← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

المريّة، وقد أطال ابن بسام فى ذكر تحميداته، وذكر طائفة من رسائله فى العتاب والاستزارة وله رسالة فى ذم صديق، ويقول ابن سعيد فى المغرب إنها من أبدع ما قيل فى ذم مؤاخ، ومن قوله فيها: (١) «خلّيت عنه يدى، وخلّدت قلاه خلدى، بيض الأنوق (٢) من رفده أمكن، وصفا المشقّر (٣) من خدّه ألين، نزر النوال، رثّ المقال، أحاديث وعده لا تعود بنفع، ولا هى من غرب ولا نبع (٤)، على وجهه من التعبيس قفل ضاع مفتاحه، وليل مات صباحه، غنىّ من الجهل، مفلس من العقل، تتضاءل النّعم لديه، وتقبح محاسن الإحسان إليه، غربال حديث إذا وعى سرّا قطر منه، كبد الزمان عليه قاسية، ونعم الله له ناسية، قصير عمر الوفاء للإخوان، عون عليهم مع الزمان، مربّ لأطفال الإحن، محى لأموات الدّمن (٥)، رقدت ملء عينى فى فرش القلى (٦) له وشربت زلال (٧) ماء العزاء عنه» ولابن برد رسالة وجّه بها إلى أبى الوليد بن جهور أمير قرطبة (٤٣٥ - ٤٦١ هـ) جعل موضوعها مجلسا للرياحين وأنوار البساتين أخذت فيه تتفاوض وتتحاور فى أيها أجمل فى صورته وأعبق فى رائحته ثم قام من بينهم خطيب، ففضل الورد على سائر الأزهار لحمرته معللا لذلك بأن الحمرة لون الدم والدم صديق الروح. وكان بالمجلس من رؤساء الأزهار والرياحين النرجس الأصفر والبهار والبنفسج والخيرىّ، فأدوا للورد شهادتهم بتقدمه، ونسوق منها شهادة النرجس إذ يقول (٨): «والذى مهّد لى حجر الثّرى، وأرضعنى ثدى الحيا (٩)، لقد جئت بالشهادة أوضح من لبّة (١٠) الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسرّ من التعبّد له والشغف به، والأسف على تعاقب الموت دون لقائه. ما أنحل جسمى، ومكّن سقمى، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى، فقد خفّ ثقل البلوى» وتتوالى شهادة البنفسج والبهار (١١) والخيرىّ، ثم تعقد الأزهار العزم على كتابة عقد

стр. 4062

بذلك ويكتبون رقعة بتحالف الرياحين جميعا على أنها أعطت للورد قيادها وملّكته أمرها، واعترفت بأنه أميرها المقدم لخصاله والمؤمّر لسوابقه، وهى لذلك تلتزم له بالسمع والطاعة والرقّ والعبودية. وربما كنى بالورد عن أمله فى أن يكون وزيرا لابن جهور مفضلا له على كل من حوله. وقد طارت شهرة هذه الرسالة وحاكاها غير كاتب، وممن حاكوها معاصر ابن برد حبيب صاحب كتاب فصل الربيع وسنترجم له عما قليل، أما ابن برد فسنترجم له بين أصحاب الرسائل الأدبية. ويكتظ كتاب الذخيرة لابن بسام بالرسائل الشخصية يدبّجها كتاب الدواوين والوزراء والشعراء وينمقونها صورا مختلفة من التنميق، وممن روى له كثيرا من رسائله الشخصية أبو محمد بن عبد البر الذى ترجمنا له بين كتاب الرسائل الديوانية، وله رسائل كثيرة فى الشفاعات والوسائل والمودة وفى التهنئة والتعزية، من ذلك تعزيته لأب فى فتى له استشهد فى قتال أعداء الدين الحنيف، وفيها يقول (١): «كتبت عن قلب يقشعرّ، ونفس بين ضلوعها لا تستقرّ، لخبر الرّزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم. . فيا لها حسرة ما أنكاها (٢) للنفوس، وجمرة ما أذكاها (٣) فى القلوب. وروعة ما أفتّها للأعضاد، ولوعة ما أحرّها على الأكباد: وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا ولقد خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فوقع أجره على الله. . وأنت الطّود الموفى (٤) على كل هضبة، المعلّى على كل فرحة وكربة. والله-يا سيدى-فى نفسك العزيزة أن يكون فيها كامن رزء (٥) يقدح، أو أن يوهن منها باطن أسى يفدح» وكان يعاصر أبا محمد ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير المتوفى سنة ٤٦٩ وقد ترجم له ابن بسام ترجمة ضافية، وسنترجم له فى غير هذا الموضع، وروى ابن بسام له رسائل شخصية بديعة، وفى إحداها يقول مهنئا بعض العمال بخلاصه من نكبته (٦): «كتابى عن نفس قد أشرق وجه صباحها، وهبّت رياح ارتياحها، بما طلع علينا من

стр. 4063

البشائر السارّة بخلاصك، وجميل انفكاكك، على حين بلغت قلوب الأودّاء الحناجر، وكادت موارد الحزن لا تكون لها مصادر، فإن الأيام عمّت فيك، بإساءتها إليك، كلّ منتسب إلى فضل، متّسم باسم نبل، وإن كانت قد أصابت فيك سواد ناظرها الذى تضئ به وتتجمّل، وسخت منك بحلى جيدها الذى يحقّ به أن تبخل. . وقد صادفت منك الإبريز (١) الذى لا يزيده السّبك إلا تمحيصا، والمبرّز الذى لا يعقبه تحوّل الأحوال نكوصا، تتلقى الخطوب بصدر وساع، (٢) وصبر منفسح الباع، وتسبر (٣) الدهر بمسباره، وتعرف من مكنونه حقيقة إيراده وإصداره». ونلتقى بابن الدباغ كاتب المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وسنخصه بكلمة، وكان يكتب للمقتدر أيضا أبو عمر (٤) الباجى المتوفى سنة ٤٧٥ وروى له ابن بسام رسالة على لسان زهر البهار وجّه بها إلى المقتدر بن هود مزدلفا إليه آملا أن تكون له الحظوة الكبرى بين كتابه ووزرائه كما للبهار بين نواوير الربيع وفيها يقول (٥): «أطال الله بقاء المقتدر مولاى وسيدى ومعلى حالى ومقيم أودى (٦)، وأعاذنى من خيبة العناء، وعصمنى معه من إخفاق الرّجاء، ولا أشمت بى عدوا من الرياض يناصبنى (٧)، وحاسدا من النواوير يراقبنى، وقد علم الورد موقع إمارتى، وغنى بلطيف إيمائى عن عبارتى. . وقد أتيت فى أوانى، وحضرت وغاب أقرانى، ولم أخل من خدمتك رتبتى ومكانى. . فهل لمولاى أن يحسن إلىّ صنيعا، ويكرم النّور جميعا، ويدنينى فأرقى إلى أختى الثّريّا سريعا، فى مجلس قد أخلصته سحائبه، وأفرغت الحسن عليه والطيب ضرائبه (٨)، وجهك بدره، وغرّتك فجره، وأخلاقك زهره، وثناؤك درّه وعطره» والباجى يجعل البهار فوق الورد وجميع الأزهار مصورا بلسانه مطامحه فى التقدم عند المقتدر فى مجالس تدبيره وأنسه على جميع كتابه ووزرائه. ولمواطنه كاتب المقتدر حسداى (٩) -وكان يهوديا وأسلم وحسن إسلامه-رسالة مماثلة كتب بها إلى المقتدر على

стр. 4064

لسان النرجس (١) ومن شعراء العصر الذين عنى ابن بسام برواية طائفة من رسائلهم الشخصية البديعة ابن الحداد الذى مضت ترجمته بين أفذاذ الشعراء فى العصر، وتنم رسائله عن أنه كان مثقفا ثقافة واسعة بالآداب العربية وما يطوى فيها من أعلام وأمثال وأشعار، وبعلوم الأوائل وما يطوى فيها من فلسفة وغير فلسفة، ومن طريف رسائله فى الشكر والإخاء (٢): «يا سيدى الذى هو قسيم ذاتى إن تحققت الذّوات والنّحائز (٣)، وشقيق نفسى إن تبيّنت الخلائق والغرائز، ومن أبقاه الله بقاء الفرقدين (٤) فى تدبير السّعدين. بيننا من التحام المقة (٥)، واستحكام الثّقة، ما أربأ (٦) به عن تضمين الصّحائف، ولو قدّت من السّوالف (٧)، وأنزّهه عن اشتمال المداد، ولو كان من دم الفؤاد، فصفاؤنا شمسىّ النّقاء، ووفاؤنا فلكىّ البقاء، ولا تضمّن الطروس، إلا ما لحقه الدروس. وكتابى هذا إثر إتحافك لى بكتابين كالنّيّرين، فإن كان القمر ويوح (٨)، لإنارة الّلوح، فهذان، لجلاء الأذهان». ومن الكتاب المبدعين أبو عبد الرحمن بن طاهر، وسنخصه بكلمة، وكان يعاصره أبو الحسين (٩) سراج بن عبد الملك بن سراج اللغوى الفقيه الكاتب المتوفى سنة ٥٠٨ وله رسالة طريفة بناها على الدعابة فى الشفاعة لشخص يسمى بالزريزير مستغلا اتفاق اسمه مع اسم طائر الزّرزور على هذا النمط (١٠): «يصل بالكتاب-وصل الله علوّك، وكبت عدوّك-شخص من الطيور يعرف بالزّريزير أقام لدينا أيام التّحسير (١١)، وزمان التبلغ بالشّكير (١٢)، فلما وافى ريشه، ونبت بأفراخه عشوشه، أزمع عنا قطوعا (١٣)، وعلى ذلك الأفق الّلدن تدلّيّا ووقوعا، رجاء أن

стр. 4065

يلقى فى تلك البساتين معمرا (١) وعلى تلك الغصون حبّا وثمرا، وأنت بجميل تأتّيك، وكرم معاليك، تصنع له هنالك وكونا (٢)، وتستمع من نغم شكره على ذلك أغاريد ولحونا، دون أن يلتقط فى فنائك حبّة، أو يسترط (٣) من مائك نغبة (٤)». وطارت الرسالة فى الأندلس وحاول غير أديب محاكاتها لما فيها من دعابة مستملحة، إذ صور سراج ما كان فيه هذا الشخص من ضيق جعله يلتمس منه الشفاعة لصاحبه بالزرزور حين ينحسر عنه ريشه العتيق ولا يبقى له إلا الريش القصير، حتى إذا كثر ريشه صمم على القطوع أو الرحيل آملا أن ينزل على أفق هذا الجواد ويجد عنده منزلا وحبّا وثمرا ووكونا أو عشوشا يأوى إليها متغنيا بالثناء عليه. وينصحه أن لا يجد فى فنائه حبّة يلتقطها ولا جرعة ماء تبلّ ريقه. وممن حاول محاكاة سراج بن عبد الملك فى هذه الدعابة الطريفة أبو بكر عبد (٥) العزيز بن القبطورنة كاتب على بن يوسف بن تاشفين المتوفى حوالى سنة ٥٢٠ للهجرة، ومن قوله فى رسالته (٦): «يصل بكتابى-وصل الله سعودك-من الطير نطّاق، من غير ذوات الأطواق (٧). . مهّدته العذارى الحجور، وألحفته الشعور، وربّته بين التّرائب والنّحور، وعلّلته بالرّضاب (٨)، وسقته بأفواهها العذاب، أقام عندنا زمانا، لا يتألف إلا رندا (٩) أو بانا، يتدرّج فى البساتين، يتطلب العنب المنتقى والتّين، فذكرت له يوما والحديث ذو شجون، أرضك الميثاء (١٠) ذات الشجر والعيون، فصفّق جناحا، واهتزّ ارتياحا، وسألنى إلى مجدك كتابا فأنلته ما ابتغى، وقلت: سلمت أخا الببّغا، وبلّغت المدى، وجنّبت من حزّة المدى (١١) وأخذ الكتاب بمنقار، وصفّق بريش الجناحين سرورا وطار، وأنت بسيادتك تبسط له فى بساتينك، وتفرش له من وردك وياسمينك» وكان يعاصر ابن القبطورنة أبا القاسم بن الجد، وسنخصه بكلمة، وعاصرهما ابن عبدون الشاعر الفذ الذى ترجمنا له بين شعراء الرثاء، وقد عمل فى دواوين المتوكل

стр. 4066

ببطليوس ثم فى دواوين المرابطين، وله رسائل يخطب فيها ودّ أبى القاسم بن الجد، وفى إحداها يقول (١): «إن تعذّر لقاء، فقد انتشر ثناء، امتلأت الأرض منه والسماء، ووصف عزّ الأوصاف وغلبها، وهزّ الأعطاف وجذبها، وذكر ملأ الآذان حليّا، والآناف ريّا (٢)، والأفواه أريا، ونبل جلت مطالعه دياجى الأوهام، وروت مواقعه صوادى (٣) الأوهام. . ولله دهر أطلعك أفقه، ووقت وسعك طلقه (٤)، ما أكرم طبيعته، وأضخم دسيعته (٥)، وأعبق فى الآناف شميمه، وأرقّ على الأنفاس نسيمه. . وأنا أخطب إلى عمادى-أدام الله عزّته-مودّته عقيلة (٦)، واجعل رحمى (٧): الأدب والنسب وسيلة، وأبذل من تحلية حمدى وشكرى مهرا، وأبنى لها بين سحرى ونحرى (٨) قصرا. . والله-جلاّ وعلا-يعيننى على فرضه أؤديه، وقرضه أقضيه». وللأعمى التطيلى الشاعر معاصره رسالة عتاب بديعة لمن خدمه الزمان وأقبل عليه السلطان، وله يقول مترفعا عن بره وعونه: «إنى أبيت ظمآن، ولا أبيت خزيان، وأحتمل الحرمان، ولا أحتمل الهوان (٩)». وكان يعاصره ويعاصر ابن الجد ابن خفاجة شاعر الطبيعة المبدع الذى مرت ترجمته، وكما كان يبدع فى وصفها شعرا كان يبدع فى وصفها نثرا، وله من رسالة يصف نزهة مع بعض رفاقه غبّ مطر (١٠): «لما أكبّ الغمام إكبابا، لم أجد معه إغبابا (١١)، واتصل المطر اتصالا، لم ألف معه انفصالا، أذن الله تعالى للصّحو أن يطلع صفحته، وينشر صحيفته، فقشعت الريح السحاب، كما طوى السجلّ الكتاب، وطفقت السماء تخلع جلبابها، والشمس تحطّ نقابها، وتطلّعت الدنيا تبتهج كأنها عروس تحلّت، وقد تجلّت، ذهبت فى لمّة من الإخوان نستبق إلى الراحة ركضا، ونطوى للتفرّج أرضا، وننشر أرضا، وتردّدنا بتلك الأباطح نتهادى (١٢) تهادى أغصانها، ونتضاحك تضاحك أقحوانها، وللنسيم، أثناء ذلك

стр. 4067

المنظر الوسيم، تراسل مشى، على بساط وشى، وأجلنا النظر فى نهر صافى لجين (١) الماء، كأنه مجرّة السماء، مؤتلق جوهر الحباب (٢)، كأنه من ثغور الأحباب. وحضرنا مسمع (٣) يجرى مع النفوس لطافة فهو يعلم غرضها وهواها، ويغنى لها مقترحها ومناها: يحرّك-حين يشدو-ساكنات ... ويبتعث الطبائع للسّكون» ولابن خفاجة-بجانب ذلك-رسائل فى التهادى وفى العتاب وفى الشفاعة، وفى التهانى وفى التعازى، وهى مبثوثة بترجمته فى الذخيرة، وله يتفجع على شهيد بإحدى رسائله (٤): «قمر فضل سار إلى سراره (٥)، ووسطى عقد أخذ فى انتثاره، وصباح جذل (٦) أسرع فى انطوائه، ومصباح أمل عجّل بانطفائه، فقبحا لدنيا قصفته أنضر ما كان غصنا، وكسفته أقمر (٧) ما كان حسنا. وصار مفقودا، كأن لم يكن مشهودا، ومنشودا (٨) كأن لم يكن موجودا. وقد وجدت لذلك وجدا لا يسعه الصّدر، ولا يقاومه الصّبر، وأوارا (٩) لا تطويه أحناء الضلوع، ولا تطفئه أحساء (١٠) الدموع. وكأنّ كل ذلك لما انقضى، فمضى، خيال ألمّ ثم تولّى، وغمام أظلّ ثم تجلّى». ومن معاصرى ابن خفاجة أبو عبد الله بن أبى الخصال أهم الكتاب فى دواوين المرابطين بأخرة من أيامهم، وتحتفظ المجلدات الثامن والتاسع والرابع عشر من صبح الأعشى بطائفة من رسائله الشخصية بين شكر وتهنئة بقدوم وتعاز فى وزير وبنت وأخ وزوجة وشفاعة ووصف لغيث بعد جدب وما أعقبه من تغنى الطيور فرحا بجمال الطبيعة وازديانها بروائع الأزهار من نرجس وغير نرجس، واحتفظ له ابن بسام بطائفة أخرى من رسائله فى ذخيرته، من بينها رسالتان وجّه بهما إلى ابن بسام ردّا على رسالة كان أرسلها إليه فى طلب بعض شعره ونثره ليضمنه الذخيرة، وهو فى أولاهما يعتذر عن تلبية طلبه فى تواضع جم إذ ليس له من الشعر والنثر-كما يقول-إلا ما يعد من سقط المتاع. ويبدو أن ابن بسام ألح عليه فى الطلب فاضطر أن يلبيه بقليل من شعره قائلا إنه

стр. 4068

يربأ بقدر الذخيرة عن مثل هذه النتف الأخيرة، ويعتذر بأنه يخط ما خطه من هذا الشعر فى ليلة قاسية البرد، ويمضى فى تصويرها قائلا (١): «إنى خططت والنوم مغازل، والقرّ منازل، والرّيح تلعب بالسّراج، وتصول عليه صولة الحجّاج (٢)، فطورا تسدّده سنانا، وتارة تحرّكه لسانا، وآونة تطويه حبابة (٣)، وأخرى تنشره ذؤابة، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب، أو حمة (٤) عقرب، وتقوّسه حاجب فتاة، ذات غمزات، وتستلّ روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد أو مسخته حدق (٥) جراد. . فلا حظّ منه للعين، ولا هداية فى الطّرس لليدين، والليل زنجىّ (٦) الأديم تبرىّ (٧) النجوم، قد جللّلنا ساجه (٨)، وأغرقتنا أمواجه، ولو نظرت فيه الزرقاء (٩) لاكتحلت، أو خضبت به الشّبيبة لما نصلت (١٠)، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه، (١١) والتوى التواء الحباب (١٢)، واستدار استدارة الحباب، وجلده الجليد، وضربه الضّريب (١٣)، وصعّد أنفاسه الصّعيد، (١٤) فحماه مباح، ولا هرير ولا نباح، والنار كالصديق أو كالرّحيق (١٥)، كلاهما عنقاء مغرب (١٦)، أو نجم مغرّب». والرسالة وصف شعرى بديع لهذه الليلة من ليالى الشتاء الباردة بردا شديدا فى الأندلس والرياح تقصف، والليل داج معتم، والسراج تقبضه الريح وتبسطه، وقد يضيئ ويستعرض، وقد يتضاءل حتى يصبح إبرة أو برة، وقد يستطيل حتى كأنه سنان أو لسان، وقد يتقوس حتى كأنه حاجب أو يتلوّى كأنه عقرب. ويستمر ابن أبى الخصال فى وصف الليلة الباردة وما أضفى عليها من أخيلته الرائعة. وليستتم صورة بردها الشديد وصف كلبا مقرورا مدّ عليه الثلج رواقه، حتى لم يعد يبصر طنب بيته والتف ذنبه على خيشومه

стр. 4069

أو خرطومه، وتقرفص وتكوّم كالأفعوان، وكاد يتجمد، فحشو الجو من فوقه إبر من الثلج اللاسع، وأرضه قوارير من الجليد اللاذع، وجفّ ريقه فى حلقه فلا هرير ولا نباح، ولا نار لمصطل، فالرياح العاصفة لها بالمرصاد حتى لكأنها الطائر الخرافى المسمى عنقاء مغرب. ونمضى فى عصر الموحدين، ونلتقى فيه بصفوان بن إدريس المتوفى سنة ٥٩٨ المار ذكره بين شعراء الغزل والمدائح النبوية، وله من رسالة ينهئ بها أبا القاسم بن بقى حين تولّى خطة القضاة سنة ٥٩٢ وفيها يقول (١): «حسن الأيام وجمالها، ومآل الآمال وثمالها (٢)، وبصر المعارف وسمعها، وواحد الفضائل وجمعها، أبو القاسم بن بقى بن مخلد، بورك فى والد وما ولد: نسب كأن عليه من شمس الضّحى ... نورا ومن فلق الصّباح عمودا . . نفع الحقّ به علله، ونقع غلله (٣). . عمادى الأكرم، وملاذى الذى أنفخ من حدّه فى ضرم (٤)، وأحلّ من الاختصاص به محل الحرم، تخيرّت علاه ومن أخصب تخيّر وما كنت إلا كالغريب ارتاد الجوار، والمحلّى انتقى المعصم حين صاغ السّوار. . والله- تعالى-يديم مدة قاضى الجماعة الأسرى (٥)، وكلم حمده أسير من الأمثال وأسرى (٦)، ونعم الله سبحانه عليه تترى، وما يريه من نعمة إلا هى أكبر من الأخرى». والتورية واضحة بين الأسرى وأسرى، وهى تكثر فى نثر الأندلس وشعرها منذ هذا التاريخ. ولسهل بن مالك-بأخرة من عصر الموحدين-رسائل شخصية بديعة، وسنخصه بكلمة، ولأبى عبد الله بن الجنان المترجم له بين شعراء المدائح النبوية من رسالة يعزى بها أبناء سهل حين توفى استهلها بقصيدة أو بمرثية طويلة وفيها يقول (٧): «يا له حادثا، جمع قديما من الكروب وحادثا، ومصابا، جرّع أوصابا، وأضحى كلّ به مصابا، لا جرم أنى شربت من كأسه مستفظعها، وشرقت (٨) بها وبدمعى الذى ارفضّ (٩) معها، فغالت خلدى، وغالبت جلدى، حتى غبت عنى، ولم أدر بآلامى التى تعنّى.

стр. 4070

وبكيت حتى خشيت البكاء أن يعشينى (١)، وغشيت (٢) إذ غشينى (٣) من ذلك اليمّ (٤) ما غشينى، «وظللت لقى (٥) أينما شاء التّرح يلقينى، فتارة يفنينى، وتارة يبقينى. . ويا ليت شعرى إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله، هل حنّطوه بغير ثنائه أو كفّنوه فى غير خلاله، ويا ليت شعرى إذ استقلّ به نعشه الأشرف، ترفرف عليه الملائكة ويظلّه الرّفرف، هل رأوا قبله حمل الأطواد (٦)، على الأعواد، وسير الكواكب فى مثل تلك المواكب، ولم آثروا على نفوسهم، ورضوا الأرض مغربا لأنوار شموسهم؟ هلا حفروا له بين أحناء الضلوع، وجعلوا الصّفيح ضريح الحب والولوع. . وهب الله لكم فى مصابكم صبرا على قدره، وسكب ديم مغفرته على مثوى فقيدكم وقبره». وأخذ الكتّاب فى الأندلس منذ القرن السابع الهجرى على لسان أبى المطرف بن عميرة الذى ترجمنا له بين كتاب الدواوين وغيره يتصنعون فى كتاباتهم بإلماعات وإشارات إلى الأمثال وإلى مسائل العلوم ومصطلحاتها على نحو ما نقرأ من رسالة لأبى المطرف حين أعلمه صديق نبأ استيلاء الروم على بلنسية، فقال متحسرا (٧): «بالله أىّ نحو ننحو، أو مسطور نثبت أو نمحو، وقد حذف الأصل والزائد، وذهبت الصّلة والعائد. . وذهبت علامة الرفع، وفقدت نون الجمع، والمعتلّ أعدى الصحيح، والمثلّث أردى الفصيح. . ومالت قواعد الملّة، وصرنا جمع القلّة، وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكل من البعض». وواضح أنه استغل مصطلحات النحو استغلالا واسعا فى التورية عما أراد من تصوير بؤس الأندلسيين إزاء ما يسقط من بلدانهم فى حجر نصارى الإسبان، وأضاف إلى التوريات بمصطلحات النحو توريات ببعض كتب الأندلسيين، وأقصد كتابى الصلة والعائد وهما من كتب التراجم ومن مصطلحات النحو أيضا وأشار معهما إلى تغلب المسيحى على العربى بكلمتى المثلث والفصيح موريا بهما عن كتابين لغويين هما مثلث قطرب وفصيح ثعلب، ومعروف أن من أنواع البدل عند النحاة بدل الكل من البعض. وبجانب هذه الإشارات والإلماعات إلى مصطلحات العلوم وكتبها التى يحاكون بها تملحا

стр. 4071

أبا العلاء المعرى فى نثره وشعره على نحو ما أوضحنا ذلك عنه فى كتابينا عن الفن ومذاهبه فى الشعر والنثر العربيين. وأخذت تشيع فى الرسائل مع المحسنات البديعية- وخاصة التورية-عقد يصعّب بها الكتّاب الممرات إلى صنع الرسائل، على نحو ما صنع المشارقة من ذلك منذ الحريرى صاحب المقامات، إذ كان يلتزم فى بعضها أن تكون كلماتها غير منقوطة أو تكون إحدى الكلمات منقوطة وتاليتها غير منقوطة وكثر مثل ذلك عند المشارقة كما كثر أن يلتزم حرف بعينه فى كلمات الرسالة أو كلمات العهد على نحو ما صنع ابن الجنّان إذ التزم فى عهد أن يكون السجع فيه جميعه حاء مع إردافها بالألف مثل صلاحا، فلاحا (١). والتزم فى رسالة له العين فى جميع ألفاظها، ويقول ابن عبد الملك المراكشى إنها «شاعت فى الأندلس، وتنوقلت شرقا وغربا» وراجعه أبو الحسين الرّعينى برسالة مماثلة، وردّ عليه ابن الجنّان أيضا برسالة على غرارها، مما دفع أبا المطرف بن عميرة أن يكتب إلى الرعينى برسالة نونية ملتزما النون فى جميع كلماتها (٢). ومن الحق أن كتاب الأندلس كانوا من البراعة فى الكتابة بحيث كانت رسائلهم تسع هذا التصنع وما يشاكله دون أن يجور على إبداعاتهم الأدبية وحيويتها النافذة بما كانت تتوهج به دائما من سجع ومحسنات وتصاوير رائعة مع العناية دائما بجمال الجرس وحسن الأداء. وظل ذلك ماثلا فى كتابات الكتّاب بغرناطة طوال إمارتها من أواسط القرن السابع الهجرى إلى أن خرج منها العرب بأخرة من القرن التاسع، ويزخر كتاب الإحاطة بكثير من الرسائل الشخصية للكتاب الغرناطيين وفى مقدمتهم ابن الخطيب مؤلفه، وقد ختمه برسالتين راسل بهما ابن خلدون صديقه، واحتفظ ابن خلدون له بطائفة من رسائله إليه فى كتابه «التعريف» وفى إحداها يرحب بمقدمه إلى غرناطة قائلا (٣): «لو خيّرت أيها الحبيب الذى زيارته الأمنيّة السنيّة والعارفة الوارفة (٤)، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب يقطر ماء، ويرفّ نماء، ويغازل عيون الكواكب فضلا عن الكواعب إشارة وإيماء. . وبين قدومك لما اخترت الشباب وإن شاقنى زمنه وأجرت سحاب دمعى دمنه (٥)، فالحمد لله الذى رقى جنون اغترابى، وملّكنى أزمّة آرابى» وكانت بينهما مودة وثيقة، وآن أن نترجم لبعض كتاب الرسائل الشخصية المبدعين: حبيب وابن الدباغ وأبى عبد الرحمن بن طاهر وأبى القاسم بن الجد وسهل بن مالك.

стр. 4072

حبيب (١) هو أبو الوليد إسماعيل بن محمد الملقب بحبيب، من أهل إشبيلية، كانت له ولأبيه قدم فى الرياسة عند المعتضد أميرها، ولقبه الضبى بالوزير الكاتب، وقال فيه ابن بسام: «كان سديد سهم المقال، بعيد شأو الرويّة والارتجال. . ولو تحاماه صرف الدهر، وامتد به قليلا طلق (٢) العمر، لسدّ طريق الصباح، وغبّر فى وجوه الرياح، إذ توفى ابن اثنتين وعشرين سنة» وانفرد ابن سعيد بقوله إن المعتضد قتله، والراجح أنه توفى شابا معتبطا بغير علة قريبا من سنة ٤٤٠ للهجرة، وكان-كما يقول ابن الأبار-آية فى الذكاء والفهم والبلاغة وتجويد الشعر على حداثة سنه. وله كتاب البديع فى وصف الربيع جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة فى الربيع ومشاهده وأزهاره ورياحينه، قال فى فاتحته: «فصل الربيع آرج وأبهج، وآنس، وأنفس، وأبدع، وأرفع، من أن أحدّ حسن ذاته، وأعدّ بديع صفاته. . وهو مع صفاته الرائقة، وسماته الشّائقة، وآلائه الفائقة، لم يعن بتأليفه أحد، ولا انفرد بتصنيفه منفرد». وقد جمع حبيب فى كتابه أروع ما للأندلسيين فى وصف الربيع سواء ما نظموه فيه خاصة وما أودعوه مقدمات مدائحهم، وأضاف إلى ذلك بعض ما كتبوا فيه رسائلهم من وصف الأزهار، وأشاد برسالة ابن برد إلى أبى الوليد بن جهور وما بثه من حوار فيها بين خمسة نواوير هى الورد والنرجس الأصفر والبنفسج والبهار والخيرىّ النمام واعتراف النواوير الأخيرة بفضل الورد وكتابتها عهدا أو وثيقة بذلك على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وأردف حبيب رسالة ابن برد برسالته إلى المعتضد حاكاه فيها مفضلا البهار على الورد مع وصفه لسبعة من نواوير الربيع، وهو يستهل رسالته بإنكاره لتفضيل ابن برد الورد عليها فى رسالته، يقول: «أول من رأى ذلك الكتاب (رسالة ابن برد فى تفضيل الورد) وعاين الخطاب، نواوير فصل الربيع التى هى جيرة الورد فى الوطن، وصحابته فى الزمن، ولما قرأته

стр. 4073

أنكرت ما فيه، وبنت على هدّم مبانيه، ونقض معانيه، وعرّفت الورد بما عليه، فيما نسب إليه. . وكتبت إلى الأقحوان والخيرىّ الأصفر كتابا قالت فيه: لا ندرى لأى شئ أوجبت الأزهار تقديمه، بما غيره أشكل له وأحقّ به وهو نور البهار، البادى فضله بدوّ النهار، والذى لم يزل عند علماء الشعراء، وحكماء البلغاء، مشبّها بالعيون التى لا يحول نظرها، ولا يحور حورها، وأفضل تشبيه للورد، بنضرة الخدّ، عند من تشيّع فيه، وأشرف الحواسّ العين، إذ هى على كل منوّل عون، وليس الخدّ حاسّة، فكيف تبلغه رئاسة: أين الخدود من العيون نفاسة ... ورئاسة لولا القياس الفاسد» واستمر حبيب فى هذه الرسالة طويلا، وختمها بمبايعة الأزهار للبهار بتفضيله على الورد. وله من رسالة إلى أبيه: «لما خلق الرّبيع من أخلاقك الغرّ، وسرق زهره من شيمك الزّهر، حسن فى كل عين منظره، وطاب فى كل سمع خبره، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه، ومالت إلى الإشراف على بعض ما يحتويه من النّور الذى كسا الأرض حللا، لا يرى الناظر فى أثنائها خللا، فكأنها نجوم نشرت على الثّرى، وقد ملئت مسكا وعنبرا، إن تنسّمتها فأرجة، أو توسّمتها فبهجة، تروق العيون أجناسها، وتحيى النفوس أنفاسها. . فأوجد لى سبيلا إلى إعمال بصرى فيها، لأجلو بصيرتى بمحاسن نواحيها، فالنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، ومن أجمّها (١) فهو السّديد الرشيد». وواضح فى الرسالة لطف الابن لأبيه، مع حسن تأتّيه وجمال وصفه للربيع وشغفه بمشاهد نواويره البديعة. وله من رسالة إلى بعض إخوانه يستدعيه للمتعة معه والأنس به فى منظر فاتن من مناظر الربيع، يقول: «قد علم سيدى أن بمرآه يكمل جذلى، ويدنو أملى، وقد حللت محلاّ عنى الجوّ بتحسينه، وانفرد الربيع بتحصينه، فكساه حللا من الأنوار، بها ينجلى صدأ البصائر والأبصار، فمن مكموم (٢) يعبق مسكه، ولا يمنعه مسكه، ومن باد يروق مجتلاه، ويفوق مجتباه، فى مرآه وريّاه، فتفضّل بالخفوف (٣) نحوى لنجدّد من الأنس مغانى (٤) درست،

стр. 4074

ونفكّ من السرور معانى أشكلت وألبست، (١) ونشكر للربيع، ما أرانا من البديع» والرسالة كسابقتها جمال صياغة وحسن أداء، وهى تصور-مثلها-تعلقه بالطبيعة فى أعيادها وأعراسها أيام الربيع، مما جعله يصنف فيه كتابه «البديع» متنقلا بين مشاهده وأزهاره ونواويره وما صاغ فيها هو وشعراء موطنه من أوصاف رائعة. ابن (٢) الدباغ هو أبو المطرف عبد الرحمن بن فاخر المعروف ب ابن الدباغ الوزير الكاتب، نشأ بسرقسطة، وعمل بدواوينها وقرّبه المقتدر بن هود أميرها (٤٣٨ - ٤٧٥ هـ) حتى أصبح من وزرائه، وأحسّ منه جفوة، وخشى أن يسطو به ويبطش، فخرج عنه، ونزل بالمعتمد بن عباد فى إشبيلية، فأجزل قراه، وخصّه بحظ من دنياه، وجعله مكان سرّه ونجواه. وسفر بينه وبين المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس حين كان بيابرة. وحدثت مشادة بينه وبين ابن عمار قرينه فى وزارة المعتمد، وبلغه أنه قدح فيه بمجلس المعتمد، وخشى مغبّة ذلك، فلحق بالمتوكل أمير بطليوس فرحب به، ويبدو أنه لم يكن موطّأ الكنف فى العشرة، إذ لم يلبث أن فسد ما بينه وبين وزير المتوكل أبى عبد الله بن أيمن، واشتعلت بينهما نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بأعنان السماء-كما يقول ابن بسام-ارتفاعها، فكرّ راجعا إلى سرقسطة، وبعد فترة قليلة قتل ببستان من بساتينها. ويبدو أن ابن الدباغ كان شديد الضجر بالناس كثير الظنون بهم أو قل سيئ الظنون، فنبا به مقامه عند المقتدر بن هود ثم عند المعتمد والمتوكل بن الأفطس، وربما دفعه إلى ذلك تشاؤم شديد جبلت عليه نفسه. وهو من كتاب عصر أمراء الطوائف النابهين، وفيه يقول ابن بسام: «فيما انتخبته من نظمه ونثره ما يشهد بفضله، ويدل على نبله». ومضى ابن بسام يعرض طرائف من رسائله امتدت إلى نحو ستين صحيفة، جميعها غرر ودرر، وأكثرها فى ذم الزمان ومعاصريه وتعذر آماله فيه، من ذلك قوله فى بعض رسائله: «كتابى وعندى من الدهر ما يهدّ أيسره الرّواسى، ويفتّت الحجر القاسى. . ومن أقلّها قلب محاسنى مساوى، وأوليائى أعادى، وقصدى بالبغضة من جهة المقة (٣)،

стр. 4075

واعتمادى بالخيانة من حيث الثقة. . وقد غيّر علىّ حتى شرابى، وأوحشنى حتى ثيابى، فها أنا أتّهم عيانى، وأستريب من بيانى، وأجنى الإساءة من غرس إحسانى. . وما أصنع؟ وقد أبى القضاء إلا أن أقضى عمرى فى بوس ولا أنفكّ من نحوس. . لست أشكو إلا زمانى وقعوده بجدّى (١)، وقبيح آثاره عندى، يخصّنى بمزية حرمان، ويتوخّانى بفضلة عدوان، ويجعلنى نصب سعيه، وغرض رميه، ومكان أذايته وبغيه. . ما أجد إلا من يثلب، ولا أمرّ إلا بمن يتجهّم ويقطّب. . وسبحان من جعل الدنيا دار كرب ومحنة، لكل ذى لبّ وفطنة، ومقام تنعّم وترف، لكل ذى خسّة ونطف (٢). . وما أظن أن لدجى حالى انبلاجا، ولا لكربة نفسى انفراجا، ولا إخال غمرات الهمّ تنجلى، ولا مدد النحوس تنقضى، ومن كانت له من الدنيا حظوة يصطفيها، ومكانة يستقر فيها، فليس لى منها إلا أن أرى كيف تنقسم رتبها وتتناوب، وتتنازع نعمها وتتجاذب، وتغتنم فوائدها وتتناهب، حتى كأنى جئت على العدد زائدا، ولم أكن عند القسمة شاهدا، وما أقول هذا قول ساخط، ولا أيأس من رحمة الله يأس قانط، ولكن ربما استراح العليل فى أنّة، واستغاث المتوجع إلى رنّة (٣)، وخفّف عن المصدور نفث (٤)، ونفّس من وجد المكروب بثّ (٥)». وهو يطيل فى مثل ذلك صادرا عن قريحة أدبية خصبة، وكأنما سيول الكلام العذب تفد عليه من كل صوب، وهو يختار أسلس الألفاظ وأحلاها فى الجريان على الألسنة ومصافحة الأسماع والقلوب، مما يصور براعة أدبية حقيقية، إذ يمتع دائما بألفاظه ومعانيه الألسنة والآذان والأذهان. وله من تهنئة: «قد كنت-أعزّك الله-متمنيا لهذه الأيام، كما يتمنّى فى المحل (٦) صوب الغمام، ومنتظرا لظهورك فيها، كانتظار النفس أعذب أمانيها، ولما أطلعت طلائعها السعود، واستمرّ بك الارتقاء والصعود، قلت لنفسى بشراك، وأسعفك الدهر بمناك، وسرّك فى بعض أعزّتك وأرضاك، وأذنى فى الإصغاء، إلى ما يطرأ من الأنباء، وكلما قيل فرع (٧) من الجاه ذروة، واستجدّ من العزّ كسوة، سرت العزّة فى خلدى (٨)، وطالت (٩) على النّوب يدى»

стр. 4076

وبهذا البيان الخلاب لا نزال نقرأ فى رسائل ابن الدباغ معجبين، ونأسى لمصيره، وكان حريا بأحد الثلاثة: المقتدر بن هود والمعتمد بن عباد والمتوكل بن الأفطس أن يرفق به ويعرف له فضله ومنزلته الأدبية الرفيعة، فيقيله من أوضار تشاؤمه وعثرات بؤسه بما يسدل عليه من صفو الحياة ورخاء العيش مما يبّدل قنوطه من معاصريه رجاء ويأسه منهم أملا وخوفه ثقة واطمئنانا، غير أن أحدا منهم لم يحاول إنقاذه من محنته، بل جميعهم تركوه يتجرع غصص الضّيم والحرمان فى غير شفقة ولا رأفة. أبو (١) عبد الرحمن بن طاهر هو أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن طاهر، من بيت ثراء وشرف وفضل بمدينة مرسية فى شرقى الأندلس، وهو بيت كان ينتمى إلى قبيلة قيس بن عيلان فى الجزيرة، وكان يعتز بقيسيته وعروبته. ولما انتثرت الأندلس وتوزعت بلدانها بأيدى أمراء الطوائف دعا أبوه أحمد بن طاهر لنفسه فى بلدته مرسية، فاجتمع أهلها على طاعته، وازدهر إقليم أهلها بجميل سيرته. وكان قد رزق بابنه أبى عبد الرحمن محمد حوالى سنة ٤٢٠ للهجرة، وشبّ فأعان أباه فى حكمه إلى أن توفى سنة ٤٥٥ فخلفه على مرسية، وانتهج سيرته، فاستقام له حكم أهلها، وكأنهم لم يفقدوا أباه. وكان من أهل العلم والأدب البارع إذ عنى أبوه بتربيته، وكان يتقدم أمراء الطوائف فى بلاغة الكتابة، وكانت رسائله متداولة لما تتميز به من حسن الأداء، ولابن بسام تأليف خصها به سماه «سلك الجواهر من ترسل ابن طاهر» وترجم له فى الذخيرة ترجمة ضافية. وكان ابن طاهر جوادا ممدّحا، ينتجعه الشعراء والأدباء فيجزل لهم العطاء، وانتجعه ابن عمار الذى مرت ترجمته بين الشعراء أيام خموله، فرحّب به وأكرمه، وجزاه على إكرامه وترحيبه جزاء سنمّار، إذ عرف فى مقامه بضيافته ضعف جنده وعورات بلده، فلما تطورت به الظروف، وأصبح وزيرا ومستشارا للمعتمد بن عباد أمير إشبيلية زيّن له الاستيلاء من يد ابن طاهر على مرسية، وما زال يغريه بفتحها وأن ذلك لن يكلفه مئونة كبيرة حتى استجاب وأعدّ له جيشا جرارا لفتحها، وفى طريقه إليها اتخذ قائدا لعسكره عبد الرحمن بن رشيق، ولم يلبث أن انتزعها من يد ابن طاهر سنة ٤٧١ وزجّ به فى سجن

стр. 4077

بحصن قريب من مرسية يسمى «منت أقوط» وسوّلت له نفسه أن يخلع ولاءه للمعتمد ويستقل بمرسية، فسلّط عليه قائده عبد الرحمن بن رشيق، فاستخلصها منه. وتوسط لديه أبو بكر بن عبد العزيز الوزير ببلنسية، كى يرد إلى ابن طاهر حريته، فردّها عليه. وعاش ابن طاهر بقية حياته ببلنسية مبجّلا معزّزا، وشهد محنة المسلمين بها سنة ٤٨٧ على يد الفارس الإسبانى المغامر السيد الكنبيطور، ووقع-بعد بلاء مبرور فى حربه-بأسره، وافتدى وأطلق سراحه، ولم يبرح بلنسية إلى أن استردها المرابطون سنة ٤٩٥. ومدّ له فى البقاء إلى أن توفى ببلنسية سنة ٥٠٨ للهجرة. وهذه الحياة الطويلة التى امتدت بابن طاهر إلى نحو تسعين عاما أمضى منها فترة معاونا لأبيه فى حكم مرسية وفترة ثانية فى حكمها وفترة ثالثة قصيرة معتقلا ثم فترة طويلة ببلنسية معززا موقّرا. وهذه الحياة المديدة أتاحت له أن تتكاثر المكاتبات بينه وبين أمراء الطوائف، يخطبون وداده، وهو تارة يثنى ويشكر، وتارة يعاتب أو يشفع أو يعزى أو يهنّى، وقد اهتزّ هزة عنيفة لأوائل حكمه مرسية حين نكل النورمانديون بأهل بربشتر فى الشمال الشرقى لسرقسطة سنة ٤٥٦ وأنزلوا بهم مذبحة-كما مرّ بنا- تقشعر لهولها الأبدان وسبوا منهم خمسة آلاف من النساء والعذارى وباعوهم فى الأسواق بيع الإماء، وما إن علم بذلك حتى ضاقت به الأرض بما رحبت، وأخذ يكتب لأقرانه كى يكيلوا للعدو الغاشم الصاع صاعين، ومن قوله فى وصف هذا الحادث المروّع: «خطب أطار الألباب، وطأطأ الرقاب، وقطع الآمال والهمم، وأسلم من الذلّة والقلّة إلى ما قصم، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس متردّدة بين لهاة وتراق (١)، وأسى قد قرع حصيّات القلوب فرضّها (٢)، وعدل عن المضاجع بالجنوب فأقضّها (٣)». ويقول من رسالة أخرى مستنفرا للجهاد: «ليندب الإسلام نادب، وليبك له شاهد وغائب، فقد طفئ مصباحه، ووطئ ساحه، وقصّ جناحه، وهيض (٤) عضده، وغيض ثمده (٥)، إلى الله نفزع، وإليه نضرع، فى طارق الخطب ومنتابه، ولا حول ولا قوة إلا به، فهو كاشف الكروب، وناصر المحروب».

стр. 4078

وحين ردّت إليه حريته وأطلق من معتقله بفضل وساطة أبى بكر بن عبد العزيز الوزير ببلنسية واستجاب إلى رغبته فى المقام عنده كتب وهو فى طريقه إليه رسالة يقول فى فصل منها: «كتابى وقد طفل (١) العشىّ، وسال بنا إليك المطىّ (٢)، ولها من ذكرك حاد، ومن لقياك هاد، وسنوافيك المساء، ونغتفر للزمان ما قد أساء، ونرد ساحة الأمن، ونشكر عظيم ذلك المنّ، فهذه النفس أنت مقيلها (٣)، وفى برد ظلّك يكون مقيلها (٤)، فلله مجدك وما تأتيه، لا زلت للوفاء تحييه وتحويه» وكانت فى ابن طاهر دعابة لم تفارقه حتى فى أيام محنته بالاعتقال، وله فى ذلك- كما يقول ابن بسام-عدة نوادر أحر من الجمر وأدمغ من الصخر، ويروى منها أن ابن أخت لعبد الرحمن بن رشيق كان ذا لحية طويلة، وطلعة ثقيلة، وقف عليه يوما فى اعتقاله، فجعل يتفجع له ويتوجع، ويتملّق معه ويتصنّع، فقال له ابن طاهر: خلاصى بيدك إن شئت، فإنك لو أخرجتنى فى لحيتك لتخلصت ولم يرنى أحد. وكتب إليه رجل يتزهد، وأطال الوعظ وردّد، وهو يعرف أنه على الضّدّ من وعظه، فأجابه: «ورد كتابك فوعظ وذكّر، ونصح فبصّر، ونبّه من سنة الغفلة، واغترار المهلة، وحذّر من يوم النّدامة، وبعث يوم القيامة، فيرحمك الله من هاد، وخائف معاد، ومبتغى إرشاد، وداع إلى صلاح وسداد، لقد حرّكت أنفسا قاسية، وهززت جندلة راسية، ومعولك دونها ناب، لا يؤثر فيها بظفر ولا ناب» ودائما يسيل الكلام على لسان ابن طاهر فى خفة ورشاقة وعذوبة، وفى الذخيرة من ذلك بدائع وروائع يقول ابن بسام بعقبها: «أبو عبد الرحمن أكثر إحسانا، وقد وهب الطروس من ألفاظه ما يفضح العقود الدّرّيّة، وتعسعس (٥) معه الليالى البدرية».

стр. 4079

أبو (١) القاسم بن الجد هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن الجد الفهرى، من أسرة بنى الجد، من بيوتات لبلة غربى إشبيلية وإشبيلية نفسها، وفى كتاب المغرب ترجمات لغير فقيه وأديب من هذه الأسرة، وقد أكبّ فى نشأته على كتب الفقه والحديث والأدب، وأخذ اسمه يلمع بين أقرانه فى إشبيلية، فاختاره المعتمد بن عباد أميرها وزيرا لابنه الراضى حين ولاّه مدينة الجزيرة الخضراء فى أقصى الجنوب، وظل معه حين ولاّه مدينة رندة غربى مالقة إلى أن استنزله منها المرابطون سنة ٤٨٤ وفتكوا به. وعاد أبو القاسم إلى بلدته: لبلة فولّوه خطّة الشورى ومقاليد الفتوى، وهو مع ذلك يساجل إخوانه ويراسلهم ويخطب مودتهم، وخاصة أبا بكر بن القصيرة رئيس الديوان بمراكش منذ سنة ٤٨٧ ليوسف بن تاشفين ثم لابنه على. ويبدو أن ابن القصيرة استدعاه ليعمل معه فى هذا الديوان، ولا نعرف تاريخ هذا الاستدعاء، وأكبر الظن أنه استدعاه منذ عهد يوسف بن تاشفين حتى إذا توفى ابن القصيرة سنة ٥٠٨ أسندت إلى ابن الجد رياسة الديوان بمراكش إلى أن توفى سنة ٥١٥ للهجرة. وقد استهل ابن بسام ترجمته بقوله: «قريع (٢) وقتنا، وواحد عصرنا، ممن استمرى (٣) أخلاف النظم والنثر، فدرّت له بالبيان أو بالسحر. . ورويدك حتى ترى الصبح كيف يسفر، وثبج (٤) البحر كيف يزخر. وهو على نباهة الذكر، وعلو القدر، وشرف المحل من فهر (٥)». وتلا ابن بسام ذلك بطائفة من رسائله، ونقرأ من بينها رسالة كتب بها إلى صديقه رئيس دواوين المرابطين: ابن القصيرة، وقد تصادف أن كان على مسافة قريبة منه، ولم يتفق لهما لقاء، وفيها يقول: «لم أزل-أعزك الله-أستنزل قربك براحة الوهم، من ساحة النجم، وأنصب لك شرك المنى، فى خلس الكرى. وما ظنك بى وقد نزلت على مسافة يوم، وطالما نفر عن

стр. 4080

خيالى نوم، ودنوت حتى هممت بالسلام، وقد كان من خدع الأحلام. . وما كان على الأيام لو غفلت قليلا، حتى أشفى بلقائك غليلا. . ولئن أقعدتنى بعوائقها عن لقاء حر، وقضاء برّ فما تحيّفت (تنقصت) ودادى، ولا ارتشفت مدادى، ولا غاضت (نقصت) كلامى، ولا أحفت (استأصلت) أقلامى، وفى الكتاب بلغة الوطر، ويستدلّ على العين بالأثر. . وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف، وصلت صديقا، وبللت ريقا، وأسديت يدا، وشفيت صدى (عطشا)، لا زالت أياديك بيضا، وجاهك عريضا، ولياليك أسحارا، ومساعيك أنوارا». ويبدو أنه كتب لابن القصيرة هذه الرسالة حين كان يتولى ديوان الإنشاء بمراكش للمرابطين، وقد تولاه منذ سنة ٤٨٧ كما أسلفنا حتى وفاته سنة ٥٠٨ ونراه فيها يشير -من طرف خفى-إلى تمنيه أن يستدعيه صديقه للعمل معه فى ذلك الديوان، ولا تخفى سطور الرسالة مراده وأنه يأمل لو ردّ عليه بكتاب يحقق له أمنيته. وقد صاغ الرسالة صياغة بديعة، مع لطف الأخيلة ودقة المعانى ومع حسن الأداء. ولا نلبث أن نقرأ له رسالة فى وصف مطر بعد جدب شديد، وفيها يقول: «لما استرابت حياض الوهاد، بعهود العهاد (١)، وتأهّبت رياض النّجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد (٢) النّقع المثار، وتعطّلت الأنوار، من حلىّ الدّيمة المدرار، أرسل الله تعالى بين يدى رحمته ريحا بليلة الجناح، سريعة الإلقاح، فنظمت عقود السّحاب، نظم السّخاب (٣)، ولم تلبث أن انهتك رواقها (٤)، وانبتك (٥) وشيكا نطاقها، وانبرت مدامعها تبكى بأجفان المشتاق، غداة الفراق، فاستغربت (٦) الرياض ضحكا ببكائها، واهتزّت رفات (٧) النّبات طربا لتغريد مكّائها (٨)، فيا برد موقعها على القلوب والأكباد، ويا خلوص ريّها إلى غلل النفوس الصّواد (٩)، كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشّفت رضابا (١٠) من الثّنايا العذاب، أو تحمّلت ماء الوصال، أو

стр. 4081

سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر، وتوقّد قبس، وتردّد نفس». ولعل صوت ابن الجد اتضح، فهو صوت يفيض بألحان عذبة يأخذ بعضها بتلابيب بعض لما تتميز به من عذوبة ورشاقة، وهو صوت يتخايل أو يتجسد فى تصاوير متتابعة، فيمتع النفس بنغماته وأخيلته البديعة. وله من رسالة يخطب فيها وداد أديب وأخوّته: «إن كانت المداخلة بيننا لم يفتح لها باب، ولا علقت بها أسباب، ولا رمى لنا فى محصّبها (١) جمار، ولا عطف بنا نحو كعبتها اعتمار، فقد جمعتنا فى معرّف (٢) المعرفة معارف، وضمّتنا من معالم العلم معاهد ومآلف، ووشجت (٣) بيننا من أواصر الأدب أنساب، وضربت علينا فى مدارج الطلب قباب، ولا غرو من تدانى القلوب على تنائى الديار، وائتلاف النفوس مع اختلاف النجار (٤)، فربما ألّف تشاكل الشيم والأخلاق، بين مستوطن الشام وساكن العراق. على أنى لا أدعى رتبتك فى فنون العلم والآداب، ومن يضاهى محل الفرقد (٥)، بمنبت الغرقد، لكنى وإن لم أعدّ فى رعيلك، فعندى من بضائع الكلم ما ينفق فى سوقك، بقيت حلية للدهر فائقة، وغرّة فى وجد الزمن رائقة». وعذوبة الكلم وحلاوة الصوت وسلاسة الجرس ونعومته، كل ذلك تغرق الآذان فى أنغامه مع ما يسوق من أطياف وخيالات رائعة. وكان فيه ميل إلى الدعابة، مما جعله يعارض أبا الحسين بن سراج فى رقعته التى مرت بنا والتى شفع فيها عند بعض ذوى الجاه والثراء لرجل يسمى الزريزير مستعيرا له بعض الصفات المتصلة بالطيور كالريش والعش والشّكير والتحسير، وعلى غرار رقعة ابن سراج يقول فى رقعته: «لئن سمّى بالزّريزير، لقد صغّر للتّكبير، ولما طار ببلاد الغرب ووقع، وزقا فى أكنافها وصقع (٦)، وعاين ما اتفق فيها هذا العام من عدم الزيتون، فى تلك البطون، والمتون، ولم يجد بها قرارا، أزمع عنها فرارا. واستخفّه هائج التذكار، نحو تلك الأوكار،

стр. 4082

حيث يكتسى ريشه حريرا، ويحتشى جوفه بريرا (١)، ويحتسى قراحا نميرا (٢)، فخذه إليك، نازلا لديك، ماثلا بين يديك، يترنّم بالثناء، ترنم الذّباب فى الروضة الغنّاء. ولن يعدم فى جنابك حبّا نثيرا، وخصبا كثيرا، وعشّا وثيرا (٣)». والدعابة لطيفة والصياغة بديعة، ويقول ابن بسام فى ختام ترجمته له إن كلامه أبهى من النجوم وأبهر، وأسرى من النسيم وأسير» لما يشيع به من صياغة تأخذ بمجامع القلوب سهل (٤) بن مالك هو سهل بن محمد بن سهل بن مالك الأزدى، من أسرة علمية غرناطية ذات جاه وثراء، وفيه يقول ابن عبد الملك المراكشى: «كان من أعيان مصره وأفاضل عصره تفننا فى العلوم وبراعة فى المنثور والمنظوم، محدّثا مجودا للقرآن متقدما فى العربية، وافر النصيب من الفقه وأصوله، كاتبا مجيد النظم فى معرب الكلام وهزله ظريف الدعابة مليح التندير» ويقول ابن سعيد فى القدح المعلى: «لو لم تأت غرناطة إلا بهذا الجليل المقدار، لكان حسبها فى العلم والجود والرياسة وجميع أنواع الافتخار، وبرع فى العلوم الحديثة والقديمة وبلغ بين نظرائه مبلغ الكمال»، وصنّف فى العربية كتابا مفيدا رتب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه، وله تعليقات نافعة على كتاب المستصفى فى الأصول للغزالى. ولما ثار محمد بن يوسف بن هود الملقب بالمتوكل بمدينة مرسية سنة ٦٢٥ وملك قرطبة وإشبيلية وغرناطة بلغه أن سهل بن مالك يتندر به وبرجاله، وكان مطبوعا على النادرة ظريفا خفيف الروح، ولكن ابن هود لم يحتمله فغرّبه عن غرناطة بلدته إلى مدينة مرسية، وظل بها حتى توفى ابن هود سنة ٦٣٥ وصارت غرناطة إلى الغالب بالله محمد بن يوسف بن الأحمر مؤسس دولة بنى نصر أو بنى الأحمر فى غرناطة فعاد إليها، وظل فى جاه بها وبلوغ أمنية حتى توفى سنة ٦٣٩ للهجرة عن سنّ عالية ورثاه تلميذه ابن الجنّان رثاء حارا. وكان سهل شاعرا كما كان ناثرا، ونثره يبذّ شعره ويدل على عمق فكره واصطباغه

стр. 4083

بأصباغ الفلسفة. وكان من تلاميذ ابن رشد، وعنه أخذ العلوم القديمة، وكان شديد الشغف به والإعجاب بفلسفته وفكره، فلما توفى سنة ٥٩٥ أظلمت الدنيا فى عينيه وكأنما طعن فى كبده فأمسك بالقلم وكتب إلى بنيه يعزيهم-وقد حزّ فى نفسه الجزع وعضّها الوجع- تعزية ملتاع أضرمت اللوعة نارا فى فؤاده، وفيها يقول: «لا أقول كفى ولا أستشعر صبرا، وقد أسكن نور العلم قبرا، بل أغرق الأجفان بمائها، وأستوهب الأشجان غمرة (١) غمّائها، وأتهالك تهالك المجنون، وأستجير من الحياة بريب المنون، وأنافر السلوّ منافرة اليقين لوساوس الظنون. وهو الخطب الذى نفى الهجود (٢)، وألزم أعين الثّقلين أن تجود، وبه أعظم الدهر المصاب، وفيه أخطأ سهم المنية حين أصاب، والدهر يسترجع ما وهب، كان الصّفر (٣) أو الذّهب، ولا غرو أن دهم (٤) الرّزء، يؤود (٥) الفلك الدائر منه الجزء. . وإنا لله لفظة أوليها، وأتبعها زفرة تليها، ولقد بحثت الأيام عن حتفها بظلفها، وسعت على قدمها إلى رغم أنفها، حين أتلفت الواحد يزن مائة ألفها، فمن لبثّ الوصل ولرعى الوسائل (٦)؟ وإلى من يلجأ فى مشكلات المسائل؟ ومن المجيب إذا لم يكن المسئول بأعلم من السائل؟ اللهم صبّرنا على فقد الأنس بالعلم، وأدلنا (٧) من خفوف الوله بوقار الحلم، وأخلفه فى بنيه وعامة أهليه بشبيه، ما أوليته فى جوارك المقدّس وتوليه» والتعزية طويلة، وجميعها-على هذا النحو-توجّع وتفجع لهذا الرزء الفادح الذى نزل بالأندلس لفقد فيلسوفها العظيم منقطع القرين: ابن رشد. وكتب صديق لسهل يعزيه عن محنته بنفيه إلى مرسية وغربته، فردّ عليه برسالة يقول فيها: «أنا أستوهب لك أيها الشيخ الأخ الجليل عافية لا تعفو (٨) بألسن الحسّاد، ولا تقفو (٩) موادّها أعين السعاة البغاة الذين ما لهم مقعد إلا بالمرصاد، وأثنى على كرم طباعك بوصول رسالتك التى طلعت على ليلى البهيم (١٠) صباحا، وأدارت علىّ من التسلّى والتعزّى أقداحا. . ويعلم الله أيها العلم علما وفهما، أنى لولا مخاطبتك ومثالك (١١)

стр. 4084

لمتّ أسفا وغمّا، ولست-عافاك الله-بذى سجن ولا قيود، ولكن معاشرة من لا يشاكل عقبة كؤود (١)، ولعلها ذنوب تمحّص، وسبك يصفّى به الإنسان ويستخلص، وقد شكونا لو أن الشكاة تسمع، ودعونا لو أنّ الدعاء-عند من لا يقبله ينفع». وسهل يومئ فى أول رسالته إلى ما صنعه به أهل الحسد والعداوة مما انتهى به إلى النفى عن بلده، ويعبر عن ألمه وحزنه لهذا النفى مع الثناء على صديقه والشكر على رسالته التى أثلجت صدره وفتحت له من التسلى والتعزى أبوابا كانت مغلقة، فخففت من أسفه وغمه. ويقول المراكشى عنه إنه كان كريم النفس فاضل الطبع نزيه الهمة حصيف الرأى وجيها مبرورا معظما عند الخاصة والعامة. ٣ - الرسائل الأدبية مما تميّز به النثر الأندلسى كثرة الرسائل الأدبية فيه، وكانت تسعف الكتّاب فى ذلك ملكات أدبية خصبة، وهى تلاحظ بوضوح فى كثير من رسائلهم الشخصية إذ نرى الكاتب يتحول برسالته فى المودة والإخاء أو فى العتاب أو فى الرثاء إلى الاتساع والامتداد بها صفحات تلو صفحات. وكان من آثار كثرة الحروب عندهم مع نصارى الشمال كثرة الرسائل الطويلة التى تتخذ الجهاد والاسننفار للحرب وتصوير معاركها العنيفة موضوعات لها، وفى كتاب الذخيرة لابن بسام رسائل كثيرة فى كل ذلك، وخاصة مع موقعتى بربشتر سنة ٤٥٦ والزلاقة سنة ٤٧٩. وتكثر عندهم الرسائل الشخصية التى تتخذ الطبيعة موضوعا لها، وألممنا فيما أسلفنا برسائل بارعة على لسان الأزهار عند ابن برد وحبيب وأبى عمر الباجى، ومرّ بنا أن لابن الجد رسالة بارعة فى وصف مطر بعد قحط شديد، وأن لابن أبى الخصال رسالة فى وصف ليلة شديدة البرد نوّه بها السابقون، ولابن خفاجة أكثر من رسالة فى وصف الطبيعة، وبالمثل لكتاب غرناطة وفى مقدمتهم ابن الخطيب رسائل متعددة فى وصف الطبيعة. وكان للأندلسيين ميل واضح إلى الدعابة والفكاهة، وهما يتضحان فى كثير من رسائلهم الشخصية، على نحو ما يلقانا عند محمد بن مسعود القرطبى فى أوائل القرن الخامس الهجرى وكان شاعرا يتصعلك فى شعره على

стр. 4085

طريقة الأدباتية أصحاب الكدية ممن يصفون فى أشعارهم بؤسهم وحرمانهم وما يسود حياتهم من ضنك وفقر وإقلال طلبا للنوال، وكان له ابن رحل إلى غربى الأندلس وعرف أنه عاش هناك للمجون والشراب فكتب إليه رسالة طويلة حاكى فيها الجاحظ مستمدا من رسالته التربيع والتدوير وما فيها من هزل، وقد ذكر منها ابن بسام فصولا فى ترجمته له (١). ولأحمد بن عباس وزير زهير صاحب المرية المقتول معه سنة ٤٢٩ رسالة هزلية بديعة فى وصف رسول بكتاب أرسله إليه أبو المغيرة بن حزم، ورد على رسالته أبو المغيرة مستوحيا شيئا من هزله (٢)، وسنلم لابن شهيد برسالته: التوابع والزوابع وما فيها من سخرية وأيضا بالرسالة الهزلية لابن زيدون. ويذكر ابن بسام لابن طاهر الذى ألممنا به طائفة من رسائله فى الدعابة والهزل، ومرت بنا رسالة أبى الحسين سراج بن عبد الملك فى الشفاعة التى بناها على الدعابة لشخص يسمى الزريزير مستغلا فى وصفه طائر الزرزور، وكأنه هو نفس هذا الطائر، وطارت شهرة الرسالة-كما أسلفنا-فى الأندلس وحاكاها كثيرون من أعلام الكتابة بغرض الفكاهة والدعابة. وهو جانب واسع فى الرسائل الشخصية الأندلسية مثل وصف الطبيعة والجهاد والحرب. وحرىّ بكل جانب من هذه الجوانب أن تجمع رسائله مع مقدمة تحليلية توضح روعته الأدبية، وحسبنا الآن أن نلم ببعض رسائل أدبية اشتهرت للأندلسيين. رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد ابن شهيد (٣) هو أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعى القرطبى، فهو من أصل عربى، كان جده الأعلى عبد الملك بن شهيد وزيرا للأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) ووز ابنه أحمد لعبد الرحمن الناصر ولقبه بذى الوزارتين ومر بنا فى الفصل الأول ذكر هدية نفيسة له إلى الناصر تدل على أنه كان من أكثر أهل قرطبة ثراء، وولد له فى سنة ٣٢٣ ابنه عبد الملك وأصبح فيما بعد وزيرا للمنصور بن أبى عامر، وولاه على الولايات الشرقية: بلنسية ومرسية مدة تسع سنوات، وعاد مضيفا منها إلى ثرائه

стр. 4086

الموروث عن أبيه ثراء واسعا، واصطفاه المنصور بن أبى عامر لنفسه مستشارا وجليسا. ونقل سكناه إلى جواره. وكان قد رزق بابنه أحمد سنة ٣٨٢ فنشأ فى نعيم نشأة مترفة وضاعف ترفها رعاية ابن أبى عامر وحظياته له، فكان لا يزال يغدو ويروح إلى قصوره مختلطا بأحفاده. وعنى أبوه بتربيته. ومنذ نعومة أظفاره كان عنده نهم للأدب والمعارف، يقول فى فواتح رسالة: التوابع والزوابع: «كنت أيام كتّاب الهجاء أحن إلى الأدباء وأصبو إلى تأليف الكلام. فابتعت الدواوين وجلست إلى الأساتيذ، فنبض لى عرق الفهم، ودرّ لى شريان العلم. . فطعنت ثغرة البيان دراكا، وأعلقت رجل طيره أشراكا، فانثالت لى العجائب وانهالت علىّ الرغائب». ويضيف إلى ذلك فى إحدى رسائله أنه درس ضروب العلم المختلفة من أدب وخبر وفقه وطب وكيمياء وحكمة. وبينما هو غارق فى النعيم وفى تثقيف نفسه إذ النكبة تحل بأسرة ابن أبى عامر سنة ٣٩٩ وكان قد توفى منذ سبع سنوات. وولى الحجابة المظفر ابنه فسعدت الأندلس والرعية به، غير أن القدر لم يمهله، فتوفى سنة ٣٩٩ وخلفه أخوه الناصر عبد الرحمن وكان نحسا على نفسه وانهمك فى الشرب والزندقة والطعن فى الدين الحنيف، فقتل سريعا. وانفتح باب الفتنة التى قضت على الدولة الأموية ودمّرت فيها قرطبة وأحرقت المدينتان المحدثتان بجوارها: الزهراء والزاهرة، وسفكت الدماء بقرطبة وظلت تنزف طويلا. وترك ذلك آثارا عميقة فى نفس ابن شهيد فقد اندكّت صروح آماله ومطامحه، وداخله أسى عميق لما نزل بمدينته وبأسرة بنى أبى عامر، ولما رأى فى أثناء ذلك من انتهاك القيم واختلال الموازين، فأكبّ على كئوس الخمر واللذات يغرق فيها همومه محاولا أن ينساها أو يتسلى عنها، وأنّى له، إذ كانت تتجدد كل يوم، فكيف يحتمل الحياة إنه ليس أمامه إلا أن يسرف على نفسه فى الخمر وما يتصل بها من اللذات، لعلها تخفف عنه محنته وما يطبق عليه من أحزان. وتصادف أن أصابه الصمم مبكرا، فتضاعف حزنه وهمه، وتضاعف إقباله على الخمر والمجون حتى ليقول ابن حيان: «غلبت عليه البطالة فلم يحفل فى آثارها بضياع دين ولا مروءة حتى أسقط شرفه ولم يقصر عن ارتكاب قبيحة» ويقول ابن بسام: «كان بقرطبة فى رقته وبراعته وظرفه خليعها المنهمك فى بطالته وأحطّ الناس فى هوى نفسه وأهتكهم لعرضه وأجرأهم على خالقه». وكان الشعر قد انثال على لسانه مبكرا، كما أخذت تظهر مخايل نبوغه الأدبى، وسرعان ما أصبحت داره منتدى لأترابه من الشباب القرطبيين المتأدبين أمثال ابن حزم وابن عمه أبى المغيرة عبد الوهاب وابن برد الأصغر وأبى عامر بن المظفر بن أبى عامر وابن عمه المؤتمن عبد العزيز. ويقدم غير مدحة

стр. 4087

للخليفة المستعين الأموى (٤٠٠ - ٤٠٧ هـ) ويشكو له ممن يتهمونه بسرقة الشعر كذبا وبهتانا. وفتك بالمستعين قائده على بن حمود الحسنى واستولى على صولجان الخلافة وانعقدت صلة بين ابن شهيد وكاتبه أبى جعفر اللمائى، وفتك بابن حمود غلمانه سنة ٤٠٨ وخلفه أخوه القاسم وخلعه ابن أخيه يحيى بن على بن حمود سنة ٤١٢ وكان قد اتخذ وزيرين أبا عبد الله بن الفرضى وابن فتح جعفر بن محمد وأفسدا العلاقة بينه وبين ابن شهيد مما جعله يزجّ به فى غياهب السجن فترة ظل فيها يستعطفه حتى رد إليه حريته. وكان ابن شهيد يختلف إلى مجالس أبى العباس بن ذكوان المتوفى سنة ٤١٣ وفيها انعقدت صلة بينه وبين ابنه أبى بكر وكان مثله رقاعة وخلاعة، وتعرف على ابن الحناط الكفيف الذى كانت ترعاه أسرة بنى ذكوان، واصطدم به، وربما كان من أسباب ذلك أنه كان يوالى بنى حمود ويقدم إليهم مدائحه بينما كان ابن شهيد يوالى بنى أمية، وأيضا ربما رجع ذلك إلى المنافسة الأدبية، فنشبت بينهما مناقضات نظما ونثرا استمرت طويلا. ولم يكن يؤذيه شئ مثل اتهامه بالسرقة فى شعره ونثره، وبلغه أن أبا بكر محمد بن القاسم إشكمياط (فى كتاب المغرب: إشكنهاط) يتهمه بالسرقة فى نثره، فكتب إليه محنقا رسالة عنيفة، قال فيها: «لأقطعن حبالك هاجرا، ولأتركن ليلك ساهرا». ويصبح صديقه الأمير عبد الرحمن بن هشام الأموى خليفة فى سنة ٤١٤ ويتلقب بالمستظهر، ويتخذه مع صاحبه ابن حزم وزيرين، وأحسّ ابن شهيد أن الدنيا تبتسم له بعد طول العبوس، غير أن ابتسامتها سرعان ما غاضت بعد سبعة وأربعين يوما، إذ خلف المستكفى الأموى المستظهر، وعادت الهموم تطبق عليه. وكان يحيى بن على بن حمود قد انسحب إلى مالقة، ففكر ابن شهيد أن يهاجر إليها كما تدل على ذلك قصيدة فى ديوانه، ونظن أنه زار حينئذ مجاهدا أحد فتيان العامريين الصقالبة وكان قد أسس له إمارة فى دانية بشرقى الأندلس سنة ٤١٢ غير أنه ازورّ عنه فيما يبدو لاختلاف مسلكهما فى الحياة، إذ لم يكن مجاهد يأخذ نفسه بشئ من اللهو، بل على العكس كان منصرفا إلى الجد والعناية بالعلماء والقراء. وعاد ابن شهيد إلى قرطبة ولم يلبث يحيى بن على بن حمود أن قدم إليها بجنوده من مالقة واستولى على أزمة الأمور بها سنة ٤١٦ وقدّم إليه ابن شهيد بعض مدائحه غير أن وزيريه ابن فتح وابن الفرضى ظلا يغلقان أبوابه فى وجهه. واستدار العام، فانصرفت قرطبة عن ابن حمود وبايعت لأموى هو الخليفة المعتدّ وظل بعيدا عنها يتنقل فى الثغور نحو ثلاث سنوات. وكان صديق ابن شهيد المؤتمن العامرى أصبح أميرا على بلنسية منذ

стр. 4088

سنة ٤١٧ فتراسلا مرارا، وألحّ عليه المؤتمن أن يترك قرطبة إلى بلنسية، فاعتذر إليه بشعر رقيق يصور فيه شغفه بقرطبة مع ما أصابها من المحن والخطوب والدمار وتفجّع لها وتوجع فى أسى مرير. ويقرّبه الخليفة المعتدّ ويتخذه جليسا وسرعان ما يتقوض حكمه وتتقوض معه الدولة الأموية سنة ٤٢٢ ويستولى على مقاليد الأمور بها أبو الحزم جهور. وفى سنة ٤٢٥ يزور أمير المرية زهير الصقلبى-من فتيان بنى عامر-قرطبة ومعه وزيره وكاتبه أبو جعفر أحمد بن عباس وكان فيه عجب شديد، فاصطدم به ابن شهيد وهجاه هجاء مقذعا. ويصاب فى أواخر هذه السنة بفالج ويقاسى منه لمدة سبعة أشهر أهوالا ثقالا حتى ليفكر فى الانتحار كما ذكر فى بعض شعره، ويلبى داعى ربه فى جمادى الأولى سنة ٤٢٦، وصلّى عليه-وأقام مراسم دفنه-أمير قرطبة أبو الحزم جهور، ويكثر البكاء والعويل على قبره وتنشد مراث متعددة لصديقه ابن برد الأصغر وغيره. وهذه حياة ابن شهيد، وهى حياة امتلأت بغيوم الهموم مع ما امتاز به من تفوق فى الأدب نثرا وشعرا، وفيه يقول ابن حيان مؤرخ الأندلس: «إذا تأملته، وكيف يجرّ فى البلاغة رسنه، قلت عبد الحميد فى أوانه، والجاحظ فى زمانه. . وله رسائل كثيرة فى أنواع التعريض والأهزال قصار وطوال برّز فيها شأوه، وأبقاها فى الناس خالدة بعده» وقال عنه الفتح بن خاقان فى المطمح: «عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قصب السبق فيها، لا يشبهه أحد من أهل زمانه، ولا ينسّق ما نسّق من درّ البيان وجمانه» وقال فيه ابن بسام: «نادرة الفلك الدوّار، وأعجوبة الليل والنهار، إن هزل فسجع الحمام، أو جدّ فزئير الأسد الضرغام، نظم كما اتسق الدر على النحور، ونثر كما خلط المسك بالكافور». وقد سقطت من يد الزمن أعماله ولولا ما احتفظ به ابن بسام وأصحاب الكتب الأدبية من أشعاره لضاع هذا الكنز النفيس من منظوماته، وأيضا لولا ما احتفظ به ابن بسام من رسائله وخاصة من رسالته التوابع والزوابع لفقد النثر الأندلسى دررا بديعة من لآلئه وروائعه. وابن بسام لم يحتفظ برسالة التوابع والزوابع جميعها، إنما احتفظ ببعض فصولها، وما جاء فى صدرها من مخاطبة ابن شهيد لصديق له هو أبو بكر بن حزم، وتصادف أن كان لأبى محمد بن حزم أخ يتفق مع هذا المخاطب فى اسمه توفى سنة ٤٠١ فظن بعض الباحثين أنه هو المخاطب، ورتبوا على ذلك أن ابن شهيد ألف رسالته وهو شاب، ولو أنهم رجعوا إلى الحميدى فى الجذوة لوجدوه ينص على أنه شخص آخر، إذ يقول: «يحيى بن حزم أبو بكر شيخ من شيوخ الأدب. . وهو الذى خاطبه أبو عامر بن شهيد

стр. 4089

برسالة التوابع والزوابع التى سماها شجرة الفكاهة، وهو من بيت آخر غير بيت الفقيه أبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم». وإذا أضفنا إلى ذلك أن ابن شهيد أنشد فى الرسالة قطعة من رثائه لوزير الخليفة المستظهر حسان بن مالك المتوفى-كما جاء فى كتاب الصلة-سنة ٤١٦ تعين أن تكون الرسالة كتبت فى هذه السنة على الأقل أو بعدها فى إحدى السنوات التالية القريبة. وبذلك يسقط كل ما ذهب إليه الباحثون من أن الرسالة ألّفت قبل هذا التاريخ. والتابع فى الرسالة الجنّىّ والزوبعة الشيطان، وابن شهيد يذكر فى صدرها لصديقه أبى بكر بن حزم أنه أرتج عليه ذات يوم فى شعر كان ينظمه، فتراءى له تابعه من الجنّ على فرس أدهم، فأجازه، واستحلفه من هو فقال: زهير بن نمير من قبيلة أشجع فى الجن، وكأن فى الجن قبيلة تقابل قبيلة ابن شهيد: أشجع فى الإنس، وتحادثا حينا، ثم علّمه أبياتا إذا أراد استحضاره، وأوثب الفرس جدار الحائط وغاب عنه، فكان كلما أرتج عليه أنشد الأبيات المذكورة فمثل توّا. ولما تأكدت صحبته له عرض عليه أن يلقى معه توابع الشعراء والكتاب وزوابعهم فاستأذن له شيخه الجنى، وأذن له، فأركبه معه على متن جواده، وسار بهما كالطائر يقطع الجوّ فالجوّ والدّوّ (الفلاة) فالدّوّ حتى لمح ابن شهيد أرضا لا كأرض الإنس متفرّعة الشجر عطرة الزهر، وقال له تابعه تلك أرض الجن، وطلب منه ابن شهيد أن يلقى صاحب امرئ القيس «وأمال التابع عنان الجواد إلى واد من الأودية به دوح تتكسر أشجاره وتترنّم أطياره، وصاح تابعه على تابع امرئ القيس قائلا: «يا عتيبة بن نوفل، بسقط اللّوى فحومل (وهما موضعان بمعلقة امرئ القيس) يوم دارة جلجل (أيضا فى المعلقة) إلا ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسىّ وعرّفتنا كيف إجازتك له؟ فظهر لهما فارس على فرس شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زهير وحيّا صاحبك أهذا فتاهم؟ قال زهير هو هذا. وأى جمرة (يشيد بابن شهيد) يا عتيبة، فقال لابن شهيد: أنشد، فقال: السيد أولى بالإنشاد، فتطامح (ارتفع) طرفه، واهتزّ عطفه، وقبض عنان الشّقراء (فرسه) وضربها بالسوط، فسمت تحضر (تثب) طولا عنا، وكرّ فاستقبلنا بالصّعدة (القناة) هازّالها، ثم ركزها، وأنشده إحدى قصائد امرئ القيس حتى أكملها، ثم قال لابن شهيد: أنشد، فهمّ إزاء روعة قصيدة امرئ القيس بالحيصة (النكول) ثم اشتدتّ قوى نفسه وأنشده قصيدة يعارض بها قصيدته، فلما انتهى منها تأمله تابع امرئ القيس معجبا به، ثم قال له: اذهب فقد أجزتك وغاب عن بصره. وسأله تابعه زهير: من تريد بعده، فطلب

стр. 4090

لقاء صاحب طرفة، فقطع معه وادى عتيبة، وركضا جوادهما حتى انتهيا إلى غيضة. ويصف ابن شهيد الغيضة وأشجارها ولقاءه فيها بعنتر بن العجلان تابع طرفة، ويحاوره وينشده عنتر قصيدة لطرفة ويعارضها بقصيدة بديعة، ويصيح عنتر معجبا بقصيدته، ويجيزه، ويغيب عنه. ويلتقى ابن شهيد مع صاحبه بتابع قيس بن الخطيم شاعر يثرب ويتحاوران ويتناشدان الشعر ويجيزه. ويترك توابع شعراء الجاهلية إلى شعراء العصر العباسى. ويلتقى بصاحب أبى تمّام، وينشده ابن شهيد أشعارا مختلفة له منها مرثيته للوزير حسان بن مالك. ويلتقى بتابع البحترى، ويتناشدان الشعر ويجيزه. ويسأل ابن شهيد صاحبه أن يلقاه بصاحب أبى نواس وينقل لنا صورة من منازل خمره وسكره، إذ بوادى الجن منازل مماثلة لمنازل أبى نواس فى دنيا الإنس، فهذا دير حنّة الذى كان كثيرا ما يختلف إليه، ويشقّ سمع ابن شهيد قرع النواقيس، ويجتاب مع تابعه أديارا وكنائس وحانات حتى ينتهيا إلى دير عظيم تعبق روائحه وتفوح نوافحه، ويقف صاحبه زهير ببابه ويصيح سلام على أهل دير حنّة، ويسأله ابن شهيد هل صرنا بذات الأكيراح (ساحة يخرج إليها الرهبان فى أعيادهم وطالما تغنى بها أبو نواس) ويجيبه: نعم، وتقبل نحوهما الرهابين وفى أوساطهم الزّنانير المشدودة وقد قبضوا على العكاكيز، بيض الحواجب واللّحى، وقالوا لصاحبه ما بغيتك؟ فقال حسين الدّنان تابع أبى نواس، فقالوا إنه فى شرب الخمر، منذ أيام عشرة، ونزلوا بابن شهيد وتابعه إلى بيت اصطفّت دنانه وحولها غزلانه، وفى فرجته شيخ طويل الوجه واللحية افترش أضغاث (أخلاط) زهر، واتّكأ على زقّ خمر، وبيده طاس خمر كبير، فصاح به زهير: حيّاك الله أبا الإحسان، فأجاب بجواب لا يعقل لغلبة الخمر عليه، فقال زهير لابن شهيد: اقرع أذن نشوته. بإحدى خمريّاتك فإنه ربما تنبّه لبعض ذلك، فصاح ابن شهيد ينشده إحدى خمرياته، فصاح تابع أبى نواس وسأله أأشجعى كأنه لا يحسن مثل هذه الخمرية إلا ابن شهيد الأشجعى، وأجابه ابن شهيد: أنا ذاك، فاستدعى ماء قراحا، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إليه من حاله، وأنشده قصيدة أبى نواس: يا دير حنّة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإنى لست بالصّاحى وكاد ابن شهيد يخرج من جلده طربا، وسأله تابع أبى نواس أن ينشده من شعره، وقام حسين يرقص ببعض شعر ابن شهيد ويردده، وقال له: هذا والله شئ لم نلهمه نحن وقبّل بين عينيه وأجازه. وسأل زهير ابن شهيد من تريد بعد ذلك؟ فقال له: تابع

стр. 4091

أبى الطيب المتنبى، ولقيه فارسا على فرس بيضاء كأنه قضيب على كثيب، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه وعلى رأسه عمامة حمراء قد أرخى لها عذبة صفراء، فحيّاه زهير، فأحسن الردّ ناظرا من مقلة شوساء مضمومة أجفانها استعلاء قد ملئت تيها وعجبا، واستنشد ابن شهيد فأنشده بعض أشعاره، ولما انتهى قال لزهير إن امتد به شوط العمر فلا بد أن ينفث بدرر، وما أراه إلا سيختضر (يموت شابا) بين قريحة كالجمر وهمّة تضع أخمصه (باطن قدمه) على مفرق البدر، ويجيزه. وكأنما كان تابع المتنبى يقرأ فى صفحة القدر، إذ تنبأ له أن يحطم الموت غصنه اليافع بعد سنوات معدودة، وحطمه. وسأل ابن شهيد زهيرا بعد لقائه بالمتنبى أن يلقاه بتوابع الكتّاب-ويسميهم الخطباء-وركضا الجواد طاعنين فى مطلع الشمس، ومالا إلى توابعهم بمرج دهمان وإذا بناد عظيم جمعهم، والكلّ منهم ناظر إلى شيخ أصلع جاحظ العين اليمنى على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة، فسأل ابن شهيد زهيرا عنه فقال: عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ وكنيته أبو عتيبة، فقال ابن شهيد: بأبى هو ليس رغبتى سواه وغير صاحب عبد الحميد الكاتب فقال له إنه ذلك الشيخ الذى إلى جنبه. وعرّف عتبة بابن شهيد، فقال له: إنك حائك للكلام مجيد، لولا أنك مغرى بالسجع، فكلامك نظم لا نثر، فاعتذر له قائلا إنه يعرف فضل الازدواج والمماثلة (خاصّة أسلوب الجاحظ وعبد الحميد الكاتب) غير أنه عدم ببلده فرسان الكلام. ويسوق حملة عنيفة على كتّاب زمنه مستخدما أسلوبهما من الازدواج والمماثلة، ويقرأ لهما رسالة طويلة مسجوعة فى الحلواء، يصف فيها طائفة منها، من مثل الخبيص والزلابية، ويستحسنانها قائلين إنّ لسجعه موضعا من القلب ومكانا من النفس، مع حلاوة اللفظ وملاحة السياق. ويذكران له أنه بلغهما أن من أبناء جنسه من يطعن على أدبه، وسألاه من أشدهما فى الطّعن والإجحاف بحقك، فيذكر لهما ثلاثة هم أبو محمد وأبو بكر وأبو القاسم، ولا نعرف شخصية أبى محمد، إذ تكنّى بهذه الكنية لزمنه غير واحد، وأما أبو بكر فأكبر الظن أنه إما أبو بكر بن حزم، الذى ذكر فى مطلع الرسالة أنه يتهمه بأن شيطانا يجرى على لسانه ما يخرج عن قدرة الإنس، وإما أبو بكر محمد بن قاسم المعروف بإشكمياط الذى مر بنا فى حياته أنه اتهمه بسرقة فقر نثره الحسان من سابقيه، وأما أبو القاسم فذكر ابن شهيد بعد سطور قليلة أنه أبو القاسم الإفليلى، ويهتف صاحبا الجاحظ وعبد الحميد بتابعه أنف الناقة بن معمر، وينهض لهما جنّىّ أشمط (دبّ الشيب فى شعره) ربعة وارم الأنف (متكبر شامخ بنفسه) يتظالع (يتعارج) فى مشيته كاسرا لطرفه، وزاويا لأنفه.

стр. 4092

وكان الإفليلى قد تصدّر فى قرطبة، يقرئ علم الأدب ويختلف الطلاب إليه، وكان مع علمه باللغة والنحو يتكلم فى معانى الشعر والبلاغة والنقد، واستكتبه المستكفى فى خلافته ثم أعفاه لخلو كلامه من حسن البيان والبلاغة. ويتهم تابعه أنف الناقة ابن شهيد بنقص اطلاعه، ويطلب إليه أن يناظره على كتاب سيبويه وشرح ابن درستويه، فيسخر ابن شهيد منه ويقول الإفليلى بلسان أنف الناقة إنه أبو البيان، فيهزأ به قائلا إنه لا يحسنه. ويطلب إليه أنف الناقة مثالا، فيصف له برغوثا وثعلبا وصفا رائعا. ويلتفت إليه تابع بديع الزمان زبدة الحقب فيطلب إليه أن يصف جارية ويعجب بوصفه، ويذكر له زبدة الحقب وصف البديع للماء ويقول له إنه من العقم أو المعجز، فيعارضه ابن شهيد بوصف رائع للماء، ويمتلئ زبدة الحقب غيظا، فيضرب الأرض برجله، فتنفرج عن هوّة يغيب فيها. ويشتدّ غيظ أنف الناقة تابع الإفليلى، فيطلب إليه أن ينشد بعض أشعاره، وينشد أشعارا بديعة متحدّيا له، وتصيح فتيان الجن إعجابا واستحسانا، وتعلو أنف الناقة الكآبة، ويحاول فتى من الجن أن يصلح بينهما، فيأبى ابن شهيد لما يتتبع الإفليلى فى دروسه لزلّة قد تمر به فى شعره أو نثره، فيهتف بها بين تلاميذه ويجعل وقوفه عليها مفخرة من مفاخره. فيقول له الفتى الجنىّ إن الشيوخ قد تزلّ أحلامهم فى النّدرة، ويقول ابن شهيد: بل إنها المرة بعد المرة. وما يلبث صاحبا الجاحظ وعبد الحميد الكاتب أن يشهدا له بأنه شاعر وناثر، وينفضّ الجمع، والكل ممتلئ إعجابا به. ويقول ابن بسام إنه امتد بعد ذلك بابن شهيد الكلام فى باب التوابع والزوابع، ومدّ فيه أطناب (أسباب) الإطناب والإسهاب، ولذلك وقف دون الغاية، وقطع قبل النهاية. وكنا نتمنى أن لا يقطع ابن بسام وأن لا يقف، بل كنا نتمنى أن يورد التوابع والزوابع بحذافيرها، لأنها طرفة رائعة من طرف النثر الأندلسى، وهى طرفة بديعة النسق فى الصياغة والرونق فى العبارة دون سجع ولا ما يشبه السجع إلا ما جاء عفوا. وأضاف ابن شهيد فى الرسالة إلى هذا الباب الخاص بلقائه لتوابع الكتاب والشعراء بابا تذاكر فيه مع زهير تابعه ما تعاورته الشعراء من المعانى ومن أحسن منهم الأخذ للمعنى ومن قصّر فيه، ويعرض لبعض المعانى ومن تداولوها، ويتمثل له جنىّ يسمى فاتك بن الصّقعب ويتحاور معه ويجرى على لسانه بعض أبيات من سينية غزلية له، ويسأله فاتك هل جاذبت أحدا فيجيبه نعم أبا الطيب المتنبى، وينشده من ذلك بعض أشعاره فيصيح فاتك صيحة منكرة من صياح الجن إعجابا واستحسانا. وكان بقربه جنى ضخم هو فرعون بن الجون، أخذ يتحداه بأشعار رائعة للمتنبى، فأنشده ابن شهيد بعض أشعاره

стр. 4093

البديعة وبهرته، فأخذ يسأله عن أشعار لأبيه وأخيه وعمه وجده وجدّ أبيه، وابن شهيد يذكر له قائله منهم، حينئذ أقسم أن لا يعرض له أبدا، وشهد له بعراقته فى الكلام، وكأنما ألقمه حجرا بشعره وشعر آبائه فتضاءل وغاب عن بصره. ويتبع ابن بسام ذلك بفصل أخير من فصول الرسالة أو قل بمشهد نرى فيه ابن شهيد مع تابعه زهير بأرض الجن يستعرضان أندية أهل الآداب، وإذا هما يشرفان على أتان من حمر الجن وبعض بغالهم وتعرّضت لابن شهيد الأتان تحكّمه فى شعرين لحمار وبغل من عشاقهم اختلفت التوابع من الجن فيهما، وتقدمت إليه بغلة شهباء عليها جلّها (غطاؤها الصائن لها) وبرقعها، وأنشدته الشّعرين ففضّل شعر البغل وقال: كان أنف الناقة أجدر منى بالحكم، وقالت له البغلة: أما تعرفنى؟ فقال لها: لو كانت بك علامة، فأماطت لثامها، فإذا هى بغلة أبى عيسى والخال على خدّها، فتباكيا طويلا، وأخذا فى ذكر أيامهما، وسألته: ما فعل الأحبّة بعدها؟ أهم لا يزالون على العهد؟ فقال: شاخ الفتيان، وتنكرت الخلاّن، ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة، وحالوا عن العهد، ونسو أيام الودّ. وكانت بقربهم إوزّة بيضاء شهلاء فى مثل جثمان النعامة، ويسأل ابن شهيد زهير عنها، فيقول له إنها تابعة شيخ من مشيختكم تسمى العاقلة وتكنى أم خفيف، ويتحاور معها مثنيا عليها، فمرة تسبح ومرة تطير، ومرة تنغمس فى الماء ومرة تخرج منه، ثم سكنت وأقامت عنقها وعرّضت صدرها ورفرفت بمجدا فيها (بجناحيها) واستقبلته مع صاحبه جاثية (قائمة على مؤخّرتها) كصدر المركب، ثم سألته ماذا يحسن؟ فقال لها من الشعر أو النثر، فقالت له إنما أريد النحو والغريب تريد أن تتهمه بأنه لا يحسنهما، ويطيل الحوار معها واصفا لها بالحمق وأنها فى حاجة إلى عقل التجربة إذ عدمت العقل الطبيعى، ويسألها أيهما أفضل: الأدب أم العقل؟ وتجيبه العقل، فيقول لها إذا ظفرت منه بحظ فناظرى حينئذ فى الأدب. وكأن الإوزّة بذلك تأخذ صفة الإفليلى بشهادة تحديها لابن شهيد بإحسان النحو والغريب اللذين كان الإفليلى يشتهر بهما. وبذلك نفهم كلمة ابن بسام عن الرسالة لابن شهيد وتكرار ذكر الإفليلى فيها بأنه هو الذى به ابن شهيد عرّض، وجعله الغرض، وكأنما أنشأها من أجل الرد على ما وسمه به فى بعض دروسه من زلات وعثرات، مما جعله يعرض فى الباب الأول من الرسالة روائع شعره ونثره على توابع الشعراء والكتاب النابهين مقارنة إلى قصائد أصحابهم، وإذا هم يبهرون بشعره ونثره دائما ويجيزونه، محاولا بذلك أن يسقط نقد الإفليلى له. ثم أخذ يعرض جانبا من

стр. 4094

تداول المعانى بين الشعراء ومن قدرته على نقد الشعر وتذوقه ليبرهن على أنه يبذ الإفليلى فى انتقاد الشعر وتذوقه والوقوف على المعانى التى يشترك فيها الشعراء ويتداولونها، وكان تابع الكاتب والشاعر فى الشطر الأول من الرسالة يتمثل له بشرا سويا، وتشكّل له فى الشطر الثانى على صورة بعض الحيوانات والطير مستمدا فى ذلك كله من قصص الجن عند العرب. وقرن كثير من الباحثين (١) هذه الرسالة لابن شهيد إلى رسالة الغفران لأبى العلاء المعرى، ومنهم من ذهب إلى تأثر أبى العلاء بابن شهيد، ومنهم من ذهب إلى أن ابن شهيد هو الذى تأثر بأبى العلاء، وكلا الرأيين يجانبه الصواب، وحقا الرسالتان رحلتان فيما وراء الواقع، لكنهما بعد ذلك تتباينان فى موضوعيهما، فرحلة أبى العلاء تدور على عقيدة إسلامية هى عقيدة المعاد وما يتصل به من أهوال الحشر والصراط ونعيم الجنة وعذاب النار ولقاء بعض من غفر لهم من الشعراء واللغويين فى الفردوس ورؤية إبليس وبشار وأضرابه من الزنادقة فى الجحيم. أما رحلة التوابع والزوابع لابن شهيد-كما مرّت بنا- فتدور على ما شاع على ألسنة العرب فى عصرهم الجاهلى الوثنى من تصور شياطين للشعراء يلهمونهم أشعارهم. وواضح من موضوع الرحلتين أنهما لا يلتقيان أى التقاء وأن من الخطأ كل الخطأ أن يحاول باحث تبين أثر لإحداهما فى الأخرى. وذكرنا من قديم فى كتابنا «الفن ومذاهبه فى النثر العربى» ثم فى كتابنا «المقامة» أن الذى أوحى إلى ابن شهيد برحلته فى أرض الجن ووديانها إنما هو بديع الزمان وما قرأه فى مقامته الإبليسية عن لقاء عيسى بن هشام لإبليس فى واد من وديان الجن وتحاورهما وإنشاد إبليس له أشعارا جاهلية، ثم عرض عليه أن ينشده من شعره، فأنشده إبليس قصيدة لجرير، وعجب عيسى من انتحاله قصيدة جرير، ولم يلبث إبليس أن قال له: «ما أحد من الشعراء إلا ومعه معين منا، وأنا أمليت على جرير هذه القصيدة، وغاب عنه، وكأنما ابتلعته الأرض. وفى نفس رسالة التوابع والزوابع ما يؤكد الصلة بين ابن شهيد وبديع الزمان فى مقاماته، إذ نرى ابن شهيد يعرض على تابعى الجاحظ وعبد الحميد الكاتب رسالة طويلة فى ألوان من الحلواء أراد بها محاكاة بديع الزمان فى مقامته المضيرية. وما يلبث ابن شهيد أن يذكر أنه لقى تابع بديع الزمان المسمى زبدة الحقب، ويقترح

стр. 4095

عليه وصف جارية ويصفها، ويعجب زبدة الحقب بوصفه، ويسأله ابن شهيد أن يسمعه وصفه للماء، ويقول له إنه وصف معجز، ويعارضه ابن شهيد بوصف رائع للماء يبهره. وفى ذلك كله ما يقطع بأن المقامة الإبليسية لبديع الزمان هى التى ألهمت ابن شهيد رسالة التوابع والزوابع وأوحت بها إليه. ويتردد فى كتابى الجذوة للحميدى والمغرب لابن سعيد اسم كتاب لابن شهيد سماه حانوت عطار ويبدو من نقولهما عنه أنه ترجم فيه لأدباء الأندلس فى عصره وقبل عصره ترجمات قصيرة ذكر فيها بعض أخبارهم وما استطرفه من أشعارهم مع بعض نظرات نقدية. رسائل ابن برد (١) الأصغر ابن برد الأصغر هو أبو حفص أحمد حفيد أبى حفص أحمد بن برد الأكبر الذى ولى ديوان الإنشاء للمنصور بن أبى عامر، وكتب بعده لابنيه المظفر والناصر. ثم كتب لسليمان المستعين الأموى وللأمراء الحموديين، ويترجم له ابن بسام فى الذخيرة، ويشيد ببيانه وبلاغته قائلا إنه «أسمع الصّمّ بيانا، واستنزل العصم إبداعا واستحسانا» ويتلو ذلك بطائفة بديعة من رسائله. وحين رزق ابنه محمد بولده أحمد توسم فيه النجابة منذ نعومة أظفاره، فعنى بتربيته وتخريجه فى الأدب نثره وشعره، وفى ذلك يقول الحفيد ابن برد الأصغر، كما روى ابن بسام عن كتاب له سماه «سر الأدب وسبك الذهب»: «وكان جدى أحمد بن برد-﵀-بطول ممارسته لهذه الصناعة قد اقتعد سنامها، ورفع أعلامها، وأصبح إمامها، وإنى وافقت أول معالجتى لها آخر أيامه خلا أنه قد كان أقبسنى مصابيح من وصاياه فيها، ووطّأ لى مراكب من دلائله إليها، وضرب لى صوى (أعلاما) من هداياته نحوها أفاد الله بها نفعا». ويقول ابن بسام إن بنى برد ينتمون إلى بنى شهيد بالولاء، ولعلنا بذلك نفهم ما كان ينعقد من صلة وثيقة بين ابن برد الأصغر وابن شهيد، ويتضح ذلك فى جوانب من أخبار ابن شهيد، وحين توفى بكاه-كما أسلفنا-بكاء حارا. وليس بين أيدينا أخبار عن نشأة ابن برد الأصغر إلا الخبر السالف عن عناية جده به ورعايته له. ونرى ابن بسام يذكر أنه حين اتخذ المستظهر الأموى فى سنة ٤١٤ ابن

стр. 4096

شهيد وزيرا كتب له ابن برد ولم يوضح ابن بسام هل هو ابن برد الأصغر أو هو جده ابن برد الأكبر، وبالمثل يقول إن أبا القاسم الإفليلى كتب للخليفة المستكفى بعد ابن برد فى نفس السنة ولا يذكر هو الأصغر أو الأكبر، وأكبر الظن أنه الأصغر، وكأنه كتب للمستظهر فى الأشهر التى تولاها ثم كتب فترة للمستكفى بعده ولم يلبث أن أعفاه. وقد ظل ابن برد الأكبر حيا حتى توفى بسرقسطة عن ثمانين عاما سنة ٤١٨ ويبدو أنه رحل إلى تلك البلدة فى الشمال لما سمع من كرم منذر التجيبى أميرها وهبته لقصاده أموالا عظيمة. ويقول ابن برد الأصغر إن صروف الأيام باكرته بعد مصابه فى جده ويبدو أن الدنيا ظلت لا تبتسم له فترة غير قليلة كما يبدو أن أبواب دواوين قرطبة ظلت مغلقة دونه فى عهد جهور حين أصبح حاكمها المتصرف فى شئونها منذ سنة ٤٢٢ ولعل سبب ذلك عمله فى دواوين الخليفتين الأمويين: المستظهر والمستكفى. ومن المؤكد أنه ظل بقرطبة حتى وفاة ابن شهيد سنة ٤٢٦ ويقول المؤرخون أنه رحل منها إلى مجاهد الصقلبى أمير دانية (٤١٢ - ٤٣٤ هـ) وسنراه يوجه إليه أولى رسائله الأدبية الخاصة بالسيف والقلم وربما حنّ إلى قرطبة ورفاقه فيها وعاد إليها، وقد يدل على ذلك أن نجد ابن زيدون حين سجنه جهور سنة ٤٣٢ يوجه إليه قصيدة كى يشفع له عند جهور أو عند ابنه أبى الوليد. وربما كان بقرطبة حين خلف أبو الوليد أباه سنة ٤٣٥ ومرّت بنا رسالته البديعة إليه بتفصيل الورد على سائر الأزهار، ولعله كان يرمز إليه بالورد وأنه يفضل جميع أمراء الطوائف. وكان المظنون أن يظل بقرطبة، غير أننا نراه يؤثر المقام بالمريّة عند أميرها معن بن صمادح (٤٣٢ - ٤٤٣ هـ) الذى عرف له فضله، فاتخذه وزيرا له، وإليه قدم ابن برد كتابه: «سر الأدب وسبك الذهب» وافتتح ابن بسام ترجمة ابن برد بصدر هذا الكتاب وقد نوه فيه برعاية جده له وتخريجه كما مرّ بنا، وأثنى ثناء غامرا على معن بن صمادح ورعايته للعلوم وفنون الآداب، وما أسبغ عليه من شرف المرتبة الرفيعة. وضمّن الكتاب رسائلة السلطانية والإخوانية وطرّز أبوابه بأبيات من الأشعار المحتوية على الحكم الجارية مجرى الأمثال. ومن المؤكد أنه قضى الشطر الأخير من حياته فى ظل هذا الأمير، ويقول الحميدى فى الجذوة إنه رآه فى المرية مرارا بعد الأربعين وأربعمائة، ولا ندرى هل لحق عصر المعتصم بن معن بن صمادح (٤٤٣ - ٤٨٤ هـ) أو أن القدر لم يمهله حتى عصره، أو حتى إذا كان أمهله فإنما أمهله إلى فترة قصيرة، ويشيد به ابن بسام قائلا: «كان أبو حفص بن برد الأصغر فى وقته فلك البلاغة الدائر، ومثلها السائر، نفث

стр. 4097

فيها بسحره، وأقام من أودها (اعوجاجها) بناصع نظمه، وبارع نثره». وأتبع ذلك بفصول من تحميداته ورسائله الديوانية والشخصية وطائفة من أشعاره فى النسيب وغيره، وألحق أديب بترجمته فى الذخيرة من قديم ثلاثا من رسائله الأدبية فى: السيف والقلم، والنخلة، وأهب الشاء، وقدم لها بقوله إنها من بدائعه العقم (التى لا مثيل لها) المستنزلة للعصم (النوادر) ويقول إن ابن بسام لم يتجاف عنها غضا منها، ولكن ربما أعجله القدر أو لم يسمح له بها الزمن، وحرىّ أن نلمّ بها فى إجمال. (أ) رسالة السيف والقلم كتب ابن برد بهذه الرسالة إلى الموفق أبى الجيش مجاهد أمير دانية مناظرا بين السيف والقلم متقدما مناظرتهما بالثناء عليهما معا فهما مثل جوادين سبقا فى حلبة أو غصنين نسّقا فى تربة، بل هما مثل نجمين أنارا فى أفق، وسهمين صارا على نسق، غير أنهما جرّرا أذيال الخيلاء تفاخرا، وادعى كل واحد منهما أن له الفوز على صاحبه وامتد بينهما الجدال والخصام، فقاما يتباريان فى المقال، ويتساجلان فى الخصال. وبدأ القلم فقال: ﴿ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ فجلّ من مقسم وعزّ من قسم، لقد أخذت الفضل برمّته، وقدت الفخر بأزمّته. فقال السيف: عدنا من ذكر الطبيعة إلى ذكر الشريعة، ومن وصف الخصلة إلى وصف الملة، لا أسرّ ولكن أعلن، قيمة كل امرئ ما يحسن، إنّ عاتقا حمل نجادى (حمائل سيفى) لسعيد، وإن عضدا بات وسادى لسديد، أفصح والبطل قد خرس، وأبتسم والأجل قد عبس. فقال القلم: الحق أبلج (مضئ) والباطل لجلج (أعرج) أجلب الغنى من ضروعه، وأجتنى النّدى (الجود) من فروعه، وهل أنا إلا قطب تدور عليه الدول، وجواد شأوه (شوطه) يدرك الأمل، شفيع كل ملك إلى مطالبه، ووسيلته إلى مكاسبه فقال السيف: يالله! استنّت الفصال (أولاد النوق) حتى القرعى (١)، وربّ صلف تحت الرّاعدة. (٢) لقد تحاول امتدادا بباع قصيرة، وانتفاضا بجناح كسيرة، أمستعرب (دخيل فى العرب) والفلس ثمنك، وكل بقعة وطنك؟ إن الملوك لتبادر إلى دركى، ولتتحاسد فى ملكى، ولتتوارثنى على النسب، والتغالى فىّ على الحسب، فتكلّلنى (فتتوجنى) المرجان، وتنعلنى العقيان (٣)، وتلحفنى بحمائل

стр. 4098

كخمائل. فقال القلم: أستعيذ بالله من خطل أرعيت فيه سوامك (إبلك) وزلل افتتحت به كلامك، إن ازدراءك بتمكن وجدانى، وبخس أثمانى، لنقص فى طباعك، وقصر فى باعك، ألا وإن الذهب معدنه فى العفر (التراب) وهو أنفس الجواهر، والنار مكمنها فى الحجر، وهى إحدى العناصر، وإن الماء-وهو الحياة-أكثر المعايش وجدانا، وأقلّها أثمانا، وقلما تلقى الأعلاق النفيسة إلا فى الأمكنة الخسيسة. فقال السيف: جعجعة رحى لا يتبعها طحن (دقيق) وجلجلة رعد لا يليها مزن، وجه لئيم، وجسم سقيم، ودموع سجام، كأنهن سخام (فحم) فهبّ من نومك، وأفطر من صومك، إنى لو انتضيت (سللت) والشمس كاسفة لم ينظر وقت تجلّيها (١)، أو السّنون مجدبة أيقن بالحيا (بالغيث) راعيها. أكرع (أشرب) يوم الوغى فى لبّة البطل (أعلى صدره) فأعود كالخدّ كسى صبغ الخجل». ولما كثر تعارضهما، وطال تناظرهما، ولم ينثن أحدهما كهاما (كليلا) بادرا إلى السلم يعقدان لواءه، قائلين إن من القبيح أن تتشتت أهواؤنا وتتفرّق آراؤنا وقد جمعنا الله فى المألف الكريم، وقال القلم إن مما نبرم به عقدنا، وننظم عقدنا إن حالت حال، وكان للدّهر انتقال، أن نخطّ كتابا مصيبا، يكون لنا منابا وعلينا رقيبا، فقد يدبّ الدهر بعقاربه، بين المرء وأقاربه، واختار القلم أن يكون العقد شعرا، لأنه شدو الحادى، وزاد الرائح والغادى. وسجله فى قطعة شعرية بديعة. وواضح ما امتاز به ابن برد الأصغر فى تلك المناظرة بين السيف والقلم من قدرة على صوغ الأدلة والبراهين فى لسانى الخصمين المتناظرين، إذ ما زال يؤلف لكل منهما حججا يدلى بها مع نقضه لحجج منافسه. وطبيعى أن لا ننقل تلك المناظرة بحذافيرها، فقد اجتزأناها مكتفين بما نقلناه منها للدلالة على قدرة ابن برد فى توليد الأفكار والبراهين وفى صوغ الكلام وحوكه حياكة تموج بالعذوبة، إذ كان يعرف كيف يصطفى ألفاظه وكيف يلائم بينها ملاءمات موسيقية بديعة. (ب) رسالة النخلة هى رسالة عتاب لصديق سبق أن عاتبه فى العام الفارط على كتمانه لرطب نخلة، وهى تعد بالأندلس إحدى الغرائب وفريدة العجائب، ويقول إنه سأله من جناها قليلا، فقال له لو علمت أن لكم به هذا الكلف لأمسكته عليكم، ولكنه فى العام المقبل إن شاء

стр. 4099

الله يكون غلّتكم وعتادا نفيسا لكم وذخرا حبيسا عليكم، ويمضى ابن برد قائلا له: «رسمنا تلك العدة فى سويداوات قلوبنا، ووكلنا بها حفظة خواطرنا، أما أنت فهلت عليها التراب، وأسلمتها إلى يد البلى، حتى إذا أخذت النخلة زخرفها وازّيّنت زينتها، وبلغت غايتها، وأشبع القمر صبغها، وأحكمت الشمس نضجها، جنيتها على حين نام السّمّار، وغفلت الجارة والجار، وأبت بها إيابة الأسد بفريسته. . ولما رأينا طلائع الرّطب فى الأسواق، والجنىّ من بواكير النخيل على الأطباق، هزّت جوانحنا ذكرى العدة، وقلقل أحشاءنا حذر الخيبة، فركضنا الدوابّ إلى حرمتك (١)، وجعلنا نسرع طمعا فى لقائك» ويذكر ابن برد لصاحبه أنهم حين وصلوا إلى محلّته لقيهم فتى ظريف، فسألهم عن مقصدهم، فقالوا له: إن جارك وصديقنا وعدنا منذ عام أن يسهم لنا فى جنى نخلة لديه، لم تتشقق تربة هجر المشهورة على الخليج العربى بتمرها عن مثلها، ولا آوت قمارىّ (حمام) البصرة إلى نظيرها، فجاءوها ليأكلوا منها ويعلموا أن قد صدقهم ويكونوا عليها من الشاهدين. ويقول ابن برد: «قال الفتى يا لإخوانى فى الخيبة أنا ساكن فى المحلة التى منبت هذه النخلة فى ساحتها وقد صرمها (قطعها) منذ خمسة عشر يوما، وقد كنت قبل صرمها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق، فإذا رأت الطير وهى على سعفها ما أواصل إليها من لحظاتى، وأتابع عليها من زفراتى، رمتنى بأفراد من رطبها أحلى من شفاه العذارى، وأنا اليوم أبكى ربعا خاليا». ويتجه ابن برد بالحديث إلى صاحبه قائلا: ما هذه الخيانة للعهد، ويسأله شيئا مما ادخره منها لأعياده واعدا له أن يناصبوا عنه أعداءه برا وبحرا وأن لا يعصوا له أمرا. ويصف له شيئا من كلام العرب فى النخل وبدء نباته والبلح وتلوّن حالاته وبعض منظومهم فيه لعله يذيب من جموده ويولّد عقيم جوده، ويورد عليه ما أثر من قول الرسول ﷺ : «نعمت العمة لكم النّخلة» ويقول: «ليس من حقّه أن يستبدّ بخيرها ويمسك معروفها عنهم، ويختم الرسالة بقوله: «نستغفر الله ونسأله أن يبدلنا من بخلك نوالا، وبمطلك إعجالا». وهى رسالة طريفة بما فيها من فكاهة ومن قدرة على التصوير ومن سلاسة فى التعبير.

стр. 4100

(ج) رسالة أهب الشّاء سمّى ابن برد هذه الرسالة: «البديعة فى تفضيل أهب (جلود) الشّاء على ما يفترش من الوطاء» وهو فيها يردّ على من لامه على استخدام أهب (جلود) الشاء فى الجلوس شتاء وصيفا دون وطئ الفرش ورافهها من قطع البسط والسجاجيد والحشايا. وهو فى فاتحتها يدعو الله أن يلهمه الرشاد ويمنحه الصواب ويعرّفه بركة التواضع وينفّره من الكبر، ويطيل فى المقدمة، ثم يقول للائمه: «عبتنى-أعزّك الله-بارتخاص الأشياء فى الشّراء، وقلت لم تؤثر ذلك إلا للؤم الخليقة، والهمة الدقيقة، وربما مالت نفس الحريص إلى الرّخيص. . وسأفسح للكلام ميدانا، وأنثر عليك من الألفاظ مرجانا، وأعاطيك من سلاف (خمر) المعانى أكوابا، وأشمّك من روض البيان آسا. . جلّ ماله عبت وفيه قلت وردّدت، وبه أبدأت وأعدت، من إيثارى فى الصيف والشتاء أهب (جلود) الشاء، ومراوحتى منها فى البرد والحر، بين البطن والظهر. وأىّ بساط مثلها أدلّ على التواضع وأعرب عن القناعة وأدفأ فى السّبرة (الغداة الباردة) وألين فى المسّ وأخفّ فى الحمل وأمكن للّنقلة وأوفق لمقدار الحاجة وأجدر بطول المتعة وأبقى على حدث الدهر، وأغنى عن تكلّف التّبطين ومراعاة أوقات الترقيع. ولا تحوجك إلى خيّاط ينازلك فى السّوم (الثمن) ويخجلك أمام القوم، وينتح جبينك (يجعله يرشح) بعرق الاختلاف إليه، وذلّ التكرار عليه، وهو متبجّح (متمكن) فى دكانه، ومشتغل عن سوء مقامك باستطابة محادثة صبيانه، فتشمت العدوّ بنفسك، وتبدى ما كان مستورا من حالك، وهذه (الأهب) بأنفسها مكتفية، وعن سواها مستغنية، مع صيانة المروءة ووقاية ماء الوجنة، إن قلبتها لظهورها شتوت على وثارة (١)، أو صرفتها لبطونها صفت فى لدونة». ويذكر ابن برد أن من يطلبها يشتريها فى الأضحية تقرّبا إلى ربه وطلبا لكريم ثوابه، ويقول إن رخص ثمنها فضيلة لها مع قلة المئونة والكلفة، ويذكر أن من فضلها أن جعل الله من جنسها كبشا فداء إسماعيل ابن خليله إبراهيم، وسماه فى تنزيله ذبحا عظيما. ويقول لصاحبه إن الصوف زى النسّاك والمنقطعين للعبادة، وقد استخدمها المعلمون لأنها الأرفق والأرخص والأوفق. ويختم هذه الرسالة الطويلة بالنصح لعائبه أن لا يستقبل
следующие страницы →