من روعة الأداء، حتى يستأثروا بقلوب سامعيهم ويخلبوا عقولهم وألبابهم.
стр. 426
٢ - تعليق
واضح أن الصورة السابقة للأدب الجاهلى إنما تعنى بإبراز خطوطه الأساسية، ومن المحقق أن هناك خطوطا صغرى لا يبرزها البحث، فنحن مثلا إنما تحدثنا عن الشعراء المجلّين، وتركنا كثيرين لم نكد نلمّ بهم إلا بعض اقتباسات من أشعارهم نثرناها نثرا فى بعض الفصول. وإنما تركنا تفصيل الحديث عنهم، إما لأن ما وصلنا من أشعارهم قليل لا يسوّى صورة أدبية تامة لهم، وإما لأن الانتحال باد فى كثير مما يضاف إليهم من أشعار وأخبار. ولنقف قليلا عند أصحاب المعلقات الذين لم نفردهم بالدرس، وهم عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة وعبيد بن الأبرص وطرفة وعنترة ولبيد، فأما عمرو والحارث فإنهما مقلاّن، وقد تشكك ابن سلام فى شعر عبيد بن الأبرص ولم يصحح له سوى المعلقة وقال إن شعره مضطرب ذاهب (١). أما طرفة فيقول ابن سلام إنه أشعر الناس واحدة (٢)، وهى قوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... وقفت بها أبكى وأبكى إلى الغد (٣)
وفيها أبدع فى وصف ناقته، إذ لم يترك فيها صغيرة ولا كبيرة إلا رسمها، وكأنه يريد أن ينحت لها تمثالا، لا يغادر ذاكرة الجاهليين. والتصوير والحكمة جميعا يتداخلان فى شعره، وهو من هذه الناحية يشبه النابغة وزهيرا، على أنهما يتقدمانه ويفضلانه. وأيضا فإنه مقل والأسطورة تجرى فى أخباره، ولذلك كله لم نفرده بالبحث. وأما عنترة فقد تحدثنا عنه فى تضاعيف كلامنا عن الفرسان، ولبيد مع أنه لحق الجاهلية عاش طويلا فى الإسلام، فأولى أن يدرس فى المخضرمين.
وقل ذلك نفسه فيمن تركناهم من شعراء الجاهلية غير أصحاب المعلقات، فقد تركنا أوس بن حجر لأن فنه يندمج فى فن تلميذه زهير، ولأن الرواة خلطوا بين
стр. 427
أشعاره وأشعار ابنه شريح (١) وعبيد (٢) بن الابرص. ونرى ابن سلام يسلك معه فى طبقته-وهى الثانية-بشر بن أبى خازم الأسدى وهو مقل، وفى شعره مصنوع كثير (٣). وجميع الطبقة الثالثة عند ابن سلام من المخضرمين، أما الطبقة الرابعة فسلك فيها طرفة وعبيدا ومر رأينا فى أشعارهما. ونراه يضم إليهما عدىّ بن زيد العبادى، وأسلفنا الحديث عنه بين أصحاب الديانات السماوية، كما يضم علقمة بن عبدة ويذكر له ثلاث قصائد جياد، ويقول: لا شئ له بعدهن يذكر (٤)، وهو يشتهر بإحسانه لوصف الظّليم ونعامته (٥). وممن ذكرهم ابن سلام فى الطبقة الخامسة الأسود بن يعفر النّهشلىّ التميمى، ويقول ابن سلام:
«له واحدة طويلة رائعة لاحقة بأجود الشعر لو كان شفعها بمثلها قدمناه على مرتبته (٦)». أما الطبقة السادسة فنظم فيها عمرو بن كلثوم والحارث ابن حلّزة وعنترة، وقد عرضنا لهم بالحديث فيما أسلفنا. وجعل الطبقة السابعة لأربعة مقلين هم حصين بن الحمام المرّىّ والمتلمّس (خال طرفة) والمسيّب بن علس (خال الأعشى) وسلامة بن جندل السّعدى التميمى. أما الطبقة الثامنة فنظم فيها عمرو بن قميئة (عم طرفة) وعوف بن عطية بن الخرع، وهما مقلان. وجعل فى الطبقة التاسعة الحادرة أو الحويدرة، وقصيدته (٧):
بكرت سميّة بكرة فتمتّع ... وغدت غدوّ مفارق لم يربع
من جيد الشعر ومختاره، وليس له وراءها شعر يذكر. أما الطبقة العاشرة فجميعها مخضرمون أو إسلاميون. وأفرد لأصحاب المراثى فصلا، ولكنه لم يسلك بينهم جاهليّا. وتحدث عقب ذلك عن شعراء القرى العربية، وأهمهم أمية ابن أبى الصّلت شاعر الطائف، ومرّ بنا فى حديثنا عن أصحاب الديانات كثرة ما وضع عليه من أشعار. وفى قبيلة عبد القيس بالبحرين شعر جيد، وربما كان خير شعرائها المثقّب العبدى المعاصر للنعمان بن المنذر، وهو يسلك فى المقلين.
стр. 428
وليس وراء هؤلاء الذين ذكرهم ابن سلام شعراء فيهم غناء، سوى الصعاليك، وقد أفردناهم بالحديث. ومما لا شك فيه أن الأسطورة تغلب على أخبارهم، لاندراج كثيرين منهم فى القصص الشعبى، ويشبههم فى هذا الجانب حاتم الطائى الذى طالما تحدث الرواة عن كرمه. وواضح من ذلك كله أننا لم نتسع فى الترجمة لشعراء الجاهلية، لقلة ما بأيدينا من شعر وثيق لهم يقفنا على خصائصهم، ومن ثم اكتفينا بالترجمة للطبقة الأولى منهم تلك التى عنى الرواة بدواوينها وأجمعوا على تقديمها وأنها لا تبارى فى حسن الدّيباجة ورونق الكلام.
стр. 429
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
هذا هو الجزء الثانى من تاريخ الأدب العربى، وهو خاص ب العصر الإسلامى ، وقد وزّعته على كتابين، جعلت أوّلهما لعصر صدر الإسلام وثانيهما لعصر بنى أمية، وكل كتاب ينقسم فصولا تبحث فيها جوانب الحياة فى العصر بحثا ترتّب فيه المقدمات والنتائج موصولة بالنصوص، كما يبحث فيها الأعلام النابهون فى الشعر والخطابة والكتابة بحثا ترسم فيه شخصياتهم وخصائصهم الأدبية.
ودفعتنى النصوص الكثيرة فى عصر صدر الإسلام إلى نقض الفكرة التى شاعت فى أوساط الباحثين من عرب ومستشرقين. إذ ذهبوا يزعمون أن الإسلام انحسر عن أثر ضئيل نحيل فى أشعار المخضرمين. وهو زعم غير صائب، بل هو زعم يسرف فى تجاوز الحق، فقد أتمّ الله على هؤلاء الشعراء نعمة الإسلام، وانتظم كثيرون منهم فى صفوف المجاهدين فى سبيل الله داخل الجزيرة العربية وفى الفتوح. وهم فى ذلك كله يستلهمون الإسلام، ويعيشون له، ويعيشون به، يريدون أن ينشروا نوره فى أطباق الأرض، وقد مضوا يصدرون عنه فى أشعارهم صدور الشّذى عن الأزهار الأرجة. وبالمثل صدروا عنه فى نثرهم، فإذا هم يستحدثون فنونا من النثر ينشئونها إنشاء إذ أنشأوا-على هدى القرآن الكريم-آيات بديعة من المواعظ الدينية، كما أنشأوا ضروبا من المعاهدات والرسائل السياسية والتشريعية.
ثم كان عصر بنى أمية، عصر امتزاج العرب بغيرهم من الأمم وانسياحهم فى مشارق الأرض ومغاربها، مما أذكى فى نفوسهم جذوة الشعر، فإذا هو يحيى فى
стр. 430
أوطان جديدة حياة خصبة، ولا أقصد الكوفة والبصرة والشام ومصر فحسب، بل أيضا خراسان التى أهملها مؤرخو أدبنا، مع ازدهار الشعر فيها ازدهارا رائعا.
وقد أخذ الشعراء يخضعون فى كل مكان لمؤثرات مختلفة: بيئية ودينية وحضارية وثقافية واقتصادية. وفى هذه الأثناء كان الموالى يتعرّبون، وسرعان ما أتقنوا العربية وأعربوا بها عن قلوبهم وعقولهم وأعماق وجدانهم. وليس بصحيح ما يردده المستشرقون من أنهم كانوا يختصمون مع العرب فى العصر الأموى، فقد كانت العلاقة بين الجماعتين حينئذ علاقة برّ وتعاون وإخاء.
والكتاب الثانى يبسط كلّ هذه الظروف الجديدة فى حياة الأمة العربية لعصر بنى أمية وكيف اندفع الشعراء فى ظلالها ينهضون بالشعر ويتطورون به فى فنونه وأغراضه، فقد مضى شعراء الهجاء والفخر فى البصرة ينفذون إلى لون جديد هو النقائض التى بثّوا فيها مناظرة عنيفة فى المثالب والمفاخر القبلية.
كان يجتمع لها معاصروهم فى سوق المربد للاستماع إليها والفرجة والمتعة. ومضى شعراء المديح ينفذون إلى لون جديد هو الشعر السياسى الذى صوّر فيه الزبيريون والخوارج والشيعة وغيرهم نظرياتهم فى الحكم وقيامهم من دونها مدافعين. ولكل فرقة من هذه الفرق فى شعرها طوابع تميزه، فبينما يتميز مثلا شعر الخوارج بتصوير استبسالهم فى الحروب وتهافتهم على حياض الموت مستصغرين الدنيا ومتاعها الزائل نرى شعر الشيعة يتميز بكثرة ما ذرفوا على أئمتهم المستشهدين من دموع غزار، مطالبين بردّ السلطان إلى أصحابه الشّرعيين. وقد اضطرمت فنون الشعر اضطراما لا فى المديح والهجاء والفخر فحسب، بل أيضا فى الغزل، فظهر فيه الغزل العذرى بجانب الغزل الصريح، وزكا شعر الزهد، ونما شعر المجون ووصف الطبيعة، ومدّ الرّجّاز طاقة أراجيزهم، وسلكوا فيها الطّرديّات، فهى ليست عباسية-كما كان يظنّ-إنما هى أموية. وتحول نفر منهم بأراجيزه إلى غاية تعليمية للغة وشواذّها وشواردها، حتى غدت-فى بعض جوانبها-كأنها متون للاستظهار والحفظ. وفى كل هذه الفنون والأغراض تعاقبت تراجم الشعراء.
ولعل عصرا عربيّا لم تزدهر فيه الخطابة كما ازدهرت فى عصر بنى أمية بأنواعها السياسية والحفلية والدينية، فقد اشتدت الخصومات بين الفرق السياسية
стр. 431
وانبرى خطباؤها يذودون عن نظرياتهم مؤلّبين الناس على خصومهم. ونشطت نشاطا عظيما خطابة المحافل بين أيدى الخلفاء والولاة. أما الخطابة الدينية فاحتدمت على لسان الوعّاظ والقصّاص احتداما، استطاعوا فى أثنائه أن يتخذوا لأنفسهم أسلوبا جديدا، يرتفعون فيه عن ألفاظ العامة المبتذلة ويهبطون عن ألفاظ البدو الآبدة، أسلوبا يخاطبون به جميع الطبقات فى المراكز المتحضرة التى يختلط فيها العرب بالأعاجم، وقد أقاموه على الازدواج والترادف وتحلية الكلام بالأخيلة والمقابلات، مع العناية بدقائق المعانى وفتق الحيل للتعبير عن خفيّاتها. وقد أخذوا أنفسهم بتعليم شباب البصرة والكوفة كيف يحسنون الخطابة والمناظرة وكيف يتقنون إصابة الحجة، وبذلك كانوا أول من مهّد لوضع قواعد البلاغة العربية.
ونما تدوين المعارف فى عصر بنى أمية، سواء فيما يتصل بمعارف الجاهلية وأخبارها وأنسابها وأشعارها، أو فيما يتصل بالإسلام وكل ما يرتبط به من تشريع وتفسير وحديث نبوىّ وخطوب جسام. وقد مضوا يصنّفون فى المغازى والتاريخ وقصص الأنبياء، وفى المثالب والأمثال والمواعظ، وفى مسائل العقيدة من قدر وغير قدر، وفى الأغانى والمغنين وطبقاتهم. وترجموا رسائل فى الطب والنجوم والكيمياء، ودوّنوا كثيرا من الخطب ومن الرسائل السياسية والوعظية والشخصية. ونهض كتّاب الدواوين بالكتابة عن الخلفاء والولاة والقواد نهضة واسعة، جعلتهم يستعيرون من الوعاظ أسلوبهم الذى وصفناه، وما زالوا يرقون بكتابتهم، حتى وضعوا الرسائل الأدبية الخالصة. والله أسأل أن يهدينى سواء السبيل.
القاهرة فى ١٥ من يوليه سنة ١٩٦٣ شوقى ضيف
стр. 432
الكتاب الأول
فى عصر صدر الإسلام
стр. 433
الفصل الأول
الإسلام
١ - قيم روحية
تدل كلمة الإسلام باشتقاقها اللغوى على معنى الخضوع والانقياد، وقد تردّدت فى القرآن الكريم بهذا المعنى فى مثل: ﴿(وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ)﴾ ﴿(وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ).﴾ ومن ثمّ أطلقت علما على ديننا الحنيف فى قوله ﵎: ﴿(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً)﴾ وهو دين لسعادة الناس كافة، دين يكمل الديانات السماوية السابقة ويسيطر على كل ما جاء به الرسل، يقول جلّ شأنه:
﴿(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)، ﴾ ويقول: ﴿(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)﴾ ويقول: ﴿(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)﴾ ويقول: ﴿(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).﴾
فالإسلام هو الشريعة الإلهية الأخيرة التى تفرض سلطانها على كل ما سبقها من شرائع سماوية. وهو يقوم على ركنين أساسيين هما: العقيدة والعمل.
وتسمى العقيدة بالإيمان من الأمن بمعنى طمأنينة النفس وتصديقها بما جاء به الرسول ﷺ . وأهمّ أصل فى العقيدة الإسلامية الإيمان بوحدانية الله، يقول : ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)﴾ فلا عبودية لغير الله من أوثان وأحجار وكواكب، وهو ليس إله قبيلة ولا إله شعب بعينه ولا إله نور أو ظلام بل هو ﴿(رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ رب كل شئ فى الكون وخالقه ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)﴾ ﴿(لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ﴾
стр. 434
﴿يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).﴾ قد أحاط علمه بكل ما فى الكون ﴿(وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ).﴾
وعلى مثال علمه الواسع قدرته التى؟ ؟ ؟ على كل ما فى العالم وتقبض على زمامه ﴿(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)﴾ ﴿(وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).﴾ وهو مع قدرته وسلطانه وعقابه للمذنبين الآثمين رحيم بعباده، يقول سبحانه ﴿(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)﴾ ﴿(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ).﴾ وتقترن بالرحمة فى القرآن الكريم المحبة التى يفيضها على عباده مستشعرين لجلاله وكماله المطلق ﴿(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)﴾ ﴿(فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ).﴾ ودائما تصحب محبة الله الدعوة إلى العمل الصالح والنهى عن العمل الخبيث ﴿(فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)﴾ ﴿(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)﴾ ﴿(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)﴾ ﴿(وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)﴾ ﴿(وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ).﴾ ومن محبة الله للناس ورحمته بهم أن اصطفى لهم من خلقه أنبياء يوحى إليهم بما فيه سعادتهم فى الدارين الأولى والآخرة ﴿(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).﴾ وعلى الناس أن يؤمنوا بما جاءوا به من كتب سماوية، خاتمتها الذكر الحكيم ﴿(قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).﴾
ووراء هذا العالم المادى الذى نشاهده عالم غيبىّ، به نوعان من الأرواح خيّر وشرير، والخيّر هو الملائكة الذين يتنزّلون بالوحى على قلوب الرسل ﴿(إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)﴾ ﴿(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ).﴾ وهؤلاء الملائكة ينصرون المؤمنين ويستغفرون لهم ربهم ويتوفّونهم ويكتبون أعمالهم ﴿(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ).﴾ أما الأرواح الشريرة فهى الشياطين المطرودون عن الملأ الأعلى، وهم ينفثون غوايتهم فيمن ضلّوا عن الصراط المستقيم ﴿(وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ)﴾ ﴿(وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ).﴾
стр. 435
ويكثر القرآن من الحديث عن عقيدة المعاد، فالناس جميعا مبعوثون بعد موتهم ﴿(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ)﴾ وهو يوم الحساب، كل يحاسب على أعماله ﴿(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)﴾ ﴿(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ)﴾ ﴿(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)﴾ ﴿(لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً جَزاءً وِفاقاً).﴾
ودائما يردد الذكر الحكيم أن الإنسان مشدود إلى إرادة الله العليا ومشيئته الربانية وأنه ينبغى أن يتدبر إرادته الصغرى بجانب هذه الإرادة الكبرى، فلا يتبع هواه بل يراقب ربه فى كل ما يأتى ويدع. فهناك مشيئة مطلقة هى مشيئة الله التى تسيطر على كل ما فى الكون ﴿(وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)﴾ وبجانبها مشيئة الإنسان التى تجعله مسئولا أمام ربه عن عقيدته وعمله وما كسبت يداه ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ)﴾ ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها)﴾ ﴿(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)﴾ ﴿(لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ)﴾ ﴿(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ).﴾
وتلك هى أصول العقيدة الإسلامية، وبجانبها أعمال من العبادات يجب على المسلم أداؤها، وهى ترجع إلى أربعة أصول: الصلاة والصوم والحج والزكاة.
الصلاة بما يسبقها من طهارة الوضوء وبما فيها من تلاوة للقرآن وتسبيح واستغفار، وقد بيّن الرسول ﷺ للمسلمين كيفيتها وأوقاتها، وفى القرآن الكريم ﴿(قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ)﴾ ﴿(إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً).﴾ والصوم هو صوم شهر رمضان تبتّلا إلى الله ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. .﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. .﴾ ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ﴾
стр. 436
الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ). والحج ﴿(وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)﴾ وهو فى أشهر معلومات، وقد بيّن الرسول للمسلمين كيفيته وما يقترن به من عبادة وذكر لله وتسبيح. ثم الزكاة وهى أن يردّ من مال الغنى على الفقير وعلى الصالح العام للأمة، وهى تذكر فى القرآن دائما مع الصلاة تأكيدا لها وحثّا عليها فى مثل ﴿(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).﴾
ولم يرسم القرآن الكريم للمسلمين معالم عقيدتهم وفروضها العملية فحسب، بل رسم لهم أيضا طريق الفضيلة وما ينبغى أن يتحلّوا به فى سلوكهم وأخلاقهم، حتى ينالوا رضا ربهم ومحبته، يقول ﵎: ﴿(وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً. .﴾ ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. .﴾ ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً. .﴾ ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)﴾ ﴿(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ. .﴾ ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).﴾ ويقول جلّ وعز ناهيا عن الهزء بالناس والغيبة والظن الآثم: ﴿(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. .﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ).﴾
وقد حرّم الإسلام جملة الفواحش ما كبر منها وما صغر ﴿(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ).﴾ ومما حرمه تحريما باتّا آفة الخمر وآفة القمار ﴿(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. .﴾ ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).﴾
стр. 437
ودائما تلقانا فى الذكر الحكيم دعوة المسلمين إلى الخير والارتفاع عن الدنايا والنقائص ﴿(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).﴾
وبهذه القيم الروحية جميعا يقوم الإسلام، فهو ليس عقيدة سماوية وفروضا دينية فحسب، بل هو أيضا سلوك خلقى قويم، إذ يدعو إلى طهارة النفس ونبذ كل الفواحش والرذائل، ومراقبة الإنسان لربه فى كل ما يأتى من قول أو فعل، فإنه معروض عليه يوم القيامة، يوم يجزى كلّ إنسان بما قدّمت يداه. وقد مضى الصحابة يعبدون الله حق عبادته مستشعرين ضربا من القلق على مصيرهم، بعث فيهم الضمير الحى الذى يستشعر صاحبه الخوف من ربه فى سره وعلنه، كما يستشعر الرجاء فى نعيمه ورضوانه.
٢ - قيم عقلية
قضى الإسلام على الوثنية الجاهلية بكل ما طوى فيها من كهانة وسحر وشعوذة وخرافة، وبذلك ارتقى بعقل الإنسان إذ خلّصه من الحماقات والترهات، وقد مضى يحتكم إليه فى معرفة الكائن الأعلى الذى أنشأ الكون ودبّر نظامه، داعيا له إلى أن يتأمل فى ملكوت السموات والأرض، فإن من ينعم النظر فى هذا الملكوت ونظامه يعرف أنه لم يخلق عبثا وأن له صانعا سوّى كل شئ فيه وقدّره، يقول جلّ ذكره: ﴿(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ)﴾ ﴿(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ)﴾ ﴿(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).﴾
وواضح من ذلك أن القرآن اتجه إلى العقل فى دعوته إلى الإيمان بوجود الله وقدرته وتدبيره، وكذلك الشأن فى الإيمان بوحدانيته. وقد فضل الإنسان على سائر مخلوقاته ﴿(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا)﴾ وما كان لهذا الذى
стр. 438
فضّله على كل ما فى الوجود أن يعبد أشياء خلقها الله وسخّرها لفائدته ﴿(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ ﴿(وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ).﴾ وهو إله واحد يدبّر السموات والأرض ﴿(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا)﴾ ﴿(وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ).﴾ وبالمثل يحتكم القرآن إلى العقل فى الدلالة على صحة البعث والنشور فإن من يبعث الحياة فى الكائنات قادر على أن يردّها إليها ﴿(كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ)﴾ ﴿(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)﴾ ﴿(وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).﴾
وينحى الذكر الحكيم باللائمة على من لا يستخدمون عقولهم، فيشبههم بالأنعام التى لا تعقل، ويقول إنهم لا يمتازون فى شئ عن الصّمّ البكم العمى ﴿(لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)﴾ ﴿(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً).﴾ وكثيرا ما تختم الآيات بمثل ﴿(أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ)﴾ ﴿(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)﴾ ﴿(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).﴾
ودائما يدعو القرآن كل مسلم أن يستغل عقله فيما خلق له من التدبر، فيتأمل وينظر ويحكم لا عن عقائد موروثة بل عن دليل ناطق وشهادة صحيحة، ومن ثمّ كانت المعرفة المستبصرة ركنا أساسيّا فى الإسلام، فمن أسلم عن غير فهم وتبصر كان إسلامه منقوصا، إذ الإسلام الصحيح يقوم على الفهم والاقتناع لا على التقليد والمحاكاة للآباء والأسلاف.
ويشير القرآن مرارا إلى ما وهب الإنسان من فضيلة العقل، وأن الله أودع فى هذه الفضيلة خواص تمكّنه من السيطرة على جميع المخلوقات، يقول جلّ شأنه:
﴿(اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ﴾
стр. 439
﴿تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)﴾ ﴿(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ)﴾ ﴿(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ).﴾
فكلّ ما فى الوجود مسخّر للناس ولعقولهم كى يستغلوه وكى يستكشفوه لمنفعتهم.
وكان أول ما نزل على الرسول ﷺ : ﴿(اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)﴾ فالدعوة إلى العلم وأنه نعمة أسبغها الله على الإنسان تقترن بآيات القرآن الأولى. ودائما تتردد فيه الإشادة بالعلم والعلماء فى مثل: ﴿(وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)﴾ ﴿(إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)﴾ ﴿(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ).﴾ وفى كل هذه الآيات دعوة صريحة للمسلمين كى يطلبوا كل علم ويفيدوا منه، ولعله لذلك لم يظهر عندنا تعارض بين الإسلام والعلم فى أى عصر من العصور، بل تعاونا دائما تعاونا مثمرا. وقد رويت عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة تحثّ على العلم والتعلم من مثل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» و «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة» و «العلماء ورثة الأنبياء».
وقد حمّل الإسلام هؤلاء العلماء أمانة الدين الحنيف، وجعل لهم حق الاجتهاد فى فروعه وما يطوى فيه من استنباط للأحكام يقول جلّ ذكره:
﴿(فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)﴾ ويقول: ﴿(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)﴾، ويقول للرسول الكريم: ﴿(وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)﴾، وفعلا كان يستشير أصحابه فى كثير من المسائل ويصدر عن رأيهم (١). ومن هنا أصبح الاجتهاد بالرأى أصلا من أصول الإسلام حين لا يوجد نصّ فى كتاب أو سنّة، روى الرواة عن معاذ أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال له: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب الله
стр. 440
قال: فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنّة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم يكن فى سنّة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيى لا آلو، قال: فضرب بيده فى صدرى، وقال: الحمد لله الذى وفّق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله» (١). وقد نما الاجتهاد بعد وفاة الرسول بحكم الفتوح واتساع الدولة، ولم يكن الخلفاء يفتون بآرائهم إلا بعد استشارة الصحابة (٢). ومصّرت الأمصار وسرعان ما أخذت تظهر جماعات من الفقهاء فى كل مصر إسلامى تحمل للناس تعاليم القرآن وسنة الرسول، وكانوا إذا عرض لهم أمر لم يجدوا حكمه فى القرآن والسنة اجتهدوا وأفتوا الناس فيه برأيهم.
وفى كل ما قدمنا ما يدل بوضوح على أن الإسلام رفع من شأن العقل الإنسانى إذ جعله الحكم فى فروع الشريعة وحثّه على استكمال سيطرته على الطبيعة وقوانينها، كما حثه على التزود بجميع المعارف. وفتح الأبواب واسعة أمامه كى يجتهد فى مسالك الدين العملية. فلا عجب بعد ذلك إذا رأينا المسلمين يتحولون مع الفتوح إلى معرفة كل ما لدى الأمم المفتوحة من تراث عقلى، وسرعان ما شادوا صرح حضارتهم الرائعة، وقد مضوا يستخدمون كل طاقاتهم الذهنية فى جميع صور المعرفة دينية وغير دينية. وكان لما أصّله الإسلام من حق الاجتهاد العقلى أثر واسع فى أن أصبح الإسلام نفسه قابلا للتطور، وحقّا أصوله العقيدية زمنية أبدية، ولكنها أصول أسّست على العقل الصحيح وفسحت له فى التشريع.
٣ - قيم اجتماعية
كان العرب يعيشون فى الجاهلية قبائل متنابذة، لا يعرفون فكرة الأمة إنما يعرفون فكرة القبيلة وما يربط بين أبنائها من نسب، وكل قبيلة تتعصب لأفرادها تعصبا شديدا، فإذا جنى أحدهم جناية شركته فى مسئوليتها، وإذا قتل لها
стр. 441
أحد أبنائها هبّت للأخذ بثأره هبة واحدة. فلما جاء الإسلام أخذ يضعف من شأن القبيلة ويحلّ محلها فكرة الأمة، يقول جلّ ذكره: ﴿(إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)﴾ ﴿(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ)﴾ وهى أمة يعلو فيها السلطان الإلهى على السلطان القبلى وعلى كل شئ، ومن ثمّ أصبحت الرابطة الدينية لا الرابطة القبلية هى التى توحّد بين الناس. وكان أول ما وضعه الإسلام لإحكام هذه الرابطة أن نقل حق الأخذ بالثأر من القبيلة إلى الدولة، وبذلك لم يعد الثأر-كما كان الشأن فى الجاهلية-يجرّ ثأرا فى سلسلة لا تنتهى، من الحروب والمعارك الدموية، بل أصبح عقابا بالمثل، وأصبح واجبا على القبيلة أن تقدّم القاتل لأولى الأمر حتى يلقى جزاءه. وقد مضى الإسلام يحاول القضاء على العصبية القبلية كما قضى على قانونهم القديم: الثأر للدم، يقول عزّ شأنه:
﴿(يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ)﴾، ويقول الرسول فى خطبة حجّة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير، وليس لعربى على عجمىّ فضل إلا بالتقوى.» (١)
وأخذ الإسلام يرسى القواعد الاجتماعية لهذه الأمة، بحيث تكون أمة مثالية يتعاون أفرادها على الخير آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، يسودهم البر والتعاطف، حتى لكأنهم أسرة واحدة، محيت بين أفرادها كل الفوارق القبلية والجنسية، وأيضا فوارق الشرف والسيادة الجاهلية، فالناس جميعا سواء فى الصلاة وجميع المناسك وفى الحقوق والواجبات، وينبغى أن يعودوا إخوة، يشعر كل واحد منهم بمشاعر أخيه، باذلا له ولمصلحة هذه الأمة كل ما يستطيع، فهو لا يعيش لنفسه وحدها، وإنما يعيش أيضا للجماعة يفديها بروحه وبماله وبكل ما أوتى من قوة. ومن ثمّ وضع نظام الزكاة وعدّت-كما قدمنا-ركنا أساسيّا فى الدين، فواجب كل شخص أن يقدم من ماله سنويّا فرضا مكتوبا عليه للفقراء وللصالح العام.
стр. 442
وبذلك أصبح للفقير حق معلوم فى مال الغنى، يؤديه إليه راضيا. ومدّ القرآن الكريم هذا الحق، إذ دعا دعوة واسعة إلى الإنفاق فى سبيل الله، لا بالزكاة فحسب، بل بكل ما يهبه الأغنياء تقربا إلى الله ورغبة فى حسن المثوبة، يقول جلّ وعزّ: ﴿(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً. .﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. .﴾
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. .﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. .﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).﴾
وعلى هذه الشاكلة حاول القرآن الكريم أن يقيم ضربا من العدالة الاجتماعية فى محيط هذه الأمة الجديدة، إذ جعل ردّ الغنى بعض ماله على الفقير وعلى الصالح العام للأمة حقّا دينيّا. إنه لا يعيش لنفسه وحدها، بل يعيش أيضا لأمته ويترابط معها ترابطا اقتصاديّا كما يترابط فى وجدانه وإيمانه. وقد اندفع كثير من الصحابة ينفقون أموالهم جميعها فى سبيل الله، ويؤثر عن الرسول ﷺ أنه قال: «ما نفعنى مال ما نفعنى مال أبى بكر» (١) وكان غيره من أغنياء الصحابة يقتدون به، فقد جهّز عثمان جيش العسرة فى غزوة تبوك بتسعمائة وخمسين بعيرا وأتمّ الألف بخمسين فرسا (٢)، وكثر مال عبد الرحمن ابن عوف حتى قدم عليه فى إحدى تجاراته سبعمائة راحلة تحمل القمح والدقيق والطعام فجعلها جميعها فى سبيل الله (٣). ولم يعن الإسلام فقط بتنظيم العلاقة بين الغنى من جهة والفقير والصالح العام من جهة ثانية، بل عنى أيضا بتنظيم العلاقات العامة كالميراث وتنظيم المعاملات كالتجارة والزراعة والصناعة، فقد أوجب
стр. 443
للعامل أجرا يتقاضاه جزاء عمله، وأوجب على التاجر أن لا يستغلّ الناس بأى وجه من الوجوه، سواء فى الكيل والميزان أو فى التعامل المالى، يقول جلّ شأنه:
﴿(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ)﴾ ﴿(وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ)﴾ ﴿(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ. .﴾ ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا.).﴾ ولا يكاد يكون هناك جانب من جوانب الحياة الاجتماعية إلا وضع فيه الإسلام من السنن والقوانين ما يكفل للناس حياة مستقيمة قوامها العدالة.
وقد نظّم حقوق المرأة ورعاها خير رعاية، إذ كانت مهضومة الحقوق فى الجاهلية، فردّ إليها حقوقها، وجعلها كفؤا للرجل، لها ماله من الحقوق، يقول ﵎: ﴿(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ وأيضا لهن مثل ما للرجال من السّعى فى الأرض والعمل والتجارة، يقول عزّ شأنه: ﴿(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ).﴾ وكان كثير من غلاظ القلوب يئدون بناتهم خشية العار، فحرّم ذلك القرآن، يقول جلّ ذكره:
﴿(وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ).﴾
وحرّم البغاء وشدّد فى النكير عليه حتى القتل. ونظّم الزواج وجعله فريضة محبّبة إلى الله ونعمة من نعمه ﴿(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).﴾ ودعا فى غير آية إلى معاملة الزوجات بالمعروف. ويقول الرسول ﷺ فى خطبة حجّة الوداع: «أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقّا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم وأن لا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن فى المضاجع وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان (أسيرات) لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله. . فاتقوا الله فى النساء واستوصوا بهن خيرا». وأباح الإسلام الطلاق ولكنه جعله أبغض الحلال إلى الله، ويقول جلّ شأنه: ﴿(فَإِنْ﴾
стр. 444
﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)﴾ ﴿(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما).﴾ ويوجب القرآن للزوجة كثيرا من الحقوق حين تفصم العلاقة بينها وبين زوجها، من ذلك أن يسرّحها بإحسان وأن لا يمسك عنها شيئا من صداقها، يقول جلّ وعز: ﴿(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً).﴾
وبكلّ ذلك كفل الإسلام للمرأة حقوقها، وأوجب على الرجل أن يرعاها وأن يقوم بها خير قيام. ومن غير شك ليست هناك علاقة بين الإسلام ونظام الحريم الذى شاع فى العصر العباسى، فإن الإسلام يجلّ المرأة ويرفع قدرها، حتى لنراها فى الصدر الأول من العصر الإسلامى تشارك فى الأحداث السياسية على نحو ما هو معروف عن موقف السيدة عائشة أم المؤمنين فى حروب علىّ وطلحة والزبير، وكانت هى نفسها مصدرا كبيرا من مصادر الحديث النبوى وهدى الرسول الكريم.
٤ - قيم إنسانية
رأينا الإسلام يرفع من شأن المسلم اجتماعيّا وعقليّا وروحيّا، وهو ارتفاع من شأنه أن يسمو بإنسانيته، إذ حرّره من الشرك وعبادة القوى الطبيعية، وأسقط عن كاهله نير الخرافات. وبدلا من أن يشعر أنه مسخّر لعوامل الطبيعة تتقاذفه كما تهوى نبّهه إلى أنها مسخرة له ولمنفعته، ودعاه لأن يستخدم فى معرفة قوانينها عقله ويعمل فكره. وبذلك فك القيود عن روح الإنسان وعقله جميعا، وهيأه لحياة روحية وعقلية سامية، كما هيأه لحياة اجتماعية عادلة، حياة تقوم على الخير والبرّ والتعاون، تعاون الرجل مع المرأة فى الأسرة الصالحة وتعاون الرجل مع أخيه فى المجتمع الرشيد.
стр. 445
ودائما يلفت الذكر الحكيم إلى سمو الإنسان، وأنه يفضل سائر المخلوقات فقد خلق فى ﴿(أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، ﴾ وسوّى وعدّل وركّب فى أروع صورة، ووهب من الخواص الذهنية ما يحيل به كل عنصر فى الطبيعة إلى خدمته، يقول جلّ شأنه: ﴿(وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً).﴾ ويذكر القرآن فى غير موضع أن الإنسان خليفة الله فى الأرض ﴿(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)﴾ ﴿(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ)﴾ فالإنسان خليفة الله فى أرضه ووكيله فيها، خلقه ليسودها، ويخضع كل ما فى الوجود لسيطرته.
وقد مضى الإسلام يعتدّ بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه الإنسانية إلى أقصى الحدود، وقد جاء والاسترقاق راسخ متأصل فى جميع الأمم، فدعا إلى تحرير العبيد وتخليصهم من ذل الرق، ورغّب فى ذلك ترغيبا واسعا، فانبرى كثير من الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق، يفكّون رقاب الرقيق بشرائهم ثم عتقهم وتحريرهم. وقد جعل الإسلام هذا التحرير تكفيرا للذنوب مهما كبرت، وأعطى للعبد الحقّ الكامل فى أن يكاتب مولاه، أو بعبارة أخرى أن يستردّ حريته نظير قدر من المال يكسبه بعرق جبينه ﴿(وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ. .﴾ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ).﴾ وقد حرّم الإسلام بيع الأمة إذا استولدها مولاها، حتى إذا مات ردّت إليها حريتها. وكانوا فى الجاهلية يسترقون أبناءهم من الإماء، فأزال ذلك الإسلام، وجعلهم أحرارا كآبائهم.
ووسّع الإسلام حقوق الإنسان واحترمها فى الدين نفسه إذ نصّت آية كريمة على أن ﴿(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ)﴾ فالناس لا يكرهون على الدخول فى الإسلام، بل يتركون أحرارا وما اختاروا لأنفسهم. وبذلك يضرب الإسلام أروع مثل للتسامح الدينى، يقول ﵎: ﴿(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).﴾ وحقّا اضطرّ الرسول ﷺ إلى امتشاق الحسام، ولكن للدفاع عن دين الله لا للعدوان، يقول جلّ وعز: ﴿(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ﴾
стр. 446
الْمُعْتَدِينَ). وقد دعا الذكر الحكيم طويلا إلى السلم والسلام فى مثل قوله تعالى:
﴿(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)﴾ ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)﴾ لذلك لا نعجب إذا كانت تحية الإسلام هى «السلام عليكم».
فالإسلام دين سلام للبشرية يريد أن ترفرف عليها ألوية الأمن والطمأنينة، ومن تتمة ذلك ما وضعه من قوانين فى معاملة الأمم المغلوبة سلما وحربا، فقد أوجب الرسول ﷺ على المسلمين فى حروبهم أن لا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وعهده (١) لنصارى نجران من أروع الأمثلة على حسن المعاملة لأهل الذمة، فقد أمر أن لا تمسّ كنائسهم ومعابدهم وأن تترك لهم الحرية فى ممارسة عباداتهم. ومضى الخلفاء الراشدون من بعده يقتدون به فى معاملة أهل الذمة معاملة تقوم على البر بهم والعطف عليهم. ومن خير ما يصور هذه الروح عهد عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس فقد جاء فيه أنه «أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم. . . لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شئ من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضارّ أحد منهم» (٢). وكان هذا العهد إماما لكل العهود التى عقدت مع نصارى الشام وغيرهم.
والحق أن تعاليم الإسلام السمحة لا السيف هى التى فتحت الشام ومصر إنى الأندلس، والعراق إلى خراسان والهند، فقد كفل للناس حريتهم لا لأتباعه وحدهم، بل لكل من عاشوا فى ظلاله مسلمين وغير مسلمين وكأنه أراد وحدة النوع الإنسانى، وحدة يعمها العدل والرخاء والسلام.
стр. 447
الفصل الثانى
القرآن والحديث
١ - نزول القرآن وحفظه وقراءاته
اقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن على رسوله ﷺ منجّما فى ثلاث وعشرين سنة. حتى تتهيأ النفوس البشرية لتلقى هذا الفيض الإلهى ﴿(وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً).﴾ وكان أول نزوله فى شهر رمضان وفى ليلة معلومة منه هى ليلة القدر ﴿(شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)﴾ ﴿(إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)﴾ وظلّ ينزل به على الرسول الكريم روح القدس جبريل بلسان عربى بليغ ﴿(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)﴾ ﴿(مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ)﴾ ﴿(نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).﴾ إنه كلام الله أوحى به إلى رسوله المصطفى الذى اختاره لتبليغ آخر رسالاته إلى الناس كافّة. وكان الرسول يأمر بكتابة كل ما ينزل منه وقت نزوله، واتخذ لذلك جماعة من كرام الكاتبين مثل على وعثمان وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب. ومضى كثير من كتبة الصحابة يكتبونه لأنفسهم. على أنهم جميعا لم يعوّلوا على كتابته فقط، إنما عولوا أولا على حفظه وأخذه شفاها عن الرسول الأمى، الذى كان يحفظه ويتلوه على المسلمين. وساروا على سنّته يتحفّظونه ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار مرتّلين له ترتيلا.
ونصوص القرآن صريحة فى أن سوره وآياته جميعا رتّبت بوحى من الله إلى رسوله، يقول جلّ شأنه: ﴿(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً)﴾ ﴿(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ).﴾ فالرسول لم
стр. 448
يرفع إلى الرفيق الأعلى إلا بعد ترتيب القرآن وآياته وسوره ترتيبا كاملا. وتلقّاه عنه الصحابة بهذا الترتيب، وكان حفظته يسمّون بالقرّاء. ولما استحرّ القتل بهم فى يوم اليمامة لعهد أبى بكر خشى عمر بن الخطاب أن يستحرّ بهم فى مواطن أخرى، فيذهب قرآن كثير، فدخل على أبى بكر لسنتين من خلافته، فقال له: إن أصحاب رسول الله يتهافتون فى المعارك، وإنى أخشى أن تأتى عليهم.
وهم حملة القرآن فيضيع وينسى، فلو جمعته! ولم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدره للفكرة ورأى رأيه، وحينئذ عهد إلى زيد بن ثابت-أحد كتبة الوحى الأبرار-بجمعه، فجمعه من العسب واللّخاف وصدور الحفظة المشهود لهم بالإتقان من مثل أبىّ بن كعب وعثمان وعلى وعبد الله بن مسعود وطلحة وحذيفة وأبى هريرة وأبى الدّرداء وأبى موسى الأشعرى وتحريا فى الدقة ومبالغة فى الحيطة أمر أبو بكر أن لا يقبل من حافظ شئ حتى يشهد شاهدان عدلان بصحته وأنه كتب بين يدى رسول الله ﷺ . ولما جمع المصحف حفظ فى بيت أبى بكر، ولما توفى وخلفه عمر انتقل المصحف إليه، وبعد وفاته انتقل إلى حفصة ابنته أم المؤمنين.
وحدث فى عهد عثمان أن أخذ القرّاء فى الأمصار البعيدة يختلفون فى بعض الأداء، ولم يكن بين أيديهم مصحف أبى بكر ليرجعوا إليه، فأفزع ذلك حذيفة بن اليمان الذى كان يغزو فى فتح أرمينية وأذربيجان فهرع إلى عثمان قائلا: إن الناس قد اختلفوا فى القرآن حتى إنى والله لأخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. فهمّ عثمان الأمر، وأجمع رأيه على أن يكتب للمسلمين إماما يرجعون إليه. وبعث إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالمصحف ننسخ منه نسخا، ثم نرده إليك، فأرسلت به إليه، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال عثمان للرهط القرشيين، وهم الثلاثة الأخيرون: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى كتابة شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، فصدعوا بأمره. وردّ عثمان مصحف أبى بكر إلى حفصة وطابت
стр. 449
نفسه، وأمر أن تكتب المصاحف من مصحفه وأن يحملها القرّاء إلى الأمصار، ويقرئوا الناس على حرفها، وأرسل بالمصاحف إلى مكة والكوفة والبصرة ودمشق وغيرها من الأمصار الإسلامية، وأمر بحرق ما سواها، فأطاعته الأمة لما تعلم فى صنيعه من الرشد والهداية. ومضى القرّاء فى العالم الإسلامى يقرئون الناس القرآن على حرف هذا المصحف الإمام، غير أن فروقا حدثت بينهم فى القراءة داخل ذلك الحرف، وهى المعروفة بالقراءات، وقد وقع إجماع المسلمين على سبع منها، وهى قراءات ابن عامر وابن كثير وعاصم وأبى عمرو بن العلاء وحمزة ونافع والكسائى.
وواضح مما قدّمنا أن القرآن الكريم أحيط بسياج متين من المحافظة على نصّه محافظة بالغة، إذ كانت آياته تكتب فور نزولها، وكان الصحابة يكتبونها ويحفظونها ويتلونها فى صلواتهم وعباداتهم مرارا ليلا ونهارا، وسرعان ما جمعه أبو بكر فى مصحف واحد، وأتبعه عثمان بمصحفه، وبعث بنسخ منه إلى مختلف الأمصار الإسلامية.
٢ - سور القرآن وتفسيره فى العهد الأول
عدد سور القرآن أربع عشرة ومائة تختلف طولا وقصرا، وتتضمن السورة طائفة من الآيات، وهى تبلغ عدا البسملة أربع عشرة ومائتين وستة آلاف.
وقد قسّمت تسهيلا لتلاوته إلى ثلاثين جزءا، وكل جزء ينقسم إلى حزبين، وكل حزب ينقسم إلى أربعة أرباع. وهى أقسام لتيسير التلاوة والحفظ.
وقد نزلت كثرة السور بمكة، ومن ثم كانت السور إما مكية وإما مدنية نسبة إلى المدينة، ومعروف أن الرسول ﷺ ظل بمكة داعيا للدين الحنيف ثلاثة عشر عاما انتقل بعدها إلى المدينة حيث ظل بها عشر سنوات إلى أن لبّى نداء ربه. على أن بعض السور تمتزج فيها آيات مكية بأخرى مدنية،
стр. 450
بتوقيف من الله ﷻ . وجميع السور ما عدا فاتحة الكتاب حديث من الله إلى رسوله وأتباعه وخصومه.
والسور المدنية بصفة عامة طويلة، وهى لا تختلف عن السور المكية من حيث الطول والقصر فحسب، بل تختلف أيضا فى المعانى التى تدور عليها. أما السور المكية فإنها تخوض غالبا فى الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده ونبذ عبادة الأوثان والأصنام والإيمان بالبعث والحساب، فمن عمل صالحا فله الجنة والنعيم، ومن عمل سيئا فله النار والجحيم. وتتخلل ذلك الموعظة الحسنة والقصص عن الأمم الماضية والقرون الخالية والحث على التمسك بأهداب الفضيلة ودعوة العقل إلى التدبر فى خلق السموات والأرض، فإن من تدبر فى هذا الخلق عرف أنه لا بد له من صانع أحكم نظامه وأقام ميزانه. أما السور المدنية فإنها تفصّل القول فى العمل الصالح الذى ينبغى على المسلم أن يقوم به، ومن ثمّ كان يكثر فيها التشريع الدينى وكذلك التشريع الاجتماعى بكل ما يتصل به من نظم الأسرة كالميراث والزواج والطلاق وبرّ الوالدين ونظم المجتمع كالبيع والشراء والرهن والمداينة وقسمة الغنائم والزكاة وتحرير الرقيق، مع بيان بعض العقوبات ووجوه التحليل والتحريم. وفى تضاعيف ذلك تذكر العبادات وتتردد الدعوة إلى التوحيد والبعث والحساب والثواب والعذاب والإيمان بالكتب السماوية.
ودعت الحاجة منذ نزول القرآن على الرسول ﷺ إلى تفسير بعض آياته، فكان الصحابة يرجعون إليه ليفسّر لهم بعض ما يتوقّفون فيه، وكان هو أحيانا يبادر فيبيّن لهم بعض الآيات، يقول جلّ ذكره: ﴿(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)﴾ ويقول: ﴿(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ).﴾ وتدل الآية الأولى دلالة واضحة على أن الرسول كان يبين للناس الأحكام القرآنية أمرا ونهيا، فهو المفسر الأول لأوامر الله ونواهيه. وتدل الآية الثانية على أن فى القرآن آيات تحتاج تأويلا، وهى تصرّح بذلك فى وضوح.
стр. 451
وفى مقدمة تفسير الطبرى عن ابن مسعود: «كان الرجل منا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن». ويتضح من نص الآية الكريمة الثانية أنه سمح لأولى العلم بالدين وأصوله من الصحابة أن يفسّروا للناس آى الذكر الحكيم، وهم الذين يسميّهم الله باسم الراسخين فى العلم.
ويحدثنا السيوطى فى كتابه «الإتقان (١)» أنه استطاع أن يجمع أكثر من عشرة آلاف حديث من تفاسير النبى ﷺ والصحابة وأن يدوّنها فى كتاب له بعنوان «ترجمان القرآن». وقد اختصره فى كتاب طبع فى ستة أجزاء سمّاه «الدر المنثور فى التفسير بالمأثور». ويقول إنه اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة هم الخلفاء الراشدون وابن مسعود وأبىّ بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وعبد الله بن الزبير وابن عباس (٢)، ويصرّح بأن الرواية عن أبى بكر وعمر وعثمان نزرة، أما على فقد روى عنه كثير. والآثار المروية عن زيد ابن ثابت قليلة، وكذلك عن أبى موسى الأشعرى وابن الزبير. أما أبىّ فله سند فى الطبرى عن طريق أبى العالية، وعاش ابن مسعود بعده مدة طويلة كوّن فى أثنائها مدرسة فى الكوفة حملت عنه تفسيرا كثيرا، وسنده الجيّد هو السّدّى الكبير عن مرّة الهمدانى. وما نسب إلى كل السابقين من تفسير لا يقاس إلى ما نسب لابن عباس، فهو أكثر الصحابة تفسيرا. وقد حمل تفسيره كثيرون من التابعين أمثال مجاهد وعطاء وعلى بن أبى طلحة. وهو يعدّ المؤسس الحقيقى لعلم التفسير فهو الذى نهجه ووضع أصوله، واشتهر بأنه كان يرجع إلى أهل الكتاب فى قصص الأنبياء، وأنه كان يعتمد على الشعر القديم فى تفسير بعض الألفاظ (٣). وقد حمل ابن جرير الطبرى فى تفسيره الكبير ما أثر عنه وعن الصحابة الأولين من تفسير الذكر الحكيم، وكذلك حمل كل ما أضافته الأجيال التالية لعصر الصحابة فى تفسير هذا النبع الإلهى الذى لا تفنى كنوزه.
стр. 452
٣ - اثر القرآن فى اللغة والأدب
القرآن الكريم مفخرة العرب فى لغتهم، إذ لم يتح لأمة من الأمم كتاب مثله لا دينى ولا دنيوى من حيث البلاغة والتأثير فى النفوس والقلوب، سواء حين يتحدث عن عبادة الله الواحد الأحد وعظمته وجلاله، أو عن خلقه للسموات والأرض، أو عن البعث والنشور، أو حين يشرّع للناس حياتهم ويقيمها على نهج سديد يحقق لهم السعادة فى الدارين: الأولى والآخرة.
وكان الرسول ﷺ لا يكاد يمضى فى تلاوته حتى يروع سامعيه ويأخذ بمجامع قلوبهم، سواء أكانوا من أنصاره أم كانوا من أعدائه، فقد روى الرواة أن الوليد بن المغيرة الذى كان من ألدّ خصومه سمعه يتلو بعض آى الذكر الحكيم، فتوجّه إلى نفر من قريش يقول لهم: «والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق» (١). وواضح أنه أحسّ فى دقة أن آى القرآن تباين كلام الإنس من فصحائهم كما تباين كلام الجنّ الذى كان ينطق به كهّانهم. إنه ليس شعرا موزونا، مما كان يدور على ألسنة شعرائهم، ولا سجعا مقفى مما كان يدور على ألسنة كهانهم وغيرهم من خطبائهم، إنما هو نمط وحده فصّلت آياته بفواصل تطمئن عندها النفس، وتجد فيها وفى كل ما يتصل بها من ألفاظ روحا وعذوبة. إنه نمط باهر، بل هو نمط معجز ببيانه وبلاغته، يقول جلّ ذكره: ﴿(قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)﴾ ﴿(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).﴾ وفعلا عجز العرب عن معارضته عجزا تامّا، فمضوا يجرّدون سيوفهم ويغمدون ألسنتهم، ولم نلبث المعجزة الباهرة أن استعلت،
стр. 453
ولم تلبث أضواؤها أن انتشرت فى الجزيرة العربية، وسرعان ما بزغت على دروب العالم ومسالكه من أواسط آسيا إلى جبال البرانس مما هيأ لانقلاب واسع فى تاريخ اللغة العربية وأدبها، ونجمل ذلك إجمالا. فإن تفصيله لا يتسع له كتاب فضلا عن صحف معدودة.
وأول ما كان من آثار القرآن الكريم أنه جمع العرب على لهجة قريش، وحقّا كانت هذه اللهجة تسود القبائل الشمالية فى الجاهلية، غير أن هذه السيادة لم تكن تامة، فقد كان الشعراء هم الذين يستخدمونها غالبا، أما قبائلهم فكانت تلوك لهجات تختلف عن اللهجة القرشية قليلا أو كثيرا، حسب قربها من مكة أو بعدها. فعمل القرآن على تقريب ما بين هذه اللهجات من فروق واستكمال السيادة للهجة القرشية، إذ كان العرب يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. وأخذت هذه اللهجة تعمّ بين القبائل الجنوبية متغلغلة فى الأنحاء الداخلية التى كانت لا تزال تتكلم الحميرية. ولما فتحت الفتوح ومصّرت الأمصار أخذت لهجته تسود فى مشارق العالم الإسلامى ومغاربه، إذ كانت تلاوته فرضا مكتوبا على كل مسلم، وحثّ الإسلام على حفظه وترتيله، يقول عزّ شأنه: ﴿(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)﴾ ﴿(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى).﴾ وبذلك تحول المسلمون فى جمهورهم إلى حفظة للقرآن، يتلوه كبيرهم وصغيرهم حتى من سكنوا منهم الصحارى البعيدة ورءوس الجبال، مما جعلهم ينطبعون بطوابعه اللغوية.
ومن غير شك أتاح هذا الحفظ للهجة قريش لا أن تنتشر فى العالم الإسلامى فحسب، بل أن تحفظ أيضا وتظل على مرّ العصور جديدة عضّة لا تبلى مع الزمان، وأيضا فإنها اكتسحت ما لقيت من لغات، إذ اتخذتها شعوب -لا حصر لها-لسانها، فأصبح هو اللسان الأدبى من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلسى. فكل من عاشوا فى هذه الأنحاء تكلموا العربية القرشية، إذ حلّت من ألسنتهم محل لغاتهم الأولى وأصبحوا عربا يعبّرون بالعربية عن مشاعرهم وعقولهم، وكل ذلك بفضل القرآن الكريم، فهو الذى حفظ العربية من الضياع، ونشرها فى أقطار الأرض، وجعلها لغة حية خالدة.
стр. 454
وثانى آثاره أنه حوّل العربية إلى لغة ذات دين سماوى باهر، وبذلك أحلّ فيها معانى لم تكن تعرفها من قبله ولا كانت تعرف العبارة عنها، وعادة يقف مؤرخو الأدب عند ألفاظ ابتدأها ابتداء مثل: الفرقان والكفر والإيمان والإشراك والإسلام والنفاق والصوم والصلاة والزكاة والتيمم والركوع والسجود، وغير ذلك من كلمات الدين الحنيف، ولكن من الحق أن المسألة لم تكن مسألة ألفاظ فحسب، إنما كانت أيضا مسألة دين جديد، له مضمونه الذى لم يكن العرب يعرفونه، من الدعوة إلى عباد الله واشتقاق الدليل عليها وعلى وحدانيته.
من خلق السموات والأرض ومن تاريخ الأمم وما يعى من عظات ومن تاريخ الأنبياء وما يحمل من عبر، ومن تقرير البعث والنشور وبسط صور الثواب والعقاب مستعينا فى ذلك بالوجدانات الغريزية وبالعقول وتمييزها وما ينبغى أن يتهيأ لها من صواب الرأى. وإنه ليترقّى دائما من معرفة الحواس إلى معرفة الأذهان، وفى خلال ذلك يشرّع للناس ما ينبغى أن تكون عليه حياتهم من نظام فى أسرهم وفى مجتمعهم بحيث تسودهم الرحمة والعدالة كما تسودهم أخوة عامة، يبذل فيها الغنى للفقير من مال الله ما يعينه، أخوة لا أسود فيها ولا أبيض ولا عربى ولا أعجمى. وكل هذه الدعوة الكريمة التى نزل فيها مائة وأربع عشرة سورة تعدّ ابتداء، بعباراتها وبمعانيها. ونستطيع أن نقول إن كل ما كسبته العربية بعد ذلك من عظات. عند الحسن البصرى وغيره من كبار الواعظين، إنما هو من فيض القرآن ومعينه الغزير.
وبمرّ الزمن أخذت تتكون حوله علوم كثيرة، ولا نبالغ إذا قلنا إن كل ما كسبه العرب من معارف إنما كان بفضل ما غرس فيهم القرآن من حب العلم كما قدمنا فى غير هذا الموضع. وقد أخذوا يشتقون منه مباشرة علوما كثيرة كعلم القراءات وغيره من العلوم التى عرض لها السيوطى فى كتابه «الإتقان فى علوم القرآن» وهو يقع فى مجلدين يصور فيهما ما انبثق حوله من علوم مختلفة كعلم التفسير وعلم أسباب النزول وعلم نحوه وإعرابه وعلم عامّه وخاصّه مما هيأ لظهور علوم البلاغة. ومن العلوم المهمة المتفرعة منه علم الفقه وأصوله. ولا نبالغ إذا قلنا إن العلوم الإسلامية كلها إنما قامت لخدمته، فهو الذى هيأ بقوة لنهضة العرب العلمية.
стр. 455
وثالث آثاره أنه هذّب اللغة من الحوشية ومن اللفظ الغريب، فأقامها فى هذا الأسلوب المعجز من البيان والبلاغة، ويكفى أن تعود إلى معلقة مثل معلقة لبيد أو إلى شعر قبيلة مثل هذيل وديوانها المطبوع لترى كيف أنه حقّا اختطّ أسلوبا جزلا، له رونق وطلاوة، مع وضوح القصد والوصول إلى الغرض من أقرب مسالكه. وهو أسلوب ليس فيه زوائد ولا فضول، فاللفظ على قدر المعنى، وكأنما رسم له رسما، وهو لفظ لا يرتفع عن الأفهام ولا عن القلوب، بل يقرب منها حتى يلمس الشغاف. ومما لا شك فيه أن القرآن هو الذى ابتدع هذا الأسلوب المحكم، بل هذا الأسلوب السهل الممتنع الذى يلذ الآذان حين تستمتع له والأفواه حين تنطق به والقلوب حين تصغى إليه، هذا الأسلوب الذى يميز عربيتنا، والذى استطاع أن يفتح القلوب حين فتح العرب الأمصار فإذا أهلها مشدوهون، وإذا هم يهجرون لغاتهم المختلفة إلى لغته الصافية الشفّافة.
واقرأ فى قوارعه حين يتحدث عن البعث والحساب والعذاب وفى ملاطفاته حين يتحدث عن الرحمة والمغفرة أو حين يتحدث إلى رسوله فإنك ستجد الأسلوب دائما مطردا فى جودة الإفهام وروعته مع سهولة اللفظ ومتانته وسلامته من التكلف، وانظر إلى قوله تعالى يتوعد المشركين وما ينتظرهم يوم يبعثون:
﴿(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ. وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ.﴾
﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).﴾ وقارن بين ذلك وبين ملاطفته جلّ وعز لرسوله فى سورة الضحى: ﴿(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)﴾ فلن
стр. 456
تجد هنا ولا هناك كلمة متوعرة ولا لفظا ضعيفا، إنما تجد روعة الأسلوب دائما وجزالته وعذوبته ونصاعته، مع دقة العبارات واستيفائها لمعانيها، ومع الألفاظ المستحسنة فى الآذان وعلى الأفواه، الألفاظ التى تغذى العقول برحيقها الصافى وتشفى القلوب والنفوس.
وهذا الأسلوب البالغ الروعة الذى ليس له سابقة ولا لاحقة فى العربية هو الذى أقام عمود الأدب العربى منذ ظهوره، فعلى هديه أخذ الخطباء والكتاب والشعراء يصوغون آثارهم الأدبية مهتدين بديباجته الكريمة وحسن مخارج الحروف فيه، ودقة الكلمات فى مواضعها من العبارات بحيث تحيط بمعناها، وبحيث تجلّى عن مغزاها، مع الرصانة والحلاوة. وكان العرب-ولا يزالون- يتحفّظونه، فهو معجمهم اللغوى والأدبى الذى ساروا على هداه، مهما اختلفت أقطارهم أو تباعدت أمصارهم وأعصارهم. يقول الجاحظ: «وكانوا يستحسنون أن يكون فى الخطب يوم الحفل وفى الكلام يوم الجمع آى من القرآن فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة وسلس الموقع. وقال الهيثم بن عدى:
قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها عند زياد-أو عند ابن زياد-فأعجب بها الناس وشهدها عمى وأبى، ثم إنى مررت ببعض المجالس فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان فى خطبته شئ من القرآن» (١). وما ذلك إلا لفتنتهم بأسلوبه وإحكام نظمه، فإنك تجد العبارة منه، بل اللفظة، حين تأتى فى سياق كلام كاتب أو خطيب أو شاعر تضئ، كأنها الشهاب الساطع. ولا يزال أدباء العرب يستقون من فيضه وينهلون من نبعه الغزير ما يقوّم ألسنتهم، ويكفل لهم إحسان القول بدون تكلف أو تعمل أو اجتلاب للألفاظ من بعيد.
٤ - الحديث النبوى
الحديث هو كل ما حكى عن النبى ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وهو بذلك ليس جميعة أقوالا له، بل منه ما يسمّى باسم
стр. 457
الآثار وهى ما رواه الرواة حكاية عن خلقه أو عمله أو فى شأن من شئونه.
وضم إليه الرواة كثيرا مما حكى عن الصحابة وخاصة الخلفاء الراشدين، إذ كانوا يقتدون به فى أقوالهم وأفعالهم عملا بقوله تعالى: ﴿(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)﴾ ويقول الجاحظ: «كانوا يكرهون أن يقولوا سنّة أبى بكر وعمر، بل يقال: سنة الله وسنة رسوله» (١). وفى ابن سعد عن صالح بن كيسان قال:
«اجتمعت أنا والزّهرى ونحن نطلب العلم فكنا نكتب السّنن، قال: وكتبنا ما جاء عن النبى ﷺ ، قال: ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنّة، قال: قلت إنه ليس بسنة، فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيّعت (٢)».
وأهمية الحديث ترجع إلى أن القرآن الكريم يذكر أصول الدين الإسلامى وأحكامه مجملة دون تفصيل وأنه هو الذى يفصّلها، فالقرآن مثلا لم يذكر تفاصيل الصلاة والزكاة وهما من أهم أركان الإسلام، بل اكتفى بمثل قوله تعالى ﴿(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ)﴾ وفصّل الحديث أوقات الصلاة وكيفياتها، كما فصل القواعد والأسس التى يجب اتباعها فى جمع الزكاة وتوزيعها. وهذان أمران من مئات الأوامر التى تناولتها أفعال الرسول وأقواله. فهو الذى بيّن أحكام الشريعة وصوّرها عمليا كما صور المبادئ الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية التى جاء بها الرسول. وبذلك كان مكملا للقرآن، وخاصة حين تجمل أحكامه أو ينبهم المراد من معنى بعض آياته، فقد روى عن على بن أبى طالب أنه لما أرسل ابن عباس ليحاجّ بعض الخوارج أوصاه بأن لا يعارضهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه، ويحتمل معانى مختلفة، وبأن يكون عماده السّنة فلا يجدوا منها مخرجا (٣).
وكان الصحابة يروون حديث الرسول ﷺ فى حياته وكان هو نفسه يحثهم على ذلك، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله: «اللهم ارحم خلفائى قلنا
стр. 458
يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديثى ويعلمونها الناس (١)».
وكان كثيرا ما يقول للوفود: احفظوا أحاديثى واخبروا بها من وراءكم من العشائر، وتتكرر فى خطبة حجة الوداع المشهورة: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب». وكان يرسل فى القبائل رسله ليعلموهم القرآن وسنته. ومرّ بنا أنه لما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: بم تقضى؟ فقال: بكتاب الله، فقال:
فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسوله. فالحديث كان متداولا فى حياة الرسول وكان الرسول يأمر بنشره وإذاعته فى الناس، حتى يقفوا على أوامر الدين ونواهيه وما أخذهم به من آداب ونظم.
ولما توفّى الرسول وانتشر الصحابة فى الأمصار الإسلامية أخذوا يبلّغون كتاب الله وسنة رسوله أينما ذهبوا، وكادوا لا يتركون صغيرة ولا كبيرة من أفعاله وأقواله إلا أحصوها وتناقلوها، واشتهر من بينهم جماعة بكثرة ما روى عنهم فى هذا الباب مثل أبى هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وابن عباس وأنس بن مالك، وكثير غيرهم. حتى إذا ذهب الصحابة خلفهم التابعون يحكون ما سمعوه منهم. وبذلك أخذ الحديث ينتقل من جيل إلى جيل، فالمحدّث يقول: سمعت من فلان عن فلان أو حدثنى أو أخبرنى أو أنبأنى. ومن ثمّ تكوّن سند الحديث وتكونت السلاسل الطويلة من رواته، تلك السلاسل التى تضخمت مع مر الزمن بعامل طول المسافة بين المحدّث ومن ينقل عنهم حتى عصر الرسول. وقد يكون للحديث الواحد أكثر من سند بسبب تفرّق الصحابة فى الأرض، وبذلك تعددت طرق رواية الحديث، كما تعدد حاملوه، وأصبح يحتوى متنا وسندا يطول ويقصر. وطبيعى أن يسمّى حديثا لأنه كان يعتمد على الرواية والنقل الشفوى، وهو يسمّى أيضا السنة، وهى فى اللغة العادة ويراد بها العادة المقدسة التى رويت عن النبى وصحابته، وهى تستعمل فى القرآن بمعنى تقاليد الأسلاف الأولين وقد حوّلها المسلمون إلى التقاليد التى حكيت عن الرسول وصحبه.
ومما لا ريب فيه أن بعض أحاديث الرسول دوّن فى حياته، وخاصة تلك
стр. 459
التى تتصل بالزكاة حين كان يكتب إلى بعض الأقوام يبيّن لهم فرائض دينهم، على نحو ما نجد ذلك فى بعض كتبه المأثورة (١). ورخّص النبى فى بعض الأحوال لنفر من الصحابة أن يكتبوا حديثه، فقد أذن لرجل من الأنصار شكا إليه سوء حفظه لما يسمع منه أن يستعين على حفظه بيمينه (٢)، وعن رافع بن حديج قال:
«قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا حرج (٣)»، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب ما يسمع من حديث فأذن له (٤)، وكان يسمّى صحيفته التى كتبها عن الرسول الصادقة (٥). وفى بعض الأحاديث أن الرسول أمر أصحابه أن يكتبوا لرجل يمنىّ خطبة سمعها منه، تضمنت بعض الأحكام الدينية (٦). على أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصور ما كان من هذه الكتابة لحديث الرسول فى حياته، فإنها كانت محدودة جدّا، وكان الرسول ينهى أن تصبح كتابة حديثه عامة، حتى لا يختلط بالقرآن، وهذا هو السبب فيما أثر عنه من أقوال تنهى عن تدوين حديثه من مثل قوله لأصحابه: «لا تكتبوا عنى شيئا إلا القرآن فمن كتب شيئا فليمحه» (٧).
ومما يدل دلالة قاطعة على أن جمهور الحديث لم يكتب على عهد الرسول أن نجد عمر بن الخطاب يستشير الصحابة فى كتابته، وطفق يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إنى كنت أردت أن أكتب السّنن وإنى ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله تعالى، وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا» (٨). فترك كتابة السنن، وتبعه كثير من الصحابة يروون الحديث ويكرهون أن يكتبه سامعهم مثل زيد بن ثابت وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وأبى موسى الأشعرى، واقتدى بهم كثير من التابعين وإن كانت أخذت تظهر عند بعضهم بوادر كتابته، ولكنه على كل حال لم يدوّن فى القرن الأول للهجرة تدوينا عامّا: وظل الأمر على ذلك حتى تولى عمر بن عبد العزيز
стр. 460
الخلافة (٩٩ - ١٠١ هـ) فأمر بتدوينه. جاء فى حاشية (١) الزرقانى على موطأ مالك: «لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدّونها لفظا ويأخذونها حفظا إلا كتاب الصدقات والشئ اليسير. . حتى خيف عليها الدروس وأسرع فى العلماء (من حفّاظها) الموت، فأمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى (والى المدينة) فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنّة أو حديث فاكتبه. وقال مالك فى الموطأ رواية محمد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم، أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنتّه أو نحو هذا فاكتبه لى فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، علّقه البخارى فى صحيحه، وأخرجه أبو نعيم فى تاريخ أصبهان بلفظ: كتب عمر إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه». وتوفّى عمر قبل أن يصله عمل ابن حزم فى هذا الصدد. وأول مدوّن للحديث بالمعنى الدقيق لكلمة تدوين هو ابن شهاب الزهرى (٢) المتوفى سنة ١٢٤ للهجرة. وأخذ التصنيف والتأليف فى الحديث يكثر بعده ويتسع، وسرعان ما ظهر موطأ مالك ثم تتابعت صحاحه مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم.
وإنما قدمنا ذلك ليقف القارئ على أن الحديث تأخر تدوينه، وكان طبيعيّا أن يتداوله الأعاجم والمولدون قبل هذا التدوين حتى ينهجوا نهج الرسول ويقتفوا أثره، فزادوا ونقصوا فى عبارته وقدموا فى كلماتها وأخّروا وأبدلوا ألفاظا بألفاظ، ومن أجل ذلك رأى أئمة اللغة والنحو من علماء البصرة والكوفة وبغداد أن لا يحتجوا بشئ من الحديث فى إثبات لغة العرب والاستدلال على القواعد التى دونوها، لأن الأحاديث لم تكن تروى بألفاظها كما جاءت عن الرسول إنما كانت-تروى غالبا-بمعانيها، ومن أجل ذلك كان كثير من الأحاديث تتعدد رواياته.