← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

شهيد وزيرا كتب له ابن برد ولم يوضح ابن بسام هل هو ابن برد الأصغر أو هو جده ابن برد الأكبر، وبالمثل يقول إن أبا القاسم الإفليلى كتب للخليفة المستكفى بعد ابن برد فى نفس السنة ولا يذكر هو الأصغر أو الأكبر، وأكبر الظن أنه الأصغر، وكأنه كتب للمستظهر فى الأشهر التى تولاها ثم كتب فترة للمستكفى بعده ولم يلبث أن أعفاه. وقد ظل ابن برد الأكبر حيا حتى توفى بسرقسطة عن ثمانين عاما سنة ٤١٨ ويبدو أنه رحل إلى تلك البلدة فى الشمال لما سمع من كرم منذر التجيبى أميرها وهبته لقصاده أموالا عظيمة. ويقول ابن برد الأصغر إن صروف الأيام باكرته بعد مصابه فى جده ويبدو أن الدنيا ظلت لا تبتسم له فترة غير قليلة كما يبدو أن أبواب دواوين قرطبة ظلت مغلقة دونه فى عهد جهور حين أصبح حاكمها المتصرف فى شئونها منذ سنة ٤٢٢ ولعل سبب ذلك عمله فى دواوين الخليفتين الأمويين: المستظهر والمستكفى. ومن المؤكد أنه ظل بقرطبة حتى وفاة ابن شهيد سنة ٤٢٦ ويقول المؤرخون أنه رحل منها إلى مجاهد الصقلبى أمير دانية (٤١٢ - ٤٣٤ هـ) وسنراه يوجه إليه أولى رسائله الأدبية الخاصة بالسيف والقلم وربما حنّ إلى قرطبة ورفاقه فيها وعاد إليها، وقد يدل على ذلك أن نجد ابن زيدون حين سجنه جهور سنة ٤٣٢ يوجه إليه قصيدة كى يشفع له عند جهور أو عند ابنه أبى الوليد. وربما كان بقرطبة حين خلف أبو الوليد أباه سنة ٤٣٥ ومرّت بنا رسالته البديعة إليه بتفصيل الورد على سائر الأزهار، ولعله كان يرمز إليه بالورد وأنه يفضل جميع أمراء الطوائف. وكان المظنون أن يظل بقرطبة، غير أننا نراه يؤثر المقام بالمريّة عند أميرها معن بن صمادح (٤٣٢ - ٤٤٣ هـ) الذى عرف له فضله، فاتخذه وزيرا له، وإليه قدم ابن برد كتابه: «سر الأدب وسبك الذهب» وافتتح ابن بسام ترجمة ابن برد بصدر هذا الكتاب وقد نوه فيه برعاية جده له وتخريجه كما مرّ بنا، وأثنى ثناء غامرا على معن بن صمادح ورعايته للعلوم وفنون الآداب، وما أسبغ عليه من شرف المرتبة الرفيعة. وضمّن الكتاب رسائلة السلطانية والإخوانية وطرّز أبوابه بأبيات من الأشعار المحتوية على الحكم الجارية مجرى الأمثال. ومن المؤكد أنه قضى الشطر الأخير من حياته فى ظل هذا الأمير، ويقول الحميدى فى الجذوة إنه رآه فى المرية مرارا بعد الأربعين وأربعمائة، ولا ندرى هل لحق عصر المعتصم بن معن بن صمادح (٤٤٣ - ٤٨٤ هـ) أو أن القدر لم يمهله حتى عصره، أو حتى إذا كان أمهله فإنما أمهله إلى فترة قصيرة، ويشيد به ابن بسام قائلا: «كان أبو حفص بن برد الأصغر فى وقته فلك البلاغة الدائر، ومثلها السائر، نفث

стр. 4097

فيها بسحره، وأقام من أودها (اعوجاجها) بناصع نظمه، وبارع نثره». وأتبع ذلك بفصول من تحميداته ورسائله الديوانية والشخصية وطائفة من أشعاره فى النسيب وغيره، وألحق أديب بترجمته فى الذخيرة من قديم ثلاثا من رسائله الأدبية فى: السيف والقلم، والنخلة، وأهب الشاء، وقدم لها بقوله إنها من بدائعه العقم (التى لا مثيل لها) المستنزلة للعصم (النوادر) ويقول إن ابن بسام لم يتجاف عنها غضا منها، ولكن ربما أعجله القدر أو لم يسمح له بها الزمن، وحرىّ أن نلمّ بها فى إجمال. (أ) رسالة السيف والقلم كتب ابن برد بهذه الرسالة إلى الموفق أبى الجيش مجاهد أمير دانية مناظرا بين السيف والقلم متقدما مناظرتهما بالثناء عليهما معا فهما مثل جوادين سبقا فى حلبة أو غصنين نسّقا فى تربة، بل هما مثل نجمين أنارا فى أفق، وسهمين صارا على نسق، غير أنهما جرّرا أذيال الخيلاء تفاخرا، وادعى كل واحد منهما أن له الفوز على صاحبه وامتد بينهما الجدال والخصام، فقاما يتباريان فى المقال، ويتساجلان فى الخصال. وبدأ القلم فقال: ﴿ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ فجلّ من مقسم وعزّ من قسم، لقد أخذت الفضل برمّته، وقدت الفخر بأزمّته. فقال السيف: عدنا من ذكر الطبيعة إلى ذكر الشريعة، ومن وصف الخصلة إلى وصف الملة، لا أسرّ ولكن أعلن، قيمة كل امرئ ما يحسن، إنّ عاتقا حمل نجادى (حمائل سيفى) لسعيد، وإن عضدا بات وسادى لسديد، أفصح والبطل قد خرس، وأبتسم والأجل قد عبس. فقال القلم: الحق أبلج (مضئ) والباطل لجلج (أعرج) أجلب الغنى من ضروعه، وأجتنى النّدى (الجود) من فروعه، وهل أنا إلا قطب تدور عليه الدول، وجواد شأوه (شوطه) يدرك الأمل، شفيع كل ملك إلى مطالبه، ووسيلته إلى مكاسبه فقال السيف: يالله! استنّت الفصال (أولاد النوق) حتى القرعى (١)، وربّ صلف تحت الرّاعدة. (٢) لقد تحاول امتدادا بباع قصيرة، وانتفاضا بجناح كسيرة، أمستعرب (دخيل فى العرب) والفلس ثمنك، وكل بقعة وطنك؟ إن الملوك لتبادر إلى دركى، ولتتحاسد فى ملكى، ولتتوارثنى على النسب، والتغالى فىّ على الحسب، فتكلّلنى (فتتوجنى) المرجان، وتنعلنى العقيان (٣)، وتلحفنى بحمائل

стр. 4098

كخمائل. فقال القلم: أستعيذ بالله من خطل أرعيت فيه سوامك (إبلك) وزلل افتتحت به كلامك، إن ازدراءك بتمكن وجدانى، وبخس أثمانى، لنقص فى طباعك، وقصر فى باعك، ألا وإن الذهب معدنه فى العفر (التراب) وهو أنفس الجواهر، والنار مكمنها فى الحجر، وهى إحدى العناصر، وإن الماء-وهو الحياة-أكثر المعايش وجدانا، وأقلّها أثمانا، وقلما تلقى الأعلاق النفيسة إلا فى الأمكنة الخسيسة. فقال السيف: جعجعة رحى لا يتبعها طحن (دقيق) وجلجلة رعد لا يليها مزن، وجه لئيم، وجسم سقيم، ودموع سجام، كأنهن سخام (فحم) فهبّ من نومك، وأفطر من صومك، إنى لو انتضيت (سللت) والشمس كاسفة لم ينظر وقت تجلّيها (١)، أو السّنون مجدبة أيقن بالحيا (بالغيث) راعيها. أكرع (أشرب) يوم الوغى فى لبّة البطل (أعلى صدره) فأعود كالخدّ كسى صبغ الخجل». ولما كثر تعارضهما، وطال تناظرهما، ولم ينثن أحدهما كهاما (كليلا) بادرا إلى السلم يعقدان لواءه، قائلين إن من القبيح أن تتشتت أهواؤنا وتتفرّق آراؤنا وقد جمعنا الله فى المألف الكريم، وقال القلم إن مما نبرم به عقدنا، وننظم عقدنا إن حالت حال، وكان للدّهر انتقال، أن نخطّ كتابا مصيبا، يكون لنا منابا وعلينا رقيبا، فقد يدبّ الدهر بعقاربه، بين المرء وأقاربه، واختار القلم أن يكون العقد شعرا، لأنه شدو الحادى، وزاد الرائح والغادى. وسجله فى قطعة شعرية بديعة. وواضح ما امتاز به ابن برد الأصغر فى تلك المناظرة بين السيف والقلم من قدرة على صوغ الأدلة والبراهين فى لسانى الخصمين المتناظرين، إذ ما زال يؤلف لكل منهما حججا يدلى بها مع نقضه لحجج منافسه. وطبيعى أن لا ننقل تلك المناظرة بحذافيرها، فقد اجتزأناها مكتفين بما نقلناه منها للدلالة على قدرة ابن برد فى توليد الأفكار والبراهين وفى صوغ الكلام وحوكه حياكة تموج بالعذوبة، إذ كان يعرف كيف يصطفى ألفاظه وكيف يلائم بينها ملاءمات موسيقية بديعة. (ب) رسالة النخلة هى رسالة عتاب لصديق سبق أن عاتبه فى العام الفارط على كتمانه لرطب نخلة، وهى تعد بالأندلس إحدى الغرائب وفريدة العجائب، ويقول إنه سأله من جناها قليلا، فقال له لو علمت أن لكم به هذا الكلف لأمسكته عليكم، ولكنه فى العام المقبل إن شاء

стр. 4099

الله يكون غلّتكم وعتادا نفيسا لكم وذخرا حبيسا عليكم، ويمضى ابن برد قائلا له: «رسمنا تلك العدة فى سويداوات قلوبنا، ووكلنا بها حفظة خواطرنا، أما أنت فهلت عليها التراب، وأسلمتها إلى يد البلى، حتى إذا أخذت النخلة زخرفها وازّيّنت زينتها، وبلغت غايتها، وأشبع القمر صبغها، وأحكمت الشمس نضجها، جنيتها على حين نام السّمّار، وغفلت الجارة والجار، وأبت بها إيابة الأسد بفريسته. . ولما رأينا طلائع الرّطب فى الأسواق، والجنىّ من بواكير النخيل على الأطباق، هزّت جوانحنا ذكرى العدة، وقلقل أحشاءنا حذر الخيبة، فركضنا الدوابّ إلى حرمتك (١)، وجعلنا نسرع طمعا فى لقائك» ويذكر ابن برد لصاحبه أنهم حين وصلوا إلى محلّته لقيهم فتى ظريف، فسألهم عن مقصدهم، فقالوا له: إن جارك وصديقنا وعدنا منذ عام أن يسهم لنا فى جنى نخلة لديه، لم تتشقق تربة هجر المشهورة على الخليج العربى بتمرها عن مثلها، ولا آوت قمارىّ (حمام) البصرة إلى نظيرها، فجاءوها ليأكلوا منها ويعلموا أن قد صدقهم ويكونوا عليها من الشاهدين. ويقول ابن برد: «قال الفتى يا لإخوانى فى الخيبة أنا ساكن فى المحلة التى منبت هذه النخلة فى ساحتها وقد صرمها (قطعها) منذ خمسة عشر يوما، وقد كنت قبل صرمها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق، فإذا رأت الطير وهى على سعفها ما أواصل إليها من لحظاتى، وأتابع عليها من زفراتى، رمتنى بأفراد من رطبها أحلى من شفاه العذارى، وأنا اليوم أبكى ربعا خاليا». ويتجه ابن برد بالحديث إلى صاحبه قائلا: ما هذه الخيانة للعهد، ويسأله شيئا مما ادخره منها لأعياده واعدا له أن يناصبوا عنه أعداءه برا وبحرا وأن لا يعصوا له أمرا. ويصف له شيئا من كلام العرب فى النخل وبدء نباته والبلح وتلوّن حالاته وبعض منظومهم فيه لعله يذيب من جموده ويولّد عقيم جوده، ويورد عليه ما أثر من قول الرسول ﷺ : «نعمت العمة لكم النّخلة» ويقول: «ليس من حقّه أن يستبدّ بخيرها ويمسك معروفها عنهم، ويختم الرسالة بقوله: «نستغفر الله ونسأله أن يبدلنا من بخلك نوالا، وبمطلك إعجالا». وهى رسالة طريفة بما فيها من فكاهة ومن قدرة على التصوير ومن سلاسة فى التعبير.

стр. 4100

(ج) رسالة أهب الشّاء سمّى ابن برد هذه الرسالة: «البديعة فى تفضيل أهب (جلود) الشّاء على ما يفترش من الوطاء» وهو فيها يردّ على من لامه على استخدام أهب (جلود) الشاء فى الجلوس شتاء وصيفا دون وطئ الفرش ورافهها من قطع البسط والسجاجيد والحشايا. وهو فى فاتحتها يدعو الله أن يلهمه الرشاد ويمنحه الصواب ويعرّفه بركة التواضع وينفّره من الكبر، ويطيل فى المقدمة، ثم يقول للائمه: «عبتنى-أعزّك الله-بارتخاص الأشياء فى الشّراء، وقلت لم تؤثر ذلك إلا للؤم الخليقة، والهمة الدقيقة، وربما مالت نفس الحريص إلى الرّخيص. . وسأفسح للكلام ميدانا، وأنثر عليك من الألفاظ مرجانا، وأعاطيك من سلاف (خمر) المعانى أكوابا، وأشمّك من روض البيان آسا. . جلّ ماله عبت وفيه قلت وردّدت، وبه أبدأت وأعدت، من إيثارى فى الصيف والشتاء أهب (جلود) الشاء، ومراوحتى منها فى البرد والحر، بين البطن والظهر. وأىّ بساط مثلها أدلّ على التواضع وأعرب عن القناعة وأدفأ فى السّبرة (الغداة الباردة) وألين فى المسّ وأخفّ فى الحمل وأمكن للّنقلة وأوفق لمقدار الحاجة وأجدر بطول المتعة وأبقى على حدث الدهر، وأغنى عن تكلّف التّبطين ومراعاة أوقات الترقيع. ولا تحوجك إلى خيّاط ينازلك فى السّوم (الثمن) ويخجلك أمام القوم، وينتح جبينك (يجعله يرشح) بعرق الاختلاف إليه، وذلّ التكرار عليه، وهو متبجّح (متمكن) فى دكانه، ومشتغل عن سوء مقامك باستطابة محادثة صبيانه، فتشمت العدوّ بنفسك، وتبدى ما كان مستورا من حالك، وهذه (الأهب) بأنفسها مكتفية، وعن سواها مستغنية، مع صيانة المروءة ووقاية ماء الوجنة، إن قلبتها لظهورها شتوت على وثارة (١)، أو صرفتها لبطونها صفت فى لدونة». ويذكر ابن برد أن من يطلبها يشتريها فى الأضحية تقرّبا إلى ربه وطلبا لكريم ثوابه، ويقول إن رخص ثمنها فضيلة لها مع قلة المئونة والكلفة، ويذكر أن من فضلها أن جعل الله من جنسها كبشا فداء إسماعيل ابن خليله إبراهيم، وسماه فى تنزيله ذبحا عظيما. ويقول لصاحبه إن الصوف زى النسّاك والمنقطعين للعبادة، وقد استخدمها المعلمون لأنها الأرفق والأرخص والأوفق. ويختم هذه الرسالة الطويلة بالنصح لعائبه أن لا يستقبل

стр. 4101

بالذم من يفترشها مغتبطا بها، إذ لا يفترشها إلا الشيوخ الجلّة من العلماء ذوى المهابة والوقار، يقول: «لا تجد مفترشا لها إلا شيخا رائع الوسامة، أبيض الشّعرة، أنس إخوانه، وحلس (ملازم) أسطوانه (١)، قد حفظ المسائل وملأ من إجازات الشيوخ الخزائن، تقصده الفتيات والفتيان، وتفدّيه الجارات والجيران، ويتنافس فى حضوره أيّام الزّفاف، ويختصّ بصدور المجالس وطيّبات الصحاف، أو معلما. . قد ائتمنته الملوك على ثمار قلوبها وعماد ظهورها وقطع أكبادها، يقعد عنده الورّاقون، ويتحاكم إليه فى الخطوط الناسخون، فإذا كانت أيام الأخمسة والجمعات أطال قلنساته (٢)، ووالى الزيارة بمنساته (٣)، وسار مهينما (٤) بتسبيحه وتقديسه وتهليله وتحميده، يزور الإخوان والمعارف، والكل هشّ إليه، مقبل عليه. فإن عارضت هذا الجنس ضاقت عليك الأرض، وأخوك من صدقك، ومحبك من نصحك». والرسالة تصوّر قدرة ابن برد على صنع الأدلة والبراهين بحيث يأخذ على عائبه فى استخدام جلود الشياه كل المسالك، فهى تدل على فضيلتى التواضع والقناعة بالقياس إلى البسط والسجاجيد الفاخرة والحشايا الثمينة المزدانة. ومما يميزها دفء فروتها فى الشتاء القارس، وليونتها فى المسّ وخفتها فى الحمل والانتقال من موضع إلى موضع. ثم هى لا تحتاج مثل الحشايا والبسط إلى تبطين كما لا تحتاج إلى ترقيع. ثم يعرض ابن برد صورة الخياط، وهو يساوم صاحب الحشية أو السجادة فى أجرة الترقيع والتبطين مخجلا له أمام الناس، ويتفقان على الأجر. وما يزال الخياط يرجئ إنجازه لما يراد منه من تبطين أو ترقيع، ويظل صاحب الحشية أو السجادة يتردد عليه، وجبينه يرشح عرقا من ذل التكرار عليه، والخياط-مع إلحاحه عليه-منصرف عنه مع سوء وقفته أمامه، مشغول بمحادثة صبيانه أو عماله وكأنما يجد فى ذلك متعة له. وهى صورة بديعة تدل على روعة خيال ابن برد مع جمال الصياغة، وهو جمال يطرد فى نثره لما يعمه من نقاء فى اللفظ وصفاء وعذوبة.

стр. 4102

رسالتا ابن زيدون: الهزلية والجدية ابن زيدون هو أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومى، القرطبى، وقد مرت ترجمته بين شعراء الغزل فى الفصل الرابع، وقلنا هناك إن حادثين كبيرين أثرا فى حياته، أولهما تبادله فى شبابه الحب مع الشاعرة ولادة بنت الخليفة المستكفى واتصال هذا الحب بينهما فترة ثم هجرها له إلى الأبد بسبب ما لا حظته من مغازلته إحدى جواريها، وقيل بل بسبب نقده لبعض شعرها، وقد يكون للسببين جميعا. وظل ابن زيدون يبكى حبها ووصلها طويلا، وكلفت بعده بشخص كان يختلف مع غيره من شباب قرطبة إلى منتداها هو ابن عبدوس، وهو موضوع رسالة ابن زيدون الهزلية. والحادث الكبير الثانى الذى كان له تأثير فى حياته، هو سخط أبى الحزم جهور أمير قرطبة عليه والزجّ به فى غياهب السجون مما جعله يستعطفه مرارا إلى أن عفا عنه وردّ إليه حريته بشفاعة ابنه أبى الوليد، وفى استعطافه كتب رسالته الجدية، وحرىّ بنا أن نتحدث عن الرسالتين جميعا: الهزلية والجدية. (أ) الرسالة (١) الهزلية كتب ابن زيدون هذه الرسالة على لسان ولاّدة إلى ابن عبدوس منافسه فى حبها متهكما به ساخرا منه سخريات لاذعة، وما يمضى القارئ فيها حتى يشعر بوضوح أنه استوحى فيها رسالة التربيع والتدوير للجاحظ التى سخر فيها من كاتب معاصر له يسمى أحمد بن عبد الوهاب كان يكثر من ذمه وثلبه، فوصفه بأنه مربع مدوّر، وظل فى نحو خمسين صفحة من القطع الكبير يخلع عليه صورا ساخرة من الجمال وصورا أخرى ساخرة من المعرفة، تتخذ شكل أسئلة فى تاريخ العرب والأمم القديمة وفى العلوم كيمياء وغير كيمياء وفى الحيوان والجماد وفى الفلسفة والمنطق مع سؤاله عن أسماء كثيرين من الرجال عربا وغير عرب فى ميادين الثقافات المختلفة. وكأن ابن زيدون رأى أن يجاريه فى رسالته، إذ مضى على شاكلته يكثر من أسماء الرجال وما يتصل بهم من التاريخ والأخبار والأحداث، مع محاولته الواضحة فى أن يكون لرسالته سماتها الخاصة لا فى طريقة عرضه لأسماء الرجال بها فحسب، بل أيضا بما أكثر فيها من ضرب الأمثال ونثر

стр. 4103

الأبيات وجلب الأشطار، مما جعل الرسالة فى حاجة شديدة إلى التعريف بما عدد فيها ابن زيدون من الأعلام وأخبارهم ومن الأمثال والأشعار المنثورة، وتجرد لذلك ابن نباتة فى شرحه لها، وهو يستهلها على هذه الشاكلة: «أما بعد أيها المصاب بعقله، المورّط بجهله، البيّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر فى ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذّباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش فى الشّهاب (الضوء). . وإنك راسلتنى مستهديا من صلتى ما صفرت (خلت) منه أيدى أمثالك، مرسلا خليلتك مرتادة وقد أعذرت (جهدت) فى السفارة لك، وما قصّرت فى النيابة عنك، زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية اسم أنت جسمه وهيولاه (مادته) قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعليت فى مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال، حتى خيّلت أن يوسف ﵇ حاسنك (باراك فى الحسن) فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، وكسرى حمل غاشيتك (مظلّتك) وقيصر رعى ماشيتك، والإسكندر قتل دارا فى طاعتك». ويظل ابن زيدون يورد على ابن عبدوس رجالا وأعلاما تاريخيين عديدين، مدعيا أن جميعهم تصرّفوا عن إرادته محاولين الزلفى إليه من مثل أردشير ملك الفرس القديم وجذيمة الملك العربى الجاهلى. ويقول له إن شيرين زوجة أبرويز نافست ابنته بوران فيه وفى حسنه، وكليبا إنما حمى حماه بعزته، ومهلهلا أخاه إنما طلب ثأره بهمته، وحاتما إنما جاد بأمواله والسّليك بن السّلكة العدّاء الجاهلى إنما عدا على قدميه، وسحبان البليغ إنما كان يتكلم ببيانه، وأن الحجاج إنما تقلد ولاية العراق بحظّه، والمهلب القائد الأموى إنما ظفر بالخوارج الأزارقة بقوته. وليس هناك فيلسوف لليونان أو عالم لهم-ويعددهم- إلا صدر عن فكره، وبالمثل ليس للعرب مفكر ولا فيلسوف مشهور إلا منحه القدرة على ابتداعه، وما بلغاؤهم بالقياس إليه؟ إن عبد الحميد الكاتب بارى أقلامه وسهل بن هرون مدون كلامه والجاحظ مستمليه، وبالمثل الفقهاء الكبار من أمثال الإمام مالك. بل هو الذى أقام البراهين ووضع القوانين وحدّ ماهية الأشياء وبيّن الكيفية والكمية وناظر فى الجوهر والعرض وفرّق بين الصحة والمرض. حتى إذا بلغ ابن زيدون من ابن عبدوس كل ما أراد من سخرية أخذ يكويه بسياط هجائه معددا صفاته الذميمة، وكأنما جمع كل مثلبة. وتتوالى المثالب، فهو خسيس أرعن مفرط الحمق سيىّء الإجابة والسمع، ظاهر الوسواس، منتن الأنفاس، كلامه تمتمة وبيانه فهفهة، ودينه زندقة، وباقل المشهور بالعى

стр. 4104

عند العرب بليغ بالقياس إليه، ووجوده عدم، والاغتباط به ندم، والخيبة منه ظفر والجنة معه سقر، وأين هو من ولاّدة؟ إن الشرق والغرب لا يجتمعان ولا يتقاربان. ويجعلها تهدده وتتوعده بسوء المصير حتى كأنما يطلب حتفه، ويقول له على لسانها مقارنا فى سخرية شديدة بينه وبين من يختلفون إلى ندوتها من نوابغ الشباب الأفذاذ. «النار، ولا العار، والمنيّة، ولا الدّنية، والحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها، وما كنت لأتخطّى المسك إلى الرّماد، فإنما يتيمّم من لم يجد ماء. . ولعلك إنما غرّك من علمت صبوتى إليه وشهدت مساعفتى له من أقمار العصر، وريحان المصر، الذين هم الكواكب علوّ همم، والرّياض طيب شيم. . ما أنت وهم؟ وأين تقع منهم؟ وهل أنت إلا واو عمرو فيهم، و؟ ؟ ؟ كالوسيظة (النتوء) فى العظم منهم. وإن كنت إنما عطّرت أردانك (أكمامك) وجررت سروالك، واختلت فى مشيتك، وحذفت فضول لحيتك، وأصلحت شارتك، ومططت حاجبك، ورقّقت خطّ عذارك، واستأنفت عقد إزارك، رجاء الاكتنان فيهم، وطمعا فى الاعتداد منهم، فظننت عجزا، وأخطأت الغرض». وتمضى ولادة قائلة لابن عبدوس فى سخرية مرة: فلو أن عمرو بن هند ملك الحيرة أعطاه برديه وحلّته مارية بنت ظالم زوجة أحد ملوك الغساسنة بالقرطين اللذين أهدتهما إلى الكعبة، وقلّده عمرو بن معد يكرب الفارس القديم سيفه الصمصامة، وحمله الحارث بن عباد سيد وائل فى الجاهلية على فرسه النعامة، ما شكّت فيه ولا أخفى ذلك كله أصله ونسبه، وهل يجتمع لها فيه إلا خلّتان سيئتان: كأردأ التمر وسوء كيله وهل يقترن عليها به إلا ما اقترن على عامر بن الطفيل الذى دعا عليه الرسول ﷺ فاقترنت غدّه فى رقبته بموته ميتة ذليلة فى بيت سلوليّة. وتقول له هازئة به ساخرة إنه كان أجدر به أن يقدر الأمر تقديرا دقيقا فلا يكلف نفسه ما لا تستطيعه، حتى لا يكون مثله مثل الكلبة براقش التى غزا أصحابها قوم فلم يعرفوا مكانهم ونبحت فدلّتهم، وضرب العرب بها المثل فى الشّؤم، فقالوا «دلّت على أهلها براقش». ويختم ابن زيدون الرسالة قائلا على لسانها: «قد أعذرت إن أغنيت شيّا، وأسمعت لو ناديت حيّا، وإن بادرت بالندامة، ورجعت على نفسك بالملامة كنت قد اشتريت العافية لك بالعافية منك، وإن أنشدت: لا يؤيسنّك من مخدّرة ... قول تغلّظه وإن جرحا (١) فعدت لما نهيت عنه، وراجعت ما استعفيت منه بعثت من يزعجك إلى الخضراء

стр. 4105

(الريف) دفعا ويستحثك نحوها وكزا (ضربا) وصفعا، فإذا صرت إليها عبث أكّاروها (فلاّحوها) بك، وتسلّط نواطيرها (متعهدو بساتينها) عليك بما قدّمت يداك، لتذوق وبال أمرك، وترى ميزان قدرك». وبدون ريب بلغ ابن زيدون فى هذه الرسالة الذروة بالسخرية من ابن عبدوس، وقد أصبح فى يده كلعبة تارة يعلو به فيرفعه إلى السموات العليا فى القوة والسلطان والعلوم والفلسفة والبيان والبلاغة وتارة يسقط به فيهوى من حالق إلى الحضيض والدرك الأسفل. وهو فى كل ذلك يزدرى عقله وعلمه وأدبه وفكره وهيئته وكل ما يتصل به. ويسوق ابن زيدون للإغراق فى السخرية به أعلام التاريخ القديم والإسلامى وأعلام الفلسفة والعلوم والبيان العربى، وكأنه هو الذى نفث فيهم كل ما امتازوا به. واستكثر فى الرسالة من الأمثال ومن نثر الأشعار، وهو لا يطرف فيها بذلك فقط، بل يطرف أيضا بالألفاظ الجارحة الموجعة الملأى بسموم التهكم. (ب) الرسالة (١) الجدية كتب ابن زيدون هذه الرسالة يستعطف بها أبا الحزم جهورا أمير قرطبة حين ألقى به فى غياهب السجن ووراء قضبانه، لما قيل من نهبه عقارا لبعض مواليه، وقيل-وهو الأصح-بل لما دسّ عليه عند جهور من اشتراكه ضده فى مؤامرة فاشلة، وظل يدبج فيه القصائد ويرسل إليه الشفعاء، وهو لا يعفو عنه ولا يصفح، فدبّج له هذه الرسالة الرائعة مستهلا لها بقوله: «يا مولاى وسيدى الذى ودادى له، واعتمادى عليه، واعتدادى به، وامتدادى منه، أبقاك الله ماضى حدّ العزم، ثابت عهد النعمة، إن سلبتنى-أعزّك الله-لباس إنعامك، وعطّلتنى من حلى إيناسك، وأظماتنى إلى برود (بارد) إسعافك، ونفضت بى كفّ حياطتك (رعايتك) وغضضت عنى طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلى لك، وسمع الأصمّ ثنائى عليك، وأحسّ الجماد باستنادى إليك، فلا غرو قد يغصّ بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه. . وإنى لأتجلّد وأرى الشّامتين أنى لريب الدّهر لا أتضعضع، فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضّه إكليله، ومشرفىّ ألصقه بالأرض صاقله، وسمهرىّ (٢) عرضه على النار مثقّفه. .

стр. 4106

وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشّع، ولن يريبنى-من سيدى-أن أبطأ سيبه (عطاؤه). . فأبطأ الدّلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحائب مشيا أحفلها (أملؤها) وأنفع الحيا (الغيث) ما صادف جدبا، وألذّ الشراب ما أصاب غليلا». وابن زيدون-فى مطلع رسالته-يسترحم جهورا مستعطفا، فطالما أثنى عليه وطالما ظن أنه سيسبغ عليه نعمه، فإذا هو ينزل به عقابا أليما. ويتجلّد للنكبة، ويحاول أن يسرّى عن نفسه، ويخال كأنه يد أدماها سوارها أو جبين عضّه تاجه أو سيف ركزه صاقله فى الأرض أو رمح سوّاه على النار صانعه. ويمنى نفسه بأن نكبته سحابة صيف ستنجلى ويعود إلى سماء الود الصّحو والصفاء، وإذا كان عطاء جهور على ثنائه ومديحه أبطأ فإن أبطأ الدلاء فيضا أغزرها وأثقل السحاب مسيرة فى السماء أملؤها، وأنفع الغيث ما صادف أرضا مجدبة، وألذ الشراب ما صادف نفسا ظامئة، ويستمر فيهوّن من ذنبه مخاطبا جهورا بقوله: «ليت شعرى ما هذا الذنب الذى لم يسعه عفوك، والجهل الذى لم يأت من ورائه حلمك. . وما أرانى إلا أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت، وقال لى نوح: اركب معنا فقلت: (سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء)، وأمرت ببناء الصّرح (لعلّى أطّلع إلى إله موسى) وعكفت على العجل، واعتديت فى السّبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من ماء النهر الذى ابتلى به جنود طالوت، وعاهدت قريشا على ما فى الصحيفة، وانخذلت بثلث الناس يوم أحد، وتخلّفت عن صلاة العصر فى بنى قريظة، وجئت الإفك على السيدة عائشة الصّدّيقيّة، وأنفت من إمارة أسامة، ومزّقت الأديم (١) الذى باركت يد الله عليه، وضحيّت بالأشمط (٢)، ورجمت الكعبة (٣)». وهو يقول كأننى اقترفت كبيرة مثل كبيرة إبليس حين استكبر وأبى السجود لآدم معلنا عصيانه لربه، أو ارتكبت ما ارتكبه ابن نوح حين عصى أمر أبيه فلم يركب معه فى السفينة فكان من المغرقين، أو كأنه ارتكب جريرة فرعون حين أمر وزيره هامان أن يبنى له صرحا لعله يرى إله موسى، أو جريرة بنى إسرائيل حين عبدوا العجل وحين اعتدوا فى يوم السّبت فصادوا فيه، أو جريرة عاقر ناقة صالح ﴿(فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ)﴾ وأهلكهم، أو جريرة جنود طالوت الذى حرّم عليهم الشرب من نهر فخالفوه، أو جريرة

стр. 4107

من تعهدوا لقريش بما فى الصحيفة التى كتبوها من مقاطعة الرسول وأصحابه، أو جريرة أبىّ بن سلول حين انخذل بمن معه من المنافقين عن رسول الله يوم أحد، أو جريرة من تخلفوا عن صلاة العصر مع الرسول فى بنى قريظة من اليهود، أو جريرة من شاركوا فى حادثة الإفك والبهتان على زوج الرسول السيدة عائشة بنت الصديق، أو جريرة من أنفوا من تولية أسامة الصحابى الجليل على رأس جيش، أو جريرة قاتل عمر بن الخطاب أو جريرة قتلة عثمان بن عفان، أو جريرة رجم الحجّاج للكعبة، إلى عظائم أخرى ذكرها لا يعدّ ذنبه بجانبها شيئا مذكورا. ومضى ابن زيدون يقول إنه لا ذنب له إلا وشاية مشّاء بنميم، ويشهد الله أنه ما غشّ جهورا ولا انحرف عنه ولا عاداه بعد أن تشيع له وأصبح فى عداد خاصته مما سوّل لحساده أن يوغروا صدره عليه بوشاياتهم ونمائمهم الدنيئة، يقول: «كيف لا تتضرّم جوانح الأكفاء (النّظراء) حسدا لى على الخصوص بك، وتتقطّع أنفاس النّظراء منافسة فى الكرامة عليك؟ وكيف وقد زاننى رسم خدمتك، وزهانى وسم نعمتك، وأبليت البلاء الجميل فى سماطك (صفّك) وقمت المقام المحمود على بساطك. . وهل لبس الصباح إلا بردا طرّزته بفضائلك، وتقلّدت الجوزاء إلا عقدا فصّلته بمآثرك، واستملى الربيع إلا ثناء ملأته بمحاسنك، وبثّ المسك إلا حديثا أذعته فى محامدك؟ . ما يوم حليمة بسرّ. ولم أكسك سليبا، ولا حلّيتك عطلا، ولا وسمتك غفلا بل وجدت آجرّا وجصّا فبنيت، ومكان القول ذا سعة فقلت. حاش لك أن أعدّ من العاملة الناصبة، وأكون كالذّبالة المنصوبة تضيئ للناس وهى تحترق، فلك المثل الأعلى وهو بك، وبى فيك، أولى». وهو يقول لجهور إنه من الطبيعى أن تضطرم جوانح النظراء حسدا وتتقطع أنفاسهم غيظا لمنزلتى منك وقد ازدنت بخدمتك وازدهيت بنعمتك، وأبليت البلاء الجميل فى صفّك ونصرتك وقمت المقام المحمود على بساطك، أنثر بين يديك خلع مدائحى المضيئة بفضائلك، وعقود ثنائى المنظومة بدرر مآثرك، ولكأنما عطر الربيع إنما يفوح بمحاسنك وشذى المسك إنما يذيع أحاديث محامدك، ويقول: ما يوم حليمة بسر أى أن ذلك كله مشهور، ويصيح إن جهورا لم يكن سليبا أو عاريا فكساه ولا عطلا غير مزدان فحلاّه ولا غفلا غير معلم فوسمه وأبداه، بل لقد وجد آجرّا وجصّا فبنى وشاد قصائده، ويقول حاش لجهور أن أعدّ عنده من العاملة الناصبة إشارة إلى آية التنزيل: ﴿(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً)﴾ وأيضا حاش لجهور أن يعده كالذبالة أو فتيلة

стр. 4108

السراج تضيئ للناس وهى تحترق وتلفظ أنفاسها الأخيرة. وتعزّ على ابن زيدون نفسه، فيقول إنه لن يصبر على الذل والهوان، ويقول إن الأدب خير وطن للأديب وإنه لا يجفى فى أى مكان ينزل به فأينما توجّه ورد أعذب منهل وضوحك قبل إنزال رحله، وأعطى حكم الصبى على أهله. وكأنه يلمّح بأنه سيفارق وطنه قرطبة إلى من يعرف له حقه ويقدر أدبه. وتهدأ نفسه فيعود إلى صوابه، ويعلن محبته لوطنه وأنه لا يؤثر عليه أى وطن كما لا يؤثر على أبى الحزم جهور أى أمير، ويأخذ فى استعطافه حتى يعفو عنه ويصفح عن زلته، يقول: «إن الوطن محبوب، والمنشأ مألوف، واللبيب يحنّ إلى وطنه حنين النّجيب (البعير) إلى عطنه (مبركه) والكريم لا يجفو أرضا فيها قوابله (داياته) ولا ينسى بلدا فيها مراضعه. هذا إلى مغالاتى بعقد جوارك، ومنافستى فى الحظّ من قربك، واعتقادى أن الطمع فى غيرك طبع (دناءة) والغنى من سواك عناء، والبدل منك عوز (فاقة) والعوض لفاء (خسّة). وما هذه البراءة ممن يتولاّك؟ والميل عمّن لا يميل عنك، وهلاّ كان هواك فيمن هواه فيك، ورضاك لمن رضاه لك». ويظل ابن زيدون إلى نهاية الرسالة يستعطف أبا الحزم جهورا كى يرد إليه حريته، ويضيف إليها قصيدة استعطاف بديعة، ويختمها بقوله لجهور: «هب ذنبا لحرمة، واشفع نعمة بنعمة، ليتأتّى لك الإحسان من جهاته، وتسلك إلى الفضل من طرقاته». والرسالة تكتظ بالأمثال وبالأحداث التاريخية فى عهود الرسل وفى الإسلام، كما تكتظ باقتباسات من القرآن الكريم والأشعار مع حلّ كثير منها، ومع رهافة الشعور ودقة الحسّ وصفاء الذوق فى انتخاب ذلك كله وفى اختيار الألفاظ والتنسيق بينها تنسيقا بديعا. ولكثرة ما فى الرسالة من أمثال العرب ووقائع التاريخ والأشعار احتاجت إلى الشرح وشرحها الصفدى، وسمى شرحه «تمام المتون شرح رسالة ابن زيدون» وواضح من كلمة المتون التى اختارها اسما لكتابه أنه شعر أن الرسالة تشبه المتون لكثرة ما فيها من الأمثال وغير الأمثال، مما يحتاج إلى تفسير وفضل بيان، وهى-كأختها السالفة-آية بديعة من آيات النثر الأندلسى.

стр. 4109

رسالة ابن غرسية فى الشعوبية والردود عليها ابن غرسية (١) هو أبو عامر أحمد بن غرسية، كان من أبناء نصارى البشكنس فى شمالى إسبانيا، سبى صغيرا-كما يقول ابن سعيد-وأدّبه مجاهد مولاه ملك دانية والجزر المقابلة لها فى البحر المتوسط شرقى الأندلس (٤٠٥ - ٤٣٦ هـ) وكان مجاهد من فتيان المنصور بن أبى عامر الصقالبة الذين دان لهم شرقى الأندلس فى أوائل عصر أمراء الطوائف أثناء الفتنة التى أطاحت بالدولة الأموية. ولما رأى براعة ابن غرسية البشكنسى فى العربية والكتابة ألحقه بدواوينه، وأخطأ جولدتسيهر فى مقاله عن الشعوبية الإسبانية، فظن أنه كان فى خدمة المعتصم ابن صمادح التجيبى أمير المريّة (٤٤٢ - ٤٨٤ هـ). وله رسالة يذم فيها العرب ويفخر بالعجم كتب بها لا إلى أبى عبد الله بن الحداد شاعر المعتصم بن صمادح كما ظن جولدتسيهر وبروكلمان، وإنما إلى أبى جعفر أحمد بن الجزار كما جاء عند ابن سعيد، وذكره ابن بسام باسم ابن الخراز وهو تصحيف بدليل هجاء ابن غرسية له الذى أنشده ابن سعيد فى ترجمته إذ هجاه بأنه سليل أسرة كانت تحترف الجزارة. ويقول ابن بسام إنه خاطب برسالته الأديب أب جعفر بن الجزار معاتبا له لتركه مدح مجاهد (الصقلبى أمير دانية) واقتصاره على مدائح ابن صمادح التجيبى (العربى) الذى كان أميرا للمرية فى حياة مجاهد المتوفى سنة ٤٣٦ وهو معن بن صمادح مؤسس دولة الصمادحية بالمرية (٤٣٢ - ٤٤٣ هـ) لا ابنه المعتصم كما ظن ابن سعيد ومن ظن ظنه من المستشرقين. والرسالة تشغل فى الذخيرة نحو تسع صفحات، ونقتطف من فقرها قوله: «سلام عليك ذا الرّوىّ المروىّ الموقوف قريضه على حللة بجّانة أرش اليمن (٢)، بزهيد الثمن. . ولو أن القوم خلطوك بالآل، لما ألجأوك إلى الخبط فى الآل (٣)، مه، مه (٤)

стр. 4110

من أحوجك إلى ركوب المهمه (١) وإذا يمّمت بطن تبالة تتباله، وصرت ضغثا على إبّالة (٢). . وأحسبك أن أزريت، وبهذا الجيل النجيب (يقصد مجاهد أو الصقالبة) ازدريت، وما دريت أنهم الصّهب الشّهب ليسوا بعرب، ذوى أينق جرب، بل هم القياصرة الأكاسرة، بهم لا رعاة شويهات ولا بهم (٣)، شغلوا بالماذىّ والمرّان، عن رعى البعران (٤)، وبجلب العزّ عن حلب المعز، جبابرة قياصرة، صقورة غلبت عليهم شقورة، صقورة الخرسان (٥)، لكنهم خطبة بالخرصان، أرومة روميّة وجرثومة صفريّة. . فلا تهاجر بنى هاجر، أنتم أرقاؤنا وعبدتنا، وعتقاؤنا وحفدتنا، مننّا عليكم بالعتق، وأخرجناكم من ربق (كرب) الرقّ، وألحقناكم بالأحرار فغمطتم النعمة، فصفعناكم صفعا، يشارك سفعا، اضطرّكم إلى سكنى الحجاز وألجأكم إلى ذات المجاز (٦). وإذا قامت الحرب على ساق، وأخذت فى اتساق، وقرعت الظّنابيب، وأشرعت الأنابيب، وقلّصت الشّفاه، وفغر الهدان فاه، وولّى قفاه، ألفيتهم ذمرة الناس (٧) عند احمرار الباس، الطّعن بالأسل، أحلى عندهم من العسل، تزدان بهم المحافل والجحافل، كواكب المواكب، قيول، على خيول، كأنهم فيول، نجوم الرّجم من العجم، ضراغمة الأجم، تبحبحت عنهم سارة الجمال والكمال، ربّة الإياة (٨). . دوّخوا المشارق والمغارب، فاستوطنوا من المجد الذّروة والغارب غنوا بالإستبرق (الحرير) عن البتّ (الكساء) المجموع من النّعيجات طعامهم الحنيذ (اللحم المشوى) لا الهبيد (الحنظل) بسل (شجعان) لا حرّاس

стр. 4111

مسل (جريد النخل) ولا غرّاس فسل (صغار النخل). . فكفّ أيها الشّان، فلهم عظيم الشّان واليد الطّولى إذ تخلّصوكم من يد الحبشان. . رسخت فى المجد أصولنا وفروعنا، ومن يطولنا، وكل الورى قد شمله فضلنا وطولنا (١)، ذوو الآراء الفلسفية والعلوم المنطقية حملة الأسترلوميقى والجومطريقى، والعلمة بالأرتماطيقى وأنولوطيقى والقومة بالموسيقى والبوطيقا (٢)، والنّهضة بعلوم الشرائع والطبائع، والمهرة فى علوم الأديان والأبدان، ما شئت من تدقيق، وتحقيق، حبسوا أنفسهم على العلوم الدينية والبدنية لا على وصف الناقة الفدنية (الضخمة). . فلا فخر معشر العربان الغربان، بالقديم المفرّى الأديم (٣)، لكن الفخر بابن عمّنا (يريد الرسول ﷺ ، الذى بالبركة عمّنا، الإسماعيلى الحسب، الإبراهيمى النسب الذى به إنما انتشلنا الله تعالى وإياكم من الغواية والعماية، ولا غرو أن كان منكم حبره وسبره، ففى الرّغام يلفى تبره». (٤) وينوه بالرسول الكريم ﷺ : «لله مما قد برا صفوة ... وصفوة الخلق بنو هاشم وصفوة الصّفوة من بينهم ... محمد النور أبو القاسم بهذا النبى الأمىّ أفاخر من يفخر، وأكاثر جميع من تقدم وتأخّر، المنيف (الرفيع) الطرفين، الشريف السّلفين، المتلقىّ بالرسالة، والمنتقى للأداء والدلالة، أصلّى عليه عدد الرّمل، ومدد النّمل، وكذلك أصلّى على واصلى جناحه، سيوفه ورماحه، صحابته الكرام، عليهم من الله أفضل السلام». وابن غرسية يفتتح رسالته بالسخرية من أبى جعفر بن الجزار الذى يقف قريضه وشعره على نزلة بجاية والمرية بإقليم اليمن فى شرقى الأندلس مختصّا به عرب الأسرة الصّمادحية أمراء المرية وما والاها دون مجاهد الصقلبى ذى الأصل الشريف والنسب الرفيع، ويأخذ فى التهكم بابن الجزار والتهجم على العرب، فهو قد تعلق بآل أو بسراب، ويممّ وجهه نحو تبالة اليمنية، فتبّا له لقد أصابه البله، وأصبحت محنته محنتين. ويعجب أن

стр. 4112

يزرى ابن الجزار على مجاهد وقومه الصقالبة. ويبدو أنه كان قد هجاه، فأخذ يشيد به وبقومه الصّهب حمر الوجوه، ويقول إنهم ليسوا بعرب ذوى نوق جرب. ويضم إليهم العجم قاطبة، ويقول إنهم ملوك قياصرة وأكاسرة، فرسان لا رعاة أغنام ولا غارسو زروع يعيشون للحرب وحمل السلاح. ويستغلّ ما قيل من أن هاجر أم إسماعيل كانت جارية لسارة زوجة أبيه إبراهيم، فيزعم أنهم منّوا على العرب بنعمة العتق ونعمة الحرية، وأسكنوهم الحجاز إشارة إلى نزول هاجر وابنها إسماعيل بمكة. ويطيل فى الحديث عن فروسية العجم وبطولتهم فى الحرب وانشغالهم بالسيوف عن الملاهى وربات الأقراط أو الشنوف. ويقول إن لباسهم الإستبرق لا الصوف وطعامهم اللحم المشوى لا الحنظل ولا الضب، وسكناهم القصور لا الخيام وبيوت الشعر. ويفخر على العرب بأن الفرس من العجم خلصوا اليمن من يد الحبش أيام الجاهلية، كما يفخر بأم العجم سارة ويتغنى بجمالها وكمالها. وأيضا يفخر بأن العجم أصحاب العلوم الفلسفية والفلكية والهندسية والرياضية والمنطقية والموسيقية والشعر، لا أصحاب النوق الفدنية الضخمة. وابن غرسية فى كل ذلك يستمد من أصحاب الشعوبية فى القرن الثانى والثالث بالعصر العباسى، وكانت أهم مطاعنهم على العرب-كما أوضحتها فى كتاب العصر العباسى الأول-أنهم كانوا فى الجاهلية بدوا رعاة أغنام وإبل، ولم يكن لهم ملك ولا حضارة ولا مدنية ولا علوم، فأين هم قديما من ملك الأكاسرة والقياصرة؟ وأين هم من علوم الفرس واليونان والرومان. وكان الشعوبيون يصدرون فى ذلك عن بغض للإسلام، ولذلك اقترنت الشعوبية عند كثير منهم بالزندقة والإلحاد فى الدين الحنيف. وشعوبية ابن غرسية فى رسالته لا تقترن بإلحاد ولا بزندقة، ومع أنه شعوبى ذميم يعلن فى نهاية رسالته تمجيده للرسول ﷺ ولصحابته. وليس بين أيدينا فى الأندلس أعمال صدرت عن نزعة الشعوبية سوى هذه الرسالة لابن غرسية، وحقا هناك كتاب صنّف قبلها سمّى: «الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضل الصقالبة». ومن المؤكد أن نزعة الشعوبية فى الأندلس كانت نزعة فردية، ولم تتحول-كما تحولت فى القرنين الثانى والثالث بالعراق-إلى نزعة اجتماعية تقوم على معاداة العرب والإسلام. ولم تكد رسالة ابن غرسية تشعلها حتى انطفأت، بل لقد أطفأها هو نفسه فى نهاية رسالته إذ أعلن تمسكه بالدين الحنيف وإشادته بالرسول وصحابته من المهاجرين والأنصار. ومع ذلك نجد ردودا عليه، لكن لا بأبحاث مطولة تهدم الشعوبية، كما نرى عند الجاحظ وابن قتيبة مما عرضناه مفصلا فى حديثنا عن تاريخ الأدب العربى

стр. 4113

بالعصر العباسى الثانى وإنما برسائل تنقض مزاعمه نقضا حميّة للعرب والعروبة. وفى الذخيرة لابن بسام ثلاث رسائل منها رسالة لابن الدودين وثانية لعبد المنعم بن منّ الله القروى، وثالثة لشخص يسمى ابن عباس لم يوضح هويته ابن بسام. وظلت ردود تدبّج فى القرن السادس الهجرى، منها رد لابن أبى الخصال باسم: «خطف البارق وقذف المارق فى الرد على ابن غرسية الفاسق». وسقط هذا الرد من يد الزمن كما سقط رد الفقيه أبى مروان عبد الملك بن محمد الأوسى، ورد عبد المنعم بن الفرس، ورد عبد الحق بن فرج، ووصلنا رد أبى يحيى بن مسعدة المعاصر لعبد المؤمن بن على مؤسس دولة الموحدين وكذلك رد أبى الحجاج يوسف البلوى المتوفى سنة ٦٠٤ إذ سجّله فى موسوعته: ألف باء، وهو يكثر فيه من الشعر. ونقف قليلا عند الردود الثلاثة الأولى ورد أبى يحيى بن مسعدة. وأولى الرسائل الثلاث عند ابن بسام رسالة أبى جعفر (١) أحمد بن الدودين البلنسى، ويقول ابن بسام إنه أملاها عليه بالأشبونة سنة ٤٧٧ وهو يفتتحها بسب ابن غرسية مع تهديد شديد ومع هجاء قومه من العجم هجاء مقذعا أشد الإقذاع رادا كلّ مثلبة للعرب فى رسالة ابن غرسية إلى محمدة لهم وكل محمدة للعجم إلى مثلبة، ومن قوله فيها: «اخسأ أيّها الجهول المارق، والمرذول المنافق، ثكلتك أمّك، حبّرت بحبرك لذهاب خبرك، ومشقت (٢) فى قرطاسك لمشق رأسك، وما حقيقة جوابك على خطل خطابك إلا سلبك عن إهابك (جلدك) وصلبك على بابك، وأقسم ببارئ النّسم، وناشر الأمم من رفات الرّمم. . لأخلّدنّك سمرا غابرا، ومثلا سائرا، وتحتزم بزنّارك (٣) وتلحق بأديارك، مآلك، ومقرّ آلك، أسرتك الأرذلين، وعترتك الأنذلين الصّهب (الحمر) أكلة الجيف. . وأما فخرك بربّة الإياة (سارة) فياليتها حين ولدتكم ثكلتكم، فلقد سربلتموها عارا مجدّدا، وعصبتم بها شنارا (عارا) مخلّدا، حين خمتم (٤) عن الكفاح، حذر الصوارم والرماح، فأسلمتم لعداتها، من بناتها، كل طفلة رداح (٥)، جائلة الوشاح (٦)، ذات ثغر

стр. 4114

كالأقاح، وغرّة كالصباح. . ووصفك قومك بأن ليسوا حفرة أكر (١)، ولا حفزة عكر (٢)، الله أجلّ الأكر أن يحفروها، والعكر أن يحفزوها، لكنهم خفرة جحشان، وحفرة كهوف وغيران (٣)، اتخذوها مخبأ من قبائل العربان، وملجأ من وقع الصّوارم والمرّان، فعل الخزّان (٤) واليرابيع والجرذان. وأما وصفك قومك أنهم مجد، نجد، فهيهات تلك صفات قومنا العرب أولى اللّسن والبيان والإسهاب فى الصواب، والحكمة وفصل الخطاب، أنديتهم عراص المنيّة، وأرديتهم بيض المشرفيّة، ولبوسهم مضاعفة الماذيّة (٥)، مجالسهم السّروج، وريحانهم الوشيج (٦)، مناهم، تعجيل مناياهم، أسود الأغيال (٧)، حماة الأشبال». والرسالة الثانية عند ابن بسام فى الرد على ابن غرسية رسالة (٨) أبى الطيب عبد المنعم بن منّ الله القروىّ، دخل الأندلس، ودرّس الحديث فى شرقيها إلى أن توفى سنة ٤٩٣، وكان أديبا شاعرا، واطلع على رسالة ابن غرسية فاستثارته، وكتب نقضا لها رسالة سماها «حديقة البلاغة ودوحة البراعة، المورقة أفنانها، المثمرة أغصانها بذكر المآثر العربية ونشر المفاخر الإسلامية والردّ على ابن غرسية فيما ادعاه للأمم الأعجمية» وهى تمتد فى الذخيرة إلى نحو خمس وعشرين صحيفة، ويقول له فى مطالعها: «أخبرنى عنك أما كانت للعرب يد تشكرها، ومنّة تذكرها؟ أما جبرت نقيصتك؟ أما رفعت خسيستك؟ ألم تربّك فينا وليدا؟ ألم تتّخذك بها تليدا؟ (٩) ألم تعن بتخريجك وتدريجك؟ أما أنطقتك بعد العجمة؟ أما أسلقتك (١٠) عقب اللّكنة، حتى إذا اشتدّ كاهلك، وقوى ساعدك، كفرت نعمتها لديك، ونثرت عصمتها من بين يديك. . وهات أرنا مفاخرك نرك مساخرك، أنت صاحب الشّهب الصّهب أين أنت عن السّمر القمر (١١)، البيض غررا وصفاحا (١٢)، الدّعج عيونا ورماحا، البلج (١٣) وجوها وسماحا؟ سعروا

стр. 4115

(أوقدوا) عليكم نار الحرب، بتلك الأينق الجرب، فكسروا أكاسرتكم، وقصروا قياصرتكم، فسفكوا دماءهم، وأباحوا أحماءهم (١)، وأخمدوا نار صولتهم، ومحوا آثار دولتهم، وطهّروا الأرض المقدسة من أنجاسكم والمسجد الأقصى من أرجاسكم. ويحك بم آثرت (فضّلت) وبمن كاثرت (فخرت) أما استحييت مما انتحيت؟ هل كانت العرب إلا كنز عزّ وذخر فخر، وخبيئة ذخرها الله إلى الوقت المحتوم ليختار منها صفيّه، وميزّها ليميز منها حفيّه. يمشى أحدهم إلى الموت ثابتة وطأته، فسيحة خطوته، شديدة سطوته، لبقا بتصريف القناة بنانه، بصيرا بمهج الدارعين سنانه. . أليس شعاركم: الهرب، الهرب، هذه العرب. . وما تركوا من الأعاجم عاجما، ولا ناجما، وساروا يذبحون البرّ ذبحا، ويسبحون البحر سبحا، حتى طرقكم طارقهم (٢) فى هذا الطّرف، ورشقكم راشقهم فى هذا الهدف، وملكوا أرضكم بساحتيها، وأحاطوا بها من ناحيتيها، سلبوها بأقطارها وحلبوها من أشطارها». ويطيل ابن من الله فى الفخر بدول العرب قبل الإسلام، وبشجاعتهم وفروسيتهم، وما يزال يتتبع مفاخر العجم عند ابن غرسية ناقضا لها حتى فى العلوم. وينوه بعلم العرب فى الفلك والطب وبراعتهم فى الغناء والموسيقى. ويضع له أمام عينيه فخر العرب برسولها محمد سيد ولد آدم الذى به بزّت الأمم، ويطلب إليه أن يتوب توبة تهديه وتنجيه. والرد الثالث الذى ساقه ابن بسام يذكر أنه اقتبسه من كتاب (٣) لابن عباس رد فيه على ابن غرسية، ولا يعرّفنا بشخصية ابن عباس هذا، وحديثه يدور على الهجاء المقذع ولا يخرج عما رأينا فى الرسالتين السالفتين من نقض مزاعم ابن غرسية نقضا يصيب قومه العجم فى الصميم. ومثل هذه الردود فى الرد المفحم على رسالة الشعوبية لابن غرسية رسالة (٤) أبى يحيى ابن مسعدة، وهو يستهلها بهجاء شديد فابن غرسية غثيث (لا خير فيه) آبق وقاح لئيم الجدود. وبعد قرع صفاه، وصفع قفاه، ينتقل إلى الحديث عن دين العجم وأقانيمه الثلاثة وعقيدة التثليث وينكر أن يكون إبراهيم الخليل أبا للعجم أو تكون سارة زوجته أمّا لهم

стр. 4116

أو تكون هاجر أمة لسارة. وينقض على ابن غرسية كل ما أشار إليه من خبر أو أسطورة تتصل بالعرب، ويشويه ويشوى العجم معه بسياط من أهاجيه، ويتهكم على ما افتخر به من علوم الأعاجم، ويقول إنه كفخر الجارية بهودج سيدتها، إذ العلوم التى ذكرها إنما هى علوم اليونان والفرس والكلدان. ويتهكم على موسيقاهم التى يندبون بها فى نواحهم ويقصفون عليها فى أعيادهم. ويفخر بانتصار العرب على الفرس والروم فى القادسية واليرموك. ويتمدح بما يجلبه العجم للعرب من القيان والدّنان، كما يتمدح بشغف العرب بالمرأة وما لهم فيها من الغزل الرقيق مع ما يميزهم من الشجاعة والإقدام حتى ملكوا الأرض، وتلك منازلهم منها بمكان الغرّة. ويقول ابن مسعدة: كفى ابن غرسية والعجم أن فى العرب رسول الله هادينا ومرشدنا سيد البشر وشفيع هذه الأمة وسفير يوم العرض وإمام أهل السموات والأرض، وبه يفاخر العرب البشر، ويناظرون الشمس والقمر. ويشيد ابن مسعدة فى ختام الرسالة بابن تومرت داعية الموحدين وخليفته عبد المؤمن بن على مؤسس دولتهم فى المغرب والأندلس. وواضح-مما تقدم-أن الشعوبية فى الأندلس لم تؤيدها إلا رسالة وحيدة لابن غرسية البشكنسى، وكأنها شئ عارض أو كأنها حجر ألقى فى بحر لجى للعروبة، فلم تترك أثرا وراءها سوى ما كان من كثرة الردود عليها طوال القرنين الخامس والسادس للهجرة، وهى كثرة تدل-دلالة بيّنة-على تعمق نزعة العروبة فى الأندلس وأن الأندلسيين كانوا يستشعرونها دائما بقوة، أما ما نقرؤه أحيانا عن عالم أندلسى أو أديب هناك من أنه كان شعوبيا فإنما كان يوصف غالبا بذلك لنزعة وطنية تجعله يشيد بأبناء وطنه لا لنزعة شعوبية معادية للعرب. وقد ظلت الأندلس بعيدة عن استشعار تلك النزعة كما ظلت بعيدة عن استشعار نزعة الزندقة والإلحاد المعادية للإسلام. رسائل نبوية ومواعظ (أ) رسائل نبوية للأندلسيين كتابات كثيرة فى مناقب الرسول ﷺ ، على شاكلة كتاب الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى للقاضى عياض حافظ المغرب والأندلس المتوفى سنة ٥٤٤ ولسنا نريد الحديث عن مثل هذه الكتابات الجليلة إنما نريد أن نتحدث عن رسائل نبوية كثيرة صوّر فيها الأندلسيون شوقهم الحار لاكتحال عيونهم برؤية الروضة الشريفة

стр. 4117

ضارعين إلى صاحبها ﵇ أن يكون شفيعهم إلى غفران ربهم يوم القيامة، يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه. ومنذ أواخر عصر أمراء الطوائف تتكاثر الرسائل النبوية إذ أخذ الكتاب فى الأندلس يستشعرون محنة بلدهم وما يتهدّدها من الأخطار فبثوا شكواهم إلى الرسول ﷺ فى رسائل تفيض بوجد ملتهب لزيارة قبره الشريف وبتوسل ضارع لشفاعته يوم الحشر الأكبر. وأخذوا-مع تقدم الزمن-يضمّنون رسائلهم بعض الأحداث فى الأندلس آملين من الرسول الغوث والعون على أعدائهم وأن تدور عليهم الدوائر. ومن طريف ما نقرأ فى تلك الرسائل رسالة لأبى القاسم بن الجد المتوفى سنة ٥١٥ ومرت بنا ترجمته، وله رسالة نبوية كتبها على لسان صديق صدر من بيت الله الحرام وزيارة قبر رسوله ﵇، وقد امتلأ قلبه شوقا إلى العودة لزيارة الروضة الشريفة، مؤملا فى شفاعته، والحشر فى عداد زمرته وجماعته، وفيها يقول ابن الجد: (١) «صلوات الله على خاتم الرّسل وناهج السّبل، وناسخ جميع الملل. . وعليه من لطائف التسليم ما يربى على عدد النجوم، ويزرى بالمسك المختوم، ويقتضى باتصاله رضا الحىّ القيوم. . ولما صدرت يا رسول الله عن زيارتك الكريمة، وقد ملأت هيبتك ومحبتك أرجاء فكرى، وفضاء صدرى، وغشينى من نور برهانك ما بهر لبّى، وعمر قلبى، لحقنى من الأسف لبعد مزارك، والحنين إلى شرف جوارك، ما أودع جوانحى التهابا، وأوسع جوارحى اضطرابا، وأشعر أملى عودا إلى محلّك المعظّم وإيابا، وكيف لا أحنّ إلى قربك، وأتهالك فى حبّك، وأعفّر خدّى فى مقدّس تربك، وبك اقتديت فاهتديت، وكيف لا يتحرّك نحوك نزاعى، ويتأكّد انقطاعى، وبك استشفاعى، وإليك مفزعى يوم الداعى، فلا تنس لى-يا رسول الله-عياذى بك ولياذى، واذكرنى فى اليوم العظيم المشهود، عند حوضك المورود، وظلّك الممدود، ومقامك المحمود». والرسالة تصور هذا الشوق المضطرم فى قلب كل مسلم ليسعد بزيارة الروضة الشريفة ويتملّى بنورها الباهر. وما إن يعود زائره إلى موطنه حتى يضطرم شوقه من جديد لينعم بزيارته آملا أن يكون له حظ فى شفاعة صفىّ الرحمن وحبيبه المصطفى من خلقه. ويذكر ابن خير الإشبيلى فى فهرسته أن لابن السيد البطليوسى عبد الله بن محمد المتوفى سنة ٥٢١ رسالة كتب بها إلى قبر الرسول ﷺ ، وبالمثل ذكر ابن خير أن لابن أبى الخصال المتوفى سنة ٥٤٠ - ومرت ترجمته-رسالة كتب بها متوسلا إلى قبر الرسول

стр. 4118

ومعها مقطوعة شعرية، كتبها بلسان أحد الزمنى (المقعدين) آملا فى شفائه، فلما وضعت عند القبر الشريف برئ المقعد بإذن الله وببركة رسوله الأمين. وتظل هذه الرسائل النبوية تكتب من الأندلس وترسل إلى الروضة النبوية طوال الحقب الأندلسية التالية، ويلقانا من كتّاب هذه الرسائل ابن الجنان وسنخصه عما قليل بترجمة. وكان يعاصره أبو الحسن (١) الجيانى على بن محمد الأنصارى الذى تولى القضاء ببعض نواحى إشبيلية، واستكتبه آخر أمراء الموحدين: الرشيد (٦٢٩ - ٦٤٠ هـ) وظل يتولى الأعمال السلطانية حتى توفى سنة ٦٦٣ للهجرة، وله رسالة بارعة كتب بها إلى الروضة الشريفة وفيها يقول (٢): «إلى سيّد المرسلين، ورسول رب العالمين، الذى جعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وكان-ولم يزل-منتقلا من صلب آدم نورا. . المصطفى المختار الذى انشقّ له القمر، ودان له الأسود والأحمر، ولاح النور الإلهى من قسماته، وعرفه الكهنة والأحبار قبل كونه بسماته، بشرى الكليم (٣) الميمون النقيبة (٤) والطليعة، المشير إلى الأصنام فخرّت صريعة. . من العبد المذنب الذى ثبّطته الأقدار، وعاقه الفلك المدار، عن الحلول بمشاهدك الكريمة، والمثول فى معاهدك التى هى لصادى الأمل أنقع ديمة (٥). . كتبته، وأنا أتنفّس الصّعداء (٦)، وأناجى بل أغبط أهل زيارتك السعداء، وللزّفرات تصعّد وانحدار، وللعبرات تردّد فى الجفن وانهمار، وكيف ألذّ حياة ولم أعبر لزيارتك سبسبا (٧) ولا لجّة، ولا أقمت على دعوى الشوق إليك برهانا ولا حجّة، لألثم مواطئ سعى فيها بالوحى الرّوح الأمين، وتخطّى عرصاتها (٨) سيد المرسلين كيف لى أن أمرّغ الخدّ فى عبير ثراها، أو أبلغ الجدّ (٩) الأعظم عند ما أراها، اللهم يا ربّ أنجد عبدك المسئ وأعنه على أداء الفريضة، وطيّب قلبه بانتشاق ريح طيبة (١٠)، ولا تجعل أمله فيك ورجاءه فى كرمك إلى إخفاق وخيبة» والرسالة طويلة، وقد ذكر فيها أبو الحسن الجيانى طائفة من المعجزات النبوية. ويقف

стр. 4119

على باب الروضة الشريفة مسترحما لذنبه شفيع المذنبين يوم الهول الأكبر الذى تغذى بحبه طفلا وشابا وكهلا، وإنه ليأمل فى اللقاء بحبيبه، وفى فؤاده لوعة لا تنطفئ وفى عينيه دموع لا تجف، وإنه ليتمنى لو طيّب وجناته بتراب طيبة وتحقق له هذا الأمل العظيم. ويدعو ربه ضارعا أن ينيله أداء فريضة الحج وزيارة الرسول الكريم حتى يفوز بسعادة ما تماثلها سعادة. وتسقط حينئذ مدن الأندلس العظمى: قرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وطليطلة وبطليوس فى حجر حملة الصليب الشماليين، ونرى هذه الرسائل النبوية الموجهة إلى الروضة الشريفة تضم إلى تصوير التعلق بالرسول والشغف بزيارته والتوسل إلى شفاعته تضرعا إليه كى ينصر المسلمين فى الأندلس على أعدائهم الشماليين، ومن خير ما يمثل هذه الرسائل رسالتان (١) للسان الدين بن الخطيب كتبهما إلى الرسول ﵇ على لسانى سلطانى الأندلس أبى الحجاج يوسف الغالب بالله (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) وابنه محمد الغنى بالله (٧٥٥ - ٧٩٣ هـ) وربما كانت رسالته الأولى أروع من أختها الثانية، وقد افتتحها بقصيدة بديعة، يصور فيها الشوق الذى أضنى أبا الحجاج لزيارة قبر الرسول ﷺ ، ويفخر بأن جده سعد بن عبادة كان من أنصار دينه الحنيف. ويعتذر بتقصيره عن زيارته باشتغاله بجهاد الجلالقة والقشتاليين حملة الصليب الشماليين، وتلى ذلك الرسالة، وهى طويلة، ويفتتحها لسان الدين على لسان سلطانه أبى الحجاج بقوله: «إلى رسول الحقّ، إلى كافّة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحائز فى ميدان اصطفاء الرحمن قصب السّبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوة وآدم بين الطّين والماء. . نبىّ الهدى الذى ختم به الرسالة ربّه، وجرى فى النفوس مجرى الأنفاس حبّه، الشفيع المشفّع يوم العرض، المحمود فى ملأ السماء والأرض. . فائدة الكون ومعناه، وسرّ الوجود الذى بهر سناه، من الأنوار من عنصر نوره مستمدّة، والآثار تخلق (٢) وآثاره مستجدّة، من طوى بساط الوحى لفقده، وسدّ باب الرسالة والنبوة من بعده». وهذه القطعة الرائعة فى تمجيد الرسول يغمسها ابن الخطيب فى فكرة الحقيقة المحمدية

стр. 4120

التى ردّدها بعض الصوفية ذاهبين إلى أن الروح المحمدية سبقت فى الوجود صورة محمد الجسدية، وهو بذلك يسبق آدم، بل يسبق جميع الكائنات وكأنه مبدأ الرسل وخاتمهم، بل مبدأ الوجود جميعه، فكل نور فى الكون مستمد من نوره ومستعار منه. ويستمر ابن الخطيب فى هذا التمجيد متحدثا عن معجزات الرسول، قائلا إن الرسالة من عتيق شفاعته وعبد طاعته. ويصور تشوق أبى الحجاج إلى الاكتحال بمشهد روضته الشريفة، حتى يطفئ غلته ويسكن لوعته، ويعتذر بجهاده لحملة الصليب وما يلقى فى هذا الجهاد هو وجنوده من أهوال تعوقه عن أن يشد الرحال إلى الروضة العبقة الطاهرة، يقول: «عاقتنى عن زيارتك العوائق إذ أصبحت بين عدوّ تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه (١)، فى طائفة من المؤمنين بك وطّنوا على الصبر نفوسهم، وجعلوا التوكل على الله وعليك لبوسهم، واستعذبوا فى مرضاة الله تعالى ومرضاتك بوسهم، يطيرون من هيعة (٢) إلى أخرى، ويتلفّتون والمخاوف يمنى ويسرى، ويقارعون -وهم الفئة القليلة-جموعا كجموع قيصر وكسرى، قد باعوا من الله تعالى الحياة الدنيا، لأن تكون كلمة الله تعالى هى العليا، فياله من سرب مروع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع، وصبية حمر الحواصل (٣)، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل (٤)، والصليب قد تمطّى ومدّ ذراعيه. . وما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تراه العيون إلى أن نلقاك غدا إن شاء الله وقد أبلينا العذر، وأعملنا فى سبيل الله وسبيلك البيض والسّمر (٥)، وأرغمنا الكفر». وهذه القطعة من الرسالة تصور الجهود المضنية التى كان يبذلها مسلمو الأندلس فى جهاد حملة الصليب، وقد جاءوهم-كالذرّ عند انتشاره-من شمالى إسبانيا ومن البلدان الأوربية، يريدون أن يقتلعوهم من البقية الباقية من ديارهم. وتستبسل الفئة القليلة أمام تلك الجموع الغفيرة نحو ثلاثة قرون متطاولة، بائعة أنفسها لربها متزاحمة على حياض الاستشهاد لنصرة دينه حتى تكون كلمته هى العليا، وحملة الصليب ما ينون يغيرون وما تنى سحب سيوفهم تتجمع فوق ديارهم وأوكار أفلاذ أكبادهم، والفئة القليلة تنازلهم مستميتة نزالا ضاريا وكثيرا ما دقّت أعناقهم دقا. والرسالة الثانية للسان الدين كتبها

стр. 4121

سنة ٧٧١ بلسان السلطان الغنى بالله، كما ذكرنا، وفيها يصور للرسول الكريم تنكيله بحملة الصليب فى غير موقعة بعونه وجاهه، مع الاعتذار عن شد الرحال إليه لانشغاله بجهاد الطغاة البغاة. وكانت توجّه إلى الروضة الشريفة من أطراف العالم الإسلامى رسائل نبوية مماثلة لما قدمناه ممجدة له ومتشفعة إليه فى الأغراض الدنيوية والأخروية، غير أنها كثرت فى الأندلس لبعد الديار واتصال الحروب هناك مع أعداء الدين الحنيف، وحرىّ بنا أن نتوقف قليلا عند ابن الجنان . ابن (١) الجنّان هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصارى المعروف باسم ابن الجنان، من أهل مرسية فى شرقى الأندلس نشأ بها وحفظ القرآن الكريم واختلف إلى حلقات شيوخها ونهل منها كل ما استطاع من علوم دينية وآداب عربية، وفيه يقول ابن الخطيب: «كان محمد راوية ضابطا، كاتبا بليغا وشاعرا بارعا» ويقول الغبرينى: «كان من أهل الرواية والدراية والحفظ والإتقان فقيها وكاتبا بارعا وأديبا». وكان مفرطا فى القصر حتى يظن مبصره أنه طفل ابن ثمانية أعوام. ولفضله وأدبه استكتبه المتوكل بن هود حين ملك مرسية سنة ٦٢٥. وضاق بهذا العمل فتركه وحين تمكن العدو من قبضته على مرسية، سنة ٦٤٠ خرج منها واستقر بمدينة أريولة شمالى مرسية. وسمع به ابن خلاص صاحب سبتة على الزقاق، فاستدعاه، ولبىّ دعوته، وأكرمه وحظى عنده، ونراه يتوجه إلى مدينة بجاية بإفريقية ويستقر بها إلى أن لبّى نداء ربه فى عشر الخمسين وستمائة. وكان ابن الجنان شاعرا مبدعا كما كان كاتبا محسنا، ويقول ابن الخطيب «له فى الزهد ومدح الرسول ﷺ بدائع، ونظم فى المواعظ للمذكرين كثيرا» وأنشد المقرى له فى الجزء السابع كثيرا من مدائحه النبوية، وهو يسترسل فيها متحدثا عن شمائل الرسول وخصاله الكريمة ومعجزاته الباهرة ونبوته وقدسيته ومرتبته العليا بين الرسل وشفاعته لأمته يوم الحشر، وينشد له المقرى مخمسا نبويا طريفا يستهله على هذا النحو: الله زاد محمدا تكريما ... وحباه فضلا من لدنه عظيما واختصّه فى المرسلين كريما ... ذا رأفة بالمؤمنين رحيما صلّوا عليه وسلّموا تسليما

стр. 4122

ويضيف إلى هذا الدور فى المخمس نحو ثلاثين دورا، والمخمس يسيل سلاسة وعذوبة، وأدواره تختتم بقوله: «صلوا عليه وسلموا تسليما». ولا تقل روعة عن مدائح ابن الجنان للرسول ﵇ رسائله ومواعظه النبوية. ومن أروعها رسالة احتفظ بها المقرى كتب بها من الأندلس إلى سيد الكونين ﷺ ، وفيها يقول: «السلام العميم الكريم، والرحمة التى لا تبرح ولا تريم (١)، والبركة التى أولها الصلاة وآخرها التسليم، على حضرة الرّسالة العامّة الدعوة والنبوّة، المؤيدة بالعصمة والأيد والقوة، ومثابة البرّ والتقوى، فهى لقلوب الطيبين صفا ومروة (٢) مقرّ الأنوار المحمدية، والبركات السّرمديّة، أمتع الله الإسلام والمسلمين بحراسة أضوائها، وكلاءة (٣) ظلالها العليّة وأفيائها (٤)، وأقر عين عبدها بلثم ثراها، والانخراط فى سلك من يراها. السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا أبا القاسم سلام من يمدّ إليك يد الغريق، ويرجو الإنقاذ ببركتك من نكد المضيق، ويتقطّع أسفا ويتنفّس صعدا (٥) كلما ازدلف (٦) إليك فريق، وعمرت نحوك طريق، ولا يفتر صلاة عليك له لسان ولا يجفّ ريق: كتبته يا رسول الله وقد رحل المجدّون وأقمت، واستقام المستعدون وما استقمت، وبينى وبين لثم ثراك النبوىّ، ولمح سناك المحمدىّ مفاوز وكلما رمت المتاب رددت، وكلما يمّمت الباب صددت. . وحقّك وهو الحق الأكيد والقسم الذى يبلغ به المقسم ما يريد، ما وخدت (٧) إليك ركاب، إلا وللقلب إثرها التهاب، وللدمع بعدها سحّ وانسكاب، ويا ليتنى ممن يزورك معها ولو على الوجتين، ويحيّيك بين ركبها ولو على المقلتين. . ثم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته عليك يا سيد الخلق، وأقربهم من الحق، ومن طهّر الله تعالى مثواه وقدّسه، وبناه على التقوى والرضوان وأسّسه، وآتاه من كل فضل نبوى أعلاه وأسناه وأنفسه. . كتبه عبدك المستمسك بعروتك الوثقى، اللائذ بحرمك الأمتع الأوقى، المتأخر جسما المتقدم نطقا، والسلام عليك يا رسول الله ﷺ تسليما كثيرا ورحمة الله تعالى وبركاته». والرسالة تموج بالعذوبة فى اللفظ والصياغة، مع ما تصور من لواعج الشوق المضطرم فى صدر ابن الجنان لزيارة قبر الرسول القدسى ولثم ثراه العطر والإلمام بفنائه السنىّ

стр. 4123

وإن قلبه ليتقطع أسى وإنه ليتنفس الصعداء حين يرى الحجاج الأندلسيين من دونه يسيرون فى قوافلهم إلى بيت الله الحرام وزيارة الرحمة المهداة للأمة الذى أرسله الله نورا وضّاء للعالمين. ويفضى ابن الجنان إلى أسى ولوعة عميقين، حتى ليشعر كأن الدنيا تحولت من حوله إلى سجن رهيب وأغلال وأصفاد، فلا يستطيع فكاكا ولا لحاقا بالقوافل المتجهة إلى الأراضى المقدسة فى الحجاز. ويذرف الدمع مدرارا، ويتمنى لو زار الرسول ﷺ لا على قدميه بل على وجنتيه، حتى تكتحل عيناه بسنى النور المحمدى. وروى المقّرى له موعظة بديعة فى فضل الرسول وما أنعم الله به على البشر من رسالته الزكية وما أجرى عليه من معجزات فيها الآيات الكبر والدلالات الواضحة الغرر، ويتلو المقرى هذه الموعظة بموعظة ثانية يتحدث فى نهايتها عن مصاب المسلمين بوفاة الرسول ﷺ وكيف عزّهم الصبر، يقول: «وهل يسوغ الصبر الجميل فى فقيد بكته الملائكة وجبريل، وكثر له فى السموات السبع النحيب والعويل، وانقطع به عن الأرض الوحى الحكيم والتنزيل؟ . ويصور ابن الجنان كيف عمّ حينئذ الحزن والاكتئاب، وكأنما دموع الصحابة السحاب، ويقول إن الله عز شأنه سينجز وعده له بالشفاعة وقيامه المقام الموعود على الحوض يوم القيامة مناديا فى الناس هلموا إلى لتطفئوا حرارة العطش الملتهب فى الصدور، ويتجه ابن الجنان إلى ربه داعيا: «اللهم اسقنا من حوضه المورود، وشرّفنا بلوائه المعقود، وشفّعه فينا فى اليوم المشهود، وارحمنا به إذا صرنا تحت أطباق اللّحود، وانفعنا بمحبته ومحبة آله وصحابته الرّكّع السّجود، واجعلنا معهم فى الجنة دار السلام ودار الخلود». وبهذه اللغة الصافية التى تموج بالرقة والعذوبة والتى تلذ الألسنة حين تنطق بها والأسماع حين تنصت إليها كان ابن الجنان يمتع القلوب والأفئدة. (ب) مواعظ كانت الأندلس-مثل غيرها من البلدان الإسلامية-تكثر فيها المواعظ الدينية شفوية ومكتوبة، وكان من أهم البواعث لذلك الخطابة فى المساجد أيام الجمعة والعيدين واستشعار الخطباء هناك لخطابة الرسول والخلفاء الراشدين ومن تلاهم من جلّة الخطباء والوعاظ ممن حكى الجاحظ وعظهم وخطابتهم فى كتابه البيان والتبيين، وكثير هم الأندلسيون الذين تذكر فى تراجمهم أن لهم خطبا ومواعظ مدونة، وأشهر خطباء الدولة

стр. 4124

الأموية بالأندلس ووعاظها منذر بن سعيد، وسنخصه بكلمة. وكان يحدث كثيرا أن يتأخر المطر الذى يبعث الحياة فى الوديان والسهول والزروع، فكان الناس يجتمعون فى المساجد لصلاة الاستسقاء، ويقف بينهم الخطيب واعظا مذكرا بنعم الله عليهم مفيضا فى الحديث عن الإنابة إلى الله، داعيا الله دعاء مكررا: أن يرسل عليهم الغيث. وفى الكثرة الكثيرة من تلك الصلوات كانوا يغاثون ولا ينصرفون من المساجد إلا وأحذيتهم فى أيديهم من كثرة السيول التى تدافعت من السماء. ويتوقف أصحاب كتاب التراجم مرارا وتكرارا فى ترجماتهم للقضاة ممن كانت تسند إليهم خطابة الجامع الكبير، ليحدثونا عن صلاتهم مع أهل قرطبة لاستنزال الغيث، وبينما الخطباء يلحّون بالدعاء كان الناس يكثرون من الضجيج والابتهال، وتشملهم رحمة الله فتنعقد السحب وتبرق وترعد ويهطل الغيث مدرارا. وبجانب هؤلاء الخطباء الوعاظ ومواعظهم وأدعيتهم كان هناك زهاد أثرت عنهم مواعظ وأدعية كثيرة مثل أبى وهب العباسى المعاصر لمنذر بن سعيد المتوفى سنة ٣٤٤ المار ذكره. ويدور بنا الزمن دورة ونصبح فى عصر أمراء الطوائف، ونلتقى فيه بمواعظ كتابية تحبّر فيها رسائل بديعة. وهى رسائل وعظية تتقدم خطوة-إن لم تكن خطوات- نحو المتاع الروحى والشوق إلى اللقاء الربانى والانقطاع إلى النسك والعبادة للحى القيوم عن كل متاع دنيوى. ونحسّ كأن الأندلس أخذت تتجه بقوة إلى النزوع الصوفى على نحو ما يلقانا فى رسالة كتبها الفقيه أحمد بن عيسى الإلبيرى سنة ٤١٦ إلى بعض إخوانه، وكان من أفراد الزهاد، وفيها يقول لصاحبه (١): «هيّأتك يد القدرة هيئة روحانية، وأحياك روح القدس حياة إلهية، وألبستك الشريعة لباس التّقوى، وراشتك الطبيعة بريش النّهى (٢)، حتى تطير مع الروحانيين فى مجال الصّدّيقين إلى منازل المقرّبين، فتذوق برد عيش النعيم، وتلذّ بالنظر إلى وجه القيّوم، وتشتاق إلى لقاء الربّ الرحيم. . وإن لله يا أخى عبادا أقام أرواحهم بقيّوميّته على صراط مستقيم، فمشت بأقدام الصدق إلى الحق، فدنت منه ونظرت إليه على جلاله، فى اتساع كماله، فضعفت لكبر سلطانه، ثم أفاقت بالإسلام ونطقت بالإيمان، واتصلت بالقرآن، وعلّمها ففازت بالحكمة، وانقطعت إليه بالكلية، ودانت له بالحنيفية،

стр. 4125

فآواها إلى كنفه، ونعّمها بطرائف تحفه، وأطلع لها السّرّ، وأكمل لها البرّ، فحييت بقربه، وشربت بكأس حبّه». والنزعة الصوفية ماثلة فى الرسالة، وهى تعد مقدمة لما سيكون من ازدهار التصوف فى زمن المرابطين والموحدين إذ يظهر فيه كثرة ممن أشربوا كأس المحبة الإلهية من أمثال ابن العريف وابن عربى والششترى، ومرت لهم فى الفصل الماضى ترجمات تعرّف بمنزعهم الصوفى وأهم آثارهم وفيها وعظ كثير. وإذا تركنا المتصوفة ووعظهم إلى الوعظ العام وأهله وجدنا من أدباء الأندلس الذين يجمعون بين نظم الشعر وكتابة النثر طائفة تحاكى أبا العلاء المعرى فى كتابه الوعظى: «ملقى السبيل» وقد جعله على الحروف الأبجدية، وعادة يذكر سجعات قليلة ويتلوها بأبيات بنفس معناها، وربما كان ابن أبى الخصال الذى ترجمنا له فى هذا الفصل أول من حاول محاكاته فى هذا الاتجاه (١)، وكثر بعد ذلك من عارضوه فيه من مثل أبى القاسم السهيلى المتوفى سنة ٥٨١ وسمّى معارضته له باسم: «حلية النبيل فى معارضة ملقى السبيل (٢)» وعارضه سليمان بن موسى الكلاعى المتوفى شهيدا سنة ٦٣٤ باسم «مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة أبى العلاء فى ملقى السبيل» (٣) وغيرهم كثير. ونستطيع أن نقول إن معارضة أبى العلاء فى وعظه بملقى السبيل كانت أشبه بجدول انبثق من نهر الوعظ الكبير. ونلتقى فى عصر المرابطين بأبى بكر الطرطوشى وسنخصه بكلمة. وكان ابن جبير المتوفى سنة ٦١٤ قد أشاد فى رحلته-كما مر بنا-بابن الجوزى ومواعظه، وحملها عنه بعض الأندلسيين وأكبّ عليها غير أديب أندلسى يحاكيها على نحو ما يلقانا عند أبى المطرف بن عميرة المترجم له بين الكتاب والمتوفى سنة ٦٥٨ إذ يقول المراكشى: «له فصول وعظية على طريقة الإمام أبى الفرج بن الجوزى» وله قوله من عظة (٤). «يا أعمى الهوى غاب عنك وضح النهار، طالت غيبتك عنا فأىّ يوم تكون فى الزوّار، العمر قد مضى ولم يبق إلا القليل، وأنت تعيش بالمنى والتّعليل، ، أين الإخوان

стр. 4126

والأتراب، طاحوا (١) والله وأكلهم التراب، بينما البلبل يغرّد إذ نعب الغراب وفجأت الفجيعة فما لذّ النوم ولا ساغ الشراب». وكان نبعا فياضا فى الوعظ مما جعل بعض الوعاظ يستعينون به فيما يعظون به الناس. ونلتقى بكثير من المواعظ فى دولة بنى الأحمر بغرناطة، ومن كبار الوعاظ فى دولتهم ابن الزيات الكلاعى المالقى المتوفى سنة ٧٢٨ وله فى الوعظ كتاب «شذور الذهب فى ضروب الخطب»، وروى له لسان الدين بترجمته فى الإحاطة عظة ألغى الألف من حروفها وفيها يقول: قد نصحتم لو كنتم تعقلون، وهديتم لو كنتم تعلمون، ونصرتم لو كنتم تبصرون، وذكّرتم لو كنتم تذكرون، وظهرت لكم حقيقة نشركم (٢)، وبرزت لكم خبيئة حشركم، فلم تركضون فى طلق (٣) غفلتكم، وتغفلون عن يوم بعثكم، وللموت عليكم سيف مسلول، وحكم عزم غير مفلول (٤)، فكيف بكم يوم يؤخذ كلّ بذنبه، ويخبر بجميع كسبه، ويفرّق بينه وبين صحبه، ويعدم نصرة حزبه، ويشغل بهمّه وكربه، عن صديقه وتربه». ويسترسل فى مثل هذا الوعظ البسيط الذى ينزلق عن اللسان لخفته ولعذوبته، ولعله من أجل ذلك كان مجلس وعظه يغص بالناس ويزدحمون عليه لسماع مواعظه. وحرى بنا الآن أن نقف قليلا عند الواعظين الجليلين: منذر بن سعيد وأبى بكر الطرطوشى. منذر بن سعيد البلّوطى (٥) هو أبو الحكم منذر بن سعيد بن عبد الله، ولد سنة ٢٦٥ بموضع فى نواحى قرطبة يسمى فحص البلوط فنسب إليه، وأقبل منذ نعومة أظفاره على الدراسات الدينية واللغوية وبزّ فيها أقرانه بقرطبة، وفى سنة ٣٠٨ رحل إلى المشرق للحج والتلقى عن علمائه، وعاد إلى قرطبة يحمل عن محمد بن المنذر النيسابورى كتابه الإشراف المؤلف فى اختلاف الفقهاء سمعه منه بمكة، ويحمل أيضا كتاب معجم العين المنسوب إلى الخليل سمعه على أبى العباس بن ولاد بمصر، غير كتب أخرى فى اللغة والفقه والحديث. وأهم

стр. 4127

من ذلك أنه حمل مذهب داود الظاهرى وكتبه وظل يؤثره ويحتج لمقالته، مع أنه كان قاضيا فى بعض مدن الأندلس، والقضاء فيها كان مالكيا يلتزم القضاة فيه بمذهب مالك وفتاويه وفتاوى تلاميذه المصريين، واشتهر منذر بأنه إنما كان يأخذ بالمذهب الظاهرى فى نفسه فإذا جلس للحكومة والقضاء بين الناس قضى بينهم وحكم بمذهب مالك الذى استقر عليه العمل فى الأندلس. وثقف فى رحلته الاعتزال كما ثقف المذهب الظاهرى، وكان يحتج له كما يحتج للمذهب الظاهرى دون إفراط، مع الأخذ بالسنة والورع والرد على أهل الأهواء والبدع. وفى سنة ٣٣٠ أتيحت له فرصة عظيمة عندما أقيم بقصر الناصر فى قرطبة حفل استقبال ضخم لسفير بيزنطة الذى جاءه يحمل إليه بعض الهدايا من لدن الإمبراطور، وتقدم ابنه وولى عهده الحكم إلى أبى على القالى العالم اللغوى المشهور، وكان قد وفد على قرطبة ودوّت شهرته فى الأندلس، فسأله أن يلقى خطبة أمام أبيه يبين فيها فخامة الخلافة الأموية بالأندلس وما تهيأ للناصر من توطيد الحكم فى بلده، فقام القالى وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى ﷺ ، وأرتج عليه وانقطع عن الكلام، فلما رأى ذلك منذر-وكان حاضرا-قام فوصل افتتاحه بخطبة طويلة بليغة على غير أهبة مفتتحا لها بقوله: «أما بعد حمد الله والثناء عليه، والتعداد لآلائه، والشكر لنعمائه، والصلاة والسلام على محمد صفيّه وخاتم أنبيائه، فإن لكل حادثة مقاما، ولكل مقام مقالا، وليس بعد الحقّ إلا الضلال، فافقهوا عنى بأفئدتكم، إن من الحق أن يقال للمحقّ صدقت، وللمبطل كذبت. . وإنى أذكرّكم بأيام الله عندكم وتلافيه لكم بخلافته أمير المؤمنين التى لمّت شعثكم، وأمّنت سربكم». ومضى يتحدث عن تلافى الناصر للفتن التى كانت عمت آفاق الأندلس، وفصّل القول فى انتصاراته وفتوحاته وعدالته وما حظيت به الدولة لعهده من مكانة جعلت الروم يخطبون مودتها. وينصح الناس بالتزام الطاعة لخليفتهم وابن عم نبيهم الناصر، ويختم خطبته بالحمد لله والاستغفار. وبهرت الخطبة المجتمعين وخرجوا يتحدثون عن بلاغة منذر وحسن بيانه وثبات جنانه، وأعجب به الناصر إعجابا شديدا، فولاه الصلاة والخطابة بمسجده الجامع فى مدينته الزهراء التى بناها بجوار قرطبة، ثم ولاه قضاء الجماعة، فأصبح قاضى القضاة فى الأندلس جميعا، وظل على ذلك فى حكم الناصر وحكم ابنه الحكم إلى أن توفى سنة ٣٥٥. وكان الناصر قد مضى فى بناء مدينته الزهراء وتأنق فيها

стр. 4128

ما وسعه التأنق على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، فرأى منذر أن يتناوله فى خطبة الجمعة بالموعظة الحسنة رجاء إنابته ورجوعه عن هذا السرف المفرط. وابتدأ منذر موعظته بقول الله تعالى شأنه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ (١)﴾ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ (٢) لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ثم قال: ولا تقولوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ ﴿مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى﴾ وما زال يصل ذلك بكلام مؤثر فى ذم تشييد البنيان وزخرفته والإسراف فى الإنفاق عليه، واستشهد بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ومضى منذر يدعو إلى الزهد فى الدار الفانية والإعراض عنها وطلب ما عند الله من فراديس الجنان وأسهب فى ذلك حتى تأثر المستمعون وضجّوا بالبكاء، ودعوا الله تائبين مستغفرين وبكى الناصر واستعاذ من سخط الله وغضبه. ولمنذر مصنفات من أهمها: «أحكام القرآن» وكان شاعرا، أما العظات فلعل واعظا فى وطنه لم يبلغ فيها مبلغه فى زمنه، وكانت له خطب مجموعة ومتداولة فى الأندلس تحمل وعظا كثيرا، ومن عظاته قوله: «حتى متى وإلى متى أعظ غيرى ولا أتّعظ وأزجره ولا أزدجر، أدلّ على الطريق المستدلّين، وأبقى مقيما مع الحائرين، كلا إن هذا لهو البلاء المبين ﴿(إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ)﴾. اللهم فرّغنى لما خلقتنى له، ولا تشغلنى بما تكفّلت لى به، ولا تحرمنى وأنا أسألك ولا تعذّبنى وأنا أستغفرك يا أرحم الراحمين». أبو (٣) بكر الطّرطوشى هو أبو بكر محمد بن الوليد القرشى الطّرطوشى الأندلسى ولد فى سنة ٤٥١ بطرطوشة فى أعلى الشرق من الأندلس على البحر المتوسط، ويعرف بابن أبى رندقة، ويبدو أنها كنية شهر بها فيما بعد، وقد تخرج على يد أبى الوليد الباجى بسرقسطة، أحد

стр. 4129

كبار المالكية فى أواخر عصر أمراء الطوائف إن لم يكن أكبرهم، وقد أخذ عنه مسائل الخلاف وغيره من كتبه الكثيرة وأجاز له روايتها عنه. ورحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ وحجّ ودخل بغداد والبصرة، وسمع من جلّة الشيوخ فى البلدتين، وسكن الشام مدة ودرّس بها، ثم سكن مصر واستقر بثغر الإسكندرية إلى أن توفى بها سنة ٥٢٠. وكان ورعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير، ودخل على الأفضل بن بدر الجمالى وزير الفاطميين (٤٨٧ - ٥١٥ هـ) فوعظه حتى بكى، وكان مما وعظه به: «إن الأمر الذى أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك فاتّق الله فيما خوّلك من هذه الأمّة، فإن الله- سائلك عن النّقير (١) والقطمير والفتيل، واعلم أن الله- -آتى سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخّر له الإنس والجنّ والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخّر له الريح تجرى بأمره رخاء (٢) حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال عزّ من قائل: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فما عدّ ذلك نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون ذلك استدراجا من الله ، فقال: ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ فافتح الباب، وسهّل الحجاب وانصر المظلوم». وللطرطوشى مؤلفات مختلفة منها الكتاب الكبير فى مسائل الخلاف وكتاب مختصر تفسير الثعالبى وكتاب بدع الأمور ومحدثاتها وكتاب شرح رسالة ابن أبى زيد فى الفقه المالكى، وأشهر كتبه كتاب سراج الملوك الذى ألفه للمأمون البطائحى وزير الفاطميين بعد الأفضل بن بدر الجمالى (٥١٥ - ٥١٩ هـ) وهو وعظ للملوك والحكام وبيان لما ينبغى أن يتحلوا به من الأخلاق والسياسة الرشيدة فى الحكم، ويبين فى مقدمته منهجه فيه وغايته قائلا: «جمعت محاسن ما انطوى عليه سير ملوك ستّ من الأمم، وهم العرب والفرس والروم والهند والسّند والسند هند، فنظّمت ما ألفيت فى كتبهم من الحكمة البالغة والسّير المستحسنة والكلمات اللّطيفة والظريفة المألوفة. . إلى ما رأيته وجمعته من سير الأنبياء ﵈ وآثار الأولياء وبراعة العلماء وحكمة الحكماء ونوادر الخلفاء وما انطوى

стр. 4130

عليه القرآن العزيز الذى هو بحر العلوم وينبوع الحكم ومعدن السياسات ومغاص الجواهر المكنونات. . الهادى من الضلالة والحاوى لمحاسن الدنيا وفضائل الآخرة». وقد جعل الطرطوشى الكتاب فى أربعة وستين بابا خصّ أولها بمواعظ الملوك وثانيها بمقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين. وتتوالى الأبواب فى الخصال التى ينبغى أن يتصف بها الحكام والقضاة وغيرهم ممن يلون شئون الناس، ومن قوله فى الباب الأول واعظا للملوك: «اعتبر بمن مضى من الملوك والأقيال، وخلا من الأمم والأجيال، وكيف بسطت لهم الدنيا وأنسئت لهم الآجال، وانفسح لهم فى المنى والآمال، وأمدّوا بالآلات والعدد والأموال، كيف طحنهم بكلكله المنون (١)، واختدعهم بزخرفه الدهر الخئون، وأسكنوا بعد سعة القصور بين الجنادل والصخور. . أما ترى الدنيا تقبل إقبال الطالب، وإدبارها فجيعة، ولذّاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان، وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزوّد من يومك لغدك، ولا تنافس أهل الدنيا فى خفض عيشهم ولين رياشهم (٢) ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم» ولم يكد يترك الطرطوشى خبرا أو عظة للرسول ﵇ والرسل الكرام والخلفاء الراشدين ومن عاصروهم وجاءوا بعدهم من الزهاد والأتقياء البررة والعبّاد والصالحين الأطهار إلا دوّنها فى كتابه مع ما ساقه فى تضاعيفه من عظاته التى تموج بها صفحاته. وهو بحق فى الذروة من الوعظ والإرشاد للناس جميعا حكاما وغير حكام. ٤ - أعمال نثرية تتميز الأندلس بنفوذها إلى أعمال نثرية بديعة سقط كثير منها من يد الزمن، وبقيت منها إلى اليوم بقية رائعة، بين اعترافات عاطفية كما فى طوق الحمامة لابن حزم، وكتابات تاريخية كما فى المقتبس لابن حيان والذخيرة لابن بسام، ومذكرات لسيرة ذاتية كما فى مذكرات عبد الله بن بلقّين أمير غرناطة، وقصص خيالية فلسفية كقصة حى بن يقظان لابن طفيل، وحرى بنا أن نلم بهذه الأعمال فى كلمات مجملة.

стр. 4131

طوق الحمامة لابن حزم ابن حزم (١) هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم، من أسرة كانت تنتسب إلى جد فارسى من موالى بنى أمية وزعم ابن حيان أن أسرته إسبانية من عجم لبلة وأنها حديثة العهد بالإسلام، فجده الأدنى أول من أسلم من آبائه. ويبدو أنه لم يعرف جذور أسرته معرفة دقيقة، إذ تجمع كتب التراجم على سلسلة من النسب له، يتصل فيها أجداد مسلمون حتى ينتهوا به إلى جد فارسى أعلى كان مولى ليزيد بن أبى سفيان، ويقول صاحب المعجب إنه قرأ هذه السلسلة بخطه على ظهر كتاب من تصانيفه، ونصّ ابن حزم على نسبته الفارسية وولائه لبنى أمية قائلا: سما بى ساسان ودارا وبعدهم ... قريش العلا أعياصها والعنابس وهو فى الشطر الأول ينسب نفسه إلى دارا وملوك الفرس الساسانيين، وفى الشطر الثانى ينتمى بالولاء إلى بنى أمية، وكان لأمية ستة أبناء من العنابسة وخمسة من الأعياص. وسنعرف عما قليل عن ابن حزم كيف كان يأخذ نفسه بالصدق والتدين العميق، مع ما يضاف إلى ذلك من أنه لا يوجد أى مبرر لكى يرجّح نسبته إلى عجم الفرس على نسبته إلى عجم الإسبان، مع ما ضم إلى ذلك من اعترافه بالولاء لبنى أمية، وظل مشايعا لهم حتى الأنفاس الأخيرة من حياته، وربما كان ذلك ما أثار ابن حيان ضده، محاولا أن يخلعه من ولائه وولاء أبيه للأمويين.

стр. 4132

وكانت أسرة ابن حزم تعيش فى قرية تملكها تسمى منت ليشم من قرى مدينة لبلة على بعد خمسين كيلو مترا غربى إشبيلية، وبها ولد أبوه أحمد، ورحل منها مبكرا إلى قرطبة، ليحرز لنفسه ما استطاع من الثقافة، وسرعان ما لمع بين أقرانه بقدرته الأدبية وبلاغته ومعرفته بالتاريخ. وتعرّف عليه ابن أبى عامر حاجب الخليفة المؤيد أثناء الطلب والتلمذة، وكان يعجب به، فاتخذه وزيرا له سنة ٣٨١ مما جعله يسكن فى الجانب الشرقى من قرطبة بناحية الزاهرة مدينة أبى عامر ومجمع قصوره. وأقصاه فترة عن وزارته للنظر فى كور غربى الأندلس، ثم أعاده إلى الوزارة. وبلغ من ثقته به أن كان يستخلفه حين مغيبه عن قرطبة، ووزر من بعده لابنه عبد الملك المظفر. ورزقه الله بابنه على سنة ٣٨٤ ووكل تربيته فى صباه إلى جوارى قصره وكنّ على حظ كبير من الثقافة الأدبية-شأن أمثالهن من الجوارى فى قرطبة ومدن الأندلس-وفى ذلك يقول ابن حزم فى كتابه «الطوق»: «لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيرى، لأنى ربّيت فى حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا فى حدّ الشباب وحين أبقل وجهى (نبت الشعر فيه) وهنّ علّمننى القرآن وروّيننى كثيرا من الأشعار ودرّبننى فى الخط». وجعلته هذه النشأة يستشعر مبكرا عاطفة الحب لمن؟ ؟ ؟ كن فى سنه من الجوارى، ويقول فى الطوق إنه أحب حينئذ جارية شقراء فما استحسن بعدها سوداء الشعر أبدا. وظل يختلط بهؤلاء الجوارى ويعيش معهن كما يقول إلى حد الشباب وحتى أصبح يافعا فى سن الثانية عشرة أو بعدها بقليل إذ يذكر أن أباه اصطحبه إلى مجلس الحاجب المظفر بن المنصور بن أبى عامر سنة ٣٩٦. ولم يلبث أن أخذ يتتلمذ للشيوخ وفى مقدمتهم ابن الجسور المتوفى سنة ٤٠٠ وعنه أخذ الحديث النبوى وتاريخ الطبرى وكان لا يزال فى سن مبكرة. وكثيرا ما كان يرافق أباه فى مجلس وزارته ويستمع إلى مادحيه من الشعراء ويحفظ بعض أشعارهم، وكان أبوه لا يزال يسكن الجانب الشرقىّ من قرطبة، حتى إذا بدأت الفتنة الكبرى سنة ٣٩٩ رأى أن يتحول عن دوره المحدثة فى هذا الجانب إلى دورهم القديمة فى الجانب الغربى من قرطبة، وكان الخليفة المؤيد هشام قد عزل وأعيد سريعا، فاتهمه بمساعدته للثائرين ضده واعتقل وأغرم إغراما ماليا فادحا، وتوفى سنة ٤٠٢. وظل الفتى على فى هذه الأثناء يتابع دروسه على الشيوخ وقراءاته. ويتزوج من جارية له كلف بها تسمى نعما كانت غاية فى الحسن خلقا وخلقا، ولم يلبث القدر أن فجعه فيها وهو دون العشرين فالتاع لوعة شديدة، حتى ليقول إنه أقام بعدها سبعة أشهر لا يتجرد

стр. 4133

عن ثيابه حزنا عليها ولا تفتر له دمعة، ويقول إنه لم يطب له عيش بعدها. وكانت أحواله المادية قد تمادت فى السوء بعد وفاة أبيه ففارق قرطبة سنة ٤٠٤ إلى المرية عند حاكمها خيران أحد فتيان المنصور بن أبى عامر، ووشى به إليه فاعتقله أشهرا ثم ردّ إليه حريته فبارح المرية إلى حصن القصر وظل به أشهرا وغادره إلى بلنسية وأميريها مبارك والمظفر من فتيان العامريين، إذ سمع أنهما يشايعان أمويا بايعاه بالخلافة وتلقب بالمرتضى، فأسرع إليهما، ولم يلبث أن زحف معهما بالمرتضى إلى غرناطة للاستيلاء عليها سنة ٤٠٩ والانقضاض منها على قرطبة التى كانت قد أصبحت فى قبضة القاسم بن حمود. ولم يتحقق الحلم، فقد هزم المظفر ومبارك وقتل المرتضى. وعاد ابن حزم إلى قرطبة، ورأى دورهم وأكثر دور الأمويين والعامريين أصبحت أطلالا داثرة فبكاها طويلا، وتفرغ لالتهام العلوم من لغوية ودينية وفلسفية. وفى سنة ٤١٤ تولى زمام الخلافة صديقه المستظهر الأموى فاتخذه وزيرا له مع خدنه ابن شهيد، وسرعان ما يقتل المستظهر بعد نحو شهر ونصف من خلافته، ويعتقل الخليفة الجديد المستكفى ابن حزم فترة، وتردّ إليه سريعا حريته. وعرف ابن حزم أنه لم يخلق للسياسة، ففارقها إلى غير مآب، وانقضّ على المعارف من كل لون انقضاض الوحش على فريسته، بحيث أصبح أكبر عقل مفكر أهداه عصر أمراء الطوائف إلى الإسلام والعروبة، وفيه يقول ابن حيان: «كان حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب وأدب مع المشاركة فى كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة» ويقول ابن بشكوال فى كتابه الصلة: «كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه فى علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار» ويقول ابنه الفضل: إن مجموع مؤلفاته فى الفقه والحديث والأصول والتاريخ والنحل والملل والنسب والأدب والرد على معارضيه نحو أربعمائة مجلد فى قريب من ثمانين ألف ورقة. وبدأ حياته مالكيا ثم انتقل إلى مذهب الشافعى فترة ثم تركه فى أوائل الثلاثينيات من عمره إلى مذهب داود الظاهرى، وتنقل فى مدن الأندلس يناضل عنه ويكتب فيه بحيث أصبح إمامه الحقيقى، كما كان يناضل عن الإسلام أرباب الملل من اليهود والنصارى. وتتعدد مؤلفاته تعددا واسعا، منها فى الفقه كتاب الإبطال فى مناقشة الأصول الخمسة عند الشافعية والحنفية وهى القياس والرأى والتعليل والاستحسان والتقليد محاولا نصرة مذهبه الظاهرى، وكتاب الإيصال فى فقه الحديث وفيه يورد أقوال الصحابة والتابعين فى مسائل الفقه مع بيان الحجة لكل رأى،

стр. 4134

وكتاب المحلّى فى المذهب الشافعى، وكتاب مراتب الإجماع، وكتاب حجّة الوداع. ومنها فى التاريخ جوامع السيرة النبوية وكتاب جمهرة الأنساب ورسالة نقط العروس ورسالة فضل الأندلس وهى تسجل ما لعلمائها وأدبائها من مصنفات وأعمال. ومنها فى المنطق كتاب التقريب لحدوده. ومنها فى تاريخ الأديان كتابه «الفصل فى الملل والأهواء والنحل» وهو به يعد واضح علم المقارنة بين الأديان الذى لم يعرفه الغرب إلا فى منتصف القرن التاسع عشر، وفيه يبين بأدلة دامغة كيف حرّفت الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى مبطلا لآرائهم العقيدية، ويعرض فى تفصيل لأركان العقيدة الدينية القويمة (عقيدة الإسلام) من التوحيد والإيمان والوعد والوعيد والقدر والإمامة، مما انتفع به فيما بعد توماس الإكوينى فى كتابه خلاصة علوم الدين. ومن كتبه النفيسة فى الأصول كتابه الإحكام فى أصول الأحكام» ومرّ بنا فى الفصل الثانى أنه أشار فى مقدمته إلى القرابة اللغوية بين العربية والسريانية والعبرية وأن العربية الشمالية العدنانية لغة مضر وربيعة تخالف العربية الجنوبية لغة حمير اليمنية. وبذلك يعد-كما أسلفنا-واضع الأساس لعلم فقه اللغة المقارن فى العربية كما وضع علم الأديان المقارن قبل أن تعرفهما أوربا بقرون. ومن المؤكد أن كتبه كانت فى مقدمة الكتب التى عنيت مدرسة طليطلة منذ القرن الثالث عشر الميلادى بترجمتها إلى اللاتينية. وله رسائل كثيرة نشر منها الدكتور إحسان عباس طائفة، ومن أهم رسائله رسالته فى الأخلاق والسير ومداواة النفوس، وقد حققها الدكتور الطاهر مكى ونشرها بدار المعارف، وبها مبادئ تتصل بسيرته وسيرة الناس فى عصره، وفيها يصور الفضائل والرذائل الخلقية مضيفا إليها بعض اعترافات فى تواضع وإخلاص، ويبدو أنها مما ترجم من آثاره إلى اللاتينية، إذ نجد على مثالها أو قريبا منها مقالات فى الأخلاق لبيكون المعروف بصلته بترجمات طليطلة. وظل ابن حزم يطوف بمدن الأندلس ناشرا علمه ومذهبه الظاهرى فى الفقه، وله مناظرة مشهورة مع الفقيه المالكى أبى الوليد الباحى فى جزيرة ميورقة سنة ٤٥٢. وكان فقهاء المالكية لا يزالون ينفّرون من كتبه، مما جعل المعتضد بن عباد أمير إشبيلية يأمر بحرق طائفة منها لقصر نظره. ورأى بأخرة العودة إلى قرية آبائه منت ليشم، ويبدو أنه كان يعود إليها قبل ذلك كثيرا وبها توفى سنة ٤٥٦. وكتابه طوق الحمامة فى الألفة والألاف ألفه فى سكناه بشاطبة سنة ٤١٨ أو ٤١٩ وموضوعه دراسة الحب العذرى ويستهل حديثه فيه بأن الحب ظاهرة إنسانية لم يسلم منها حاكم ولا محكوم، ويعرفه بأنه اتصال بين أجزاء النفوس فى الطبيعة الإنسانية فى أصل

стр. 4135

عنصرها الرفيع ويريد به عالم النفوس العلوى قبل حلول النفوس فى الأجساد فى عالم الأرض السفلى. ويحدث هذا الاتصال حين يكون بين النفوس ائتلاف ومشاكلة فيكون الحب، أما إذا كان بينها انفصال وتباين فيكون البغض. والحب بذلك إنما يكون بين النفوس لا بين الأجسام. ويوزع ابن حزم كتابه على ثلاثين بابا، منها عشرة فى أصول الحب وعلاماته وصوره كمن أحب فى النوم أو بالوصف أو من نظرة واحدة أو مع المطاولة أو مع التعريض بالقول أو مع الإشارة بالعين أو بالمراسلة أو بالسفير والرسول. ومنها اثنا عشر بابا فى أعراض الحب المحمود والمذموم، وهى أبواب الصديق المساعد والوصل وطىّ السر والكشف أو الإذاعة والطاعة والمخالفة وحب صفة فى المحبوبة والقناعة والوفاء والغدر والضّنا والموت. ومنها ستة أبواب فى آفات الحب، وهى أبواب العاذل والرقيب والواشى والهجر والبين والسلو، ثم بابان فى قبح المعصية وفضل التعفف. وجميع هذه الأبواب تعرض لا فى كلام نظرى بل من خلال الواقع والتجربة والمشاهدة أو بعبارة أدق من خلال اعترافات صريحة منتهى الصراحة لابن حزم ومعاصريه عن الحب دون أى مواربة أو خجل يحجبان الحقيقة، فالحقيقة دائما مكشوفة كالشمس. وفى تضاعيف ذلك ما لا يكاد يحصى من حقائق النفس فى الحب وترهاتها، مع أشعار لابن حزم تصور تلك الحقائق. وكأنه كان يريد بالكتاب تربية الفتاة والفتى بالأندلس موطنه ليكون حبهما حبّا نقيّا بريئا من كل دنس. ومن اعترافاته عن نفسه فى الحب قوله فى باب السلو: «وإنى لأخبرك عنى أنى ألفت فى أيام صباى ألفة المحبة جارية نشأت فى دارنا، وكانت فى ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما، وكانت غاية فى حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ودماثتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، فقيدة الذّام (١)، قليلة الكلام، غضيضة البصر، شديدة الحذر، نقيّة من العيوب، دائمة القطوب (٢)، حلوة الإعراض، مطبوعة الانقباض. . لا تقف المطامع عليها، ولا معرّس (٣) للأمل لديها. . على أنها كانت تحسن العود إحسانا جيدا، فجنحت إليها، وأحببتها حبّا مفرطا شديدا، فسعيت عامين أو نحوهما-أن تجيبنى بكلمة، وأسمع من فمها لفظة، غير ما يقع فى الحديث الظاهر إلى كل سامع-بأبلغ السعى، فما وصلت إلى شئ من ذلك البتة فلعهدى بمصطنع (٤) كان فى دارنا. . تجمعت فيه دخلتنا (٥) ودخلة أخى: من النساء ونساء فتياننا ومن لاث (٦) بنا من خدمنا ممن يخفّ موضعه ويلطف محله، فلبثن صدرا من
следующие страницы →