← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وكنية أخرى بأبى الطيب، ومسقط رأسه رنده إلى الغرب من مالقة، على قمة جبل سامق يشقها نهر وينابيع وتحفّها وديان، مما جعلها-كما فى المغرب-تعمّم بالسحاب وتوشّح بالأنهار العذاب، وقد رزق أبوه به سنة ٦٠١ وكان من أهل العلم، ولذلك سلكه المراكشى بين أساتذته، وذكر منهم على بن جابر الدباج الإشبيلى الذى ظل يتصدر للإقراء بإشبيلية خمسين سنة، كما ذكر مواطن الدبّاج أبا القاسم بن الجد نزيل تونس. ولم يتتلمذ لهذين العالمين فقط بل تتلمذ أيضا لابن الفخار الشريشى ولابن زرقون الغرناطى. ويذكر ابن الخطيب عن ابن الزبير صاحب كتاب صلة الصلة أنه تتلمذ له، وكل ذلك يدل على نهم فى طلب العلوم والآداب، واتضح ذلك فى جانبين عنده هما التأليف ونظم الشعر، أما التأليف فله فيه كتاب: «روضة الأنس ونزهة النفس» ويبدو أنه كان كتاب محاضرات وطرف أدبية، وسبق أن ذكرنا فى الفصل الثانى أن له أيضا كتاب الوافى فى نظم القوافى، وأن منه مخطوطة بالمكتبة التيمورية، وأنه فى أربعة أجزاء أولها فى فضل الشعر وطبقات الشعراء وعمل الشعر وآدابه وأغراضه، وثانيها فى محاسن الشعر وفنونه البديعية، وثالثها فى الإخلال والسرقة والضرورة، ورابعها فى حد الشعر وعروضه وقوافيه وأخباره تدل بوضوح على صلته الوثيقة بمحمد بن الأحمر مؤسس إمارة غرناطة، وهى صلة جعلته يكثر من مدائحه. وكان له بجانب هذين الكتابين المتصلين بالأدب شعره ونثره كتاب فى علم الفرائض، وهو يدل-كما قال المراكشى-على أنه كان بجانب ثقافته الأدبية «فقيها فرضيا حافظا» أى محدثا ويقول إنه كان متفننا فى معارف جليلة. ويقول المراكشى إنه «كان خاتمة الأدباء بالأندلس بارع التصرف فى منظوم الكلام ومنثوره» وإنه كتب إليه بإجازة ما رواه وألّفه، ويذكر أن له فى النثر مقامات بديعة فى أغراض شتى، كما يذكر أن كلامه نظما ونثرا مدون، مما يدل على أنه خلف ديوان شعر كان معروفا فى زمنه. وقد طارت شهرة أبى البقاء الرندى شرقا وغربا لقصيدته النونية التى نظمها بعد سقوط مدن الأندلس الكبرى فى يد النصارى: قرطبة وإشبيلية وبلنسية وجيان ومرسية سوى ما فى حيّز كل منها من مدن ومعاقل وحصون مما تنخلع له القلوب والأفئدة أسى وحزنا لهذا المصير المفجع، لا مصير المدن فحسب بل أيضا مصير السكان المسلمين من رجال ونساء وأطفال ووقوعهم أسرى فى أيد لا ترحم، أيد استعبدتهم وأنزلت بهم أهوالا من العذاب لا تطاق. وكأنما ندب أبو البقاء نفسه عن أهل الأندلس يستصرخ المسلمين لنصرة إخوانهم فى الدين وإنقاذهم من يد الكافرين الآثمين، وهو يستهل قصيدته بالحديث عن الدول التى دالت، وكأنما يتأثر فى هذا الجزء من قصيدته بابن

стр. 4027

عبدون آملا أن تدول دولة النصارى الشماليين، ثم ما يلبث أن يتمثل الفواجع التى نزلت بقرطبة وأخواتها الأندلسيات، ويهتف: دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهدّ ثهلان (١) فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيّان وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فيّاض وملآن (٢) قواعد كنّ أركان البلاد فما ... عسى البقاء إذا لم تبق أركان إن المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهنّ إلا نواقيس وصلبان إن ما نزل بالأندلس ودهاها من الخطوب أمر يجلّ عن العزاء فيه، إنه لكارثة تهوى لها الجبال وتنهدّ فى كل أرض إسلامية، فتلك مدن كبرى برمّتها ضاعت وضاعت معها قرطبة دار العلوم وإشبيلية دار الغناء والموسيقى، لقد سقطت أركان البلاد الأندلسية وقواعدها الأساسية، فهل يؤمل بعد ذلك بقاء لغرناطة وغيرها مما لا يزال فى أيدى المسلمين، لقد أصبحت المساجد وما كان يتلى فيها من قرآن كنائس تكتظ بالنواقيس والصلبان، ويصرخ مستنفرا: يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها فى مجال السّبق عقبان وحاملين سيوف الهند مرهفة ... كأنها فى ظلام النّقع نيران (٣) وراتعين وراء البحر فى دعة ... لهم بأوطانهم عزّ وسلطان أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان ماذا التقاطع فى الإسلام بينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان وهو يصيح فى فرسان المسلمين وأبطالهم من حملة السيوف المرهفة أن يسارعوا لنجدة الأندلس، ويعجب أن يرى المسلمين راتعين فى ديارهم يعيشون فى دعة وعزة وقوة، كأن ليس عندهم خبر عن الأندلسيين وما أصابهم من محن وكوارث، لا تصيبهم وحدهم بل تصيب أيضا الحنيفية البيضاء فى الصميم، فما هذا التقاطع والتنابذ وأنتم إخوان فى الدين أخوّة أقوى من أخوة ذوى الرحم، إذ ليست أخوّة دم بل أخوة روح وقلب وفكر وفؤاد، ويصيح جزعا:

стр. 4028

يا من لذلّة قوم بعد عزّهم ... أحال حالهم كفر وطغيان بالأمس كانوا ملوكا فى منازلهم ... واليوم هم فى بلاد الكفر عبدان ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان يا ربّ أمّ وطفل حيل بينهما ... كما تفرّق أرواح وأبدان وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنّما هى ياقوت ومرجان يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حزنان وهو يلتاع لوعة محرقة لهؤلاء المسلمين الذين استذلهم الكفر والطغيان بعد أن كانوا فى الذروة من العز والكرامة، لقد كانوا ملوكا وأمراء، فأصبحوا عبيدا، وإنهم ليبكون بكاء مرا، حين يرون أنفسهم-وقد فقدوا أعز شئ على نفوسهم، فقدوا حرياتهم-يباعون بيع العبيد. ويا للهول فكم من طفل فرّقوا بينه وبين أمه كما يفرّق بين الروح والبدن، إذ لن ترى ضناها وفلذة كبدها أبدا، وكم من سيدة فائقة الحسن فاتنة كأنما هى ياقوت ومرجان يرغمها إسبانى جاف غليظ على المكروه البغيض، وهى محزونة تذرف الدمع مدرارا. والقصيدة درة يتيمة رائعة، ولروعتها أخذت الأجيال التالية تزيد عليها أبياتا تندب بها البلاد التى سقطت فى أيدى النصارى الشماليين بعد وفاة أبى البقاء الرندى سنة ٦٨٤ للهجرة. وتنبه لذلك المقرى فى نفح الطيب، إذ ذكر بعد إنشاده لها من رواية وثيقة أن بأيدى الناس منها زيادات ندبت فيها مدن الأندلس التى ظلت تسقط حتى عهد العرب الأخير وحتى استسلام غرناطة مع غروب الشمس العربية نهائيا فى تلك الديار بعد أن ظلت ساطعة فى سمائها ثمانية قرون طوال.

стр. 4029

الفصل الخامس النّثر وكتّابه ١ - الرسائل الديوانية كان طبيعيا أن يعنى عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية فى الأندلس بديوان الرسائل، كما عنى به خلفاء أسرته الأمويون فى دمشق، وخاصة جده هشام بن عبد الملك، وقد أسند الكتابة فى ديوانه بقرطبة إلى أمية بن يزيد بن أبى حوثرة، وأسندها ابنه الأمير هشام إلى محمد (١) بن أمية المذكور، وتولى مقاليد الحكم بعده ابنه الحكم الربضى، وأسندها إلى حجاج (٢) المغيلى، وفطيس بن سليمان وفى كتاب الحلة السّيراء أن راتبه كان خمسمائة (٣) دينار. وخلفه ابنه عبد الرحمن الأوسط مؤسس الحضارة الأندلسية ونظمها الإدارية التى استقرت منذ عهده، كما ذكرنا فيها أسلفنا، إذ اتخذ مجلس وزراء وقسم شئون الدولة فى القضاء والمال والحرب وغير ذلك إلى خطط، واقتضى ذلك تعدد الكتّاب مع الوزراء وأصحاب الخطط مما كان له أثره فى نهضة الكتابة الديوانية. ويذكر ابن حيان كتّابه، ويسميهم أصحاب الكتابة العليا، وهم-على التوالى-عبد (٤) الكريم بن عبد الواحد بن مغيث مع ما كان له من الحجابة، وتوفى سنة ٢٠٩، فخلفه فيها محمد بن (٥) سعيد الزجالى، حتى إذا توفى سنة ٢٢٨ خلفه فيها عبد الله (٦) بن محمد بن أمية، وتوفى عبد الرحمن الأوسط سنة ٢٣٨ فظل يليها-مع مرض كان ينتابه-فى عهد

стр. 4030

محمد بن عبد الرحمن الأوسط حتى وفاته سنة ٢٤٦ وكان يخلفه فى الكتابة أثناء مرضه قومس (١) بن أنتنيان النصرانى وكان بليغا بصيرا بصناعة الكتابة فأسلم وحسن إسلامه، وولاه الأمير محمد الكتابة العليا، وكان قد استنّ فى أثناء اعتناقه للنصرانية-كما ذكرنا فى غير هذا الموضع-الإجازة يوم الأحد، فتبعه فى ذلك جميع الكتاب فى ديوان الأمير محمد، وأصبحت تلك الإجازة-كما يقول ابن حيان-سنة عامة فى الأندلس. وعجلت المنية بقومس، فتقلد الكتابة العليا بعده حامد (٢) بن محمد بن سعيد الزجالى مع ما تقلد من الوزارة إلى وفاته سنة ٢٦٨. وحين أصبح صولجان الحكم بيد ابنه الأمير عبد الله اتخذ على الكتابة العليا عبيد (٣) الله بن محمد بن أبى عبدة، ومنذ سنة ٢٨٧ يقلدها عبد (٤) الله بن محمد بن عبد الله الزجالى، ويظل يتقلدها سنتين زمن عبد الرحمن؟ ؟ ؟ الناصر حتى وفاته سنة ٣٠٢ فيعهد بها الناصر إلى عبد (٥) الملك بن جهور فعبد؟ ؟ ؟ الرحمن الناصر بسيل فعبد الرحمن بن بدر فعيسى بن فطيس بن أصبغ بن فطيس، ونراه؟ ؟ ؟ عن عبد الرحمن الناصر رسالة سنة ٣٢٧ فيخليها من السجع (٦)، مما يدل على تأخر استخدامه فى الكتابة الديوانية بالأندلس، ويؤكد ذلك أننا نرى عبد الرحمن الناصر يعهد بالكتابة العليا بعد ابن فطيس إلى عبد (٧) الرحمن بن عبد الله الزجالى سنة ٣٢٩ حتى إذا كلّفه فى سنة ٣٤٥ بكتابة منشور (٨) -على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-يقرأ فى المساجد الجامعة بقرطبة وغيرها من مدن الأندلس ضد ابن مسرّة وأتباعه أخلاه من السجع. وظلت الكتابة الديوانية تخلو من السجع فى عهد ابنه الحكم المستنصر، حتى إذا كان عهد هشام ابنه وحاجبه المنصور بن أبى عامر وابنيه الحاجبين بعده المظفر والناصر رأينا السجع يشيع على ألسنة كتابهم، على نحو ما يلقانا عند ابن (٩) برد الأكبر صاحب ديوان الإنشاء لعهد المنصور بن أبى عامر وابنيه وفى زمن الفتنة للمستعين (٤٠٠ - ٤٠٧ هـ) ثم لبنى حمود بعده، وتوفى سنة ٤١٨ وقد نيّف على الثمانين، وله من

стр. 4031

رسالة (١) ديوانيه عن الحاجب المظفر بن المنصور بن أبى عامر، يبرّر فيها قتله لصهره ابن القطّاع: «إنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه من شظف العيش الأنكد، ورفعنا خسيسته، وأتممنا نقيصته. . فلا أقرّ لنا بحق، ولا قابل إحساننا بصدق، ولا عامل رعيّتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحذق، بل أعلن بالمعاصى ونبذ عهودنا، وخالف سبلنا، وكدّر على الناس صفونا» وينتهى عصر الدولة الأموية، وندخل فى عصر أمراء الطوائف: عصر التنافس السياسى الحاد بينهم والتنافس الأدبى الحاد بين الأدباء من كتّاب وشعراء، ويصبح السجع أشبه بقانون عام فى جميع الرسائل الديوانية الصادرة عن هؤلاء الأمراء إذ التمسه جميع كتّابهم فى كل ما يكتبونه عنهم، التمسه أحمد (٢) بن عباس كاتب زهير أمير المريّة على البحر المتوسط المقتول معه سنة ٤٢٩ والتمسه محمد بن أحمد البزليانى كاتب حبوس صاحب غرناطة وسنترجم له عما قليل كما التمسه أبو عامر (٣) التاكرنى كاتب أمراء بلنسية: المظفر ومبارك حتى سنة ٤١٧ ثم المنصور بن أبى عامر الأصغر أميرها بعدهما، وكان يعاصره ابن برد الأصغر كاتب معن أمير المرية وسنترجم له بين أصحاب الرسائل الأدبية، وعاصرهما أبو محمد بن عبد البر كاتب مجاهد وابنه على أميرى دانية وسنترجم له بعد قليل. ومن الكتاب النابهين فى هذا العصر أبو المطرف (٤) بن مثنى كاتب المأمون بن ذى النون أمير طليطلة (٤٢٩ - ٤٦٧ هـ) وأبو المطرف عبد الرحمن بن فاخر المعروف بابن الدباغ كاتب المقتدر بن هود أمير سرقسطة (٤٣٨ - ٤٧٥ هـ) وسنترجم له بين كتاب الرسائل الشخصية، وكان يشاركه فى الكتابة للمقتدر أبو عمر الباجى، ومنهم أيضا ابن المعلم (٥) كاتب المعتضد بن عباد أمير إشبيلية، وأبو عبد الرحمن بن طاهر أمير مرسية وسنترجم له بين كتاب الرسائل الشخصية ومحمد (٦) ابن أيمن كاتب المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس، وله رسالة عنه إلى يوسف بن تاشفين أمير المرابطين بمراكش

стр. 4032

يستصرخه لنجدة الأندلس ضد ألفونس ملك قشتالة ونصارى الشمال، وفيها يقول: (١) «لما كان نور الهدى دليلك، وسبيل الخير سبيلك، ووضحت فى الصلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وصحّ العلم بأنك لدعوة الإسلام أعزّ ناصر، وعلى غزوك الشرك أقدر قادر، وجب أن تستدعى لما أعضل من الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيفة بها-أهلكهم الله-عند إفراط تسلّطها واعتدائها، وشدّة كلبها (٢) واستشرائها، تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال. . ولم يزل دأبها التشطّط والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى استصفى الطريف والتّلاد، واضطرمت فى كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنّتهم وشفارهم (٣)، فيالله! ويا للمسلمين! أيسطو هكذا بالحق الإفك، ويغلب التوحيد الشّرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النّصر، ألا ناصر لهذا الدين المهتضم؟ ! ألا حامى لما استبيح من حمى الحرم؟ وإنا لله على ما لحق عرش الدين من ثلّ (٤)، وعزّه من ذلّ! » وتمضى الرسالة بهذا الاستصراخ المتقد حمية للدين الحنيف وأهله. وتوالى على ابن تاشفين مثلها من المعتمد. وأرسل هو والمتوكل له قاضييهما مستغيثين به، كما استغاث به كثير من فقهاء الأندلس، فخفّ بجنوده وعبر بهم المجاز خفافا وثقالا رجالا وركبانا، وأنزل بهم وبمن اجتمع له من أهل الأندلس بألفونس السادس ونصارى الشمال موقعة الزلاقة التى سحق فيها أعداء الدين الحنيف سحقا، على نحو ما مرّ بنا فى الفصل الأول. ويرى ابن تاشفين ببصيرته النافذة أن يرفع عن الأندلس عبء أمراء الطوائف الذين أحالوها مزقا بينهم، فجمع بلدانها تحت لوائه، وكان قد تعرف على أبى بكر بن القصيرة كاتب المعتمد بن عباد، فاستدعاه إلى مراكش بعد ثلاث سنوات وعهد إليه بديوان الإنشاء، وظل يتولاه فى عهد ابنه على إلى وفاته، وسنترجم له عما قليل. وطالت مدة حكم على بن يوسف (٥٠٠ - ٥٣٧) وممن كتب له أبو القاسم بن الجد وسنترجم له بين كتاب الرسائل الشخصية، وأبو عبد الله محمد بن أبى الخصال وسنترجم له عما قليل وعبد العزيز بن القبطورنة كاتب المتوكل بن الأفطس مع ابن أيمن المار. وكثر ولاة المرابطين فى الأندلس وكان كل منهم يتخذ كاتبا بليغا وممن كتب لتميم بن يوسف بن تاشفين والى غرناطة أبو الحسن

стр. 4033

على (١) بن الإمام تلميذ ابن باجة الفيلسوف، وكتب لسير بن أبى بكر والى إشبيلية عبد المجيد بن عبدون، وهو من كتاب المتوكل بن الأفطس ومرت ترجمته مع مرثيته المشهورة لدولة بنى الأفطس، وقد كتب بعدهم للمرابطين، أولا لسير بن أبى بكر-كما ذكرنا-ثم لعلى بن يوسف بن تاشفين إلى وفاته على نحو م مرّ فى ترجمته. وتخلف دولة الموحدين فى الأندلس دولة المرابطين، ويذكر صاحب المعجب كتّاب حكامها ويبدأ بكتّاب مؤسسها عبد المؤمن، وهم أبو جعفر أحمد (٢) بن عطية وهو مراكشى وأبو القاسم القالمى من بجابة وعياش بن عبد الملك بن عياش القرطبى، وفى مجموع رسائل موحدية المطبوع بالرباط غير رسالة ديوانية للأولين، وهما جميعا مغربيان. وكتب ليوسف بن عبد المؤمن عياش (٣) والقالمى إلى أن توفى فخلفه ابن محشرة وهو من بجابة مثله. وكتب ليعقوب بن يوسف ابن محشرة كاتب أبيه وأبو عبد (٤) الله محمد بن عبد العزيز بن عياش التّجيبى المريى المولود سنة ٥٥٠ استكتبه يعقوب سنة ٥٨٦ فنال دنيا عريضة، وظل يلى ديوان الإنشاء لابنه الناصر ثم لابن ابنه المستنصر حتى وفاته سنة ٦١٨ وفى مجموع رسائل موحدية ثلاث رسائل، له اثنتان منها عن الناصر والثالثة عن يعقوب، وهى فى وصف غزوته الثانية للنصارى سنة ٥٩٢ بعد سحقهم فى موقعة الأرك سنة ٥٩١، وكانت وجهته طليطلة، فاستولى على كثير من الحصون حولها، وفيها يقول (٥): «فلما صارت البلاد كأن لم تغن، والمعاقل كأن لم تبن، وعلم أن من حيل بينهم وبين المواطن والأموال والأقوات أحياء ولكن فى عداد الأموات، صوّبنا على طليطلة قاعدة الصّفر، وأم بلاد الكفر. . وأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون. وعرفوا التخاذل من حيث كانوا يبصرون، واستقبلتهم العبر أفواجا أفواجا، وجاءتهم النذر تأويبا وإدلاجا». وكان أبو عبد الله محمد (٦) بن يخلفتن الفازازى القرطبى يعمل فى ديوان قرطبة وعيّن

стр. 4034

قاضيا فى مدينة مرسية، واستدعى للنهوض بالكتابة فى ديوان المستنصر حين توفى ابن عياش، وظل قائما عليه فى عهد العادل (٦٢١ - ٦٢٤) وتوفيا معا فى سنة واحدة. وخلف العادل إدريس بن يعقوب وتلقب بالمأمون (٦٢٤ - ٦٢٩ هـ) وكان يحكم إشبيلية قبل ذلك وثار عليه البياسى بجيّان وقضى على ثورته وكان يكتب له حينذاك أبو زيد عبد الرحمن بن يخلفتن المترجم له فى الفصل الماضى أخو محمد المذكور آنفا، وقد استقدمه إلى مراكش ولم يكد يمضى بها عدة أشهر-كما مرّ بنا فى ترجمته-حتى توفى سنة ٦٢٧. وكان يكتب لولاة الموحدين فى الأندلس كتاب بارعون ويكفى أن نذكر أنه كتب لعثمان بن عبد المؤمن والى غرناطة عبد (١) الرحمن بن مسعدة وأخوه يحيى وابن جبير الرحالة المشهور وابن هرودس الوشاح المبدع على نحو ما ذكرنا فى حديثنا عن الموشحات. وأخذت الأندلس جميعها تثور على المأمون والموحدين لضعفهم فى مقاومة الأرجونيين فى الشرق والقشتاليين فى الشمال والبرتغاليين فى الغرب. وكان أهل شرق الأندلس أول من ثاروا على الموحدين بزعامة أبى عبد الله محمد بن هود سنة ٦٢٥ تحت شعار الخلافة العباسية إرضاء للعامة، واتخذ مرسية قاعدة له ومدّ سلطانه على مالقة والمرية وقرطبة وإشبيلية وغرناطة، وثار عليه بإشبيلية الباجى وابن صاحب الرد وابن الجد وتوفى ابن هود سنة ٦٣٥ وثار بمرسية عزيز بن خطاب سنة ٦٣٦ وقتل بعد تسعة أشهر. ومن أكبر الثوار حينئذ ابن الأحمر محمد بن يوسف، وقد واقع ابن هود وانتصر عليه مرارا واستخلص منه غرناطة وأسس فيها دولتهم التى ظلت أكثر من قرنين ونصف. ومن كبار هؤلاء الثوار أبو جميل زيان بن مردنيش الثائر ببلنسية سنة ٦٢٦ وقد حكم أولا تحت شعار العباسيين مثل ابن هود، ثم حول الدعوة منهم إلى الحفصيين فى تونس رجاء أن يمدوا له يد العون ضد ملك أرجون. وقد أخذت تسقط جواهر الأندلس ومدنها الكبرى فى حجور الأرجونيين والقشتاليين والبرتغاليين، وإنما ذكرنا ذلك لأن كل ثائر ممن سميناهم اتخذ كاتبا بليغا، فالبياسى كتب له أبو يحيى (٢) بن هشام القرطبى وأحبطت ثورته سريعا، واعتنق النصرانية مذموما مدحورا، وكتب لابن هود أبو جعفر (٣) أحمد بن

стр. 4035

طلحة وابن الجنان (١) وأبو المطرف بن عميرة، وسنترجم له، وكتب عن الباجى ابن (٢) البناء الإشبيلى، وكتب لابن الأحمر ابن خطاب (٣) الجيانى وأبو عبد الله (٤) ابن الخيال، وكتب لزيان أبو المطرف بن عميرة، وابن الأبار الذى ترجمنا له فى الفصل الماضى. ومن الكتاب فى دواوين بنى الأحمر ابن الحكيم (٥) كاتب الحاكم الثانى فى الأسرة محمد بن محمد بن نصر المعروف بالفقيه (٦٧١ - ٧٠١ هـ) وكتب ابن الحكيم أيضا لابنه محمد (٧٠١ - ٧٠٨ هـ.) ومن كتاب بنى الأحمر النابهين فى القرن الثامن الهجرى ابن الجيّاب (٦) ولسان الدين بن الخطيب الكاتب المشهور وسنترجم له، وخلفه على ديوان الإنشاء ابن زمرك، ومرّت ترجمته بين شعراء المديح، وربما كان أنبه كتابهم فى القرن التاسع الهجرى أبو عبد الله (٧) الشّرّان محمد بن إبراهيم. وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنتحدث بكلمات مجملة عن ستة من كتاب الرسائل الديوانية النابهين هم: البزليانى وأبو محمد بن عبد البر وابن القصيرة وابن أبى الخصال وابن عميرة ولسان الدين بن الخطيب. البزليانى (٨) هو أبو عبد الله محمد بن عامر البزليانى المالقى، وبزليانة من قرى مالقة، وكانت مالقة تتبع غرناطة وكانت إمارة الإقليم فى عصر أمراء الطوائف لبنى زيرى المغاربة، وأول من تولاها منهم زاوى حتى سنة ٤١٠ وتولاها بعده ابن أخيه حبوس بن ماكسن بن زيرى، وطمحت نفس البزليانى للعمل فى الدواوين بغرناطة وسبقت شهرته بإحسان الكتابة إليها فاستكتبه أميرها حبوس وأصبح رئيسا لديوانه وكتابه. وعمل بعده مع ابنه باديس (٤٢٩ - ٤٦٥ هـ) وكانت فيه قسوة وجفوة، فرأى التحول عنه وعن دواوينه، ويقول صاحب الذخيرة إنه «ممن أدار الملوك ودبرها، وطوى الممالك ونشرها» وإنه تقلب فى البلاد، وانتهى به المطاف إلى المعتضد بن عباد سنة ٤٤٣ فألحقه بدواوينه، ووصله بابنه

стр. 4036

إسماعيل، وما تدخل سنة ٤٤٥ حتى يأمر المعتضد ابنه إسماعيل بغزو قرطبة، ولم يكن البزليانى-كما سنرى-يرتضى سياسة المعتضد فى غزو جيرانه، بينما يرضخ خاضعا لنصارى الشمال، وأغوى إسماعيل بمخالفة رأى أبيه، وخوّفه من إسراع باديس أمير غرناطة بنجدة بنى جهور فى قرطبة، فيقع بين فكّى أسدين يمضغانه. وكان المعتضد أبوه يعامله بقسوة وفظاظة فرأى أن ينصرف من طريقه بجيشه إذ تعاظمه الهجوم على قرطبة مع قرب حلي أمرائها باديس أمير غرناطة منهم كما ذكرنا. ويقال إن البزليانى مضى فى استغوائه له وإنه أشار عليه بهربه من أبيه ودبّره، وتطورت الظروف، فقتل المعتضد البزليانى لما وقر فى نفسه من أنه هو الذى أغواه، وقتل بعده ابنه. هكذا يقول الرواة ونظن ظنا أن المعتضد استدرج البزليانى للعمل فى دواوينه، وهو يبيّت له هذا المصير المحتوم، لما عرف عنه من إنحائه على أمراء الطوائف باللوم-فى رسائله-منذ كان عند حبوس-على سياستهم وحربهم بعضهم لبعض واستعانتهم فى ذلك بنصارى الشمال، ليغرسوا حرابهم فى صدور إخوانهم المسلمين. وليس ذلك غريبا على المعتضد فقد كتب إليه أصدق أصدقائه أبو حفص عمر الهوزنى يحضه على جهاد النصارى فاستدرجه، ووضعه بأعلى محل، وعوّل عليه فى العقد والحل، حتى إذا مضى عليه عامان باشر قتله بيده (١)، فكان طبيعيا أن يفتك بالبزليانى، حتى لو لم يتصل بابنه إسماعيل، لحملته العنيفة على سياسته وسياسة أنداده من أمراء الطوائف، على نحو ما يتضح من رسالة أرسل بها -كما يقول ابن بسام-عن حبوس إلى يحيى بن منذر التجيبى أمير سرقسطة: وفيها يقول: «اتصل بى ما وقع بينك وبين المؤتمن (المنصور (٢) الأصغر عبد العزيز) أمير بلنسية (٤١٧ - ٤٢٥ هـ.) والموفق مجاهد (أمير دانية) (٤١٣ - ٤٣٦ هـ.) وعضد الدولة (أمير إشبيلية)، وأنكم اضطررتم إلى إخراج كل فريق منكم النصارى إلى بلاد المسلمين، فعظم قلقى، وكثر على المسلمين شفقى، فى أن يطأ أعداؤهم بلادهم، ويوتموا أولادهم. . ولو لم تكن الفتنة-يا سيدى-إلا بين المسلمين والتشاجر إلا بين المؤمنين لكانت القارعة العظمى، والداهية الكبرى، فإذا تأيّدنا بالمشركين، واعتضدنا بالكافرين، وأبحناهم حرمتنا، ومنحناهم قوتنا، وقتلنا أنفسنا بأيدينا، وأدّتنا إلى النّدم مساعينا، كانت الدائرة

стр. 4037

أمضّ (١)، والحيرة أرمض (٢)، والفتنة أشدّ، والمحنة أهدّ، والأعمال أحبط، والأحوال أسقط، والأوزار أثقل، والمضارّ أشمل، والله يعيذنا من البوائق (٣)، ويسلك بنا أجمل الطرائق. . وأنت يا سيدى للمسلمين الحصن الحصين، والسّبب المتين، والنّصيح المأمون، فاجر فى جمع كلمتهم والمراماة دون حوزتهم (٤)». والبزليانى يصرخ فى يحيى بن المنذر التجيبى أمير سرقسطة فى أقصى الشمال، فإن أمراء الطوائف من أمثال أمير بلنسية وأمير دانية وأمير إشبيلية يوطئون النصارى بلادهم مستعينين بهم فى حرب أهل دينهم وقتل الآباء وتيتيم الأطفال والأبرياء. ويقول لو كانت المحنة محاربة المسلمين بعضهم بعضا فحسب لكانت تلك قارعة عظمى وداهية كبرى، ولكن المحنة أدهى وأمر فإننا نستعين بالنصارى ونبيحهم ديارنا فيا لله ويا للمسلمين. ويستغيث بيحيى بن المنذر أن يجمع كلمة هؤلاء الأمراء، حتى يدافعوا عن حوزتهم وحدود أرضهم ويرموا العدو يدا واحدة حتى لا تقوم له قائمة. ومن غريب أن هذه الصرخة دوّت فى العشرينيات من القرن الخامس، وكأنها صرخة فى فلاة ولا حياة لمن تنادى. ويصرخ البزليانى فى رسالة ثانية وجّه بها إلى (المنصور الأصغر أمير بلنسية الذى ذكره فى الرسالة السابقة)، وله يقول-فيما أظن-على لسان باديس: «اتصل بى ما جزعت له من لزومك مع الموفق مجاهد ومن تبعكما من معاقديكما لمقاتلة المظفر أبى بكر محمد أمير بطليوس (٤٣٠ - ٤٦٠ هـ) ومنازلته ومقارعته واستجاشة (٥) كل حزب منكم النصارى وطمعكم أن تمنعوا بهم ذمارا، وتقضوا بإخراجهم (معكم) أوطارا (٦)، وتدركوا بأيديهم أوتارا. (٧) ولم يخف عليك ما يتسبّب بالفتن، من البلوى والمحن. . باخترام (٨) الرّجال، وإيتام الأطفال، وإرمال (٩) النساء، وإحلال الدماء، وانتهاب الأموال، واعتساف (١٠) الأهوال، وإخلاء الأوطان، وإجلاء السكان. هذا إذا كانت الدعوة واحدة، والشرعة معاضدة، فأما إذا انساق العدوّ إلينا، وتطرّق علينا،

стр. 4038

وضرى (١) على أموال المسلمين ودمائهم، وجرؤ على قتل رجالهم وسبى نسائهم، وبانت له العورات، وتحققت عندهم الاختلافات، أحدّوا رحاهم (٢)، واستمدّوا من وراهم، ولم يكن للمسلمين بهم بعد يد (٣)، ولا عن إخلاء هذه الجزيرة بدّ، والله يحميها من الغير (٤)، ويكفيها سوء القدر» ولا تقل هذه الصرخة عن سابقتها قوة، والبزليانى يهيب فيها بالمنصور الأصغر أن لا يمضى مع مجاهد فى حشد الجيوش ضد أخيهما المظفر بن الأفطس أمير بطليوس مستعينين فى قتال أهلهما المسلمين بالنصارى طامعين أن يحموا لهما حماهما وأن يحققوا لهما آمالهما ويدركوا لهما أثآرهما غير مراعين فى أهل دينهما حقا، إذ تقتل الرجال وتيتّم الأطفال وترمّل النساء وتنهب الأموال وتخلو الأوطان ويجلو السكان. والطامة الكبرى أن العدو إذا جاس خلال ديارنا وتجرّأ على نهب أموال المسلمين وعلى سفك دمائهم وقتل رجالهم وسبى نسائهم وانكشفت له فى البلاد العورات، وتحقق مما بين أمراء المسلمين من الاختلافات والمنازعات شحذ أسلحته وأدار رحى حرب طاحنة مستمدا فيها النصارى من ورائه فى أوربا، فجاءوه من كل فج، وأصبح المسلمون ولا طاقة لهم فى نزالهم ولا قدرة، واضطروا اضطرارا إلى مبارحة الجزيرة لا يلوون. وذهبت الصرختان جميعا هباء، وبدلا من أن يعيها هؤلاء الأمراء الذين عاشوا للترف وأعدوا لضياع البلاد جازاه المعتضد الباغى منهم شر الجزاء، فسفك دمه. أبو محمد (٥) بن عبد البر هو أبو محمد عبد الله ابن الفقيه المشهور أبى عمر بن عبد البر النمرى القرطبى، وقد عنى به أبوه، فخرجه على يده فى أجمل صورة علمية للشاب الأندلسى فى عصره، وتفتحت فيه مبكرا نزعة أدبية جعلته يؤثر على حلقات العلم والدراسة دواوين أمراء الطوائف، ويقول ابن بسام إنه «حلّ من كتاب الإقليم محل القمر من النجوم. . وتهادته الآفاق، وامتدت إليه الأعناق. . ففاز به المعتضد (أمير إشبيلية) بعد طول خصام، والتفاف

стр. 4039

زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورط بين حبائله وحباله» وأصبح من كتّاب ديوانه، ولا نعرف الأسباب التى جعلت ابن زيدون يغصّ-كما يقول ابن بسام-بمقامه معه فى حضرة المعتضد، إذ أخذ يوغر صدره عليه، ومضت الأيام. وشعر أبو محمد بتغير المعتضد عليه، وكان سفاكا للدماء، فأخذ فى اقتناء الضياع والديار حتى يوهمه بأنه لن يفارق عمله عنده، ويبدو أنه أرسل إلى أبيه يطلعه على موقف ابن زيدون وزير المعتضد-وموقف المعتضد نفسه منه-وأنه يخشى مغبة مكثه عنده، فربما فتك به كما فتك بكثرين. وكان أبوه قد استوطن دانية وطاب له المقام عند أميرها مجاهد، فخفّ إلى المعتضد، وخلصه من يديه، وانصرف به محفوفا بالتجلة والإكرام، يقول ابن بسام: «وجعل أبو محمد بن عبد البر بعد نجاته من المعتضد يتنقل فى الدول كالبدر يترك منزلا إلى منزل. . وكتب عندنا عن أكثر ملوك الطوائف» وأكبر الظن أن ابن بسام بالغ فى قوله إنه تنقل بين ملوك الطوائف وكتب عند أكثرهم، فإنه هو نفسه لم يرو له رسائل ديوانيه إلا عن المعتضد وعلى بن مجاهد أمير دانية بعد أبيه مجاهد (٤٣٦ - ٤٦٧ هـ) وكأنه صحب أباه إلى دانية، فوظفه على بن مجاهد رئيسا لديوانه وكتّابه، وظل يعمل فيه، حتى توفى سنة ٤٥٨ وحزن أبوه لفقده، ولعل ذلك ما جعله يتحول عن دانية إلى شاطبة، شرقيها، وبها توفى. وقد أورد ابن بسام لأبى محمد رسائل ديوانية كثيرة عن المعتضد وعلى بن مجاهد، ومن أطرفها رسالة عن ابن مجاهد وقد زفّ ابنته إلى المعتصم بن صمادح أمير المرية، وفيها يقول: «أنفذت الهديّة (العروس). . وأنا أسأل الله فى متوجّهها ومنقلبها الرعاية الموصولة بك، والكفاية المعهودة منك، حتى يفئ (١) عليها ظلّك، ويبوّئها (٢) مثوى الحفاوة محلّك، ويحميها حوزك ومكانك، ويؤويها عزّك وسلطانك، ثم حسبى عليها كرمك وكنفك (٣)، وخليفتى عليها برّك ولطفك. . وإنك-والله يبقيك ويعليك، ويشدّ (٤) قبضتك على رقاب أمانيك وأراجيك-ذخر الأبد، وعتاد الأهل والإخوان والولد، وعندك ثمرة النفس وفلذة الكبد، فارقتها عن شدة ضنانة، وأسلمتها بعد طول صيانة، وما زفّت إلا إلى كريم يحملها محمل الأمانة، ويقضى فيها حقّ الديانة، ويرعى لها انقطاعها عن أهلها، واغترابها عن ملئها ومنشئها، وهو حكم الله الواجب، وقدره الغالب، وسنّته المشروعة، ومشيئته المتبوعة»

стр. 4040

وحدثت فى سنة ٤٥٦ نكبة عظمى، فإن النورمانديين فى الشمال الغربى لفرنسا تجمعوا وتجمعت معهم شراذم من فرنسا وأوربا لحرب المسلمين فى الأندلس، مكوّنين حملة صليبية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة إذ باركها البابا إسكندر الثانى، واخترقت الحملة جبال البرينيه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا وحاصرت مدينة وشقة فى أقصى الشمال الشرقى لإسبانيا، ولم تستطع اقتحامها، فاتجهت إلى مدينة بربشتر إلى الشمال الشرقى من سرقسطة، وحاصروها أربعين يوما، واضطر أهلها إلى التسليم لنقص القوت والمئونة، ففتكوا بهم فتكا ذريعا وانتهكوا نساءهم وسبوا عشرات الألوف من غلمانهم وفتياتهم، وحملوا من الكسوة والفرش والأمتعة خمسمائة حمل، كل ذلك والمقتدر أمير سرقسطة قد وكلهم إلى أنفسهم وقعد عن النفير لهم. وزر لا يماثله وزر، وقد شركه فيه أمراء الطوائف جميعا، إذ لم ينهض أحد منهم للدفاع عن بربشتر. ويعلل ابن حيان تلك الكارثة بعلتين: علة صمت الفقهاء لأكلهم على موائد هؤلاء الأمراء وتقية وخوفا منهم، والعلة الثانية، وهى الأفدح، أن الأمراء استناموا إلى التنابذ والتنافر، ويسميهم «أمراء الفرقة الهمل» ويعجب أن لا تنبّههم هذه اللطمة الضخمة إلى جمع الكلمة ووقوفهم صفا واحدا ضد العدو الكاشر عن أنيابه، وأن يكون كل ما دفعتهم إليه حفر الخنادق حول مدنهم وتعلية الأسوار وتوثيق البنيان. وأطارت النكبة أفئدة المسلمين فى الأندلس وتزلزلت بهم الأرض، وتجمعوا فى السنة التالية بقيادة المقتدر بن هود أمير سرقسطة وكأنما أراد أن يغسل عنه عار نكوله عن إغاثة أهل بربشتر، وسرعان ما أجيل السيف فى النصارى المعتدين واستؤصلوا أجمعين وردّت بربشتر إلى المسلمين فغسلوها من رجس الشرك-كما يقول ابن حيان-وجلوها من صدأ الإفك (١). وإنما قدمنا كل ذلك لتتضح لنا صرخة ضخمة وجّهها أبو محمد بن عبد البر فى شكل منشور وزّع فى كل مدن الأندلس، مما دفع أهل الجهاد فى كل مكان منها إلى حمل سلاحهم واستردادها سريعا هذا الاسترداد المشرف، وقد جعل المنشور على لسان أهل بربشتر وعنوانه-كما يقول ابن بسام-: «من الثّغور القاصية، والأطراف النائية، المعتقدين للتوحيد، المعترفين بالوعد والوعيد، المستمسكين بعروة الدين، المستهلكين فى حماية المسلمين، المعتصمين بعصمة الإسلام، المتآلفين على الصلاة والصيام، المؤمنين بالتنزيل، المقيمين على سنّة

стр. 4041

الرسول، محمد نبىّ الرحمة، وشفيع الأمة، إلى من بالأمصار الجامعة، والأقطار الشاسعة، بجزيرة الأندلس من ولاة المؤمنين، وحماة المسلمين، ورعاة الدين، من الرؤساء والمرءوسين» والمنشور كان طويلا مما جعل ابن بسام يقتطف منه فصولا، وقد مضى أبو محمد يصور ما نزل بأهل بربشتر من الأهوال التى تقشعر لها الأبدان وتشيب لها الولدان، ومن قوله فى بعض فصوله مستثيرا مستنفرا بما يوجع القلوب سماعه من انتهاك النساء والدين: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ -على ما رأت منا العيون-من انتهاك النّعم المدّخرات، وهتك ستر الحرم المحجّبات، والبنات المخدّرات، ولو رأيتم-معشر المسلمين-إخوانكم فى الدين، وقد غلبوا على الأموال والأهلين، واستحكمت فيهم السيوف، واستولت عليهم الحتوف، وأثخنتهم الجراح، وعبثت بهم زرق الرّماح، وقد كثر الضّجيج والعويل والنّواح. . . ومصاحف تمزّق، ومساجد تحرّق، ولا الأخ يلبّى أخاه، ولا الابن يدعو أباه، ولا الأب يدنى بنيه، (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) ولا المرضعة تلوى (تعطف) على رضيعها، ولا الضجيعة ترثى لضجيعها. . وقد سيقت النساء والولدان، ما بين عارية وعريان، ومشيخة الرجال مقرّنين فى الحبال، مصفّدين فى السلاسل والأغلال. . والجوامع، والصّوامع، بعد تلاوة القرآن، وحلاوة الأذان، مطبقة (١) بالشرك والبهتان، مشحونة بالنواقيس والصلبان، عوضا من شيعة الرحمن، والكفر يضحك وينكى (٢)، والدين ينوح ويبكى، فيا ويلاه! ويا ذلاّه! ويا كرباه! ويا قرآناه! ويا محمداه! ولو شهدتم-معشر المسلمين-ذلك لطارت أكبادكم جزعا، وتقطّعت قلوبكم قطعا، واستعذبتم طعم المنايا، لموضع تلك الرّزايا، ولهجرت أسيافكم أغمادها، وجفت أجفانكم رقادها، امتعاضا لعبدة الرحمن، وحفظة القرآن، وضعفة النساء والولدان، وانتقاما من عبدة الطّغيان، وحملة الصّلبان» والرسالة-بهذا النمط-تشعل الحماسة فى النفوس الخامدة حمية للدين الحنيف وما حرّق من مساجده وصوامعه وما مزّق من قرآنه ومصاحفه، ولنساء المسلمين وما انتهك من حرماتهم وما ساموهم به من أسر وسباء، بل من عرى وعذاب أليم، ومن بقى من الرجال أوثقوا فى السلاسل والأغلال. ويقول أبو محمد: إن

стр. 4042

ما دهى بربشتر إنما هو رمز لما أصاب الأندلسيين فى عهد أمراء الطوائف من تقاطع وتنابذ ويدعو إلى التواصل والألفة، حتى يتدارك الأندلسيون ما يوشك أن يصيبهم من هلاك مدمر، يقول متحسرا: «ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح فى الجسد اشتباكا، وكالأنامل فى اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا سقط لنا نجم (١)، ولا ذلّ لنا حزب، ولا فلّ لنا غرب، ولا روّع لنا سرب، ولا كدّر لنا شرب (٢)، ولكنّا عليهم ظاهرين، إلى يوم الدين، فالحذر الحذر! فإنه رأس النظر، من بركان تطاير منه شرر ملتهب، وطوفان تساقط منه قطر مرهب، قلما يؤمن من هذا إحراق، ومن ذلك إغراق، فتنبّهوا قبل أن تنبّهوا، وقاتلوهم فى أطرافهم قبل أن يقاتلوكم فى أكنافكم، وجاهدوهم فى ثغورهم قبل أن يجاهدوكم فى دوركم» ولم تذهب صرخة أبى محمد أدراج الرياح، فسرعان ما حمل الأندلسيون أسلحتهم كما ذكرنا، وهاجموا العدو فى بربشتر وردوا كيده فى نحره مستأصلين له إلا ما باعوه بيع الرقيق من الأبناء والعيال. وكان حريّا بأمراء الطوائف بعد تلك الكارثة المروعة أن يأتلفوا ويتحدوا ضد نصارى الشمال، ولكنهم عادوا إلى فرقتهم كما عادوا إلى استخذائهم من دفع الإتاوات السنوية لأولئك النصارى مع تسديدهم الرماح والسيوف إلى صدور إخوانهم من المسلمين إلى أن ضاعت طليطلة، ولولا أن تدارك يوسف بن تاشفين الأندلس لسقطت مدنها فى حجور النصارى واحدة إثر أخرى. أبو بكر (٣) بن القصيرة هو أبو بكر محمد بن سليمان الكلاعى الولبى الإشبيلى المعروف بابن القصيرة، نشأ فى إشبيلية، وتفتحت موهبته الأدبية فى عهد المعتضد أمير إشبيلية، وفطن له-كما يقول ابن بسام-ابن زيدون وزيره، فنبه عليه المعتضد آخر دولته، فألحقه بديوانه، وتعرّف

стр. 4043

حينئذ بالمعتمد وأعجب كل منهما بصاحبه، حتى إذا استولى على صولجان إشبيلية بعد أبيه رفعه إلى مرتبة الوزارة، مع إسناد الكتابة إليه، وله عنه فى الذخيرة غير رسالة، وعهد إليه غير مرة بالسفارة بينه وبين جيرانه من أمراء الطوائف، حتى إذا استولى ألفونس ملك القشتاليين على طليطلة، وشدّد عليه فيما كان يأخذ من المعتمد من إتاوات سنوية استصرخ-وبالمثل المتوكل أمير بطليوس-يوسف بن تاشفين أمير المرابطين لكى يقدم بجيشه إلى الأندلس نجدة لها ضد ألفونس ومطامعه، وكان أبو بكر بن القصيرة هو الرسول أو السفير الذى حمل رسالته إلى يوسف واستغاثته. ولبّاه ولبّى المتوكل وفقهاء الأندلس، فعبر بجنوده المجاز، وأنزل-يعاونه الأندلسيون وأمراؤهم: المعتمد وغيره- بألفونس وقعة الزلاقة المشهورة فى رجب سنة ٤٧٩ وفيها سحق جيش ألفونس سحقا كاد لا يبقى منه ولا يذر. وتطورت الظروف فاستولى ابن تاشفين-نزولا على إرادة الأندلسيين وفقهائهم-على إمارات الطوائف جميعا ما عدا سرقسطة فى الشمال إذ تركها لبنى هود، لما رأى من إحسانهم لحمايتها ودفاعهم عنها ضد النصارى، وأخذ المعتمد معه أسيرا إلى أغمات كما مر بنا فى غير هذا الموضع. وطبيعى أن يبتعد أبو بكر بن القصيرة عن حكام إشبيلية الجدد من المرابطين، ويظل على ذلك نحو ثلاث سنوات، ويفاجأ فى سنة ٤٨٧ باستدعاء يوسف له كى يتولى ديوان الإنشاء عنده بمراكش وكان كاتبه عبد الرحمن بن أسباط قد توفى، ويبدو أنه كان يعجب بابن القصيرة والرسائل التى حملها إليه على لسان المعتمد، وأصبح منذ هذا التاريخ رئيس ديوان الإنشاء ليوسف بن تاشفين حتى وفاته سنة ٥٠٠ وظل قائما على هذا الديوان زمن على ابنه حتى وافاه القدر سنة ٥٠٨ بمراكش. وتحتفظ الذخيرة-كما ذكرنا آنفا-بكثير من الرسائل التى كتبها على لسان المعتمد بن عباد، ولعل أهمها الرسالة التى فصّل فيها القول فى هزيمة ألفونس بالزلاّقة، وكان جيشه قد دمّر، وبلغ من كثرة قتلاه أن كان الناس يتخذون من رءوسهم صوامع يؤذّنون عليها ويشكرون الله على حسن صنيعه، ومن قول ابن القصيرة فى الرسالة المذكورة ببعض فصولها بلسان المعتمد. «قد علم ما كنا-قبل-مع عدوّ الله أذ فونش قصمه الله-من تطأطؤنا واستعلائه، وتقامئنا وانتخائه (١)، وأنا لم نجد لدائه دواء، ولا لبلائه انقضاء، ولا لمدة الامتحان به

стр. 4044

فناء، إلى أن سنّى (١) الله تعالى من استصراخ أمير المسلمين وناصر الدين، أبى يعقوب يوسف بن تاشفين-أيده الله-ما سنّى، وأدنى من نأى دياره وشحط (٢) مزاره ما أدنى. . ثم أجاز-على بركة الله وعونه-يريش (٣) ويبرى، وسار قدما (٤) يخلق ويفرى (٥). واتفق رأينا بعد تشاور على قصد قورية (بالقرب من ماردة شرقى بطليوس) -حرسها الله-وسمع العدو-لعنه الله-بذلك فقصد بمحتشده إليها فى جيوش تملأ الفضاء، وتسدّ الهواء، وتمنع أن تقع على ما تحت راياته ذكاء (٦)، قد تحصّنوا بالحديد من قرونهم إلى أقدامهم، واتخذوا من السلاح ما يزيد فى جرأتهم وإقدامهم، ودعاه تعاظمه إلى مواجهة سبيلنا، وحمله نفجه (٧) وتهوّره على السلوك فى مدرج سيولنا، ودنونا إليه بمحلاّتنا، وأطللنا عليه براياتنا، وتنادى المسلمون بشعارهم (٨) المنصور، وأقبلوا عليه وعلى من معه فى حال مؤذنة بالظهور والوفور، وتواقف قليلا الجمعان، وتجاول مليّا (٩) الفريقان، ثم صدق أمير المسلمين، وناصر الدين-أيدّه الله-الحملة، وصدم فى جمع لم يكثر عدد الجملة، فلم يلبث أعداء الله أن ولّوا الأدبار، واتبعتهم خيل المسلمين تقتلهم فى كل غور ونجد (١٠)، وتقتضى أرواحهم على حالين من كالئ ونقد (١١)، ولم يخلص منهم على أيدى المتّبعين-آجرهم الله-إلا من سيلتهمه البعد، ويأتى على حشاشته (١٢) الجهد. . ولم يصب بحمد الله من المسلمين-وفّرهم الله على هول المقام، وشدة الاقتحام، كثير، ولا مات من أعلامهم تحت تلك الجولة إلا عدد يسير، وإن كان أذفونش-لعنه الله-لم يمت تحت السيوف بددا (١٣)، فسيموت لا محالة أسفا وكمدا، ونحمد الله على ما يسّر من هذا الفتح الجليل وسناّه، ومنحه من هذا الصّنع الجميل وأولاه». وليت ابن بسام روى هذه الرسالة كاملة حتى تتراءى وقعة الزلاقة المجيدة بكل تفاصيلها، والمعتمد يعترف فى مقدمتها باستخذائه (١٤) أمام ألفونس وتصاغره وشعوره

стр. 4045

بالمذلة والهوان مع التزامه بما كان يدفعه له سنويا من إتاوات. ويقول إنه كان دأبه ودأب أمراء الطوائف من حوله الإذعان لنصارى الشمال، بينما كان دأب النصارى التسلط ونهب الحصون والقلاع، بل لقد نهب ألفونس طليطلة الجوهرة الكبرى، والمعتمد وأمثاله من أمراء الطوائف فى غفلة يعمهون. وقيضّ الله للمسلمين هناك ابن تاشفين، فقلّم أظفار ألفونس وردّ كيده فى نحره ونحر أتباعه مذمومين مدحورين على نحو ما يصور ابن القصيرة فى رسالته. واحتفظت الذخيرة برسالة لابن القصيرة على لسان يوسف بن تاشفين وجّه بها إلى أبى عبد الله محمد بن على بن حمدين حين ولاه القضاء بقرطبة سنة ٤٩٠ وله يقول: «استهد الله يهدك، واستعن بالله يعنك، وتولّ القضاء الذى ولاّكه الله بجدّ وحزم، وجلد وعزم، وأمض القضايا على ما أمضاها الله تعالى فى كتابه وسنة نبيه، ولا تبال برغم راغم، ولا تشفق من ملامة لائم. . وقد عهدنا إلى جماعة المرابطين أن يسلّموا لك فى كل حقّ تمضيه، ولا يعترضوا عليك فى قضاء تقضيه، ونحن أولا وكلّهم آخرا مذ صرت قاضيا سامعون منك، غير معترضين فى حق عليك، والعمال والرعية كافّة سواء فى الحق». وواضح أن ابن تاشفين يجعل القاضى فوقه وفوق الرعية جميعا، ويقول إنه ليس لجماعة المرابطين فى الأندلس من أولى العقد والحل الحق فى أى اعتراض يوجهونه إليه أو إلى قضائه، ويوسف بن تاشفين نفسه أولا ثم المرابطون جميعا مذ صار قاضى الجماعة فى قرطبة قد أصبحوا خاضعين له ولأحكامه. وهو جانب مشرف فى القضاء الإسلامى، نجده فى كل مكان، ونقصد استقلاله وأن مكانة القاضى فوق مكانة الحاكم مهما بلغ من السلطان. وقد نشر الدكتور محمود مكى مجموعة من رسائل كتاب الديوان المرابطى فى عهد على بن يوسف بن تاشفين فى المجلد السابع من صحيفة معهد الدراسات الإسلامية فى مدريد بينها تسع رسائل لابن القصيرة من الرسالة الخامسة فى المجموعة إلى الثالثة عشرة، والسابعة فى ترتيب المجموعة أشبه بمنشور وجهه إلى أهل الأندلس بلسان على بن يوسف، وكان فى زيارة لقرطبة، وفيه ينصح الأندلسيين بطاعة الوالى وأن لا يعصوا له أمرا قائلا: «إنه النائب عنا فى تدبيركم، وإقامة أموركم، وسياسة صغيركم وكبيركم، وقد فوّضنا

стр. 4046

إليه ذلك وأفردناه بالنظر فى دقّه وجلّه (١)، وقلّه وكثره (٢). . وما فعل من ذلك كلّه فنحن فعلناه، وما قال فيه فكأننا نحن قلناه، ولا نوقف ما أمضاه، ولا نمضى ما وقعّه وأباه، ولا نرى فى أحد منكم إلا ما يراه، ولا نتولاّه كائنا ما كان إلا أن يتولاّه، ولا نرضى من أحواله ما لا يرضاه، بلساننا يتكلم، وعما فى جناننا (٣) يترجم، وعلى ما يوافقنا يسدى ويلحم (٤)». وفى رأينا أن هذه قسوة فى معاملة الرعية، وواجب الحاكم الأعلى مثل على بن يوسف أمير المرابطين أن يأخذ الرعية بالحلم، وأن يوصى ولاته بمعاملتها بالعدل الذى لا تصلح حياة الناس بدونه وأن يسمعوا إلى شكواهم وأن يفتحوا أبوابهم لكل متظلم أو مظلوم فى الرعية. وتخلو بعض السطور فى رسائل ابن القصيرة من السجع، وهو ما جعل عبد الواحد المراكشى يقول عنه: «كان ابن القصيرة على طريقة قدماء الكتاب من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعانى من غير التفات إلى الأسجاع التى أحدثها متأخرو الكتّاب، اللهم إلا ما جاء فى رسائله من ذلك عفوا من غير استدعاء». وهذا الحكم إنما يصدق فقط على بعض سطور تتخلل أحيانا رسائله المسجوعه. ابن أبى الخصال (٥) هو أبو عبد الله محمد بن مسعود الغافقى الشّقورى المعروف بابن أبى الخصال، المولود سنة ٤٦٥ بفرغليط إحدى قرى شقوره من إقليم جيان غربى مرسية. سكن قرطبة، ودرس على شيوخها، ونهل من حلقاتهم ما جعله متفننا فى العلوم مستبحرا فى الآداب واللغات، عالما بالأخبار ومعانى الحديث والآثار والسير والأشعار. ويضيف ابن بشكوال إلى ذلك أنه «كان مفخرة وقته وجمال جماعته، حسن العشرة، واسع المبرة، من

стр. 4047

أهل الخصال الباهرة والأذهان الثاقبة، فصيح اللسان، حسن البيان، حلو الكلام أحد رجال الكمال، وله تآليف حسان» منها كتاب «سراج الأدب» وكتاب «ظل الغمامة وطوق الحمامة» فى مناقب من خصّه الرسول ﵊ من صحابته بالكرامة، وأحلّه بشهادته الصادقة دار المقامة. وكان كاتبا بليغا وشاعرا محسنا، وله قصيدة طويلة فى نسب الرسول ﷺ سماها «معراج المناقب ومنهاج الحسب الثاقب». وله بجانب ذلك رسائله الديوانية والشخصية البديعة، ويقول صاحب المعجب: «له ديوان رسائل يدور بأيدى أدباء أهل الأندلس قد جعلوه مثالا يحتذونه، ونصبوه إماما يقتفونه» ويقول صاحب المطرب إن نظمه الرائق وترسله الفائق يقع فى خمس مجلدات. ولم يلتحق بديوان أحد من أمراء الطوائف، وأول مرابطى التحق بديوانه محمد بن الحاج القائد المرابطى والى يوسف بن تاشفين على قرطبة، وكان يسند إليه أحيانا قيادة الجيوش التى تنازل نصارى الشمال، وولاه فى سنة ٤٩٧ على غرناطة، وعزله عنها فى السنة التالية، إذ أبقاه للجيوش المحاربة. وحين تحولت مقاليد الحكم بعد يوسف إلى ابنه على ولاه على فاس سنة ٥٠١ وعلى بلنسية سنة ٥٠٣ وظل ينازل ألفونس ملك أراجون بالقرب من سرقسطة محاميا عنها ومدافعا حتى وفاته سنة ٥٠٨. وإنما ذكرنا ذلك كله عن محمد بن الحاج، لأننا نظن أن ابن أبى الخصال ظل كاتبا له حتى مطالع القرن الخامس الهجرى، وحتى استدعاه على بن يوسف أمير المرابطين للعمل فى ديوانه بمراكش، وسنرى عما قليل أنه كتب عنه رسالة سنة ٥٠٧ ولا نعرف بالضبط متى استدعاه أو متى بدأ العمل فى هذا الديوان. ويقول ابن بسام: إنه كاتبه سنة ٥٠٣ ليرسل له مقتطفات من نثره وشعره يسجلها فى كتاب الذخيرة، ويذكر أنه أرسل له هذه الرسالة وهو مجتاز بإشبيلية فى جملة العسكر، وإذا عرفنا أن على بن يوسف قاد جيشا فى تلك السنة اتجه به إلى طليطلة وفتح عدة مدن وحصون بينها طلبيرة رجحنا أن يكون ابن أبى الخصال رافقه فى جملة هذا العسكر أو هذا الجيش وكان معه ابن حمدين قاضى قرطبة، وربما التحق فعلا بديوانه فى هذه السنة أو قبلها بقليل. وظل يحظى عند على بن يوسف بمنزلة أثيرة، وعينّ أخاه أبا مروان معه فى الديوان، وما زالا يكتبان عن على، وهو راض عنهما كل الرضا حتى غزا ألفونس المحارب رذمير صاحب أراجون فى الشمال إقليم بلنسية سنة ٥٢٣ ونهضت له منها حشود ضخمة من الأندلسيين ومن المرابطين، والتقى الجمعان عند قلعة قلييرة بمقربة من جزيرة شقر، وكانت الدائرة على المرابطين والأندلسيين، وفقدوا اثنى عشر ألفا بين قتيل وأسير يقول ابن القطان: «وبلغ ذلك على بن يوسف فغاظه، وأمر

стр. 4048

بالكتابة إلى جنود لمتونة (المرابطين) فى بلنسية بالخزى، فكتب ابن أبى الخصال عنه إليهم بكل تنكيل وخزى (١)» وأفحش أبو مروان عليهم فى رسالته بقوله فى بعض فصولها: «أى بنى اللئيمة وأعيار الهزيمة، إلام يزيّفكم الناقد (٢)، ويردكم الفارس الواحد؟ فليت لكم بارتباط الخيول ضأنا لها حالب قاعد، لقد آن أن نوسعكم عقابا وأن لا تلوثوا (٣) على وجه نقابا، وأن نعيدكم إلى صحرائكم، ونطهّر الجزيرة من رحضائكم (٤)». وهى مبالغة فى الإفحاش على جيش المرابطين المجاهد فى الأندلس، مما أحنق على بن يوسف، فأخّر أبا مروان عن كتابته. ويقول صاحب المعجب: إن على بن يوسف راجع أبا عبد الله بن أبى الخصال فيما كتب أخوه وأن أبا عبد الله استعفاه فأعفاه ورجع إلى قرطبة بعد ما مات أخوه أبو مروان بمراكش» وأخوه إنما توفى سنة ٥٣٩ مما يدل-فى رأينا-على أن على بن يوسف لم يقبل استقالتهما من ديوان الكتابة وأنهما ظلا يعملان فيه حتى وفاة على بن يوسف سنة ٥٣٧ على الأرجح، وربما عملا فيه بعد وفاته إلى أن توفى أبو مروان، فعاد أبو عبد الله إلى قرطبة، ولازم داره بها حتى توفى سنة ٥٤٠. ولأبى عبد الله رسائل شخصية ومواعظ ووصف نثرى للطبيعة ومقامة، وسنعرض لكل ذلك فى غير هذا الموضع، وحسبنا الآن أن نعرض لرسالتين اخترناهما من رسائله الديوانية كتب أولاهما فى سنة ٥٠٧، وهى موجهة إلى أهل الأندلس للحض على الجهاد وإعلامهم أن أمير المسلمين على بن تاشفين عزم على خوض معارك ضارية مع النصارى الشماليين وفى فاتحتها يقول: «كتابنا-أعزّكم الله-بتقواه، وكنفكم بظلّ ذراه، ووفّر حظوظكم من حسناه، من حضرة مراكش-حرسها الله-يوم الاثنين منتصف شوال من سنة سبع وخمسمائة بين يدى حركتنا يمّن الله فاتحتها وعقباها، وقد قرعنا الظّنابيب (٥)، وأشرعنا الأنابيب (٦)، وضمّرنا اليعاسيب (٧)، واستنفرنا البعيد والقريب، مستشعرين إخلاص نية، وصدق حميّة،

стр. 4049

فى نصر دين الإسلام، ومنع جانبه أن يضام، أو يناله من عدوه اهتضام (١)، ونحن وإن كنا قد بالغنا فى الاحتشاد والاستعداد، واستنهضنا من الأجناد، ما يربى على الحصى والتّعداد، فإنا نعتقد اعتقاد يقين، بقول ربّ العالمين، فى كتابه المبين ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أن استنفار الدعاء، واستفتاح أبواب السماء، بخالص الثناء، من أنفع الأشياء، وأنجح الدواء، فيما أعضل (٢) من الأدواء». وكانت هذه السنة حقا من السنوات التى أبلى فيها المرابطون بلاء عظيما فى قتال نصارى الشمال سواء نصارى أراجون أو برشلونة أو القشتاليين. وإنه لمما يحمد لهم ولعلى بن يوسف أنهم ظلوا لا يغمدون سيوفهم أبدا وظلوا يواجهون أعداءهم منزلين بهم ضربات قاصمة، وكان النصارى أحيانا ينتصرون فى بعض الوقائع، ولكن سرعان ما كان المرابطون يأخذون ثأرهم، ويكيلون لهم الصاع صاعين. وفى أثناء ذلك كتب المعاهدون من النصارى من أهل الذمة-وخاصة فى غرناطة-إلى الملك النصرانى ألفونس بن رذمير ملك أراجون يدعونه للاستيلاء على ما بيد أهل الأندلس من البلدان، فلباهم فى أواخر شعبان سنة ٥١٩ وقاد جيشا كثيفا اخترق البلاد من سرقسطة إلى غرناطة، وهاجم كل ما فى طريقه من بلدان مثل دانية ومرسية ووادى آش وحاصر غرناطة غير أنه اضطر إلى فك الحصار عنها، وكان قد واقعه المرابطون بجوار اليسانة بالقرب من قرطبة ولم يكتب لهم النصر، ومضى على وجهه مخترقا إقليم البشرّات ومالقة إلى البحر المتوسط، واتجه إلى الشمال عائدا إلى موطنه (٣). وكان قد ظل فى هذه الحملة نحو سنة يعيث فى الأندلس مما أغضب أهلها أشد الغضب، وخاصة على المعاهدين من أهل الذمة الذين يعايشونهم لا لأنهم كاتبوا ملك أراجون فحسب بل أيضا لأنهم كانوا يشدون أزره أينما توجه ويدلونه على عورات البلاد ويبذلون له كل عون. وكان يزيد فى غضبهم شئ من تقاعس تميم بن يوسف بن تاشفين والى غرناطة وقرطبة فى تلك السنة. وانتدب أبو الوليد بن رشد الفقيه الكبير جد الفيلسوف ابن رشد نفسه للوفود على أمير المرابطين على بن يوسف بمراكش وإطلاعه على صنيع المعاهدين من أهل الذمة واستدعائهم لملك أراجون وعونهم له فى حملته مما نقضوا به العهد الموثّق بينهم وبين

стр. 4050

المسلمين «وأفتى بتغريبهم عن أوطانهم (١)» ووعده على بن يوسف أن يأخذ بفتواه، وأمر ابن أبى الخصال أن يكتب إلى أهل الأندلس-وخاصة أهل غرناطة وقرطبة-يطمئنهم بأنه سيتخذ من الإجراءات ما يرضيهم، وصدع ابن أبى الخصال بأمره، وكتب إليهم رسالة ضافية جاء فيها: «وفد إلينا، وورد علينا، الفقيه الأجّل المشاور أبو الوليد بن رشد، فبسط لدينا شأن تلك الجزيرة-كلأها الله-وجلاّه، ووصف من حالها ما أصخنا له حتى استوفاه، وجال بميدان البيان أفصح مجال، وعرض الأمور فى معرضها بأبلغ مقال. . ولن نألو (٢) جهدا مبذولا، وجدّا حفيلا، وعزما لا نابيا ولا كليلا (٣)، فيما ندرأ وندفع، ونذود عن حوزة (٤) الملة ونمنع، وندأب لذلك الدّأب الحثيث (٥)، نتبع القديم فيه بالحديث، وننصب له النّصب الذى ليس حبله السّحيل (٦) ولا الّنكيث (٧)، ولا يشغلنا عنه شاغل وإن أهمّ، بل نصرف نحو جنابكم الحزم الأتمّ الأهم، وجهد الكفاية مادهم حادث وألمّ، فاستشعروا أن أموركم إزاء ناظر اهتبالنا (٨)، ومن آكد مؤكّدات أشغالنا، وقد عاين الفقيه الأجلّ المتقدم الذكر، حقيقة الأمر، وسيبلغكم ذلك عنه فلا تكونوا فى ريب منه، والله تعالى يعيننا على ما نحن بصدده، ويمنحنا من تأييده ما يعزّ الإسلام ويقيم من أوده (٩)، بحوله وطوله، وعدله وفضله». وفعلا نفّذ على بن يوسف فتوى الفقيه ابن رشد، فأمر فى رمضان من سنة ٥٢٠ بإجلاء المعاهدين من النصارى الذين نقضوا العهود الموثقة إلى مكناسة وسلا وغيرهما من بلدان المغرب، وعزل أخاه تميما عن غرناطة وقرطبة لتقصيره إزاء حملة ابن رذمير. وإذا كان المرابطون قصّروا-أو أخذ عليهم شئ من التقصير-فى مواجهة ابن رذمير فإنهم طالما أبلوا فى منازلة النصارى الشماليين وأبلى معهم تميم كما حدث فى موقعة أقليش التى انتصروا فيها على جيش ألفونس السادس ملك قشتالة، وفيها كان مصرع ابنه شانجه. وواضح مما اخترناه من كتابات ابن أبى الخصال الديوانية أنه كان كاتبا مجيدا يحسن انتخاب الكلم فى نسق محكم من السجع الرصين.

стр. 4051

ابن عميرة المخزومى (١) هو أبو المطرف أحمد بن عبد الله المخزومى من سلالة خالد بن الوليد، ولد سنة ٥٨٢ بجزيرة شقر بين شاطبة وبلنسية، ونهرها يحيط بها من جميع الجهات، ولذلك سميت جزيرة، وطالما تغنى أبناؤها-من أمثال ابن خفاجة-بجمال طبيعتها. وعنى به والده منذ نعومة أظفاره، فأدخله كتابا حفظ فيه القرآن الكريم وبعض الشعر، ثم دفعه إلى حلقات بعض الشيوخ، حتى إذا أيفع وشبّ أرسل به إلى بلنسية لينهل من حلقات حافظها وفقيهها وقاضيها أبى الربيع الكلاعى، وفيها أخذ يختلف إلى حلقات غيره من العلماء وخاصة حلقة ابن نوح الغافقى شيخ العربية وقواعدها النحوية. ودفعه شغفه بالاستزادة من العلم إلى الرحلة فى طلبه عند بعض العلماء المشهورين لأيامه، فرحل إلى شاطبة ونهل من حلقتى شيخها أبى عمر الشاطبى وقاضيها أبى الخطاب بن واجب، ورحل إلى دانية للأخذ عن ابن حوط الله الأنصارى، ونزل مرسية وأخذ عن شيخها عزيز بن خطاب، وسمع عليه كتاب المستصفى فى علم الأصول للغزالى وبعض كتب الصوفية. وطمحت نفسه مبكرا إلى أن يكون من أصحاب الجاه، وكانت فيه نزعة أدبية هيأته ليكون شاعرا، ولم يلبث أن عمل بديوان أبى عبد الله بن أبى حفص الموحدى حاكم بلنسية حوالى سنة ٦٠٧ وهو فى نحو الخامسة والعشرين من عمره. وظل بهذا الديوان سنوات متعاقبة، ونراه فى سنة ٦١٧ بإشبيلية، ولعله كان يريد العمل بدواوينها، وظل بها فترة اختلف فيها إلى حلقة الشلوبين إمام العربية بالأندلس فى عصره. وعاد إلى بلنسية، وكان قد وليها للموحدين سنة ٦٢٠ أبو زيد بن أبى عبد الله بن أبى حفص فألحقه بديوانه مع صديقه ابن الأبار، حتى إذا كانت سنة ٦٢٦ ثار على أبى زيد زيان بن أبى الحملات بن مردنيش واستولى منه على بلنسية، وظل ابن عميرة يعمل فى ديوان زيان حتى أواخر سنة ٦٢٨ وأحسّ من زيان شيئا من

стр. 4052

الوحشة، فترك بلنسية إلى بلدته جزيرة شقر، وكان سلطان ابن هود أمير مرسية قد اتسع، فكتب له فى سنة ٦٢٩ وعيّنه ابن هود قاضيا فى شاطبة، جامعا له بين القضاء والكتابة كما تدل على ذلك بيعة طويلة كتبها باسم ابن هود عن نفسه وعن أهل شاطبة فى الأندلس للمستنصر العباسى مع بيعة الناس فيها أيضا له ولابنه وليا للعهد من بعده. وابن هود فيها يعلن ولاءه وطاعته للخليفة العباسى استكمالا لثورته على الموحدين وما يدّعون من خلافتهم. وربما ظل يجمع بين عمله فى الكتابة لابن هود وقضاء شاطبة. وتوفى ابن هود سنة ٦٣٥ وخلفه عمه واستولى منه على الحكم عزيز بن خطاب، واتخذ ابن عميرة كاتبا له، وقتل ابن خطاب. وكان ملك أراجون قد استولى على بلنسية، وقبله بقليل استولى ملك قشتالة على قرطبة، وشعر ابن عميرة أن مستقبل الأندلس مظلم، فرأى الهجرة منها إلى المغرب، وعبر الزقاق، ونزل سبتة عند واليها ابن خلاص فرحب به، ولم يلبث أن لقى الخليفة الموحدى الرشيد فى مدينة الرباط حين زارها، وصحبه معه إلى حاضرة مملكته: «مراكش» وألحقه بدواوينه، ولبث بها ابن عميرة قليلا، إذ عينه الرشيد قاضيا فى؟ ؟ ؟ سلا والرباط. وتوفى الرشيد سنة ٦٤٠ فأقرّه أخوه السعيد على عمله، ثم نقله إلى مكناسة، ونراه فيها يكتب باسم أهلها بيعة لسلطان تونس أبى زكريا الحفصى، ويبدو أنه إنما أغراه بذلك أنه رأى بوضوح أن دولة الموحدين تحتضر، وتكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة. وعاد إلى سبتة يكتب لحاكمها. وفى سنة ٦٤٦ تحوّل إلى أبى زكريا سلطان تونس ودولته الحفصية، ونزل بجاية وأفضال أبى زكريا تتوالى عليه. ولم يلبث أبو زكريا أن توفى سنة ٦٤٧ وخلفه ابنه المستنصر، فاستقدمه إلى تونس، وولاه القضاء فى قسنطينة وغيرها، ثم استخلصه لنفسه مستشارا وأنيسا، وغمره بأفضاله إلى أن توفى سنة ٦٥٨ للهجرة. وطبيعى أن تكون لابن عميرة رسائل ديوانية كثيرة، إذ كتب لحكام بلنسية من الموحدين وخاصة لأبى زيد الموحدى، وكتب بعده لحكامها: زيان بن مردنيش الثائر عليه وابن هود أمير مرسية وعزيز بن خطاب صاحبها والرشيد الموحدى، ومن أقدم رسائله رسالة كتبها عن أبى زيد الموحدى أمير بلنسية إلى المستنصر الموحدى سنة ٦٢٠ يستأذنه فى وفود أمير نصرانى عليه من أراجون يسمى: «بلاسكو أرطال» كان وصيا على ملكها خايمى، ولما استبد بالملك اختلف معه ونفاه فلجأ إلى بلنسية، واستقبل بالترحيب على أمل كاذب أن يكون فيما بعد عونا لحاكم بلنسية فى حروبه ضد ملك أراجون. وصوّر ابن عميرة هذا الأمل المخطئ وأمر هذا اللاجئ فى رسالته، وقد احتفظ القلقشندى فى الجزء

стр. 4053

السادس من صبح الأعشى بشطر كبير منها، وفيها يقول عنه ابن عميرة: «كان له فى البلاد الأرغونيّة زعامة فى شأوها (١) برّز، ولغايتها أحرز، وكان قد كفل صاحب أراجون فى الزمان المتقدم كفالة دار أمرها عليه، وألقى زمامها إليه. ثم إنه حطّ من رتبته، وتأكدت المبالغة فى نكبته. . والظاهر من حنقه على أهل أراجون وشدة عداوته لهم، وما تأكّد من القطيعة بينه وبينهم، أنه إن صادف وقت فتنة معهم ووجد ما يؤمّله من إحسان الأمر العالى-أيّده الله-فينتهى من نكايتهم والإضرار بهم إلى غاية غريبة الآثار، مفضية به إلى درك الثار، وكثير من زعماء أراجون ورجالها أقاربه وفرسانه وكلهم-فى حبله-حاطب (٢)، ولإنجاده-متى أمكنه-خاطب». وكأن أبا زيد ومن حوله لم يأخذوا درسا من التجاء ألفونس القشتالى إلى طليطلة حين حاربه أخوه شانجه وانتصر عليه وفرّ منه إلى دير، ولجأ إلى المأمون أمير طليطلة فرحب به وبالغ فى إكرامه تسعة شهور متعاقبة، عرف فيها مداخل حصن طليطلة العتيد ومخارجه، فلما توفى أخوه وأصبح ملكا على قشتالة لم يكن له هم إلا الاستيلاء على طليطلة، واستولى عليها، وكان ذلك بدء ضياع الأندلس منذ هذا التاريخ، وهو درس كان ينبغى أن لا ينساه أبو زيد، وخطأ أكبر الخطأ أن يفتح حكام بلدة صدورهم وبلدهم لأعدائهم ظانين أنهم يستطيعون أن يحيلوهم أصدقاء أو ما يشبه الأصدقاء، وما أبعده وهما أن يصبح العدو صديقا فما بالك إذا كان العدو محاربا لك، ولكن هكذا قدّر لبلنسية أن يحكمها غرّ ليس عنده بصر بالأمور وأن يجد فى كنفه «بلاسكو» الأرجونى عدوه الأمان والضيافة لمدة عامين متعاقبين، ويرجع إلى بلده، ويعود منها بعد قليل مع ملكها بجيش يستولى به على بلنسية بعد تنكيله بأهلها تنكيلا شديدا. ونقف قليلا عند البيعة للخليفة العباسى المستنصر التى أشرنا إليها والتى كتب فيها ابن عميرة رسالة طويلة بعقد ابن هود على أهل شاطبة الولاء لهذا الخليفة والبيعة لنفسه ولابنه وليا للعهد من بعده، وهو يستهلها بحمد الله والصلاة على رسوله بهذا النمط: «الحمد لله الذى جعل الأرض قرارا، وأرسل السماء مدرارا، وسخّر ليلا ونهارا، وقدّر آجالا وأعمارا، وخلق الخلق أطوارا، وجعل لهم إرادة واختيارا، وأوجد لهم تفكّرا

стр. 4054

واعتبارا، وتعاهدهم برحمته صغارا وكبارا، نحمده حمد من يرجو له وقارا، ونبرأ ممن عانده استكبارا، وألحد فى آياته سفاهة واغترارا، وصلّى الله على سيدنا محمد الشريف نجارا، السامى فخارا، رفع الله من شريعته للأمة منارا، وأطفأ برسالته للشّرك نارا، حتى علا الإسلام مقدارا، وعزّ جارا ودارا، وأذعن له الكفر اضطرارا، واستسلم ذلّة وصغارا، فمضى وقد ملأ البسيطة أنوارا، وعمّها بدعوته أنجادا وأغوارا، وأوجب لولاة العهد بعده طاعة وائتمارا. فجزى الله أفضل ما جزى نبيّا مختارا، ورسولا اجتباه اختصاصا وإيثارا، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين آثارا واختبارا، وعلى أصحابه الكرام مهاجرين وأنصارا، صلاة نواليها إعلانا وإسرارا، ونرجو بها مغفرة ربّنا إنه كان غفارا» وواضح أن ابن عميرة التزم فى سجع هذه القطعة التى استهل بها البيعة حرف الراء، وهو جانب يشيع شرقا وغربا حتى لنجد الرسالة يختار لها أحيانا حرف بعينه، وكان الحريرى قد ابتدأ ذلك برسالتين التزم فى إحداهما السين وفى الثانية الشين، فأخذ الحصكفى وبعض الكتاب فى الشرق يحاكيه فى هذا الصنيع، وبالمثل أخذ بعض الكتاب فى الأندلس يحاكونه فيه ببعض رسائلهم الشخصية دلالة منهم على مهارتهم الفنية، وسنعود إلى الحديث عن هذا الجانب فى عرضنا للرسائل الشخصية عند ابن عميرة وغيره من الكتاب. وله فصول وكلمات وعظية على طريقة ابن الجوزى كما ذكر ذلك ابن عبد الملك فى ترجمته له بكتابه «الذيل والتكملة، وله مؤلفات مختلفة منها تعليقات على كتاب المعالم للفخر الرازى وتعقيب على كتاب التبيان فى البلاغة لابن الزملكانى، ومنها كتاب فى تاريخ ثورة المريدين على دولة المرابطين وكتاب عن كائنة ميورقة واستيلاء ملك أراجون عليها. وبالخزانة العامة بالرباط مخطوطتان من رسائله. لسان (١) الدين بن الخطيب أكبر كتاب غرناطة والأندلس فى أزمنتها الأخيرة، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد، ولد سنة ٧١٣ للهجرة لأسرة يمنية بلوشة على نهر شنيل بالقرب من غرناطة، وكان أبوه من أهل العلم والأدب، فعيّن بدواوين غرناطة عند أمرائها بنى

стр. 4055

الأحمر، وبها نشأ لسان الدين، وعنى أبوه بتربيته، فبعد حفظه للقرآن الكريم ألحقه بحلقات علماء العربية والدراسات الإسلامية، وطمحت نفسه لمعرفة علوم الأوائل فلزم يحيى بن هذيل أهم علمائها فى زمنه. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وأخذ فى مديح السلطان أبى الحجاج يوسف (٧٣٣ - ٧٥٥) وهو أهم سلاطين بنى الأحمر فى القرن الثامن الهجرى، ويعدّ مؤسس قصر الحمراء المشهور بما أضاف إليه من غرفه وأبهائه الفخمة. وأعجب السلطان بأشعار لسان الدين فألحقه بدواوينه، وأخذ يلزم أبا الحسن بن الجياب رئيس ديوان الكتاب وشيخ العدوتين: الأندلس والمغرب فى النثر والنظم وسائر العلوم الأدبية، وعنى بالأديب الشاب، وما زال يعمل معه حتى توفى سنة ٧٤٩ فولاه السلطان أبو الحجاج رياسة ديوان الكتّاب بعده، وتوفى السلطان سنة ٧٥٥ وخلفه ابنه الغنى بالله، فازدادت حظوته عنده ورفعه إلى مرتبة. الوزارة. ونشبت ثورة ضد سلطانه واضطر إلى اللجوء إلى السلطان أبى عنان المرينى بفاس سنة ٧٦٠ وصحبه لسان الدين هناك ولم يلبث أن جال فى بلاد المغرب واستقر بمدينة سلا زمنا، وعاد سلطانه إلى عرشه بغرناطة سنة ٧٦٣ فاستدعاه وألقى إليه بمقاليد الحكم، ولقّبه بذى الوزارتين: السيف والقلم، وانفرد بالحل والعقد فترة، ثم أخذ يشعر بدسائس كثيرة من حوله، فخشى على نفسه مغبة ذلك، فجمع حقائبه سنة ٧٧٢ وتوجه إلى السلطان عبد العزيز المرينى بفاس فأكرمه. ولم يهدأ خصومه بغرناطة وفى مقدمتهم تلميذه ابن زمرك وقاضى غرناطة أبو الحسن النباهى ودسّوا عليه عند الغنى بالله أنه يحرض سلطان فاس على غزو الأندلس وضم غرناطة إليه ووصموه بالزندقة لما ذكر فى كتابه: «روضة التعريف» من عقيدة التصوف الفلسفية وما يتصل بها من الحلول وغير الحلول، ورفع ذلك إلى السلطان عبد العزيز المرينى فأبى تسليمه مبرّئا له مما وصموه به. . ولم يلبث السلطان أن توفى سنة ٧٧٤ واضطربت الأمور فى فاس، وتولى سلطنتها-بمساعدة الغنى بالله-أبو سالم المرينى سنة ٧٧٦ ولم يلبث أن أودع ابن الخطيب السجن إرضاء للغنى بالله. ولم يكتف تلميذه ابن زمرك بذلك، إذ قدم إلى فاس وعقد محاكمة لأستاذه فى مجلس السلطان

стр. 4056

أبى سالم وعرض عليه بعض كلمات كتبها فى مصنفه «روضة التعريف» تتصل بآراء الصوفية المتفلسفة من مثل الحلول والاتحاد، وأعلن النكير عليه موبخا له، ونقل إلى السجن، وأخذ القوم يتشاورون فيه وأفتاهم بعض الفقهاء قصار النظر بقتله، ودسّ إليه فى السجن من قتلوه خنقا، وألقيت جثته على قبره، ويقال إنه أضرمت عليه نار فاحترق شعره واسودت بشرته، ووورى التراب. وعجب الناس فى فاس وفى غرناطة من هذا التمثيل الشنيع، وعدّوه من هنات ابن زمرك تلميذه العاق. ولم يكن ابن الخطيب متصوفا فضلا عن أن يكون متصوفا فلسفيا كما حاول ابن زمرك أن ينعته بذلك كذبا عليه وافتراء، إنما كان كاتبا موسوعيا كما تشهد بذلك مصنفاته الكثيرة، وقد كتب فى التصوف كتابه «روضة التعريف» لشيوع التصوف فى زمنه بالأندلس وخاصة بالمغرب، ولو كان متصوفا حقا لهجر الدنيا وعاش فى زاوية- أو ضرب فى الأرض-ناسكا مثل ابن عربى وابن سبعين والششترى. ولا نخليه من ميول إلى الزهد والتصوف كما تدل على ذلك أشعاره ولكن هذا شئ والتصوف الحقيقى شئ آخر، وفيه يقول المقرى: «هو لسان الدين وفخر الإسلام بالأندلس فى عصره الطائر الصيت المثل المضروب فى الكتابة والشعر والمعرفة بالعلوم على اختلاف أنواعها» ويقول ابن خلدون فى وصف براعته الأدبية: «كان آية من آيات الله فى النظم والنثر والمعارف والأدب لا يساجل مداه، ولا يهتدى فيها بمثل هداه». ومما قيل فيه: «كاتب الأرض إلى يوم العرض». وله-بجانب ديوانه: الصيّب والجهام-مقامة بناها على المفاخرة بين سلا فى المغرب ومالقة فى الأندلس وثلاث رحلات منها رحلتان فى وصف البلدان وصف فيهما بلدان الأندلس والمغرب هما: «خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف» فى وصف بعض البلدان الأندلسية الشرقية، و «معيار الاختبار فى ذكر أحوال المعاهد والديار» فى وصف بعض البلدان المغربية والأندلسية. وهذه الأعمال منشورة وكذلك رحلته نفاضة الجراب، وسنعرض لكل ذلك فى موضع آخر. ونقف قليلا عند رسائله الديوانية. وعادة إذا كانت الرسالة الديوانية موجهة إلى أحد السلاطين ممن يلقبون أنفسهم بالخلافة مثل سلاطين تونس أو يكتفون بالسلطنة فقط مثل سلاطين بنى مرين أن تذكر لفظ الخلافة أولا أو يذكر لفظ المقام أو المقر ويطيل لسان الدين فى هذا الوصف، ثم يذكر ألقاب الخليفة أو السلطان المرسل إليه، كما يطيل فى الدعاء له ولدولته ويذكر السلطان

стр. 4057

المكتوب عنه، ويتبع ذلك بالتحميد والصلاة على رسول الله والرضا عن صحابته، ويذكر المكان الذى كتبت فيه الرسالة ثم يأخذ فى بيان المقصود منها ويختمها بالدعاء. ومن خير ما يصور ذلك كله من رسائله الديوانية رسالة له عن سلطانه الغنى بالله إلى سلطان تونس الملقب بالخليفة، جوابا عن كتاب وصل منه مصحوبا بهدية من الخيل والرقيق، ولروعتها البيانية رواها ابن خلدون فى كتابه التعريف والقلقشندى فى صبح الأعشى، وهو يستهلها على هذا النمط: «الخلافة التى ارتفع فى عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلت مبانى فخرها الشائع وعزّها الذائع على ما أسّسه الأسلاف، وجب لحقّها الجازم وفرضها اللازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرّحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف وولائها الشريف كما امتزج الماء والسّلاف، وثناؤنا على مجدها الكريم وفضلها العميم كما تأرّجت الرياض بالأفواف (١)، لما زارها الغمام الوكّاف (٢)، ودعاؤنا بطول بقائها واتصال علائها يسمو به إلى قرع أبواب السموات العلا الاستشراف، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة وفواضلها العميمة لا تحصره الحدود ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر فى التقصير عن نيل ذلك المرام الكبير الحقّ والإنصاف». ولعل بلاغة لسان الدين قد اتضحت فى هذه القطعة، إذ ينعت فيها الخلافة التونسية نعوتا بديعة، وبدعها لا يأتى من انتخاب ألفاظها ذات الرونق والحسن فحسب، بل يأتى أيضا من أسجاعها الطويلة التى يتلافى طولها بما يجرى فى تضاعيفها من أسجاع داخلية على نحو ما نرى فى تقابل السجعتين: «فخرها الشائع» و «عزها الذائع» فى السجعة الثانية وبالمثل تقابل السجعتين فى السجعة الطويلة الثالثة إذ يقول: «لحقّها الجازم، وفرضها اللازم». وبنفس النمط تلاقى «المنيف والشريف» فى السجعة الخامسة، و «الكريم والعميم فى السجعة السادسة». ويكثر ذلك فى الرسالة طلبا لاكتمال الجرس حتى تلذ الأسماع لذة موسيقية، وهى لذة تقترن بمحسنات البديع، إذ تتوالى الجناسات فى السجعات الداخلية، كما تتوالى التصاوير، ففضل الخلافة أصيل القواعد، ومبانى فخرها وعزها استقلت وارتفعت، وامتزاج السلطان الغنى بالله وحواشيه بشرفها امتزاج الماء بالسلاف، وثناؤهم عطر كشذى الرياض فى الأزهار غبّ الغيث المدرار. وأخذ بعد ذلك فى نعت الخليفة نفسه وآبائه الأمجاد، وامتد نعته نحو أربعة عشر سطرا، ثم ذكر الغنى بالله مع

стр. 4058

طائفة من النعوت، ومع سلام كريم كما حملت أحاديث الأزهار نسمات الأسحار، وأطال فى التحميد والصلاة على رسول الله والدعاء للخلافة، كما أطال فى وصف الرسالة وحاملها والهدية النفيسة من الخيل فرسا فرسا، واستطرد إلى ذكر الخيول والأفراس المشهورة عند العرب، ويعود إلى ذكر رسول الخليفة أو سفيره مطريا مثنيا، ثم يأخذ فى وصف جهاد سلطانه الغنى بالله لنصارى الشمال ومنازلته لهم فى مدن كثيرة، من ذلك منازلته لهم فى جيّان وكانت قد سقطت فى أيديهم سنة ٦٤٣ للهجرة ويصف تلك المنازلة بقوله: «وهذه المدينة هى الأمّ الولود، والجنّة التى فى النار لسكّانها من الكفار الخلود، وكرسىّ الملك، ومجنّبته (١) الوسطى من السّلك، غاب الأسود، وجحر الحيّات السود. . ولما أكثبنا (٢) جوارها، وكدنا نلتمح، نارها، تحركنا إليها ووشاح الأفق المرقوم (٣) بزهر النجوم قد دار دائره، واللّيل من خوف الصباح على سطحه المستباح قد شابت غدائره. . ولما فشا سرّ الصباح، واهتزّت أعطاف الرايات بتحيات مبشّرات الرياح، أطللنا عليها إطلال الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس. . ودفعوا من أصحر (٤) إليهم من الفرسان، وسبق إلى حومة الميدان، حتى أجحروهم (٥) فى البلد، وسلبوهم لباس الجلد، فى موقف يذهل الوالد عن الولد، صابت (٦) السهام فيه غماما، وطارت كأسراب الحمام تهدى حماما (٧)، وأضحت القنا قصدا (٨)، بعد أن كانت شهابا رصدا». والقطعة زاخرة بالجناسات والتصاوير، فجيان أم ولود، وجنة من جنان الأندلس ولساكنيها النار وبئس القرار. وقد دنوا منها فى أخريات الليل ووشاح الأفق المرصع بالنجوم يوشك أن يغيب والليل من خوف الصباح يوشك أن يشيب، ولم يلبث الصباح أن أخذ يذيع أسراره بينما تهتز الأغصان بتحيات الرياح مبشرة لهم بالظفر على الأعداء، وهبطوا عليهم كالأسود الكواسر، ولم يلبثوا أن دخلوا فى جحورهم فرارا من الموت الزؤام وما ينزلون بهم من غمام السهام وصواعق الموت، وتكسرت الرماح التى كانت تحميهم، وخروا صرعى مجدّلين.

стр. 4059

ويكثر ابن الخطيب-كعادة أهل الأندلس فى زمنه وقبل زمنه-من الكتابة عن سلطانيه أبى الحجاج وابنه الغنى بالله إلى الرسول ﷺ متوسلين إليه بالشفاعة فى تحقيق أمانيهم الدنيوية فى النصر على الأعداء وأمانيهم الأخروية فى الغفران والرضوان، مع تصوير جهادهما الدائب فى نصرة الإسلام والذب عن حياضه فى الأندلس. ويفيض المقرى بكتابه نفح الطيب فى الحديث عن شيوخه وتلاميذه وأولاده وهو بحق مفخرة من مفاخر الأندلس حسن أداء وروعة بيان. ٢ - الرسائل الشخصية طبيعى أن يعنى الكتاب بهذه الرسائل منذ عنايتهم بالرسائل الديوانية معبرين عن عواطفهم ومشاعرهم من ثناء وشكر وعتاب واستعطاف واعتذار وتهنئة وشفاعة واستمناح وتعزية، وليس بين أيدينا نصوص منها قبل عصر المنصور بن أبى عامر فى أواخر القرن الرابع إذ احتفظ ابن بسام فى الذخيرة بطائفة من الرسائل الديوانية التى صدرت من دواوينه على لسان ابن برد الأكبر وابن دراج شاعره وساق للأخير رسالة شكر لمن أنقذه من ضنك حياته، وهو يصف فيها ما كان قد نزل به من الضنك والبؤس بعد أن كان فى ثراء وحال حسنة قائلا (١): «كنت قد نشأت فى معقل من العفا (٢) والوفر، محدقا بسور من الأمن والسّتر، حتى أرسل إلىّ سلطان الفقر، رسولا من نوب الدهر، يريد استنزالى إليه، وخضوعى بين يديه، فأبيت من ذلك عليه، فغزانى بكتائب من النّوائب، تسير تحت ألوية المصائب، تبرق بسيوف الرّزايا، وتشهر أسنّة المنايا، يرمون عن قسىّ الأوجال، ويضربون طبول الذّعر وسوء الحال، بأيد باطشة لا تكلّ، وبصائر ثابتة لا تملّ». والرسالة مبنية على السجع، مبالغة فى التأنق، وقد اختيرت فيها الألفاظ وامتلأت بالتصاوير، مما يؤكد شيوع التنميق فى الرسائل الشخصية منذ أواخر القرن الرابع الهجرى على نحو ما أخذ يحدث فى الرسائل الديوانية عند ابن دراج نفسه وعند ابن برد

стр. 4060

الأكبر، ونلتقى بأخرة من العصر الأموى بابن شهيد الكاتب البارع المتوفى سنة ٤٢٦ وقد ترجم له ابن بسام فى ذخيرته، وذكر له طائفة كبيرة من رسائله الشخصية، وهو يطيل فيها طولا شديدا، ونسوق له قطعة من رسالة أطنب فيها ما وسعه الإطناب كتب بها إلى صاحب بلنسية شاكرا معتذرا عن الإلمام ببابه لتعلقه بقرطبة مع ما أصابها من الفتنة ومن التخريب والهدم والحرق، يقول (١): «قد كان أقلّ حقوق مولاى أن أقف ببابه، وأخيّم بفنائه، وأهدى إليه الشكر غضّا، وأنثر عليه المدح بضّا (٢)، ولكنى ممنوع، وعن إرادتى مقموع، يملكنى سلطان قدير، وأمير ليس كمثله أمير، شئ غلب صبر الأتقياء، واستولى على عزم الأنبياء، وهو العشق، باطل يلعب بالحق، ليبين ضعف البشر، وتلوح قدرة مصرّف القدر، والذى أشكو منه أغرب الغرائب، وأعجب العجائب، بثّ شاغل، وبرح (٣) قاتل، وصبر يغيض (٤)، ودمع يفيض، لعجوز بخراء (٥)، سهكة درداء (٦)، تدعى قرطبة: عجوز لعمر الصّبا فانيه ... لها فى الحشا صورة الغانيه طاب لى الموت على هواها، ولذّ عندى سقى دمى لثراها». وله من رسالة يصور فيها أحد الأبطال المنازلين لجيوش الأعداء من نصارى الشمال (٧): «وأصل الجهاد، واستأصل الكفر والعناد، واتخذ ظهر الجواد بيتا، وظلّ اللّواء كميتا (٨)، واستبدل من نقر الكران (٩) قرع الطبول، ومن نغم القيان شجا الصهيل، ومن وجبة (١٠) المعازف لجب الخيول، يمشى فى الهجير (١١)، ويسرى (١٢) فى الزّمهرير، ويحنّ إلى الأذان والتكبير، فى خطّة إبليس، ومصدح النواقيس». وسنترجم لابن شهيد فى مطلع الحديث عن الرسائل الأدبية، ونمضى إلى عصر أمراء الطوائف ومن أوائل من نلقاه فى هذا العصر ابن برد الأصغر كاتب معن بن صمادح أمير

стр. 4061

المريّة، وقد أطال ابن بسام فى ذكر تحميداته، وذكر طائفة من رسائله فى العتاب والاستزارة وله رسالة فى ذم صديق، ويقول ابن سعيد فى المغرب إنها من أبدع ما قيل فى ذم مؤاخ، ومن قوله فيها: (١) «خلّيت عنه يدى، وخلّدت قلاه خلدى، بيض الأنوق (٢) من رفده أمكن، وصفا المشقّر (٣) من خدّه ألين، نزر النوال، رثّ المقال، أحاديث وعده لا تعود بنفع، ولا هى من غرب ولا نبع (٤)، على وجهه من التعبيس قفل ضاع مفتاحه، وليل مات صباحه، غنىّ من الجهل، مفلس من العقل، تتضاءل النّعم لديه، وتقبح محاسن الإحسان إليه، غربال حديث إذا وعى سرّا قطر منه، كبد الزمان عليه قاسية، ونعم الله له ناسية، قصير عمر الوفاء للإخوان، عون عليهم مع الزمان، مربّ لأطفال الإحن، محى لأموات الدّمن (٥)، رقدت ملء عينى فى فرش القلى (٦) له وشربت زلال (٧) ماء العزاء عنه» ولابن برد رسالة وجّه بها إلى أبى الوليد بن جهور أمير قرطبة (٤٣٥ - ٤٦١ هـ) جعل موضوعها مجلسا للرياحين وأنوار البساتين أخذت فيه تتفاوض وتتحاور فى أيها أجمل فى صورته وأعبق فى رائحته ثم قام من بينهم خطيب، ففضل الورد على سائر الأزهار لحمرته معللا لذلك بأن الحمرة لون الدم والدم صديق الروح. وكان بالمجلس من رؤساء الأزهار والرياحين النرجس الأصفر والبهار والبنفسج والخيرىّ، فأدوا للورد شهادتهم بتقدمه، ونسوق منها شهادة النرجس إذ يقول (٨): «والذى مهّد لى حجر الثّرى، وأرضعنى ثدى الحيا (٩)، لقد جئت بالشهادة أوضح من لبّة (١٠) الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسرّ من التعبّد له والشغف به، والأسف على تعاقب الموت دون لقائه. ما أنحل جسمى، ومكّن سقمى، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى، فقد خفّ ثقل البلوى» وتتوالى شهادة البنفسج والبهار (١١) والخيرىّ، ثم تعقد الأزهار العزم على كتابة عقد

стр. 4062

بذلك ويكتبون رقعة بتحالف الرياحين جميعا على أنها أعطت للورد قيادها وملّكته أمرها، واعترفت بأنه أميرها المقدم لخصاله والمؤمّر لسوابقه، وهى لذلك تلتزم له بالسمع والطاعة والرقّ والعبودية. وربما كنى بالورد عن أمله فى أن يكون وزيرا لابن جهور مفضلا له على كل من حوله. وقد طارت شهرة هذه الرسالة وحاكاها غير كاتب، وممن حاكوها معاصر ابن برد حبيب صاحب كتاب فصل الربيع وسنترجم له عما قليل، أما ابن برد فسنترجم له بين أصحاب الرسائل الأدبية. ويكتظ كتاب الذخيرة لابن بسام بالرسائل الشخصية يدبّجها كتاب الدواوين والوزراء والشعراء وينمقونها صورا مختلفة من التنميق، وممن روى له كثيرا من رسائله الشخصية أبو محمد بن عبد البر الذى ترجمنا له بين كتاب الرسائل الديوانية، وله رسائل كثيرة فى الشفاعات والوسائل والمودة وفى التهنئة والتعزية، من ذلك تعزيته لأب فى فتى له استشهد فى قتال أعداء الدين الحنيف، وفيها يقول (١): «كتبت عن قلب يقشعرّ، ونفس بين ضلوعها لا تستقرّ، لخبر الرّزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم. . فيا لها حسرة ما أنكاها (٢) للنفوس، وجمرة ما أذكاها (٣) فى القلوب. وروعة ما أفتّها للأعضاد، ولوعة ما أحرّها على الأكباد: وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا ولقد خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فوقع أجره على الله. . وأنت الطّود الموفى (٤) على كل هضبة، المعلّى على كل فرحة وكربة. والله-يا سيدى-فى نفسك العزيزة أن يكون فيها كامن رزء (٥) يقدح، أو أن يوهن منها باطن أسى يفدح» وكان يعاصر أبا محمد ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير المتوفى سنة ٤٦٩ وقد ترجم له ابن بسام ترجمة ضافية، وسنترجم له فى غير هذا الموضع، وروى ابن بسام له رسائل شخصية بديعة، وفى إحداها يقول مهنئا بعض العمال بخلاصه من نكبته (٦): «كتابى عن نفس قد أشرق وجه صباحها، وهبّت رياح ارتياحها، بما طلع علينا من

стр. 4063

البشائر السارّة بخلاصك، وجميل انفكاكك، على حين بلغت قلوب الأودّاء الحناجر، وكادت موارد الحزن لا تكون لها مصادر، فإن الأيام عمّت فيك، بإساءتها إليك، كلّ منتسب إلى فضل، متّسم باسم نبل، وإن كانت قد أصابت فيك سواد ناظرها الذى تضئ به وتتجمّل، وسخت منك بحلى جيدها الذى يحقّ به أن تبخل. . وقد صادفت منك الإبريز (١) الذى لا يزيده السّبك إلا تمحيصا، والمبرّز الذى لا يعقبه تحوّل الأحوال نكوصا، تتلقى الخطوب بصدر وساع، (٢) وصبر منفسح الباع، وتسبر (٣) الدهر بمسباره، وتعرف من مكنونه حقيقة إيراده وإصداره». ونلتقى بابن الدباغ كاتب المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وسنخصه بكلمة، وكان يكتب للمقتدر أيضا أبو عمر (٤) الباجى المتوفى سنة ٤٧٥ وروى له ابن بسام رسالة على لسان زهر البهار وجّه بها إلى المقتدر بن هود مزدلفا إليه آملا أن تكون له الحظوة الكبرى بين كتابه ووزرائه كما للبهار بين نواوير الربيع وفيها يقول (٥): «أطال الله بقاء المقتدر مولاى وسيدى ومعلى حالى ومقيم أودى (٦)، وأعاذنى من خيبة العناء، وعصمنى معه من إخفاق الرّجاء، ولا أشمت بى عدوا من الرياض يناصبنى (٧)، وحاسدا من النواوير يراقبنى، وقد علم الورد موقع إمارتى، وغنى بلطيف إيمائى عن عبارتى. . وقد أتيت فى أوانى، وحضرت وغاب أقرانى، ولم أخل من خدمتك رتبتى ومكانى. . فهل لمولاى أن يحسن إلىّ صنيعا، ويكرم النّور جميعا، ويدنينى فأرقى إلى أختى الثّريّا سريعا، فى مجلس قد أخلصته سحائبه، وأفرغت الحسن عليه والطيب ضرائبه (٨)، وجهك بدره، وغرّتك فجره، وأخلاقك زهره، وثناؤك درّه وعطره» والباجى يجعل البهار فوق الورد وجميع الأزهار مصورا بلسانه مطامحه فى التقدم عند المقتدر فى مجالس تدبيره وأنسه على جميع كتابه ووزرائه. ولمواطنه كاتب المقتدر حسداى (٩) -وكان يهوديا وأسلم وحسن إسلامه-رسالة مماثلة كتب بها إلى المقتدر على

стр. 4064

لسان النرجس (١) ومن شعراء العصر الذين عنى ابن بسام برواية طائفة من رسائلهم الشخصية البديعة ابن الحداد الذى مضت ترجمته بين أفذاذ الشعراء فى العصر، وتنم رسائله عن أنه كان مثقفا ثقافة واسعة بالآداب العربية وما يطوى فيها من أعلام وأمثال وأشعار، وبعلوم الأوائل وما يطوى فيها من فلسفة وغير فلسفة، ومن طريف رسائله فى الشكر والإخاء (٢): «يا سيدى الذى هو قسيم ذاتى إن تحققت الذّوات والنّحائز (٣)، وشقيق نفسى إن تبيّنت الخلائق والغرائز، ومن أبقاه الله بقاء الفرقدين (٤) فى تدبير السّعدين. بيننا من التحام المقة (٥)، واستحكام الثّقة، ما أربأ (٦) به عن تضمين الصّحائف، ولو قدّت من السّوالف (٧)، وأنزّهه عن اشتمال المداد، ولو كان من دم الفؤاد، فصفاؤنا شمسىّ النّقاء، ووفاؤنا فلكىّ البقاء، ولا تضمّن الطروس، إلا ما لحقه الدروس. وكتابى هذا إثر إتحافك لى بكتابين كالنّيّرين، فإن كان القمر ويوح (٨)، لإنارة الّلوح، فهذان، لجلاء الأذهان». ومن الكتاب المبدعين أبو عبد الرحمن بن طاهر، وسنخصه بكلمة، وكان يعاصره أبو الحسين (٩) سراج بن عبد الملك بن سراج اللغوى الفقيه الكاتب المتوفى سنة ٥٠٨ وله رسالة طريفة بناها على الدعابة فى الشفاعة لشخص يسمى بالزريزير مستغلا اتفاق اسمه مع اسم طائر الزّرزور على هذا النمط (١٠): «يصل بالكتاب-وصل الله علوّك، وكبت عدوّك-شخص من الطيور يعرف بالزّريزير أقام لدينا أيام التّحسير (١١)، وزمان التبلغ بالشّكير (١٢)، فلما وافى ريشه، ونبت بأفراخه عشوشه، أزمع عنا قطوعا (١٣)، وعلى ذلك الأفق الّلدن تدلّيّا ووقوعا، رجاء أن

стр. 4065

يلقى فى تلك البساتين معمرا (١) وعلى تلك الغصون حبّا وثمرا، وأنت بجميل تأتّيك، وكرم معاليك، تصنع له هنالك وكونا (٢)، وتستمع من نغم شكره على ذلك أغاريد ولحونا، دون أن يلتقط فى فنائك حبّة، أو يسترط (٣) من مائك نغبة (٤)». وطارت الرسالة فى الأندلس وحاول غير أديب محاكاتها لما فيها من دعابة مستملحة، إذ صور سراج ما كان فيه هذا الشخص من ضيق جعله يلتمس منه الشفاعة لصاحبه بالزرزور حين ينحسر عنه ريشه العتيق ولا يبقى له إلا الريش القصير، حتى إذا كثر ريشه صمم على القطوع أو الرحيل آملا أن ينزل على أفق هذا الجواد ويجد عنده منزلا وحبّا وثمرا ووكونا أو عشوشا يأوى إليها متغنيا بالثناء عليه. وينصحه أن لا يجد فى فنائه حبّة يلتقطها ولا جرعة ماء تبلّ ريقه. وممن حاول محاكاة سراج بن عبد الملك فى هذه الدعابة الطريفة أبو بكر عبد (٥) العزيز بن القبطورنة كاتب على بن يوسف بن تاشفين المتوفى حوالى سنة ٥٢٠ للهجرة، ومن قوله فى رسالته (٦): «يصل بكتابى-وصل الله سعودك-من الطير نطّاق، من غير ذوات الأطواق (٧). . مهّدته العذارى الحجور، وألحفته الشعور، وربّته بين التّرائب والنّحور، وعلّلته بالرّضاب (٨)، وسقته بأفواهها العذاب، أقام عندنا زمانا، لا يتألف إلا رندا (٩) أو بانا، يتدرّج فى البساتين، يتطلب العنب المنتقى والتّين، فذكرت له يوما والحديث ذو شجون، أرضك الميثاء (١٠) ذات الشجر والعيون، فصفّق جناحا، واهتزّ ارتياحا، وسألنى إلى مجدك كتابا فأنلته ما ابتغى، وقلت: سلمت أخا الببّغا، وبلّغت المدى، وجنّبت من حزّة المدى (١١) وأخذ الكتاب بمنقار، وصفّق بريش الجناحين سرورا وطار، وأنت بسيادتك تبسط له فى بساتينك، وتفرش له من وردك وياسمينك» وكان يعاصر ابن القبطورنة أبا القاسم بن الجد، وسنخصه بكلمة، وعاصرهما ابن عبدون الشاعر الفذ الذى ترجمنا له بين شعراء الرثاء، وقد عمل فى دواوين المتوكل
следующие страницы →