← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

طوق الحمامة لابن حزم ابن حزم (١) هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم، من أسرة كانت تنتسب إلى جد فارسى من موالى بنى أمية وزعم ابن حيان أن أسرته إسبانية من عجم لبلة وأنها حديثة العهد بالإسلام، فجده الأدنى أول من أسلم من آبائه. ويبدو أنه لم يعرف جذور أسرته معرفة دقيقة، إذ تجمع كتب التراجم على سلسلة من النسب له، يتصل فيها أجداد مسلمون حتى ينتهوا به إلى جد فارسى أعلى كان مولى ليزيد بن أبى سفيان، ويقول صاحب المعجب إنه قرأ هذه السلسلة بخطه على ظهر كتاب من تصانيفه، ونصّ ابن حزم على نسبته الفارسية وولائه لبنى أمية قائلا: سما بى ساسان ودارا وبعدهم ... قريش العلا أعياصها والعنابس وهو فى الشطر الأول ينسب نفسه إلى دارا وملوك الفرس الساسانيين، وفى الشطر الثانى ينتمى بالولاء إلى بنى أمية، وكان لأمية ستة أبناء من العنابسة وخمسة من الأعياص. وسنعرف عما قليل عن ابن حزم كيف كان يأخذ نفسه بالصدق والتدين العميق، مع ما يضاف إلى ذلك من أنه لا يوجد أى مبرر لكى يرجّح نسبته إلى عجم الفرس على نسبته إلى عجم الإسبان، مع ما ضم إلى ذلك من اعترافه بالولاء لبنى أمية، وظل مشايعا لهم حتى الأنفاس الأخيرة من حياته، وربما كان ذلك ما أثار ابن حيان ضده، محاولا أن يخلعه من ولائه وولاء أبيه للأمويين.

стр. 4132

وكانت أسرة ابن حزم تعيش فى قرية تملكها تسمى منت ليشم من قرى مدينة لبلة على بعد خمسين كيلو مترا غربى إشبيلية، وبها ولد أبوه أحمد، ورحل منها مبكرا إلى قرطبة، ليحرز لنفسه ما استطاع من الثقافة، وسرعان ما لمع بين أقرانه بقدرته الأدبية وبلاغته ومعرفته بالتاريخ. وتعرّف عليه ابن أبى عامر حاجب الخليفة المؤيد أثناء الطلب والتلمذة، وكان يعجب به، فاتخذه وزيرا له سنة ٣٨١ مما جعله يسكن فى الجانب الشرقى من قرطبة بناحية الزاهرة مدينة أبى عامر ومجمع قصوره. وأقصاه فترة عن وزارته للنظر فى كور غربى الأندلس، ثم أعاده إلى الوزارة. وبلغ من ثقته به أن كان يستخلفه حين مغيبه عن قرطبة، ووزر من بعده لابنه عبد الملك المظفر. ورزقه الله بابنه على سنة ٣٨٤ ووكل تربيته فى صباه إلى جوارى قصره وكنّ على حظ كبير من الثقافة الأدبية-شأن أمثالهن من الجوارى فى قرطبة ومدن الأندلس-وفى ذلك يقول ابن حزم فى كتابه «الطوق»: «لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيرى، لأنى ربّيت فى حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا فى حدّ الشباب وحين أبقل وجهى (نبت الشعر فيه) وهنّ علّمننى القرآن وروّيننى كثيرا من الأشعار ودرّبننى فى الخط». وجعلته هذه النشأة يستشعر مبكرا عاطفة الحب لمن؟ ؟ ؟ كن فى سنه من الجوارى، ويقول فى الطوق إنه أحب حينئذ جارية شقراء فما استحسن بعدها سوداء الشعر أبدا. وظل يختلط بهؤلاء الجوارى ويعيش معهن كما يقول إلى حد الشباب وحتى أصبح يافعا فى سن الثانية عشرة أو بعدها بقليل إذ يذكر أن أباه اصطحبه إلى مجلس الحاجب المظفر بن المنصور بن أبى عامر سنة ٣٩٦. ولم يلبث أن أخذ يتتلمذ للشيوخ وفى مقدمتهم ابن الجسور المتوفى سنة ٤٠٠ وعنه أخذ الحديث النبوى وتاريخ الطبرى وكان لا يزال فى سن مبكرة. وكثيرا ما كان يرافق أباه فى مجلس وزارته ويستمع إلى مادحيه من الشعراء ويحفظ بعض أشعارهم، وكان أبوه لا يزال يسكن الجانب الشرقىّ من قرطبة، حتى إذا بدأت الفتنة الكبرى سنة ٣٩٩ رأى أن يتحول عن دوره المحدثة فى هذا الجانب إلى دورهم القديمة فى الجانب الغربى من قرطبة، وكان الخليفة المؤيد هشام قد عزل وأعيد سريعا، فاتهمه بمساعدته للثائرين ضده واعتقل وأغرم إغراما ماليا فادحا، وتوفى سنة ٤٠٢. وظل الفتى على فى هذه الأثناء يتابع دروسه على الشيوخ وقراءاته. ويتزوج من جارية له كلف بها تسمى نعما كانت غاية فى الحسن خلقا وخلقا، ولم يلبث القدر أن فجعه فيها وهو دون العشرين فالتاع لوعة شديدة، حتى ليقول إنه أقام بعدها سبعة أشهر لا يتجرد

стр. 4133

عن ثيابه حزنا عليها ولا تفتر له دمعة، ويقول إنه لم يطب له عيش بعدها. وكانت أحواله المادية قد تمادت فى السوء بعد وفاة أبيه ففارق قرطبة سنة ٤٠٤ إلى المرية عند حاكمها خيران أحد فتيان المنصور بن أبى عامر، ووشى به إليه فاعتقله أشهرا ثم ردّ إليه حريته فبارح المرية إلى حصن القصر وظل به أشهرا وغادره إلى بلنسية وأميريها مبارك والمظفر من فتيان العامريين، إذ سمع أنهما يشايعان أمويا بايعاه بالخلافة وتلقب بالمرتضى، فأسرع إليهما، ولم يلبث أن زحف معهما بالمرتضى إلى غرناطة للاستيلاء عليها سنة ٤٠٩ والانقضاض منها على قرطبة التى كانت قد أصبحت فى قبضة القاسم بن حمود. ولم يتحقق الحلم، فقد هزم المظفر ومبارك وقتل المرتضى. وعاد ابن حزم إلى قرطبة، ورأى دورهم وأكثر دور الأمويين والعامريين أصبحت أطلالا داثرة فبكاها طويلا، وتفرغ لالتهام العلوم من لغوية ودينية وفلسفية. وفى سنة ٤١٤ تولى زمام الخلافة صديقه المستظهر الأموى فاتخذه وزيرا له مع خدنه ابن شهيد، وسرعان ما يقتل المستظهر بعد نحو شهر ونصف من خلافته، ويعتقل الخليفة الجديد المستكفى ابن حزم فترة، وتردّ إليه سريعا حريته. وعرف ابن حزم أنه لم يخلق للسياسة، ففارقها إلى غير مآب، وانقضّ على المعارف من كل لون انقضاض الوحش على فريسته، بحيث أصبح أكبر عقل مفكر أهداه عصر أمراء الطوائف إلى الإسلام والعروبة، وفيه يقول ابن حيان: «كان حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب وأدب مع المشاركة فى كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة» ويقول ابن بشكوال فى كتابه الصلة: «كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه فى علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار» ويقول ابنه الفضل: إن مجموع مؤلفاته فى الفقه والحديث والأصول والتاريخ والنحل والملل والنسب والأدب والرد على معارضيه نحو أربعمائة مجلد فى قريب من ثمانين ألف ورقة. وبدأ حياته مالكيا ثم انتقل إلى مذهب الشافعى فترة ثم تركه فى أوائل الثلاثينيات من عمره إلى مذهب داود الظاهرى، وتنقل فى مدن الأندلس يناضل عنه ويكتب فيه بحيث أصبح إمامه الحقيقى، كما كان يناضل عن الإسلام أرباب الملل من اليهود والنصارى. وتتعدد مؤلفاته تعددا واسعا، منها فى الفقه كتاب الإبطال فى مناقشة الأصول الخمسة عند الشافعية والحنفية وهى القياس والرأى والتعليل والاستحسان والتقليد محاولا نصرة مذهبه الظاهرى، وكتاب الإيصال فى فقه الحديث وفيه يورد أقوال الصحابة والتابعين فى مسائل الفقه مع بيان الحجة لكل رأى،

стр. 4134

وكتاب المحلّى فى المذهب الشافعى، وكتاب مراتب الإجماع، وكتاب حجّة الوداع. ومنها فى التاريخ جوامع السيرة النبوية وكتاب جمهرة الأنساب ورسالة نقط العروس ورسالة فضل الأندلس وهى تسجل ما لعلمائها وأدبائها من مصنفات وأعمال. ومنها فى المنطق كتاب التقريب لحدوده. ومنها فى تاريخ الأديان كتابه «الفصل فى الملل والأهواء والنحل» وهو به يعد واضح علم المقارنة بين الأديان الذى لم يعرفه الغرب إلا فى منتصف القرن التاسع عشر، وفيه يبين بأدلة دامغة كيف حرّفت الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى مبطلا لآرائهم العقيدية، ويعرض فى تفصيل لأركان العقيدة الدينية القويمة (عقيدة الإسلام) من التوحيد والإيمان والوعد والوعيد والقدر والإمامة، مما انتفع به فيما بعد توماس الإكوينى فى كتابه خلاصة علوم الدين. ومن كتبه النفيسة فى الأصول كتابه الإحكام فى أصول الأحكام» ومرّ بنا فى الفصل الثانى أنه أشار فى مقدمته إلى القرابة اللغوية بين العربية والسريانية والعبرية وأن العربية الشمالية العدنانية لغة مضر وربيعة تخالف العربية الجنوبية لغة حمير اليمنية. وبذلك يعد-كما أسلفنا-واضع الأساس لعلم فقه اللغة المقارن فى العربية كما وضع علم الأديان المقارن قبل أن تعرفهما أوربا بقرون. ومن المؤكد أن كتبه كانت فى مقدمة الكتب التى عنيت مدرسة طليطلة منذ القرن الثالث عشر الميلادى بترجمتها إلى اللاتينية. وله رسائل كثيرة نشر منها الدكتور إحسان عباس طائفة، ومن أهم رسائله رسالته فى الأخلاق والسير ومداواة النفوس، وقد حققها الدكتور الطاهر مكى ونشرها بدار المعارف، وبها مبادئ تتصل بسيرته وسيرة الناس فى عصره، وفيها يصور الفضائل والرذائل الخلقية مضيفا إليها بعض اعترافات فى تواضع وإخلاص، ويبدو أنها مما ترجم من آثاره إلى اللاتينية، إذ نجد على مثالها أو قريبا منها مقالات فى الأخلاق لبيكون المعروف بصلته بترجمات طليطلة. وظل ابن حزم يطوف بمدن الأندلس ناشرا علمه ومذهبه الظاهرى فى الفقه، وله مناظرة مشهورة مع الفقيه المالكى أبى الوليد الباحى فى جزيرة ميورقة سنة ٤٥٢. وكان فقهاء المالكية لا يزالون ينفّرون من كتبه، مما جعل المعتضد بن عباد أمير إشبيلية يأمر بحرق طائفة منها لقصر نظره. ورأى بأخرة العودة إلى قرية آبائه منت ليشم، ويبدو أنه كان يعود إليها قبل ذلك كثيرا وبها توفى سنة ٤٥٦. وكتابه طوق الحمامة فى الألفة والألاف ألفه فى سكناه بشاطبة سنة ٤١٨ أو ٤١٩ وموضوعه دراسة الحب العذرى ويستهل حديثه فيه بأن الحب ظاهرة إنسانية لم يسلم منها حاكم ولا محكوم، ويعرفه بأنه اتصال بين أجزاء النفوس فى الطبيعة الإنسانية فى أصل

стр. 4135

عنصرها الرفيع ويريد به عالم النفوس العلوى قبل حلول النفوس فى الأجساد فى عالم الأرض السفلى. ويحدث هذا الاتصال حين يكون بين النفوس ائتلاف ومشاكلة فيكون الحب، أما إذا كان بينها انفصال وتباين فيكون البغض. والحب بذلك إنما يكون بين النفوس لا بين الأجسام. ويوزع ابن حزم كتابه على ثلاثين بابا، منها عشرة فى أصول الحب وعلاماته وصوره كمن أحب فى النوم أو بالوصف أو من نظرة واحدة أو مع المطاولة أو مع التعريض بالقول أو مع الإشارة بالعين أو بالمراسلة أو بالسفير والرسول. ومنها اثنا عشر بابا فى أعراض الحب المحمود والمذموم، وهى أبواب الصديق المساعد والوصل وطىّ السر والكشف أو الإذاعة والطاعة والمخالفة وحب صفة فى المحبوبة والقناعة والوفاء والغدر والضّنا والموت. ومنها ستة أبواب فى آفات الحب، وهى أبواب العاذل والرقيب والواشى والهجر والبين والسلو، ثم بابان فى قبح المعصية وفضل التعفف. وجميع هذه الأبواب تعرض لا فى كلام نظرى بل من خلال الواقع والتجربة والمشاهدة أو بعبارة أدق من خلال اعترافات صريحة منتهى الصراحة لابن حزم ومعاصريه عن الحب دون أى مواربة أو خجل يحجبان الحقيقة، فالحقيقة دائما مكشوفة كالشمس. وفى تضاعيف ذلك ما لا يكاد يحصى من حقائق النفس فى الحب وترهاتها، مع أشعار لابن حزم تصور تلك الحقائق. وكأنه كان يريد بالكتاب تربية الفتاة والفتى بالأندلس موطنه ليكون حبهما حبّا نقيّا بريئا من كل دنس. ومن اعترافاته عن نفسه فى الحب قوله فى باب السلو: «وإنى لأخبرك عنى أنى ألفت فى أيام صباى ألفة المحبة جارية نشأت فى دارنا، وكانت فى ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما، وكانت غاية فى حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ودماثتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، فقيدة الذّام (١)، قليلة الكلام، غضيضة البصر، شديدة الحذر، نقيّة من العيوب، دائمة القطوب (٢)، حلوة الإعراض، مطبوعة الانقباض. . لا تقف المطامع عليها، ولا معرّس (٣) للأمل لديها. . على أنها كانت تحسن العود إحسانا جيدا، فجنحت إليها، وأحببتها حبّا مفرطا شديدا، فسعيت عامين أو نحوهما-أن تجيبنى بكلمة، وأسمع من فمها لفظة، غير ما يقع فى الحديث الظاهر إلى كل سامع-بأبلغ السعى، فما وصلت إلى شئ من ذلك البتة فلعهدى بمصطنع (٤) كان فى دارنا. . تجمعت فيه دخلتنا (٥) ودخلة أخى: من النساء ونساء فتياننا ومن لاث (٦) بنا من خدمنا ممن يخفّ موضعه ويلطف محله، فلبثن صدرا من

стр. 4136

النهار ثم تنقّلن إلى قصبة (١) كانت فى دارنا مشرفة على بستان الدار، ويطّلع منها على قرطبة وفحوصها (٢) مفتّحة الأبواب، فصرن ينظرن من خلال الشراجيب (٣) وأنا بينهن. وإنى لأذكر أنى كنت أقصد نحو الباب الذى هى فيه، أنسا بقربها، متعرّضا للدنوّ منها، فما هى إلا أن ترانى فى جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره مع لطف الحركة. فأتعمدّ أنا القصد إلى الباب الذى صارت إليه، فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزّوال (٤) إلى غيره. وكانت قد علمت كلفى بها، ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه، لأنهن كن عددا كثيرا، وكن ينتقلن من باب إلى باب بسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطّلع من غيرها عليها. واعلم أن قيافة (٥) النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج (٦) فى الآثار. ثم نزلن إلى البستان، فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيداتها فى سماع غنائها، فأمرتها، فأخذت العود، وسوّته بخفر وخجل لا عهد لى بمثله، وإن الشئ ليتضاعف حسنه فى عين مستحسنه، ثم اندفعت تغنى بأبيات للعباس بن الأحنف. . ولعمرى لكأن المضراب كان يقع على قلبى، وما نسيت ذلك اليوم، ولا أنساه إلى يوم مفارقتى الدنيا». ويمضى ابن حزم فيذكر أن خطوب الفتنة الكبرى بقرطبة فرّقت بينه وبين هذه الجارية إلى أن رآها بعد بضع سنوات فى جنازة لبعض أهله باكية نادبة، فأثارت فيه وجدا دفينا وحركت ساكنا وذكّرته عهدا قديما وحبّا تليدا ودهرا ماضيا وجدّدت أحزانه، وما كان نسى، وزاد الشّجا وتوقّدت اللوعة. واضطرّ إلى فراق قرطبة سنة ٤٠٤ فغابت عن بصره نحو خمسة أعوام، وعاد فنزل على بعض أهله فرآها وما كاد يميّزها فقد غاض الحسن وذهبت نضارتها لفقدها الصيانة التى كانت لها فى قصر أبيه وأيام عزّه، ويقول إنه مع ذلك لو أنالته أقلّ وصل وأنست له بعض الأنس لجنّ طربا أو لمات فرحا، غير أن هذا النفار منها هو الذى أتاح له الصبر والسّلوى مع ما ظل يطوى فى نفسه من عذاب حبه وآلامه. وبمثل هذا التصوير الواقعى القصصى الصريح المرسل فى غير تكلف لسجع أو غير سجع يتحدث ابن حزم عن الحب العذرى العفيف وتجاربه فيه وتجارب معاصريه وما له

стр. 4137

من سلطان على النفوس وما يثير فيها من آلام وشكوك، وما له من ضحايا، وما يحدث فيه من العتاب والخصام والصلح والتواعد على اللقاء ومن الهجر والخداع والغدر والسلوان إلى غير ذلك مما يتعثر أهل الهوى فى شباكه. وفى حديثه عن السعادة بالوصل يقول إنه «الحياة المجدّدة» ويقول الدكتور الطاهر مكى فى هامش تحقيقه للكتاب إن هذه العبارة لفتت عامة المستشرقين لأنها تتطابق مع نفس العنوان الذى اختاره دانتى الإيطالى (١٢٦٥ - ١٣٢١ م) لكتابه La Vita Nova الرائع، وهو على غرار طوق الحمامة، طاقة طريفة من أقاصيص الحب ومقطعات الشعر والتحليل النفسى الخلقى مما يؤكد معرفته بالطوق. ولا يشك آسين بلاسيوس-كما ذكر بالنثيا-فى معرفة دانتى بالتراث الأدبى الأندلسى، ويشير الدكتور الطاهر مكى أيضا فى هوامش الكتاب إلى تأثير بعض موضوعاته فى الروايات الإسبانية. ويذكر ابن حزم قصة فى باب «القنوع من المحبوب بأى شئ» عن امرأة فى صقلية شاهدت شابا فى غاية الجمال بأحد المتنزهات، فسارت خلفه تنظر إليه، فلما بعد أتت إلى المكان الذى أثر فيه مشيه وجعلت تقبل الأرض فى مواقع قدميه، ويقول بالنثيا إن شاعرهم الإسبانى المبدع «ماثياس» حاكى هذه القصة بنفس الصنيع. ويبدو أنه كان لطوق الحمامة ترجمة لاتينية مبكرة وأخرى إلى الإسبانية. كتابة التاريخ والتراجم الأدبية (أ) المقتبس لابن حيان هو أبو مروان (١) حيان بن خلف بن حيان، وقد وزر خلف للمنصور بن أبى عامر (٣٦٦ - ٣٩٢ هـ) وبعد وفاته وزر لابنه المظفر عبد الملك (٣٩٢ - ٣٩٩ هـ) وظل بقرطبة طوال اندلاع فتنتها (٣٩٩ - ٤٢٢ هـ). وتوفى سنة ٤٢٧. ورزق بابنه حيان سنة ٣٧٧ وعنى بتربيته، ويذكر ابن بشكوال فى كتابه الصلة من شيوخه ثلاثة هم الفقيه المحدث عمر بن نابل واللغوى النحوى ابن أبى الحباب والعالم اللغوى المشهور صاعد البغدادى وجميعهم توفوا بين سنتى ٤٠٠ و ٤٠٣ للهجرة، مما يدل على أن ابن حيان اكتملت له ثقافته وهو فى نحو العشرين، وكان منهوما بقراءة الكتب فعكف عليها يستوعبها وخاصة

стр. 4138

كتب التاريخ. وظل بعد وفاة أبيه لا يبرح قرطبة حتى وفاته سنة ٤٦٩ وليس بين أيدينا ما يدل على أنه عمل فى دواوين الدولة حتى نهاية عهد أبى الحزم جهور سنة ٤٣٥. ويبدو أنه كان له ولأبيه من قبله ما كفل لهما الحياة الكريمة، ونرى أبا الوليد حين يخلف أباه جهورا يلحقه بدواوينه ويفرض له راتبا واسعا. وذكر مترجموه أنه لقّب بلقب صاحب الشرطة، واستظهر الدكتور محمود مكى أن يكون هذا اللقب أسبغ عليه رسميا فقط دون أن يتولى القيام على الشرطة بقرطبة. وحين قسم أبو الوليد بن جهور الحكم فى إمارته قرطبة بين ولديه عبد الملك وعبد الرحمن، وجعل لعبد الملك أمر قرطبة نفسها، وكان سئ التدبير حاصره المأمون بن ذى النون أمير طليطلة، مما جعله يستنجد بالمعتمد بن عباد أمير إشبيلية، وانتهز المعتمد الفرصة فاستولى على تلك الإمارة سنة ٤٦٣ ونفى منها أبا الوليد وابنيه عبد الملك وعبد الرحمن كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ونرى ابن حيان يهنئه بهذا الفتح، كما نراه يوثق علاقته بأبى بكر بن زيدون وزير المعتمد، وفى الذخيرة رسالة له يشكره فيها على ما أرسله إليه من القمح والزيت والدهن، وظلت العلاقة وثيقة بينهما إلى وفاة ابن حيان. ويذكر له الدكتور محمود مكى ثلاثة كتب تاريخية بجانب المقتبس هى: ١ - أخبار الدولة العامرية: دولة المنصور وابنيه المظفر عبد الملك والناصر. ٢ - كتاب المتين ويبتدئ بتاريخ الفتنة سنة ٣٩٩ إلى نحو سنة ٤٦٣. ٣ - وكتاب البطشة الكبرى وهو فى خلع المعتمد بن عباد لأبى الوليد بن جهور عن قرطبة ونفيه مع ولديه عبد الملك وعبد الرحمن إلى جزيرة شلطيش فى الجنوب الغربى للأندلس. ونظن ظنا أن أخبار الدولة العامرية لم تكن كتابا مستقلا عن كتاب المتين، بل كانت أجزاؤه الأولى، وبالمثل كتاب البطشة الكبرى كان جزءا فى كتاب المتين، إذ يقال إنه كان فى ستين مجلدة. وكأن ابن حيان إنما كان له فى رأينا كتابان فى تاريخ الأندلس كتاب المقتبس وكتاب المتين، وقد سقط كتاب المتين من يد الزمن بسبب ضخامة حجمه، وفى كتاب الذخيرة والجزء الثالث من البيان المغرب لابن عذارى والمغرب لابن سعيد وكتب ابن الأبار نقول منه كثيرة. وبقيت من المقتبس خمس قطع أو قل خمسة أجزاء: جزء يضم إمارة الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) وشطرا من إمارة ابنه عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) وقد تملكه المستشرق بروقنسال ورجع إليه مرارا فى كتابه «تاريخ

стр. 4139

إسبانيا الإسلامية» ومصير هذا الجزء بعد موت بروقنسال غير معروف. وجزء ثان يضم بقية إمارة عبد الرحمن الأوسط وابنه محمد (٢٣٨ - ٢٧٤ هـ) نشره الدكتور محمود مكى ببيروت. وجزء ثالث يضم إمارة عبد الله بن محمد (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) نشره الراهب ملتشور أنطونيا بباريس، ويعيد نشره الآن الدكتور مكى. وجزء رابع نشر بمدريد باسم الجزء الخامس نشره شالميتا مستعينا بكورينطى وصبح، ويضم الشطر الأكبر من خلافة عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ). ثم جزء فى أحداث خمس سنوات من خلافة المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) نشره ببيروت الدكتور عبد الرحمن الحجى. ويتميز ابن حيان فى المقتبس بأنه يضم فى تاريخ كل حاكم أموى إلى الأحداث المرتبة على السنوات معلومات مهمة عن شخصية الحاكم والأحوال الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية فى عهده مع تراجم مفصلة للوزراء فى أيامه وللقواد والقضاة والعلماء والكتاب والشعراء. وبذلك يجمع المقتبس تاريخ الأندلس الثقافى والاجتماعى والعمرانى والاقتصادى إلى تاريخها السياسى. ونذكر قطعة من حديث ابن حيان فى الجزء الخاص بالناصر عن غزوته لمدينة بنبلونة قاعدة مملكة نبارّة فى بلاد البشكنس. «فى سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة غزا الخليفة الناصر لدين الله إلى دار الحرب- دمّرها الله-غزوته المعروفة ببنبلونة: بلد أعداء الله الكفرة البشكنس، وسلك فى سفره هذا طريق الشرق، وتمنّع من النزول إليه والغزو معه محمد بن عبد الرحمن، وكان بمدينة العسكر من أحواز (١) بلنسية، فنازل حصونه ووطئ بساطه وأوقع به. . ودخل بجموعه بلاد المشركين بنبلونة بأنفذ عزم وأوكد حزم وأقوى نيّة فى الانتقام لله تعالى ولدينه من الأرجاس (٢) الكفرة واحتلّ من أول بلدهم حصن قلهرّة، وكان العلج شانجه (٣) أميرهم-لعنه الله-قد أخلاه فأمر بهدمه وإحراق جميع ما فيه. ثم انتقل منه إلى موضع يعرف بقنطرة ألبة وكانت حوله حصون منيعة قد أخلاها الكفرة، وخلّفوا فى بسائطها (٤) جميع أمتعتهم وأطعمتهم، إذ أعجلوا عن انتقالها ولجأ علوج منهم بأهليهم وأولادهم إلى ثلاثة غيران (٥) فى شفير جرف (٦) على النهر، فلم يزل المسلمون

стр. 4140

يتوقّلون (١) إليهم فيها، ويتسوّرون (٢) عليهم من أعاليها، حتى فتح الله تلك الغيران عليهم، فقتلوا العلوج وسبوا الذّرارى وغنموا الأمتعة، وهدمت حصون الكفرة التى كانت فى تلك الجهة، فلم يبق فيها صخرة قائمة. ثم تنقّل الناصر لدين الله من هذه المحلّة (٣) بعد أن أقام فيها يوما إلى حصن فالجش فأضرمت نارا أرباضه (٤) واستقصيت زروعه ونعمه بالنّسف والاستئصال. . ثم استعزم على الإيغال فى بلد الكفرة والاقتحام لسرواته (٥) والتوصل إلى موضع قرارهم ومجتمع كفارهم ونكايتهم فى عقر (٦) دارهم ومكان أمنهم. . وأمر بتعبئة الكتائب وترتيب المقانب (٧) وشكّ (٨) العسكر. . وارتحل الناصر لدين الله بين أجبل (٩) شامخة، وشواهق منقطعة، والجيوش لا تمرّ بموضع إلا اصطلمته (١٠) ونسفت زروعه، وأفسدت ما لم يستوف أكله وهدمت قراه وحصونه، إلى أن بلغ مدينة بنبلونة التى إليها ينسب الإقليم، فأصابها خالية مقفرة، فدخلها الناصر لدين الله بنفسه وجال فى ساحاتها وأمر بهدم جميع مبانيها وتخريب كنيسة الكفرة المعظّمة وموضع بيعتهم (١١) ومكان منسكهم فجمعت الأيدى عليها، حتى جعلت قاعا صفصفا. (١٢) وتنقل الناصر لدين الله، وكان فى ممرّه فجّ (١٣) ضيق المسالك وعر المجاز. . وتظاهر (١٤) أعداء الله لأهل الساقة (١٥) متسنّمين (١٦) فى جبل شاهق، ملتمسين الفرصة، فنهضت الخيل إليهم سريعا، فكشفتهم وهزمتهم، وقتلت طائفة منهم، فانقشعوا (١٧) مدبرين لائنين لا يلوون ولا يعرّجون، وتقدّم المسلمون بعزّة القهر وسورة (١٨) النصر». وبهذا الأسلوب الأدبى الخافق بالحيوية البارع فى تصوير المواقع الحربية يمضى ابن حيان فى المقتبس وغيره من كتبه التاريخية، وكأنه يستمد من معين لغوى وأدبى لا ينضب،

стр. 4141

معين يرفده بكل ما يريد من كلم ومن صور دالّة بحيث يستوى له نسق أسلوب محكم بألفاظه التى يرصفها فى يسر متلاحقة بجزالتها ورصانتها ونصاعتها وأى نصاعة؟ لكأنما كانت الألفاظ مختبئة فى أكمامها اللغوية الأدبية، حتى جاء ابن حيّان، فتفتحت له أكمامها وانقادت إليه مهيّئة له هذه الرّوعة فى اختيارها ونسج تعبيراتها مع الرونق الذى يلذ العقل والشعور، وهو رونق لا يستعين عليه بشئ من تزاويق المحسنات البديعية التى أخذ يصطنعها بعض كتّاب عصره، ولا شئ من السجع إلا ما جاء عفوا، مثله فى ذلك مثل ابن شهيد وابن حزم ولا إفراط فى السرد التاريخى ولا تفريط، بل سرد مقتصد يؤدى المعانى بدقة، مع إحكام التصوير النفسى والاجتماعى لمن يترجم لهم من الأمراء والوزراء والقضاة وأصحاب المناصب الرفيعة والنساء والجوارى. ودائما يذكر بجانب محاسن الشخصية ومناقبها ما قد سجّل عليها من معايب ومساوئ. وكثيرا ما يسوق قصصا ممتعة تتممّ ملامح الشخصية أو تخفّف عن القارئ جفاف التاريخ على نحو ما يلقانا فى الصفحات الأولى من الجزء الخاص بالناصر وحديثه فى مطلعه عن حظيّته مرجان أم ولى عهده المستنصر وكيف سلبته من ابنة عمه الحرّة وأوقعتها فى شباك سخطه بدهائها ومكرها حتى منتهى حياتها. وهى قصة طريفة بما تصور من مكر النساء وكيدهن وما يتخذن لذلك من بعض الحيل الخادعة. وفى الحق أن كتابات ابن حيان فى المقتبس وغيره طراز من الكتابة التاريخية الأدبية لا مثيل له قبله ولا بعده. (ب) الذخيرة لابن بسام هو أبو الحسن على (١) بن بسام التّغلبى الشنترينى من شنترين فى أقصى الغرب على نهر تاجه بالقرب من مصبه فى المحيط الأطلسى عند أشبونة، ولد بها قبيل سنة ٤٦٠ لأسرة على شئ من اليسار، وعنى بتربيته أبوه، وتفتحت موهبته الأدبية مبكرة، ونراه فى صحبة من ببلدته من الأدباء ومن يحيطون بالمتوكل أمير بطليوس عاصمة إقليمه

стр. 4142

والوافدين عليه الملمين به مثل الشاعر ابن عبدون، وله معهم مطارحات. وينزل أشبونه سنة ٤٧٧ ويلتقى بأديبها ابن الدودين ويكتب عنه طائفة من نظمه ونثره، مما يدل على أنه أخذ يشغف بالتعرف على أدباء موطنه منذ شبابه وتدوين بعض أشعارهم ورسائلهم. وأكثر نصارى الشمال من الإغارة على بلدته، مما جعله يهاجر منها-كما ذكر فى مقدمته للذخيرة-مروّع السّرب، بعد أن استنفد الطريف والتّلاد، مما اضطره إلى التقلب فى البلاد. ولم يتجه إلى عاصمة إقليمه بطليوس، وإنما اتجه إلى إشبيلية عاصمة بنى عباد، وبها كان أكبر حشد حافل بالأندلس حينئذ من الكتاب والشعراء، ويقول ابن سعيد فى كتابه الرايات إنه اتخذها موطنا له، ويذكر ابن بسام إنه خدم فى بعض أعمالها السلطانية، ولعله بدأ ذلك بأخرة من عهد المعتمد بن عباد. ولم يلبث أن أظله فيها عهد المرابطين وأميرها ابن أخى يوسف بن تاشفين الذى مهد له سلطانه على الأندلس: سير بن أبى بكر، وقد ظل يلى إشبيلية-فيما يقال-سبعة وعشرين عاما. ويشيد ابن بسّام فى مقدمته للذخيرة بعهده وبما أسبغ عليه وعلى الأدباء من العطاء الوفر، ولم يسمّه، ولكن من الواضح أن هذا الثناء المستطاب على من خلف فى حكم إشبيلية والبلاد إنما يريد به سير بن أبى بكر. ويقول إنه قدّم إلى حضرته الذخيرة مطرّزا لها باسمه حتى تجوب به الآفاق. ويبدو أنه كان يترك إشبيلية فترات، ثم يعود إليها من حين إلى حين كما يبدو أنه استعفى من الأعمال السلطانية منذ أخذ يجمع عزمه على تحرير الذخيرة مكتفيا بما كان يغدقه عليه الكتاب والشعراء ممن يريدون أن يحظوا بشرف ذكرهم فيها وما وفّره من بيع نسخها أو إهدائها لهواة الأدب ومحبيه، ولا شك فى أن سير بن أبى بكر أعطاه فى نسخته مبلغا ضخما من المال، أكبر الظن أنه كفل له عيشة طيبة إلى أن توفى سنة ٥٤٢ للهجرة. وكتاب الذخيرة حققه الدكتور إحسان عباس فى ثمانية مجلدات، وقد ترجم فيه ابن بسام لشعراء عصر أمراء الطوائف وأوائل عصر المرابطين وكتّابهما ترجمات ضافية، وشفع ذلك بأخبار سياسية واجتماعية عن الأمراء والحكام وأهل الأندلس ومعاركهم مع نصارى الشمال. وقسم الكتاب أربعة أقسام: قسم لقرطبة وما يصاقبها من موسطة الأندلس، وقسم لإشبيلية وأهل الجانب الغربى حتى ساحل البحر المحيط، وقسم لأهل الجانب الشرقى من دانية وبلنسية إلى الثغر الأعلى، ثم قسم رابع خاص بالوافدين على جزيرة الأندلس من المشرق والبلاد المغربية. وهو حين يعرض كاتبا أو شاعرا أو أميرا أو وزيرا لا يكتفى بكلمات مجملة أو مقتطفات شعرية ونثرية قليلة بل يعمد إلى التفصيل وذكر الدقائق مستعينا بمؤرخ عصر الطوائف ابن حيان فى كتابه المتين وبقدرة تحليلية

стр. 4143

وبيانية على حشد كل ما يجلو ملامح من يتحدث عنهم من الأدباء ورجال السياسة والحكم، وهو بذلك يختلف اختلافا بينا عن الثعالبى فى يتيمته والعماد الأصبهانى فى خريدته، إذ لا يرصف حشودا من الثناء والإطراء لا تكشف شخصية من يكتب عنه كما يصنعان، بل يجلو شخصيته جلاء تاما، على الرغم من أنه يعتمد فى كتابه على السجع مثلهما، غير أنه سجع لا يستر حقائق الشخصية، بل يعرضها فى ضياء غامر، ولنضرب لذلك مثالا، هو ترجمته للشاعر أبى عبد الله بن الحداد الذى مرت ترجمته بين شعراء المديح وهو يفتتحها على هذه الشاكلة (١): «كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح فى طريق المعارف وضوح الصّبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل (٢) إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينمّ على أشعاره، ويتبيّن فى منازعه وآثاره، وله فى العروض تأليف، وتصنيف مشهور معروف، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الخليليّة، وردّ فيه على السّرقسطىّ المنبوز بالحمار (٣)، ونقض كلامه فيما تكلم عليه من الأشطار. وأصل أبى عبد الله من وادى آش إلا أنه استوطن المريّة أكثر عمره، وفى بنى صمادح معظم شعره، ومع ذلك طولب عندهم هنالك، ولحق بثغر بنى هود، وله فيهم أيضا غير ما قصيد، وهو القائل بعد خروجه من المريّة من قطعة فلسفية: لزمت قناعتى وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأسيرا وكنت سمير أشعارى سفاها ... فعدت لفلسفيّاتى سميرا وكان قد منى فى صباه بصبيّة نصرانية ذهبت بلبّه كلّ مذهب، وركب إليها أصعب مركب، فصرف نحوها وجه رضاه، وحكّمها فى رأيه وهواه، وكان يسمّيها نويرة كما فعل الشعراء الظرفاء قديما فى الكناية عمنّ أحبوه، وتغيير اسم من علقوه. وقد كتبت فى هذا الفصل بعض ما قاله فيها من ملحه، ورائق أوصافه ومدحه، وبعض سائر شعره، بعد تقديم فصول من نثره ما يقرّ بتفضيله، ويشهد له بجملة الاحسان وتفصيله». والتعريف بابن الحداد مثل بقية الذخيرة مسجوع، والسجع فيها دائما لا يبهم شخصيات الشعراء والكتاب بل يوضحها توضيحا تاما على نحو ما نرى الآن فى السجع

стр. 4144

الذى قدّم به ابن الحداد، إذ يجلو ملامحه وثقافته جلاء تاما، فهو عربى الأصل من قيس، وكان مثقفا ثقافة واسعة بالفلسفة وما يتصل بها من علوم الأوائل وتنم عن ذلك أشعاره، وله فى علم العروض كتاب ردّ فيه على الفيلسوف السرقسطى الملقب بالحمار محتجا للخليل بن أحمد واضع هذا العلم بما ذكره عن الأعاريض المهملة وقد ألممنا بذلك فى ترجمة ابن الحداد. ويذكر أن مسقط رأسه مدينة وادى آش إلى الشمال الشرقى من غرناطة وأنه استوطن المرية، وعاش بها سنوات متوالية يمدح بنى صمادح أمراءها، وأنه حدث ما عكر صفو علاقته بأميرها المعتصم وسيذكر فيما بعد بالترجمة أنه اعتقل أخاه سنة ٤٦١. ويقول إنه ولّى وجهه إلى بنى هود بسرقسطة، ويذكر فيما بعد بالترجمة أنه عاد ثانية إلى المرية «وحسن بعد بها مثواه، وأكرمه المعتصم وأجزل قراه» وظل بالمرية إلى أن توفى بها سنة ٤٨٠. ويعرض علينا فى الترجمة قطعة كبيرة من نثره ورسائله، ثم يعرض علينا طرائف من شعره، ويقتطف من غزله بنويرة قطعة بديعة ويقول إن اسمها الحقيقى جميلة، وكأن أهلها سموها باسم عربى، ثم يذكر مقتطفات من مدائحه فى المعتصم بن صمادح منذ سنة ٤٥٥، ولا يتجلّى لنا ذوقه الأدبى فى جمال اختياراته من شعر ابن الحداد فحسب، بل أيضا تتجلّى لنا قدرته النقدية إذ يردّ بيتا لابن الحداد إلى أصله عند المعرى، ويقول إن النابغة الذّبيانى سبق المعرى إلى معناه وان عبد الجليل بن وهبون الشاعر يشترك مع ابن الحداد فيه ويذكر لأبى وجزة السّعدى الأموى بيتا يتعلق بالمعنى. وينشد لابن الحداد قصيدة ثانية ويلاحظ صلة بين بيت له وبيتين للمتنبى ويذكر أن المتنبى ألمّ فى بيتيه ببيتين لمسلم بن الوليد وأن مسلما مسبوق فى بيتيه ببيتين للنّمرىّ. وتلقانا مثل هذه التعليقات النقدية فى الذخيرة مرارا وتكرارا. وأشار ابن الحداد فى مدحة للمعتصم إلى قصة القارظين فى الجاهلية فاستطرد ابن بسام يقصها استرواحا للقارئ. وبذلك تكاملت ترجمة ابن الحداد سواء فى سيرته وحبه فى مطالع شبابه لنويرة أو فى ثقافته أو فى نثره أو فى شعره وطرائفه وبدائعه فى مديح المعتصم والمقتدر بن هود. ويقول ابن بسام فى القسم الأول بحديثه عن أشعار بنى الطبنى (١/ ٥٤٤) إنه صان كتابه عن ذكر الهجاء المقذع إلا أن يكون من مليح التعريض، وكأنه أراد به منحى أخلاقيا وإن لم يطبقه بدقة أحيانا. ويمتزج هذا المنحى عنده بمنحى دينى إذ نراه فى القسم الثانى بترجمته للشاعر ابن وهبون (٢/ ٤٧٨) يحمل على الشعر الفلسفى المتأثر بمنزع المتنبى وأبى العلاء، وهو تشدد أكثر مما ينبغى. وبحقّ حمل فى القسم الأول بترجمة الوزير ابن الشماخ (١/ ٨٤١) على الاستعارات البعيدة التى يمجهّا الذوق كأن يجعل شاعر

стр. 4145

للكلام كيسا يحلّ عقده، ويجعل شاعرتان للبلوى برصا ويجعل شاعر ثالث للمهابة فأسا. وكان له ذوق أدبى مصفّى أحال به الذخيرة إلى متحف رائع يموج بالاستعارات والأخيلة المبتكرة ولمع البديع الرائعة بل إنه يموج بفرائد لا تحصى للأندلسيين من الشعر والنثر، ويكفى أنهم يبلغون فى الكتاب أكثر من تسعين بين شاعر وكاتب، ولم يكد ابن بسام يترك لأحدهم عملا أدبيا أبدع فيه إلا عرضه حتى يصور بدقة ما ذكره فى مقدمة الكتاب من تفوق الأندلس فى الأدب وأنها منه فى الأفق الأعلى. وفى الحق أنه لولا الذخيرة لظل الأدب الأندلسى بروائعه الباهرة شعرا ونثرا محجوبا عن الباحثين ولما استطاع أحد أن يكتب تاريخه. وذكر ابن بسام فى بعض الصحف أنه ابتدأ تحرير الذخيرة بقرطبة سنة ٤٩٣ وقال إنه كان لا يزال معنيا بتحريرها سنة ٥٠٠ وأنه بدأ الكتابة فى قسمها الرابع سنة ٥٠٢ ويبدو أنه كان لا يزال يعيد النظر فى بعض فصولها، إذ نراه فى ترجمته للكاتب ابن أبى الخصال يذكر أنه لم يجد لديه فى سنة ٥٠٣ شيئا من ترسله، فسأل بعض إخوانه أن يخاطبه ليرسل إليه بعض نماذج من أدبه. وبدون ريب اقتضت الذخيرة من ابن بسام جهودا مضنية فى سنين متطاولة، وهى جهود تنوء بها العصبة أولو القوة. مذكرات عبد الله بن بلقّين هو عبد الله (١) بن بلقّين بن حبوس بن ماكسن بن زيرى الصنهاجى القيروانى آخر أمراء بنى زيرى لعهد الطوائف. شاد لهم هذه الإمارة بغرناطة وإلبيرة زاوى بن زيرى فى زمن الفتنة، وظل يلى شئونها حتى سنة ٤١٠ وخلفه ابن أخيه حبوس بن ماكسن حتى سنة ٤٢٩ وقام عليها بعده ابنه باديس حتى وفاته سنة ٤٦٥ وورثها بعده ابن أخيه عبد الله بن بلقين وهو فى الثامنة من عمره، وحاز حظا من العربية والثقافة غير أنه لم يكن على نصيب من السياسة والمهارة فى تدبير الحكم، فاتخذ وزراء أغمارا غير مجربين مثل سماجة الصنهاجى، ويقول ابن الصيرفى المؤرخ إنه كان جبانا هيّابة مغمد السيف، فكان طبيعيا أن ترتعد فرائصه كلما ذكر ألفونس السادس أمير قشتالة، وقد فرض عليه

стр. 4146

عشرة آلاف دينار يدفعها سنويا. وكان طبيعيا أن يهلل لعبور يوسف بن تاشفين أمير المرابطين بجنوده إلى الأندلس ومواقعته ألفونس فى الزلاقة وسحقه لجيشه سحقا كاد لا يبقى منه ولا يذر. وعاد يوسف إلى المغرب، وعاد أمراء الأندلس إلى المنافسات فيما بينهم ومدّ أيديهم إلى ألفونس السادس، كلّ يستعديه على أخيه، واستغاث الفقهاء فى الأندلس ثانية بيوسف. وأخذ المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وعبد الله بن بلقين وغيرهما يحاولون استصراخ ألفونس خشية أن يفكر يوسف فى عزلهم وضم الأندلس إلى سلطانه. وعرف يوسف ما يبيّتون وخشى على الأندلس من الضياع، فعبر إليها سنة ٤٨٣ وبدأ بغرناطة وأميرها عبد الله بن بلقّين، وكان لا يزال يعد جيشه للقاء يوسف كما كان يفاوض ألفونس ويرسل إليه هدايا نفيسة ويطمعه بأموال كثيرة ليمد له يد العون، ونصحه خلصاؤه أن يلقى ابن تاشفين وكان قد أصبح على مسافة فرسخين من غرناطة، فلقيه مترجّلا مرحّبا سائلا العفو، فأمّنه على نفسه وأهله وطيبّ خاطره، وصودر كل ما كان بالقصر وكل ما ملك عبد الله وأمه من أموال. وأمر يوسف بتوزيع كل ذلك على قواده ولم يستأثر منه بشئ. ونفى عبد الله إلى المغرب الأقصى مع مشيعّين يؤنسونه فى الطريق ويتكفّلون أموره، وكتب إليه يوسف: «لا أنساك ما بقيت» وأنزله بأغمات، وأسعفه-كما يقول ابن الخطيب-فى رغباته، فعاش معيشة كريمة، ورزق ولدين وبنتا، وترك لهم-حين توفّى-مالا جمّا. وكتب عبد الله فى أثناء منفاه بأغمات كتابا باسم «التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بنى زيرى فى غرناطة» وكانت قد حفظت منه نسخة تنقص بعض الأوراق، فنشرها المستشرق بروقنسال باسم «مذكرات الأمير عبد الله». وهو فى الفصول الأولى من الكتاب يحكى مقدم بنى زيرى الإفريقيين أو التونسيين إلى الأندلس وتأسيس زاوى بن زيرى لإمارتهم فى غرناطة وتدبير حبوس بن ماكسن بعده فى تنظيم حكمها وإدارته وميراث ابنه باديس الإمارة بعده واستيلاءه على مالقة وتفويضه شئون الحكم إلى وزيره اليهودى ابن النغريلّة وازدياد نفوذ النساء فى القصر ومؤامرات ابن النغريلّة وإفساده الحكم وقتل صنهاجة له واستيلاء باديس على جيان. ثم تتعاقب ثمانية فصول فى الحديث عن إمارته، وفيها يتحول الكتاب إلى مذكرات حقيقية، مستهلا لها بالحديث عن أحداث الأندلس وتمزقها أمام ألفونس السادس وغاراته المتلاحقة على غرناطة وغيرها مما أدى إلى استيلائه على طليطلة سنة ٤٧٨ ثم ما كان من استصراخ الأمراء والسفارات لابن تاشفين وعبوره إلى الأندلس واشتراك الأمير عبد الله فى موقعة الزلاقة معه مجاهدا بماله

стр. 4147

وجنوده، ورجوع يوسف إلى المغرب واضطراره إلى العودة، ومبارحة الأندلس وعودة أمرائها إلى الخلاف. ويحاول أن يبرر نقضه لما عاهد عليه ابن تاشفين وأخذه فى اختزان الأقوات وبناء الأسوار وإعلاء الأبراج استعدادا لمنازلته وحربه، والسوءة الكبرى أنه عقد معاهدة مع ألفونس السادس التزم فيها بأداء الجزية له سنويا، ويقول إن ابن تاشفين علم بجميع ما صنع، فأرسل إليه يهدده وكتب إليه عبد الله يبرر مسلكه، ويعرض بعض الأحداث فى إمارته وبعض الشئون الشخصية والأحوال الاجتماعية. ويفصّل الحديث فى عبور ابن تاشفين إلى الأندلس سنة ٤٨٣ للمّ شعثها ويصور مثول جيشه أمام غرناطة وأحوالها وانصراف الناس والجند عنه واضطراره إلى التسليم وما كان من نفيه إلى المغرب الأقصى ومن عزل بقية أمراء الطوائف. وينهى المذكرات بطائفة من تأملاته وأحاديث عن نفسه وعن أولاده. والمذكرات طرفة نفيسة بما تصور من الانحلال السياسى والاجتماعى والأخلاقى فى الأندلس زمن أمراء الطوائف مما أدى إلى سقوط طليطلة فى حجر ألفونس السادس وخنوع أمرائها له وانعكاس الموقف السياسى والحربى فلم يعد نصارى الشمال يؤدون الجزية لحكام الأندلس كما كان الشأن فى العصر الأموى، بل أصبح حكام الأندلس وأمراؤها يؤدون الجزية لألفونس، وأوشكت الأندلس جميعها أن تسقط فى حجره لولا أن تداركها ابن تاشفين فقلّم أظفار ألفونس فى الزلاقة وردّه إلى وكره خاسئا مدحورا. ولا تصور المذكرات الانحلال الذى عمّ الأندلس فحسب، بل تصور أيضا غرناطة وجميع أحوالها فى عهد بنى زيرى وخاصة فى عهد أميرها عبد الله، كما تصور فساد حكمه ومنازعاته مع جيرانه ومحاولاته فى التواطئ المزرى مع ألفونس السادس أمير قشتالة عدوه ضد ابن تاشفين منقذ الأندلس من براثنه. وعبثا يحاول تبرير فساد سياسته التى أدت إلى ضياع إمارته وعزله، ونفيه إلى أغمات. ومع نفاسة هذه المذكرات عبثت بها يد بروقنسال محققها إذ لم يكن يحسن العربية فامتلأت بتصحيفات لا تكاد فى أحوال كثيرة توجد بينها مسافات فى السطور والكلمات. ونسوق من المذكرات قطعة من حديث عبد الله عن أهل غرناطة حين اقترب منها ابن تاشفين وانفضاض كل من فيها من الجند والناس عنه حتى العبيد من الصقالبة وغيرهم وحتى الخدم من النساء والغلمان، يقول (١): «أما الجند من البربر فكانوا مغتبطين بهم (بالمغاربة) طامعين فى الزيادة على أيديهم

стр. 4148

للجنسية، واتفق رأيهم على أن لا يلقوه بجحد (١) وقدموا كتبهم بالطاعة، وراجعهم عليها، يعدهم بأن يبقيهم فى أماكنهم على أفضل ما كانوا عليه. . وأما من كان من التجار وأهل البلد فكانوا على نيّة أنهم مع من انتصر ولا طاقة لهم بالحرب، ولا هم أهلها، وأكثرهم خرج من البلدة يقول: «لأى وجه نحتمل الحصار؟ تاجر هنا أو صانع، كما فى غيرها. وأما الرعية فبخ بخ، ذلك ما كانت تبغى طمعا منها فى الحرية وأنها لا يلزمها غير الزكاة والعشر. وأما العبيد والصقالبة، فالعبيد الأعلاج (الأفظاظ) أول من عصا، رجوا أن يكونوا عنده فى أعلى مرتبة. حتى الخدم من النساء والخصيان كلّ طامع فى إقبال الدنيا عليه والخروج عن ثقاف (قيد) القصر إلى راحة التسريح والاستهتار بالرجال وما أشبه ذلك. وجعفر الخصىّ منهم ولبيب كانا زعيمى المداخلة ورأسا الفتك، يقولان: «نحن لا ولد لنا ولا تالد (٢)» فعلى أى شئ نصير (٣) إلى القتال؟ وما عسى نطمع إن نصر إليه؟ هل تحصل لنا سلطنة أو قيادة أو قضاء أو فقه؟ إنما نحن بمنزلة العيال، من سبق (٤) استمتع بنا وكنا عنده من جملة الفيئ، نرزق كسائر الكسب، فلا نضيع، تعالوا بنا نقدّم لأنفسنا، ووردت عليهم كتب أمير المسلمين بالإنزالات القوّية والمثاقيل والمراتب العالية، يعدهم بذلك عند إكمال حاجته وإسلامهم (٥) له». وعبد الله يقول إن جيشه وهو من البربر اغتبط بالمرابطين لأنهم بربر مغاربة مثله، ولما رجوا من زيادة رواتبهم، لذلك قرروا أن لا يلقوا ابن تاشفين بإنكار لصنيعه وما كان من إنقاذه للأندلس، وأرسلوا إليه يعلنون طاعتهم، فكتب إليهم برضاه عنهم وأنه مبقيهم فى أماكنهم وزائدهم فى رواتبهم. وأما التجار والصناع فهم مع من انتصر، وأما الرعية فابتهجت بمقدم ابن تاشفين، لما كان يثقل عليهم عبد الله من ضرائب متنوعة تارة باسم ألفونس السادس وتارة باسم حاجة الجيش والدولة بجانب زكاة العين وعشر الزرع. وفعلا بمجرد أن استسلم عبد الله لابن تاشفين أسقط عن الرعية تلك الضرائب مكتفيا بزكاة العين وعشر الزرع، وانفض عن عبد الله سريعا العبيد والصقالبة آملين أن يجدوا عند ابن تاشفين مرتبة أعلى، ومثلهم الخدم من النساء والخصيان طامعين فى إقبال الدنيا عليهم. ويصور موقف الخصيان على لسان خصيين كبيرين، قالا إننا لا نعد أنفسنا شيئا إنما نحن لمن غلب، وأرسلا هما وأضرابهما الكتب إلى ابن تاشفين، وردّ عليهم بأنه

стр. 4149

سيعطيهم ما أملوه من مثاقيل الدراهم والرواتب والمراتب العالية. وهكذا تلفت عبد الله حوله فلم يجد له ناصرا، مما جعله يسارع إلى تسليم نفسه لابن تاشفين. والمذكرات تمضى على هذه الشاكلة فى لغة بسيطة لا سجع فيها ولا تكلف إلا ما دخلها من تصحيفات، ويقول محققها إنه نقلها عن نسخة محفوظة بجامع القرويين بفاس، وحرى أن يعيد نشرها محقق من أبناء الضاد يتقن العربية وقراءة خطها الأندلسى. قصة (١) حى بن يقظان لابن طفيل مر بنا فى الفصل الثانى تعريف قصير بابن طفيل بين فلاسفة الأندلس مع ذكر أهم المصادر لترجمته، وهو فى الذروة من الفكر الأندلسى، عاش فى القرن السادس الهجرى (٥٠٦ - ٥٨١ هـ) ونريد الآن أن نفصل الحديث فى قصة أدبية فلسفية قيّمة له هى قصة حىّ بن يقظان، وهى قصة فلسفية صوفية تثبت أنه لا تقاطع بين العقل والشريعة أو الفلسفة والدين، وهو فيها يحكى بالتفصيل قصة حى ونشأته فى جزيرة مهجورة من جزر الهند تحت خط الاستواء، ويقول إنه اختلف فى تكوينه، فقيل إنه تولد-دون أم وأب-من طينة تخمّرت بالجزيرة على مر السنين، وقيل إنه ابن أميرة جميلة كانت شقيقة لملك يمتلئ بالغيرة والأنفة منعها من الزواج بحجة أنه لا يجد لها زوجا كفئا، فتزوجت سرا من قريب لها يسمى «يقظان»، وحملت منه بجنين، ولما وضعته خشيت أن ينكشف سرها، فوضعته فى تابوت أحكمت إغلاقه، واستودعته أمواج اليم، فألقت به فى تلك الجزيرة وسمعت صياحه ظبية فقدت وليدها، فعطفت عليه، وظلت ترضعه وصارت له كأمه، ونما الطفل العريان وأخذ يتحول تدريجا إلى معرفة كل ما حوله. وتنقل به ابن طفيل من المهد إلى الصبا إلى الشباب، وهو يلاحظ ويجرب ويتأمل، نافذا إلى كل المعارف، من خلال فكر مستبصر. وما إن يصل إلى سن الثلاثين حتى يحيط بالطبيعة من حوله، وحتى يستغلها لغذائه ولكل حاجاته بدءا بتحريك يديه واستخدامها وستر سوءته ومعرفته الصيد، والنار واستخدامها فى إنضاج السمك واللحم، واتخاذ المخزن لحفظ ما يفضل من غذائه، والتفت إلى فرق ما بين النبات والحيوان فى الحركة وارتفاع الهواء

стр. 4150

واللهيب إلى أعلى وانحدار الماء إلى أسفل، ولا حظ أن كل ما فى الطبيعة خاضع لقانون الكون والفساد، وعرف أرفع حقائق الطبيعة. وطال به التأمل فى ملكوت السموات والأرض، وهداه تفكيره إلى أن كل ما فى الوجود لا بد له من خالق لا يستغنى عنه، وأحسّ حاجته إلى مشاهدته وما ينبغى أن يكون عليه من طهارة جسده وصفاء نفسه حتى يتحد به. وتعبّد لذلك فى غار الأيام ذوات العدد وصام أربعين يوما. وظل يستغرق فى تأملاته منفصلا عن العالم الخارجى وعن جسده وحواسه حتى غاب عن كل ما حوله غيبات متصلة، وأصبح لا يحس شيئا سوى واجب الوجود، وكأنما فنى فيه عن ذاته، فليس فى الوجود إلا الواحد الأحد، وكأنما هما شئ واحد أو كأنما ذاته هى ذات الحق. وكان يفيق من حاله تلك المتصلة بالعالم الإلهى البرئ من المادة ويعود إلى العالم الحسى مرارا وتكرارا، وأحسّ أنهما عالمان مختلفان تمام الاختلاف: عالم يقوم على الكشف والذوق ويصيب الإنسان فيه ما يشبه السكر والإغماء، وعالم يقوم على المنطق والعقل والمحسوسات المادية. وحين بلغ خمسين عاما من عمره نزل جزيرته من جزيرة مجاورة رجل تقى يسمى أبسال وصلته-كما وصل أهلها-تعاليم النبوة، وتعرف على «حى» وعلمه اللغة والكلام، وعجب أن وجد فى الطريق الفلسفى الذى سلكه «حى» تعليلا علويا لرحلة العقل من عالم الحس إلى عالم الدين الروحى الذى اعتقده ولجميع الأديان المنزلة، وعرض عليه أن يأخذه إلى جزيرته التى يحكمها صديقه سلامان حتى يرى أهلها ما اكتشف من الحقائق العليا، وقبل عرضه ونزل معه تلك الجزيرة وأخذ يحدّث أهلها عن العالم الإلهى الذى يتحد فيه الإنسان بربه ولا يرى فى ذاته ولا فى الوجود سواه، غير أن الناس لم يفهموا ما يتحدث عنه، وكلما زاد فى الحديث ازدادوا نبوّا ونفارا، إذ تهالكوا على الشهوات وجمع حطام الدنيا، وأصبحت لا تنجع فيهم الموعظة ولا الكلمة الطيبة، فقد ألهتهم عن ذكر الله تعالى الدنيا، مما جعل مخاطبتهم عن طريق التذوق الروحى لا تمكن، فحسبهم ما تخاطبهم به شرائعهم حتى يستقيم معاشهم، لذلك اعتذر «حى» لسلامان وأصحابه عما تكلم به معهم، ونصحهم بالتمسك بديانات آبائهم وأعمالها الظاهرة فإن ما وراءها من الاتصال بالعالم الإلهى والذات الإلهية فوق حاجتهم ومداركهم. وقرر مع صاحبه أبسال العودة إلى الجزيرة المهجورة لينعما فيها بحياة المكاشفة الإلهية. ونقتطف من القصة قطعة يصور فيها «حى» أنه ما زال يحاول الاتصال بواجب الوجود معرضا عن جميع المحسوسات، مستغرقا فى مشاهدته، واستطاع بجهاده أن تغيب عنه جميع

стр. 4151

الذوات إلا ذاته فإنه كان لا يزال يشعر بها، وكان يدرك فى وضوح أن هذا الشعور شوب يشوب المشاهدة الإلهية المحضة، وما زال يجاهد فى الاتحاد بربه يقول: «ما زال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص فى مشاهدة الحق حتى تأتّى له ذلك، وغابت عن ذكره وفكره السموات والأرض وما بينهما وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية وجميع القوى المفارقة للمواد والتى هى الذوات العارفة بالموجود، وغابت ذاته فى جملة تلك الذوات وتلاشى الكلّ واضمحلّ وصار هباء منثورا ولم يبق إلا الواحد الحقّ الموجود الثابت الوجود، واستغرق فى حالته هذه وشاهد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولا تعلّق قلبك بوصف أمر لم يخطر على قلب بشر فإن كثيرا من الأمور التى قد تخطر على قلوب البشر يندر وصفها فكيف بأمر لا سبيل إلى خطوره على القلب ولا هو من عالمه ولا من طوره. . ومن رام التعبير عن تلك الحال فقد رام مستحيلا. وأقول إنه لما فنى عن ذاته ولم ير فى الوجود إلا الواحد الحىّ القيوم وشاهد ما شاهد، ثم عاد إلى ملاحظة الأغيار عندما أفاق من حاله تلك التى هى شبيهة بالسّكر فخطر بباله أنه لا ذات له يغاير بها ذات الحقّ تعالى وأنّ حقيقة ذاته هى ذات الحق وأن الشئ الذى كان يظنّ أولا أنه ذاته المغايرة لذات الحق ليس شيئا فى الحقيقة، بل ليس شئ إلا ذات الحقّ، وأن ذلك بمنزلة نور الشمس الذى يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها، فإنه وإن نسب إلى الجسم الذى ظهر فيه فليس هو فى الحقيقة شيئا سوى نور الشمس، وإن زال ذلك الجسم زال نوره وبقى نور الشمس بحاله لم ينقص عند حضور ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه لما قد كان بان له من أن ذات الحق لا تتكثّر بوجه من الوجوه». وابن طفيل فى هذه القطعة من قصته يصور تصويرا رائعا شعور المتصوفة بانمحائهم فى ربهم وفنائهم فيه. ولروعة القصة ترجمت إلى اللاتينية واللغات الأوربية الحديثة، ومن أقدم ترجماتها ترجمة بوكوك لها فى أوكسفورد إلى اللاتينية بعنوان الفيلسوف الذى علم نفسه بنفسه مع نصها العربى سنة ١٦٧١ وترجمت إلى الهولندية سنة ١٦٧٢ وترجمها أوكلى إلى الإنجليزية سنة ١٧٠٨ وعلى ضوئها كتب دانييل ديفو قصته: «روبنسن كروزو». وترجمها إلى الألمانية إنجهورن سنة ١٧٨٢ وترجمها بونس بويجس إلى الأسبانية سنة ١٩٠٠ وترجمها بتروف إلى الروسية سنة ١٩٢٠ وترجمها بالنثيا إلى الإسبانية سنة ١٩٣٤ وأعاد ترجمتها سنة ١٩٤٨ وترجمها إلى الفرنسية ليون جوتييه سنة ١٩٠٠ ثم أعاد ترجمتها سنة ١٩٣٦ وزعم المستشرق الإسبانى المعاصر غرسية غوميس فى بحث نشره

стр. 4152

عن القصة بمدريد سنة ١٩٢٦ أنه وجد بمكتبة الإسكوربال فى مخطوط موريسكى يرجع إلى القرن السادس عشر الميلادى قصة بعنوان قصة الصّنم والملك وابنته، وزعم أنها كانت شائعة بين الموريسكيين (بقية المسلمين فى الأندلس) ورأى أنها تلتقى بقصة حى بن يقظان وبالفصول الأولى من قصة الكريتيكون لجراثيان اليسوعى الأرجونى التى نشرت فى منتصف القرن السابع عشر، فقد وجد قصة الصّنم تقول إن الأميرة بنت الملك حجزت عن الناس فى محبس لتنجو من طالع سئ، واستسلمت فى محبسها لابن الوزير وحملت منه ووضعت وليدها فى صندوق من الخشب وألقت به فى اليمّ، فحملته الأمواج إلى جزيرة نما فيها واهتدى ببصيرته إلى بدائع خلق الله، وبدلا من أن يقول إن القصة الموريسكية وقصة جراثيان استضاءتا بقصة ابن طفيل السابقة لهما بأربعة قرون أو تزيد زعم زعما غريبا هو أن ابن طفيل كان قد عرف أصل القصة الموريسكية عند أجداد الموريسكيين المسلمين من معاصريه، وأنها ألهمته حينئذ قصته: حى بن يقظان. وكل ذلك لينفى عن ابن طفيل أصالته فى قصته العالمية الفريدة، وقد نقض رأيه جوتييه فى ترجمته المجددة لقصة حى بن يقظان سنة ١٩٣٦ قائلا بحق: إنه لا علاقة بين مضمون قصة حى بن يقظان والقصة الموريسكية. وقد افترض غرسية أن القصة لم تعرف فى المحيط الإسبانى إلا بعد ترجمتها إلى اللاتينية فى القرن السابع عشر! وكان ينبغى أن ينبهه ما بينها وبين قصة الكريتيكون المطبوعة فى القرن السابع عشر من تشابه إلى أن الأقرب إلى المنطق وطبائع الأشياء أن تكون قصة حى بن يقظان مما ترجمته مدرسة طليطلة إلى القشتالية أو الإسبانية القديمة فى القرن الثالث عشر الميلادى أو قبله أو لعلها ترجمت قديما إلى اللاتينية، وعلى ضوء إحدى الترجمتين كتبت قصة الكريتيكون. وأيضا كان جديرا بغرسية أن يصل بين قصة ابن طفيل وقصتى ابن سينا اللتين أشار إليهما ابن طفيل فى مقدمته لقصته وهما قصة حى بن يقظان وقصة سلامان وأبسال وما تصوران من غلبة العقل على القوى البدنية وغلبة الذات الإلهية على العلل الكونية، ويؤكد هذه الصلة أن شخصيات أبسال وسلامان وحى بن يقظان عند ابن سيناهى نفس شخصيات قصة حى بن يقظان عند ابن طفيل. وأكثر من ذلك يشير ابن طفيل فى مقدمة قصته صراحة أنه يتابع ابن سينا فى نزعته الصوفية التى بثها فى كتابه أسرار الحكمة المشرقية التى تقابل الحكمة اليونانية. وأيضا فإنه تابع ابن باجة-الذى نوه به مع ابن سينا فى مقدمة القصة-فى كتابه تدبير المتوحد الذى يتحد فيه-كما مر بنا فى الفصل الثانى-عقل الفيلسوف بالعقل العلوى الفعال مباشرة واصلا بذلك ابن باجة بين الفلسفة والدين، ولكن دون نزوع إلى التصوف كما يقول ابن طفيل فى مقدمته للقصة.

стр. 4153

ولا علاقة أى علاقة بين قصة ابن طفيل ومذهب الأفلاطونية الحديثة كما ظن بالنثيا وغيره، وأيضا لا علاقة بين يقظان فى القصة والمسيح، فيقظان ليس هو الله ولا حى ابن الله كما ظن بالنثيا ظنا مخطئا، ومعاذ الله أن نصل بين قصة ابن طفيل والمسيحية بأى وجه من الوجوه، والقصة تزخر بالآيات والتعبيرات القرآنية والروح الإسلامية الصوفية. وكان حريا بغرسية وغيره أن يردّوا عناصر الإطار فى القصة إلى ما ذكره ابن طفيل نفسه من أنه استوحى فكرة ميلاد «حى» بدون أم ولا أب فى إحدى جزر الهند مما جاء عند المسعودى من أن بين تلك الجزر جزيرة يتولد فيها الإنسان من غير أن ولا أب، وبها شجر يثمر نساء. أما تصوره بأن طينا تخمّر وتخلّق منه «حى» فقد استوحى فيه مثل قوله تعالى عن أصل خلق الإنسان من طين: ﴿(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ)﴾. وأما على التقدير الثانى وهو أنه كان بإزاء تلك الجزيرة جزيرة يملكها رجل شديد الأنفة والغيرة وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها من الأزواج إذ لم يجد لها كفئا، وكان له قريب يسمى «يقظان» فتزوّجها سرا وحملت منه ووضعت طفلا، ولما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها وضعته فى تابوت أحكمت زمّه (إغلاقه) وخرجت به فى أول الليل إلى ساحل البحر وقذفت به فى اليمّ فحملته أمواجه إلى ساحل تلك الجزيرة فإن ابن طفيل يستلهم القسم الأول من هذا الخبر للمولود مما ردّدته بعض كتب التاريخ العربى من خبر هرون الرشيد مع أخته العباسة ووزيره جعفر بن يحيى البرمكى من أنه كان لا يستطيع الصبر عن لقائهما، فقال لجعفر أزوجها لك ليحل لك النظر إليها ولا تقربها، فقال: نعم. فزوّجها منه، وكانا يحضران معا، وكان الرشيد يتركهما فحملت العباسة من جعفر، وخافت الرشيد فسيّرت ابنها مع حواضن إلى مكة. والصلة واضحة بين ميلاد حى سرّا من أخت الملك وميلاد ابن العباسة سرا من أخيها الرشيد ومحاولة كل منهما تهريب مولودها، واستلهم ابن طفيل فى وضع أم حىّ له فى تابوت والقذف به فى يمّ نقلته أمواجه إلى جزيرة ما جاء فى القرآن الكريم عن أمّ موسى حين وضعته وخافت عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه-وكانوا يقتلون أبناء اليهود الذكور ويستحيون بناتهم الإناث فأوحى الله إليها-كما جاء فى سورة طه- ﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ ونفس الصيغة القرآنية نجدها عند ابن طفيل حين يقول عن أم حى: «وضعت ابنها فى تابوت ثم قذفت به فى اليم فاحتمله إلى ساحل الجزيرة» وهو تطابق واضح مع العبارة القرآنية. وبذلك كله يتضح أن عناصر الإطار القصصى فى قصة حى بن يقظان عناصر عربية إسلامية صوفية خالصة.

стр. 4154

٥ - المقامات والرحلات (أ) المقامات فن المقامات من أهم فنون النثر العربى، وقد ابتكره بديع الزمان الهمذانى (٣٥٨ - ٣٩٨ هـ) نافذا فيه إلى أقاصيص تصور الأدباء السيّارين المسمّين فى عصره بالساسانيين المحترفين للكدية أو الشحاذة الأدبية متخذا له أديبا شحاذا، أو متسولا كبيرا، هو أبو الفتح الإسكندرى، ومعه راويته عيسى بن هشام. وبديع الزمان يصور حيل أبى الفتح فى استخلاص الأموال والمطاعم من أيدى الناس بفصاحته وخلابة منطقه فى أسلوب قصصى يشيع فيه الحوار. وطارت شهرة مقامات البديع فى العالم العربى ونزلت قرطبة فيما نزلت من بلدانه، ونرى ابن شهيد المار بنا يستوحى-كما ذكرنا-من إحدى مقامات البديع، وهى المقامة الإبليسية، رسالته التوابع والزوابع التى بناها على لقائه فى وادى الجن لشياطين الشعراء والكتاب، ولقى بينهم شيطان بديع الزمان. وليس ذلك فحسب فإننا نراه-كما مرّ بنا-يحاكيه فى وصفه للحلواء ببعض مقاماته كما يحاكيه فى وصفه الرائع للماء. ويعرض علينا ابن بسام فى ذخيرته ثلاث مقامات، غير أنها ليست مقامات بالمعنى الذى أراده بديع الزمان إذ لا تقوم على الكدية والشحاذة الأدبية، وإنما تصف موضوعا أو موضوعات، وهى أشبه بالرسائل منها بالمقامات. وأولى المقامات الثلاث مقامة أبى حفص (١) عمر بن الشهيد الذى لقيه الحميدى فى المريّة سنة ٤٤٠ وهو من شعراء أميرها المعتصم بن صمادح (٤٣٩ - ٤٨٤ هـ) ومقامته أشبه بوصف رحلة له وصفا أدبيا طريفا، فيه غير قليل من الدعابة، وقد استهلها بنعى حال الكتابة فى عصره وأنها أصبحت صنعة ممتهنة. ويكتفى ابن بسام بعرض فصول منها، وفى أحد الفصول يصف ابن الشهيد الربيع وصياح الديك فى السحر، وفى فصل ثان يصف منزل بدوى دخله مع صحبه «فهشّ البدوى وبشّ، وكنس منزله ورشّ، وصيّر عياله

стр. 4155

إلى ناحية، وجمع أطفاله فى زاوية». ويتحدث عن أثاث بيته حديثا فكها، ويقول إنه حاول أن يكرمهم فدعا صبيانه ليمسكوا بديك هرم، ويستغيث بهم الديك ويتشفّع-فى حوار طويل-بهرمه وأنه أصبح لضعفه ونحوله أشبه بالأدوية منه بالأغذية، ويرقّون له. ويقدّم إليهم البدوى بعض ألطافه معتذرا ويقبلون عذره ويرحلون سحرا عنه. وينزل مع صحبه قرية مسيحية سمعوا فيها صوت الناقوس وألموابدير راعهم ما فيه من شموس وأقمار ولا سيوف إلا من مقل ولا تروس إلا من خجل، فنزلوا فيه وشربوا من الدّنان ما أسكرهم ثم شدّوا الجياد عنه ركضا فمروا بكنيسة متهدمة ويبكى ابن الشهيد أطلالها وما كان فيها. ويفضى مع صحبه إلى مروج بها قطعان من السائمة، ويصيدون كثيرا من طير البرك، وينقش على مرمرة بيضاء مقطوعة شعرية يصوّر فيها البرك ومياهها وما صادوه من طيرها. ويستأنفون السّير ليلا، ويلقاهم شابّ فارس ممتطيا جوادا ومتقلّدا حساما، آبق من أهل حصن لنصارى مرّوا به، معلنا إليهم أنه عبد الصّليب وقرع الناقوس إلى أن أسعده الله بهداية الإسلام، ويشهد أن الله إله واحد، ليس له ولد ولا والد. وبذلك تنتهى المقامة وهى أشبه بنزهة متعددة المشاهد. والمقامة الثانية عند ابن بسام مقامة أبى الوليد (١) محمد بن عبد العزيز المعلم أحد وزراء المعتضد أمير إشبيلية وكتّابه، وقد انتقى منها ابن بسام فصولا وأولها يستهله ابن المعلم بالحنين إلى ماض نعم فيه برفاهية العيش، ثم دار به الدهر من نعيم إلى شظف شديد، وما يلبث أن يقول إن البشير قرع بابه حاملا إليه كتابا من أمير، فلبّاه، حتى إذا مثل بين يديه أسمعه مدحة فيه ثم تلاها بنثر مفرط فى الثناء عليه من مثل قوله: «هو الإمام الطاهر، والكوكب الزّاهر، والأسد الخادر (٢)، والبحر الزّاخر، أوهب الملوك للذخائر، وأعفاهم عن الجرائر. . أعطر من العنبر، فى كل منبر، وأفوح من المسك الذكىّ، فى كل ندىّ» ومضى فى مثل هذا الثناء حتى استطير الأمير فرحا، وازدهى مرحا، وقام إليه فقبّل بين عينيه. وبذلك تنتهى المقامة، وهى أشبه برسالة فى مديح أمير، وربما كتب بها إلى المعتضد أميره. والمقامة الثالثة عند ابن بسام مقامة أبى محمد (٣) بن مالك القرطبى، وقد ساق فى

стр. 4156

ذخيرته بعض فصولها، وابن مالك يديرها على مديح المعتصم بن صمادح أمير المرية ويغرق فى مديحه إغراقا شديدا، ونراه يطيل فى وصف فتوحه وانتصاراته فى الحروب ووصف جيشه وأسلحته من الدروع والسيوف والرماح والخيل مظهرا فى هذا الوصف غير قليل من البراعة، ولا يزال ينثر عليه ثناءه من مثل قوله: «جدب وربيع معرق، وليل ونهار مشرق، فيه الصّاب والعسل والسّهل والجبل، ثالث القمرين وسراج الخافقين (١)، وعماد الثّقلين، المعتصم بالله ذو الرياستين». ويشكو للمعتصم عوز أهله وضيق ذات يده، وأنه لولا ما يقيّده من أفرخ كزغب القطا لتقدم فى صفوف جنده تارة محاربا وتارة خطيبا محمّسا أو مهادنا. وبذلك تنتهى المقامة، وهى أشبه بقصيدة مدح طويلة دبّجها فى المعتصم بن صمادح وعلى هذا النحو نفتقد المقامة التى تقوم على الكدية والشّحاذة الأدبية فى عصر أمراء الطوائف، ويظهر الحريرى (٤٤٦ - ٥١٦ هـ) ويؤلف مقاماته فى أواخر القرن الخامس وسرعان ما تدوّى شهرتها فى العالم العربى ويؤمّه الرواة من كل مكان يأخذونها عنه، وأمّه من الأندلس فى فواتح القرن السادس الهجرى أبو (٢) القاسم عيسى بن جهور القرطبى وأحمد بن محمد بن خلف الشّاطبى وأبو الحجاج يوسف القضاعى البلنسىّ والحسن بن على البطليوسىّ، وجميعهم حملوا مقاماته إلى الأندلس وأخذها عنهم تلاميذ كثيرون ومضوا بدورهم يدرسونها لطلابهم، وأخذ نفر من دارسيها هناك يتجرّد لشرحها، منهم عبد (٣) الله بن ميمون العبدرى القرطبى المتوفى سنة ٥٦٧، ومنهم أبو العباس (٤) أحمد الشريشى المتوفى سنة ٦١٩ وقد صنع لها ثلاثة شروح: كبير طبع بمصر مرارا فى جزئين، ثم أوسط وأصغر. ومعروف أن مقامات الحريرى تقوم-مثل مقامات بديع الزمان -على الطريقة الساسانية أو الشّحاذة الأدبية، وقد بلغ الحريرى بفنّها الذروة. وإذا رجعنا إلى ما أثر من مقامات عند الأندلسيين بعد مدارستهم لمقامات الحريرى وجدنا المقامات تأخذ نهجين: نهجها المار فى القرن الخامس الهجرى القائم على الوصل بينها وبين أغراض الشعر من مديح وغيره وكذلك بينها وبين أغراض الرسائل من وصف بعض المشاهد والبلدان. ونهج جديد يستوحى الحريرى فى مقاماته الساسانية القائمة على

стр. 4157

الكدية والشحاذة الأدبية، ومن النهج الأول المقامة الدّوحيّة لمحمد (١) بن عياض الّلبلىّ المتوفى سنة ٥٥٠ وموضوعها الغزل، وذكر ابن سعيد فى المغرب فاتحتها، والمقامة العياضية لمحارب (٢) بن محمد بن محارب الوادى آشى المتوفى سنة ٥٥٣ وهى فى مديح القاضى عياض، ومقامة فى هجاء بعض أعيان مالقة لعلى (٣) بن جامع الأوسى، والمقامة النّخلية لأبى الحسن النباهى المالقى المتوفى بأخرة من القرن الثامن وهى مفاخرة بين النخلة والكرمة. وللسان الدين بن الخطيب مقامة فى السياسة، وهى أشبه برسالة أو مبحث فيما ينبغى أن يكون الحاكم عليه من نشر العدل فى رعيته وتعهد المجاهدين فى سبيل الله وأن لا يعوّلوا فى كسبهم إلا على مغانمهم كالجوارح لا تطعم إلا من صيدها وما يقع فى مخالبها، ويلمّ بسياسة العمال فى ولاياتهم وأن تقوم على الحق ودحض الباطل، وكل ذلك على لسان شيخ فارسى ناصح لهرون الرشيد ويوصيه بعمارة البلدان والتمسك بالشريعة. والرسالة حرية بأن تقرن برسائل السياسة عند ابن المقفع. وللسان الدين غير مقامة فى وصف رحلات له فى بلدان الأندلس والمغرب الأقصى، وهى أشبه بالرحلات منها بالمقامات ولذلك سنتحدث عنها بين رحلات الأندلسيين. وحوالى منتصف القرن التاسع الهجرى يشتهر-فى أيام الأندلس الأخيرة-عمر الزّجّال، وقد روى له المقّرى مقامتين أولاهما مقدمة لقصيدة هزلية طويلة، وثانيتهما فى أمر الوباء الذى ألم بغرناطة زمن أميرها الغنى بالله، وهو فيها ينكر على قصر الحمراء بغرناطة إبقاءه فيه على السلطان مع تفشى الوباء، ويقول إنه ينبغى أن يتحول عنه إلى مالقة التى كانت تتبع حينئذ غرناطة. ونترك هذه المقامات التى تستوحى مقامات عصر أمراء الطوائف الشبيهة بالرسائل الأدبية إلى مقامات الكدية والشحاذة الأدبية التى تستوحى الحريرى فى مقاماته أو أقاصيصه الساسانية التى رواها الحارث بن همّام عن بطلها أبى زيد السروجى. وأول ما يلقانا من ذلك المقامات اللزومية للسرقسطى، وهى خمسون مقامة، وسنخصها بحديث مستقل. وكان يعاصره الكاتب أبو عبد الله بن أبى الخصال الذى مرت ترجمته والمتوفى سنة ٥٤٠ وله مقامة (٤) ساسانية جعل بطلها نفس بطل مقامات الحريرى: أبا زيد السروجى، كما جعل الراوى لها نفس راوية تلك المقامات: الحارث بن همام. وتبدأ المقامة

стр. 4158

بمنظر فى الريف والناس متجمعون حول أبى زيد السروجى، وهو يستحثهم على الجود والسخاء وهم يحذفونه بالدراهم، وهو يتلقّف ولا يتوقف. وعرفه الحارث ونصحه أن يبيت بمنزله خشية اللصوص ويلبى دعوته، ويطعم عنده الطعام المرئ، حتى إذا أصبح الحارث وجده غادر المنزل تاركا له رقعة فيها ثلاث قصائد. ويبحث عنه ويعرف أنه ذهب إلى حانة. وتطيل المقامة فى وصف الخمر والشاربين ومن فى الحانة من الجوارى والغلمان. ويقضى البطل وروايته فيها يوما هنيئا، وتنتهى المقامة بمقطوعة شعرية. وتنوه كتب التراجم بمقامات لغير أديب، ولكن لا ندرى هل هى كمقامات عصر أمراء الطوائف أو هى تستلهم الحريرى فى مقاماته الساسانية، ومن أهم المقامات التى استلهمته مقامة العيد لعبد (١) الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدى المتوفى سنة ٧٥٠ وهو من أهل مدينة بلّيش، وكانت مجاورة لمالقة، وهى مقامة خاطب فيها الرئيس أبا سعيد بن نصر يستجديه أضحية، وهو فيها يحكى قصة ساسانى من أهل الكدية أو الشحاذة الأدبية، ويستهلها بأن الرجل دخل داره ليتناول شيئا من الطعام فقالت له زوجته لم جئت؟ لا طعام لك عندى إلا إذا صنعت ما صنعه زوج الجارة إذ فكّر فى العيد وأنت قد نسيته، فقال لها: صدقت وسأخرج الآن لأبحث لك عما ذكرت، وأخذت تقول له إنك لن تأتى بشئ وأخذت تهوّن من شأنه، ولما كان يجد من خوفها-كما يقول-ما يجد صغار الغنم من الذئاب عدا يطوف السكك والشوارع ويجوب الآفاق، ويسأل الرفاق، ويخترق الأسواق، إلى أن مرّ بقصّاب (جزّار) وبين يديه عنز، وسأله أن يبيعه منه ويمهله فى الثمن، وباعه له مؤجّلا بعشرين دينارا، وانحدر معه لدكّان موثّق يكتب لهما عقد البيع. وعاد مع الجزار فلم يجد العنز، وكان قد شرد، فأخذ ينادى فى الأسواق والأزقة من رأى عنزا، وإذا برجل فخّار خرج من دهليز يصيح أين صاحب هذا العنز، والعنز يدور فى الدهليز ويحطم ما بقى من الطواجن والقدور. وطلبه المحتسب (شرطىّ السوق) وصاحب الدهليز أمامه يبكى، ولم يعف عنه إلا بعد أن أدّى عنه جيرانه ما أفسده عنزه. وتوجّه به مع الحمّال إلى داره ولم تبق فى الزّقاق عجوز إلا وصلت لتراه، وتسأله بكم اشتراه، والأولاد يدورون به، أما ربّة البيت، فبادرت زوجها تقول: «ليس فى البيت خلّ ولا زيت، ومتى تفرح زوجتك، والعنز أضحيتك، واقلّة سعدها، واخلف وعدها، وما حبسك عن الكباش السّمان» وتأخذ فى وصف الكبش السمين الذى كانت تريده، فيقول لها: وأين توجد هذه الصفة، يا قليلة

стр. 4159

المعرفة، فتقول له عند مولانا ومأوانا الرئيس الأعلى، ويفيض فى مديح الرئيس أبى سعيد بن نصر. والمقامة مسجوعة سجعا عذبا، وهى تصوّر جوانب كثيرة من المجتمع الغرناطى، تصوّر ربة البيت وما تكلف به زوجها من مطالب فوق طاقته حتى إذا أحضر لها ما تريد عادت فأزرت به، وتصوّر القصّاب فى زيّه وقد شدّ فى وسطه مئزرة وقصّر ثوبه وكشف عن ساقيه وشمر ساعديه، وتصوّر جشعه فى البيع. وترينا نظام التوثيق وكتابة العقود فى الأندلس وما كان يشيع هناك من صناعة الفخّار، والمحتسب ومن يساعده من الأمناء ورجال الشرطة، والعجائز وتطفلهن، والأولاد والتفافهم حول كلّ ما يرون. وهى مقامة بديعة. المقامات اللزومية للسّرقسطى هو أبو الطاهر (١) محمد بن يوسف التميمى السرقسطى الإشتركونى نسبة إلى إشتركونه: حصن من أعمال تطيلة فى الثغر الأعلى. ويبدو أنه نشأ فى سرقسطة، ولذلك نسب إليها وقيل إنه من أهلها. ويقول ابن بشكوال إنه سكن قرطبة، ولا نعرف بالضبط هل سكنها بعد أخذ النصارى لسرقسطة سنة ٥١٢ أو قبل ذلك وأكبر الظن أنه بارح سرقسطة مبكرا للقاء الشيوخ النابهين فى الأندلس، إذ تذكر كتب التراجم أنه أخذ عن ابن السيد البطليوسى ببلنسية وعن أبى بكر بن العربى بإشبيلية وعن أبى على الصدفى بمرسية سنة ٥٠٨ وعن أبى محمد الرّكلى بشاطبة، واستقر بقرطبة وتصدر فيها لإقراء الأدب واللغة. ونوهت كتب التراجم بأستاذيته لكثيرين من علماء الأندلس فى العربية فى مقدمتهم ابن مضاء صاحب كتاب الرد على النحاة. ولم تذكر كتب التراجم تاريخ مولد السرقسطى وذكرت أنه توفى بقرطبة سنة ٥٣٨ للهجرة. ومن آثاره كتاب المسلسل فى غريب لغة العرب وهو منشور بالقاهرة، ومقاماته اللزومية أروع آثاره، ومن أروع ما قدمت الأندلس للأدب العربى من أعمال أدبية.

стр. 4160

وقد وضع السرقسطى مقاماته فى محاذاة مقامات الحريرى وعلى غرارها من اتخاذ بطل لها من أبطال الشحاذة الأدبية هو الشيخ أبو حبيب فى محاذاة بطل مقامات الحريرى: أبى زيد السروجى واتخذ له راوية هو السائب بن تمام فى محاذاة راوية مقامات الحريرى: الحارث بن همام. وذكر مع السائب فى تسع مقامات راوية يحدث عنه هو المنذر بن حمام. وجعل السرقسطى مقاماته خمسين بعدد مقامات الحريرى وبناها مثله على عرض حيل شحاذ أدبى كبير هو الشيخ أبو حبيب ويرقّمها مثله من المقامة الأولى إلى المقامة الخمسين، غير أنه يختلف عن الحريرى فى أنه لا يعطى لكل مقامة لقبا خاصا بها يميزها ما عدا أربع عشرة منها فقط هى التى ميزها بالألقاب. والشيخ أبو حبيب سدوسى من عمان وكثيرا ما يظهر فى ثياب خلقة وأسمال، منكّرا لشخصه على طريقة الحريرى. وهو دائما واعظ يزهد الناس فى الحياة ويحثهّم على عونه لما يرون من سوء حاله، ويلقون إليه بالدراهم والدنانير، أو يبذلون له المآكل والطعام، متخذا دائما حيلة أو موقفا، به يستدرّ عطفهم. وكثيرا ما يشترك معه فى الموقف أو الحيلة راويته السائب أو ابنه حبيب أو ابنته التى يتخذ منها جارية يبيعها ويأخذ ثمنها، ثم يتضح أنها حرّة، فيظفر بالثمن، وتردّ إليها حريتها، حيلة من حيله. ومقامات السرقسطى مبنية على السجع مثل مقامات الحريرى، غير أنه اقتدى فيه بأبى العلاء المعرى فالتزم فى نسجه مالا يلزم من تعدد قوافى السجع أو نهاياته مشترطا على نفسه أن تكون من حرفين أو أكثر. ولا يكتفى بتصعيب الممرات إلى سجعاته فى بعض مقاماته، إذ نراه فى المقامة السادسة عشرة يشترط على نفسه أن تتوالى سجعاتها ثلاثية ولذلك سماها المثلثة مفتتحا لها بقوله: «أقمت فى غزنة (١)، فترشّفت من مائها أى مزنة، وتوطّأت من أكنافها كل سهلة وحزنة» وسمى تاليتها المرصّعة لأنه لم يكتف فى سجعاتها بالاتفاق فى حرف واحد بل التزم فيها حرفين أو أكثر كقوله فى مطلعها: «حننت إلى الوطن المحبوب، ونزعت إلى العطن (٢) المشبوب، حيث مآرب الشباب وملاعب الأحباب» وسمى الثامنة عشرة المدبّجة، لأنه جعل الكلمات فى كل سجعتين تتقابل فى نهاياتها وتتعادل، على شاكلة قوله فى وعظها: «وسامك (٣) السماء ورافعها، وماسك الدّماء ودافعها، إنك فى حبائل الرّزايا لمضطرب، ومن مناهل المنايا لمقترب». واشترط على نفسه فى المقامة الثانية والثلاثين أن يختتم كل سجعاتها بحرف الهمزة ولذلك سماها

стр. 4161

الهمزية، واختتم سجعات المقامة الثالثة والثلاثين بحرف الباء ولذلك سماها البائية، وسمى الرابعة والثلاثين الجيمية لاختتامه سجعاتها بحرف الجيم والخامسة والثلاثين الدالية لاختتام السجعات بحرف الدال. وبالمثل صنع نفس الصنيع فى السادسة والثلاثين فاختتم سجعاتها بالنون وسماها النونية. ونحس غير قليل من التكلف فى هذه المقامات الخمس لبناء السجعات فيها على حرف واحد. وكذلك الشأن فى المقامات الأربع التالية وأولاها وثانيتها على نسق الحروف الهجائية وثالثتها ورابعتها على نسق حروف أبجد المعروفة، ولكن من الحق أن سجعاته فى المقامات الأخرى تشيع فيها العذوبة والسهولة والقدرة على التفنن فى الوعظ والوصف ونسج الكلام. ويتنقل السرقسطى ببطل مقاماته بين بلدان كثيرة فيما عدا المقامتين الثلاثين والخمسين، فقد استعرض فى أولاهما على لسان البطل مميزات أنبه الشعراء فى الجاهلية وعصر المخضرمين والعصرين: الأموى والعباسى، وخصّ الثانية-وهى المقامة الخمسون-بالحوار فى النظم والنثر بين ابن البطل حبيب وابن ثان لم يظهر إلا فى هذه المقامة اسمه غريب، وبينما ينتصر حبيب للشعر ينتصر غريب للنثر، حتى إذا اشتد بينهما الخصام، تدخل بينهما أبوهما الشيخ أبو حبيب للوئام، مبينا أن لكل من الشعر والنثر مجاله، والإحسان أنواع وضروب، حتى إذا اقتنع المتحاوران بكلامه أوصاهما- كما أوصى الحريرى ابنه فى مقامته الأخيرة-أن يقوما على حرفة الكدية وأن لا يصطحبا إلا الجواد ولا يرحلا إلا بزاد. ومثل هاتين المقامتين فى العناية بموضوع محدد المقامة التاسعة عشرة، وهى فى وصف الخمر وحاناتها. ودائما يتنقل الشيخ أبو حبيب فى مقاماته من بلد إلى بلد فى العالم الإسلامى منكّرا لشخصه متحولا من حيلة إلى حيلة ومن صيد إلى صيد، وفى كل صيد وحيلة يعرفه السائب بعينه ويكشف حقيقته وسره. ولم ينزل فى الأندلس سوى جزيرة طريف ونزل فى المغرب طنجة والقيروان، ونزل فى مصر الإسكندرية ودمياط وفى الشام فلسطين وحلب. ونزل فى أنحاء كثيرة من الجزيرة العربية مثل عدن والشّحر وظفار وزبيد والبحرين واليمامة، ونزل بالعراق فى بغداد وواسط والأنبار والرّقّة وحرّان، ونزل بإيران فى الأهواز وأصبهان والرىّ ومرو، وتوغل فى بلاد الترك إلى الكرج وصول وغزنة. ولا يكتفى السرقسطى بإنزال بطله فى البلدان الإسلامية والضرب فى الصحارى والقفار، إذ رأى أن يخوض به البحار وأن يضم إلى رحلاته البرية كما صنع الحريرى رحلات بحرية تأثر فيها بما كتبه أصحاب تلك الرحلات، على نحو ما يلقانا فى المقامة الرابعة والأربعين وسماها العنقاوية نسبة إلى

стр. 4162

العنقاء أنثى الرّخّ، وهما طائران خرافيان ضخمان يتردد ذكرهما فى أحاديث بحّارة العرب عن رحلاتهم فى أعماق البحار والمحيطات مبالغين فى وصف ضخامتهما وقوتهما الخارقة وحملهما لمن تحطمت سفنهم إلى البرّ والبلاد المأهولة، على نحو ما نقرأ عند الرّبّان بزرك بن شهريار من بحّارة القرن الرابع الهجرى فى كتابه: «عجائب الهند: برّه وبحره وجزائره» إذ يقول إن الرّخّ أنقذ سبعة غرقت سفينتهم فى جزيرة بقرب الهند ويروى عن بعض الملاحين أنه رأى ريشة من ريشه تسع خمسا وعشرين قربة من قرب الماء! كما يذكر أن بحارة وقع فى سفينتهم عيب اضطرهم أن يقدموا بها إلى جزيرة صغيرة رأوها فى طريقهم، فنزلوا بها وأصلحوا عيب سفينتهم وعنّ لهم أن يوقدوا نارا لبعض أغراضهم، فأحسوا الجزيرة تتحرك من تحتهم، فأسرعوا بالنزول إلى سفينتهم، وتولتهم الدهشة، إذ رأوا الجزيرة تغوص فى الماء وعرفوا أنها سلحفاة كانت طافية على وجه الماء وأحست النار فغاصت. وإنما ذكرت هذه السلحفاة الضخمة الخرافية والرخ الخرافى قبلها لأن من يقرأ مقامة السرقسطى العنقاوية لا يشك فى أنه قرأ كتاب بزرك بن شهريار، وأنه استمدّ منه حين جعل بطل مقامته وراويته يلجّجان فى رحلة بحرية، «ويخرجان إلى جزيرة عريضة وأرض أريضة (١)، ولا ألباب ولا أفكار، ولا عرفان ولا إنكار، إلى أن استيقظا من تلك الغمرات، وصحوا من تلك السّكرات، فعلما أن الجزيرة حيوان بحرى أصحر (٢)، ثم أبحر، وشمس، ثم قمس (٣) فى الماء وانغمس» والسرقسطى يشير بهذا الوصف للحيوان إلى أنه سلحفاة، فإنها حيوان بحرى برى إذا نزل إلى الماء قصدا للاستراحة من طول المقام فى البر طفا على وجهه. وما يلبث السرقسطى أن يقول إن بطل المقامة وراويته «أظلّتهما ظلّة ظليلة وسجابة بليلة». وتهبط السحابة إلى الأرض وإذا هى الرخ فرخ العنقاء، ويطيل السّرقسطى فى وصفه وكيف تعلقا بأطراف ريشه يقول السائب الراوى. «ثم لما صدع الفجر ووضح، واخضلّ (٤) النّدى ونضح، سار فى الهواء سيرا رفيقا (٥)، وجعل السحاب يسايرنا رفيقا، تخفق تحتنا البروق، وتتطلع إلينا المغارب والشروق، إلى أن فارقتنا البحار، وعلمنا أنه الإصحار (٦)، ولما يحن من ليلنا

стр. 4163

الإسحار (١). ثم أخذ فى الانصباب إلى أرض ذات أشجار وأنهار، ورياض مونقة وأزهار، فخبّرنا أنها من أرياف النيل وشطوطه، ومجاريه وخطوطه، فحمدنا الله على نعمائه، وتقلّبنا بين أرضه وسمائه». ولا يلبث الشيخ أبو حبيب أن يعظ الناس ويرفدوه بالصّلات الحفيّة، والهبات الخفيّة وهو دائما يضمنّ مقاماته مواعظ خلقية وينهى المقامة بشعر، وقد يكثر منه فى تضاعيفها. ويعود السرقسطى فى المقامة السابعة والأربعين إلى الحديث عن رحلة فى جزائر الهند لبطل مقاماته وراويته، غير أن الراوى لا يفضى فيها إلى وصف تلك الجزائر ولا إلى شئ من العجائب البحرية هناك إذ شغل عن ذلك بقضاء ليلة ماجنة مع البطل فى مجلس غناء. وكأنما كان السرقسطى مطلعا على شئ من الغيب، إذ جعل البطل فى المقامة الحادية والأربعين يتعيّش من دبّ يراقصه ويزمر عليه ويلاعبه، ومعروف أن رمز مدريد فى عصرنا إنما هو الدبّ. وفى الحق أن المقامات اللزومية للسرقسطى أروع المقامات الأندلسية التى حاكت مقامات الحريرى بعده، وكانت حرية بأن يتجرد لها شارح مثل الشريشى مواطنه، وكأنما ينطبق عليه المثل: لا يطرب الزامر أهل بلده. وحرى بنا أن نعرف أنه كان للمقامات تأثير واضح فى الأدب الإسبانى إذ نشأ على غرارها فى منتصف القرن السادس عشر الميلادى لون من الفن القصصى ازدهر خلال القرن التالى يصف حياة المشرّدين والمتسوّلين ويقوم على الشحاذة أو الكدية، سمّيت أقاصيصه باسم «الأقاصيص البيكارسية» وسمّى بطلها باسم «البيكارو» ودائما نشأته متواضعة ويعانى من آلام المسغبة والبطالة، فيتخذ التسوّل حرفة له يكسب بها قوته مستخدما فى ذلك حيلا وألاعيب شتى تماما كالشيخ أبى زيد السروجى فى مقامات الحريرى وكالشيخ أبى حبيب فى مقامات السرقسطى، مع صبغ كلامه مثلهما بصبغة وعظية خلقية (٢). (ب) الرحلات لعل مسيرة قوافل الأندلسيين إلى مكة سنويا لأداء فريضة الحج وزيارة القبر النبوى الشريف هى التى جعلتهم يولعون بالرحلة والأسفار فى العالم الإسلامى وما وراءه من

стр. 4164

بلدان وشعوب فى آسيا وأوربا وخاصة فى أنحائها الشرقية لاكتشاف المجهول من تلك الشعوب وما بديارهم من ظواهر كونية. وأيضا فإن تعدد مراكز الثقافة فى العالم العربى وفى الأندلس نفسها منذ عصر أمراء الطوائف حبّب الرحلة إلى المشغوفين بالعلم والعلماء، على نحو ما نجد فى عصرنا عند شبابنا العلميين من شغفهم بالرحلة إلى الغرب للتزود منه فى جميع ضروب العلم والمعرفة. ولا ننسى السفارات الخارجية التى كان يرسل بها حكام الأندلس وخاصة فى عصر أمراء الطوائف إلى إخوانهم من الأمراء فى الأندلس أو إلى نصارى الشمال أو إلى حكام إفريقيا ومصر والشام، وحتى فى أيام الأندلس الأخيرة إلى الدولة العثمانية. وكثرت الرحلات والسفارات الداخلية زمن أمراء الطوائف للتشاور فى أمر خطير من أمور السياسة والحكم كما كثرت رحلات حكام غرناطة والمغرب لتفقد شئون البلاد والرعية. ومن السفارات الداخلية سفارة الكاتب محمد (١) بن مسلم الدانى عن إقبال الدولة على بن مجاهد إلى بعض أمراء الطوائف من مثل المعتصم بن صمادح أمير المريّة والمعتضد أمير إشبيلية حين نازعه المقتدر بن هود (٤٣٨ - ٤٧٥ هـ) أمير سرقسطة فى أحد الحصون، فكتب إلى أغلب قائد ابن مجاهد وواليه على ميورقة يصف له أحداث سفارته فى رسالة طويلة سماها «طىّ المراحل» قال ابن بسام إنه اقتضب من فصولها لطولها ما يدل على براعة كاتبها، وبلغ ما اقتضبه منها نحو عشرين صحيفة. وفى فواتحها يتحدث محمد بن مسلم عن صداقته لأغلب وشوقه للقائه، ويذكر دعوة إقبال الدولة إخوانه من أمراء الطوائف لإنجاده، ونداءه عليهم لإمداده فاستغشوا بأكمامهم وجعلوا أصابعهم فى آذانهم. ويقتطف ابن بسام من رسالته قطعا بديعة فى وصف الطبيعة، وأخرى فى وصف ما كان ينغمس فيه أمراء الطوائف من ترف بالغ، إذ بنوا-من عرق الرعية-القصور المشيدة، وألحقوا بها حدائق بهيجة، ويصور كيف كان يطاف عليهم بصحاف من فضة وذهب، وحين يتوضئون تجيئهم طساس (٢) من التبر وأباريق رصّعت بالدر. وللشراب حجر خاصة وكأن الأطباق فيها مقل الجفون ملئت من قرّة العيون وكأن الكئوس مراشف الحور تمزج بحباب الثغور. ومن تصويره لقرطبة حين مرّ بها ورأى ما نزل بها من الدمار والذل والهوان قوله: «كثيرا ما كنت أقترح إتيانها وإن كانت على هرم، وأتمنىّ وقفة فيها ولو على قدم،

стр. 4165

وأرعب [فى] زيارتها ولو لماما، وأودّ رؤيتها ولو مناما، لألمح دار الخلافة، وأرى بيت الرياسة، وجعلت أسلك فى منازل المدينة، وأنظر فى تلك المشابه المبينة، فإذا رسومها قائمة الأعلام، ونصبها ماثلة الشكل والقيام. . ووقفت بالقصر المروانى وانتبذت إلى المنتزه العبد الرّحمانى (١)، فإذا الثلاث الأثافى (٢) والديار البلاقع (٣)، وقيل هنا كانت قصورهم وهناك هى قبورهم، قد صارت معاقلهم ترابا، ومساكنهم يبابا (٤)». ويطيل فى تصوير مجد قرطبة أيام بنى أمية ويبكيها بكاء مؤثرا ويصور جامعها وقبابه ومقصورته الفخمة وزخارفها البديعة، والمحراب والمصحف العثمانى بجانبه، وكأنما بيده ريشة يرسم بها لوحات بديعة. ويختم الدانى رسالته بزيارته للمعتضد فى إشبيلية وبيان مدى ترحيبه به وما أغدق عليه من التحف والطرف. ويتكاثر الرحالة الأندلسيون منذ القرن السادس الهجرى ومن أهمهم أبو حامد (٥) الغرناطى (٤٧٤ - ٥٦٤ هـ) شغف بالرحلة وتجوّل فى إفريقيا وزار صقلّية سنة ٥١١ ومنها رحل إلى مصر وزار الشام والعراق، وتحول إلى نواحى البحر الأسود (بحر الخزر) وتوغّل فى بلاد الصّقالبة والبلغار وعلى ضفاف نهر القولجا، وصعد إلى أقصى الشمال فى روسيا، وسجل مشاهداته فى كتابه «تحفة الألباب ونخبة الأعجاب» وله كتاب سماه «تحفة الكبار فى أسفار البحار» ونشر سيزاردوبلر بمدريد ما شاهده فى شرقىّ أوربا، وهو يكثر فيه من ذكر الخوارق والعجائب الخرافية، غير أن به من حين إلى حين بعض حقائق ومشاهد بديعة كمشهد الزّحلوقة يتزحلق بها الناس على الثلج فى روسيا يقول: «الطريق هناك فى أرض لا يفارقها الثلج أبدا، ويتخذ الناس لأرجلهم ألواحا (زحلوقة) ينحتونها، طول كل لوح باع وعرضه شبر، ومقدّم ذلك اللوح ومؤخرّه مرتفعان عن الأرض، وفى وسط اللوح موضع يضع الماشى فيه رجله، وفيه ثقب، وشدّوا فيه سيورا

стр. 4166

من جلود قوية يشدّونها على أرجلهم. ويقرن [الرجل] بين اللوحين اللذين يكونان فى رجليه بشندال (حبل) طويل مثل عنان الفرس، يمسكه فى يده الشمال، وفى يده اليمى عصا بطوله، وفى أسفل العصا مثل كرة من الثياب محشوّة بصوف كثير مثل رأس الإنسان خفيفة. ويعتمد على تلك العصا فوق الثّلج. ويدفع العصا خلف ظهره كما يصنع الملاّح فى السفينة. فيذهب على ذلك الثلج بسرعة، ولولا تلك الحيلة لم يمكن أحدا أن يمشى هناك البتة، لأن الثلج على الأرض مثل الرمل لا يتلبّد البتة، وأى حيوان يمشى عليه يغوص فى ذلك الثلج فيموت إلا الكلاب والحيوان الخفيف كالثعلب والأرنب، فإنها تمشى عليه بخفة وسرعة». وهى صورة من التزحلق قديمة شبيهة أدق الشبه بصورة التزحلق الحديث الذى تعقد له المسابقات سنويا فى البلاد الأوربية. ونلتقى بعد أبى حامد الغرناطى من رحالة الأندلس بابن جبير، وسنفرد له مع رحلته كلمة، ويلقانا من رحالة العصر الغرناطى القاضى أبو البقاء (١) البلوى خالد بن عيسى وسمى رحلته «تاج المفرق فى تحلية علماء إفريقيا والمشرق» وقد لقى فيها كثيرين من العلماء وروى عنهم، بدأها فى ١٨ من صفر سنة ٧٣٠ وظل يلقى العلماء سنوات ويأخذ عنهم، ونزل تونس وعيّنه أميرها كاتبا فى ديوانه زمنا يسيرا، ثم عاد إلى بلده فعيّن بها قاضيا. ويقول لسان الدين بن الخطيب فى الإحاطة إنه حجّ وقيدّ عن العلماء، ورحلته فى سفر وصف فيه البلاد ومن لقى بفصول، جلب أكثرها من كتابات العماد الأصبهانى وصفوان بن إدريس. ولابن جابر الوادى آشى الذى مرت ترجمته فى الفصل الماضى رحلة دوّن فيها ما اكتسبه من الفوائد الأدبية أثناء أسفاره الطويلة. ويلقانا ابن (٢) الحاج النميرى المولود سنة ٧١٣ لأسرة كريمة وقد عنى أبوه بتربيته حتى إذا كانت سنة ٧٣٤ عيّن كاتبا فى ديوان أبى الحجاج يوسف الأول أمير غرناطة، وفى سنة ٧٣٧ رحل لأداء فريضة الحج، ونزل فى عودته بقسنطينة سنة ٧٣٩ وخدم أمراءها. الحفصيين، ثم تركهم وخدم أبا الحسن المرينى حتى سنة ٧٤٧ إذ رأى العودة إلى أداء

стр. 4167

فريضة الحج وعاد فخدم الحفصيين سنة ٧٥٠ وبعد سنتين اعتزل للعبادة بتلمسان وأجبر فى سنة ٧٥٧ على خدمة السلطان أبى عنان وجعله رئيس ديوان الكتبة. وأفلت عند موته وعاد إلى غرناطة فعيّن قاضيا إلى وفاته بعد سنة ٧٧٤ وكان شاعرا مجيدا فى الشعر الغنائى والتعليمى. ويقول ابن الخطيب فى الإحاطة له رحلة «فيض العباب وإحالة قداح الآداب فى الحركة إلى قسنطينة والزاب» وقد حققها ونشرها بالرباط-كما ذكرنا فى الهامش-الدكتور محمد بن شقرون، ووضع بين يديها مقدمة قيمة. وهى فى وصف رحلة السلطان أبى عنان المرينى من فاس إلى سلا والعودة منها ثم إلى قسنطينة والزاب والعودة منها عن طريق الصحراء. والرحلة وثيقة تاريخية مهمة عن فتح بنى مرين لقسنطينة وعنّابة وتونس وبيعة البلدان المغربية لأبى عنان، وقد كتبها ابن الحاج بأسلوب أدبى التزم فيه السجع وبعض المحسنات البديعية مع العناية باستخدام التورية والتصنع للمصطلحات العلمية وبعض الألفاظ الغريبة مما أشاع غير قليل من التكلف فى صياغة الرحلة. ولصديقه ابن الخطيب معاصره الذى مرت ترجمته بين كتاب الرسائل الديوانية رحلات بديعة فى بلدان الأندلس والمغرب، وأول ما نقف عنده رحلته (١) مع أميره أبى الحجاج يوسف الأول فى تفقده لبعض الثغور الشرقية لإمارته سماها: «خطرة الطيف فى رحلة الشتاء والصيف» وقد سار موكب أبى الحجاج فيها تلقاء الشمال الشرقى من العاصمة غرناطة إلى وادى آش فإلبيرة. ويعود الموكب من طريق آخر مارا بثغر المريّة على البحر المتوسط. وكانت زيارات الأمير أبى الحجاج لها ولغيرها من المدن أشبه باستعراضات عسكرية، يشترك فيها جند الأمير مع أهل البلدة إذ كانت بلاد الإمارة الغرناطية أشبه برباطات حربية، فكل من فيها حاملو سلاح. ويقول ابن الخطيب إن النساء فى هذه الاستعراضات كن كثيرات، وكن يحيين الرجال ويحييهن الرجال، ونظن ظنا أن كثيرات منهن كن سافرات إذ عرفت الأندلس-كما مر فى غير هذا الموضع- السفور مبكرا. ولابن الخطيب رحلة ثانية سماها «معيار الاختيار فى ذكر الأحوال والديار» ويسميها مقامة وليست مقامة بل رحلة كسابقتها وصف فيها أربعا وثلاثين مدينة من مدن إمارة

стр. 4168

غرناطة وبعض مدن المغرب الأقصى مثل مكناسة. والمقامة مسجوعة مثل سابقتها، وتصور فى تلك المدن عمرانها ونشاطها الثقافى وكل ما بها من صور الحياة، مع ذكر محاسن كل مدينة وما قد يكون فيها من مساوئ. وله رحلة طويلة لم يكتبها سجعا مثل الرحلتين السالفتين بل كتبها مرسلة غير مسجوعة، وصف فيها المغرب الأقصى ومدنه سماها «نفاضة الجراب فى علالة الاغتراب» وكانت فى أربعة أجزاء، سقط منها ثلاثة من يد الزمن وبقى الجزء (١) الثانى وهو يفتتح هذا الجزء بالصعود إلى جبل هنتاتة بمنطقة أطلس ويزور هناك قبر السلطان أبى الحسن المرينى ويفيض فى الحديث عن أحوال قبيلة هنتاتة. ويزور أغمات وقبر المعتمد بن عباد بها ويحيّيه بقصيدة ويلمّ بمراكش وغيرها من المدن فى طريقه إلى مدينة سلا على المحيط، ويذكر كل ما فى تلك المدن من مساجد ومكتبات ومدارس. ورحلات ابن الخطيب عامة تكتظ ببيان أحوال المدن الأندلسية والمغربية الاجتماعية والثقافية. ونلتقى بأخرة من زمن دولة بنى الأحمر فى غرناطة بالقلصادى على بن محمد القرشى البسطى (٨١٥ - ٨٩١ هـ.) الذى مرّ ذكره فى الفصل الثانى بين علماء الرياضة، وله رحلة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والزيارة النبوية، سماها: «تمهيد الطالب ومنتهى الراغب إلى أعلى المنازل والمناقب» حققها وقدّم لها ونشرها بتونس الأستاذ محمد أبو الأجفان، وهو لا يتوسع-باستثناء مكة ومناسك الحج-فى وصف البلدان التى نزلها ذهابا وإيابا فى رحلته إلى الحجاز، بل يلمّ بها فى إيجاز شديد، ليحدثنا عن الشيوخ الذين تتلمذ لهم فيها، وخاصة فى تلمسان وتونس والقاهرة، ويبلغون عنده ثلاثة وثلاثين شيخا. والكتاب أشبه بكتب الفهرسة والبرامج منه بكتب الرحلات، وهى كتب اشتهرت بها الأندلس من قديم، وفيها يذكر مؤلفوها شيوخهم وما سمعوه منهم وأخذوه عنهم من مؤلفات. وحرى بنا الآن أن نتحدث عن رحلة ابن جبير.

стр. 4169

رحلة ابن جبير هو محمد (١) بن أحمد بن جبير الكنانى البلنسى المشهور باسم ابن جبير، أصل أسرته من مدينة شاطبة، ولد ببلنسية سنة ٥٣٩ وقيل سنة ٥٤٠ وسمع فى نشأته من أبيه وعلماء موطنه وأكبّ على دراسة الفقه، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وطمح إلى العمل فى الدواوين، وألحقه أبو سعيد عثمان بن عبد المؤمن حاكم غرناطة لأبيه عبد المؤمن ثم لأخيه يوسف حتى وفاته سنة ٥٧٢. وكان عثمان شغوفا بالأدب، وخفّ على نفسه ابن جبير فكان يحضره مجالس شرابه وعبثا حاول أن يقنعه بالشراب معه، إذ كان يعافه تدينا، وذات يوم أقسم عليه ليشربنّ سبعا، ونزل مضطرا عند إرادته وشرب سبع كئوس، فملأ أبا سعيد الكأس دنانير سبع مرات وصبّ ذلك فى حجره، فحملها إلى منزله، وصمم أن يجعل كفارة شربه الخمر الحجّ بتلك الدنانير، حتى إذا كانت سنة ٥٧٨ باع ملكا له تزوّد به للحج، وفصل من غرناطة فى شوال، وركب البحر فى سفينة لبعض أهل جنوة قاصدا إلى الإسكندرية ونزل بها واتجه إلى القاهرة ومنها إلى قوص بصعيد مصر، ومنها إلى عيذاب حيث عبر البحر الأحمر إلى جدة، وقصد من فوره مكة، وأدى فريضة الحج، وزار القبر الشريف بالمدينة، ثم اتجه إلى الكوفة فبغداد فالموصل وبلدانه. وهو فى كل تلك البلدان يمكث بعض الوقت ويدوّن ما شاهده فيها من مساجد ومدارس وغرائب، ونزل الشام وكان لحملة الصليب فيها مستعمرات، فجاس خلال ديارهم وسجّل كثيرا من أحوالهم. وركب البحر المتوسط من عكا على سفينة مسيحية عائدا إلى موطنه. وألمت السفينة بصقلية فنزل فيها وتجوّل فى بلادها، ورجع إلى السفينة، ونزل منها فى قرطاجنة بساحل الأندلس فى ١٥ من المحرم سنة ٥٨١ ورحلة ابن جبير تقصّ ما شاهده فى البلدان التى زارها ونزل بها فى صورة مذكرات يومية، ومع كل بلدة وكل مشهد التاريخ باليوم والشهر، ويبدو أنه كتبها فى أوراق منفصلة، وكأن الموت عاجله قبل أن يجمعها نهائيا، فجمعها بعض تلاميذه ونشرها بعد وفاته باسم «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار» وآثر من نشروها فى العصر الحديث

стр. 4170

من المستشرقين والعرب أن يطلقوا عليها اسم «رحلة ابن جبير». وله رحلتان بعد هذه الرحلة حجّ فى كل منهما، والسبب فى أولاهما أنه سمع بفتح صلاح الدين لبيت المقدس سنة ٥٨٢ واستيلائه عليه من أيدى الصليبيين، فحدثته نفسه أن يزور تلك الأماكن وعلم الإسلام يرفرف عليها، وارتحل لذلك سنة ٥٨٥ وعاد سنة ٥٨٧ إلى غرناطة وسكنها ثم سكن مالقة ثم سبتة منقطعا إلى إسماع الحديث النبوى وروايته. وكان قد تزوج من أم المجد عاتكة بنت أبى جعفر الوقّشى وزير ابن همشك أمير جيان قبل دخوله فى طاعة الموحدين، وكان كلفا بها، وتوفيت فعظم وجده عليها، ونظم فيها-بجانب ديوانين له أحدهما فى الشكوى من إخوان الزمان-ديوانا سماه: نتيجة وجد الجوانح فى تأبين القرين الصالح». ولكى يخفّف عن نفسه حزنه عليها رحل رحلته الأخيرة لأداء الحج سنة ٦١٤ وجاور بمكة فترة، ثم ارتحل إلى الإسكندرية وأدركته فيها منيته فى نفس السنة، ويغلب أن يكون مسجد سيدى جابر بها مسجده وأن تكون العامة حرّفت اسمه مع الزمن. والرحلة مكتوبة بأسلوب مرسل تشيع فيه السهولة والسلاسة والعذوبة، مما جعلها نسيجة وحدها-كما يقول ابن الخطيب-كما جعلها تطير كل مطار، ونشعر فى أحيان كثيرة كأنما بيده ريشة يبدع بها لوحات رائعة كما فى تصويره للإسكندرية حين نزلها ومبانيها وأسواقها وشوارعها ومنارها العجيب وما بها من مساجد ومدارس وبيوت لطلاب العلم. ويقول إنه بمجرد أن ينزل بها طالب علم من الأقطار النائية يجد مسكنا والعالم الذى يدرس عليه والراتب الذى يرتفق به. وينزل القاهرة ويصف القلعة والأهرام وأبا الهول، ويرسم مشهد الحسين حفيد الرسول ﵇ فى لوحة باهرة. ويطيل فى وصفه للمارستان بالقاهرة وما به من خزائن الأدوية والأسرّة كاملة الكسوة للرجال وما اتّخذ فيه من قسم خاص بالنساء وقسم على مقاصيره شبابيك من حديد للمجانين. وينزل مدينة قوص ويصف الحياة فيها كما يصف مدينة عيذاب على البحر الأحمر ويقول فى بحرها جزائر بها مغاص للؤلؤ نفيس. ويركب البحر إلى جدة وينزل مكة، ويرسم المسجد الحرام فى لوحة باهرة، تجمع كل تفاصيله بأركانه وأبوابه وكل ما يغشى جوانب فيه من ذهب وفضة وستور حريرية وما به من مقام إبراهيم المغطى بالفضة ومن حوائط رائقة الترصيع والتجزيع وقباب بديعة وسوار وأعمدة بديعة التركيب. وتشغل هذه اللوحة صفحات متصلة من الرحلة لا تترك شيئا فى المسجد ولا فى ظاهره وسطحه إلا تقيّده. ويرسم لوحة باهرة لمسجد الرسول ﵇ كاللوحة التى رسمها للمسجد الحرام،
следующие страницы →