← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

زهير الصقلبى أميرها، مما يدل على حسن منزلته عند القاضى وأنه ظل كاتبا له إلى أن أخذ يحمل بعنف على إسماعيل بن النغريلة اليهودى وزير الأمير باديس لتسلطه-مع من عهد إليهم بالعمل معه من اليهود-على شئون الحكم. واستطاع إسماعيل أن يستصدر أمرا من باديس بنفى أبى إسحق من غرناطة إلى إلبيرة، وربما عاد حينئذ إلى مسقط رأسه فى العقاب. وتوفى إسماعيل بن النغريلة، وخلفه فى وزارة باديس ابنه يوسف فزاد الطين بلة، وضج الناس، وكان أبو إسحق قد عاد إلى غرناطة، فألقى فى أهلها قصيدة كانت أشبه بقنبلة، طالب فيها بقتل يوسف، وردّدها الناس فى الشوارع، وسرعان ما نشبت لسنة ٤٥٩ ثورة ضارية على اليهود ألممنا بها فى حديثنا عن الهجاء، وكان أبو إسحق قد بلغ العقد التاسع من عمره فلبّى نداء ربه فى نحو سنة ٤٦٠ للهجرة. ولم يحمل أبو إسحق عن أستاذه ابن أبى زمنين مصنفاته فى الفقه والحديث فقط. بل حمل عنه أيضا مصنفاته فى الوعظ وأخبار الصالحين. ولا يقل عن ذلك كله أهمية حمله عنه أشعاره الزهدية، مما غرس الزهد فى نفسه مبكرا، وأتيحت له ملكة شعرية خصبة، فاستغلها فى نظم أشعار زهدية كثيرة، ويقول ابن الأبار: «كان من أهل العلم والعمل شاعرا مجودا وشعره مدون وكله فى الحكم والمواعظ والأزهاد» ويقول ابن سعيد: «له ديوان ملآن من أشعار زهدية، ولأهل الأندلس غرام بحفظها» وهو غرام مرجعه إلى ما تمتاز به زهدياته من لغة ناصعة وخواطر منوعة تمس القلوب بما تحمل من فيض المشاعر الدينية، وكأنما يستمد من نبع حماسى يتدفق فى عذوبة. والديوان يستهل بتائية فى مائة بيت وسبعة يفتتحها بقوله: تفتّ فؤادك الأيام فتّا ... وتنحت جسمك الساعات نحتا وتدعوك المنون دعاء صدق ... ألا يا صاح: أنت أريد أنتا ويمضى أبو إسحق فى القصيدة بهذه الصياغة والمعانى التى تؤثر فى الأفئدة تأثيرا يملك على قارئه وسامعه كل شئ من أمره، فالدنيا عروس غادرة، والعاقل يفصل نفسه منها دون رجعة، وويح الإنسان ينام ويستغرق فى نومه حتى إذا وافاه الموت انتبه بعد انخداعه. ويقول إلى كم ينخدع ولا يرعوى، وكان أولى به أن يرفض متاع الحياة الدنيا وكل ما يتصل به من طعام وشراب، فالقوت الحقيقى هو قوت الروح، وحرى به أن لا يحفل بجاه ولا بمال ولا بقصور مشيدة. ولن يضره الفقر إذا ما عرف ربه، ويقول: ما الدنيا إنها تسوء حقبة وتسر وقتا، ويحبها الإنسان مع أنه مسجون فيها وهل يحب أحد سجنه، ولا يغره طعامه فيها فستأكله حطاما، وكل يوم يشهد فيها دفينا، وهو لم يخلق ليعمرها،

стр. 3992

إنما خلق ليعبرها، وحرى به أن لا يحزن على ما فات منها وأن يفرح لما فاز به فى أخراه، وينصحه أن يلازم قرع باب الله فسيفتح له يوما، وينشد: فلو بكت الدّما عيناك خوفا ... لذنبك لم أقل لك قد أمنتا ومن لك بالأمان وأنت عبد ... أمرت فما ائتمرت ولا أطعتا وتشفق للمصرّ على المعاصى ... وترحمه، ونفسك ما رحمتا تفرّ من الهجير وتتّقيه ... فهلاّ عن جهنّم قد فررتا فلو أن الإنسان لم يعمل الصالحات الباقيات وبكى وبالغ فى بكائه حتى بكى دما فإن ذلك لن يتيح له الأمان مادام لم يطع أوامر ربه. ومن عجب أن يشفق الإنسان على عاصى ربه ويرق له قلبه وقلبه لا يرق لنفسه، وعجب عجاب أن يفر من حرارة الهاجرة ولا يتخذ العدة للفرار من جهنم ولظاها المشتعل. وفى قصيدة كافية يقول للدنيا: لقد عهدنا الأم تعطف على أبنائها وأنت تعامليننا بكل قسوة ودون أى شفقة، وفرض على الأبناء أن يبروا أمهاتهم إلا أنت، فواجب عقوقك وبغضك أشد البغض. ودائما ينصح بعمل الخير والإحسان إلى الفقراء ويخوّف أشد التخويف من عذاب النار، وله قصيدة: خمسة وثلاثون بيتا ختمها جميعا بكلمة النار وفيها يقول: ويل لأهل النّار فى النّار ... ماذا يقاسون من النّار تنقدّ من غيظ فتغلى بهم ... كمرجل يغلى على النار ويستمر قائلا: لا تقبل التوبة فى النار، والشقى يفر من النار إلى النار، وويل له من النار، إذ لا راحة له فيها وكيف يرتاح وهو يشرب المهل فيها، ويطعم الزقّوم، وتتدافع سيول النار فى القصيدة حتى نصل إلى نهايتها فنطلب من الله مع أبى إسحق المعافاة والعتق من النار. ومن أروع قصائد الديوان قصيدة من ثلاثة وخمسين بيتا ختمها جميعا بلفظ الجلالة على هذا النحو: يا أيها المغترّ بالله ... فرّ من الله إلى الله ولذ به واسأله من فضله ... فقد نجا من لاذ بالله وقم له والليل فى جنحه ... فحبّذا من قام لله واتل من الوحى ولو آية ... تكسى بها نورا من الله وعفّر الوجه له ساجدا ... فعزّ وجه ذلّ لله

стр. 3993

وهو يقول: يا أيها الغافل عن ذكر ربه، فرّ من عقابه إلى ثوابه والجأ إليه واسأله من فضله تنج من عذاب النار، وتهجّد فى آناء الليل، واتل من القرآن ولو آية يسبغ الله نورها عليك، ومرّغ وجهك فى العفر ووجه الأرض ساجدا لربك متذللا له، فعزّ وجه يتضرع إليه ويخضع وينقاد. وتمضى القصيدة بهذه الروعة فى الصياغة، وكل بيت يدل دلالة جديدة، ومعه جوهرة لفظ الجلالة تضئ جوانبه، وتنزل منه منزلا محكما. (ب) شعراء التصوف ألممنا فى الفصل الأول بنشأة التصوف فى الأندلس وأنها ترتبط بمحمد بن عبد الله بن مسرة المتوفى سنة ٣١٩ وكان يجمع فى عقيدته بين التصوف على طريقة ذى النون المصرى كما يقول ابن الفرضى وبين آراء المعتزلة فى القول بخلق القرآن الكريم وإنفاذ الوعد والوعيد والاستطاعة مع التأويل لبعض آى الذكر الحكيم والأحاديث النبوية. (١) وقاوم عبد الرحمن الناصر هذه العقيدة، كما مرّ بنا، كما قاومها ابنه الحكم والمنصور بن أبى عامر حاجب ابنه هشام المؤيد، وظلت مكتّنة فى كثير من الصدور وظل لها أنصار فى عهد أمراء الطوائف، ويذكر ابن حزم منهم-كما مرّ فى غير هذا الموضع- إسماعيل الرّعينى. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن أول شاعر صوفى استظهر فى وضوح عقيدة التصوف مقترنة بعقيدة الاعتزال هو أبو عمر (٢) أحمد بن يحيى بن عيسى الإلبيرى الأصولى المتوفى سنة ٤٢٩ للهجرة، ويقول عنه تلميذه أبو المطرف الشعبى الذى روى عنه تآليفه «إنه كان متكلما دقيق النظر عارفا بالاعتقادات على مذاهب أهل السنة». ويذكر ابن بسام أن أمر مدينة إلبيرة كان دائرا عليه مع زهده وورعه، بينما يذكر أبو المطرف أنه لقيه بغرناطة وفيها أخذ عنه مصنفاته، وأكبر الظن أنه ظل بإلبيرة حتى خرّبتها قبيلة صنهاجة فى عهد الزيريين كما مر بنا، فانتقل عنها-مع أكثر سكانها إلى غرناطة. وأشاد ابن بسام بنثره

стр. 3994

وشعره وروى له رسالة كتبها سنة ٤١٩ إلى بعض إخوانه وفيها نزعة صوفية واضحة، وسنلم بها فى الفصل التالى، وينشد له ابن بسام: شربت بكأس الحبّ من جوهر الحبّ ... رحيقا بكفّ العقل فى روضة الحبّ وخامر ماء الرّوح فاهتزّت القوى ... قوى النّفس شوقا وارتياحا إلى الرّبّ ونادى حثيثا بالأنين حنينها ... إلهى إلهى من لعبدك بالقرب وخاطبه وحيا إليه مليكه: ... سأكشف-يا عبدى لعينك-عن حجبى فأعلن بالتسبيح: مثلك لم أجد ... تعاليت عن كفء يكافيك أو صحب وهو يقول إنه شرب فى روضة الحب الإلهى رحيقا مصفّى من جوهر الحب امتزج بروحه، فحنّت قوى نفسه شوقا إلى مشاهدة ربه، ونادى-وأنّ فى ندائه-متلهفا على قربه من ربه، وتجلّى له الله رافعا ما بينه وبين عبده من حجبه، فسبّح بحمده منزها له عن أن يكون له كفء أو صحب، وكأنه يشير إلى الآيتين: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ - ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾. والتصوف فى الأبيات-كما ذكر تلميذه أبو المطرف-تصوف سنى، فيه إشارة إلى وحدة الشهود، وليس فيه إشارة إلى الاتحاد بالذات العلية الذى يؤمن به أصحاب التصوف الفلسفى. وكان يقرن إلى تصوفه إيمانه بعقيدة الاعتزال فى مثل قوله: يا محدثا للكلّ كنت ولم تزل ... وكذاك ربّى لا يزال بلا مكان وقوله: جلّت صفات جلاله، فجلاله ... قد جلّ عن تحديد كيف ومن وما وهو يشير بذلك إلى ما يؤمن به المعتزلة من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين فلا يحدّه مكان ولا زمان ولا تحصره كيفية ولا جوهر ولا عرض، تعالى جلال الله عن ذلك علوا كبيرا. ويذكر آسين بلاسيوس-ويتابعه بالنثيا-أن مدينة المرية على البحر المتوسط فى الجنوب الشرقى للأندلس أصبحت فى القرن الخامس الهجرى-بتأثير آراء ابن مسرة-مركزا مهما من مراكز الصوفية القائلين بوحدة الوجود، فظهر فيها محمد بن عيسى الإلبيرى الصوفى وأبو العباس بن العريف (١)، وما ذكرناه آنفا عن أحمد بن

стр. 3995

عيسى الإلبيرى المتوفى قبل ابن العريف بأكثر من قرن يدل على أن اسمه حرّف عند بلاسيوس، فأصبح محمدا بدلا من أحمد، ونفس لقبه الإلبيرى يدل بوضوح على أنه ليس من أهل المرية إنما هو من إلبيرة بجوار غرناطة، وفيها قضى حياته كما مرّ بنا، وكان من أصحاب التصوف السنى بشهادة أشعاره وتلميذه أبى المطرف الشعبى. أما أبو العباس بن العريف المتوفى سنة ٥٣٦ للهجرة فكان من أهل المرية حقا غير أنه لم يكن من أصحاب التصوف الفلسفى على نحو ما سيتضح فى ترجمتنا له عما قليل. وكان يعاصره فى إشبيلية ابن (١) برّجان عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمى المتوفى سنة ٥٣٦ وفيه يقول ابن الأبار: «كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث والتحقق بعلم الكلام والتصوف مع الزهد والاجتهاد فى العبادة وله تآليف مفيدة، منها تفسير للقرآن لم يكمله وشرح الأسماء الحسنى» وله فى التصوف كتاب عين اليقين. وكان يعاصره أبو القاسم (٢) أحمد بن قسى، ويقول ابن حجر فى لسان الميزان إنه رحل إلى ابن العريف فى المرية، وعاد إلى موطنه فى مارتلة بقرب باجة فى غربى الأندلس وكثر أتباعه من المريدين. وحين احتدمت الثورة على المرابطين فى أواخر العقد الرابع من القرن السادس الهجرى ثار عليهم مع مريديه وغلب على شلب ولبلة، وكاتب عبد المؤمن سلطان الموحدين ودخل فى طاعته وانقلب على واليه، وحاول الاستعانة بالنصارى، وشعر بحركته بعض من معه فقتل سنة ٥٤٦. وينسب ابن حجر إليه-كما ينسب إلى ابن برّجان-تحريفهما لمعانى النصوص القرآنية وتأويلها بخلاف الظاهر، وله كتاب خلع النعلين وشرحه فيما بعد ابن عربى. وكان تصوفه هو وابن برّجان-مثل تصوف ابن العريف-تصوفا سنيا، إذ لم ينسب إليهم جميعا مترجموهم كلاما فى وحدة الوجود. وفى رأينا أن اعتناق بعض المتصوفة الأندلسيين لهذه الوحدة تأخر إلى عصر الموحدين. وممن اعتنقها حينئذ أبو عبد الله الشوذى الإشبيلى الملقب بالحلوى، ولى القضاء بإشبيلية فى دولة الموحدين، ثم خلص للتصوف ومزجه بالفلسفة، وقال بوحدة الوجود (٣)، وأهم تلاميذه ابن دهاق إبراهيم بن يوسف الأوسى المالقى المتوفى سنة ٦١١ وفيه يقول ابن الأبار: «كان فقيها مشاورا غلب عليه علم الكلام، فرأس فيه واشتهر به، وله تآليف منها شرح الإرشاد فى علم الكلام

стр. 3996

لأبى المعالى الجوينى إمام الحرمين، وكتاب فى مسائل الإجماع وشرح على محاسن المجالس لابن العريف، سكن مرسية وتجول فى غير بلد، وكان يعتنق رأى أستاذه فى وحدة (١) الوجود. ونلتقى بمحيى الدين بن عربى، وهو أشهر متصوفة الأندلس، وسنخصه بترجمة قصيرة، وظهر فى إثره ابن سبعين (٢) عبد الحق العكى المولود بمرسية سنة ٦١٤ لأسرة كانت على حظ من الجاه والنعمة، وأكب فى بدء حياته على علم المنطق والفلسفة الإلهية والعلوم الطبيعية والرياضية ونظر فى أصول الدين على طريقة الأشعرية كما نظر فى كتب التصوف لابن دهاق وغيره، وانتقل إلى سبتة سنة ٦٤٠، وبها أخذ يدعو لعقيدته الصوفية، وتبعه كثير من الفقراء والعبّاد، وتصادف أن أرسل فردريك الثانى صاحب صقلية إلى علماء سبتة أسئلة فلسفية آملا منهم فى الإجابة عليها، وانتدب ابن سبعين للرد عليها، وكانت ردوده مقنعة حاسمة، مما جعل فردريك يشكره عليها، وظل علماء الغرب يهتمون بها اهتماما واسعا، وأكبّ حينئذ على كتب المتصوفة يستوعبها، واستقامت له فى التصوف عقيدة ظل يدافع عنها بقية حياته، دافع عنها أمام علماء سبتة، حتى إذا ضيّقوا عليه الخناق غادر سبتة إلى بجاية وأقام بها فترة ثم نزل تونس وجادله علماؤها حتى اضطر إلى مغادرتها. ونزل القاهرة، ولم يطب له المقام-على ما يبدو-فى مصر، فغادرها فى أوائل العقد السادس من القرن السابع، ونزل مكة وجاور بها بقية حياته إلى أن توفى سنة ٦٦٩ وبها عقدت صلة وثيقة بينه وبين حاكمها الشريف أبى نمىّ محمد الأول (٦٥٤ - ٧٠٢ هـ). وألف ابن سبعين مصنفات ورسائل متعددة، وأهم مصنفاته: الإحاطة وبدّ العارف وسماه صاحب الفوات: «ما لا بد للعارف منه» وكأنه أراد أن يشرح المراد بالعنوان، وله بجانب ذلك مصنفات فى آداب السلوك والرياضات العملية، ومن أهمها رسالة العهد ورسالة الفقيرية التى يصور فيها معانى الفقر الصوفى وآدابه، وله رسائل فى علم الحروف. وهو بدون ريب صاحب عقيدة صوفية تابعه فيها فرقة صوفية نسبت إليه فسميت السبعينية، وتهمنا عقيدته فيما يتصل بوحدة الوجود إذ غالى فيها غلوا مفرطا بإيمانه بالوحدة المطلقة، بمعنى أنه لا وجود سوى وجود الله فهو عين الخلق وهو عين

стр. 3997

الكون والسموات والأرض، وهو صورة كل موجود. وهو ما جعل الفقهاء والعلماء فى كل مكان يأخذون على يده إذ يجعل حقيقة الوجود بين الله وعباده واحدة، فالله فقط وليس فى الكون سواه، وفى ذلك يقول فى كتابه الإحاطة: من كان يبصر شأن الله فى الصّور ... فإنّه شاخص فى أنقص الصّور بل شأنه كونه، بل كونه كنهه ... لأنّه جملة من بعضها وطرى إيه فأبصرنى إيه فأبصره ... إيه فلم قلت لى: ذا النّفع فى الضّرر والأبيات تحمل فكرته، فالله ترى صوره فى كل شئ: جميل وقبيح وضخم وصغير، وشأنه أو وجوده الكون، والكون كونه وحقيقته، وابن سبعين صورة منه، وكل ما فى الكون من نفع وضرر وخير وشر من صور الله المنبثة فى الوجود وكل موجود. وهو غلو مفرط يباعد بين صاحبه وبين الدين الحنيف مما جعل العلماء والفقهاء فى عصره وبعد عصره يردون عليه ردودا عنيفة مثبتين عليه الإلحاد والزندقة. وحاول كثيرون من أتباعه الدفاع عنه وأن لكلامه ظاهرا وباطنا وأنه ينبغى أن لا يحكم عليه بظاهر أقواله. وممن اشتهر بأنه من أتباعه أبو الحسن الششترى الصوفى المعروف، وسنرى فى ترجمتنا له أنه ينفصل عنه فى اعتقاده بوحدة الوجود. وكأنما بلغت هذه النظرية الذروة عند ابن سبعين، وأخذت سريعا فى الانكسار، فإننا نجد كثرة المتصوفة-وخاصة فى الأندلس والمغرب- تعتنق التصوف السنى. ومن أهم المتصوفة الأندلسيين بعده ابن عباد (١) الرّندى أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النفزى المولود برندة سنة ٧٣٣ وبها منشؤه ومرباه. ورحل منها مبكرا وتجوّل فى بلدان المغرب، وأقام فى سلا على المحيط سنوات طويلة ملازما للشيخ الزاهد الصوفى ابن عاشر أحمد بن عمر، وتحول عنه إلى فاس فاختير فيها إماما وخطيبا لجامع القرويين، ويقول صاحب نفح الطيب إنه كان صوفيا على طريقة الشاذلية، وهى من طرق التصوف السنى، وفى الجزء السادس من هذه السلسلة بمصر حديث مفصل عن هذه الطريقة وأستاذها أبى الحسن الشاذلى وتلميذه أبى العباس المرسى ومريده أو تلميذه ابن عطاء الله السكندرى. ومن أكبر الدلالة على أن ابن عباد الرندى كان شاذليا أن أهم مصنفاته شرحه كتاب الحكم لابن عطاء الله السكندرى، وهى أقوال وخواطر وعظية بليغة. وكان يعاصره لسان الدين بن الخطيب، وله كتاب روضة التعريف بالحب الشريف، وفيه يعرض

стр. 3998

الاتجاهات الصوفية ومسائل التصوف الكبرى من وحدة الوجود والاتحاد والحلول ونظرية المعرفة والمحبة الإلهية وغير ذلك. ونشعر أن نفسه أشربت منازع التصوف السنى، وينعكس ذلك عنده فى بعض القصائد وبعض المقطوعات، وهى جميعا إلى أن تكون خواطر صوفية أقرب منها إلى أن تكون تصوفا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ولا ينطبق ذلك على أشعاره فى الكتاب وحدها بل أيضا على ما يماثلها فى ديوانه: «الصيّب والجهام والماضى والكهام». وبالمثل ينطبق على ما نجد عند ابن خاتمة معاصره وغيره من قصائد وأبيات تحمل أصداء صوفية، لا تساع رنين التصوف منذ أواسط القرن السابع الهجرى فى كل بلد وكل دار. وحرىّ بنا أن نقف قليلا عند ابن العريف وابن عربى والششترى. ابن (١) العريف هو أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجى الأندلسى، ولد بالمرية على البحر المتوسط سنة ٤٨١ وبها كان منشؤه ومرباه حفظ القرآن الكريم-مثل أترابه-فى صباه، وعكف فى شبابه على قراءات الذكر الحكيم والأخذ عن الشيوخ فى التفسير والحديث النبوى والفقه والدراسات اللغوية والأدبية. وأقرأ الطلاب فى المرية ثم فى سرقسطة، وولى الحسبة ببلنسية ويقول ابن بشكوال: «كانت له مشاركة فى أشياء من العلوم وعناية بالروايات وجمع القراءات واهتمام بطرقها وحملتها». وأكبّ على قراءة كتب التصوف، وإذا هو يصبح صوفيا كبيرا، ولا يكتفى بتصوفه، بل يؤلف فيه بعض كتب (٢)، لم يبق منها إلى اليوم سوى كتابه: «محاسن المجالس» وقد نشره آسين بلاسيوس سنة ١٩٣١ وفى نفس السنة نشر عنه دراسة فى مجلة جامعة مدريد، وأعيد نشرها فى أعماله المختارة، وعنى الدكتور الطاهر مكى بنقلها إلى العربية، وهو فيها يتحدث عن حياة ابن العريف وكتابه «محاسن المجالس» ويحلله تحليلا دقيقا ملاحظا أن طريقته الصوفية تقوم على الزهد فى كل ما عدا الله ومحبته، بما فى ذلك الزهد فى المنازل الصوفية العشرة، وهى المعرفة والإرادة والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء والشوق والشكر، فلا معرفة سوى معرفة الله، ولا إرادة مع إرادته. ولا زهد فى شئ، لأن الصوفى لا يتعلق

стр. 3999

إلا بربه غير مفكر فيما سواه، ولا توكل، لأنه يتخلص من كل تدبير لنفسه راضيا بكل ما يكون من تدبير ربه، ولا صبر لأنه ليس هناك ما يحتاج إلى صبر، إذ كل ما يسوقه الله تصحبه الرأفة والرحمة، ولا حزن لأنه لا يوجد شئ مما قدّره الله يوجب الحزن، ولا خوف من عذاب أو عقاب، ولا رجاء فى تحقيق شئ، ولا شوق إلى أى شئ، إذ الصوفى لا يرجو ولا يشتاق إلا ربه: ولا شكر إذ الصوفى لا يميز بين المنحة والمحنة أو النعمة والشدة. ومنزل واحد يتعلق به الصوفى هو المحبة للذات العلية والخلوص لله، بحيث لا يكون هناك أى شئ سواه، يقول: «إنما عين الحقيقة عند القوم أن يكون الصوفى قائما بإقامة الحق له، محسا بمحبته له، ناظرا بنظره له، من غير أن تبقى منه بقية تقف على رسم أو تناط باسم، أو تتعلق بأثر، أو توصف بنعت أو تنسب إلى وقت». وابن العريف بذلك كله يصور مدى اتصال الصوفى الحق بربه، بحيث لا يكون فيه أى شئ من فكر أو جسم سوى الفناء فى الله، وهو بكل ذلك صوفى سنى، ومن الخطأ الظن بأن فى تصوفه شية من وحدة الوجود أو الاتحاد بالله، ومن طريف شعره الصوفى قوله: سلوا عن الشّوق من أهوى فإنّهم ... أدنى إلى النّفس من وهمى ومن نفسى ما زلت-مذ سكنوا قلبى-أصون لهم ... لحظى وسمعى ونطقى إذ هم أنسى فمن رسولى إلى قلبى ليسألهم ... عن مشكل من سؤال الصّبّ ملتبس حلّوا الفؤاد، فما أندى! ولو وطئوا ... صخرا لجاد بماء منه منبجس (١) وفى الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ... فكيف قرّوا على أذكى من القبس (٢) لأنهضنّ إلى حشرى بحبّهم ... لا بارك الله فيمن خانهم فنسى وابن العريف يتحدث عن شوقه لربه، مع أنه أقرب إلى نفسه من وهمه وأنفاسه، ويقول إنهم مذ نزلوا قلبه يقصر عليهم لحظه وسمعه ونطقه، فهم كل أنسه. ويتساءل هل هناك من يبلغهم ما فى قلبه من صبابته وحبه ويقول: ما أروحهم على فؤاده، ولو وطئوا صخرا لتفجر منه الماء، وقد سكنوا فى حشاه المضطرم بحبهم، ويعجب منهم-والوهم يجرحهم-أن يسكنوا فى ناره المتقدة، ويقول إنه سيظل-إلى الحشر-وفيا بعهدهم وحبهم لا ينساهما أبدا، ويقول: قفا وقفة بين المحصّب والحمى ... نصافح بأجفان العيون المغانيا (٣)

стр. 4000

ولا تنسيا أن تسألا سمر الهوى ... متى بات من سمر الأسنّة عاريا (١) فعهدى به والماء ينساب فوقه ... سماء وماء الورد ينساب واديا أقام على أطلالهم ضوء بارق ... من الحسن لا يبقى على الأرض ساليا وهو يطلب من صاحبيه الوقوف بمنازل محبوبه القدسية: بالمحصب فى منى والحمى المكى ليصافح ببصره المغانى والمنازل وشجر الهوى والمحبة من الطلح الذى تعرّى من سهامه وأسنته. ويقول إن عهده به والمطر ينسكب عليه من فوقه وماء الورد يجرى من تحته والنفوس معلقة بما فى الأطلال من ضياء الحسن الذى لا يستطيع أحد أن يسلوه. ويقول: تمشّى والعيون له سوام ... وفى كلّ النفوس إليه حاجه (٢) وقد ملئت غلائله شعاعا ... كما ملئت من الخمر الزّجاجه (٣) وهو يتغزل بمحبوبه مستخدما لغة الحب الإنسانى كما استخدمها فى الأبيات السابقة، فقد رحل والعيون كلها متطلعة إليه، والنفوس جميعا مفتقرة إلى رؤيته، وقد ملئت غلائله الكونية بأشعته. ولابن العريف بجانب ذلك مدائح فى الرسول الكريم سننشد منها أطرافا. وقد توفى سنة ٥٣٦ للهجرة. ابن (٤) عربى هو أبو بكر محيى الدين محمد بن على بن عربى الطائى، ولد بمرسية سنة ٥٦٠ لأسرة تحظى بشئ من الثراء، وانتقل به أبوه فى صباه إلى إشبيلية، وبها نشأ نشأة علمية حفظ فيها القرآن الكريم، ودرس على أحد تلامذة مدرسة ابن حزم المذهب الظاهرىّ فى الفقه، كما درس الحديث النبوى على شيوخه والآداب على معلميها وكتب لبعض الولاة، وتزوج بمريم بنت محمد بن عبدون الباجى، وكانت صالحة ورعة، فدفعته نحو الزهد والتقشف

стр. 4001

والتصوف، فأخذ يجتمع بزهاد ومتصوفة كثيرين، فى مقدمتهم الزاهد أبو عمران موسى بن عمران المارتلى الذى مرّ ذكره بين الزهاد وأبو العباس العريانى المتصوف، ولزم نونّة «فاطمة بنت ابن المثنى» الصوفية سنتين تابعا ومريدا، حتى إذا أشربت روحه كثيرا من الرياضات الصوفية خرج من إشبيلية يتجول فى الأرض، وهو فى نحو الثلاثين من عمره، واتجه إلى مرسية والمرية وهناك كتب رسالته الصوفية «مواقع النجوم» ثم رحل إلى المغرب واستقر فى فاس مدة سنة ٥٩١ منصرفا إلى رياضته الصوفية. وقام بسياحات متعددة فى نواحى المغرب فى مراكش وغير مراكش، ونزل بجاية ولزم أبا مدين الصوفى فترة معجبا بطريقته الصوفية. وألم بتونس وفيها صنف كتابه: «الدوائر الإحاطية فى مضاهاة الإنسان للخالق». وفى سنة ٥٩٨ رحل لأداء فريضة الحج ونزل مكة وتعرف فيها على مكين الدين أبى شجاع زاهر بن رستم الأصفهانى إمام مقام إبراهيم بالمسجد الحرام، وحضر دروسه وسمع عليه الجامع الصحيح فى الأحاديث النبوية للترمذى، وتوثقت بينهما العلاقة، وكانت لهذا الشيخ فتاة جميلة اسمها نظام، فشغف بها ابن عربى حين رآها ونظم فيها ديوانه «ترجمان الأشواق» متخذا منها ومن غزله فيها رمزا لحبه الربانى ومواجده الصوفية، وكتب حينئذ كتابه: «الدرة الفاخرة» فى تراجم شيوخه من الصوفية، وفيه أشاد بشيخه أبى مدين وطريقته. وبارح مكة إلى بغداد والموصل سنة ٦٠١ وأخذ يتجول فى البلدان، ونجده بالقاهرة سنة ٦٠٣ وجادله فقهاؤها فيما يفهم فى أقواله من فكرة وحدة الوجود واتهموه بالمروق من الدين، غير أن السلطان العادل الأيوبى حماه منهم. ويتجه إلى الأناضول ويعجب به كيكاوس ملك قونية، ويؤلف مصنفيه: «مشاهد الأسرار» و «رسالة الأنوار». وينزل بغداد سنة ٦٠٨ ويلتقى بشهاب الدين السهروردى الصوفى السنى، ويتوجه إلى مكة للحج سنة ٦١٠ ويؤلف شرحا على ديوانه ترجمان الأشواق يسميه ذخائر الأعلاق، وفيه يوضح المعانى الصوفية التى تضمنتها أبيات الديوان. ويعود إلى الأناضول وينزل حلب ويحتفى به سلطانها الظاهر غازى، ويؤلف كتابه: «الحكمة الإلهامية». وفى سنة ٦٢٠ يختار دمشق دار إقامة له حتى وفاته سنة ٦٣٨ وفيها ألف «فصوص الحكم» و «الفتوحات المكية» وأذاع ديوانا له، وظل مشغولا بالتأليف حتى الأنفاس الأخيرة من حياته. وكان ابن عربى مكثرا من التأليف حتى يقال إن مؤلفاته ورسائله بلغت نحو أربعمائة، وعنده أن العلوم ثلاثة أنواع: علم العقل ويشمل العلوم المعروفة، وعلم الأحوال ويدرك بالذوق، وعلم الأسرار وهو فوق العلمين السابقين مما ينفث به الروح القدس فى الروع

стр. 4002

ويختص به الأنبياء والأولياء. وأهم من ذلك عقيدته فى وحدة الوجود، وهى التى ملأت كتاباته وأشعاره بالألغاز، واختلف إزاء عباراتها العلماء من معاصريه ومن جاء بعدهم، فمنهم من قال إن لها باطنا سوى ظاهرها وتأوّلها، ومنهم من قال بمروقه من الدين الحنيف لمثل قوله: «إن الحق المنزّه (أى الله) هو الخلق المشبّه» و «إن العالم صورة الله وهوية الله». وربما كان ابن تيمية أكثر خصومه إنصافا له إذ قال إنه أقرب الصوفية القائلين بوحدة الوجود إلى الإسلام، فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر ويقر الأمر والنهى والشرائع على ما هى عليه ويأمر فى السلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات» (١). ويمكن أن تؤوّل العبارتان السالفتان اللتان جعلتا كثيرين يحملون عليه حملات شعواء بسببهما أنه إنما يريد أن الله المنزّه عن الشبه بالخلق يتجلّى فيهم كما يتجلى فى العالم بتكوينه له وخلقه. وبالمثل عباراته الأخرى الموهمة التى إن أخذت على ظاهرها ظنّ به المروق من الدين والضلال، بينما لو أخذت بباطنها حملت على الإيمان والعرفان، وهو ما جعل كثيرين من معاصريه ومن جاء بعدهم يدافعون عنه. وقد سمع على الشيوخ بجانب صحيح الترمذى السالف صحيح مسلم وصحيح البخارى، وأجاز له السلفى فى الإسكندرية أن يحدث عنه، وأجازه ابن الجوزى فى بغداد وابن عساكر فى دمشق، وهم جميعا من كبار المحدثين فى عصره سوى شيوخ كثيرين. وبجانب هذه الشعبة الكبيرة فى عقيدته: شعبة وحدة الوجود تتراءى شعبة ثانية كبيرة هى شعبة المحبة الإلهية، وقد صورها مبكرا فى ديوانه: «ترجمان الأشواق» ومن يقرؤه حسب ظاهره يظن أنه غزل صبّ عاشق لنظام-كما يقال-فتاة الشيخ مكين الدين إمام مقام إبراهيم فى الحرم المكى، إذ يصف جمالها وفتنته به ودارها والأطلال والمنازل ودلالها ومراشفها ولوعته وحرقة فؤاده بحبها وسهام عيونها وفتور أجفانها وكأننا بإزاء شاعر من شعراء الغزل العذرى على شاكلة قوله: مرضى من مريضة الأجفان ... علّلانى بذكرها علّلانى بأبى طفلة لعوب تهادى ... من بنات الخدور بين الغوانى طلعت فى العيان شمسا فلمّا ... أفلت أشرقت بأفق جنانى بأبى ثمّ بى غزال ربيب ... يرتعى بين أضلعى فى أمان فهو محب موجع الفؤاد أو هو مريض مرضا لا يرجى له منه شفاء لما وقع فى قلبه من

стр. 4003

حب هذه الفتاة أو هذه الطفلة اللعوب التى رآها تتبختر بين الغوانى الجميلات. وحين رآها ظنها شمسا فقد ملأت كل ما حوله وكل ما فيه من جنان أو عقل وغير عقل واستقر حبها فى قلبه وملك عليه كل شئ من أمره. وإنه ليفدى بروحه هذا الغزال المصون الذى يرعى بين أضلعه فى قلبه وسويداء فؤاده. والديوان كله-على هذا النحو- غزل وصبابة لا سبيل إلى إطفائها إذ تستمد من وجد ملتاع ما يزال ابن عربى يذوق ناره المحرقة، وليست نار الفتاة نظام، وإنما هى نار المحبة الربانية، وإلى ذلك يشير فى الديوان منشدا: كلّ ما أذكره من طلل ... أو ربوع أو مغان كلّ ما أو نساء كاعبات نهّد ... طالعات كشموس أودمى صفة قدسيّة علويّة ... أعلمت أنّ لصدقى قدما فاصرف الخاطر عن ظاهرها ... واطلب الباطن حتى تعلما وهو لا يذكر فى القصيدة الطلول والربوع والمغانى أو المنازل والنساء المشرقات كالشموس والدمى فحسب، بل يذكر أيضا: نجدا وتهامة والسحب تبكى والزهر يبتسم والمواضع النجدية مثل الحاجر وورق الحمام وأنينها والبروق والرعود والرياح والطرق والجبال والتلال والعقيق والنّقا والرّبى والرياض والغياض، وكل ذلك حين يذكره صفات قدسية علوية يتخذها رموزا لبيان حبه الربانى وأسراره وأنواره فى فؤاده، وهو حب يتسع به حتى ليشمل أصحاب الديانات جميعا، إذ يقول: لقد صار قلبى قابلا كلّ صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت ... ركائبه فالحبّ دينى وإيمانى فدينه الحب الذى يسع جميع الديانات السماوية والوثنية، ولعل هذه شطحة من شطحاته الصوفية، إذ لا يمكن أن يصبح الناس أمة واحدة فضلا عن أن يكون دينها المحبة. وله بجانب أشعاره موشحات صوفية، وتميزها نفس العذوبة والسلاسة اللتين نجدهما فى شعره كقوله فى إحدى موشحاته: يقول والوجد ... أضناه والبعد قد حيّره وهيّم العبد ... والواحد الفرد قد خيّره فى البوح والكتمان ... والسرّ والإعلان فى العالمين

стр. 4004

وفى الحق أنه كان صوفيّا كبيرا، وقد لقبه تلاميذه ومريدوه بالشيخ الأكبر، وسميت طريقته الطريقة الأكبرية. الششترى (١) هو أبو الحسن على بن عبد الله النميرى، ولد بقرية ششتر من عمل مدينة وادى آش فى إقليم غرناطة لأسرة ذات جاه وثراء. بدأ حياته بحفظ القرآن الكريم وجوّده، وعنى بتفسيره والوقوف على معانيه، كما عنى بدراسة الفقه المالكى، حتى نعت بالفقيه وعروس الفقهاء. وأخذ يكبّ فى شبابه على دراسة التصوف ولقاء المتصوفة، حتى استوعب وتمثّل كثيرا من الرياضات الصوفية، وسرعان ما أخذ بمبادئهم فى السياحة والتجول فى البلدان، فطاف ببعض البلاد الأندلسية ثم عبر الزقاق إلى البلاد المغربية، وظل بها متجولا فترة غير قليلة، تلمذ فى أثنائها لأبى مدين المتوفى سنة ٥٩٢ وربما لم يلقه، فأخذ طريقته عن تلاميذه ومريديه. وكان صوفيا سنيا، وشاعت طريقته الصوفية-منذ حياته-فى البلدان المغربية، وملأت-فيما يبدو-نفس الششترى فاعتنقها. ولقى ببجاية ابن سبعين وعرف منه ابن سبعين أنه ذاهب إلى أصحاب أبى مدين فقال له: إن كنت تريد الجنة فسر إليهم وإن كنت تريد رب الجنة فهلمّ إلىّ. وظل طويلا معجبا بابن سبعين حتى كان يعبر عن نفسه فى بعض منظوماته بعبد ابن سبعين، ويقال إن ابن سبعين قال له: لن تدخل فى طريق الصوفية إلا إذا تجردت من متاعك وثيابك ولبست قشبانية الصوفية (يريد رقعهتم البالية) وحملت فى يدك بنديرا (يريد علم الدراويش) ودخلت السوق بهذه الصورة وبدأت بذكر الحبيب. فصنع كما رسم له ابن سبعين، وظل فى السوق ثلاثة أيام يغنى بخواطر المتصوفة منشدا: شويخ من أرض مكناس ... فى وسط الأسواق يغنى (٢) اش علىّ من الناس ... واش على الناس منى واتجه إلى مصر، وأقام بالإسكندرية فترة تعرّف فيها على الشيخ أبى الحسن الشاذلى

стр. 4005

صاحب الطريقة الشاذلية وتلميذه أبى العباس المرسى وحمل عنهما طريقتهما، وبذلك يعترف فى بعض أزجاله قائلا: «شيوخى هم الشاذليّه» وحج مرارا وكان كلما حجّ طوّف فى العراق والشام ثم عاد إلى مصر. ويذكر مترجموه أنه لقى ابن إسرائيل تلميذ ابن عربى فى الشام سنة ٦٥٠ كما لقى أصحاب عمر السهروردى البغدادى المتصوف السنى المشهور مؤلف كتاب عوارف المعارف. وفى أوبة له من الشام إلى ساحل دمياط سنة ٦٦٨ توفّى بقربها ودفن بمقبرتها، وقبره بها. وعليه شاهد يحمل اسمه. وكان لقاؤه لابن سبعين وإعجابه به وذكره لاسمه فى موشحاته وأزجاله مثنيا منوها سببا فى أن يظن بعض معاصريه ومن جاء بعدهم أنه كان-مثله-يؤمن بوحدة الوجود المطلقة، وهو منها براء، إذ بدأ حياته على طريقة أبى مدين المغربى الصوفية السنية، وانتقل منها فى مصر إلى طريقة أبى الحسن الشاذلى الصوفية السنية، فهو صوفى سنى، وفيه يقول الغبرينى: «الشيخ الفقيه الصوفى الصالح العابد، من الفقراء (يريد الصوفية) المنقطعين، له معرفة بالحكمة ومعرفة بطريقة الصالحين الصوفية» ونوّه به ابن عباد الرندى الشاذلى فى رسائله الكبرى، كما نوه به من صوفية الشاذلية أحمد زروق شارح قصيدته: أرى طالبا منا الزيادة لا الحسنى ... بفكر رمى سهما فعدّى به عدنا (١) إذ نقل عنه التنبكتى فى كتابه نيل الابتهاج نعته له بقوله: «الشيخ العارف أحد الصوفية من أبناء الملوك ثم صار من سادات الصوفية، كان يقرأ عليه القرآن والسنن، عارفا بالحديث، وأما علم الأسرار والأنوار والحكم والأذواق فحاز فيه قصب السبق». ويقول المقرى فيه: عروس الفقهاء وإمام المتجردين وبركة لابسى الخرقة الصوفية. . كان مجوّدا للقرآن قائما عليه عارفا بمعانيه، من أهل العلم والعمل، جال فى الآفاق ولقى المشايخ، وحج حجات، وآثر التجرد والعبادات، وصنّف كتبا مختلفة، منها: «العروة الوثقى» و «المقاليد الوجودية فى الأسرار الصوفية» و «الرسالة القدسية فى توحيد العامة والخاصة» و «المراتب الإيمانية والإسلامية والإحسانية». ومن شعره قوله: لقد تهت عجبا بالتجرّد والفقر ... فلم أندرج تحت الزمان ولا الدّهر وجاءت لقلبى نفحة قدسيّة ... فغبت بها عن عالم الخلق والأمر وصلت لمن لم أنفصل عنه لحظة ... ونزّهت من أعنى عن الوصل والهجر

стр. 4006

وما الوصف إلا دونه غير أننى ... أريد به التشبيب عن بعض ما أدرى وذلك مثل الصّوت أيقظ نائما ... فأبصر أمرا جلّ عن ضابط الحصر فقلت له الأسماء تبغى بيانه ... فكانت له الألفاظ سترا على ستر وهو يتيه عجبا وزهوا بالاجتهاد فى العبادة والإمامة لفقراء الصوفية، فلا يهمه أى شئ مما يتعلق به الناس من جاه السياسة ومتاع الحياة، فحسبه نفحة قدسية امتزجت بقلبه، فغاب عن الكون وكل ما فيه من عالم الخلق والتدبير. ويقول وصلت إلى رضوان الله ومحبته، ويستدرك فإنه غنىّ عن الوصل والهجر ولا وصف يحيط به، وما تشبيبى وغزلى إلا بعض ما أشعر به، وكأنى مثل نائم أيقظه صوت فأبصر من جلال الله ما يجلّ ويعظم عن الحصر، وحتى أسماؤه الحسنى لا تجلو هذا الجلال، إذ لا تحيط به ألفاظ، بل لكأنما الألفاظ تضيف دونه حجابا إلى حجاب، وله فى إحدى موشحاته: خلعت عذار عشقى فى غرامى ... وهمت وقد حلا عندى هيامى بمن أهوى وكاسات المدام ... مذهبى دنّى لائمى دعنى الهوى فنّى ببذلى فى الهوى روحى ومالى ... عشقت فما لعذّالى ومالى وهو يقول إنه لم يعد يتحفظ أو يتحشم فى غرامه، بل لقد أصبح يتهتك فيه، لا يستحى ولا يخجل، إذ جمع به هيامه بمن يهوى بل لقد حلاله هذا الهيام كما حلاله الإكباب على كاسات المدام حتى ينتشى بشراب المحبة الإلهية إلى أقصى حد ممكن، وهو ليس شرابا عاديّا بل هو رحيق صاف، وهو يتخذ دنّه مذهبا له حتى يبهج روحه وقلبه بهذا الحب الربانى الذى بذل فيه روحه وكل ما يملك، فما للعذّال اللائمين وماله. وقد اندلع فى فؤاده هذا الحب وإنه ليشرب رحيقه من دنّ قدسى عظيم. ومن قوله فى موشحة ثانية: يا حبيبى بحياتك ... بحياتك يا حبيبى رقّ لى وانظر لحالى ... أنت أدرى بالذى بى أنت دائى ودوائى ... فتلطّف يا طبيبى وهى كلمات تكاد تطير من الفم طيرانا لخفتها وعذوبتها وسلاستها. ولهذه السلاسة والعذوبة كان يكثر إنشاد شعره وموشحاته وأزجاله فى حلقات المتصوفة من شاذلية وغير شاذلية، ونوّه بها جميعا مترجموه، يقول الغبرينى: «شعره فى غاية الانطباع والملاحة،

стр. 4007

وتواشيحه ونظمه الزجلى فى غاية الحسن» ويقول ابن عباد الرندى: «فى موشحاته وأزجاله حلاوة، وعليها طلاوة». (ج) شعراء المدائح النبوية طبيعى أن يتغنى شعراء الأندلس بمدائح الرسول ﷺ ، مثلهم فى ذلك مثل الشعراء فى جميع البلدان العربية الإسلامية، إذ هو المثل الكامل لكل مسلم فى تقواه ونسكه وورعه وامتثاله لأوامر ربه. وقد أخذت هذه المدائح تتكاثر فى الأندلس منذ عصر أمراء الطوائف الذى أصبحت فيه الأندلس دولا وإمارات كثيرة، مما جعل نصارى الشمال ينشطون لاسترداد الأندلس، واستردوا طليطلة وبعض حصون وقلاع، وفرضوا على أمراء الطوائف المتنابذين إتاوات كانوا يؤدونها لهم خانعين. وهو ما جعل غير شاعر أندلسى يفزع إلى مديح الرسول الكريم آملا أن تستمد الأندلس منه الأيد والقوة فى نضال أعدائها وأعداء الدين الحنيف. واتسع ذلك منذ القرن السادس الهجرى حتى أصبح المديح النبوىّ غرضا كبيرا من أغراض الشعر الأندلسى، ونحن نجده فى هذا القرن على لسان ابن السيد البطليوسى المتوفى سنة ٥٢١ وله فى مخاطبة مكة مهبط الوحى النبوى ورسولها الكريم شعر (١) طريف، وبالمثل نجده على لسان أبى عبد الله بن أبى الخصال كاتب يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، وله مع مديح الرسول مرثيتان (٢) فى مقتل الحسين بكربلاء. ويسوق المقّرى فى الجزء الأخير من كتابه نفح الطيب لابن العريف الصوفى أشعارا نبوية يذكر أنه نقلها عن كتابه: «مطالع الأنوار ومنابع الأسرار» ومن قوله فى إحداها: (٣) وحقّك يا محمّد إنّ قلبى ... يحبّك قربة نحو الإله جرت أمواه حبّك فى فؤادى ... فهام القلب فى طيب المياه فهو محب واله للرسول ﵇، ويستمر قائلا إنه نال به فى دنياه فرحة وسرورا، وسينال به فى أخراه جاها ونعيما إذ يحب محبوب الإله وصفيّه، ويتذلل له فى بعض مدحه قائلا إنه عبد مسترق له ويطلب منه العتق والرضا وأن يكون له ملاذا وملجئا. ويختم

стр. 4008

المقرى اختياراته من كتابه بقصيدة له تفتتح جميع أبياتها بصلاة الله على النبى الهادى العظيم على هذا النمط: صلّى الإله على النبىّ الهادى ... ما لاذت الأرواح بالأجساد صلّى عليه الله ما اسودّ الدّجى ... فكسا محيّا الأفق برد حداد صلّى عليه الله ما انبلج السّنا ... فابيضّ وجه الأرض بعد سواد ويظل يدعو الله أن يصلى على رسوله ما هطلت السحب بالغيث وتغنى الطير على الأغصان، إذ خصّه بالنور والإرشاد وختم النبوة كتابه الهادى. ولا تتضح عند ابن العريف فيما ساقه له المقرى من مديح نبوى فكرة الحقيقة المحمدية التى وجدت منذ الأزل ودارت حولها الأفلاك ودار الوجود، مما ردده بعض المتصوفة وبعض مداح الرسول فى المشرق، مما يؤكد ما قلناه من أن ابن العريف كان صوفيّا سنّيّا. ونلتقى بأبى الحسن بن لبّال وتشوقه (١) الحار إلى الروضة المقدسة الطاهرة لزيارة سيد ولد آدم، واشتهر صفوان بن إدريس بقصره (٢) أمداحه على آل البيت وإكثاره من تأبين الحسين، ولابن المناصف محمد بن عيسى المتوفى سنة ٦٢٠ أرجوزة (٣) فى مئات من الأبيات فى مديح الرسول. ونلتقى بمعاصره أبى زيد الفازازىّ وسنخصه بكلمة. وحين اشتد الضعف بدولة الموحدين وأخذت المدن الأندلسية الكبيرة تسقط مدينة وراء مدينة فى حجر النصارى الإسبان الشماليين تكاثر المديح النبوى إذ اتخذه الشعراء الأندلسيون أداة للاستغاثة والاستنجاد بالرسول الكريم لإنقاذهم من محنتهم، وكانوا لا يكتفون بنظم الأشعار النبوية إذ كانوا يرفقونها برسائل إلى القبر النبوى الشريف واصفين ما يعانيه وطنهم من محن خطيرة، وسنلم بطرف من هذه الرسائل فى الفصل التالى مع الترجمة لابن الجنان المتوفى فى عشر الخمسين وستمائة، وقد أنشد له المقرى فى الجزء السابع من نفح الطيب طائفة رائعة من مدائحه النبوية، ويستهلها بمخمس (٤)، بديع جعل شطره الخامس: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً»﴾ وفيه عرض عرضا رائعا سيرته المنيرة ومعجزاته الباهرة. وكان يعاصره إبراهيم (٥) بن سهل الإشبيلى، وكان يهوديّا

стр. 4009

كما أسلفنا، ونشأ يقرأ ويدرس مع الشباب الإشبيلى المسلم ويختلط به، وشرح الله صدره للإسلام فأعلن فى بواكير شبابه إسلامه، وكان شاعرا ماهرا، وله ديوان طبع مرارا، وبه قصيدة عينية تحمل تشوقا إلى يثرب والحجاز، وأنشد له المقرى منظومة (١) نبوية بديعة لعله استلهم فيها مخمس ابن الجنان إذ جعل شطرها الخامس الذى تدور عليه نفس شطر ابن الجنان السالف وقد ختمها بقوله: يا شوقى الحامى إلى ذاك الحمى ... فمتى أقضّيه غراما مغرما ومتى أعانقه صعيدا مكرما ... بضمير كل موحّد ملثوما صلّوا عليه وسلموا تسليما ولأبى الحسن الرّعينى الإشبيلى المتوفى سنة ٦٦٦ قصيدتان حجازيتان وأخريان ربّانيتان (٢). ولحازم القرطاجنى المترجم له بين أصحاب الشعر التعليمى مدحتان (٣) نبويتان بنى أولاهما على شطر له ثان من معلقة امرئ القيس وبنى الثانية بنفس النظام: شطر له وشطر من لامية امرئ القيس: «ألا عم صباحا أيها الطلل البالى». ويلقانا فى كتاب الكتيبة الكامنة فى شعراء المائة الثامنة مدائح نبوية (٤) لغير شاعر مثل ابن الصائغ وأبى جعفر بن جزىّ، وله مدحة على غرار مدحة حازم القرطاجنى الثانية. وكان قد أصبح تقليدا فى غرناطة أن يحتفل بالمولد النبوى احتفالا رسميا كل عام وأن تلقى فيه مدائح نبوية. وتسمى مولدية، وللسان الدين بن الخطيب طائفة من تلك المولديات، وهى مسجلة فى ديوانه والجزء الأول من أزهار الرياض والجزء الأخير من نفح الطيب، ودائما يبدؤها بالحنين إلى الحجاز، ثم يتغنّى بفضائل الرسول ومعجزاته الباهرة، وينهى المولدية غالبا بمديح السلطان الذى أقيم الاحتفال النبوى فى عهده، ومن تصويره لحنينه الملتاع إلى الاكتحال برؤية القبر الطاهر قوله: إذا أنت شافهت الديار بطيبة ... وجئت بها القبر المقدّس والّلحدا فنب عن بعيد الدار فى ذلك الحمى ... وأذر به دمعا وعفّر به خدّا

стр. 4010

وكان يعاصره ابن جابر الأندلسى وسنخصه بكلمة، وعاصرهما ابن خاتمة وفى ديوانه مدائح نبوية بديعة، وأنشد المقرى لابن زمرك مولديات له فى الجزء الثانى من أزهار الرياض، ومن قوله فى إحداها مخاطبا الرسول ﷺ : وأنت حبيب الله خاتم رسله ... وأكرم مخصوص بزلفى ورضوان وأنت لهذا الكون علة كونه ... ولولاك ما امتاز الوجود بأكوان ولولاك للأفلاك لم تجل نيّرا ... ولا قلّدت لبّاتهنّ بشهبان وواضح أنه يقتبس من البوصيرى وأمثاله فكرة الحقيقة المحمدية وأن الله اصطفاه قبل نشأة الكون وأنه علة الوجود ومطلع النور فى الأفلاك، ولولاه ما سطعت فى لبّاتها ومواضع القلائد من جيدها شهبانه وشعله النيرة، وحرى أن نتوقف قليلا بإزاء أبى زيد الفازازى وابن جابر الوادى آشى. أبو زيد (١) الفازازى هو أبو زيد عبد الرحمن بن أبى سعيد بن يخلفتن، ولد بقرطبة، وبها منشؤه، وبمجرد أن حفظ القرآن الكريم أكبّ على حلقات الشيوخ يتزود من الحديث النبوى وروايته والفقه وأصوله وعلم الكلام واللغة والنحو والأدب والشعر، وتفتحت موهبته الأدبية مبكرة، وسال ينبوع الشعر متدفقا على لسانه، وعمل فى الدواوين الحكومية، وحظى بمكانة رفيعة عند أبى إسحق والى إشبيلية لأخيه الناصر الخليفة بمراكش (٥٩٢ - ٦٠٩ هـ) ولابن أخيه المستنصر (٦٠٩ - ٦٢٠ هـ) وعمل بدواوين عمه أبى العلاء إدريس فى ولايته على إشبيلية وقرطبة، وتطورت الظروف ونودى بأبى العلاء-وهو فى الأندلس-خليفة للموحدين بمراكش. وجاز الزقاق إلى عاصمته سنة ٦٢٦ واستقدم أبا زيد للعمل فى دواوين مراكش ولباه راضيا، ولم تكد تمضى بضعة أشهر حتى لبى نداء ربه سنة ٦٢٧ ويقول لسان الدين بن الخطيب فى ترجمته إنه كان فاضلا سنّيا شديد الإنكار والإنحاء على أهل البدع، وكان متلبسا بالكتابة عن الولاة والأمراء ملتزما بذلك مع كره له وحرصه على الانقطاع عنه. . ويقول لسان الدين أيضا عن أبى زيد إنه كان آية الله فى سرعة البديهة وارتجال النظم

стр. 4011

والنثر وفور مادة وموالاة استعمال. وله فى الزهد عملان: عمل طبع بدار إحياء الكتب العربية فى القاهرة باسم «القصائد العشرية فى النصائح الدينية والحكم الوعظية» ولعلها هى التى سماها لسان الدين المعشرات الزهدية. ويقول إنه افتتحها بقوله: «المعشرات الزهدية، والمذكرات الحقيقية الجدية ناطقة بألسنة الوجلين المشفقين، شائقة إلى مناهج السالكين المستبقين، نظمها متبرّكا بعبادتهم، متيمنا بأغراضهم وإشاراتهم، قابضا عنان الدعوى عن مداناتهم ومجاراتهم. .». والمعشرات قصائد تشتمل كل منها على عشرة أبيات فأكثر، منظومة على جميع الحروف الهجائية. وكان له بجوار هذا الديوان ديوان ثان بنفس النسق نظمه فى العبادة والنسك وسماه: «المعشّرات الحبّيّة» وافتتحها بقوله: «النفحات القلبية، واللفحات الشوقية، منظومة على ألسنة الذاهبين وجدا، الذائبين كمدا، نظم من نسج على منوالهم» وله يناجى ربه ويدعوه ضارعا: إليك مددت الكفّ فى كلّ شدّة ... ومنك وجدت الّلطف فى كل نائب فحقّق رجائى فيك يا ربّ واكفنى ... شمات عدوّ أو إساءة صاحب وكم كربة نجّيتنى من غمارها ... وكانت شجا بين الحشا والتّرائب فيا منجى المضطرّ عند دعائه ... أغثنى فقد سدّت علىّ مذاهبى وسمّى مجموعته فى المدائح النبوية «الوسائل المتقبّلة» وأضاف: «والآثار المسلّمة المقبّلة مودعة فى العشرية النبوية» نظم من اعتقدها من أزكى الأعمال، وأعدّها لما يستقبله من مدهش الأهوال، وفرّغ خواطره لها على توالى القواطع وتتابع الأشغال، ورجا بركة خاتم الرسالة، وغاية السؤدد والجلالة. . والله-سبحانه-ولىّ القبول للتوبة، والمنّان بتسويغ هذه المنة المطلوبة، فذلك يسير فى جنب قدرته، ومعهود رحمته الواسعة ومغفرته» ولعل هذه المجموعة هى نفسها المطبوعة فى دار إحياء الكتب العربية باسم «الوسائل المتقبلة فى مدح النبى ﷺ ». وهى مخمسات على الحروف الهجائية من الهمزة إلى الياء، والمخمس قد يشتمل على عشرين دورا، وقد يقل عدد الأدوار فيه حتى أحد عشر، ومن قوله فى المخمس النونىّ عن رسول الله: بدا قمرا مسراه شرق ومغرب ... وخصّت بمثواه المدينة يثرب وكان له فى سدّة النور مضرب ... نجىّ لربّ العالمين مقرّب (١) حبيب فيدنو كلّ حين ويستدنى

стр. 4012

من العالم الأعلى وما هو منهم ... شبيه بهم فى الوصف زاك لديهم رحيم بكلّ الخلق دان إليهم ... نصيح لأهل الأرض حان عليهم أضاء لهم صبحا وصاب لهم مزنا (١) ... وهو يقول إن الرسول ﷺ قمر استضاءت بأشعة نوره المشارق والمغارب، وخصّت به داره يثرب، شرف لها ما بعده شرف، ونزل فى السماء، حين صعد إليها بمعراجه، عند سدرة المنتهى، نجيّا لرب العالمين مقربا إليه حبيبا، بل أقرب محبوب إليه. وإنه لمن عالم الملائكة الأعلى وإن لم يكن منهم، لشبهه بهم فى الوصف وطهارته وإنه للرحمة المسداة إلى الخلق مع النصح الخالص لوجه ربه ومع الحنو والعطف، بل إنه شمس يضئ الوجود صبحا وينسكب عليه غيثا غدقا. ولأبى زيد وراء هذا الديوان نبويات كثيرة أنشد منها المقرى فى النفح شذورا، من ذلك قوله فى الرسول: تقدّم كلّ العالمين إلى مدى ... تظلّ به الأوهام ظالعة حسرى (٢) وعفىّ رسوم الكافرين وأهلها ... فلا قيصر من بعد ذاك ولا كسرى وخصّ بتشريف على الناس كلّهم ... بنور سماء ناقلوه عن الإسرا ترقّى إلى السّبع الطّباق ترقّيا ... حقيقا ولم يعبر سفينا ولا جسرا فسبحان من أسرى إليه بعبده ... وبورك فى السارى وبورك فى المسرى وهو يقول إن الرسول ﷺ تقدم عند ربه إلى مدى لا تستطيع الأوهام أن ترتفع إليه مهما صعّدت ومهما تلهفت. وقد محا رسوم الكفار كأن لم تكن شيئا مذكورا، فلا كسرى إذ سلبت منه كل بلاده وأصبحت من ديار الإسلام، ولا قيصر فقد سلبت الجوهرتان المتلألئتان فى تاجه: مصر والشام. وخصّه الله بتشريف على الناس ما بعده تشريف، خصه بالإسراء ليلا إلى بيت المقدس وترقيه إلى السموات السبع ونزوله عند سدرة المنتهى يناجى ربه، فسبحان الذى أسرى بعبده. مرددا بذلك ما جاء فى أول سورة الإسراء. ويقول بورك فى الرسول السارى وفى المسرى والإسراء. ويردد أبو زيد فى مديحه النبوى معجزات الرسول المادية ومعجزته الكبرى الخارقة معجزة القرآن الكريم وبلاغته التى ليس لها سابقة ولا لاحقة، ودائما يذكر أنه خير الأنبياء وأفضلهم، وأكثرهم برا بأصحابه، ويحمل مرارا على أعدائه من الملحدين، ويقول إنهم انحرفوا عن شاطئ النجاة فتردّوا فى بحار هلاك ما بعده هلاك.

стр. 4013

ابن (١) جابر الأندلسى هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن جابر الهوارى، من أهل المرية ولد بها سنة ٦٩٨ وحفظ القرآن واختلف إلى الشيوخ من مثل ابن أبى العيش فى العربية ومحمد بن سعيد الرندى فى الفقه وأبى عبد الله الزواوى فى الحديث. وكان كفيف البصر، ورأى أن يستتم ثقافته بالرحلة إلى الديار المصرية والشامية، وصحبه صديقه أبو جعفر أحمد بن يوسف الغرناطى، فكان ابن جابر ينظم وأبو جعفر يكتب. وحجّا وعادا إلى الشام، وسمع ابن جابر بدمشق على شيوخ عصره، واتجه مع صاحبه فى سنة ٦٤٣ إلى حلب وتغلغلا شماليها حتى ماردين (٢)، إذ يذكر ابن بطوطة فى رحلته عن سلطان ماردين ابن الملك الصالح أنه كان بحرا فياضا فى الكرم، يقصده الشعراء والفقراء من الصوفية فيجزل عطاياهم، ويقول إنه قصده أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسى الهوارى الكفيف مادحا، فأعطاه عشرين ألف درهم. وعاش طويلا فى حلب وتوفى بإلبيرة سنة ٧٨٠. وقد أكثر من النظم فى المديح النبوى، وله فيه ديوان سماه «العقدين فى مدح سيد الكونين» وبالمكتبة التيمورية مخطوطة منه. وله بجانب ذلك مشاركة خصبة فى الشعر التعليمى إذ نظم فيه فصيح ثعلب وكفاية المتحفظ وغير ذلك، وله بديعية اشتهرت بين البديعيات، وهى قصائد فى المديح النبوى، عارض بها أصحابها-منذ صفى الدين الحلّى-بردة البوصيرى الميمية، وأودعوا كل بيت فيها لونا-وأحيانا لونين-من ألوان البديع، وشرحها رفيقة فى رحلته أبو جعفر الغرناطى، واشتهرت باسم بديعية العميان وقد سمّاها: «الحلة السّيرا (٣) فى مدح خير الورى» وفى النفح طائفة كبيرة من نبوياته، منها مقصورة فى نحو ثلاثمائة بيت نقتطف منها قوله: إنّ رسول الله مصباح هدى ... يهدى به من فى دجى الليل مشى إن تحسب الرّسل سماء قد بدت ... فإنّه فى أفقها نجم هدى وإن يكونوا أنجما فى فلك ... فإنّه من بينهم بدر بدا

стр. 4014

أحسن أخلاقا من الرّوض إذا ... ما اختال فى برد الصّبا أو ارتدى تفديه نفسى من شفيع للورى ... وقلّت النفس له منّى فدا وقد بدأ ابن جابر المقصورة بالغزل وضمنها فى تضاعيف المديح النبوى كثيرا من الخواطر والحكم، وفصّل القول فى شمائل الرسول ومعراجه ومعجزاته، وتحدث عن الدهر وسطواته بأولى البأس والدول، كما تحدث عن حجه إلى البيت الحرام وزيارته بعده للرسول واكتحال عينيه بنور قبره، ويقول إنه ملاذه وعدّته وذخره لربه. وأنشد له المقرى مدحة من غرر مدائحه للرسول ورّى فيها بسور القرآن الكريم، ويقول المقرى: لو لم يكن له فى مديحه سواها لكفى، وهى تمضى على هذا النحو: فى كلّ فاتحة للقول معتبره ... حقّ الثّناء على المبعوث بالبقره فى آل عمران قدما شاع مبعثه ... رجالهم والنساء استوضحوا خبره من مدّ للناس من نعماه مائدة ... عمّت فليست على الأنعام مقتصره أعراف نعماه ما حلّ الرّجاء بها ... إلا وأنفال ذاك الجود مبتدره والطريف أنه يحكم وضع اسم السورة فى مديح البيت ويلتحم بمعناه التحاما رائعا على نحو ما نرى من ذكره فى هذه الأبيات لسور الفاتحة والبقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال. وآل عمران آل السيدة مريم كما جاء فى السورة، والأنعام اسم السورة وهى الإبل، والأعراف كذلك اسم السورة، وهى فى البيت جمع عرف بمعنى المعروف، والأنفال اسم السورة وهى العطايا. واطردت هذه الدقة فى استظهار أسماء السور الكريمة فى جميع أبيات القصيدة. ويهدى فى نهايتها أزكى صلواته للرسول وعترته وصحابته، وخصوصا عشرة منهم، ويسميهم، كما يهدى أزكى تحيتين للسيدتين الكريمتين خديجة وعائشة زوجتى الرسول ﷺ ولابنته فاطمة الزهراء وابنيها الحسن والحسين، ويقول انه سيظل يهدى كل من سماهم مدائحه. وله قصيدة مطولة فى فضائل الصحابة العشرة وآل البيت، ولكل علم منهم فى أبياتها حظ مقسوم. ونشعر دائما عنده أنه يستمد من نبع فياض لا يتوقف ولا يتقطع، بل يتدفق تدفقا غزيرا.

стр. 4015

٥ - شعراء الاستنفار والاستصراخ أخذت قصائد الاستنفار والاستصراخ وطلب الغوث والعون تتكاثر فى الأندلس منذ عصر أمراء الطوائف، إذ انقسمت الأندلس الشامخة فى عصر الدولة الأموية إلى أندلسات ودول وإمارات كثيرة، وأخذ أولئك الأمراء يعيشون للهو والقصف، وقلما فكروا فى مصير الأندلس، وكثير منهم كانوا يحملون السلاح ويسدّدونه إلى صدور جيرانهم الأندلسيين وما يلبثون أن يغمدوه حين يشهر الحرب على أحد هؤلاء الجيران أعداؤهم من نصارى الشمال. وأكثر من ذلك كانوا يفدون أنفسهم وإماراتهم منهم بإتاوات سنوية يدفعونها لهم راغمين. وانتهز أولئك النصارى الفرصة وهذه الفرقة بين أمراء الطوائف فتنادوا باسترداد الأندلس، وكان أول ما حاولوا استرداده حصن بربشتر سنة ٤٥٦ الواقع بين مدينتى لاردة وسرقسطة ركنى الثغور الشمالية، فقد حاصره النورمانديون واستولوا عليه ونكّلوا بأهله ونسائه وفتياته تنكيلا بشعا، زلزل الأندلس وأطار من أهلها الأفئدة، وكان ممن أفزعه هذا الحادث الجلل، فقيه طليطلة الزاهد عبد الله العسال، فنظم قصيدة ملتهبة يستصرخ بها أهل الأندلس وفيها يقول (١): ولقد رمانا المشركون بأسهم ... لم تخط لكن شأنها الإصماء (٢) كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء ولكم رضيع فرّقوه من أمّه ... فله إليها ضجّة وبغاء (٣) ولربّ مولود أبوه مجدّل ... فوق التّراب وفرشه البيداء ومصونة فى خدرها محجوبة ... قد أبرزوها ما لها استخفاء وهو يقول إن المشركين رمونا بأسهم قاتلة، وغنموا مغانم ضخمة، لا تأخذهم شفقة ولا رحمة على طفل ولا على فتاة ولا على رضيع ينشد أمه ويصيح بها، ولقد هتكت الحرم ونهبت الفتيات، والدماء هناك مطلولة، وقد روّع سرب الله وفلّ غربه، وإن العين لتدمع وإن النفس لتتقطع. وكان ممن استثارتهم هذه النكبة وأقضّت مضاجعهم الفقيه أبو حفص

стр. 4016

عمر بن الحسن الهوزنى ترب المعتضد أمير إشبيلية ورفيقه فى شبابه، فكتب إليه يستصرخه (١)، ليرأب الصدع ويداوى الجروح، ونظم أشعارا يحض فيها الأندلسيين على جهاد العدو قبل أن يستفحل الخطب ويعضل الداء من مثل قوله (٢): بيّت الشرّ فلا يستزلّ ... طرق النّوّام سمع أزلّ (٣) فثبوا واخشوشنوا واحزئلّوا ... كلّ ما رزء سوى الدّين قلّ بدء صعق الأرض نشء وطلّ ... ورياح ثم غيم أبلّ (٤) يدنا العليا، وهم-ويك-شلّ ... فلم استرعى الأعزّ الأذلّ (٥) عجب الأيام ليث صملّ ... ذعرته نعجة إذ تصلّ (٦) وهو يصرخ فى كل أندلسى أن يعزم-بقوة-على الشر، فقد صكّ مسامع النوام ذئب فاتك. وعليهم أن يثبوا بأعدائهم ويخشوشنوا ويتجمعوا لهم حتى يضربوهم الضربة القاضية. وإنه لينذر قومه فبدء الصواعق سحاب ينشأ وطل خفيف ورياح لينة، ثم غيم كثيف ورعود وبروق وعواصف مدمرة. ويحاول أن يملأ روح الأندلسيين حماسة ملتهبة، فيقول إننا كثرة غالبة ولنا العز والبأس والمنعة، وأعداؤنا قلة ذليلة، فكيف دهى الأذلاء الأعزاء واستباحوا ديارهم، ويعجب أشد العجب من أن تفزع نعجة لا حول لها ولا قوة بصوتها اللين الرخيم أسدا ضاريا بالغ الصلابة مفرط القوة. واستطاع أبو حفص الهوزنى وأضرابه من شعراء الأندلس أن يملئوا نفوس أهل سرقسطة غضبا لإخوانهم من أهل بربشتر، فلم يدر عام حتى انقضّوا على النورمانديين ونكلّوا بهم، واسترجعوا بربشتر، وغسلوها من وضرهم ورجسهم. وكان فردناند ملك قشتالة قسم دولته بين أولاده الثلاثة: شانجه بقشتالة وألفونس بليون وأشتوريش وغرسية بجليقية والبرتغال، واختصم شانجه وألفونس وانتصر شانجه ففر ألفونس إلى دير، ثم لجأ إلى المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة، وبدلا من أن ينتهز الفرصة التى أمكنته من عدوه أنزله ببلده فى قصر وأكرمه لمدة تسعة شهور، درس فيها طليطلة ومداخلها ومخارجها. واغتيل شانجه، واستدعى القشتاليون ألفونس وأصبح

стр. 4017

ملكا عليهم وعلى ليون وجليقية والبرتغال. وكان أول ما أهمّه الاستيلاء على طليطلة حتى يردّ الدّين الذى فى عنقه لبنى ذى النون! يقول ابن الخطيب: «وسكناه بطليطلة واطلاعه على عوراتها هو الذى أوجب تملك النصارى لها (١)». ولم يلبث أن استولى عليها-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-سنة ٤٧٨ واستولى على جميع المدن والقرى التابعة لها من وادى الحجارة إلى طلبيرة وشنتمرية، وكان لذلك زلزلة ضخمة فى نفوس الأندلسيين، إذ استولى ألفونس لا على مدينة بل على قلعة ضخمة من أكبر قلاعهم، وانبرى شاعر كبير يحرض الأندلسيين على الأخذ بالثأر واسترداد تلك الجوهرة الكبيرة، بقصيدة تقطر غضبا وموجدة، وفيها يقول (٢): طليطلة أباح الكفر منها ... حماها إنّ ذا نبأ كبير ألم تك معقلا للدّين صعبا ... فذلّله-كما شاء-القدير فعادت دار كفر مصطفاة ... قد اضطربت بأهليها الأمور مساجدها كنائس أىّ قلب ... على هذا يقرّ ولا يطير؟ ! أذيلت قاصرات الطّرف كانت ... مصونات مساكنها القصور (٣) والنزعة الدينية قوية فى القصيدة، إذ كانت حرب الشماليين فعلا حربا صليبية، والشاعر جزع أن يسقط هذا المعقل الكبير للدين الحنيف، ولا يهبّ أبناؤه لحمايته واستعادته، حتى لقد أصبح دار كفر بعد أن كان دار إيمان وهداية. ولم يوف ألفونس بما عاهد عليه بنى ذى النون أمراءها وأهلها من الإبقاء على مساجدهم واحترام شعائرهم الدينية، فقد أحال مسجدها الكبير كنيسة. ويستثير الشاعر حمية المسلمين لا للدين الحنيف فحسب، بل أيضا للعرض الذى طالما سلّت السيوف من أجله وأذيقت الحتوف، فقد امتهنت النساء العفيفات ربات القصور الحسان ذوات الجمال، وتحوّلن إلى خادمات فى بيوت العلوج، وإنه لحرى أن يغلى لذلك دم كل مسلم وأن يمتشق الحسام للثأر والفتك بأعداء الإسلام، يقول: خذوا ثأر الديانة وانصروها ... فقد حامت على القتلى النّسور ولا تهنوا وسلوّا كلّ عضب ... تهاب مضاربا منه النّحور (٤) وموتوا كلّكم فالموت أولى ... بكم من أن تجاروا أو تخوروا (٥)

стр. 4018

ونرجو أن يتيح الله نصرا ... عليهم إنّه نعم النّصير وهو يقول للأندلسيين جميعا ولأمراء الطوائف: هبوا من نومكم للأخذ بثأر دينكم ولا تهنوا بل جالدوا أعداءه مجالدة ضارية، حتى تذيقوهم وبال عدوانهم الأثيم، وإنه لعار ما بعده عار أن تسالموهم وتقبلوا إجارتهم وحمايتهم لكم فإن فى ذلك هوانا لكم ما بعده هوان. ويستصرخ كل أندلسى أن ينازلهم حتى الذماء الأخير، عسى أن يجبر العظم الكسير. ومع روعة القصيدة وامتدادها إلى نحو ستين بيتا لم يذكر معها اسم ناظمها، وأكبر الظن أنها لزاهد طليطلة أبى محمد عبد الله العسّال، ومرّ بنا آنفا شعره حين استولى العدو على بربشتر، ولا يعقل أن يستولى ألفونس على طليطلة بلده ولا ينظم فيها قصيدة حارة يستنفر بها الأندلسيين لاستردادها، ونظن ظنا أنه نظم فى نجدتها لا هذه القصيدة فحسب، بل قصائد مختلفة يستثير بها مواطنيه كى ينقذوها من أيدى القشتاليين. وكان يوسف بن تاشفين-كما مر بنا-حين استولى على إمارات أمراء الطوائف رأى أن يدع سرقسطة فى أقصى الشمال لأمرائها من بنى هود لاستبسالهم المستمر فى حمايتها أمام ملوك أراجون، حتى إذا خلفه ابنه على زيّن له الملتفّون حوله من الفقهاء ورجال دولته أن يأخذها من أيدى بنى هود، فأجبرهم على التنازل عنها، وسرعان ما أزفت الآزفة إذ حاصرها ملك أراجون سنة ٥١٢ واستولى عليها من يد المرابطين. وكان ذلك نذير شؤم، فقد استولى النصارى بعدها على الثغور المجاورة، استولوا على كتنده جنوبيها سنة ٥١٤ وعلى تطيلة وطرسونة غربيها سنة ٥٢٤. وفى سنة ٥٣٩ انحسر ظل دولة المرابطين عن الأندلس، وانتهز الفرصة كثيرون من شخصياتها فسيطروا على بعض بلدانها، وسيطر من بينهم ابن همشك على جيّان واتخذ وزيرا له أبا جعفر الوقّشى أحد رجالات الأندلس النابهين وكان شاعرا، وما زال يقنع ابن همشك بالدخول فى طاعة الموحدين حتى ارتضى رأيه سنة ٥٦٢ فأرسل به إلى يوسف بن عبد المؤمن فى عاصمته مراكش ليعلن إليه دخوله فى طاعته، وأحسن يوسف استقباله، وله فيه غير قصيدة، ونراه فى إحداها (١) يستصرخه لجهاد النصارى فى الأندلس ورد كيدهم فى نحورهم، وفيها يقول: ألا ليت شعرى هل يمدّ لى المدى ... فأبصر شمل المشركين طريدا (٢)

стр. 4019

وهل-بعد-يقضى فى النّصارى بنصرة ... تغادرهم للمرهفات حصيدا (١) ويغزو أبو يعقوب فى «شنت ياقب» ... يعيد عميد الكافرين عميدا (٢) ويلقى على إفرنجهم عبء كلكل ... فيتركهم فوق الصعيد هجودا (٣) يغادرهم جرحى وقتلى مبرّحا ... ركوعا على وجه الفلا وسجودا والوقّشى يتمنى أن يمدّ له فى عمره حتى يبصر جموع المشركين مهزومين مدحورين مطرودين إلى أقصى الشمال وقد حصدتهم سيوف المسلمين حصدا بقيادة أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وهو يتعقبهم منزلا بهم الهلاك والدمار حتى «شنت ياقوب» فى جلّيقية بأقصى الغرب من مملكة قشتالة، وقد أصبح عميدهم أو ملكهم قتيلا إثر مواقع تمزّقهم تمزيقا، حتى لتملأ الأرض بهم جرحى وقتلى كبّوا على جباههم، وكأنهم راكعون على وجه الفلوات ساجدون وهم مجرّحون مصرّعون. ويمضى قائلا: ويفتكّ من أيدى الطّغاة نواعما ... تبدّلن من نظم الحجول قيودا (٤) وأقبلن فى خشن المسوح وطالما ... سحبن من الوشى الرّقيق برودا وغبّر منهنّ التراب ترائبا ... وخدّد منهنّ الهجير خدودا (٥) فحقّ لدمعى أن يفيض لأزرق ... تملّكها دعج المدامع سودا (٦) ويا لهف نفسى من معاصم طفلة ... تجاور بالقدّ الأليم نهودا (٧) والوقّشى يستثير حمية يوسف بن عبد المؤمن بما حدث من هوان النساء المسلمين وفتياتهم الحسناوات إذ تبدّلن من زينتهنّ وحلىّ خلاخيلهن أغلال القيود، بل يا للذل فقد ألبسوهن مسوح النصارى الصوفية الخشنة بعد أن عشن يلبسن الثياب الحريرية الموشّاة الرقيقة، بل يا للهول لقد صرن خادمات يلطّخ التراب مواضع القلائد النفيسة فى صدورهنّ، وقد غاضت من خدودهن النضرة من العمل الشاق فى لفح الهاجرة بعد أن كن

стр. 4020

ربّات بيوت وفتيات قصور مخدومات تحفّ بهن الفخامة والجلال. ويقول الوقّشى حقّ لدمعى أن يسيل مدارا لأولئك الحسان ذوات العيون النجلاء الدّعج اللائى نشأن فى الحلية والنعيم، فقد بدّلت الأساور والحلىّ الذهبية فى معاصمهن أقدّا أو سيورا من جلد، فيا للعار! ويا للإسلام! ويا للعروبة وكان لهذه القصيدة وما يماثلها من استصراخات الأندلسيين ليوسف بن عبد المؤمن أمير الوحدين الأثر العميق فى نفسه، فدخل الأندلس فى سنة ٥٦٦ على رأس مائة ألف فارس شاكى السلاح، وسحق النصارى فى غير موقعة واستردّ كثيرا من ديار الأندلس والقلاع والحصون، واتسعت بها مملكته. وخلفه ابنه يعقوب المنصور فمزّق جموعهم فى موقعة الأرك المشهورة سنة ٥٩١ غير أن النصر كتب لهم فى موقعة العقاب سنة ٦٠٩ لعهد ابنه الناصر. وثارت الأندلس على الموحدين، وتفككت بلدانها وتحارب أمراؤها، مما آذن سريعا بضياع الشطر الأكبر منها، وما توافى سنة ٦٢٦ حتى يستولى النصارى القشتاليون على مدينة ماردة فى الغرب شرقى بطليوس، وفى السنة التالية يستولى صاحب برشلونة على جزيرة ميورقة، وما تلبث حبّات العقد ودرره أن تنفرط واحدة فى إثر أخرى، وتسقط فى سنة ٦٣٣ قرطبة جوهرة الأندلس الكبرى فى حجر القشتاليين، وتنشب بأخرة من سنة ٦٣٤ موقعة أنيشة على بعد سبعة أميال من بلنسية بين رجالها وذوى البأس والشجاعة فيها وبين ملك أرجون وجنوده، واستطاعت الكثرة النصرانية أن تدحر الأبطال الأشداء ومن كان يلهب حماستهم من العلماء أمثال القاضى أبى الربيع الكلاعى الذى استشهد وهو ينازل العدو منازلة ضارية. ولم يلبث ملك أراجون أن حاصر بلنسية أشهرا متعاقبة، وشدّد الحصار حتى أعوزت شجعانها المؤن، ولم يبق إلا الموت جوعا أو التسليم. ومنذ موقعة أنيشة أخذ أميرها أبو جميل زيان بن أبى الحملات يستصرخ حكام المغرب لإغاثته ونجدة بلدته مرسلا إليهم الوفود تلو الوفود، وكان ممن استغاث به أبو زكريا يحيى بن أبى حفص أمير تونس، إذ أرسل إليه وفدا على رأسه كاتبه ووزيره المؤرخ الأديب ابن الأبار، وسنترجم له عما قليل ملمين بقصيدته التى أنشدها بين يديه مستنفرا له قبل سقوط بلنسية فى يد العدو. وتأثر حين سماعه القصيدة فجهّز أسطولا من ثمانى عشرة سفينة محمّلة بالمؤن والسلاح، واتجه الأسطول-مع ابن الأبار والوفد المرافق له-إلى بلنسية، غير أن الأسطول أخفق فى إيصال المؤن إلى المحاصرين، واضطر إلى إنزالها فى ثغر دانية جنوبى بلنسية. وقد ظلت المدينة تقاوم أشهرا طوالا حتى نفدت الأقوات واضطر أميرها وأهلها إلى التسليم فى صدر سنة ٦٣٦ وكان

стр. 4021

ذلك رزءا أليما وخطبا جسيما، مما جعل كثيرين من شرقى الأندلس يستنهضون عزائم أهل المغرب وأمرائهم لاسترداد بلنسية والأخذ بثأرها، من ذلك قصيدة مطولة أنشدها المقرى لشاعر وجّه بها إلى أبى زكريا الحفصى أمير تونس، يقول فيها (١): نادتك أندلس فلبّ نداءها ... واجعل طواغيت الصّليب فداءها رش أيّها المولى الرّحيم جناحها ... واعقد بأرشية النجاة رشاءها (٢) إيه بلنسية وفى ذكراك ما ... يمرى الشئون دماءها لا ماءها (٣) بأبى مآذن كالطّلول دوارس ... نسخت نواقيس الصّليب نداءها هبّوا لها يا معشر التّوحيد قد ... آن الهبوب وأحرزوا علياءها والقصيدة تزخر بالعاطفة الدينية، فالأندلس تستجير ضارعة من حملة الصليب الطغاة، ويتوسل الشاعر إلى أبى زكريا أن يريش جناح الأندلس المهيض ويعقد حبلها وخيوطها بحبال النجاة وما يرسل إليها من الجيوش الجرارة. ويبكى بلنسية وما دهاها، مما يفيض المدامع لا ماء بل دماء ساخنة حارة، ويود لو فدى المآذن الدارسة بروحه، ويتحسر على ندائها: «الله أكبر» الذى نسخته نواقيس الصلبان بل محته محوا. ويستصرخ المسلمين أهل التوحيد أن يهبوا لإنقاذ الأندلس من أهل الصليب وما ينزلون بها من محن وخطوب عظام. وتسقط فى أواخر سنة ٦٣٩ مدينة شقر جنوبىّ بلنسية: بلدة ابن خفاجة أكبر شعراء الطبيعة فى الأندلس، ويلتاع الكاتب الشاعر ابن عميرة أحد أبنائها لسقوطها التياعا شديدا آملا فى استردادها من حملة الصّليب بمثل قوله: (٤) قد عاد قلبى من شرق أندلس ... عيد أسى فتّه وما فتّر (٥) ودون شقر ودون زرقته ... أزرق يحكى قناه أو أشقر الرّوم حرب لنا وهم وشل ... سالمه الواردون فاستبحر (٦) إنا لنرجو للدّهر فيأة من ... أناب مما جناه واستغفر (٧) ونرقب الكرّة التى أبدا ... بها على الروم لم نزل نخبر

стр. 4022

وهو يقول إنه زار شرق الأندلس، فامتلأ قلبه مما حدث له ولموطنه «شقر» أسى وغمّا فتّته تفتيتا، ولم-ولن-يفتر أو يسكن، وأين شقر؟ وأين نهرها بزرقته وحلله السندسية؟ لقد استولى عليه شقر من الروم زرق العيون مثل زرقة قناته، ويقول: يا للعجب! لقد كانوا فئة معادية قليلة فسالمهم الواردون على الأندلس، فإذا هم يتكاثرون ويتسع سلطانهم. وإنه ليأمل أن يتوب الدهر مما جناه على أهل الأندلس من عدوان حملة الصليب، ويسترجع طالبا الغفران. ويقول إننا لا نزال نرقب الكرّة على الروم والنصر الذى وعد الله به الإسلام والمسلمين على الكفار وأهل الشرك. ويتوالى بعد ذلك سقوط المدن الأندلسية، فتسقط دانية على المتوسط سنة ٦٤٣ وجيّان شرقى قرطبة سنة ٦٤٣ وشاطبة شرقى دانية سنة ٦٤٤. وإشبيلية سنة ٦٤٥ ومرسية سنة ٦٦٤ ويصرخ أبو البقاء الرّندى فى نونية له مشهورة صرخة مدوية، وحرى بنا أن نتحدث بإيجاز عنه وعن ابن الأبار . ابن (١) الأبّار هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى بكر القضاعى، كان أبوه من جلّة القرّاء، من أهل حصن أنده من أعمال بلنسية، بارحها إليها واتخذها وطنا له ومستقرا، وبها رزق بابنه محمد سنة ٥٩٥ للهجرة، وعنى به، فحفظ القرآن الكريم، وأخذ عنه قراءة نافع مقرئ أهل المدينة المشهور، وأكبّ على دراسة الحديث ورجاله والفقه والتاريخ، وأخذ يلتهم كل ما يسمعه عن الشيوخ وخاصة عن إمام بلنسية وقاضيها لعصره أبى الربيع سليمان بن موسى الكلاعى، وكان ابن الأبار يعجب به إعجابا يملأ عليه نفسه، وهو الذى وجهه إلى العناية بالكتابة التاريخية عن أعلام الأندلس، واتخذه الكلاعى صفيّا له، لما رأى من ذكائه النادر، غير أنه طمح إلى العمل السياسى فى دواوين الحكام، ولم يلبث والى الموحدين على

стр. 4023

مدينته محمد بن أبى حفص أن اتخذه كاتبا له، وكتب بعده لابنه أبى زيد عبد الرحمن، ويستخلص منه بلنسية أبو جميل زيّان بن مردنيش صاحب مرسية، ويظل ابن الأبار كاتبا له، وتحدث معركة أنيشة، ويستشهد فيها أستاذه الكلاعى ويندبه ويندب من استشهدوا معه ندبا حارا. وما يلبث صاحب برشلونه أن يحاصر بلنسية، وحينئذ يرسل به أميرها إلى أبى زكريا يحيى بن أبى حفص أمير تونس على رأس وفد لطلب الغوث والمعونة، فجهّز له أسطولا محمّلا بالمؤن والأسلحة كما مرّ بنا، غير أنه لم يستطع إيصال ما يحمله إليها بسبب ما أحاطها به النصارى من حصار شديد، فانسحب الأسطول إلى دانية جنوبيها وسلّم أهلها ما حمله كما مرّ بنا. وتطورت الظروف فاستسلمت بلنسية فى صدر سنة ٦٣٦ وحضر ابن الأبار عقد تسليمها وشروطه، ودائما كان أمراء النصارى حين يستولون على بلد أندلسى لا يفون بالشروط المأخوذة عليهم، وكأنما زهد ابن الأبار فى المقام بالأندلس بعد سقوط مدينته، فاتجه إلى البلاد المغربية ونزل بجاية وأقام بها بضعة أشهر، ثم تركها إلى تونس، فألحقه أميرها أبو زكريا بدواوينه، فتولى بها كتابة الإنشاء والعلامة أو شارة الدولة، وهى توقيع يوضع على المكاتبات الرسمية لبيان أنها صادرة عن الدولة الحاكمة، وكان يكتبها بخطه الأندلسى، فرأى الأمير أبو زكريا أن تكتب بالخط المشرقى وأن يختص بكتابتها أحمد بن إبراهيم الغسانى، وغضب ابن الأبار لذلك وظل يكتب تلك العلامة بخطه الأندلسى، مما اضطر أبا زكريا أن يعفيه من عمله فأقام ببجاية فترة حتى إذا توفى أبو زكريا سنة ٦٤٧ وخلفه ابنه المستنصر أبو عبد الله محمد أعاده إلى الكتابة فى ديوانه ورفعه إلى مرتبة الوزارة، وكانت فيه حدة لسان تنفّر الناس منه، ويقول ابن خلدون: «كان فيه أنفة وبأو (عظمة) وضيق خلق» فأوجد له أعداء ألداء، واستطاعوا أن يقنعوا المستنصر باشتراكه فى مؤامرة ضده، فأمر بقتله وإحراق أشلائه وكتبه، وهكذا قتل سنة ٦٥٨ مظلوما مأسوفا عليه من معاصريه وكل من جاء بعدهم. ويعد ابن الأبار فى الذروة من مؤرخى الأندلس وعلمائها البررة الموثوق بهم ثقة لا تدانيها ثقة، وهو فى مقدمة من مكّنوا الباحثين المعاصرين من الكتابة عن الأندلس وأعلامها النابهين بفضل كتبه النفيسة، وهى: التكملة فى مجلدين-المعجم فى أصحاب القاضى الصدفى المتوفى سنة ٥١٤ هـ-الحلة السيراء فى مجلدين وتشتمل

стр. 4024

على تراجم الأمراء والأعيان فى الأندلس والمغرب-تحفة القادم فى شعراء عصره-إعتاب الكتاب: عن الكتّاب الذين فقدوا مكانتهم وحظوتهم عند الحكّام ثم استعادوها، وبهذا الكتاب استعاد مكانته عند المستنصر، ثم غضب عليه. وكان ابن الأبار شاعرا مجيدا، وحين حدثت وقعة أنيشة أظلمت الدنيا فى عينيه لمن استشهدوا فيها من الشيوخ الجلة وخاصة شيخه أبا الربيع الكلاعى، وكان قد بلغ السبعين من عمره، وحين سمع النفير بادر لقتال أعداء الإسلام، ولم يزل متقدما أمام الصفوف زاحفا إلى الأعداء مرغّبا فى قتالهم مناديا فيمن ينهزمون: أعن الجنة تفرّون؟ وظل يعمل السيف فى الأعداء حتى استشهد مع من استشهدوا من شيوخ بلنسية وشجعانها البواسل، وندبهم معه ابن الأبار بقصيدة، تشعل الحمية فى قلب كل مسلم، وفيها يقول: ألمّا بأشلاء العلا والمكارم ... تقدّ بأطراف القنا والصّوارم (١) مضوا فى سبيل الله قدما كأنما ... يطيرون من أقدامهم بقوادم (٢) مواقف أبرار قضوا من جهادهم ... حقوقا عليهم كالفروض اللّوازم أبيت لها تحت الظلام كأننى ... رمىّ نصال أو لديغ أراقم (٣) فوا أسفى للدّين أعضل داؤه ... وأيأس من آس لمسراه حاسم (٤) وهو يهيب بكل مسلم أن يلمّ بتلك الأشلاء الطاهرة التى قطّعتها ومزقتها رماح النصارى وسيوفهم ويقول إنهم مضوا إلى الجهاد فى سبيل الله مسرعين، كأنهم طير وأقدامهم قوادمه، حتى يؤدوا حقوق دينهم أداء المجاهدين الأبرار. وإن ذكرى الواقعة وشهدائها لتحز فى نفسه، بل لكأنما رمى منها بنصال تنزف الدم من فؤاده، أو كأنه لديغ حيات ما تزال سمومها تسرى فى شرايينه. ويتحسر للدين الحنيف فى الأندلس فكأنما أنزل النصارى به داء عضالا، لا يمكن لطبيب أن يشفيه منه أو يحسمه. وذكرنا آنفا أنه حين قدم مع وفد بلنسية على أبى زكريا صاحب تونس أنشده قصيدة يستصرخه بها لإنقاذ بلنسية ويقول ابن سعيد: عارضها كثير من الشعراء ما بين محظىّ ومحروم، وولع الناس

стр. 4025

بحفظها ولع بنى تغلب بقصيدة عمرو بن كلثوم، ويقول المقرى فى أزهار الرياض إنها من «غرر القصائد الطنانة» ويقول فى النفح: إنها «قصيدة فريدة فضحت من باراها، وكبا (١) دونها من جاراها» وفيها يستغيث: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إنّ السبيل إلى منجاتها درسا (٢) يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للحادثات وأمسى جدّها تعسا (٣) وفى بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النّفس أو ما ينزف النّفسا يا للمساجد عادت للعدا بيعا ... وللنّداء غدا أثناءها جرسا (٤) طهّر بلادك منهم إنهم نجس ... ولا طهارة ما لم نغسل النّجسا واملأ-هنيئا لك التأييد-ساحتها ... جردا سلاهب أو خطّيّة دعسا (٥) وهو يقول لأبى زكريا: أدرك الأندلس بخيلك: خيل الدين الحنيف فقد تعس حظّها وأصبح أهلها جزرا لسيوف النصارى. وإن ما حدث لقرطبة ويوشك أن يحدث لبلنسية لمما يروع النفوس ويخنق الأنفاس، إذ أصبحت المساجد كنائس وغدا الأذان والنداء للصلاة أجراسا لنواقيس النصارى، ويقول له إنهم نجاسة ينبغى أن تطهر بلادك منهم بما تسفك من دمائهم، إذ لا طهارة ما لم تغسل النجاسة وتمحها محوا، واملأ الأرض وساحاتها عليهم بخيلك وأسلحتك القاضية. وأثارت القصيدة أبا زكريا وملأت قلبه. حفيظة وحمية وموجدة، فأمر-كما أسلفنا-بإعداد أسطول محمل بالمؤن والذخائر، وأرسل به مع ابن الأبار والوفد البلنسى المرافق له لإغاثة بلنسية المحاصرة، غير أن النصارى كانوا قد ضربوا حولها حصارا لم يستطيعوا اجتيازه، وسقطت فى أيديهم المدينة. أبو (٦) البقاء الرّندىّ هو صالح بن أبى الحسن يزيد بن صالح بن شريف يكنى كنية مشهورة بأبى البقاء

стр. 4026

وكنية أخرى بأبى الطيب، ومسقط رأسه رنده إلى الغرب من مالقة، على قمة جبل سامق يشقها نهر وينابيع وتحفّها وديان، مما جعلها-كما فى المغرب-تعمّم بالسحاب وتوشّح بالأنهار العذاب، وقد رزق أبوه به سنة ٦٠١ وكان من أهل العلم، ولذلك سلكه المراكشى بين أساتذته، وذكر منهم على بن جابر الدباج الإشبيلى الذى ظل يتصدر للإقراء بإشبيلية خمسين سنة، كما ذكر مواطن الدبّاج أبا القاسم بن الجد نزيل تونس. ولم يتتلمذ لهذين العالمين فقط بل تتلمذ أيضا لابن الفخار الشريشى ولابن زرقون الغرناطى. ويذكر ابن الخطيب عن ابن الزبير صاحب كتاب صلة الصلة أنه تتلمذ له، وكل ذلك يدل على نهم فى طلب العلوم والآداب، واتضح ذلك فى جانبين عنده هما التأليف ونظم الشعر، أما التأليف فله فيه كتاب: «روضة الأنس ونزهة النفس» ويبدو أنه كان كتاب محاضرات وطرف أدبية، وسبق أن ذكرنا فى الفصل الثانى أن له أيضا كتاب الوافى فى نظم القوافى، وأن منه مخطوطة بالمكتبة التيمورية، وأنه فى أربعة أجزاء أولها فى فضل الشعر وطبقات الشعراء وعمل الشعر وآدابه وأغراضه، وثانيها فى محاسن الشعر وفنونه البديعية، وثالثها فى الإخلال والسرقة والضرورة، ورابعها فى حد الشعر وعروضه وقوافيه وأخباره تدل بوضوح على صلته الوثيقة بمحمد بن الأحمر مؤسس إمارة غرناطة، وهى صلة جعلته يكثر من مدائحه. وكان له بجانب هذين الكتابين المتصلين بالأدب شعره ونثره كتاب فى علم الفرائض، وهو يدل-كما قال المراكشى-على أنه كان بجانب ثقافته الأدبية «فقيها فرضيا حافظا» أى محدثا ويقول إنه كان متفننا فى معارف جليلة. ويقول المراكشى إنه «كان خاتمة الأدباء بالأندلس بارع التصرف فى منظوم الكلام ومنثوره» وإنه كتب إليه بإجازة ما رواه وألّفه، ويذكر أن له فى النثر مقامات بديعة فى أغراض شتى، كما يذكر أن كلامه نظما ونثرا مدون، مما يدل على أنه خلف ديوان شعر كان معروفا فى زمنه. وقد طارت شهرة أبى البقاء الرندى شرقا وغربا لقصيدته النونية التى نظمها بعد سقوط مدن الأندلس الكبرى فى يد النصارى: قرطبة وإشبيلية وبلنسية وجيان ومرسية سوى ما فى حيّز كل منها من مدن ومعاقل وحصون مما تنخلع له القلوب والأفئدة أسى وحزنا لهذا المصير المفجع، لا مصير المدن فحسب بل أيضا مصير السكان المسلمين من رجال ونساء وأطفال ووقوعهم أسرى فى أيد لا ترحم، أيد استعبدتهم وأنزلت بهم أهوالا من العذاب لا تطاق. وكأنما ندب أبو البقاء نفسه عن أهل الأندلس يستصرخ المسلمين لنصرة إخوانهم فى الدين وإنقاذهم من يد الكافرين الآثمين، وهو يستهل قصيدته بالحديث عن الدول التى دالت، وكأنما يتأثر فى هذا الجزء من قصيدته بابن

стр. 4027

عبدون آملا أن تدول دولة النصارى الشماليين، ثم ما يلبث أن يتمثل الفواجع التى نزلت بقرطبة وأخواتها الأندلسيات، ويهتف: دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهدّ ثهلان (١) فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيّان وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فيّاض وملآن (٢) قواعد كنّ أركان البلاد فما ... عسى البقاء إذا لم تبق أركان إن المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهنّ إلا نواقيس وصلبان إن ما نزل بالأندلس ودهاها من الخطوب أمر يجلّ عن العزاء فيه، إنه لكارثة تهوى لها الجبال وتنهدّ فى كل أرض إسلامية، فتلك مدن كبرى برمّتها ضاعت وضاعت معها قرطبة دار العلوم وإشبيلية دار الغناء والموسيقى، لقد سقطت أركان البلاد الأندلسية وقواعدها الأساسية، فهل يؤمل بعد ذلك بقاء لغرناطة وغيرها مما لا يزال فى أيدى المسلمين، لقد أصبحت المساجد وما كان يتلى فيها من قرآن كنائس تكتظ بالنواقيس والصلبان، ويصرخ مستنفرا: يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها فى مجال السّبق عقبان وحاملين سيوف الهند مرهفة ... كأنها فى ظلام النّقع نيران (٣) وراتعين وراء البحر فى دعة ... لهم بأوطانهم عزّ وسلطان أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان ماذا التقاطع فى الإسلام بينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان وهو يصيح فى فرسان المسلمين وأبطالهم من حملة السيوف المرهفة أن يسارعوا لنجدة الأندلس، ويعجب أن يرى المسلمين راتعين فى ديارهم يعيشون فى دعة وعزة وقوة، كأن ليس عندهم خبر عن الأندلسيين وما أصابهم من محن وكوارث، لا تصيبهم وحدهم بل تصيب أيضا الحنيفية البيضاء فى الصميم، فما هذا التقاطع والتنابذ وأنتم إخوان فى الدين أخوّة أقوى من أخوة ذوى الرحم، إذ ليست أخوّة دم بل أخوة روح وقلب وفكر وفؤاد، ويصيح جزعا:

стр. 4028

يا من لذلّة قوم بعد عزّهم ... أحال حالهم كفر وطغيان بالأمس كانوا ملوكا فى منازلهم ... واليوم هم فى بلاد الكفر عبدان ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان يا ربّ أمّ وطفل حيل بينهما ... كما تفرّق أرواح وأبدان وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنّما هى ياقوت ومرجان يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حزنان وهو يلتاع لوعة محرقة لهؤلاء المسلمين الذين استذلهم الكفر والطغيان بعد أن كانوا فى الذروة من العز والكرامة، لقد كانوا ملوكا وأمراء، فأصبحوا عبيدا، وإنهم ليبكون بكاء مرا، حين يرون أنفسهم-وقد فقدوا أعز شئ على نفوسهم، فقدوا حرياتهم-يباعون بيع العبيد. ويا للهول فكم من طفل فرّقوا بينه وبين أمه كما يفرّق بين الروح والبدن، إذ لن ترى ضناها وفلذة كبدها أبدا، وكم من سيدة فائقة الحسن فاتنة كأنما هى ياقوت ومرجان يرغمها إسبانى جاف غليظ على المكروه البغيض، وهى محزونة تذرف الدمع مدرارا. والقصيدة درة يتيمة رائعة، ولروعتها أخذت الأجيال التالية تزيد عليها أبياتا تندب بها البلاد التى سقطت فى أيدى النصارى الشماليين بعد وفاة أبى البقاء الرندى سنة ٦٨٤ للهجرة. وتنبه لذلك المقرى فى نفح الطيب، إذ ذكر بعد إنشاده لها من رواية وثيقة أن بأيدى الناس منها زيادات ندبت فيها مدن الأندلس التى ظلت تسقط حتى عهد العرب الأخير وحتى استسلام غرناطة مع غروب الشمس العربية نهائيا فى تلك الديار بعد أن ظلت ساطعة فى سمائها ثمانية قرون طوال.

стр. 4029

الفصل الخامس النّثر وكتّابه ١ - الرسائل الديوانية كان طبيعيا أن يعنى عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية فى الأندلس بديوان الرسائل، كما عنى به خلفاء أسرته الأمويون فى دمشق، وخاصة جده هشام بن عبد الملك، وقد أسند الكتابة فى ديوانه بقرطبة إلى أمية بن يزيد بن أبى حوثرة، وأسندها ابنه الأمير هشام إلى محمد (١) بن أمية المذكور، وتولى مقاليد الحكم بعده ابنه الحكم الربضى، وأسندها إلى حجاج (٢) المغيلى، وفطيس بن سليمان وفى كتاب الحلة السّيراء أن راتبه كان خمسمائة (٣) دينار. وخلفه ابنه عبد الرحمن الأوسط مؤسس الحضارة الأندلسية ونظمها الإدارية التى استقرت منذ عهده، كما ذكرنا فيها أسلفنا، إذ اتخذ مجلس وزراء وقسم شئون الدولة فى القضاء والمال والحرب وغير ذلك إلى خطط، واقتضى ذلك تعدد الكتّاب مع الوزراء وأصحاب الخطط مما كان له أثره فى نهضة الكتابة الديوانية. ويذكر ابن حيان كتّابه، ويسميهم أصحاب الكتابة العليا، وهم-على التوالى-عبد (٤) الكريم بن عبد الواحد بن مغيث مع ما كان له من الحجابة، وتوفى سنة ٢٠٩، فخلفه فيها محمد بن (٥) سعيد الزجالى، حتى إذا توفى سنة ٢٢٨ خلفه فيها عبد الله (٦) بن محمد بن أمية، وتوفى عبد الرحمن الأوسط سنة ٢٣٨ فظل يليها-مع مرض كان ينتابه-فى عهد

стр. 4030

محمد بن عبد الرحمن الأوسط حتى وفاته سنة ٢٤٦ وكان يخلفه فى الكتابة أثناء مرضه قومس (١) بن أنتنيان النصرانى وكان بليغا بصيرا بصناعة الكتابة فأسلم وحسن إسلامه، وولاه الأمير محمد الكتابة العليا، وكان قد استنّ فى أثناء اعتناقه للنصرانية-كما ذكرنا فى غير هذا الموضع-الإجازة يوم الأحد، فتبعه فى ذلك جميع الكتاب فى ديوان الأمير محمد، وأصبحت تلك الإجازة-كما يقول ابن حيان-سنة عامة فى الأندلس. وعجلت المنية بقومس، فتقلد الكتابة العليا بعده حامد (٢) بن محمد بن سعيد الزجالى مع ما تقلد من الوزارة إلى وفاته سنة ٢٦٨. وحين أصبح صولجان الحكم بيد ابنه الأمير عبد الله اتخذ على الكتابة العليا عبيد (٣) الله بن محمد بن أبى عبدة، ومنذ سنة ٢٨٧ يقلدها عبد (٤) الله بن محمد بن عبد الله الزجالى، ويظل يتقلدها سنتين زمن عبد الرحمن؟ ؟ ؟ الناصر حتى وفاته سنة ٣٠٢ فيعهد بها الناصر إلى عبد (٥) الملك بن جهور فعبد؟ ؟ ؟ الرحمن الناصر بسيل فعبد الرحمن بن بدر فعيسى بن فطيس بن أصبغ بن فطيس، ونراه؟ ؟ ؟ عن عبد الرحمن الناصر رسالة سنة ٣٢٧ فيخليها من السجع (٦)، مما يدل على تأخر استخدامه فى الكتابة الديوانية بالأندلس، ويؤكد ذلك أننا نرى عبد الرحمن الناصر يعهد بالكتابة العليا بعد ابن فطيس إلى عبد (٧) الرحمن بن عبد الله الزجالى سنة ٣٢٩ حتى إذا كلّفه فى سنة ٣٤٥ بكتابة منشور (٨) -على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-يقرأ فى المساجد الجامعة بقرطبة وغيرها من مدن الأندلس ضد ابن مسرّة وأتباعه أخلاه من السجع. وظلت الكتابة الديوانية تخلو من السجع فى عهد ابنه الحكم المستنصر، حتى إذا كان عهد هشام ابنه وحاجبه المنصور بن أبى عامر وابنيه الحاجبين بعده المظفر والناصر رأينا السجع يشيع على ألسنة كتابهم، على نحو ما يلقانا عند ابن (٩) برد الأكبر صاحب ديوان الإنشاء لعهد المنصور بن أبى عامر وابنيه وفى زمن الفتنة للمستعين (٤٠٠ - ٤٠٧ هـ) ثم لبنى حمود بعده، وتوفى سنة ٤١٨ وقد نيّف على الثمانين، وله من
следующие страницы →